Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V01/P407–V01/P410

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يغسل كفيه ثلاثا لأن عثمان وعليا رضي الله عنهما وصفا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : فغسلا اليد ثلاثا . + الشرح : حديث عثمان رواه البخاري ومسلم ، وحديث علي صحيح أيضا ، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بإسناد صحيح ، ورواه البخاري ومسلم من رواية عبد الله بن زيد أيضا ورواه أبو داود وغيره من رواية آخرين من الصحابة ، واتفق الأصحاب على أن غسل الكفين سنة في أول الوضوء وهو سنة من سنن الوضوء ، وفيه وجه الخراسانيين أنه سنة مستقلة لا من سنن الوضوء وقد سبق بيانه . فرع : ذكر عثمان وعليا ، فأما عثمان فهو أبو عمرو ، ويقال أبو عبد الله ويقال : أبو ليلى عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، أسلم قديما وهاجر الهجرتين ، ويقال له : ذا النورين ، لأنه تزوج بابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج رقية فماتت عنده ، ثم أم كلثوم فماتت أيضا عنده رضي الله عنهما ، قتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن تسعين سنة ، وقيل : ثمان وثمانين وقيل : ثنتين وثمانين وصلى عليه جبير بن مطعم ، ولي الخلافة ثنتي عشرة سنة . وأما علي فهو أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب واسم أبي طالب عبد مناف وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وهي أول هاشمية ولدت هاشميا ، أسلمت وهاجرت إلى المدينة وتوفيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في قبرها . قتل علي رضي الله عنه ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من رمضان سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وقيل : أربع وقيل : خمس ، ولي الخلافة خمس سنين إلا يسيرا . رضي الله عنهما ومناقبهما كثيرة مشهورة .

Section V01/P410–V01/P411

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم ينظر فإن لم يقم من النوم فهو بالخيار إن شاء غمس يده ثم غسل وإن شاء أفرع الماء على يده ثم غسل ، فإن قام من النوم فالمستحب أن لا يغمس يده حتى يغسلها لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده فإن خالف وغمس لم يفسد الماء لأن الأصل الطهارة فلا يزال اليقين بالشك . + الشرح : الحديث المذكور صحيح رواه البخاري ومسلم بلفظه إلا قوله : ثلاثا فإنه في مسلم دون البخاري وقوله صلى الله عليه وسلم : فإنه لا يدري أين باتت يده سببه ما قاله الشافعي رحمه الله وغيره أن أهل الحجاز كانوا يقتصرون على الاستنجاء بالأحجار ، وبلادهم حارة ، فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على المحل النجس أو على بثرة أو قملة ونحو ذلك فتتنجس . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا إذا كان يتوضأ من قدح وشبهه مما يغمس اليد فيه وليس فيه قلتان نظر فإن شك في نجاسة يده كره أن يغمسها فيه حتى يغسلها ثلاثا للحديث ، وسواء كان الشك في نجاستها للقيام من النوم أو لغيره ، هكذا عبارة أصحابنا ، وصرحوا بأن الحكم متعلق بالشك . قالوا : وإنما ذكر النوم في الحديث مثالا ونبه صلى الله عليه وسلم على المقصود بذكر العلة في قوله صلى الله عليه وسلم : فإنه لا يدري أين باتت يده وأما تقييد المصنف المسألة بما إذا قام من النوم فخلاف ما قاله الأصحاب . وإن تيقن طهارة يده فوجهان : الصحيح منهما أنه بالخيار إن شاء غسل ثم غمس وإن شاء غمس ثم غسل ، لأن كراهة الغمس عند الشك إنما كانت للخوف من النجاسة ، وقد تحققنا عدم النجاسة ، وبهذا الوجه قطع المصنف والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والمحاملي في كتبه الثلاثة وابن الصباغ والمتولي والبغوي والجرجاني وصاحبا العدة والبيان وغيرهم . والثاني : استحباب تقديم الغسل لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فيتوهم الطهارة في موضع النجاسة وربما نسي النجاسة فضبط الباب لئلا يتساهل الشاك ، وهذا الوجه هو المختار عند الماوردي وإمام الحرمين وغلطا من قال خلافه والله أعلم . فرع : أنكر على المصنف في هذا الفصل شيئان : أحدهما : تخصيص استحباب الغسل قبل الغمس بما إذا قام من نوم والصواب ضبطه بالشك في نجاسة اليد كما أوضحناه والثاني : قوله : استحب أن لا يغمس حتى يغسل . لا يلزم منه كراهة الغمس أولا ، والصواب أنه يكره الغمس قبل الغسل للنهي الصريح في هذا الحديث الصحيح ، وكذا صرح بالكراهة المصنف في التنبيه وآخرون ، نص عليه الشافعي رحمه الله في البويطي فقال : فإن غمس يده قبل الغسل أو بعد الغسل مرة أو مرتين فقد أساء هذا نصه وهذه أول مسألة في البويطي ، وفي هذا النص تصريح بالكراهة حتى يغسل ثلاثا وأن الغسلتين لا تنفي الكراهة لكن تخففها ، والحديث دليل لهذا والله أعلم .

Section V01/P411–V01/P413

فرع : قد ذكرنا كراهة غمس اليد قبل الغسل متى شك في نجاسة اليد سواء قام من نوم الليل أو النهار أو شك في نجاستها بسبب آخر ، وهي كراهة تنزيه ، هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء ، وعن أحمد روايتان : إحداهما : لا فرق بين نوم الليل ونوم النهار والثانية : إن قام من نوم الليل كره كراهة تحريم ، وإن قام من نوم النهار فكراهة تنزيه ، وبهذا قال داود ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : فإنه لا يدري أين باتت يده والمبيت يكون في الليل ، والنهي والتحريم ، وأجاب أصحابنا بأن الليل ذكر لأنه الغالب ونبه صلى الله عليه وسلم على العلة بقوله : لا يدري أين باتت يده وأمر بذلك احتياطا فلا يكون واجبا ولا تركه محرما كغيره مما في معناه والله أعلم . فرع : إذا غمس يده وهو شاك في نجاستها قبل غسلها كان مرتكبا كراهة التنزيه ولا ينجس الماء بل هو باق على طهارته ، ويجوز أن يتطهر به هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه أصحابنا عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال : ينجس إن كان قام من نوم الليل ، وحكي هذا عن إسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير وداود ، وهو ضعيف جدا ، لأن الأصل طهارة الماء واليد فلا ينجس بالشك ، وقواعد الشرع متظاهرة على هذا ، ولا يمكن أن يقال : الظاهر من اليد النجاسة ، وأما الحديث فمحمول على الاستحباب والله أعلم . فرع : إذا شك في نجاسة اليد كره غمسها في المائعات كلها حتى يغسلها فإن غمس قبل الغسل لم تنجس ولم يحرم أكله . فرع : قال أصحابنا : إذا كان الماء في إناء كبير أو صخرة بحيث لا يمكن صبه على اليد وليس معه إناء صغير يغترف به فطريقه أن يأخذ الماء بفمه ثم يغسل به كفيه أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف أو يستعين بغيره . فرع : إعلم أن كل ما ذكرناه إنما هو في كراهة تقديم الغمس على الغسل ، وأما أصل غسل الكفين فسنة بلا خلاف ، اتفق أصحابنا على التصريح بذلك وتظاهرت عليه نصوص الشافعي ودلائله من الأحاديث الصحيحة مشهورة ، وممن نقل اتفاق طرق الأصحاب عليه إمام الحرمين في النهاية ثم في مختصره للنهاية ، وإنما ذكرت هذا الكلام لأن عبارة الغزالي في الوسيط توهم إثبات خلاف فيه وذلك غير مراد فيتأول كلامه والله أعلم . فرع : في فوائد الحديث المذكور في الكتاب إحداها : أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته وإن لم تغيره الثانية : الفرق بين كون الماء واردا أو مورودا وقد سبق بيان هذا في المياه الثالثة : أن الغسل سبعا مختص بنجاسة الكلب والخنزير وفرعهما ذكره الخطابي وفي الاستدلال بهذا نظر الرابعة : استحباب غسل النجاسة ثلاثا سواء كانت متحققة أو متوهمة الخامسة : أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يكفي الرش وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، وقال بعض أصحاب مالك : ويكفي الرش وسنوضح المسألة بدليلها في باب إزالة النجاسة إن شاء الله تعالى السادسة : استحباب الاحتياط في العبادات وغيرها بحيث لا ينتهي إلى الوسوسة وقد أوضحنا الفرق بينهما في آخر باب الشك في نجاسة الماء السابعة : استحباب استعمال لفظ الكنايات فيما يتحاشى من التصريح به لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يدري أين باتت يده ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره ، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والسنة كقوله تعالى : الرفث إلى نسائكم البقرة : 781 وقوله تعالى : وقد أفضى بعضكم إلى بعض النساء : 12 وقوله : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن البقرة : 732 وهذا كله إذا علم أن السامع يفهم المقصود فهما جليا ، وإلا فلا بد من التصريح نفيا للبس والوقوع في خلاف المطلوب وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به والله أعلم .

Section V01/P413–V01/P416

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يتمضمض ويستنشق والمضمضة أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثم يمجه ، والاستنشاق أن يجعل الماء في أنفه ويمده بنفسه إلى خياشيمه ثم يستنثر لما روى عمرو بن عبسة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ثم يستنشق ويستنثر إلا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء والمستحب أن يبالغ فيهما لقوله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة : أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ولا يستقصي في المبالغة . فيصير سعوطا فإن كان صائما لم يبالغ للخبر ، وهل يجمع بينهما أو يفصل قال في الأم : يجمع لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : فتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد . وقال في البويطي : يفصل بينهما لما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق لأن الفصل أبلغ في النظافة فكان أولى ، واختلف أصحابنا في كيفية الجمع والفصل فقال بعضهم على قوله في الأم : يغرف غرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثا ويستنشق منها ثلاثا ويبدأ بالمضمضة ، وعلى رواية البويطي يغرف غرفة يتمضمض منها ثلاثا ثم يغرف غرفة أخرى يستنشق منه ثلاثا ، وقال بعضهم على قوله في الأم : يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف غرفة أخرى يتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف ثالثة يتمضمض منها ويستنشق فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق . وعلى رواية البويطي يأخذ ثلاثة غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق ، والأول أشبه بكلام الشافعي رحمه الله ، لأنه قال : يغرف لفيه وأنفه ، والثاني أصح لأنه أمكن ، فإن ترك المضمضة والاستنشاق جاز لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي : توضأ كما أمرك الله وليس فيما أمر الله تعالى المضمضة والاستنشاق ، ولأنه عضو باطن دونه حائل معتاد فلا يجب غسله كالعين . + الشرح : هذا الفصل فيه جمل بيانها بمسائل إحداها : في الأحاديث ، أما حديث عمرو بن عبسة فصحيح رواه مسلم في صحيحه في أواخر كتاب الصلاة قبيل صلاة الخوف ، ولفظه في مسلم : ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه ، وأما حديث لقيط بن صبرة فصحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة من رواية لقيط ، وهذا المذكور في المهذب لفظ رواية الترمذي ذكره في كتاب الصيام وقال : حديث حسن صحيح . وهو بعض حديث طويل ، وآخر الحديث في المهذب عند قوله : إلا أن يكون صائما . وأما قوله : ولا يستقصي في المبالغة إلى آخره فليس من الحديث بل هو من كلام المصنف ، وهو بالواو لا بالفاء ، وقوله : يستقصي بالياء المثناة تحت في أوله لا بالتاء المثناة فوق ، وإنما ضبطته لأن القلعي وغيره غلطوا فيه فجعلوه بالفاء والتاء وجعلوه من الحديث ، وهذا خطأ فاحش . وأما حديث علي رضي الله عنه فصحيح رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح ، وأما حديث طلحة بن مصرف فرواه أبو داود في سننه بإسناد ليس بقوي فلا يحتج به ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي : توضأ كما أمرك الله فحديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي : حديث حسن ، وهو بعض حديث طويل وأصله في الصحيحين ، وفيه فوائد كثيرة جمعت منها في شرح صحيح البخاري نحو أربعين فائدة والله أعلم .

Section V01/P416–V01/P418

المسألة الثانية : في الأسماء : أما عمرو بن عبسة فبعين مهملة ثم باء موحدة ثم سين مهملة مفتوحات وليس فيه نون ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وأما قول ابن البزري في ألفاظ المهذب : أنه يقال عنبسة بالنون فغلط صريح وتحريف قبيح كنيته عمرو أبو نجيح السلمي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مكة ثم المدينة وكان رابع أربعة في الإسلام وهو أخو أبي ذر لأمه سكن حمص ثم توفي بها . وأما لقيط بن صبرة فهو بفتح اللام وصبرة بفتح الصاد وكسر الباء وهو لقيط بن عامر بن صبرة العقيلي أبو رزين وقيل : لقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة ، قال ابن عبد البر وغيره : وهذا غلط بل هما واحد وقد أوضحت حاله في تهذيب الأسماء . وأما طلحة بن مصرف فهو بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء المشددة هذا هو الصواب المشهور في كتب الحديث والنسب والأسماء ، وقال القلعي في ألفاظ المهذب يروى بفتح الراء أيضا وهذا غريب ولا أظنه يصح . وأما جد طلحة فاسمه كعب بن عمرو ، وهذا هو المشهور الأصح . وقال إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وغيره : اسمه عمرو بن كعب وقيل : إنه لا صحبة لجد طلحة ، ذكر هذا الخلاف في صحبته جماعة من المتقدمين والمتأخرين ، وكان طلحة من أفاضل التابعين وأئمتهم ، وكان أقرأ أهل الكوفة أو من أقرأهم رحمه الله . المسألة الثالثة : في اللغات والألفاظ : الخياشيم جمع خيشوم وهو أقصى الأنف وقيل : الخياشيم عظام رقاق في أصل الأنف بينه وبين الدماغ ، وقيل غير ذلك ، وأما الاستنثار بالثاء المثلثة فهو طرح الماء والأذى من الأنف بعد الاستنشاق ، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور من أهل الحديث واللغة والفقه ، وقال ابن قتيبة : هو الاستنشاق ، وكذا حكاه الأزهري في تهذيب اللغة عن ابن الأعرابي والفراء والأول هو الصواب الذي تقتضيه الأحاديث ، وقد أوضحتها في تهذيب الأسماء واللغات وجمعت أقوال العلماء فيها ، ومن أحسنها رواية في الصحيحين عن عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه تمضمض واستنشق واستنثر . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : يقرب الوضوءه فهو بضم الياء وفتح القاف وكسر الراء المشددة أي يدنيه والوضوء هنا بفتح الواو ، وهو الماء الذي يتوضأ به وقوله صلى الله عليه وسلم : إلا جرت كذا ضبطناه في المهذب جرت بالجيم والراء المخففة وكذا وجد بخط ابن الزعفراني تلميذ المصنف ، وفي صحيح مسلم خرت بالخاء المعجمة وتشديد الراء ومعناه سقط وذهبت . قال صاحب مطالع الأنوار : هو في مسلم بالخاء لجميع الرواة إلا ابن أبي جعفر فرواه بالجيم ، والمراد بالخطايا الصغائر كما جاء في الحديث الصحيح : ما لم يغش الكبائر . وقوله في المهذب : وينثر هو بكسر الثاء المثلثة قال أهل اللغة يقال : نثر وانتثر واستنثر وهو مشتق من النثرة وهي طرف الأنف وقيل : الأنف كله وقوله صلى الله عليه وسلم : أسبغ الوضوء أي أكمله وقوله : فيصير سعوطا هو بفتح السين وضمها فبالفتح اسم لما يستعط به وبالضم اسم للفعل ، والغرفة بفتح الغين وضمها لغتان بمعنى يستعملان في الفعل وفي المغروف ، وقيل : بالضم للمغروف وبالفتح للفعل وقيل : بالضم للمغروف إذا كان ملء الكف وبالفتح للمغروف وقيل : غير ذلك . ويحسن الضم في قوله : يأخذ غرفة وقوله : غرفات ، يجوز فيه لغات فتح الغين والراء وضمهما وضم الغين مع إسكان الراء وفتحها ، وقوله : قال للأعرابي : هو بفتح الهمزة وهو الذي يسكن البادية ، وقوله : لأنه عضو باطن ، فيه احتراز من الظاهر ، وقوله : دونه حائل احتراز من الثقب في محل الطهارة ، وقوله : معتاد ، احتراز من لحية المرأة والله أعلم .

Section V01/P418–V01/P419

المسألة الرابعة في الأحكام : فالمضمضة والاستنشاق سنتان ، قال أصحابنا : كمال المضمضة أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثم يمجه ، وأقلها أن يجعل الماء في فيه ولا يشترط المج . وهل تشترط الإدارة فيه وجهان أصحهما لا تشترط ، هذا مختصر ما قاله الأصحاب ، وأما تفصيله فقال الماوردي : المضمضة إدخال الماء مقدم الفم والمبالغة فيها إدارته في جميع الفم ، قال : والاستنشاق إدخال الماء مقدم الأنف والمبالغة فيه إيصاله خيشومه ، قال : والمبالغة سنة زائدة عليهما . وقال المحاملي في المجموع : المشروع فيهما إيصال الماء إلى الفم والأنف قال : والمبالغة فيهما سنة قال الشافعي : المبالغة في المضمضة أن يأخذ الماء بشفتيه فيديره في فمه ثم يمجه ، وفي الاستنشاق أن يأخذ الماء بأنفه ويجذبه بنفسه ثم ينثر ولا يزيد على ذلك . وقال صاحب العدة : تمام المضمضة أن يأخذ الماء في الفم ويحركه ثم يمجه ، وتمام الاستنشاق أن يأخذ الماء بنفسه ويبلغ خياشيمه ولا يجاوز ذلك فيصير سعوطا ، وقال المتولي : المضمضة إدخال الماء في الفم والاستنشاق إدخاله الأنف ، قال : والمبالغة فيهما سنة ، فالمبالغة في المضمضة أن يدخل الماء الفم ويديره على جميع جوانب فمه ويوصله طرف حلقه ويمره على أسنانه ولثاته ، ثم يمجه ، يفعل ذلك ثلاثا ، وفي الاستنشاق يجعل الماء في أنفه ويأخذه بالنفس حتى يصل الخياشيم ثم يدخل أصابعه فيزيل ما في أنفه من أذى ثم يستنثر كما يفعل الممتخط ، يفعل ثلاثا . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه في استدلاله على أن المضمضة سنة : فإن قيل : المضمضة والاستنشاق أن يجعل الماء في فيه ويمجه وأن يجذبه بنفسه في أنفه ويرده ، قلنا : ليس كما ذكرتم ، بل المضمضة إيصال الماء إلى باطن الفم ، والاستنشاق إيصاله إلى باطن الأنف على أي حال كان ، والذي ذكرتموه إنما هو المبالغة في المضمضة والاستنشاق ، فلو ملأ فمه ماء ثم مجه أو بلعه ولم يدره في فمه كان مضمضة . هذا كلام القاضي وفيما ذكرناه قبله من كلام الأصحاب التصريح بأن أقل المضمضة جعل الماء في الفم ، والإدارة ليست بشرط الأصل المضمضة بل هي مبالغة ، وخالف المحاملي في التجريد الجماعة فقال : قال الشافعي : المضمضة أن يأخذ الماء في فمه ويديره ثم يمجه فإن لم يدره فليس بمضمضة ، وكذا نقله صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد وهو صريح في اشتراط الإدارة ، والمشهور الذي عليه الجمهور أنها ليست شرطا كما سبق . فرع : المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة بلا خلاف ، وأما قول الشيخ أبي حامد وصاحبه القاضي أبو الطيب في تعليقهما : المبالغة في الاستنشاق سنة فليس معناه أنها ليست سنة في المضمضة لأنهما ذكرا في صفة المضمضة استحباب المبالغة فيها قال أصحابنا : المبالغة في المضمضة أن يبلغ الماء أقصى الحلق ويديره فيه ، وفي الاستنشاق أن يوصله الخياشيم قال في التتمة : ثم يدخل أصبعه فيه فينزل ما في الأنف من أذى فإن كان صائما كره أن يبالغ فيهما ، وقال الماوردي : يبالغ الصائم في المضمضة ولا يبالغ في الاستنشاق لقوله صلى الله عليه وسلم : وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ولأنه يمكنه رد الماء في المضمضة بإطباق حلقه ولا يمكنه في الاستنشاق هذا كلام الماوردي ، ويعضده ظاهر نص الشافعي في الأم فإنه قال : وإن كان صائما رفق بالاستنشاق لئلا يدخل الماء رأسه ، هذا نصه ولكن الصحيح الذي عليه الجمهور كراهة المبالغة فيهما للصائم لأنه لا يؤمن سبق الماء ، قال أصحابنا : وإذا بالغ غير الصائم فلا يستقصي في المبالغة فيصير سعوطا ويخرج عن كونه استنشاقا .

Section V01/P419–V01/P422

فرع : قال الشافعي في المختصر : يستحب أن يأخذ الماء للمضمضة بيده اليمنى واتفق الأصحاب على استحباب ذلك ودليله حديث عثمان في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه أخذ الماء للمضمضة بيمينه رواه البخاري ومسلم . فرع : السنة أن ينتثر وهو أن يخرج بعد الاستنشاق ما في أنفه من ماء وأذى للحديث الصحيح الذي ذكرناه وفيه أحاديث كثيرة جمعتها في جامع السنة ، قال أصحابنا : ويستنثر بيده اليسرى للحديث الصحيح : كانت يده صلى الله عليه وسلم اليسرى لخلائه وما كان من أذى وسنوضحه في باب الاستطابة إن شاء الله تعالى ، وروى البيهقي بإسناده الصحيح عن علي رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعد غسل الكف : فأدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى يفعل ذلك ثلاثا والله أعلم . فرع في كيفية المضمضة والاستنشاق اتفق نص الشافعي والأصحاب على أن سنتهما تحصل بالجمع والفصل وعلى أي وجه أوصل الماء إلى العضوين ، واختلف نصه واختيار الأصحاب في الأفضل من الكيفيتين فنص في الأم ومختصر المزني أن الجمع أفضل ، ونص في البويطي أن الفصل أفضل ، ونقله الترمذي عن الشافعي ، قال المصنف والأصحاب : القول بالجمع أكثر في كلام الشافعي وهو أيضا أكثر في الأحاديث ، بل هو الموجود في الأحاديث الصحيحة ، منها حديث علي رضي الله عنه الذي ذكره المصنف ، وقد قدمنا بيانه وأنه صحيح ومنها حديث عبد الله بن زيد أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : فتمضمض واستنشق من كف واحدة فعل ذلك ثلاثا رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية للبخاري : فمضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات وفي رواية لمسلم : فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات وفي رواية : تمضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدة رواه البخاري . ومنها حديث ابن عباس في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأخذ غرفة من ماء تمضمض بها واستنشق رواه البخاري ، وعن ابن عباس أيضا : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ، وجمع بين المضمضة والاستنشاق رواه الدارمي في مسنده بإسناد صحيح فهذه أحاديث صحاح في الجمع . وأما الفصل فلم يثبت فيه حديث أصلا وإنما جاء فيه حديث طلحة بن مصرف وهو ضعيف كما سبق . هذا بيان الأحاديث ونصوص الشافعي ، وأما الأصحاب فجمهورهم حكوا في المسألة قولين كما حكاه المصنف أحدهما : الجمع أفضل والثاني : الفصل أفضل ، وحكى إمام الحرمين ومن تابعه طريقا آخر وهو القطع بتفضيل الفصل ، وبه قطع المحاملي في المقنع ، وتأولوا حديث عبد الله بن زيد ونصوص الشافعي على أن المراد بها بيان الجواز ، وهذا فاسد كما سأذكره إن شاء الله تعالى . وأما الجمهور الذين حكوا قولين فاختلفوا في أصحهما فصحح المصنف والمحاملي في المجموع والروياني والرافعي وكثيرون الفصل ، وصحح البغوي والشيخ نصر المقدسي وغيرهما الجمع ، هذا كلام الأصحاب والصحيح بل الصواب تفضيل الجمع للأحاديث الصحيحة المتظاهرة فيه كما سبق وليس لها معارض . وأما حديث الفصل فالجواب عنه من أوجه أحدها : أنه ضعيف كما سبق فلا يحتج به لو لم يعارضه شيء فكيف إذا عارضه أحاديث كثيرة صحاح الثاني : أن المراد بالفصل أنه تمضمض ثم مج ثم استنشق ولم يخلطهما ، قاله الشيخ أبو حامد والشيخ نصر والثالث : أنه محمول على بيان الجواز وهذا جواب صحيح لأن هذا كان مرة واحدة لأن لفظه في سنن أبي داود قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق وهذا لا يقتضي أكثر من مرة فحمله على بيان الجواز تأويل حسن .

Section V01/P422–V01/P424

وأما ما تأوله الآخرون من حمل أحاديث الجمع ونصوص الشافعي على بيان الجواز ففاسد ، لأن روايات الجمع كثيرة من جهات عديدة وعن جماعة من الصحابة ، ورواية الفصل واحدة وهي ضعيفة ، وهذا لا يناسب بيان الجواز في الجمع ، فإن بيان الجواز يكون في مرة ونحوها ويداوم على الأفضل ، والأمر هنا بالعكس ، فحصل أن الصحيح تفضيل الجميع والله أعلم . وفي كيفية الجمع وجهان : أصحهما بثلاث غرفات ، يأخذ غرفة يتمضمض منها ثم يستنشق منها ثم يأخذ غرفة ثانية بها كذلك ، ثم ثالثة كذلك ، ودليله حديث عبد الله بن زيد ، وهذا الوجه هو قول القاضي أبي حامد واختيار أبي يعقوب الإبيوردي والقاضي أبي الطيب ، واتفق المصنفون على تصحيحه ، ممن صححه القاضي أبو الطيب والمتولي والبغوي والروياني والرافعي وغيرهم وقطع به الشيخ نصر وغيره . والوجه الثاني يجمع بغرفة واحدة ، فعلى هذا في كيفيته وجهان أحدهما : يخلط المضمضة بالاستنشاق فيمضمض ثم يستنشق ثم يمضمض ثم يستنشق ثم يمضمض ثم يستنشق ، وبهذا قطع البندنيجي من العراقيين تفريعا على قولنا بغرفة والثاني : لا يخلط بل يتمضمض ثلاثا متوالية ، وهذان الوجهان نقلهما إمام الحرمين فقال : قال العراقيون يخلط لأن اتحاد الغرفة يدل على أنهما في حكم عضو واحد ، وقطع أصحاب القفال بترك الخلط ، قال الإمام : وهذا هو الصحيح وكذا صححه الغزالي وآخرون وتصحيحه هو الظاهر ، قال القاضي حسين : لأن الأصل في الطهارة لا ينتقل إلى عضو حتى يفرغ ما قبله . وأما كيفية الفصل ففيها وجهان أحدهما : بست غرفات يتمضمض بثلاث ثم يستنشق بثلاث والثاني : بغرفتين يتمضمض بإحداهما ثلاثا ثم يستنشق بالثانية ثلاثا ، وهذا الثاني أصح ، صححه جماعة منهم الرافعي وقطع به البندنيجي والبغوي على هذا القول . فحصل في المسألة خمسة أوجه الصحيح تفضيل الجمع بثلاث غرفات والثاني : بغرفة بلا خلط ، والثالث : بغرفة من الخلط والرابع : الفصل بغرفتين ، والخامس : بست غرفات ، وهو أضعفها والله أعلم . فرع : اتفق أصحابنا على أن المضمضة مقدمة على الاستنشاق سواء جمع أو فصل بغرفة أو بغرفات ، وفي هذا التقديم وجهان حكاهما الماوردي والشيخ أبو حامد الجويني وولده إمام الحرمين وآخرون وأصحهما أنه شرط فلا يحسب الاستنشاق إلا بعد المضمضة لأنهما عضوان مختلفان ، فاشترط فيهما الترتيب كالوجه واليد ، والثاني : أنه مستحب ويحصل الإستنشاق وإن قدمه لتقديم اليسار على اليمين والله أعلم . المسألة الخامسة : في مذاهب العلماء في المضمضة والاستنشاق وهي أربعة : أحدها : أنهما سنتان في الوضوء والغسل ، هذا مذهبنا وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والزهري والحكم وقتادة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والأوزاعي والليث ورواية عن عطاء وأحمد . والمذهب الثاني : أنهما واجبتان في الوضوء والغسل وشرطان لصحتهما ، وهو مذهب ابن أبي ليلى وحماد وإسحاق والمشهور عن أحمد ورواية عن عطاء والثالث : واجبتان في الغسل دون الوضوء وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري والرابع : الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة وهو مذهب أبي ثور وأبي عبيد وداود ورواية عن أحمد قال ابن المنذر : وبه أقول . واحتج لمن أوجبهما فيهما بأشياء منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلهما ، وفعله صلى الله عليه وسلم بيان للطهارة المأمور بها ، وعن عائشة مرفوعا المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه عن النبي صلى الله عليه وسلم : تمضمضوا واستنشقوا ولأنه عضو من الوجه ويجب غسله من النجس فوجب من الحدث كالخد . واحتج لمن أوجبهما في الغسل بحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة قالوا : وفي الأنف وفي الفم بشرة .

Section V01/P424–V01/P427

وعن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه جعل المضمضة والاستنشاق ثلاثا للجنب فريضة وعن علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ترك موضع شعرة من الجنابة لم يغسلها فعل بها كذا وكذا من النار قال علي : فمن ثم عاديت رأسي وكان يجز شعره حديث حسن رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن ، قالوا : ولأنهما عضوان يجب غسلهما من النجاسة فكذا من الجنابة كما في الأعضاء ، ولأن الفم والأنف في حكم ظاهر البدن من أوجه لأنه لا يشق إيصال الماء إليهما ، ولا يفطر بوضع الطعام فيهما ، ولا تصح الصلاة مع نجاسة عليهما ، قالوا : ولأن اللسان يلحقه حكم الجنابة ولهذا يحرم به القراءة . واحتج لمن أوجب الاستنشاق دون المضمضة بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من توضأ فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر رواه البخاري ومسلم وبقوله صلى الله عليه وسلم للقيط : وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما وهو حديث صحيح كما سبق ، وبحديث سلمة بن قيس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا توضأت فانتثر وإذا استجمرت فأوتر رواه الترمذي وقال : حسن صحيح . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : فاغسلوا وجوهكم المائدة : 6 وقوله تعالى : وإن كنتم جنبا فاطهروا والوجه عند العرب ما حصلت به المواجهة ، وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر وقد سأله عن الجنابة تصيبه ولا يجد الماء : الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر حجج فإذا وجد الماء فليمسه بشرته حديث صحيح رواه أبو داود وآخرون بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وسنوضحه حيث ذكره المصنف في التيمم إن شاء الله تعالى . قال أهل اللغة : البشرة ظاهر الجلد ، وأما باطنه فأدمه بفتح الهمزة والدال ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي : توضأ كما أمرك الله وهو صحيح سبق بيانه . وموضع الدلالة أن الذي أمر الله تعالى به غسل الوجه وهو ما حصلت به المواجهة دون باطن الفم والأنف . وهذا الحديث من أحسن الأدلة ولهذا اقتصر المصنف عليه لأن هذا الأعرابي صلى ثلاث مرات فلم يحسنها فعلم النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ أنه لا يعرف الصلاة التي تفعل بحضرة الناس وتشاهد أعمالها فعلمه واجباتها وواجبات الوضوء فقال صلى الله عليه وسلم : توضأ كما أمرك الله ولم يذكر له سنن الصلاة والوضوء لئلا يكثر عليه فلا يضبطها ، فلو كانت المضمضة والاستنشاق واجبتين لعلمه إياهما ، فإنه مما يخفى لا سيما في حق هذا الرجل الذي خفيت عليه الصلاة التي تشاهد ، فكيف الوضوء الذي يخفى . واحتجوا من الأقيسة والمعاني بأشياء كثيرة جدا منها ما ذكره المصنف : عضو باطن دون حائل معتاد فلم يجب غسله كداخل العين . والجواب عن احتجاجهم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه ولأن فيه غسل الكفين والتكرار وغيرهما مما ليس بواجب بالإجماع ، والجواب عن حديث عائشة رضي الله عنها من وجهين أحدهما : أنه ضعيف وضعفه من وجهين أحدهما : لضعف الرواة الثاني : أنه مرسل ، ذكر ذلك الدارقطني وغيره والوجه الثاني لو صح حمل على كمال الوضوء . والجواب عن حديث أبي هريرة من هذين الوجهين لأنه من رواية عمرو بن الحصين عن ابن علاثة بضم العين المهملة وبلام مخففة ثم ثاء مثلثة قال الدارقطني وغيره : هما ضعيفان متروكان . وهذه العبارة أشد عبارات الجرح توهينا باتفاق أهل العلم بذلك ، قال الخطيب البغدادي : كان عمرو بن الحصين كذابا . وأما قولهم : عضو من الوجه فلا نسلمه .

Section V01/P427–V01/P428

وأما حديث : تحت كل شعرة جنابة إلى آخره فضعيف رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وضعفوه كلهم لأنه من رواية الحارث بن وجيه وهو ضعيف منكر الحديث ، وجواب ثان وهو حمله على الاستحباب جمعا بين الأدلة ، وجواب ثالث للخطابي أن البشرة عند أهل اللغة ظاهر الجلد كما سبق بيانه ، وداخل الفم والأنف ليس بشرة ، وأما الشعر فالمراد به ما على البشرة ، وأما حديث : المضمضة والاستنشاق ثلاثا فريضة فضعيف ولو صح حمل على الاستحباب ، فإن الثلاث لا تجب بالإجماع ، وأما حديث علي رضي الله عنه فمحمول على الشعر الظاهر جمعا بين الأدلة ، ويدل عليه أيضا قوله : عاديت رأسي . وأما قولهم : عضوان يجب غسلهما عن النجاسة فكذا من الجنابة فمنتقض بداخل العين ، وأما قولهم داخل الفم والأنف في حكم ظاهر البدن بدليل عدم الفطر ووجوب غسل نجاستهما ، فجوابه أنه لا يلزم من كونهما في حكم الظاهر في هذين الأمرين أن يجب غسلهما ، فإن داخل العين كذلك بالاتفاق ، فإنه لا يفطر بوضع الطعام فيها ولا يجب غسلها في الطهارة ويحكم بنجاستها بوقوع نجاسة فيها . فإن قالوا : لا تنجس العين عند أبي حنيفة فإنه لا يوجب غسلها قال الشيخ أبو حامد : قلنا هذا غلط ، فإن العين عنده تنجس ، وإنما لا يجب غسلها عنده لكون النجاسة الواقعة فيها لا تبلغ قدر درهم ، ولهذا لو بلغت النجاسة في العين وحواليها الدرهم وجب غسلها عنده ، وأما قولهم يتعلق باللسان جنابة بدليل تحريم القراءة ، فجوابه أنه لا يلزم من تعلق حكم الحدث به أنه يجب غسله كما يحرم على المحدث مس المصحف بظهره ولسانه ولا يجب غسلهما ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم : فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر فمحمول على الاستحباب فإن التنثر لا يجب بالإجماع . وقوله صلى الله عليه وسلم : وبالغ في الاستنشاق محمول أيضا على الندب فإن المبالغة لا تجب بالاتفاق والله أعلم .

Section V01/P428–V01/P429

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تغسل العين ، ومن أصحابنا من قال : يستحب غسلها ، لأن ابن عمر رضي الله عنهما كان يغسل عينه حتى عمي ، والأصح أصح لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا ولا فعلا ، فدل على أنه ليس بمسنون ، ولأن غسلها يؤدي إلى الضرر . + الشرح : هذا الأثر عن ابن عمر رضي الله عنهما صحيح رواه مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر : كان إذا اغتسل من الجنابة يتوضأ فيغسل وجهه وينضح في عينه هذا لفظه وكذا رواه البيهقي وغيره ، وليس في رواياتهم : حتى عمي وفيها وينضح في عينيه بالتثنية ، وفي المهذب عينه بالأفراد . وقول المصنف : حتى عمي يحتمل أن يكون عماه بسبب غسل العين كما هو السابق إلى الفهم وكما يدل عليه كلام أصحابنا ، ويحتمل كونه بسبب آخر ويكون معناه ما زال يغسلهما حتى حصل سبب عمي به فترك بعد ذلك غسلهما ، ففي تهذيب اللغة للأزهري قال ابن الأعرابي : القدع إنسلاق العين من كثرة البكاء وكان عبد الله بن عمر قدعا . قلت : القدع بفتح القاف والدال وبالعين المهملتين وقوله : كان قدعا بكسر الدال فظاهر هذا أنه عمي بالبكاء ، ويحتمل أنه بالأمرين والله أعلم . أما حكم المسألة : فلا يجب غسل داخل العين بالاتفاق وفي استحبابه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف أصحهما عند الجمهور : لا يستحب ، وممن صححه المصنف والماوردي والقاضي أبو الطيب والمتولي والشاشي والرافعي وآخرون ، ونقله الماوردي عن أصحابنا المتقدمين غير الشيخ أبي حامد ، وصححت طائفة الاستحباب وقطع به الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمحاملي في المجموع والتجريد والبغوي وصاحب العدة ونقله البغوي عن نصه في الأم ، وليس نصه في الأم ظاهرا فيما نقله فإنه قال في الأم : إنما أكدت المضمضة والاستنشاق دون غسل العينين للسنة ، ولأن الفم والأنف يتغيران وأن الماء يقطع من تغيرهما ، وليس كذلك العين . وذكر القاضي أبو الطيب أن بعض الأصحاب قال : يستحب ذلك لأن الشافعي نص عليه ، قال القاضي : ولم أر فيه نصا وإنما قال الشافعي : أكدت المضمضة والاستنشاق على غسل داخل العينين والله أعلم . فرع : هذا الذي ذكرناه إنما هو في غسل داخل العين ، أما مآقي العينين فيغسلان بلا خلاف ، فإن كان عليهما قذى يمنع وصول الماء إلى المحل الواجب من الوجه وجب مسحه وغسل ما تحته وإلا فمسحهما مستحب ، هكذا فصله الماوردي ، وأطلق الجمهور أن غسلهما مستحب ونقله الروياني عن الأصحاب فقال : أصحابنا يستحب مسح مآقيه بسبابتيه ، وهذا الإطلاق محمول على تفصيل الماوردي . وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان يمسح المآقين في وضوئه رواه أبو داود بإسناد جيد ولم يضعفه ، وقد قال : إنه إذا لم يضعف الحديث يكون حسنا أو صحيحا لكن فى إسناده شهر بن حوشب وقد جرحه جماعة ولكن وثقه الأكثرون وبينوا أن الجرح كان مستندا إلى ما ليس بجارح والله أعلم .

Section V01/P429–V01/P431

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يغسل وجهه وذلك فرض لقوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم والوجه ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن ومنتهى اللحيين طولا ، ومن الأذن إلى الأذن عرضا ، والاعتبار بالمنابت المعتادة لا بمن تصلح الشعر عن ناصيته ولا بمن نزل إلى جبهته . وفي موضع التحذيف وجهان ، قال أبو العباس : هو من الوجه لأنهم أنزلوه من الوجه ، وقال أبو إسحاق ، هو من الرأس لأن الله تعالى خلقه من الرأس فلا يصير وجها بفعل الناس . + الشرح : غسل الوجه واجب في الوضوء بالكتاب والسنن المتظاهرة والإجماع ، وهذا الذي ذكره المصنف في حد الوجه هو الصواب الذي عليه الأصحاب ونص عليه الشافعي رحمه الله في الأم ، وذكر المزني في المختصر في حده كلاما طويلا مختلفا أنكره عليه الأصحاب ونقل إمام الحرمين عن الأصحاب في حده عبارة حسنة فقال : قال الأصحاب : حده طولا ما بين منحدر تدوير الرأس أو من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى ما يقبل من الذقن ، ومن الأذن إلى الأذن عرضا . هذا كلام الإمام . قال أصحابنا : ولا يدخل وتدا الأذن في الوجه ولا خلاف فيه ، قال البغوي : إلا أنه لا يمكن غسل جميع الوجه إلا بغسلهما ، والبياض الذي بين الأذن والعذار من الوجه عندنا وهو داخل في الحد . وأما إذا تصلع الشعر عن ناصيته أي زال عن مقدم رأسه فلا يجب غسل ذلك الموضع بلا خلاف لأنه من الرأس ، ولو نزل الشعر عن المنابت المعتادة إلى الجبهة نظر إن عمها واجب غسلها كلها بلا خلاف ، وإن ستر بعضها فطريقان الصحيح منهما وبه قطع العراقيون وجوب غسل ذلك المستور ، ونقل القاضي حسين أن الشافعي نص عليه في الجامع الكبير والثاني : وبه قال الخراسانيون : فيه وجهان أصحهما هذا ، والثاني : لا يجب لأنه في صورة الرأس . وأما موضع التحذيف فسمي بذلك لأن الأشراف والنساء يعتادون إزالة الشعر عنه ليتسع الوجه قال الشيخ أبو حامد : هو الشعر الذي بين النزعة والعذار وهو المتصل بالصدغ ، وقال الشاشي في المستظهري : هو ما بين ابتداء العذار والنزعة داخلا في الجبين من جانبي الوجه يؤخذ عنه الشعر ، يفعله الأشراف . وقال الغزالي في الوسيط : هو القدر الذي إذا وضع طرف الخيط على رأس الأذن والطرف الثاني على زاوية الجبين وقع في جانب الوجه . وقال أبو الفرج عبد الرحمن السرخسي في أماليه : هو موضع الشعر الخفيف الذي ينزل منبته إلى الجبين بين بياضين ، أحدهما : بياض النزعة . والثاني : بياض الصدغ ، وقيل : في حده أقوال أخر . وأما حكمه : ففيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف بدليلهما وكلاهما منقول عن نص الشافعي . قال إمام الحرمين في النهاية : قال الشافعي : موضع التحذيف من الوجه وأشار الشيخ أبو حامد إلى نحو هذا ، وقال الروياني في البحر : قال القاضي أبو الطيب : قال أبو إسحاق المروزي : نص الشافعي في الإملاء أنه من الرأس ، فهذان نصان ، واتفق الأصحاب في الطريقين على حكاية الخلاف وجهين مع أنهما قولان كما ترى ، فكأنهما لم يثبتا عند واحد منهم وإن كان قد ثبت أحدهما عند بعضهم ، واختلفوا في أصح الوجهين فصحح الماوردي والبندنيجي والغزالي في الوسيط والوجيز أنه من الوجه ، وبه قطع إمام الحرمين ، ونقله الماوردي عن أبي علي بن أبي هريرة وصحح الجمهور كونه من الرأس ، منهم القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي والشاشي وصاحب البيان وآخرون ونقله الروياني والرافعي عن الجمهور ، وهو الموافق لنص الشافعي في حد الرأس والله أعلم .

Section V01/P431–V01/P432

فرع : قول المصنف : إلى الذقن ومنتهى اللحيين ، جمع بينهما تأكيدا وإلا فأحدهما يغني عن الآخر ، والذقن بفتح الذال المعجمة والقاف وجمعه أذقان وهو مجمع اللحيين ، واللحيان بفتح اللام واحدهما لحي ، هذه اللغة المشهورة وحكى صاحب مطالع الأنوار وغره كسر اللام وهو غريب ضعيف ، وهما الفكان وعليهما منابت الأسنان السلفى ، والأذن بضم الذال ويجوز إسكانها تخفيفا ، وكذا كل ما كان على فعل بضم أوله وثانيه يجوز إسكان ثانيه كعنق وكتب ورسل ، وفي الشعر لغتان مشهورتان بفتح العين وإسكانها والفتح أفصح ، وقوله : لأنهم أنزلوه من الوجه معناه نزلوه منزلة جزء من الوجه ، والذين نزلوه هم الأشراف والنساء كما سبق والله أعلم . فرع : ذكرنا أن البياض الذي بين الأذن والعذار من الوجه ، هذا مذهبنا وحكاه أصحابنا عن أبي حنيفة ومحمد وأحمد وداود ، وعن مالك أنه ليس من الوجه وعن أبي يوسف يجب على الأمرد غسله دون الملتحي ، وحكى الماوردي هذا التفصيل عن مالك ، ودليلنا أنه تحصل به المواجهة كالخد . واحتج الماوردي وغيره فيه بحديث علي رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في غسل الوجه : ضرب بالماء على وجهه ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه رواه أبو داود والبيهقي وليس بقوي ، لأنه من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي وهو مدلس ولم يذكر سماعه فلا يحتج به كما عرف ، فلهذا لم أعتمده وإنما اعتمدت المعنى وذكرت الحديث تقوية ولأبين حاله والله أعلم .

Section V01/P432–V01/P435

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن كان ملتحيا نظرت فإن كانت لحيته خفيفة لا تستر البشرة وجب غسل الشعر والبشرة للآية ، وإن كانت كثيفة تستر البشرة وجب إفاضة الماء على الشعر ، لأن المواجهة تقع به ولا يجب غسل ما تحته لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : توضأ فغرف غرفة وغسل بها وجهه وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر مع كثافة اللحية ، ولأنه باطن دونه حائل معتاد فهو كداخل الفم والأنف ، والمستحب أن يخلل لحيته لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يخلل لحيته فإن كان بعضها خفيفا وبعضها كثيفا غسل ما تحت الخفيف وأفاض الماء على الكثيف . + الشرح : في هذه القطعة مسائل إحداها : حديث ابن عباس رواه البخاري في صحيحه وقوله : وبغرفة واحدة لا يصل الماء مع كثافة اللحية ، معناه أن لحيته الكريمة كانت كثيفة ، وهذا صحيح معروف ، وأما قوله : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته فصحيح رواه الترمذي من رواية عثمان بن عفان رضي الله عنه وقال : حسن صحيح ، وفي تخليل اللحية أحاديث كثيرة وينكر على المصنف قوله : روي بصيغة تمريض مع أنه حديث صحيح . الثانية : اللحية بكسر اللام وجمعها لحى بضم اللام وكسرها وهو أفصح وهي الشعر النابت على الذقن ، قاله المتولي والغزالي في البسيط وغيرهما ، وهو ظاهر معروف ، لكن يحتاج إلى بيانه بسبب الكلام في العارضين كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، وقد سبق أن البشرة ظاهر الجلد ، والكثة والكثيفة بمعنى ، وقوله : لأنه باطن ، احتراز من اليد والرجل وقوله : دونه حائل ، احتراز من الثقب في موضع الطهارة فإنه يجب غسل داخله وقوله : معتاد احتراز من اللحية الكثة لامرأة . الثالثة : اللحية الكثيفة يجب غسل ظاهرها بلا خلاف ولا يجب غسل باطنها ولا البشرة تحته ، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي رحمه الله وقطع به جمهور الأصحاب في الطرق كلها وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم ، وحكى الرافعي قولا ووجها أنه يجب غسل البشرة وهو مذهب المزني وأبي ثور ، قال الشيخ أبو حامد : غلط بعض الأصحاب فظن المزني ذكر هذا عن مذهب الشافعي رحمه الله ، قال : وليس كذلك ، وإنما حكى مذهب نفسه وانفرد هو وأبو ثور في هذه المسألة ، ولم يتقدمهما فيها أحد من السلف . قلت : قد نقله الخطابي عن إسحاق بن راهويه أيضا وهو أكبر منهما واحتج لهم بحديث أنس المذكور في الفرع الثالث بعد هذه المسألة ، وقوله : فخلل لحيته وقال : هكذا أمرني ربي وبالقياس على غسل الجنابة وعلى الشارب والحاجب . واحتج الأصحاب بما ذكره المصنف من حديث ابن عباس والقياس وأجابوا عن غسل الجنابة بأنها أغلظ ولهذا وجب غسل كل البدن ولم يجز مسح الخف بخلاف الوضوء ، ولأن الوضوء يتكرر فيشق غسل البشرة فيه مع الكثافة بخلاف الجنابة ، وأما الشارب والحاجب فكثافته نادرة ولا يشق إيصال الماء إليه بخلاف اللحية . وإن كانت اللحية خفيفة وجب غسل ظاهرها وباطنها والبشرة تحتها بلا خلاف عندنا ، وإن كان بعضها خفيفا وبعضها كثيفا فلكل بعض منهما حكمه لو كان متمحضا فللكثيف حكم اللحية الكثيفة وللخفيف حكم اللحية الحفيفة ، هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع الأصحاب في الطرق .

Section V01/P435–V01/P436

وقال الماوردي : إن كان الكثيف متفرقا بين الخفيف لا يمتاز ولا ينفرد عنه وجب إيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة وحكى الرافعي وجها أن للجميع حكم الخفيف مطلقا ، وحكى الإمام أبو سهل الصعلوكي نصا عن الشافعي رحمه الله أن من كان جانبا لحيته خفيفين وبينهما كثيف وجب غسل البشرة كلها كالحاجب ، وهذا نص غريب جدا وقد ذكرته في طبقات الفقهاء في ترجمة عمر القصاب والله أعلم . فرع : في ضبط اللحية الكثيفة والخفيفة أوجه أحدها : ما عده الناس خفيفا فخفيف ، وما عدوه كثيفا فهو كثيف ، ذكره القاضي حسين في تعليقه وهو غريب والثاني : ما وصل الماء إلى ما تحته بلا مشقة فهو خفيف ، وما لا فكثيف ، حكاه الخراسانيون والثالث : وهو الصحيح وبه قطع العراقيون والبغوي وآخرون وصححه الباقون وهو ظاهر نص الشافعي إن ما ستر البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب فهو كثيف وما لا فخفيف . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجب غسل اللحية الخفيفة والبشرة تحتها ، وبه قال مالك وأحمد وداود ، قال بعض أصحابنا : وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجب غسل ما تحتها كداخل الفم ، وكما سوينا بين الخفيف والكثيف في الجنابة وأوجبنا غسل ما تحتهما فكذا نسوي بينهما في الوضوء فلا نوجبه ، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : فاغسلوا وجوهكم المائدة : 6 وهذه البشرة من الوجه ويقع بها المواجهة ، ولأنه موضع ظاهر من الوجه فأشبه الخد ويخالف الكثيف فإنه يشق إيصال الماء إليه بخلاف هذا . والجواب عن داخل الفم أنه يحول دونه حائل أصلي فأسقط فرض الوضوء ، واللحية طارئة والطارىء إذا لم يستر الجميع لم يسقط الفرض كالخف المخرق ، والجواب عن غسل الجنابة أن المعتبر في الموضعين المشقة وعدمها ، فلما كانت الجنابة قليلة أوجبنا ما تحت الشعور كلها بعدم المشقة فكذا ما تحت الخفيف في الوضوء بخلاف الكثيف والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن التخليل سنة ، ولم يذكر الجمهور كيفيته ، وقال السرخسي : يخللها بأصابعه من أسفلها قال : ولو أخذ للتخليل ماء آخر كان أحسن ، ويستدل لما ذكره من الكيفية بحديث أنس رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل بها لحيته وقال : هكذا أمرني ربي رواه أبو داود ولم يضعفه وإسناده حسن أو صحيح والله أعلم .

Section V01/P436–V01/P438

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجب غسل ما تحت الشعر الكثيف في الوضوء إلا في خمسة مواضع : الحاجب والشارب والعنفقة والعذار واللحية الكثة للمرأة لأن الشعر في هذه المواضع يخف في العادة وإن كثف لم يكن إلا نادرا فلم يكن له حكم . + الشرح : قال أصحابنا : ثمانية من شعور الوجه يجب غسلها وغسل البشرة تحتها سواء خفت أو كثفت ، وهي الحاجب والشارب والعنفقة والعذار ولحية المرأة ولحية الخنثى وأهداب العين وشعر الخد ، فأما الخمسة الأولى فقد ذكرها المصنف والأصحاب ، وأما الأهداب فنص عليها الشافعي والأصحاب منهم الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي وسليم الرازي والقاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين وابن الصباغ والغزالي والبغوي والمتولي وخلائق لا يحصون ، وأما شعر الخد فصرح به البغوي وغيره ، وأما لحية الخنثى فصرح بها الدارمي والمتولي والبغوي والرافعي وآخرون ، وعلله المتولي بأنه نادر وبأن الأصل في أحكام الخنثى العمل باليقين ، ويعلل بثالث وهو أن غسل البشرة كان واجبا قبل نبات اللحية وشككنا هل سقط والأصل بقاؤه ، وهذا تفريع على المذهب أن لحية الخنثى لا تكون علامة لذكورته . واعلم أنه ينكر على المصنف كونه لم يستثن إلا الخمسة وأهمل الثلاثة الأخيرة ، ويجاب عنه بأنه رآها ظاهرة تفهم مما ذكره لأن الكثافة في الأهداب والخد أندر منها في الخمسة ، ولحية الخنثى تعلم من كونه له حكم المرأة فيما فيه احتياط . واعلم أن الشعور الثمانية يجب غسلها وغسل ما تحتها مع الكثافة بلا خلاف إلا وجها حكاه الرافعي فيها كلها أنها كاللحية وإلا وجها مشهورا عند الخراسانيين في العنفقة وحدها أنها كاللحية ووجها أنها إن اتصلت باللحية فهي كاللحية ، وإن انفصلت وجب غسل بشرتها مع الكثافة ، حكاه القاضي حسين والفوراني والمتولي وصاحبا العدة والبيان ، فحصل في العنفقة ثلاثة أوجه الصحيح وجوب غسل بشرتها مع الكثافة . فرع في تفسير هذه الشعور أما الحاجب فمعروف سمي حاجبا لمنعه العين من الأدى والحجب المنع . والشارب هو الشعر النابت على الشفة العليا ، ثم الجمهور قالوا : الشارب بالإفراد وقال القاضي أبو الطيب : قال الشافعي في الأم : يجب إيصال الماء إلى أصول الشعر في مواضع الحاجبين والشاربين والعذارين والعنفقة ، قال القاضي : قيل أراد الشافعي بالشاربين الشعر الذي على ظاهر الشفتين ، وقيل : أراد الشعر على الشفة العليا ، جعل ما يلي الشق الأيمن شاربا وما يلي الأيسر شاربا قال القاضي : هذا هو الصحيح وهذا الذي ذكره القاضي عن الأم ذكره الشافعي في موضع من الباب : شارب بالإفراد ، وممن ذكر الشاربين بالتثنية ابن القاص في التلخيص والغزالي في كتبه . وأما العنفقة فهي الشعر النابت على الشفة السفلى ، كذا قاله القاضي حسين وصاحبا التتمة والبيان ، وأما العذار فالنابت على العظم الناتىء بقرب الأذن قاله الشيخ أبو حامد والأصحاب وذكر الأصحاب في وجوب غسل بشرة هذه الشعور علتين إحداهما : أن كثافتها نادرة كما ذكره المصنف والثانية : أن المغسول يحيط بجوانبها فجعل لها حكم الجوانب ، وقد أشار الشافعي في الأم إلى العلتين ، والأولى أصحهما وقطع بها جماعة كما قطع بها المصنف .

Section V01/P438

فرع : أما شعر العارضين فهو ما تحت العذار ، كذا ضبطه المحاملي وإمام الحرمين وابن الصباغ والرافعي وغيرهم ، وفيه وجهان الصحيح الذي قطع به الجمهور أن له حكم اللحية فيفرق بين الخفيف والكثيف كما سبق ، ممن قطع به أبو علي البندنيجي والفوراني وإمام الحرمين وابن الصباغ والمتولي والبغوي وصاحبا العدة والبيان والرافعي وآخرون ، ونص عليه الشافعي في الأم وصححه القاضي حسين ، وهو مفهوم من قول المصنف لا يجب غسل ما تحت الشعر الكثيف إلا في خمسة مواضع ، وليس هذا منها ، وشذ السرخسي فقال في الأمالي : ظاهر المذهب أن العارض كالعذار فيجب غسل ما تحته مع الكثافة ، وهذا شاذ متروك لمخالفته النقل والدليل ، فإن الكثافة فيه ليست بنادرة فأشبه اللحية . فرع : الشعر الكثيف على اليد والرجل يجب غسله وغسل البشرة تحته بلا خلاف لندوره ، وكذا يجب غسل ما تحت الشعر الكثيف في غسل الجنابة بلا خلاف لعدم المشقة فيه لقلة وقوعه ، ولهذا احترز عنه المصنف بقوله : لا يجب غسل ما تحت الشعر الكثيف في الوضوء . فرع : قول المصنف : وإن كثف لم يكن إلا نادرا فلم يكن له حكم . هذه العبارة مشهورة في استعمال العلماء ومعناها عندهم لم يكن للنادر حكم يخالف الغالب ، بل حكمه ، فمعناه هنا أن الكثافة لا تأثير لها فهي كالمعدومة . فرع : قال القاضي حسين : لو نبتت للمرأة لحية استحب لها نتفها وحلقها لأنها مثله في حقها بخلاف الرجل ، وهذا قد قدمته في آخر باب السواك والله أعلم .

Section V01/P438–V01/P440

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن استرسلت اللحية خرجت عن حد الوجه ففيها قولان أحدهما : لا تجب إفاضة الماء عليها لأنه شعر لا يلاقي محل الفرض فلم يكن محلا للفرض كالذؤابة والثاني : يجب لما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا غطى لحيته فقال : اكشف لحيتك فإنها من الوجه ولأنه شعر ظاهر ثابت على بشرة الوجه فأشبه شعر الخد . + الشرح : هذا الحديث المذكور وجد في أكثر النسح ولم يوجد في بعضها ، وكذا لم يقع في نسخة قيل : إنها مقروءة على المصنف وهو منقول عن رواية ابن عمر قال الحافظ أبو بكر الحازمي : هذا الحديث ضعيف ، قال : ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا شيء . وقول المصنف : لأنه شعر ظاهر احتراز من باطن اللحية الكثة ، وقوله : على بشرة الوجه احتراز من الناصية وقوله : استرسلت اللحية أي امتدت وانبسطت ، والذؤابة بضم الذال وبعدها همزة . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا إذا خرجت اللحية عن حد الوجه طولا أو عرضا أو خرج شعر العذار أو العارض أو السبال فهل يجب إفاضة الماء على الخارج فيه قولان مشهوران ، وهذه المسألة أول مسألة نقل المزني في المختصر فيها قولين الصحيح منهما عند الأصحاب الوجوب ، وقطع به جماعات من أصحاب المختصرات والثاني : لا يجب لكن يستحب ، والقولان جاريان في الخارج عن حد الوجه طولا أو عرضا كما ذكرناه صرح به أبو علي النبدنيجي في كنابه الجامع وآخرون . ثم إن عبارة جمهور الأصحاب كعبارة المصنف يقولون : هل يجب إفاضة الماء على الخارج فيه قولان ، عبارة صاحب الشامل وقليلين هل يجب غسل ظاهر الخارج فيه قولان ، قال الرافعي : لفظ الإفاضة في اصطلاح المتقدمين إذا ستعمل في الشعر كان لإمرار الماء على الظاهر ، ولفظ الغسل للإمرار على الظاهر مع الإدخال في الباطن ، ولهذا اعترضوا على الزبيري حين قال في هذه المسألة : يجب الغسل في قول والإفاضة في قول ، وقالوا : الغسل غير واجب قولا واحدا ، وإنما القولان في الإفاضة . ومقصود الأئمة الإفاضة أن داخل المسترسل لا يجب غسله قولا واحدا كالشعر النابت تحت الذقن ، وهذا كلام الرافعي وكذا قال المحاملي في كتابيه لا خلاف أن غسل الشعر الخارج لا يجب ، وهل يجب إفاضة الماء على ظاهره فيه القولان ، وقال جماعة منهم إمام الحرمين كلاما مختصره أن النازل عن حد الوجه إن كان كثيفا فالقولان في وجوب إفاضة الماء على ظاهره ، ولا يجب غسل باطنه بلا خلاف ، وإن كان خفيفا فالقولان في وجوب غسله ظاهرا أو باطنا ، وهذا هو الصواب ، وكلام الباقين محمول عليه ، ومرادهم المسترسل الكثيف كما هو الغالب . أما قول الغزالي في البسيط : أن الخارج عن الوجه هل يجب إفاضة الماء على ظاهره خفيفا كان أو كثيفا فمخالف للأصحاب كلهم فلا نعلم أحدا صرح بأنه يكتفي في الخفيف بالإفاضة على ظاهره على قول الوجوب ، وأما عكسه وهو وجوب غسل باطن الكثيف فقد أوجبه الزبيري وغيره وهو ضعيف بل غلطه الأصحاب فيه . فرع : وقد ذكرنا القولين في وجوب إفاضة الماء على ظاهر شعور الوجه الخارجة عن حده والصحيح منهما عند الأصحاب الوجوب كما سبق وهو محكي عن مالك وأحمد ، وعدم الوجوب محكي عن أبي حنيفة وداود واختاره المزني ، ودليل القولين ما ذكره المصنف . وأجاب الأصحاب للقول الصحيح بما احتج به الآخر من القياس على الذؤابة بجوابين أحدهما : أن الرأس اسم لما ترأس وعلا وليست الذؤابة كذلك ، والوجه ما حصلت به المواجهة وهي حاصلة بالمسترسل والثاني : أنا سلكنا الاحتياط في الموضعين والله أعلم .

Section V01/P440–V01/P442

فرع في مسائل تتعلق بغسل الوجه إحداها : قال صاحب الحاوي : صفة غسل الوجه المستحبة أن يأخذ الماء بيديه جميعا لأنه أمكن وأصبغ ، ويبدأ بأعلى وجهه ثم يحدره ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا كان يفعل ، ولأن أعلى الوجه أشرف لكونه موضع السجود ، ولأنه أمكن فيجري الماء بطبعه ثم يمر يديه بالماء على وجهه حتى يستوعب جميع ما يؤمر بإيصال الماء إليه ، فإن أوصل الماء على صفة أخرى أجزأه . هذا كلام الماوردي ، وهذا الذي ذكره من أخذ الماء باليدين هو الصحيح الذي نص عليه في مختصر المزني وقطع به الجمهور ، وقيل : يأخذه بيد ، وفيه وجه ثالث لزاهر السرخسي من متقدمي أصحابنا أنه يغرف بكفه اليمنى ويضع ظهرها على بطن كفه اليسرى ويصبه من أعلى جبهته ، وقد ثبت معنى هذه الأوجه الثلاثة في الحديث الصحيح ففي البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا هكذا رواه البخاري في مواضع من صحيحه ومسلم : يده بالإفراد وفي رواية للبخاري : ( ثم أدخل يديه فاغترف بهما فغسل وجهه ثلاثا ) وكذا هو بالتثنية في سنن أبي داود وغيره من رواية علي رضي الله عنه ، لكن في إسنادها ضعف . وفي البخاري عن ابن عباس قال : ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فهذه الأحاديث دالة على أن جميع ذلك سنة ، لكن الأخذ بالكفين أفضل على المختار لما سبق والله أعلم . المسألة الثانية : قال أصحابنا صاحب التتمة وآخرون : يجب على المتوضىء غسل جزء من رأسه ورقبته وما تحت ذقنه مع الوجه لأنه لا يمكن استيعاب الوجه إلا بذلك كما يجب إمساك جزء من الليل في الصيام ليستوعب النهار ، وقد ذكر المصنف هذه المسألة عند ذكر القلتين . الثالثة : لو خرجت في وجهه سلعة وخرجت عن حد الوجه وجب غسلها كلها على المذهب ، وبه قطع صاحبا البحر والبيان لندوره ، ولأنها كلها تعد من الوجه ، وذكر الجرجاني في التحرير طريقين أصحهما هذا والثاني : أن الخارج عن حد الوجه فيه قولان كاللحية المسترسلة . الرابعة : لو قطع أنفه أو شفته هل يلزمه غسل ما ظهر بالقطع في الوضوء والغسل فيه وجهان أصحهما نعم كما لو كشط جلدة وجهه أو يده والثاني : لا ، لأنه كان يمكن غسله قبل القطع ولم يكن واجبا فبقي على ما كان . الخامسة : قال الشافعي والأصحاب : يستحب غسل النزعتين مع الوجه لأن بعض العلماء جعلهما من الوجه ، فيستحب الخروج من الخلاف . السادسة : يجب غسل ما ظهر من حمرة الشفتين ذكره الدارمي . السابعة : لو كان له وجهان على رأسين وجب غسل الوجهين ذكره الدارمي قال : ويجزئه مسح أحد الرأسين قال : ويحتمل أن يجب مسح بعض كل رأس . الثامنة : ينبغي أن يغسل الصدغين وهل هما من الرأس أو الوجه فيه ثلاثة أوجه سنوضحها في فصل مسح الرأس ، حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى . التاسعة : لا يجب إمرار اليد على الوجه ولا غيره من الأعضاء لا في الوضوء ولا في الغسل لكن يستحب ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، وقال مالك والمزني : يجب وسنوضح المسألة بدلائلها إن شاء الله تعالى في باب الغسل حيث ذكرها المصنف والأصحاب والله أعلم .

Section V01/P442–V01/P445

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يغسل يديه وهو فرض لقوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق ويستحب أن يبدأ باليمنى ثم اليسرى ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم فإن بدأ باليسرى جاز لقوله تعالى : وأيديكم ولو وجب الترتيب فيهما لما جمع بينهما . + الشرح : أما حديث أبي هريرة هذا فحديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما في كتاب اللباس من سننهما بإسناد جيد ولفظه في أكثر كتب الحديث : إذا لبستم وإذا توضأتم فابدأوا بأيامنكم وفي بعضها بميامنكم كما هو في المهذب وكلاهما صحيح الأيامن جمع أيمن والميمامن جمع ميمنة ، وقول المصنف : يبدأ باليمنى ثم باليسرى هو من باب التأكيد ولا حاجة إلى قوله : ثم باليسرى ، لأنه قد علم بقوله يغسل يديه ويبدأ باليمنى أن اليسرى بعدها ، وقد استعمل المصنف وغيره نظير هذه العبارة في مواضع كثيرة ويقال فيها كلها ما ذكرناه هنا . وأما حكم المسألة : فغسل اليدين فرض بالكتاب والسنة والإجماع وتقديم اليمنى سنة بالإجماع وليس بواجب بالإجماع ، قال ابن المنذر : أجمعوا على أنه لا إعادة على من يبدأ بيساره وكذا نقل الإجماع فيه آخرون وحكى أصحابنا عن الشيعة أن تقديم اليمنى واجب ، لكن الشيعة لا يعتد بهم في الإجماع ، واحتج لهم بحديث أبي هريرة المذكور ولأصحابنا بما احتج به المصنف وهو قوله تعالى : وأيديكم ولو وجب الترتيب لبينه فقال : فاغسلوا وجوهكم وأيامنكم وشمائلكم . كما رتب في الأعضاء الأربعة . وروى البيهقي وغيره عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن تقديم اليمين فدعا بإناء فتوضأ وبدأ بالشمال ، وفي رواية : ما أبالي لو بدأت بالشمال . وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رخص في تقديم الشمال ، وأما حديث أبي هريرة فمحمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه مع إجماع من يعتد به . فرع : تقديم اليسار وإن كان مجزئا فهو مكروه كراهة تنزيه نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى في الأم ومنه نقلته والله أعلم . فرع : قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء والغسل ولبس الثوب والنعل والخف والسراويل ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وفص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود والأخذ والعطاء وغير ذلك مما هو في معناه ، ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط والاستنجاء ودخول الخلاء والخروج من المسجد وخلع الخف والسراويل والثوب والنعل وفعل المستقذرات وأشباه ذلك . ودليل هذه القاعدة أحاديث كثيرة في الصحيح ، منها حديث عائشة رضي الله عنها : قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله رواه البخاري ومسلم ، وعن عائشة أيضا قالت : كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه ، وكانت اليسرى لخلائه ، وما كان من أذى حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح ، وعن حفصة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل يساره لما سوى ذلك رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد . وعن أم عطية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهن في غسل ابنته رضي الله عنها : إبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها رواه البخاري ومسلم .