Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)

Section V11/P038–V11/P040

1602 قوله ( جاء عبد فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة ولم يشعر أنه عبد فجاء سيده يريده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله أعبد هو ) هذا محمول على أن سيده كان مسلما ولهذا باعه بالعبدين الأسودين والظاهر أنهما كانا مسلمين ولا يجوز بيع العبد المسلم لكافر ويحتمل أنه كان كافرا أو أنها كانا كافرين ولا بد من ثبوت ملكه للعبد الذي بايع على الهجرة أما بينة وأما بتصديق العبد قبل اقراره بالحرية وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق والاحسان العام فإنه كره أن يرد ذلك العبد خائبا بما قصده من الهجرة وملازمة الصحبة فاشتراه ليتم له ما أراد وفيه جواز بيع عبد بعبدين سواء كانت القيمة متفقة أو مختلفة وهذا مجمع عليه إذا بيع نقدا وكذا حكم سائر الحيوان فإن باع عبدا بعبدين أو بعيرا ببعيرين إلى أجل فمذهب الشافعي والجمهور جوازه وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يجوز وفيه مذاهب لغيرهم والله أعلم ) باب الرهن وجوازه في الحضر كالسفر ) في الباب حديث عائشة رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له من حديد ) فيه جواز معاملة أهل الذمة والحكم بثبوت املاكهم على مافي أيديهم وفيه بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التقلل من الدنيا وملازمة الفقر وفيه جواز الرهن وجواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة وجواز الرهن في الحضر وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة الا مجاهدا وداود فقالا لا يجوز الا في السفر تعلقا بقوله تعالى وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة واحتج الجمهور بهذا الحديث وهو مقدم على دليل خطاب الآية وأما اشتراء النبي صلى الله عليه وسلم الطعام من اليهودي ورهنه عنده دون الصحابة فقيل فعله بيانا لجواز ذلك وقيل لأنه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه الا عنده وقيل لأن الصحابة لا يأخذون رهنه صلى الله عليه وسلم ولا يقبضون منه الثمن فعدل إلى معاملة اليهودي لئلا يضيق على أحد من أصحابه وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذمة وغيرهم من الكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معه لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحا وآلة حرب ولا يستعينون به في اقامة دينهم ولا بيع مصحف ولا العبد المسلم لكافر مطلقا والله أعلم 1 ( باب السلم )

Section V11/P040–V11/P042

قال أهل اللغة يقال السلم والسلف وأسلم وسلم وأسلف وسلف ويكون السلف أيضا قرضا ويقال استسلف قال أصحابنا ويشترك السلم والقرض في أن كلا منهما اثبات مال في الذمة بمبذول في الحال وذكروا في حد السلم عبارات أحسنها أنه عقد على موصوف في الذمة ببذل يعطى عاجلا سمى سلما لتسليم رأس المال في المجلس وسمى سلفا لتقديم رأس المال وأجمع المسلمون على جواز السلم 1604 قوله صلى الله عليه وسلم من سلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) فيه جواز السلم وأنه يشترط أن يكون قدره معلوما بكيل أو وزن أو غيرهما مما يضبط به فإن كان مذروعا كالثوب اشترط ذكر ذرعان معلومة وإن كان معدودا كالحيوان اشترط ذكر عدد معلوم ومعنى الحديث أنه أن أسلم في مكيل فليكن كيله معلوما وإن كان في موزون فليكن وزنا معلوما وإن كان مؤجلا فليكن أجله معلوما ولا يلزم من هذا اشتراط كون السلم مؤجلا بل يجوز حالا لأنه إذا جاز مؤجلا مع الغرر فجراز الحال أولى لأنه أبعد من الغرر وليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل بل معناه إن كان أجل فليكن معلوما كما أن الكيل ليس بشرط بل يجوز السلم في الثياب بالذرع وإنما ذكر الكيل بمعنى أنه أن أسلم في مكيل فليكن كيلا معلوما أو في موزون فليكن وزنا معلوما وقد اختلف العلماء في جواز السلم الحال مع اجماعهم على جواز المؤجل فجوز الحال الشافعي وآخرون ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون وأجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبط به قوله صلى الله عليه وسلم ( من سلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم ) هكذا هو في أكثر الأصول تمر بالمثناة وفي بعضها ثمر ) بالمثلثة وهو أعم وهكذا في جميع النسخ ووزن معلوم بالواو لا بأو ومعناه أن اسلم كيلا أو وزنا فليكن معلوما وفيه دليل لجواز السلم في المكيل وزنا وهو جائز بلا خلاف وفي جواز السلم في الموزون كيلا وجهان لأصحابنا أصحهما جوازه كعكسه قوله ( حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة واسماعيل بن سالم جميعا عن بن عيينه ) هكذا هو في نسخ بلادنا عن بن عيينة وكذا وقع في رواية أبي أحمد الجلودي ووقع في رواية بن ماهان عن مسلم عن شيوخه هؤلاء الثلاثة عن بن علية وهو إسماعيل بن إبراهيم قال أبو علي الغساني وآخرون من الحفاظ والصواب رواية بن ماهان قالوا ومن تأمل الباب عرف ذلك قال القاضي لأن مسلما ذكر أولا حديث بن عيينه عن بن أبي نجيح وفيه ذكر الأجل ثم ذكر حديث عبد الوارث عن بن أبي نجيح وليس فيه ذكر الأجل ثم ذكر حديث بن علية عن بن أبي نجيح وقال بمثل حديث عبد الوارث ولم يذكر إلى أجل معلوم ثم ذكر حديث سفيان الثوري عن بن أبي نجيح وقال بمثل حديث بن عيينة يذكر فيه الأجل 1 ( باب تحريم الاحتكار في الأقوات )

Section V11/P042–V11/P044

1605 قوله صلى الله عليه وسلم ( من احتكر فهو خاطئ ) وفي رواية لا يحتكر إلا خاطئ قال أهل اللغة الخاطئ بالهمز هو العاصي الآثم وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار قال أصحابنا الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلوا ثمنه فأما إذا جاء من قريته أو اشتراه في وقت الرخص وادخره أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله أو ابتاعه ليبيعه في وقته فليس باحتكار ولا تحريم فيه وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال هذا تفصيل مذهبنا قال العلماء والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند انسان طعام واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره أجير على بيعه دفعا للضرر عن الناس وأما ما ذكر في الكتاب عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنهما كانا يحتكران فقال بن عبد البر وآخرون إنما كان يحتكران الزيت وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون وهو الصحيح قول مسلم ( وحدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن عون قال حدثنا خالد بن ) عبد الله عن عمر بن يحيى عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المسيب ) قال الغساني وغيره هذا أحد الأحاديث الأربعة عشر المقطوعة في صحيح مسلم قال القاضي قد قدمنا أن هذا لا يسمى مقطوعا إنما هو من رواية المجهول وهو كما قال القاضي ولا يضر هذا الحديث لأنه أتى به متابعة وقد ذكره مسلم من طرق متصلة برواية من سماهم من الثقات وأما المجهول فقد جاء مسمى في رواية أبي داود وغيره فرواه أبو داود في سننه عن وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله عن عمر بن يحيى إسناده والله أعلم 1 ( باب النهي عن الحلف في البيع ) 1606 قوله صلى الله عليه وسلم ( الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح ) 1607 وفي رواية اياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق المنفقة والممحقة بفتح أولهما وثالثهما واسكان ثانيهما وفيه النهي عن كثرة الحلف في البيع فإن الحلف من غير حاجة مكروه وينضم إليه هنا ترويج السلعة وربما ) اغتر المشتري باليمين والله أعلم 1 ( باب الشفعة )

Section V11/P044–V11/P046

1608 قوله ( صلى الله عليه وسلم من كان له شريك في ربعة أو نخل فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن رضى أخذ وان كره ترك ) وفي رواية قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه قال أهل اللغة الشفعة من شفعت الشيء إذا ضممته وثنيته ومنه شفع الأذان وسميت شفعة لضم نصيب إلى نصيب والربعة والربع بفتح الراء واسكان الباء والربع الدار والمسكن ومطلق الأرض وأصله المنزل الذي كانوا يرتبعون فيه والربعة تأنيث الربع وقيل واحدة والجمع الذي هو اسم الجنس ربع كثمرة وتمر واجمع المسلمون على ثبوت الشفعة للشريك في العقار مالم يقسم قال العلماء الحكمة في ثبوت الشفعة إزالة الضرر عن الشريك وحصت بالعقار لأنه أكثر الأنواع ضررا واتفقوا على أنه لا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقول قال القاضي وشذ بعض الناس فأثبت الشفعة في العروض وهي ) رواية عن عطاء وتثبت في كل شئ حتى في الثوب وكذا حكاها عنه بن المنذر وعن أحمد رواية أنها تثبت في الحيوان والبناء المنفرد وأما المقسوم فهل تثبت فيه الشفعة بالجواز فيه خلاف مذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء لا تثبت بالجوار وحكاه بن المنذر عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز والزهري ويحيى الأنصاري وأبي الزياد وربيعة ومالك والأوزاعي والمغيرة بن عبد الرحمن وأحمد واسحاق وأبي ثور وقال أبو حنيفة والثوري تثبت بالجوار والله أعلم واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أن الشفعة لا تثبت إلا في عقار محتمل للقسمة بخلاف الحمام الصغير والرحى ونحو ذلك واستدل به أيضا من يقول بالشفعة فيما لا يحتمل القسمة وأما قوله صلى الله عليه وسلم فمن كان له شريك فهو عام يتناول المسلم والكافر والذمي فتثبت للذمي الشفعة على المسلم كما تثبت للمسلم على الذمي هذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة والجمهور وقال الشعبي والحسن وأحمد رضي الله عنهم لا شفعة للذمي على المسلم وفيه ثبوت الشفعة للأعرابي كثبوتها للمقيم في البلدويه قال الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد واسحاق وبن المنذر والجمهور وقال الشعبي لا شفعة لمن لا يسكن بالمصر وأما قوله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن رضي أخذ وان كره ترك وفي الرواية الأخرى لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فهو محمول عند أصحابنا على الندب إلى اعلامه وكراهة بيعه قبل اعلامه كراهة تنزيه وليس بحرام ويتأولون الحديث على هذا ويصدق على المكروه أنه ليس بحلال ويكون الحلال بمعنى المباح وهو مستوى الطرفين والمكروه ليس بمباح مستوى الطرفين بل هو راجح الترك واختلف العلماء فيما لو أعلم الشريك بالبيع فأذن فيه فباع ثم أراد الشريك أن يأخذ بالشفعة فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة واصحابهم وعثمان البتي وبن أبي ليلى وغيرهم له أن يأخذ بالشفعة وقال الحكم والثورى وأبو عبيد وطائفة من أهل الحديث ليس له الأخذ وعن أحمد روايتان كالمذهبين والله أعلم 1 ( باب غرز الخشب في جدار الجار )

Section V11/P046–V11/P050

1609 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره ثم يقول أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم ) قال القاضي روينا قوله خشبة في صحيح مسلم وغيره من الأصول والمصنفات خشبة بالإفراد وخشبة بالجمع قال وقال الطحاوي عن روح بن الفرج سألت أبا زيد والحرث بن مسكين ويونس بن عبد الأعلى عنه فقالوا كلهم خشبة بالتنوين على الإفراد قال عبد الغني بن سعيد كل الناس يقولونه بالجمع إلا الطحاوي وقوله بين أكتافكم هو بالتاء المثناة فوق أي بينكم قال القاضي قد رواه بعض رواة الموطأ أكنافكم بالنون ومعناه أيضا بينكم والكنف الجانب ومعنى الأول أنى أصرح بها بينكم وأوجعكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه قوله مالي أراكم عنها معرضين أي عن هذه السنة والخصلة والموعظة أو الكلمات وجاء في رواية أبي داود فنكسوا رؤوسهم فقال مالي أراكم أعرضتم واختلف العلماء في معنى هذا الحديث هل هو على الندب إلى تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره أم على الايجاب وفيه قولان للشافعي وأصحاب مالك أصحهما في المذهبين الندب وبه قال أبو حنيفة والكوفيون والثاني الإيجاب وبه قال أحمد وأبو ثور وأصحاب الحديث وهو ظاهر الحديث ومن ) قال بالندب قال ظاهر الحديث أنهم توقفوا عن العمل فلهذا قال مالي أراكم عنها معرضين وهذا يدل على أنهم فهموا منه الندب لا الإيجاب ولو كان واجبا لما أطبقوا على الاعراض عنه والله أعلم 1 ( باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها ) 1610 قوله صلى الله عليه وسلم ( من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين ) وفي رواية من أخذ شبرا من الأرض بغير حق طوقه الله في سبع أرضين يوم القيامة قال أهل اللغة الأرضون بفتح الراء وفيها لغة قليلة باسكانها حكاها الجوهري وغيره قال العلماء هذا تصريح بأن الأرضين سبع طبقات وهو موافق لقول الله تعالى سبع سماوات ومن الأرض مثلهن وأما تأويل المماثلة على الهيئة والشكل فخلاف الظاهر وكذا قول من قال المراد بالحديث سبع أرضين من سبع أقاليم لأن الأرضين سبع طباق وهذا تأويل باطل أبطله العلماء بأنه لو كان كذلك لم يطوق الظالم بشبر من هذا الاقليم شيئا من إقليم آخر بخلاف طباق الأرض فإنها تابعة لهذا الشبر في الملك فمن ملك شيئا من هذه الأرض ملكه وما تحته من الطباق قال القاضي وقد جاء في غلظ الأرضين وطباقهن وما بينهن حديث ليس بثابت وأما التطويق المذكور في الحديث فقالوا يحتمل أن معناه أنه يحمل مثله من سبع أرضين ويكلف إطاقة ذلك ويحتمل أن يكون يجعل ) له كالطوق في عنقه كما قال سبحانه وتعالى سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وقيل معناه أنه يطوق إثم ذلك ويلزمه كلزوم الطوق بعنقه وعلى تقدير التطويق في عنقه يطول الله تعالى عنقه كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه وفي هذه الأحاديث تحريم الظلم وتحريم الغصب وتغليظ عقوبته وفيه امكان غصب الأرض وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يتصور غصب الأرض 1612 وقوله صلى الله عليه وسلم ( من ظلم قيد شبر من الأرض ) هو بكسر القاف واسكان الياء أي قدر شبر من الأرض يقال قيد وقاد وقيس وقاس بمعنى واحد وفي الباب حبان بن هلال بفتح الحاء وفي حديث سعيد بن زيد رضي الله عنهما منقبة له وقبول دعائه وجواز الدعاء على الظالم ومستدل أهل الفضل والله أعلم 1 ( باب قدر الطريق إذا اختلفوا فيه )

Section V11/P050

قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبع أذرع ) هكذا هو في أكثر النسخ سبع أذرع وفي بعضها سبعة أذرع وهما صحيحان والذراع يذكر ويؤنث والتأنيث أفصح وأما قدر الطريق فإن جعل الرجل بعض أرضه المملوك طريقا مسبلة للمارين فقدرها إلى خيرته والأفضل توسيعها وليست هذه الصورة مرادة الحديث وإن كان الطريق بين أرض لقوم وأرادوا احياءها فإن اتفقوا على شيء فذاك وان اختلفوا في قدره جعل سبع أذرع وهذا مراد الحديث أما إذا وجدنا طريقا مسلوكا وهو أكثر من سبعة أذرع فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه وإن قل لكن له عمارة ما حواليه من الموات ويملكه بالاحياء بحيث لا يضر المارين قال أصحابنا ومتى وجدنا جادة مستطرقة ومسلكا مشروعا نافذا حكمنا باستحقاق الاستطراق فيه بظاهر الحال ولا يعتبر مبتدأ مصيره شارعا قال امام الحرمين وغيره ولا يحتاج ما يجعله شارعا إلى لفظ في مصيره شارعا ومسبلا هذا ما ذكره أصحابنا فيما يتعلق بهذا الحديث وقال آخرون هذا في الأفنية إذا أراد أهلها البنيان فيجعل طريقهم عرضه سبعة أذرع لدخول الأحمال والأثقال ومخرجها وتلاقيها قال القاضي هذا كله عند الاختلاف كما نص عليه في الحديث فأما إذا اتفق أهل الأرض على قسمتها واخراج طريق منها كيف شاؤا فلهم ذلك ولا اعتراض عليهم لأنها ملكهم والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ) 1 ( كتاب الفرائض )

Section V11/P050–V11/P061

هي جمع فريضة من الفرض وهو التقدير لأن سهمان الفروض مقدرة ويقال للعالم بالفرائض ) فرضى وفارض وفريض كعالم وعليم حكاه المبرد وأما الإرث في الميراث فقال المبرد أصله العاقبة ومعناه الانتقال من واحد إلى آخر قوله صلى الله عليه وسلم 1614 ( لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم ) وفي بعض النسخ ولا الكافر المسلم بحذف لفظة يرث أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم وأما المسلم فلا يرث الكافر أيضا عند جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وذهبت طائفة إلى توريث المسلم من الكافر وهو مذهب معاذ بن جبل ومعاوية وسعيد بن المسيب ومسروق وغيرهم وروى أيضا عن أبي الدرداء والشعبي والزهري والنخعي نحوه على خلاف بينهم في ذلك والصحيح عن هؤلاء كقول الجمهور واحتجوا بحديث الاسلام يعلو ولا يعلى عليه وحجة الجمهور هنا الحديث الصحيح الصريح ولا حجة في حديث الاسلام يعلو ولا يعلى عليه لأن المراد به فضل الاسلام على غيره ولم يتعرض فيه لميراث فكيف يترك به نص حديث لا يرث المسلم الكافر ولعل هذه الطائفة لم يبلغها هذا الحديث وأما المرتد فلا يرث المسلم بالإجماع وأما المسلم فلا يرث المرتد عند الشافعي ومالك وربيعة وبن أبي ليلى وغيرهم بل يكون ماله فيئا للمسلمين وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي واسحاق يرثه ورثته من المسلمين وروى ذلك عن على وبن مسعود وجماعة من السلف لكن قال الثوري وأبو حنيفة ما كسبه في ردته فهو للمسلمين وقال الآخرون الجميع لورثته من المسلمين وأما توريث الكفار بعضهم من بعض كاليهودي من النصراني وعكسه والمجوسي منهما وهما منه فقال به الشافعي وأبوحنيفة رضي الله عنهما وآخرون ومنعه مالك قال الشافعي لكن لا يرث حربي من ذمي ولا ذمي من حربي قال أصحابنا وكذا لو كانا حربيين في بلدين متحاربين لم يتوارثا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم 1615 ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فهو لأولى رجل ذكر ) وفي رواية فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر وفي رواية اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر قال العلماء المراد بأولى رجل أقرب رجل مأخوذ من الولي باسكان اللام على وزن الرمى وهو القرب وليس المراد بأولى هنا أحق بخلاف قولهم الرجل أولى بماله لأنه لو حمل هنا على أحق لخلى عن الفائدة لأنا لا ندري من هو الأحق قوله صلى الله عليه وسلم رجل ذكر وصف الرجل بأنه ذكر تنبيها على سبب استحقاقه وهو الذكورة التي هي سبب العصوبة وسبب الترجيح في الإرث ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين وحكمته أن الرجال تلحقهم مؤن كثيرة بالقيام بالعيال والضيفان والأرقاء والقاصدين ومواساة السائلين وتحمل الغرامات وغير ذلك والله أعلم وهذا الحديث في توريث العصبات وقد أجمع المسلمون على أن ما بقى بعد الفروض فهو للعصبات يقدم الأقرب فالأقرب فلا يرث عاصب بعيد مع وجود قريب فإذا خلف بنتا وأخا وعما فللبنت النصف فرضا والباقي للأخ ولا شيء للعم قال أصحابنا والعصبة ثلاثة أقسام عصبة بنفسه كالابن وابنه والأخ وابنة والعم وابنة وعم الأب والجد وابنهما ونحوهم وقد يكون الأب والجد عصبة وقد يكون لهما فرض فمتى كان للميت بن أو بن ابن لم يرث الأب إلا السدس فرضا ومتى لم يكن ولد ولا ولد بن ورث بالتعصيب فقط ومتى كانت بنت أو بنت بن أو بنتان أو بنتا بن أخذ البنات فرضهن وللأب من الباقي السدس فرضا والباقي بالتعصيب هذا أحد الأقسام وهو العصبة بنفسه القسم الثاني العصبة بغيره وهو البنات بالبنين وبنات الابن ببني الابن والأخوات بالأخوة والثالث العصبة مع غيره وهو الأخوات للأبوين أو للأب مع البنات وبنات الابن فإذا خلف بنتا وأختا لأبوين أو لأب فللبنت النصف فرضا والباقي للأخت بالتعصيب وأن خلف بنتا وبنت بن وأختا لأبوين أو أختا لأب فللبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأخت وأن خلف بنتين وبنتي بن وأختا لأبوين أو لأب فللبنتين الثلثان والباقي للأخت ولا شيء لبنتي الابن لأنه لم يبق شيء من فرض جنس البنات وهو الثلثان قال أصحابنا وحيث أطلق العصبة فالمراد به العصبة بنفسه وهو كل ذكر يدلي بنفسه بالقرابة ليس بينه وبين الميت أنثى ومتى انفرد العصبة أخذ جميع المال ومتى كان مع أصحاب فروض مستغرقة فلا شئ له وان لم يستغرقوا كان له الباقي بعد فروضهم وأقرب العصبات البنون ثم بنوهم ثم الأب ثم الجد ان لم يكن أخ والأخ ان لم يكن جد فإن كان جد وأخ ففيها خلاف مشهور ثم بنو الأخوة ثم بنوهم وان سفلوا ثم أعمام الأب ثم بنوهم وان سفلوا ثم أعمام الجد ثم بنوهم ثم أعمام جد الأب ثم بنوهم وهكذا ومن أدلى بأبوين يقدم على من يدلى بأب فيقدم أخ من أبوين على أخ من أب ويقدم عم لأبوين على عم باب وكذا الباقي ويقدم الأخ من الأب على بن الأخ من الأبوين لأن جهة الأخوة أقوى وأقرب ويقدم بن أخ لأب على عم لأبوين ويقدم عم لأب على بن عم لأبوين وكذا الباقي والله أعلم ولو خلف بنتا وأختا لأبوين وأخا لأب فمذهبنا ومذهب الجمهور أن للبنت النصف والباقي للأخت ولا شيء للأخ وقال بن عباس رضي الله عنهما للبنت النصف والباقي للأخ دون الأخت وهذا الحديث المذكور في الباب ظاهر في الدلالة لمذهبه والله أعلم قوله 1616 ( عن جابر مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني ماشيان ) هكذا هو في أكثر النسخ ماشيان وفي بعضها ماشيين وهذا ظاهر والأول صحيح أيضا وتقديره وهما ماشيان وفيه فضيلة عيادة المريض واستحباب المشي فيها قوله ( فأغمى على فتوضأ ثم صب على من وضوئه فأفقت ) الوضوء هنا بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به وفيه التبرك بآثار الصالحين وفضل طعامهم وشرابهم ونحوهما وفضل مؤاكلتهم ومشاربتهم ونحو ذلك وفيه ظهور آثار بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على طهارة الماء المستعمل في الوضوء والغسل ردا على أبي يوسف القائل بنجاسته وهي رواية عن أبي حنيفة وفي الاستدلال به نظر لأنه يحتمل أنه صب من الماء الباقي في الاناء ولكن قد يقال البركة العظمى فيما لاقى أعضاءه صلى الله عليه وسلم في الوضوء والله أعلم قوله ( قلت يارسول الله كيف أقضي في مالي فلم يرد علي شيئا حتى نزلت آية الميراث يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) وفي رواية فنزلت يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين وفي رواية نزلت آية الميراث فيه جواز وصية المريض وان كان يذهب عقله في بعض أوقاته بشرط أن تكون الوصية في حال افاقته وحضور عقله وقد يستدل بهذا الحديث من لا يجوز الاجتهاد في الأحكام للنبي صلى الله عليه وسلم والجمهور على جوازه وقد سبق بيانه مرات ويتأولون هذا الحديث وشبهه على أنه لم يظهر له بالاجتهاد شيء فلهذا لم يرد عليه شيئا رجاء أن ينزل الوحي قوله 1617 ( أن عمر رضي الله عنه قال اني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بأصبعيه في صدري وقال يا عمر الا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء وأني أن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن ) أما آية الصيف فلأنها نزلت في الصيف وأما قوله وأني أن أعش إلى آخره هذا من كلام عمر لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أخر القضاء فيها لأنه لم يظهر له في ذلك الوقت ظهورا يحكم به فأخره حتى يتم اجتهاده فيه ويستوفي نظره ويتقرر عنده حكمه ثم يقضي به ويشيعه بين الناس ولعل النبي صلى الله عليه وسلم إنما أغلظ له لخوفه من اتكاله واتكال غيره على ما نص عليه صريحا وتركهم الاستنباط من النصوص وقد قال الله تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة فإذا أهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها والله أعلم 1618 واختلفوا في اشتقاق الكلالة فقال الأكثرون مشتقة من التكلل وهو التطرف فابن العم مثلا يقال له كلالة لأنه ليس على عمود النسب بل على طرفه وقيل من الاحاطة ومنه الاكليل وهو شبه عصابة تزين بالجوهر فسموا كلالة لإحاطتهم بالميت من جوانبه وقيل مشتقة من كل الشيء إذا بعد وانقطع ومنه قولهم كلت الرحم إذا بعدت وطال انتسابها ومنه كل في مشيه إذا انقطع لبعد مسافته واختلف العلماء في المراد بالكلالة في الآية على أقوال أحدها المراد الوراثة إذا لم يكن للميت ولد ولا والد وتكون الكلالة منصوبة على تقدير يورث وراثة كلالة والثاني أنه إسم للميت الذي ليس له ولد ولا والد ذكرا كان الميت أو أنثى كما يقال رجل عقيم وامرأة عقيم وتقديره يورث كما يورث في حال كونه كلالة وممن روى عنه هذا أبو بكر الصديق وعمر وعلي وبن مسعود وزيد بن ثابت وبن عباس رضي الله عنهم أجمعين والثالث أنه اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا والد احتجوا بقول جابر رضي الله عنه إنما يرثني كلالة ولم يكن ولد ولا والد والرابع أنه إسم للمال الموروث قال الشيعة الكلالة من ليس له ولد وان كان له أب أو جد فورثوا الأخوة مع الأب قال القاضي وروى ذلك عن بن عباس قال وهي رواية باطلة لا تصح عنه بل الصحيح عنه ما عليه جماعة العلماء قال وذكر بعض العلماء الإجماع على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد قال وقد اختلفوا في الورثة إذا كان فيهم جد هل الورثة كلالة أم لا فمن قال ليس الجد أبا جعلها كلالة ومن جعله أبا لم يجعلها كلالة قال القاضي وإذا كان في الورثة بنت فالورثة كلالة عند جماهير العلماء لأن الأخوة والأخوات وغيرهم من العصبات يرثون مع البنت وقال بن عباس لا ترث الأخت مع البنت شيئا لقول الله تعالى ليس له ولد وله أخت وبه قال داود وقالت الشيعة البنت تمنع كون الورثة كلالة لأنهم لا يورثون الأخ والأخت مع البنت شيئا ويعطون البنت كل المال وتعلقوا بقوله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها ومذهب الجمهور أن معنى الآية الكريمة أن توريث النصف للأخت بالفرض لا يكون إلا إذا لم يكن ولد فعدم الولد شرط لتوريثها النصف فرضا لا لأجل توريثها وإنما لم يذكر عدم الأب في الآية كما ذكر عدم الولد مع أن الأخ والأخت لا يرثان مع الأب لأنه معلوم من قاعدة أصل الفرائض أن من أدلى بشخص لا يرث مع وجوده إلا أولاد الأم فيرثون معها وأجمع المسلمون على أن المراد بالأخوة والأخوات في الآية التي في آخر سورة النساء من كان من أبوين أو من أب عند عدم الذين من أبوين وأجمعوا على أن المراد بالذين في أولها الأخوة والأخوات من الأم في قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت قوله ( عن مالك بن مغول ) هو بكسر الميم واسكان الغين المعجمة قوله ( عن أبي السفر ) هو بفتح الفاء على المشهور وقيل باسكانها حكاه القاضي عن أكثر شيوخهم قوله 1619 ( إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول الأمر لا يصلي على ميت عليه دين إلا وفاه له ) إنما كان يترك الصلاة عليه ليحرض الناس على قضاء الدين في حياتهم والتوصل إلى البراءة منها لئلا تفوتهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فلما فتح الله عليه عاد يصلي عليهم ويقضي دين من لم يخلف وفاء قوله صلى الله عليه وسلم ( صلوا على صاحبكم ) فيه الأمر بصلاة الجنازة وهي فرض كفاية قوله صلى الله عليه وسلم ( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين فعلى قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته ) قيل إنه صلى الله عليه وسلم كان يقضيه من مال مصالح المسلمين وقيل من خالص مال نفسه وقيل كان هذا القضاء واجبا عليه صلى الله عليه وسلم وقيل تبرع منه والخلاف وجهان لأصحابنا وغيرهم واختلف أصحابنا في قضاء دين من مات وعليه دين فقيل يجب قضاؤه من بيت المال وقيل لا يجب ومعنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته وأنا وليه في الحالين فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئا وإن خلف عيالا محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلي نفقتهم ومؤنتهم قوله صلى الله عليه وسلم ( فأيكم ما ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه وأيكم ترك مالا فالي العصبة من كان ) وفي رواية دينا أو ضيعة وفي رواية من ترك كلا فالينا أما الضياع والضيعة فبفتح الضاد والمراد عيال محتاجون ضائعون قال الخطابي الضياع والضيعة هنا وصف لورثة الميت بالمصدر أي ترك أولادا أو عيالا ذوي ضياع أي لا شيء لهم والضياع في الأصل مصدر ما ضاع ثم جعل اسما لكل ما يعرض للضياع وأما الكل فبفتح الكاف قال الخطابي وغيره المراد به ها هنا العيال وأصله الثقل ومعنى انا مولاه أي وليه وناصره والله أعلم

Section V11/P061–V11/P067

1 ( كتاب الهبات ) 1 ( باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه ) قوله 1620 ( حملت على فرس عتيق في سبيل الله ) معناه تصدقت به ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله والعتيق الفرس النفيس الجواد السابق قوله ( فاضاعه صاحبه ) أي قصر في القيام بعلفه أو مؤنته قوله صلى الله عليه وسلم لا تبتعه ولا تعد في صدقتك ) هذا نهي تنزيه لا تحريم فيكره لمن تصدق بشيء أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر ونحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه أو يهبه أو يتملكه باختياره منه فأما إذا ورثه منه فلا كراهة فيه وقد سبق بيانه في كتاب الزكاة وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقام جماعة من العلماء النهي عن شراء صدقته للتحريم والله أعلم ) @ 64 1 ( باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض ( إلا ما وهبه لولده وأن سفل ) ) قوله صلى الله عليه وسلم 1622 ( مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله ) هذا ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد اقباضهما وهو محمول على هبة الأجنبي أما إذا وهب لولده وأن سفل فله الرجوع فيه كما صرح به في حديث النعمان بن بشير ولا رجوع في ) هبة الأخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام هذا مذهب الشافعي وبه قال مالك والأوزاعي وقال أبو حنيفة وآخرون يرجع كل واهب إلا الولد وكل ذي رحم محرم 1 ( باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة ) 1623 قوله ( عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل ولدك نحلته مثل هذا فقال لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعه ) وفي رواية قال فاردده وفي رواية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعلت هذا بولدك كلهم قال لا قال اتقوا الله واعدلوا في أولادكم قال فرجع أبي فرد تلك الصدقة وفي رواية قال فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور وفي رواية لا تشهدني على جور ) وفي رواية قال فأشهد على هذا غيري وفي رواية قال فإني لا أشهد وفي رواية قال فليس يصلح هذا وأني لا أشهد إلا على حق أما قوله نحلت فمعناه وهبت وفي هذا الحديث أنه ينبغي أن يسوى بين أولاده في الهبة ويهب لكل واحد منهم مثل الآخر ولا يفضل ويسوى بين الذكر والانثى وقال بعض أصحابنا يكون للذكر مثل حظ الأنثيين والصحيح المشهور أنه يسوي بينهما لظاهر الحديث فلو فضل بعضهم أو وهب لبعضهم دون بعض فمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة أنه مكروه وليس بحرام والهبة صحيحة وقال طاوس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد واسحاق وداود هو حرام واحتجوا برواية لا أشهد على جور وبغيرها من ألفاظ الحديث واحتج الشافعي وموافقوه بقوله صلى الله عليه وسلم فأشهد على هذا غيري قالوا ولو كان حراما أو باطلا لما قال هذا الكلام فإن قيل قاله تهديدا قلنا الاصل في كلام الشارع غير هذا ويحتمل عند اطلاقه صيغة أفعل على الوجوب أو الندب فإن تعذر ذلك فعلى الاباحة وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا أشهد على جور فليس فيه أنه حرام لأن الجور هو الميل عن الاستواء والاعتدال وكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور سواءكان حراما أو مكروها وقد وضح بما قدمناه أن قوله صلى الله عليه وسلم أشهد على هذا غيري يدل على أنه ليس بحرام فيجب تأويل الجور على أنه مكروه كراهة تنزيه وفي هذا الحديث أن هبة بعض الأولاد دون بعض صحيحة وأنه أن لم يهب الباقين مثل هذا استحب رد الأول قال أصحابنا يستحب أن يهب الباقين مثل الأول فإن لم يفعل استحب رد الأول ولا يجب وفيه جواز رجوع الوالد في هبته للولد والله أعلم قوله ( سألت أباه بعض الموهوبة ) هكذا هو في معظم النسخ وفي بعضها بعض الموهبة وكلاهما صحيح وتقدير الأول بعض الأشياء الموهوبة قوله ( فالتوي بها سنة ) أي مطلها @ 69 قوله صلى الله عليه وسلم ( قاربوا بين أولادكم ) قال القاضي رويناه قاربوا بالباء من المقاربة وبالنون من القران ومعناهما صحيح أي سووا بينهم في أصل العطاء وفي قدره قولها ( انحل 1624 ابني غلامك ) هو بفتح الحاء يقال نحل ينحل كذهب يذهب

Section V11/P067–V11/P073

1 ( باب العمرى ) قوله صلى الله عليه وسلم ( أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى 1625 الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ) وفي رواية من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها وهي لمن أعمر ولعقبه وفي رواية قال جابر إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هي لك ولعقبك فأما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى ) صاحبها وفي رواية عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال العمرى لمن وهبت له وفي رواية العمرى جائزة وفي رواية العمرى ميراث قال أصحابنا وغيرهم من العلماء العمرى قوله أعمرتك هذه الدار مئلا أو جعلتها لك عمرك أو حياتك أو ما عشت أو حييت أو بقيت أو ما يفيد هذا المعنى وأما عقب الرجل فبكسر القاف ويجور اسكانها مع فتح العين ومع كسرها كما في نظائره والعقب هم أولاد الإنسان ما تناسلوا قال أصحابنا العمرى ثلاثة أحوال أحدها أن يقول أعمرتك هذه الدار فإذا مت فهي لورثتك أو لعقبك فتصح بلا خلاف ويملك بهذا اللفظ رقبة الدار وهي هبة لكنها بعبارة طويلة فإذا مات فالدار لورثته فإن لم يكن له وارث فلبيت المال ولا تعود إلى الواهب بحال خلافا لمالك الحال الثاني أن يقتصر على قوله جعلتها لك عمرك ولا يتعرض لما سواه ففي صحة هذا العقد قولان للشافعي أصحهما وهو الجديد صحته وله حكم الحال الأول والثاني وهو القديم أنه باطل وقال بعض أصحابنا إنما القول القديم أن الدار تكون للمعمر حياته فإذا مات عادت إلى الواهب أو ورثته لأنه خصه بها حياته فقط وقال بعضهم القديم أنها عارية يستردها الواهب متى شاء فإذا مات عادت إلى ورثته الثالث أن يقول جعلتها لك عمرك فإذا مت عادت إلى أو إلى ورثتي أن كنت مت ففي صحته خلاف عند أصحابنا منهم من أبطله والأصح عندهم صحته ويكون له حكم الحال الأول واعتمدوا على الأحاديث الصحيحة المطلقة العمرى جائزة وعدلوا به عن قياس الشروط الفاسدة والأصح الصحة في جميع الاحوال وأن الموهوب له يملكها ملكا تاما يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات هذا مذهبنا وقال أحمد تصح العمرى المطلقة دون المؤقتة وقال مالك في أشهر الروايات عنه العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلا ولا يملك فيها رقبة الدار بحال وقال أبو حنيفة بالصحة كنحو مذهبنا وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأبو عبيدة وحجة الشافعي وموافقيه هذه الأحاديث الصحيحة والله أعلم قوله ( فهي له بتلة ) أي عطية ماضية غير راجعة إلى الواهب قوله صلى الله عليه وسلم ( أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها إلى آخره ) المراد به اعلامهم أن العمرى هبة صحيحة ماضية يملكها الموهوب له ملكا تاما لا يعود إلى الواهب أبدا فإذا علموا ذلك فمن شاء أعمر ودخل على بصيرة ومن شاء ترك لأنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية ويرجع فيها وهذا دليل للشافعي وموافقيه والله أعلم قوله ( اختصموا إلى طارق مولى عثمان ) هو طارق بن عمرو ولاه عبد الملك بن مروان المدينة بعد امارة بن الزبير 1 ( كتاب الوصية )

Section V11/P073–V11/P082

قال الأزهري هي مشتقة من وصيت الشيء أوصيه إذا وصلته وسميت وصية لأنه وصل ما كان في حياته بما بعده ويقال وصى واوصى ايصاء والإسم الوصية والوصاة واعلم أن أول كتاب الوصية هو ابتداء الفوات الثاني من المواضع الثلاثة التي فاتت إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب مسلم فلم يسمعها من مسلم وقد سبق بيان هذه المواضع في الفصول التي في أول هذا الشرح وسبق أحد المواضع في كتاب الحج وهذا أول الثاني وهو قول مسلم حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب ومحمد بن المثنى العنزي واللفظ لابن مثنى قالا حدثنا يحيى وهو بن سعيد القطان عن عبيد الله قال اخبرني نافع عن بن عمر قوله صلى الله عليه وسلم ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصى 1627 فيه يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده ) وفي رواية ثلاث ليال فيه الحث على الوصية وقد أجمع المسلمون على الأمر بها لكن مذهبنا ومذهب الجماهير أنها مندوبة لا واجبة وقال داود وغيره من أهل الظاهر هي واجبة لهذا الحديث ولا دلالة لهم فيه فليس فيه تصريح بايجابها لكن إن ) كان على الإنسان دين أوحق أو عنده وديعة ونحوها لزمه الايصاء بذلك قال الشافعي رحمه الله معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده ويستحب تعجيلها وأن يكتبها في صحته ويشهد عليه فيها ويكتب فيها ما يحتاج إليه فإن تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به الحقه بها قالوا ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزيئات الأمور المتكررة وأما قوله صلى الله عليه وسلم ووصيته مكتوبة عنده فمعناه مكتوبة وقد أشهد عليه بها لا أنه يقتصر على الكتابة بل لا يعمل بها ولا تنفع إلا إذا كان أشهد عليه بها هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال الإمام محمد بن نصر المروزي من أصحابنا يكفي الكتاب من غير اشهاد لظاهر الحديث والله أعلم قوله في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ( عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع أشفيت منه على الموت ) فيه استحباب عيادة المريض وأنها مستحبة للإمام كاستحبابها لآحاد الناس ومعنى أشفيت على الموت أي قاربته واشرفت عليه يقال أشفى عليه وأشاف قاله الهروى وقال بن قتيبة لا يقال اشفى إلا في الشر قال إبراهيم الحربي الوجع إسم لكل مرض وفيه جواز ذكر المريض ما يجده لغرض صحيح من مداواة أو دعاء صالح أو وصية أو استفتاء عن حاله ونحو ذلك وإنما يكره من ذلك ما كان على سبيل التسخط ونحوه فإنه قادح في أجر مرضه قوله ( وأنا ذو مال ) دليل على إباحة جمع المال لأن هذه الصيغة لا تستعمل في العرف الا لمال كثير قوله ( ولا يرثني إلا ابنة لي ) أي ولا يرثني من الولد وخواص الورثة وإلا فقد كان له عصبة وقيل معناه لا يرثني من أصحاب الفروض قوله ( أفأتصدق بثلثي مالي قال لا قلت أفأتصدق بشطره قال لا الثلث والثلث كثير ) بالمثلثة وفي بعض بالموحدة وكلاهما صحيح قال القاضي يجوز نصب الثلث الأول ورفعه أما النصب فعلى الإغراء أو على تقدير فعل أي اعط الثلث وأما الرفع فعلى أنه فاعل أي يكفيك الثلث أو أنه مبتدأ وحذف خبره أو خبر محذوف المبتدأ وفي هذا الحديث مراعاة العدل بين الورثة والوصية قال أصحابنا وغيرهم من العلماء إن كانت الورثة أغنياء استحب أن يوصى بالثلث تبرعا وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص من الثلث وأجمع العلماء في هذه الأعصار على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بزيادة على الثلث إلا باجازته وأجمعوا على نفوذها باجازته في جميع المال وأما من لا وارث له فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا تصح وصيته فيما زاد على الثلث وجوزه أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين عنه وروى عن علي وبن مسعود رضي الله عنهما وأما قوله أفأتصدق بثلثي مالي يحتمل أنه أراد بالصدقة الوصية ويحتمل أنه أراد الصدقة المنجزة وهما عندنا وعند العلماء كافة سواء لا ينفذ ما زاد على الثلث إلا برضا الوارث وخالف أهل الظاهر فقالوا للمريض مرض الموت أن يتصدق بكل ماله ويتبرع به كالصحيح ودليل الجمهور ظاهر حديث الثلث كثير مع حديث الذي أعتق ستة أعبد في مرضه فأعتق النبي صلى الله عليه وسلم اثنين وأرق أربعة قوله صلى الله عليه وسلم ( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) العالة الفقراء ويتكففون يسألون الناس في أكفهم قال القاضي رحمه الله روينا قوله إن تذر ورثتك بفتح الهمزة وكسرها وكلاهما صحيح وفي هذا الحديث حث على صلة الأرحام والاحسان إلى الأقارب والشفقة على الورثة وأن صلة القريب الأقرب والاحسان إليه أفضل من الأبعد واستدل به بعضهم على ترجيح الغني على الفقير قوله صلى الله عليه وسلم ( ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ) فيه استحباب الانفاق في وجوه الخير وفيه أن الأعمال بالنيات وأنه إنما يثاب على عمله بنيته وفيه أن الانفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالى وفيه أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة ويثاب عليه وقد نبه صلى الله عليه وسلم على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة وإذا وضع اللقمة في فيها فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة ومع هذا فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى حصل له الأجر بذلك فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله تعالى ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله تعالى يثاب عليه وذلك كالأكل بنية التقوى على طاعة الله تعالى والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطا والاستمتاع بزوجته وجاريته ليكف نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام وليقضي حقها وليحصل ولدا صالحا وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم وفي بضع أحدكم صدقة والله أعلم قوله ( قلت يا رسول الله أخلف بعد أصحابي قال إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددت به درجة ورفعة ) فقال القاضي معناه أخلف بمكة بعد أصحابي فقاله إما إشفاقا من موته بمكة لكونه هاجر منها وتركها لله تعالى فخشى أن يقدح ذلك في هجرته أو في ثوابه عليها أو خشى بقاءه بمكة بعد انصراف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة وتخلفه عنهم بسبب المرض وكانوا يكرهون الرجوع فيما تركوه لله تعالى ولهذا جاء في رواية أخرى أخلف عن هجرته قال القاضي قيل كان حكم الهجرة باقيا بعد الفتح لهذا الحديث وقيل إنما كان ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح فأما من هاجر بعده فلا وأما قوله صلى الله عليه وسلم إنك لن تخلف فتعمل عملا فالمراد بالتخلف طول العمر والبقاء في الحياة بعد جماعات من أصحابه وفي هذا الحديث فضيلة طول العمر للازدياد من العمل الصالح والحث على إرادة وجه الله تعالى بالأعمال والله تعالى أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ولعلك تخلف حتى ينفع بك أقوام ويضر بك آخرون ) وفي بعض النسخ ينتفع بزيادة التاء وهذا الحديث من المعجزات فإن سعدا رضي الله عنه عاش حتى فتح العراق وغيره وانتفع به أقوام في دينهم ودنياهم وتضرر به الكفار في دينهم ودنياهم فإنهم قتلوا وصاروا إلى جهنم وسبيت نساؤهم وأولادهم وغنمت أموالهم وديارهم وولى العراق فاهتدى على يديه خلائق وتضرر به خلائق باقامته الحق فيهم من الكفار ونحوهم قال القاضي قيل لا يحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكة وموته بها إذا كان لضرورة وإنما كان يحبطه ما كان بالاختيار قال وقال قوم موت المهاجر بمكة محبط هجرته كيفما ما كان قال وقيل لم تفرض الهجرة إلا على أهل مكة خاصة قوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ) قال القاضي استدل به بعضهم على أن بقاء المهاجر بمكة كيف كان قادح في هجرته قال ولا دليل فيه عندي لأنه يحتمل أنه دعا لهم دعاء عاما ومعنى امض لأصحابي هجرتهم أي أتممها ولاتبطلها ولا تردهم على أعقابهم بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية قوله صلى الله عليه وسلم ( لكن البائس سعد بن خولة ) البائس هو الذي عليه أثر البؤس وهو الفقر والقلة قوله ( يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة ) قال العلماء هذا من كلام الراوي وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل انتهى كلامه صلى الله عليه وسلم بقوله لكن البائس سعد بن خولة فقال الراوي تفسيرا لمعنى هذا الكلام أنه يرثيه النبي صلى الله عليه وسلم ويتوجع له ويرق عليه لكونه مات بمكة واختلفوا في قائل هذا الكلام من هو فقيل هو سعد بن أبي وقاص وقد جاء مفسرا في بعض الروايات قال القاضي وأكثر ما جاء أنه من كلام الزهري قال واختلفوا في قصة سعد بن خولة فقيل لم يهاجر من مكة حتى مات بها قال عيسى بن دينار وغيره وذكر البخاري أنه هاجر وشهد بدرا ثم انصرف إلى مكة ومات بها وقال بن هشام انه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وشهد بدار وغيرها وتوفي بمكة في حجة الوداع سنة عشر وقيل توفي بها سنة سبع في الهدنة خرج مجتازا من المدينة فعلى هذا وعلى قول عيسى بن دينار سبب بؤسه سقوط هجرته لرجوعه مختارا وموته بها وعلى قول الآخرين سبب بؤسه موته بمكة على أي حال كان وإن لم يكن باختياره لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته والغربة عن وطنه إلى هجرة الله تعالى قال القاضي وقد روى في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خلف مع سعد بن أبي وقاص رجلا وقال له أن توفي بمكة فلا تدفنه بها وقد ذكر مسلم في الرواية الأخرى أنه كان يكره أن يموت في الأرض التي هاجر منها وفي رواية أخرى لمسلم قال سعد بن أبي وقاص خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة وسعد بن خولة هذا هو زوج سبيعة الأسلمية وفي حديث سعد هذا جواز تخصيص عموم الوصية المذكورة في القرآن بالسنة وهو قول جمهور الأصوليين وهو الصحيح قوله ( حدثنا أبو داود الحفري ) هو بحاء مهملة ثم فاء مفتوحتين منسوب إلى الحفر بفتح الحاء والفاء وهي محلة بالكوفة كان أبو داود يسكنها هكذا ذكره أبو حاتم بن حبان وأبو سعد السمعاني وغيرهما وإسم أبي داود هذا عمرو بن سعد الثقة الزاهد الصالح العابد قال علي المديني ما أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد من أبي داود الحفري وقال وكيع أن كان يدفع بأحد في زماننا يعني البلاء والنوازل فبأبي داود توفي سنة ثلاث وقيل سنة ست ومائتين رحمه الله قوله ( عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدثه عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على سعد يعوده بمكة ) وفي الرواية الأخرى عن حميد عن ثلاثة من ولد سعد قالوا مرض سعد بمكة فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فهذه الرواية مرسلة والأولى متصلة لأن أولاد سعد تابعيون وإنما ذكر مسلم هذه الروايات المختلفة في وصله وارساله ليبين اختلاف الرواة في ذلك قال القاضي وهذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابه أنه يذكرها في مواضعها فظن ظانون أنه يأتي بها مفردة وأنه توفي قبل ذكرها والصواب أنه ذكرها في تضاعيف كتابه كما أوضحناه في أول هذا الشرح ولا بقدح هذا الخلاف في صحة هذه الرواية ولا في صحة اصل الحديث لأن أصل الحديث ثابت من طرق من غير جهة حميد عن أولاد سعد وثبت وصله عنهم في بعض الطرق التي ذكرها مسلم وقد قدمنا في أول هذا الشرح أن الحديث إذا روى متصلا ومرسلا فالصحيح الذي عليه المحققون أنه محكوم باتصاله لأنها زيادة ثقة وقد عرض الدار قطني بتضعيف هذه الرواية وقد سبق الجواب عن اعتراضه الآن وفي مواضع نحو هذا والله أعلم قوله ( عن بن عباس قال لو أن 1629 الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الثلث والثلث كثير قوله غضوا بالغين والضاد المعجمتين أي نقصوا وفيه استحباب النقص عن الثلث وبه قال جمهور العلماء مطلقا ومذهبنا أنه إن كان ورثته أغنياء استحب الايصاء بالثلث والا فيستحب النقص منه وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أوصى بالخمس وعن علي رضي الله عنه نحوه وعن بن عمر واسحاق بالربع وقال آخرون بالسدس وآخرون بدونه وقال آخرون بالعشر وقال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة وروى عن علي وبن عباس وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم أنه يستحب لمن له ورثة وماله قليل ترك الوصية قوله في اسناد هذا الحديث وحدثنا أبو كريب قال حدثنا بن نمير كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن بن عباس هكذا هو في نسخ بلادنا وهي من رواية الجلودي ففي جميعها أبو كريب وذكر القاضي أنه وقع في نسخة بن ماهان أبو كريب كما ذكرناه وفي نسخة الجلودي أبو بكر بن أبي شيبة بدل أبي كريب والصواب ما قدمناه والله أعلم

Section V11/P082–V11/P085

1 ( باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت ) 1630 قوله ( إن أبي مات وترك مالا ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه قال نعم ) وفي رواية أن أمي افتلتت ) نفسها وإني أظنها لو تكلمت تصدقت فلى أجر أن أتصدق عنها قال نعم قوله ( افتلتت ) بالفاء وضم التاء أي ماتت بغتة وفجأة والفلتة والافتلات ما كان بغتة وقوله نفسها برفع السين ونصبها هكذا ضبطوه وهما صحيحان الرفع على مالم يسم فاعله والنصب على المفعول الثاني وأما قوله أظنها لو تكلمت تصدقت معناه لما علمه من حرصها على الخير أو لما علمه من رغبتها في الوصية وفي هذا الحديث 1 جواز الصدقة عن الميت 2 واستحبابها 3 وأن ثوابها يصله وينفعه 4 وينفع المتصدق أيضا وهذا كله أجمع عليه المسلمون وسبقت المسألة في أول هذا الشرح في شرح مقدمة صحيح مسلم 5 وهذه الأحاديث مخصصة لعموم قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأجمع المسلمون على أنه لا يجب على الوارث التصدق عن ميته صدقة التطوع بل هي مستحبة وأما الحقوق المالية الثابتة على الميت فإن كان له تركة وجب قضاؤها منها سواء أوصى بها الميت أم لا ويكون ذلك من رأس المال سواء ديون الله تعالى كالزكاة والحج والنذر والكفارة وبدل الصوم ونحو ذلك ودين الآدمي فإن لم يكن للميت تركة لم يلزم الوارث قضاء دينه لكن يستحب له ولغيره قضاؤه قوله فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه أي هل تكفر صدقتي عنه سيئاته والله أعلم 1 ( باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته ) 1631 قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) قال العلماء معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها فإن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف وفيه فضيلة الزواج لرجاء ولد صالح وقد سبق بيان اختلاف أحوال الناس فيه وأوضحنا ذلك في كتاب النكاح وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه وبيان فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه والترغيب في توريثه بالتعليم والتصنيف والإيضاح وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع وفيه أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهما مجمع عليهما وكذلك قضاء الدين كما سبق وأما الحج فيجزي عن الميت عند الشافعي وموافقيه وهذا داخل في قضاء الدين إن كان حجا واجبا وأن كان تطوعا وصى به فهو من باب الوصايا وأما إذا مات وعليه صيام فالصحيح أن الولي يصوم عنه وسبقت المسألة في كتاب الصيام وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت والصلاة عنه ونحوهما فمذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق الميت وفيها خلاف وسبق إيضاحه في أول هذا الشرح في شرح مقدمة صحيح مسلم ) 1 ( باب الوقف )

Section V11/P085–V11/P086

1632 قوله ( اصاب عمر أرضا بخيبر فأتي النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به قال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب قال فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وبن السبيل والضعيف لاجناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه ) وفي رواية غير متأثل مالا أما قوله هو أنفس فمعناه أجود والنفيس الجيد وقد نفس بفتح النون وضم الفاء نفاسة وإسم هذا المال الذي وقفه عمر ثمغ بثاء مثلثة مفتوحة ثم ميم ساكنة ثم غين معجمة وأما قوله غير متأثل فمعناه غير جامع وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له اصل فهو مؤثل ومنه مجد مؤثل أي قديم واثلة الشيء أصله وفي هذا الحديث دليل على صحة أصل الوقف وأنه مخالف لشوائب الجاهلية وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير ويدل عليه أيضا اجماع المسلمين على صحة وقف المساجد والسقايات وفيه أن الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث إنما يتبع فيه شرط الواقف وفيه صحة شروط الواقف وفيه فضيلة الوقف وهي الصدقة الجارية وفيه فضيلة الانفاق مما يحب وفيه فضيلة ظاهرة لعمر رضي الله عنه وفيه مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمور وطرق الخير وفيه أن خيبر فتحت ) عنوة وأن الغانمين ملكوها واقتسموها واستقرت أملاكهم على حصصهم ونفذت تصرفاتهم فيها وفيه فضيلة صلة الأرحام والوقف عليهم وأما قوله يأكل منها بالمعروف فمعناه يأكل المعتاد ولا يتجاوزه والله أعلم 1 ( باب ترك الوصية لمن ليس له شئ يوصى فيه )

Section V11/P086–V11/P095

قوله ( عن طلحة بن مصرف ) هو بضم الميم وفتح الصاد وكسر الراء المشددة وحكى فتح الراء 1634 والصواب المشهور كسرها قوله ( سألت عبد الله بن أبي أوفى هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فقال لا قلت فلم كتب على المسلمين الوصية أو فلم أمروا بالوصية قال أوصى بكتاب الله تعالى ) 1635 وفي رواية عائشة رضي الله عنها ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى به وفي رواية قال ذكروا عند عائشة رضي الله عنها أن عليا رضي الله 1636 عنه كان وصيا فقالت متى أوصى إليه فقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت حجرى فدعا بالطست فلقد انخنث في حجرى وما شعرت أنه مات فمتى أوصى أما قولها انخنث فمعناه مال وسقط وأما حجر الإنسان وهو حجر ثوبه فبفتح الحاء وكسرها وأما قوله لم يوص فمعناه لم يوص بثلث ماله ولا غيره إذ لم يكن له مال ولا أوصى إلى علي رضي الله عنه ولا إلى غيره بخلاف ما يزعمه الشيعة وأما الأرض التي كانت له صلى الله عليه وسلم بخيبر وفدك فقد سلبها صلى الله عليه وسلم في حياته ونجز الصدقة بها على المسلمين وأما الأحاديث الصحيحة في وصيته صلى الله عليه وسلم بكتاب الله ووصيته بأهل بيته ووصيته باخراج المشركين من جزيرة العرب وباجازة الوفد فليست مرادة بقوله لم يوص إنما المراد به ما قدمناه وهو مقصود السائل عن الوصية فلا مناقضة بين الأحاديث وقوله أوصى بكتاب الله أي بالعمل بما فيه وقد قال الله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء ومعناه أن من الأشياء ما يعلم منه نصا ومنها ما يحصل بالاستنباط وأما قول السائل فلم كتب على المسلمين الوصية فمراده قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية وهذه الآية منسوخة عند الجمهور ويحتمل أن السائل أراد بكتب الوصية الندب إليها والله أعلم قوله 1637 ( عن بن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ) معناه تفخيم أمره في الشدة والمكروه فيما يعتقده بن عباس وهو امتناع الكتاب ولهذا قال بن عباس الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب هذا الكتاب هذا مراد بن عباس وإن كان الصواب ترك الكتاب كما سنذكره إن شاء الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم حين اشتد وجعه ( ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يهجر ) وفي رواية فقال عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا ثم ذكر أن بعضهم أراد الكتاب وبعضهم وافق عمر وأنه لما أكثروا اللغو والاختلاف قال النبي صلى الله عليه وسلم قوموا أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الكذب ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه وليس معصوما من الأمراض والاسقام العارضة للأجسام ونحوها مما لا نقص فيه لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شريعته وقد سحر صلى الله عليه وسلم حتى صار يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله ولم يصدر منه صلى الله عليه وسلم وفي هذا الحال كلام في الأحكام مخالف لما سبق من الأحكام التي قررها فإذا علمت ما ذكرناه فقد اختلف العلماء في الكتاب الذي هم النبي صلى الله عليه وسلم به فقيل أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع نزاع وفتن وقيل أراد كتابا يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع فيها ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه وكان النبي صلى الله عليه وسلم هم بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة أو أوحى إليه بذلك ثم ظهر أن المصلحة تركه أو أوحى إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول وأما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره لأنه خشى أن يكتب صلى الله عليه وسلم أمورا ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها فقال عمر حسبنا كتاب الله لقوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء وقوله اليوم أكملت لكم دينكم فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة وأراد الترفيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عمر أفقه من بن عباس وموافقيه قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في أواخر كتابه دلائل النبوة إنما قصد عمر التخفيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غلبه الوجع ولو كان مراده صلى الله عليه وسلم أن يكتب مالا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم ولا لغيره لقوله تعالى بلغ ما أنزل إليك كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه وكما أمر في ذلك الحال باخراج اليهود من جزيرة العرب وغير ذلك مما ذكره في الحديث قال البيهقي وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه ثم ترك ذلك اعتمادا على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك كما هم بالكتاب في أول مرضه حين قال وارأساه ثم ترك الكتاب وقال يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ثم نبه أمته على استخلاف أبي بكر بتقديمه إياه في الصلاة قال البيهقي وإن كان المراد بيان أحكام الدين ورفع الخلاف فيها فقد علم عمر حصول ذلك لقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وعلم أنه لا تقع واقعة إلى يوم القيامة إلا وفي الكتاب أو السنة بيانها نصا أو دلالة وفي تكلف النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه مع شدة وجعه كتابة ذلك مشقة ورأى عمر الاقتصار على ما سبق بيانه إياه نصا أو دلالة تخفيفا عليه ولئلا ينسد باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط والحاق الفروع بالأصول وقد كان سبق قوله صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر وهذا دليل على أنه وكل بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء وجعل لهم الأجر على الإجتهاد فرأى عمر الصواب تركهم على هذه الجملة لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد مع التخفيف عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي تركه صلى الله عليه وسلم الانكار على عمر دليل على استصوابه قال الخطابي ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوجع وقرب الوفاة مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه فتجد المنافقون بذلك سبيلا إلى الكلام في الدين وقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم قال وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه وقد أجمعوا كلهم على أنه لا يقر عليه قال ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم وإن كان الله تعالى قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فلم ينزهه عن سمات الحدث والعوارض البشرية وقد سهى في الصلاة فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه فيتوقف في مثل هذا الحال حتى تتبين حقيقته فلهذه المعاني وشبهها راجعه عمر رضي الله عنه قال الخطابي وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اختلاف أمتي رحمة فاستصوب عمر ما قاله قال وقد اعترض على حديث اختلاف أمتي رحمة رجلان أحدهما مغموض عليه في دينه وهو عمرو بن بحر الجاحظ والآخر معروف بالسخف والخلاعة وهو إسحاق بن إبراهيم الموصلي فإنه لما وضع كتابه في الأغاني وأمكن في تلك الأباطيل لم يرض بما تزود من اثمها حتى صدر كتابه بذم أصحاب الحديث وزعم أنهم يروون مالا يدرون وقال هو والجاحظ لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابا ثم زعم أنه إنما كان اختلاف الأمة رحمة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فإذا اختلفوا سألوه فبين لهم والجواب عن هذا الاعتراض الفاسد أنه لا يلزم من كون الشيء رحمة أن يكون ضده عذابا ولا يلتزم هذا ويذكره الا جاهل أو متجاهل وقد قال الله تعالى ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه فسمى الليل رحمة ولم يلزم من ذلك أن يكون النهار عذابا وهو ظاهر لا شك فيه قال الخطابي والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام أحدها في اثبات الصانع ووحدانيته وانكار ذلك كفر والثاني في صفاته ومشيئته وانكارها بدعة والثالث في أحكام الفروع المحتملة وجوها فهذا جعله الله تعالى رحمة وكرامة للعلماء وهو المراد بحديث اختلاف أمتي رحمة هذا آخر كلام الخطابي رحمة الله وقال المازري أن قيل كيف جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع قوله صلى الله عليه وسلم ائتوني أكتب وكيف عصوه في أمره فالجواب أنه لا خلاف أن الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند من قال أصلها للندب ومن الوجوب إلى الندب عند من قال أصلها للوجوب وتنقل القرائن أيضا صيغة أفعل إلى الإباحة وإلى التخيير وإلى غير ذلك من ضروب المعاني فلعله ظهر منه صلى الله عليه وسلم من القرائن مادل على أنه لم يوجب عليهم بل جعله إلى اختيارهم فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم وهو دليل على رجوعهم إلى الاجتهاد في الشرعيات فإدى عمر رضي الله عنه اجتهاده إلى الامتناع من هذا ولعله اعتقد أن ذلك صدرمنه صلى الله عليه وسلم من غير قصد جازم وهو المراد بقولهم هجر وبقول عمر غلب عليه الوجع وما قارنه من القرائن الدالة على ذلك على نحو ما يعهدونه من أصوله صلى الله عليه وسلم في تبليغ الشريعة وأنه يجري مجرى غيره من طرق التبليغ المعتادة منه صلى الله عليه وسلم فظهر ذلك لعمر دون غيره فخالفوه ولعل عمر خاف أن المنافقين قد يتطرقون إلى القدح فيما اشتهر من قواعد الإسلام وبلغه صلى الله عليه وسلم الناس بكتاب يكتب في خلوة وآحاد ويضيفون إليه شيئا لشبهوا به على الذين في قلوبهم مرض ولهذا قال عندكم القرآن حسبنا كتاب الله وقال القاضي عياض وقوله أهجر رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا هو في صحيح مسلم وغيره أهجر على الاستفهام وهو أصح من رواية من روى هجر ويهجر لأن هذا كله لا يصح منه صلى الله عليه وسلم لأن معنى هجر هذي وإنما جاء هذا من قائلة استفهاما للإنكار على من قال لا تكتبوا أي لا تتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه لأنه صلى الله عليه وسلم لا يهجر وإن صحت الروايات الأخرى كانت خطأ من قائلها قالها بغير تحقيق بل لما أصابه من الحيرة والدهشة لعظيم ما شاهده من النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الحالة الدالة على وفاته وعظيم المصاب به وخوف الفتن والضلال بعده وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع وقول عمر رضي الله عنه حسبنا كتاب الله رد على من نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( دعوني فالذي أنا فيه خير ) معناه دعوني من النزاع واللغط الذي شرعتم فيه فالذي أنا فيه من مراقبة الله تعالى والتأهب للقائه والفكر في ذلك ونحوه أفضل مما أنتم فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) قال أبو عبيد قال الأصمعي جزيرة العرب ما بين أقصى عدن اليمن إلى ريف العراق في الطول وأما في العرض فمن جدة وما والاها إلى أطراف الشام وقال أبو عبيدة هي ما بين حفر أبي موسى إلى اقصى اليمن في الطول وأما في العرض فما بين رمل يرين إلى منقطع السماوة وقوله حفر أبي موسى هو بفتح الحاء المهملة وفتح الفاء أيضا قالوا وسميت جزيرة لاحاطة البحار بها من نواحيها وانقطاعها عن المياه العظيمة وأصل الجزر في اللغة القطع وأضيفت إلى العرب لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام وديارهم التي هي أوطانهم وأوطان أسلافهم وحكى الهروي عن مالك أن جزيرة العرب هي المجينة والصحيح المعروف عن مالك أنها مكة والمدينة واليمامة واليمامة واليمن وأخذ بهذا الحديث مالك والشافعي وغيرهما من العلماء فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب وقالوا لا يجوز تمكينهم من سكناها ولكن الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز وهو عنده مكة والمدينة والميامة واعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه قال العلماء ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز ولا يمكنون من الاقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام قال الشافعي وموافقوه إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال فإن دخله في خفية وجب إخراجه فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج مالم يتغير هذا مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم وحجة الجماهير قول الله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ) قال العلماء هذا أمر منه صلى الله عليه وسلم بإجازة لوعود وضيافتهم واكرامهم تطبيبا لنفوسهم وترغيبا لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم وإعانة على سفرهم قال القاضي عياض قال العلماء سواء كان الوفد مسلمين أو كفارا لأن الكافر إنما يفد غالبا فيما يتعلق بمصالحنا ومصالحهم قوله ( وسكت عن الثالثة أو قالها فأنسيتها ) الساكت بن عباس والناسي سعيد بن جبير قال المهلب الثالثة هي تجهيز جيش أسامة رضي الله عنه قال القاضي عياض ويحتمل أنها قوله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري وثنا يعبد فقد ذكر مالك في الموطأ معناه مع إجلاء اليهود من حديث عمر رضي الله عنه وفي هذا الحديث فوائد سوى ما ذكرناه منها جواز كتابة العلم وقد سبق بيان هذه المسألة مرات وذكرنا أنه جاء فيها حديثان مختلفان فإن السلف اختلفوا فيها ثم أجمع من بعدهم على جوازها وبينا تأويل حديث المنع ومنها جواز استعمال المجاز لقوله صلى الله عليه وسلم أكتب لكم أي آمر بالكتابة ومنها أن الأمراض ونحوها لا تنافي النبوة ولا تدل على سوء الحال قوله ( قال أبو إسحاق إبراهيم حدثنا الحسن بن بشر حدثنا سفيان بهذا الحديث ) معناه أن أبا إسحاق صاحب مسلم ساوى مسلما في رواية هذا الحديث عن واحد عن سفيان بن عيينة فعلا هذا الحديث لأبي إسحاق برجل قوله ( من اختلافهم ولغطهم ) هو بفتح الغين المعجمة واسكانها والله أعلم

Section V11/P095

1 ( كتاب النذر )

Section V11/P095–V11/P103

1638 قوله ( استفتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقضه عنها ) أجمع المسلمون على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة فإن نذر معصية أو مباحا كدخول السوق لم ينعقد نذره ولا كفارة عليه عندنا وبه قال جمهور العلماء وقال أحمد وطائفة فيه كفارة يمين وقوله صلى الله عليه وسلم فاقضه عنها دليل لقضاء الحقوق الواجبة على الميت فأما الحقوق المالية فمجمع عليها وأما البدنية ففيها خلاف قدمناه في مواضع من هذا الكتاب ثم مذهب الشافعي وطائفة أن الحقوق المالية ) الواجبة على الميت من زكاة وكفارة ونذر يجب قضاؤها سواء أوصى بها أم لا كديون الآدمي وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما لا يجب قضاء شيء من ذلك إلا أن يوصى به ولأصحاب مالك خلاف في الزكاة إذا لم يوص بها والله أعلم قال القاضي عياض واختلفوا في نذر أم سعد هذا فقيل كان نذرا مطلقا وقيل كان صوما وقيل كان عتقا وقيل صدقة واستدل كل قائل بأحاديث جاءت في قصة أم سعد قال القاضي ويحتمل أن النذر كان غير ماورد في تلك الأحاديث قال والأظهر أنه كان نذرا في المال أو نذرا مبهما ويعضده ما رواه الدارقطني من حديث مالك فقال له يعني النبي صلى الله عليه وسلم اسق عنها الماء وأما أحاديث الصوم عنها فقد علله أهل الصنعة للاختلاف بين رواته في سنده ومتنه وكثرة اضطرابه وأما رواية من روى أفأعتق عنها فموافقة أيضا لأن العتق من الأموال وليس فيه قطع بأنه كان عليها عتق والله أعلم وأعلم أن مذهبنا ومذهب الجمهور أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير مالي ولا إذا كان ماليا ولم يخلف تركة لكن يستحب له ذلك وقال أهل الظاهر يلزمه ذلك لحديث سعد هذا ودليلنا أن الوارث لم يلتزمه فلا يلزم وحديث سعد يحتمل أنه قضاه من تركتها أو تبرع به وليس في الحديث تصريح بالزامه ذلك والله أعلم قوله ( أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ينهانا عن 1639 النذر ويقول أنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من الشحيح ) وفي رواية عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال أنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل وفي رواية أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر 1640 شيئا وإنما يستخرج به من البخيل وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال أنه لا يرد من القدر شيئا قال المازري يحتمل أن يكون سبب النهي عن كون النذر يصير ملتزما له فيأتي به تكلفا بغير نشاط قال ويحتمل أن يكون سببه كونه يأتي بالقربة التي التزمها في نذره على صورة المعاوضة للأمر الذي طلبه فينقص أجره وشأن العبادة أن تكون متمحضة لله تعالى قال القاضي عياض ويحتمل أن النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أن النذر يرد القدر ويمنع من حصول المقدر فنهى عنه خوفا من جاهل يعتقد ذلك وسياق الحديث يؤيد هذا والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتي بخير فمعناه أنه لا يرد شيئا من القدر كما بينه في الروايات الباقية وأما قوله صلى الله عليه وسلم يستخرج به من البخيل فمعناه أنه لا يأتي بهذه القربة تطوعا محضا مبتدأ وإنما يأتي بها في مقابلة شفاء المريض وغيره مما تعلق النذر عليه ويقال نذر ينذر وينذر بكسر الذال في المضارع وضمها لغتان قوله ( عن أبي المهلب ) 1641 هو بضم الميم وفتح الهاء واللام المشددة اسمه عبد الرحمن بن عمرو وقيل معاوية بن عمرو وقيل عمرو بن معاوية وقيل النضر بن عمرو الحرمي البصرى والله أعلم قوله ( سابقة الحاج ) يعني ناقته العضباء وسبق في كتاب الحج بيان العضباء والقصوى والجدعاء وهل هن ثلاث أم واحدة قوله صلى الله عليه وسلم ( أخذتك بجريرة حلفائك ) أي بجنايتهم قوله صلى الله عليه وسلم للأسير حين قال إني مسلم ( لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح ) إلى قوله ففدى بالرجلين معناه لو قلت كلمة الاسلام قبل الأسر حين كنت مالك أمرك أفلحت كل الفلاح لأنه لا يجوز أسرك لو أسلمت قبل الأسر فكنت فزت بالإسلام وبالسلامة من الأسر ومن اغتنام مالك وأما إذا أسلمت بعد الأسر فيسقط الخيار في قتلك ويبقى الخيار بين الاسترقاق والمن والفداء وفي هذا جواز المفاداة وأن إسلام الأسير لا يسقط حق الغانمين منه بخلاف ما لو أسلم قبل الأسر وليس في هذا الحديث أنه حين أسلم وفادى به رجع إلى دار الكفر ولو ثبت رجوعه إلى دارهم وهو قادر على إظهار دينه لقوة شوكة عشيرته أو نحو ذلك لم يحرم ذلك فلا اشكال في الحديث وقد استشكله المازري وقال كيف يرد المسلم إلى دار الكفر وهذا الاشكال باطل مردود بما ذكرته قوله ( وأسرت امرأة من الأنصار ) هي امرأة أبي ذر رضي الله عنه قوله ( ناقة منوقة ) هي بضم الميم وفتح النون والواو المشددة أي مذللة قوله ( ونذروا بها ) هو بفتح النون وكسر الذال أي علموا قوله صلى الله عليه وسلم ( لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد ) وفي رواية لا نذر في معصية الله تعالى في هذا دليل على أن من نذر معصية كشرب الخمر ونحو ذلك فنذره باطل لا ينعقد ولا تلزمه كفارة يمين ولا غيرها وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وداود وجمهور العلماء وقال أحمد تجب فيه كفارة اليمين بالحديث المروي عن عمر أن بن الحصين وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين واحتج الجمهور بحديث عمران بن حصين المذكور في الكتاب وأما حديث كفارته كفارة يمين فضعيف باتفاق المحدثين وأما قوله صلى الله عليه وسلم ولا فيما لا يملك العبد فهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه بأن قال إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان أو أتصدق بثوبه أو بداره أو نحو ذلك فأما إذا التزم في الذمة شيئا لا يملكه فيصح نذره مثاله قال إن شفى الله مريضي فلله علي عتق رقبة وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها فيصح نذره وان شفي المريض ثبت العتق في ذمته قوله ( ناقة ذلول مجرسة ) وفي رواية مدربة إما المجرسة فبضم الميم وفتح الجيم والراء المشددة وأما المدربة فبفتح الدال المهملة وبالباء الموحدة والمجرسة والمدربة والمنوقة والذلول كله بمعنى واحد وفي هذا الحديث جواز سفر المرأة وحدها بلا زوج ولا محرم ولا غيرهما إذا كان سفر ضرورة كالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام وكالهرب ممن يريد منها فاحشة ونحو ذلك والنهي عن سفرها وحدها محمول على غير الضرورة وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن الكفار إذا غنموا مالا للمسلم لا يملكونه وقال أبو حنيفة وآخرون يملكونه إذا حازوه إلى دار الحرب وحجة الشافعي وموافقيه هذا الحديث وموضع الدلالة منه ظاهر والله أعلم قوله ( أن النبي 1642 صلى الله عليه وسلم رأى شيخا يهادي بين ابنيه فقال ما بال هذا قالوا نذر أن يمشي قال إن الله عز وجل عن تعذيب هذا نفسه لغني وأمره أن يركب ) وفي رواية يمشي بين ابنيه متوكئا عليهما 1643 وهو معنى يهادي وفي حديث عقبة بن عامر قال نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني 1644 أن استفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فقال لتمش ولتركب أما الحديث الأول فمحمول على العاجز عن المشي فله الركوب وعليه دم وأما حديث أخت عقبة فمعناه تمشي في وقت قدرتها على المشي وتركب إذا عجزت عن المشي أو لحقتها مشقة ظاهرة فتركب وعليها دم وهذا الذي ذكرناه من وجوب الدم في الصورتين هو راجح القولين للشافعي وبه قال جماعة والقول الثاني لا دم عليه بل يستحب الدم وأما المشي حافيا فلا يلزمه الحفاء بل له لبس النعلين وقد جاء حديث أخت عقبة في سنن أبي داود مبينا أنها ركبت للعجز قال إن أختي نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله غني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة 1645 قوله صلى الله عليه وسلم ( كفارة النذر كفارة اليمين ) اختلف العلماء في المراد به فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج وهو أن يقول انسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلا إن كلمت زيدا مثلا فلله علي حجة أو غيرها فيكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه هذا هو الصحيح في مذهبنا وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق كقوله على نذر وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية كمن نذر أن يشرب الخمر وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر وقالوا هو مخير في جميع النذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة يمين والله أعلم

Section V11/P103–V11/P107

1 ( كتاب الأيمان ) 1 ( باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى ) 1646 قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله ) أو ليصمت ) وفي رواية لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم قال العلماء الحكمة في النهي عن الحلف بغيرالله تعالى أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى فلا يضاهي به غيره وقد جاء عن بن عباس لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر فإن قيل الحديث مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم أفلح وأبيه إن صدق فجوابه أن هذه كلمة تجري على اللسان لا تقصد بها اليمين فإن قيل فقد أقسم الله تعالى بمخلوقاته كقوله تعالى والصافات والذاريات والطور والنجم فالجواب أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على شرفه قوله ( ما حلفت بها ذاكرا ولا آثرا ) معنى ذاكرا قائلا لها من قبل نفسي ولا آثرا بالمد أي حالفا عن غيري وفي هذا الحديث إباحة الحلف بالله تعالى وصفاته كلها وهذا مجمع عليه وفيه النهي عن الحلف بغير أسمائه سبحانه وتعالى وصفاته وهو عند أصحابنا مكروه ليس بحرام قوله صلى الله عليه وسلم ( من حلف منكم فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله 1647 إلا الله ) إنما أمر بقول لا إله إلا الله لأنه تعاطى تعظيم صورة الأصنام حين حلف بها قال أصحابنا إذا حلف باللات والعزى وغيرهما من الأصنام أو قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو بريء من النبي صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك لم تنعقد يمينه بل عليه أن يستغفرالله تعالى ويقول لا إله إلا الله ولا كفارة عليه سواء فعله أم لا هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء وقال أبو حنيفة تجب الكفارة في كل ذلك إلا في قوله أنا مبتدع أو بريء من النبي صلى الله عليه وسلم أو واليهودية واحتج بأن الله تعالى أوجب على المظاهر الكفارة لأنه منكر من القول وزور والحلف بهذه الأشياء منكر وزور واحتج أصحابنا والجمهور بظاهر هذا الحديث فإنه صلى الله عليه وسلم إنما أمره يقول لا إله إلا الله ولم يذكر كفارة ولأن الأصل عدمها حتى يثبت فيها شرع وأما قياسهم على الظهار فينتقض بما استثنوه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق ) قال العلماء أمر بالصدقة تكفيرا لخطيئته في كلامه بهذه المعصية قال الخطابي معناه فليتصدق بمقدار ما أمر أن يقامر به والصواب الذي عليه المحققون وهو ظاهر الحديث أنه لا يختص بذلك المقدار بل يتصدق بما تيسر مما ينطلق عليه إسم الصدقة ويؤيده رواية معمر التي ذكرها مسلم فليتصدق بشيء قال القاضي ففي هذا الحديث دلالة لمذهب الجمهور أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبا يكتب عليه بخلاف الخاطر الذي لا يستقر في القلب وقد سبقت المسألة واضحة في أول الكتاب قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم ) 1648 هذا الحديث مثل الحديث السابق في النهي عن الحلف باللات والعزى قال أهل اللغة والغريب الطواغي هي الاصنام واحدها طاغية ومنه هذه طاغية دوس أي صنمهم ومعبودهم سمى بإسم المصدر لطغيان الكفار بعبادته لأنه سبب طغيانهم وكفرهم وكل ما جاوز الحد في تعظيم أو غيره فقد طغى فالطغيان المجاوزة للحد ومنه قوله تعالى لما طغى الماء أي جاوز الحد وقيل يجوز أن يكون المراد بالطواغي هنا من طغى من الكفار وجاوز القدر المعتاد في الشر وهم عظماؤهم وروى هذا الحديث في غير مسلم لا تحلفوا بالطواغيت وهو جمع طاغوت وهو الصنم ويطلق على الشيطان أيضا ويكون الطاغوت واحدا وجمعا ومذكرا ومؤنثا قال الله تعالى اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وقال تعالى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الآية يكفروا به

Section V11/P107

1 ( باب ندب من حلف يمينا فرأي غيرها خيرا منها أن يأتي ( الذي هو خير ويكفر عن يمينه ) )

Section V11/P107–V11/P116

قوله صلى الله عليه وسلم ( إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم ارى خيرا منها إلا كفرت 1649 عن يميني وأتيت الذي هو خير ) وفي الحديث الآخر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه وفي رواية إذا حلف أحدكم على اليمين فرأي خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير في هذه الأحاديث دلالة على من حلف على فعل شيء أو تركه وكان الحنث خيرا من التمادي على اليمين استحب له الحنث وتلزمه الكفارة وهذا ) متفق عليه وأجمعوا على أنه لا تجب عليه الكفارة قبل الحنث وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث فجوزها مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأربعة عشر صحابيا وجماعات من التابعين وهو قول جماهير العلماء لكن قالوا يستحب كونها بعد الحنث واستثنى الشافعي التكفير بالصوم فقال لا يجوز قبل الحنث لأنه عبادة بدنية فلا يجوز تقديمها على وقتها كالصلاة وصوم رمضان وأما التكفير بالمال فيجوز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة واستثنى بعض أصحابنا حنث المعصية فقال لا يجوز تقديم كفارته لأن فيه إعانة على المعصية والجمهور على اجزائها كغير المعصية وقال أبو حنيفة وأصحابه وأشهب المالكي لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث بكل حال ودليل الجمهور ظواهر هذه الأحاديث والقياس على تعجيل الزكاة قوله ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين نستحمله ) أي نطلب منه ما يحملنا من الابل ويحمل أثقالنا قوله فأمر لنا بثلاث ذود غر الذري وفي رواية بخمس ذود وفي رواية بثلاثة ذود بقع الذري أما الذري فبضم الذال وكسرها وفتح الراء المخففة جمع ذروة بكسر الذال وضمها وذروة كل شيء أعلاه والمراد هنا الأسنمة وأما الغر فهي البيض وكذلك البقع المراد بها البيض وأصلها ما كان فيه بياض وسواد ومعناه أمر لنا بإبل بيض الأسنمة وأما قوله بثلاث ذود فهو من إضافة الشئ إلى نفسه وقد يحتج به من يطلق الذود على الواحد وسبق إيضاحه في كتاب الزكاة وأما قوله بثلاث وفي رواية بخمس فلا منافاة بينهما إذ ليس في ذكر الثلاث نفي للخمس والزيادة مقبولة ووقع في الرواية الأخيرة بثلاثة ذود بإثبات الهاء وهو صحيح يعود إلى معنى الإبل وهو إلا بعرة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم ) ترجم البخاري لهذا الحديث قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون وأراد أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وهذا مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة وقال الماوردي معناه أن الله تعالى آتاني ما حملتكم عليه ولولا ذلك لم يكن عندي ما أحملكم عليه قال القاضي ويجوز أن يكون أوحى إليه أن يحملهم أو يكون المراد دخولهم في عموم من أمر الله تعالى بالقسم فيهم والله أعلم قوله ( أسأله لهم الحملان ) بضم الحاء أي الحمل قوله صلى الله عليه وسلم ( خذ هذين القرينين ) أي البعيرين المقرون أحدهما بصاحبه قوله ( عن زهدم الجرمي ) هو بزاي مفتوحة ثم هاء ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة قوله ( في لحم الدجاج رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منه ) فيه إباحة لحم الدجاج وملاذ الأطعمة ويقع إسم الدجاج على الذكور والإناث وهو بكسر الدال وفتحها قوله ( بنهب إبل ) قال أهل اللغة النهب الغنيمة وهو بفتح النون وجمعه نهاب بكسرها ونهوب بضمها وهو مصدر بمعنى المنهوب كالخلق بمعنى المخلوق قوله ( أغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه ) هو بإسكان اللام أي جعلناه غافلا معناه كنا سبب غفلته عن يمينه ونسيانه إياها وما ذكرناه إياها أي أخذنا منه ما أخذنا وهو ذاهل عن يمينه قوله ( حدثنا الصعق يعني بن حزن قال حدثنا مطر الوراق عن زهدم ) هو الصعق بفتح الصاد وبكسر العين وإسكانها والكسر أشهر قال الدار قطني الصعق ومطر ليساقويين ولم يسمعه مطر من زهدم وإنما رواه عن القاسم عنه فاستدركه الدارقطني على مسلم وهذا الاستدلال فاسد لأن مسلما لم يذكره متاصلا وإنما ذكره متابعة للطرق الصحيحة السابقة وقد سبق أن المتابعات يحتمل فيها الضعف لأن الاعتماد على ما قبلها وقد سبق ذكر مسلم لهذه المسألة في أول خطبة كتابه وشرحناه هناك وأنه يذكر بعض الأحاديث الضعيفة متابعة للصحيحة وأما قوله إنهما ليساقويين فقد خالفه الأكثرون فقال يحي بن معين وأبو زرعة هو ثقة في الصعق وقال أبو حاتم مابه بأس وقال هؤلاء الثلاث في مطر الوراق هو صالح وإنما ضعفوا روايته عن عطاء خاصة قوله ( عن ضريب بن نقير ) أما ضريب فبضاد معجمة مصغر ونقير بضم النون وفتح القاف وآخره راء هذا هوالمشهور المعروف عن أكثر الرواة في كتب الأسماء ورواه بعضهم بالفاء وقيل نفيل بالفاء وآخره لام قوله ( حدثنا أبو السليل ) هو بفتح السين المهملة @ 115 وكسر اللام وهو ضريب بن نفير المذكور في الرواية الأولى قوله صلى الله عليه وسلم ( من حلف على 1651 يمين ثم رأى أتقى لله فليأت التقوى ) هو بمعنى الروايات السابقة فرأى خيرا منها فليأت الذي هو خير قوله صلى الله عليه وسلم 1652 ( يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ) هكذا هو في أكثر النسخ وكلت إليها وفي بعضها أكلت إليها بالهمزة وفي هذا الحديث فوائد منها كراهة سؤال الولاية سواء ولاية الإمارة والقضاء والحسبة وغيرها ومنها بيان أن من سأل الولاية لا يكون معه إعانة من الله تعالى ولا تكون فيه كفاية لذلك العمل فينبغي أن لا يولى ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لا نولي عملنا من طلبه أو حرص عليه قوله ( حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا جرير إلى آخره ) وقع في بعض النسخ في آخر هذا الحديث قال أبو أحمد الجلودي حدئنا أبو العباس الماسرجسي قال حدثنا شيبان بهذا ومراده أنه علا برجل

Section V11/P116–V11/P117

1 ( باب اليمين على نية المستحلف ) 1653 قوله صلى الله عليه وسلم ( يمينك على ما يصادقك عليه صاحبك ) وفي رواية اليمين على نية المستحلف المستحلف بكسر اللام وهذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي فإذا ادعى رجل على رجل حقا فحلفه القاضي فحلف وورى فنوى غير مانوى القاضي انعقدت يمينه على ما نواه القاضي ولا تنفعه التورية وهذا مجمع عليه ودليله هذا الحديث والإجماع فأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي وورى تنفعه التورية ولا يحنث سواء حلف ابتداء من غير تحليف أو حلفه غير القاضي وغير نائبه في ذلك ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضي وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون على نية المستحلف وهو مراد الحديث أما إذا حلف عند القاضي من غير إستحلاف القاضي في دعوى فالإعتبار بنية الحالف وسواء في هذا كله اليمين بالله تعالى أو بالطلاق والعتاق إلا أنه إذا حلفه القاضي بالطلاق أو بالعتاق تنفعه التورية ويكون الإعتبار بنية الحالف لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق وإنما يستحلف بالله تعالى وأعلم أن التورية وإن كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق وهذا مجمع عليه هذا تفصيل مذهب الشافعي وأصحابه ونقل القاضي عياض عن مالك وأصحابه في ذلك إختلافا وتفصيلا فقال لا خلاف بين العلماء أن الحالف من غير إستحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته ويقبل قوله وأما إذا حلف لغيره في حق أو وثيقة متبرعا أو بقضاء عليه فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه سواء حلف ) متبرعا باليمين أو بإستحلاف وأما فيما بينه وبين الله تعالى فقيل اليمين على نية المحلوف له وقيل على نية الحالف وقيل أن كان مستحلفا فعلى نية المحلوف له وإن كان متبرعا باليمين فعلى نية الحالف وهذا قول عبد الملك وسحنون وهو ظاهرقول مالك وبن القاسم وقيل عكسه وهي رواية يحيى عن بن القاسم وقيل تنفعه نيته فيما لا يقضي به عليه ويفترق التبرع وغيره فيما يقضي به عليه وهذا مروي عن بن القاسم أيضا وحكى عن مالك أن ما كان من ذلك على وجه المكر والخديعة فهو فيه آثم حانث وما كان على وجه العذر فلا بأس به وقال بن حبيب عن مالك ما كان على وجه المكر والخديعة فله نيته وما كان في حق فهو على نية المحلوف له قال القاضي ولا خلاف في إثم الحالف بما يقع به حق غيره وإن ورى والله أعلم 1 ( باب الاستثناء في اليمين وغيرها )

Section V11/P117–V11/P122

1654 ذكر في الباب حديث سليمان بن داود عليه السلام وفيه فوائد منها أنه يستحب للإنسان إذا قال سأفعل كذا أن يقول إن شاء الله تعالى لقوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ولهذا الحديث ومنها أنه إذا حلف وقال متصلا بيمينه إن شاء الله تعالى لم يحنث بفعله المحلوف عليه وإن الإستثناء يمنع إنعقاد اليمين لقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لو ) قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته ويشترط لصحة هذا الإستثناء شرطان أحدهما أن يقوله متصلا باليمين والثاني أن يكون نوى قبل فراغ اليمين أن يقول إن شاء الله تعالى قال القاضي أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا قال ولو جاز منفصلا كما روى عن بعض السلف لم يحنث أحد قط في يمين ولم يحتج إلى كفارة قال واختلفوا في الإتصال فقال مالك والأوزاعي والشافعي والجمهور هو أن يكون قوله إن شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما ولا تضر سكتة النفس وعن طاوس والحسن وجماعة من التابعين أن له الإستثناء مالم يقم من مجلسه وقال قتادة مالم يقم أو يتكلم وقال عطاء قدر حلبة ناقة وقال سعيد بن جبير بعد أربعة أشهر وعن بن عباس له الإستثناء أبدا متى تذكره وتأول بعضهم هذا المنقول عن هؤلاء على أن مرادهم أنه يستحب له قول إن شاء الله تبركا قال تعالى واذكر ربك إذا نسيت ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث أما إذا استثنى في الطلاق والعتق وغير ذلك سوى اليمين بالله تعالى فقال أنت طالق إن شاء الله تعالى أو أنت حر إن شاء الله تعالى أو أنت علي كظهر أمي إن شاء الله تعالى أو لزيد في ذمتي ألف درهم إن شاء الله أو إن شفى مريضي فلله علي صوم شهر إن شاء الله أو ما أشبه ذلك فمذهب الشافعي والكوفيين وابي ثور وغيرهم صحة الإستثناء في جميع الأشياء كما أجمعوا عليها في اليمين بالله تعالى فلا يحنث في طلاق ولا عتق ولا ينعقد ظهاره ولا نذره ولا إقراره ولا غير ذلك مما يتصل به قوله إن شاء الله وقال مالك والأوزاعي لا يصح الإستثناء في شيء من ذلك إلا اليمين بالله تعالى وقوله صلى الله عليه وسلم لو قال إن شاء الله لم يحنث فيه إشارة إلى أن الإستثناء يكون بالقول ولا تكفي فيه النية وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد والعلماء كافة إلا ما حكى عن بعض المالكية أن قياس قول مالك صحة الإستثناء بالنية من غير لفظ قوله صلى الله عليه وسلم ( فقال له صاحبه قل إن شاء الله ) قد يحتج به من يقول بجواز انفصال الإستثناء واجاب الجمهور عنه بأنه يحتمل أن يكون صاحبه قال له ذلك وهو بعد في أثناء اليمين أو أن الذي جرى منه ليس بيمين فإنه ليس في الحديث تصريح بيمين والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لأطوفن ) وفي بعض النسخ لا طيفن الليلة هما لغتان فصيحتان طاف بالشئ وأطاف به إذا دار حوله وتكرر عليه فهو طائف ومطيف وهو هنا كناية عن الجماع قوله صلى الله عليه وسلم ( كان لسليمان ستون امرأة ) وفي رواية سبعون وفي رواية تسعون وفي غير صحيح مسلم تسع وتسعون وفي رواية مائة هذا كله ليس بمتعارض لأنه ليس في ذكر القليل نفي الكثير وقد سبق بيان هذا مرات وهو من مفهوم العدد ولا يعمل به عند جماهير الأصوليين وفي هذا بيان ما خص به الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم من القوة على اطاقة هذا في ليلة واحدة وكان نبيا صلى الله عليه وسلم يطوف على إحدى عشرة امرأة له في الساعة الواحدة كما ثبت في الصحيح وهذا كله من زيادة القوة والله أعلم قوله ( فتحمل كل واحدة منهن فتلد كل واحدة منهن غلاما فارسا يقاتل في سبيل الله ) هذا قاله على سبيل التمني للخير وقصد به الآخرة والجهاد في سبيل الله تعالى لا لغرض الدنيا قوله صلى الله عليه وسلم ( فلم تحمل منهن إلا واحدة فولدت نصف إنسان ) وفي رواية جاءت بشق غلام قيل هو الجسد الذي ذكره الله تعالى أنه ألقى على كرسيه قوله صلى الله عليه وسلم ( لو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلاما فارسا يقاتل في سبيل الله تعالى ) هذا محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم أوحى إليه بذلك في حق سليمان لا أن كل من فعل هذا يحصل له هذا قوله صلى الله عليه وسلم ( فقال له صاحبه أو الملك قل إن شاء الله فلم يقل ونسى ) قيل المراد بصاحبه الملك وهو الظاهر من لفظه وقيل القرين وقيل صاحب له آدمي وقوله نسى ضبطه بعض الأئمة بضم النون وتشديد السين وهو ظاهر حسن والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وكان دركا له في حاجته ) هو بفتح الإدراك إسم من الإدارك أي لحاقا قال الله تعالى لا تخاف دركا قوله صلى الله عليه وسلم ( وايم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله ) فيه جواز اليمين بهذا اللفظ وهو ايم الله وايمن الله واختلف العلماء في ذلك فقال مالك وأبو حنيفة هو يمين وقال أصحابنا أن نوى به اليمين فهو يمين وإلا فلا قوله صلى الله عليه وسلم ( لو قال إن شاء الله لجاهدوا ) فيه جواز قول لو ولولا قال القاضي عياض هذا يستدل به على جواز قول لو ولولا قال وقد جاء في القرآن كثيرا وفي كلام الصحابة والسلف وترجم البخاري على هذا باب ما يجوز من اللو وأدخل فيه قول لوط صلى الله عليه وسلم لو أن لي بكم قوة وقول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت راجما بغير بينة لرجمت هذه ولو مدلى الشهر لواصلت ولولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار وأمثال هذا قال والذي ينفهم من ترجمة البخاري وما ذكره في الباب من القرآن والآثار أنه يجوز استعمال لو ولولا فيما يكون للإستقبال مما امتنع من فعله لإمتناع غيره وهو من باب الممتنع من فعله لوجود غيره وهو من باب لولا لأنه لم يدخل في الباب سوى ماهو للإستقبال أو ماهو حق صحيح متيقن كحديث لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار دون الماضي والمنقضي أو مافيه اعتراض على الغيب والقدر السابق وقد ثبت في الحديث الآخر في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل قال القاضي قال بعض العلماء هذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع بالغيب أنه لو كان كذا لكان كذا من غير ذكر مشيئة الله تعالى والنظر إلى سابق قدره وخفى علمه علينا فأما من قاله على التسليم ورد الأمر إلى المشيئة فلا كراهة فيه قال القاضي وأشار بعضهم إلى أن لولا بخلاف لو قال القاضي والذي عندي أنهما سواء إذا استعملتا فيما لم يحط به الإنسان علما ولا هو داخل تحت مقدور قائلهما مما هو تحكم على الغيب واعتراض على القدر كما نبه عليه في الحديث ومثل قول المنافقين لو أطاعونا ما قتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا فرد الله تعالى عليهم باطلهم فقال فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين فمثل هذا هو المنهي عنه وأما هذا الحديث الذي نحن فيه فإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيه عن يقين نفسه أن سليمان لو قال إن شاء الله لجاهدوا إذ ليس هذا مما يدرك بالظن والإجتهاد وإنما أخبر عن حقيقة أعلمه الله تعالى بها وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم لولا بنو اسرائيل لم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها فلا معارضة بين هذا وبين حديث النهي عن لو وقد قال الله تعالى قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وكذلك ما جاء من لولا كقوله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا ولولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه لأن الله تعالى مخبر في كل ذلك عما مضى أو يأتي عن علم خبرا قطعيا وكل ما يكون من لو ولولا مما يخبر به الإنسان عن علة امتناعه من فعله مما يكون فعله في قدرته فلا كراهة فيه لأنه اخبار حقيقة عن امتناع شيء لسبب شيء وحصول شيء لامتناع شيء وتأتي لو غالبا لبيان السبب الموجب أو النافي فلا كراهة في كل ما كان من هذا إلا أن يكون كاذبا في ذلك كقول المنافقين لو نعلم قتالا لاتبعناكم والله أعلم

Questions