Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
142 فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته ) الا حرم الله عليه الجنة ) وفى الرواية الاخرى ( ما من أمير يلى أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح الا لم يدخل معهم الجنة ) أما فقه الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم حرم الله عليه الجنة فيه التأويلان المتقدمان فى نظائره أحدهما أنه محمول على المستحل والثانى حرم عليه دخولها مع الفائزين السابقين ومعنى التحريم هنا المنع قال القاضي عياض رحمه الله معناه بين فى التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله تعالى شيئا من أمرهم واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم فى دينهم أو دنياهم فاذا خان فيما اؤتمن عليه فلم ينصح فيما قلده اما بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به واما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم والذب عنها لكل متصد لا دخال داخلة فيها أو تحريف لمعانيها أو اهمال حدودهم أو تضييع حقوقهم أو ترك حماية حوزتهم ومجاهدة عدوهم أو ترك سيرة العدل فيهم فقد غشهم قال القاضي وقد نبه صلى الله عليه وسلم على أن ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة عن الجنة والله أعلم وأما قول معقل رضى الله عنه لعبيد الله بن زياد ( لو علمت أن لى حياة ما حدثتك ) وفى الرواية الاخرى ( لولا أنى فى الموت لم أحدثك فقال القاضي عياض رحمه الله انما فعل هذا لأنه علم قبل هذا انه ممن لا ينفعه الوعظ كما ظهر منه مع غيره ثم خاف معقل من كتمان الحديث ورأى تبليغه أو فعله لأنه خافه لو ذكره فى حياته لما يهيج عليه هذا الحديث ويثبته فى قلوب الناس من سوء حاله هذا كلام القاضي والاحتمال الثانى هو الظاهر والأول ضعيف فان الامر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يسقط باحتمال عدم قبوله والله اعلم وأما ألفاظ الباب ففيه شيبان عن أبى الاشهب عن الحسن عن معقل بن يسار رضى الله عنه وهذا الاسناد كله بصريون وفروخ غير مصروف لكونه عجميا تقدم مرات وأبو الاشهب اسمه جعفر بن حيان بالمثناة العطاردى السعدى البصرى وفيه عبيد الله بن زياد هو زياد بن أبيه الذى يقال له زياد بن أبى سفيان وفيه أبو غسان المسمعى وقد تقدم بيانه فى المقدمة وأن غسان يصرف ولا يصرف والمسمعى بكسر الميم الأولى وفتح الثانية منسوب إلى مسمع بن ربيعة واسم أبى غسان مالك بن عبد الواحد وفيه أبو المليح بفتح الميم واسمه عامر وقيل زيد بن أسامة الهذلى البصرى والله اعلم 1 ( باب رفع الامانة والايمان من بعض القلوب ( وعرض الفتن على القلوب ))
143 فيه قول حذيفة رضى الله عنه ( حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر إلى آخره ) وفيه حديث حذيفة الآخر فى عرض الفتن وأنا أذكر شرح لفظهما ومعناهما على ترتيبهما ان شاء تعالى فأما الحديث الأول فقال مسلم ( حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع قال وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة رضى الله عنه ) هذا الاسناد كله كوفيون وحذيفة مداينى كوفى وقوله عن الأعمش عن زيد والأعمش مدلس وقد قدمنا أن المدلس لا يحتج بروايته اذا قال ) عن وجوابه ما قدمناه مرات فى الفصول وغيرها أنه ثبت سماع الاعمش هذا الحديث من زيد من جهة أخرى فلم يضره بعد هذا قوله فيه عن وأما قول حذيفة رضى الله عنه حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين فمعناه حدثنا حديثين فى الأمانة والا فروايات حذيفة كثيرة فى الصحيحين وغيرهما قال صاحب التحرير وعنى بأحد الحديثين قوله حدثنا أن الامانة نزلت فى جذر قلوب الرجال وبالثانى قوله ثم حدثنا عن رفع الامانة إلى آخره قوله ( أن الامانة نزلت فى جذر قلوب الرجال ) أما الجذر فهو بفتح الجيم وكسرها لغتان وبالذال المعجمة فيهما وهو الأصل قال القاضي عياض رحمه الله مذهب الأصمعى فى هذا الحديث فتح الجيم وأبو عمرو يكسرها وأما الأمانة فالظاهر أن المراد بها التكليف الذى كلف الله تعالى به عباده والعهد الذى أخذه عليهم قال الامام أبو الحسن الواحدى رحمه الله فى قول الله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال قال بن عباس رضى الله عنهما هي الفرائض التى افترضها الله تعالى على العباد وقال الحسن هو الدين والدين كله أمانة وقال أبو العالية الامانة ما أمروا به وما نهوا عنه وقال مقاتل الأمانة الطاعة قال الواحدى وهذا قول أكثر المفسرين قال فالأمانة فى قول جميعهم الطاعة والفرائض التى يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب والله اعلم وقال صاحب التحرير الأمانة فى الحديث هي الأمانة المذكورة فى قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة وهي عين الايمان فاذا استمكنت الامانة من قلب العبد قام حينئذ بأداء التكاليف واغتنم ما يرد عليه منها وجد في اقامتها والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيظل أثرها مثل الوكت فهو بفتح الواو واسكان الكاف وبالتاء المثناة من فوق وهو الأثر اليسير كذا قاله الهروى وقال غيره هو سواد يسير وقيل هو لون يحدث مخالف للون الذى كان قبله وأما ( المجل ) فبفتح الميم واسكان الجيم وفتحها لغتان حكاهما صاحب التحرير والمشهور الاسكان يقال منه مجلت يده بكسر الجيم تمجل بفتحها مجلا بفتحها أيضا ومجلت بفتح الجيم تمجل بضمها مجلا باسكانها لغتان مشهورتان وأمجلها غيرها قال أهل اللغة والغريب المجل هو التنفط الذى يصير فى اليد من العمل بفأس أو نحوها ويصير كالقبة فيه ماء قليل وأما قوله ( كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء ) فالجمر والدحرجة معروفان ونفط بفتح النون وكسر الفاء ويقال تنفط بمعناه ومنتبرا مرتفعا وأصل هذه اللفظة الارتفاع ومنه المنبر لارتفاعه وارتفاع الخطيب عليه وقوله نفط ولم يقل نفطت مع أن الرجل مؤنثة أما أن يكون ذكر نفط اتباعا للفظ الرجل وأما ان يكون اتباعا لمعنى الرجل وهو العضو وأما قوله ( ثم أخذ حصى فدحرجه ) فهكذا ضبطناه وهو ظاهر ووقع فى أكثر الاصول ثم أخذ حصاة فدحرجه بافراد لفظ الحصاة وهو صحيح أيضا ويكون معناه دحرج ذلك المأخوذ أو الشيء وهو الحصاة والله اعلم قال صاحب التحرير معنى الحديث أن الامانة تزول عن القلوب شيئا فشيئا فاذا زال أول جزء منها زل نورها وخلفته ظلمة كالوكت وهو اعتراض لون مخالف للون الذى قبله فاذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو أثر محكم لا يكاد يزول الا بعد مدة وهذه الظلمة فوق التى قبلها ثم شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه فى القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة اياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى التنفط وأخذه الحصاة ودحرجته أياها أراد بها زيادة البيان وايضاح المذكور والله اعلم وأما قول حذيفة رضى الله عنه ( ولقد أتى على زمان وما أبالى أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه على دينه ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه على ساعيه وأما اليوم فما كنت لأبايع الا فلانا وفلانا ) فمعنى المبايعة هنا البيع والشراء المعروفان ومراده انى كنت أعلم أن الامانة لم ترتفع وأن فى الناس وفاء بالعهود فكنت أقدم على مبايعة من اتفق غير باحث عن حاله وثوقا بالناس وأمانتهم فانه ان كان مسلما فدينه وأمانته تمنعه من الخيانة وتحمله على أداء الأمانة وان كان كافرا فساعيه وهو الوالى عليه كان ايضا يقوم بالأمانة فى ولايته فيستخرج حقى منه وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة فما بقى لى وثوق بمن أبايعه ولا بالساعى فى أدائهما الأمانة فما أبايع الا فلانا وفلانا يعنى أفرادا من الناس أعرفهم وأثق بهم قال صاحب التحرير والقاضى عياض رحمهما الله وحمل بعض العلماء المبايعة هنا على بيعة الخلافة وغيرها من المعاقدة والتحالف فى أمور الدين قالا وهذا خطأ من قائله وفى هذا الحديث مواضع تبطل قوله منها قوله ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ومعلوم أن النصرانى واليهودى لا يعاقد على شيء من أمور الدين والله اعلم وأما الحديث الثانى فى عرض الفتن ففى اسناده سليمان بن حيان بالمثناة وربعى بكسر الراء وهو بن حراش بكسر الحاء المهملة 144 وقوله ( فتنة الرجل فى أهله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ) قال اهل اللغة أصل الفتنة فى كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار قال القاضي ثم صارت فى عرف الكلام لكل امر كشفه الاختبار عن سوء قال أبو زيد فتن الرجل يفتن فتونا اذا وقع فى الفتنة وتحول من حال حسنة إلى سيئة وفتنة الرجل فى أهله وماله وولده ضروب من فرط محبته لهم وشحه عليهم وشغله بهم عن كثير من الخير كما قال تعالى أنما أموالكم وأولادكم فتنة أو لتفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم فانه راع لهم ومسئول عن رعيته وكذلك فتنة الرجل فى جاره من هذا فهذه كلها فتن تقتضى المحاسبة ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات كما قال تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات وقوله ( التى تموج كما يموج البحر ) أى تضطرب ويدفع بعضها بعضا وشبهها بموج البحر لشدة عظمها وكثرة شيوعها وقوله ( فأسكت القوم ) هو بقطع الهمزة المفتوحة قال جمهور أهل اللغة سكت وأسكت لغتان بمعنى صمت وقال الأصمعى سكت صمت وأسكت أطرق وانما سكت القوم لانهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة وانما حفظوا النوع الأول وقوله ( لله أبوك ) كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها فان الاضافة إلى العظيم تشريف ولهذا يقال بيت الله وناقة الله قال صاحب التحرير فاذا وجد من الولد ما يحمد قيل له لله أبوك حيث أتى بمثلك وقوله صلى الله عليه وسلم ( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ) هذان الحرفان مما اختلف فى ضبطه على ثلاثة أوجه أظهرها وأشهرها عودا عودا بضم العين وبالدال المهملة والثانى بفتح العين وبالدال المهملة أيضا والثالث بفتح العين وبالذال المعجمة ولم يذكر صاحب التحرير غير الأول وأما القاضي عياض فذكر هذه الأوجه الثلاثة عن أئمتهم واختار الأول ايضا قال واختار شيخنا أبوالحسين بن سراج فتح العين والدال المهملة قال ومعنى تعرض أنها تلصق بعرض القلوب أى جانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة التصاقها به قال ومعنى عودا عودا أى تعاد وتكرر شيئا بعد شيء قال بن سراج ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه سؤال الاستعاذة منها كما يقال غفرا غفرا وغفرانك أى نسألك أن تعيذنا من ذلك وأن تغفر لنا وقال الاستاذ أبو عبد الله بن سليمان معناه تظهر على القلوب أى تظهر لها فتنة بعد أخرى وقوله كالحصير أى كما ينسج الحصير عودا عودا وشظية بعد أخرى قال القاضي وعلى هذا يترجح رواية ضم العين وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودا أخذ آخر ونسجه فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدا بعد واحد قال القاضي وهذا معنى الحديث عندى وهو الذى يدل عليه سياق لفظه وصحة تشبيهه والله اعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فأى قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء واى قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء ) معنى أشربها دخلت فيه دخولا تاما وألزمها وحلت منه محل الشراب ومنه قوله تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل أى حب العجل ومنه قولهم ثوب مشرب بحمرة أى خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها ومعنى نكت نكتة نقط نقطة وهى بالتاء المثناة فى آخره قال بن دريد وغيره كل نقطة فى شيء بخلاف لونه فهو نكت ومعنى أنكرها ردها والله اعلم وقوله صلى الله عليه وسلم ( حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا الا ما اشرب من هواه ) قال القاضي عياض رحمه الله ليس تشبيهه بالصفا بيانا لبياضه لكن صفة أخرى لشدته على عقد الايمان وسلامته من الخلل وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا وهو الحجر الاملس الذى لا يعلق به شيء وأما قوله مربادا فكذا هو فى روايتنا وأصول بلادنا وهو منصوب على الحال وذكر القاضي عياض رحمه الله خلافا فى ضبطه وأن منهم من ضبطه كما ذكرناه ومنهم من رواه مربئد بهمزة مكسورة بعد الباء قال القاضي وهذه رواية أكثر شيوخنا وأصله أن لا يهمز ويكون مربد مثل مسود ومحمر وكذا ذكره أبو عبيد والهروى وصححه بعض شيوخنا عن أبى مروان بن سراج لانه من اربد الا على لغة من قال احمأر بهمزة بعد الميم لالتقاء الساكنين فيقال اربأد ومربئد والدال مشددة على القولين وسيأتى تفسيره وأما قوله مجخيا فهو بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم خاء معجمة مكسورة معناه مائلا كذا قاله الهروى وغيره وفسره الراوى فى الكتاب بقوله منكوسا وهو قريب من معنى المائل قال القاضي عياض قال لى بن سراج ليس قوله كالكوز مجخيا تشبيها لما تقدم من سواده بل هو وصف آخر من أوصافه بأنه قلب ونكس حتى لا يعلق به خير ولا حكمة ومثله بالكوز المجخى وبينه بقوله لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا قال القاضي رحمه الله شبه القلب الذى لا يعى خيرا بالكوز المنحرف الذى لا يثبت الماء فيه وقال صاحب التحرير معنى الحديث ان الرجل اذا تبع هواه وارتكب المعاصى دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة واذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الاسلام والقلب مثل الكوز فاذا انكب انصب ما فيه ولم يدخله شيء بعد ذلك وأما قوله فى الكتاب ( قلت لسعد ما أسود مربادا فقال شدة البياض فى سواد ) فقال القاضي عياض رحمه الله كان بعض شيوخنا يقول انه تصحيف وهو قول القاضي أبى الوليد الكنانى قال أرى ان صوابه شبه البياض فى سواد وذلك أن شدة البياض فى سواد لا يسمى ربدة وانما يقال لها بلق اذا كان فى الجسم وحورا اذا كان فى العين والربدة انما هو شيء من بياض يسير يخالط السواد كلون أكثر النعام ومنه قيل للنعامة ربداء فصوابه شبه البياض لا شدة البياض قال أبو عبيد عن ابى عمرو وغيره الربدة لون بين السواد والغبرة وقال بن دريد الربدة لون أكدر وقال غيره هي ان يختلط السواد بكدرة وقال الحربى لون النعام بعضه أسود وبعضه أبيض ومنه اربد لونه اذا تغير ودخله سواد وقال نفطويه المربد الملمع بسواد وبياض ومنه تربد لونه أى تلون والله اعلم قوله حدثته ان بينك وبينها بابا مغلقا يوشك ان يكسر قال عمر رضى الله عنه أكسرا لا أبا لك فلو أنه فتح لعله كان يعاد أما قوله ان بينك وبينها بابا مغلقا فمعناه ان تلك الفتن لا يخرج شيء منها فى حياتك وأما قوله يوشك فبضم الياء وكسر الشين ومعناه يقرب وقوله أكسرا أى أيكسر كسرا فان المكسور لا يمكن اعادته بخلاف المفتوح ولأن الكسر لا يكون غالبا الا عن اكراه وغلبة وخلاف عادة وقوله لا أبا لك قال صاحب التحرير هذه كلمة تذكرها العرب للحث على الشيء ومعناها أن الانسان اذا كان له أب وحزبه أمر ووقع فى شدة عاونه أبوه ورفع عنه بعض الكل فلا يحتاج من الجد والاهتمام إلى ما يحتاج إليه حالة الانفراد وعدم الأب المعاون فاذا قيل لا أبا لك فمعناه جد فى هذا الأمر وشمر وتأهب تأهب من ليس له معاون والله اعلم قوله وحدثته ان ذلك الباب رجل يقتل أو يموت حديثا ليس بالأغاليط أما الرجل الذى يقتل فقد جاء مبينا فى الصحيح أنه عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقوله يقتل أو يموت يحتمل أن يكون حذيفة رضى الله عنه سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم هكذا على الشك والمراد به الابهام على حذيفة وغيره ويحتمل أن يكون حذيفة علم أنه يقتل ولكنه كره أن يخاطب عمر رضى الله عنه بالقتل فان عمر رضى الله عنه كان يعلم أنه هو الباب كما جاء مبينا فى الصحيح أن عمر كان يعلم من الباب كما يعلم ان قبل غد الليلة فاتى حذيفة رضى الله عنه بكلام يحصل منه الغرض مع أنه ليس اخبارا لعمر بأنه يقتل وأما قوله حديثا ليس بالأغاليط فهي جمع أغلوطة وهى التي يغالط بها فمعناه حدثته حديثا صدقا محققا ليس هو من صحف الكتابيين ولا من اجتهاد ذى رأى بل من حديث النبى صلى الله عليه وسلم والحاصل أن الحائل بين الفتن والاسلام عمر رضى الله عنه وهو الباب فما دام حيا لا تدخل الفتن فاذا مات دخلت الفتن وكذا كان والله اعلم وأما قوله فى الرواية الأخرى عن ربعى قال لما قدم حذيفة من عند عمر رضى الله عنهما جلس فحدثنا فقال ان أمير المؤمنين أمس لما جلست إليه سأل أصحابه أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الفتن إلى آخره فالمراد بقوله أمس الزمان الماضى لا أمس يومه وهو اليوم الذى يلى يوم تحديثه لأن مراده لما قدم حذيفة الكوفة فى انصرافه من المدينة من عند عمر رضى الله عنهما وفى أمس ثلاث لغات قال الجوهرى أمس اسم حرك آخره لالتقاء الساكنين واختلف العرب فيه فأكثرهم يبنيه على الكسر معرفة ومنهم من يعربه معرفة وكلهم يعربه اذا دخلت عليه الألف واللام أو صيره نكرة أو أضافة تقول مضى الأمس المبارك ومضى أمسنا وكل غد صائر أمسا وقال سيبويه جاء فى الشعر مذ أمس بالفتح هذا كلام الجوهرى وقال الأزهرى قال الفراء ومن العرب من يخفض الأمس وأن ادخل عليه الألف واللام والله أعلم
1 ( باب بيان ان الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا ( وأنه يأرز بين المسجدين )) 145 فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( بدأ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء ) وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية فى جحرها ) 147 وفى الرواية الاخرى ( ان الايمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ) أما ألفاظ الباب ففيه أبو حازم عن أبى هريرة واسم أبى حازم هذا سلمان الاشجعى مولى عزة الاشجعية وتقدم ان اسم ابى هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثين قولا وقوله صلى الله عليه وسلم بدأ الاسلام غريبا كذا ضبطناه بدأ بالهمز من الابتداء وطوبى فعلى من الطيب قاله الفراء قال وانما جاءت الواو لضمة الطاء قال وفيها لغتان تقول العرب طوباك وطوبى لك وأما معنى طوبى فاختلف المفسرون فى معنى قوله تعالى طوبى لهم وحسن مآب فروى عن بن عباس رضى الله عنهما أن معناه فرح وقرة عين وقال عكرمة نعم ما لهم وقال الضحاك غبطة لهم وقال قتادة حسنى لهم وعن قتادة ايضا معناه أصابوا خيرا وقال إبراهيم خير لهم وكرامة وقال بن عجلان دوام الخير وقيل الجنة وقيل شجرة فى الجنة وكل هذه الأقوال محتملة فى الحديث والله اعلم وفى الاسناد شبابة بن سوار فشبابة بالشين المعجمة المفتوحة وبالباء الموحدة المكررة وسوار بتشديد الواو وشبابة لقب واسمه مروان وقد تقدم بيانه وفيه عاصم بن محمد العمرى بضم العين وهو عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم وقوله صلى الله عليه وسلم وهو يأرز بياء مثناة من تحت بعدها همزة ثم راء مكسورة ثم زاى معجمة هذا هو المشهور وحكاه صاحب المطالع مطالع الأنوار عن أكثر الرواة قال وقال أبو الحسين بن سراج ليأرز بضم الراء وحكى القابسى فتح الراء ومعناه ينضم ويجتمع هذا هو المشهور عند أهل اللغة والغريب وقيل فى معناه غير هذا مما لا يظهر وقوله صلى الله عليه وسلم بين المسجدين أى مسجدى مكة والمدينة وفى الاسناد الآخر خبيب بن عبد الرحمن وهو بضم الخاء المعجمة وتقدم بيانه والله أعلم وأما معنى الحديث فقال القاضي عياض رحمه الله فى قوله غريبا روى بن أبى أويس عن مالك رحمه الله أن معناه فى المدينة وأن الاسلام بدأ بها غريبا وسيعود اليها قال القاضي وظاهر الحديث العموم وأن الاسلام بدأ فى آحاد من الناس وقلة ثم انتشر وظهر ثم سيلحقه النقص والاخلال حتى لا يبقى الا فى آحاد وقلة أيضا كما بدأ وجاء فى الحديث تفسير الغرباء وهم النزاع من القبائل قال الهروى أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله تعالى قال القاضي وقوله صلى الله عليه وسلم وهو يأرز إلى المدينة معناه أن الايمان أولا وآخرا بهذه الصفة لأنه فى أول الاسلام كان كل من خلص ايمانه وصح اسلامه أتى المدينة اما مهاجرا مستوطنا واما متشوقا إلى رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتعلما منه ومتقربا ثم بعده هكذا فى زمن الخلفاء كذلك ولأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة رضوان الله عليهم فيها ثم من بعدهم من العلماء الذين كانوا سرج الوقت وأئمة الهدى لأخذ السنن المنتشرة بها عنهم فكان كل ثابت الايمان منشرح الصدر به يرحل اليها ثم بعد ذلك فى كل وقت إلى زماننا لزيارة قبر النبى صلى الله عليه وسلم والتبرك بمشاهده وآثاره وآثار أصحابه الكرام فلا يأتيها الا مؤمن هذا كلام القاضي والله أعلم بالصواب 1 ( باب ذهاب الايمان آخر الزمان )
فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض الله الله ) وفى الرواية الأخرى ( لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله ) أما معنى الحديث فهو أن القيامة انما تقوم على شرار الخلق كما جاء فى الرواية الاخرى ( وتأتى الريح من قبل اليمن فتقبض أرواح المؤمنين عند قرب الساعة ) وقد تقدم قريبا فى باب الريح التى تقبض أرواح المؤمنين بيان هذا والجمع بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة ) وأما ألفاظ الباب ففيه عبد بن حميد قيل اسمه عبد الحميد وقد تقدم بيانه وفيه قوله صلى الله عليه وسلم على أحد يقول الله الله هو برفع اسم الله تعالى وقد يغلط فيه بعض الناس فلا يرفعه واعلم أن الروايات كلها متفقة على تكرير اسم الله تعالى فى الروايتين وهكذا هو فى جميع الاصول قال القاضي عياض رحمه الله وفى رواية بن أبى جعفر يقول لا إله الا الله والله سبحانه وتعالى أعلم ) باب جواز الاستسرار بالايمان للخائف) 149 قال مسلم رحمه الله ( حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبو كريب واللفظ لابى كريب قالوا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم 1 ( فقال أحصوا لى كم يلفظ الاسلام فقلنا يا رسول الله أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة قال انكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا قال فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلى الا سرا ) هذا الاسناد كله كوفيون وأما متنه فقوله صلى الله عليه وسلم ( أحصوا ) معناه عدوا وقد جاء فى رواية البخارى اكتبوا وقوله صلى الله عليه وسلم ( كم يلفظ الاسلام ) هو بفتح الياء المثناة من تحت والاسلام منصوب مفعول يلفظ باسقاط حرف الجر أى يلفظ بالاسلام ومعناه كم عدد من يتلفظ بكلمة الاسلام وكم هنا استفهامية ومفسرها محذوف وتقديره كم شخصا يلفظ بالاسلام وفى بعض الاصول تلفظ بتاء مثناة من فوق وفتح اللام والفاء المشددة وفى بعض الروايات للبخارى وغيره اكتبوا من يلفظ بالاسلام فكتبنا وفى رواية النسائى وغيره أحصوا لى من كان يلفظ بالاسلام وفى رواية أبى يعلى الموصلى أحصوا كل من تلفظ بالاسلام وأما قوله ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة فكذا وقع فى مسلم وهو مشكل من جهة العربية وله وجه وهو ان يكون مائة فى الموضعين منصوبا على التمييز على قول بعض أهل العربية وقيل أن مائة فى الموضعين مجرورة على أن تكون الألف واللام زائدتين فلا اعتداد بدخولهما ووقع فى رواية غير مسلم ستمائة إلى سبعمائة وهذا ظاهر لا اشكال فيه من جهة العربية ووقع فى رواية البخارى فكتبنا له ألفا وخمسمائة فقلنا تخاف ونحن ألف وخمسمائة وفى رواية للبخارى أيضا فوجدناهم خمسمائة وقد يقال وجه الجمع بين هذه الالفاظ أن يكون قولهم ألف وخمسمائة المراد به النساء والصبيان والرجال ويكون قولهم ستمائة إلى سبعمائة الرجال خاصة ويكون خمسمائة المراد به المقاتلون ولكن هذا الجواب باطل برواية البخارى فى أواخر كتاب السير فى باب كتابة الامام الناس قال فيها فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل والجواب الصحيح ان شاء الله تعالى أن يقال لعلهم أرادوا بقولهم ما بين الستمائة إلى السبعمائة رجال المدينة خاصة وبقولهم فكتبنا له ألفا وخمسمائة هم مع المسلمين حولهم وأما قوله ابتلينا فجعل الرجل لا يصلى الا سرا فلعله كان فى بعض الفتن التى جرت ) بعد النبى صلى الله عليه وسلم فكان بعضهم يخفى نفسه ويصلى سرا مخافة من الظهور والمشاركة فى الدخول فى الفتنة والحروب والله أعلم 1 ( باب تألف قلب من يخاف على ايمانه لضعفه ( والنهى عن القطع بالايمان من غير دليل قاطع ))
150 فيه حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه أما ألفاظه فقوله ( قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما ) هو بفتح القاف وقوله صلى الله عليه وسلم ( أو مسلم ) هو باسكان الواو وقوله صلى الله عليه وسلم ( مخافة أن يكبه الله فى النار ) يكبه بفتح الياء يقال أكب الرجل وكبه الله وهذا بناء غريب فان العادة أن يكون الفعل اللازم بغير همزة فيعدى بالهمزة وهنا عكسه والضمير فى يكبه يعود على المعطى أى أتألف قلبه بالاعطاء مخافة من كفره اذا لم يعط وقوله ( أعطى رهطا ) أى جماعة وأصله الجماعة دون العشرة وقوله ( وهو أعجبهم إلى ) أى أفضلهم وأصلحهم فى اعتقادى وقوله ( انى لأراه ) مؤمنا ) هو بفتح الهمزة من لأراه أى لأعلمه ولا يجوز ضمها فانه قال غلبنى ما أعلم منه ولأنه راجع النبى صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ولو لم يكن جازما باعتقاده لما كرر المراجعة وقوله عن صالح عن بن شهاب قال حدثنى عامر بن سعد هؤلاء ثلاثة تابعيون يروى بعضهم عن بعض وهو من رواية الاكابر عن الأصاغر فان صالحا أكبر من الزهري وأما فقهه ومعانية ففيه الفرق بين الاسلام والايمان وفى هذه المسألة خلاف وكلام طويل وقد تقدم بيان هذه المسألة وايضاح شرحها فى أول كتاب الايمان وفيه دلالة لمذهب أهل الحق فى قولهم ان الاقرار باللسان لا ينفع الا اذا اقترن به الإعتقاد بالقلب خلافا للكرامية وغلاة المرجئة فى قولهم يكفى الاقرار وهذا خطأ ظاهر يراه اجماع المسلمين والنصوص فى اكفار المنافقين وهذه صفتهم وفيه الشفاعة إلى ولاة الامور فيما ليس بمحرم وفيه مراجعة المسئول فى الأمر الواحد وفيه تنبيه المفضول الفاضل على ما يراه مصلحة وفيه ان الفاضل لا يقبل ما يشار عليه به مطلقا بل يتأمله فان لم تظهر مصلحته لم يعمل به وفيه الأمر بالتثبت وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه وفيه أن الامام يصرف المال فى مصالح المسلمين الأهم فالأهم وفيه أنه لا يقطع لأحد بالجنة على التعيين الا من ثبت فيه نص كالعشرة وأشباههم وهذا مجمع عليه عند أهل السنة وأما قوله صلى الله عليه وسلم أو مسلما فليس فيه انكار كونه مؤمنا بل معناه النهى عن القطع بالايمان وان لفظة الاسلام أولى به فان الاسلام معلوم بحكم الظاهر وأما الايمان فباطن لا يعلمه الا الله تعالى وقد زعم صاحب التحرير أن فى هذا الحديث اشارة إلى أن الرجل لم يكن مؤمنا وليس كما زعم بل فيه اشارة إلى ايمانه فان النبى صلى الله عليه وسلم قال فى جواب سعد ( انى لاعطى الرجل وغيره احب إلى منه ) معناه أعطى من اخاف عليه لضعف ايمانه ان يكفر وأدع غيره ممن هو أحب إلى منه لما أعلمه من طمأنينة قلبه وصلابة أيمانه وأما قول مسلم رحمه الله فى أول الباب ( حدثنا أبن أبى عمر قال حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر ) فقال أبوعلى الغسانى قال الحافظ أبو مسعود الدمشقى هذا الحديث انما يرويه سفيان بن عيينة عن معمر عن الزهري باسناده وهذا هو المحفوظ عن سفيان وكذلك قال أبو الحسن الدار قطنى فى كتابه الاستدراكات قلت وهذا الذى قاله هؤلاء فى هذا الاسناد قد يقال لا ينبغى أن يوافقوا عليه لأنه يحتمل أن سفيان سمعه من الزهري مرة وسمعه من معمر عن الزهري مرة فرواه على الوجهين فلا يقدح أحدهما فى الآخر ولكن انضمت أمور اقتضت ما ذكروه منها أن سفيان مدلس وقد قال عن ومنها أن أكثر أصحابه رووه عن معمر وقد يجاب عن هذا بما قدمناه من أن مسلما رحمه الله لا يروى عن مدلس قال عن الا أن يثبت انه سمعه ممن عنعن عنه وكيف كان فهذا الكلام فى الاسناد لا يؤثر فى المتن فانه صحيح على كل تقدير متصل والله اعلم 1 ( باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( نحن أحق بالشك من إبراهيم صلى الله عليه وسلم اذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال ويرحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد ولو لبثت فى السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعى ) اختلف العلماء فى معنى نحن أحق بالشك من إبراهيم على أقوال كثيرة أحسنها وأصحها ما قاله الامام أبو إبراهيم المزنى صاحب الشافعى وجماعات من العلماء معناه ان الشك مستحيل فى حق إبراهيم فان الشك فى احياء الموتى لو كان متطرقا إلى الانبياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم وقد علمتم أنى لم أشك فاعلموا ان إبراهيم عليه السلام لم يشك وانما خص إبراهيم صلى الله عليه وسلم لكون الآية قد يسبق إلى بعض الاذهان الفاسدة منها احتمال الشك وانما رجح إبراهيم على نفسه صلى الله عليه وسلم تواضعا وأدبا أو قبل أن يعلم صلى الله عليه وسلم أنه خير ولد آدم قال صاحب التحرير قال جماعة من العلماء لما نزل قول الله تعالى أو لم تؤمن قالت طائفة شك إبراهيم ولم يشك نبينا فقال النبى صلى الله عليه وسلم نحن أحق بالشك منه فذكر نحو ما قدمته ثم قال ويقع لى فيه معنيان أحدهما أنه خرج مخرج العادة فى الخطاب فان من أراد المدافعة عن انسان قال للمتكلم فيه ما كنت قائلا لفلان أو فاعلا معه من مكروه فقله لى وافعله معى ومقصودة لا تقل ذلك فيه والثانى أن معناه أن هذا الذى تظنونه شكا أنا أولى به فانه ليس بشك وانما هو طلب لمزيد اليقين وقيل غير هذا من الاقوال ) فنقتصر على هذه لكونها أصحها وأوضحها والله أعلم وأما سؤال إبراهيم صلى الله عليه وسلم فذكر العلماء فى سببه أوجها أظهرها أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الاحياء مشاهدة بعد العلم بها استدلالا فان علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك فى الجملة بخلاف علم المعاينة فانه ضرورى وهذا مذهب الامام أبى منصور الازهرى وغيره والثانى أراد اختبار منزلته عند ربه فى اجابة دعائه وعلى هذا قالوا معنى قوله تعالى أو لم تؤمن أي تصدق بعظم منزلتك عندى واصطفائك وخلتك والثالث سأل زيادة يقين وان لم يكن الاول شكا فسأل الترقى من علم اليقين إلى عين اليقين فان بين العلمين تفاوتا قال سهل بن عبد الله التسترى رضى الله عنه سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين تمكنا الرابع انه لما احتج على المشركين بأن ربه سبحانه وتعالى يحيي ويميت طلب ذلك منه سبحانه وتعالى ليظهر دليله عيانا وقيل أقوال أخر كثيرة ليست بظاهرة قال الامام أبو الحسن الواحدى رحمه الله اختلفوا فى سبب سؤاله فالاكثرون على أنه رأى جيفة بساحل البحر يتناولها السباع والطير ودواب البحر فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه ولم يكن شاكا فى إحياء الموتى ولكن أحب رؤية ذلك كما أن المؤمنين يحبون أن يروا النبى صلى الله عليه وسلم والجنة ويحبون رؤية الله تعالى مع الايمان بكل ذلك وزوال الشكوك عنه قال العلماء والهمزة فى قوله تعالى أو لم تؤمن همزة اثبات كقول جرير ألستم خير من ركب المطايا والله اعلم وأما قول النبى صلى الله عليه وسلم ويرحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد فالمراد بالركن الشديد هو الله سبحانه وتعالى فانه أشد الأركان واقواها وأمنعها ومعنى الحديث والله اعلم أن لوطا صلى الله عليه وسلم لما خاف على أضيافه ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين ضاق ذرعه واشتد حزنه عليهم فغلب ذلك عليه فقال فى ذلك الحال لو أن لى بكم قوة فى الدفع بنفسى أو آوى إلى عشيرة تمنع لمنعتكم وقصد لوط صلى الله عليه وسلم اظهار العذر عند أضيافه وانه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله وأنه بذل وسعه فى اكرامهم والمدافعة عنهم ولم يكن ذلك اعراضا منه صلى الله عليه وسلم عن الاعتماد على الله تعالى وانما كان لما ذكرناه من تطيب قلوب الاضياف ويجوز ان يكون نسى الالتجاء إلى الله تعالى فى حمايتهم ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى وأظهر للأضياف التألم وضيق الصدر والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ولو لبثت فى السجن طول لبث يوسف لاجبت الداعى ) فهو ثناء على يوسف عليه السلام وبيان لصبره وتأنيه والمراد بالداعى رسول الملك الذى أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قال ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن فلم يخرج يوسف صلى الله عليه وسلم مبادرا إلى الراحة ومفارقة السجن الطويل بل تثبت وتوقر وراسل الملك فى كشف أمره الذى سجن بسببه ولتظهر براءته عند الملك وغيره ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نسب إليه ولا خجل من يوسف ولا غيره فبين نبينا صلى الله عليه وسلم فضيلة يوسف فى هذا وقوة نفسه فى الخير وكمال صبره وحسن نظره وقال النبى صلى الله عليه وسلم عن نفسه ما قاله تواضعا وايثارا للابلاغ فى بيان كمال فضيلة يوسف صلى الله عليه وسلم والله اعلم وأما ما يتعلق بأسانيد الباب ففيه مما تقدم بيانه المسيب والد سعيد وهو بفتح الياء على المشهور الذى قاله الجمهور ومنهم من يكسرها وهو قول أهل المدينة وفيه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف واسمه عبد الله على المشهور وقيل اسمه إسماعيل وقيل لا يعرف اسمه وفيه قول مسلم رحمه الله وحدثنى به ان شاء الله تعالى عبد الله بن اسماء هذا مما قد ينكره على مسلم من لا علم عنده ولا خبرة لديه لكون مسلم رحمه الله قال وحدثنى به ان شاء الله تعالى فيقول كيف يحتج بشيء يشك فيه وهذا خيال باطل من قائله فان مسلما رحمه الله لم يحتج بهذا الاسناد وانما ذكره متابعة واستشهادا وقد قدمنا أنهم يحتملون فى المتابعات والشواهد مالا يحتملون فى الأصول والله تعالى أعلم وفيه أبو عبيد عن أبى هريرة واسم أبى عبيد هذا سعد بن عبيد المدنى مولى عبد الرحمن بن أزهر ويقال مولى عبد الرحمن بن عوف وفيه أبو أويس واسمه عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبى عامر الاصبحى المدنى ومن ألفاظ الباب قوله قرأ الآية حتى جازها وفى الرواية الأخرى أنجزها معنى جازها فرغ منها ومعنى أنجزها أتمها وفيه يوسف وفيه ست لغات ضم السين وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وتركه والله أعلم
1 ( باب وجوب الايمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته ))
152 فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( ما من نبى من الانبياء الا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وانما كان الذى أوتيته وحيا أوحى الله إلي فارجو أن أكون اكثرهم تابعا يوم القيامة ) 153 وفى الرواية الأخرى ( والذى نفس محمد بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ثم يموت ولم يؤمن بالذى أرسلت به الا كان من اصحاب النار ) وفيه حديث ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ) أما ألفاظ الباب فقوله صلى الله عليه وسلم ما مثله آمن عليه البشر ) آمن بالمد وفتح الميم ومثله مرفوع وفيه قول مسلم حدثنى يونس قال حدثنا بن وهب قال وأخبرنى عمرو أن أبا يونس حدثه فقوله وأخبرنى عمرو هو بالواو فى أول وأخبرنى وهى واو حسنة فيها دقيقة نفيسة وفائدة لطيفة وذلك أن يونس سمع من بن وهب أحاديث من جملتها هذا الحديث وليس هو أولها فقال بن وهب فى روايته الحديث الاول أخبرنى عمرو بكذا ثم قال وأخبرنى عمرو بكذا وأخبرنى عمرو بكذا إلى آخر تلك الأحاديث فاذا روى يونس عن بن وهب غير الحديث الأول فينبغى أن يقول قال بن وهب وأخبرنى عمرو فيأتى بالواو لانه سمعه هكذا ولو حذفها لجاز ولكن الأولى الاتيان بها ليكون راويا كما سمع والله أعلم وأما أبو يونس فاسمه سليم بن جبير 154 وفيه ( هشيم عن صالح بن صالح الهمدانى عن الشعبى قال رأيت رجلا من أهل خراسان سألى الشعبى فقال يا أبا عمرو ) أما هشيم فبضم الهاء وهو مدلس وقد قال عن صالح وقد قدمنا أن مثل هذا اذا كان الصحيح محمول على أن هشيما ثبت سماعه لهذا الحديث من صالح وأما صالح فهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيان ولقب حيان حى قاله أبو على الغسانى وغيره وأما الهمدانى فباسكان الميم وبالدال المهملة وأما الشعبى بفتح الشين فاسمه عامر وفى هذا الاسناد لطيفة يتكرر مثلها وقد تقدم بيانها وهو أنه قال عن صالح عن الشعبى قال رأيت رجلا سأل الشعبى وهذا الكلام ليس منتظما في الظاهر ولكن تقديره حدثنا صالح عن الشعبي قال رأيت رجلا سأل الشعبي بحديث وقصة طويلة قال فيها صالح رأيت رجلا سأل الشعبى والله أعلم وفيه أبو بردة عن أبى موسى اسم ابى بردة عامر وقيل الحرث واسم أبى موسى عبد الله بن قيس وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ( فغذاها فأحسن غذاءها ) أما الأول فبتخفيف الذال وأما الثانى فبالمد أما معانى الحديث فالحديث الأول اختلف فيه على أقوال احدها أن كل نبى أعطى من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء فآمن به البشر وأما معجزتى العظيمة الظاهرة فهي القرآن الذى لم يعط أحد مثله فلهذا قال أنا أكثرهم تابعا والثانى معناه أن الذى أوتيته لا يتطرق إليه تخييل بسحر وشبهة بخلاف معجزة غيرى فانه قد يخيل الساحر بشيء مما يقارب صورتها كما خيلت السحرة فى صورة عصا موسى صلى الله عليه وسلم والخيال قد يروج على بعض العوام والفرق بين المعجزة والسحر والتخييل يحتاج إلى فكر ونظر وقد يخطىء الناظر فيعتقدهما سواء والثالث معناه ان معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم ولم يشاهدها الا من حضرها بحضرتهم ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم القرآن المستمر إلى يوم القيامة مع خرق العادة فى اسلوبه وبلاغته واخباره بالمغيبات وعجز الجن والانس عن أن يأتوا بسورة من مثله مجتمعين أومتفرقين فى جميع الأعصار مع اعتنائهم بمعارضته فلم يقدروا وهم أفصح القرون مع غير ذلك من وجوه اعجازه المعروفة والله اعلم وقوله صلى الله عليه وسلم فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا علم من أعلام النبوة فانه أخبر عليه السلام بهذا فى زمن قلة المسلمين ثم من الله تعالى وفتح على المسلمين البلاد وبارك فيهم حتى انتهى الامر واتسع الاسلام فى المسلمين إلى هذه الغاية المعروفة ولله الحمد على هذه النعمة وسائر نعمه التى لا تحصى والله أعلم وأما الحديث الثانى ففيه نسخ المللم كلها برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم وفى مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور وهذا جار على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح والله أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بى أحد من هذه الامة أي من هو موجود فى زمنى وبعدى إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليهم الدخول فى طاعته وانما ذكر اليهودى والنصرانى تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود النصارى لهم كتاب فاذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى والله أعلم وأما الحديث الثالث ففيه فضيلة من آمن من أهل الكتاب بنبينا صلى الله عليه وسلم وأن له أجرين لايمانه بنبيه قبل النسخ والثانى لا يمانه بنبينا صلى الله عليه وسلم وفيه فضيلة العبد المملوك القائم بحقوق الله تعالى وحقوق سيدة وفضيلة من أعتق مملوكته وتزوجها وليس هذا من الرجوع فى الصدقة فى شيء بل هو احسان اليها بعد احسان وقول الشعبى ( خذ هذا الحديث بغير شيء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة ) ففيه جواز قول العالم مثل هذا تحريضا للسامع على حفظ ما قاله وفيه بيان ما كان السلف رحمهم الله عليه من الرحلة إلى البلدان البعيدة فى حديث واحد أو مسألة واحدة والله أعلم
1 ( باب بيان نزول عيسى بن مريم حاكما ( بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ))
( واكرام الله تعالى هذه الامة زادها الله شرفا وبيان الدليل على أن هذه الملة لا تنسخ ) ( وانه لا تزال طائفة منها ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة ) 155 فيه الاحاديث المشهورة فنذكر ألفاظها ومعانيها وأحكامها على ترتيبها فقوله صلى الله عليه وسلم ( ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم حكما مقسطا فيكسر ) الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ) أما ليوشكن فهو بضم الياء وكسر الشين ومعناه ليقربن وقوله فيكم أى فى هذه الأمة وان كان خطابا لبعضها ممن لا يدرك نزوله وقوله صلى الله عليه وسلم ( حكما ) أى ينزل حاكما بهذه الشريعة لا ينزل نبيا برسالة مستقلة وشريعة ناسخة بل هو حاكم من حكام هذه الامة والمقسط العادل يقال أقسط يقسط اقساطا فهو مقسط اذا عدل والقسط بكسر القاف العدل وقسط يقسط قسطا بفتح القاف فهو قاسط اذا جار وقوله صلى الله عليه وسلم ( فيكسر الصليب ) معناه يكسره حقيقة ويبطل ما يزعمه النصارى من تعظيمه وفيه دليل على تغيير المنكرات والآت الباطل وقتل الخنزير من هذا القبيل وفيه دليل للمختار من مذهبنا ومذهب الجمهور أنا اذا وجدنا الخنزير فى دار الكفر أوغيرها وتمكنا من قتله قتلناه وابطال لقول من شذ من أصحابنا وغيرهم فقال يترك اذا لم يكن فيه ضراوة وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ويضع الجزية ) فالصواب فى معناه أنه لا يقبلها ولا يقبل من الكفار الا الاسلام ومن بذل منهم الجزية لم يكف عنه بها بل لا يقبل الا الاسلام أو القتل هكذا قاله الامام أبو سليمان الخطابى وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى وحكى القاضي عياض رحمه الله عن بعض العلماء معنى هذا ثم قال وقد يكون فيض المال هنا من وضع الجزية وهو ضربها على جميع الكفرة فانه لا يقاتله أحد فتضع الحرب أوزارها وانقياد جميع الناس له اما بالاسلام واما بالقاء يد فيضع عليه الجزية ويضربها وهذا كلام القاضي وليس بمقبول والصواب ما قدمناه وهو أنه لا يقبل منه الا الاسلام فعلى هذا قد يقال هذا خلاف حكم الشرع اليوم فان الكتابى اذا بذل الجزية وجب قبولها ولم يجز قتله ولا اكراهه على الاسلام وجوابه ان هذا الحكم ليس بمستمر إلى يوم القيامة بل هو مقيد بما قبل عيسى عليه السلام وقد أخبرنا النبى صلى الله عليه وسلم فى هذه الأحاديث الصحيحة بنسخة وليس عيسى عليه السلام هو الناسخ بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين للنسخ فان عيسى يحكم بشرعنا فدل على أن الامتناع من قبول الجزية فى ذلك الوقت هو شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ويفيض المال ) فهو بفتح الياء ومعناه يكثر وتنزل البركات وتكثر الخيرات بسبب العدل وعدم التظالم وتقىء الأرض أفلاذ كبدها كما جاء فى الحديث الآخر وتقل أيضا الرغبات لقصر الآمال وعلمهم بقرب الساعة فان عيسى صلى الله عليه وسلم علم من أعلام الساعة والله اعلم وأما قوله فى الرواية الأخرى ( حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ) فمعناه والله اعلم أن الناس تكثر رغبتهم فى الصلاة وسائر الطاعات لقصر آمالهم وعلمهم بقرب القيامة وقلة رغبتهم فى الدنيا لعدم الحاجة اليها وهذا هو الظاهر من معنى الحديث وقال القاضي عياض رحمه الله معناه أن أجرها خير لمصليها من صدقته بالدنيا وما فيها لفيض المال حينئذ وهوانه وقلة الشح وقلة الحاجة إليه للنفقة فى الجهاد قال والسجدة هي السجدة بعينها أو تكون عبارة عن الصلاة والله اعلم واما قوله ( ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا ان شئتم وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ) ففيه دلالة ظاهرة على أن مذهب أبى هريرة فى الآية أن الضمير فى موته يعود على عيسى عليه السلام ومعناها وما من أهل الكتاب يكون فى زمن عيسى عليه السلام الا من آمن به وعلم أنه عبد الله وبن أمته وهذا مذهب جماعة من المفسرين وذهب كثيرون أو الاكثرون إلى ان الضمير يعود على الكتابى ومعناها وما من أهل الكتاب أحد يحضره الموت الا آمن عند الموت قبل خروج روحه بعيسى صلى الله عليه وسلم وانه عبد الله وبن امته ولكن لا ينفعه هذا الايمان لأنه فى حضرة الموت وحالة النزع وتلك الحالة لا حكم لما يفعل أو يقال فيها فلا يصح فيها اسلام ولا كفر ولا وصية ولا بيع ولا عتق ولا غير ذلك من الأقوال لقول الله تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن وهذا المذهب أظهر فان الأول يخص الكتابى وظاهر القرآن عمومه لكل كتابى فى زمن عيسى وقبل نزله ويؤيد هذا قراءه من قرأ / < قبل موتهم > / وقيل ان الهاء فى به يعود على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والهاء فى موته تعود على الكتابى والله أعلم قوله فى الاسناد ( عن عطاء بن ميناء ) هو بكسر الميم بعدها ياء مثناة من تحت ساكنة ثم نون ثم ألف ممدودة هذا هو المشهور وقال صاحب المطالع يمد ويقصر والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( وليتركن القلاص فلا يسعى عليها ) فالقلاص بكسر القاف جمع قلوص بفتحها وهى من الابل كالفتاة من النساء والحدث من الرجال ومعناه أن يزهد فيها ولا يرغب فى اقتنائها لكثرة الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والعلم بقرب القيامة وانما ذكرت القلاص لكونها أشرف الابل التى هي أنفس الأموال عند العرب وهو شبيه بمعنى قول الله عز وجل وإذا العشار عطلت ومعنى لا يسعى عليها لا يعتنى بها أى يتساهل أهلها فيها ولا يعتنون بها هذا هو الظاهر وقال القاضي عياض وصاحب المطالع رحمهما الله معنى لا يسعى عليها أى لا تطلب زكاتها اذ لا يوجد من يقبلها وهذا تأويل باطل من وجوه كثيرة تفهم من هذا الحديث وغيره بل الصواب ما قدمناه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ولتذهبن الشحناء ) فالمراد به العداوة وقوله صلى الله عليه وسلم ( وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد ) هو بضم العين وفتح الواو وتشديد النون وانما لا يقبله أحد لما ذكرنا من كثرة الأموال وقصر الآمال وعدم الحاجة وقلة الرغبة للعلم بقرب الساعة 156 وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ) فقد قدمنا بيانه والجمع بينه وبين حديث لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله وقوله ( تكرمة الله هذه الامة ) هو بنصب تكرمة على المصدر أو على أنه مفعول له والله أعلم
1 ( باب بيان الزمن الذى لا يقبل فيه الايمان) 157 فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( لاتقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فاذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) 158 وفى الرواية الاخرى ( ثلاث اذا خرجن لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى ايمانها خيرا طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ) قال القاضي عياض رحمه الله هذا الحديث على ظاهره عند أهل الحديث والفقه والمتكلمين من أهل السنة خلافا لما تأولته الباطنية وأما قوله صلى الله عليه وسلم 159 فى الحديث الآخر فى الشمس ( مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ) فهذا مما اختلف المفسرون فيه فقال جماعة بظاهر الحديث قال الواحدى وعلى هذا القول اذا غربت كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع من مغربها وقال قتادة ومقاتل معناه تجرى إلى وقت لها وأجل لا تتعداه قال الواحدى وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وهذا اختيار الزجاج وقال الكلبى تسير فى منازلها حتى تنتهى إلى آخر مستقرها الذى لا تجاوزه ثم ترجع إلى أول منازلها واختار بن قتيبة هذا القول والله أعلم وأما سجود الشمس فهو بتمييز وادراك بخلق الله تعالى فيها وفى الاسناد عبد الحميد بن بيان الواسطى هو بباء موحدة ثم ياء مثناة من تحت وفى هذا الحديث بقايا تأتى فى آخر الكتاب ان شاء الله تعالى حيث ذكره مسلم رحمه الله تعالى والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب 1 ( باب بدء الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)
160 فيه الاحاديث المشهورة فنذكرها ان شاء الله تعالى على ترتيب ألفاظها ومعانيها فقوله فى الاسناد ( أبو الطاهر بن السرح ) هو بالسين والحاء المهملتين والسين مفتوحة وقوله ( ان عائشة رضى الله عنها قالت كان أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة ) هذا الحديث من مراسيل الصحابة رضى الله عنهم فان عائشة رضى الله عنها لم تدرك هذه القضية فتكون قد سمعتها من النبى صلى الله عليه وسلم أو من الصحابى وقد قدمنا فى الفصول أن مرسل الصحابى حجة عند جميع العلماء الا ما انفرد به الاستاذ أبو إسحاق الاسفراينى والله اعلم وقولها رضى الله عنها ( الرؤيا الصادقة ) وفى رواية البخارى رحمه الله الرؤيا الصالحة وهما بمعنى واحد وفى من هنا قولان أحدهما أنها لبيان الجنس والثانى للتبعيض ذكرهما القاضي وقولها ( فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح ) قال أهل اللغة فلق الصبح وفرق الصبح بفتح الفاء واللام والراء هو ضياؤه وانما يقال هذا فى الشيء الواضح البين قال القاضي رحمه الله وغيره من ) العلماء انما ابتدىء صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا يحتملها قوى البشرية فبدىء بأول خصال النبوة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا وما جاء فى الحديث الآخر من رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة قولها ( ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه وهو التعبد الليالى أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود ثم يرجع إلى خديجة رضى الله عنها فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق ) أما الخلاء فممدود وهو الخلوة وهى شأن الصالحين وعباد الله العارفين قال أبو سليمان الخطابى رحمه الله حببت العزلة إليه صلى الله عليه وسلم لأن معها فراغ القلب وهى معينة على التفكر وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويتخشع قلبه والله أعلم وأما الغار فهو الكهف والنقب فى الجبل وجمعه غيران والمغار والمغارة بمعنى الغار وتصغير الغار غوير وأما حراء فبكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد وهو مصروف ومذكر هذا هو الصحيح وقال القاضي فيه لغتان التذكير والتأنيث والتذكير أكثر فمن ذكره صرفه ومن أنثه لم يصرفه أراد البقعة أو الجهة التى فيها الجبل قال القاضي وقال بعضهم فيه حرى بفتح الحاء والقصر وهذا ليس بشيء قال أبو عمر الزاهد صاحب ثعلب وأبو سليمان الخطابى وغيرهما أصحاب الحديث والعوام يخطئون فى حراء فى ثلاثة مواضع يفتحون الحاء وهى مكسورة ويكسرون الراء وهى مفتوحة ويقصرون الألف وهى ممدودة وحراء جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال عن يسار الذاهب من مكة إلى منى والله أعلم وأما التحنث بالحاء المهملة والنون والثاء المثلثة فقد فسره بالتعبد وهو تفسير صحيح وأصل الحنث الاثم فمعنى يتحنث يتجنب الحنث فكأنه بعبادته يمنع نفسه من الحنث ومثل يتحنث يتحرح ويتأثم أى يتجنب الحرج والاثم وأما قولها الليالى أولات العدد فمتعلق يتحنث لا بالتعبد ومعناه يتحنث الليالى ولو جعل متعلقا بالتعبد فسد المعنى فان التحنث لا يشترط فيه الليالى بل يطلق على القليل والكثير وهذا التفسير اعترض بين كلام عائشة رضى الله عنها وأما كلامها فيتحنث فيه الليالى أولات العدد والله أعلم وقولها فجئه الحق أى جاءه الوحى بغتة فانه صلى الله عليه وسلم لم يكن متوقعا للوحى ويقال فجئه بكسر الجيم وبعدها همزة مفتوحة ويقال فجأه بفتح الجيم والهمزة لغتان مشهورتان حكاهما الجوهرى وغيره قوله صلى الله عليه وسلم ( ما أنا بقارىء ) معناه لا أحسن القراءة فما نافية هذا هو الصواب وحكى القاضي عياض رحمه الله فيها خلافا بين العلماء منهم من جعلها نافية ومنهم من جعلها استفهامية وضعفوه بادخال الباء فى الخبر قال القاضي ويصحح قول من قال استفهامية رواية من روى ما أقرأ ويصح أن تكون ما فى هذه الرواية أيضا نافية والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى ) أما غطنى فبالغين المعجمة والطاء المهملة ومعناه عصرنى وضمنى يقال غطه وغته وضغطه وعصره وخنقه وغمزه كله بمعنى واحد وأما الجهد فيجوز فتح الجيم وضمها لغتان وهو الغاية والمشقة ويجوز نصب الدال ورفعها فعلى النصب بلغ جبريل منى الجهد وعلى الرفع بلغ الجهد منى مبلغه وغايته وممن ذكر الوجهين فى نصب الدال ورفعها صاحب التحرير وغيره وأما أرسلنى فمعناه أطلقنى قال العلماء والحكمة فى الغط شغله من الالتفات والمبالغة فى أمره باحضار قلبه لما يقوله له وكرره ثلاثا مبالغة فى التنبيه ففيه أنه ينبغى للمعلم أن يحتاط فى تنبيه المتعلم وأمره باحضار قلبه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ثم أرسلنى فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق ) هذا دليل صريح فى أن أول ما نزل من القرآن اقرأ وهذا هو الصواب الذى عليه الجماهير من السلف والخلف وقيل أوله يا أيها المدثر وليس بشيء وسنذكره بعد هذا فى موضعه من هذا الباب ان شاء الله تعالى واستدل بهذا الحديث بعض من يقول ان بسم الله الرحمن الرحيم ليست من القرآن فى أوائل السور لكونها لم تذكر هنا وجواب المثبتين لها أنها لم تنزل أولا بل نزلت البسملة فى وقت آخر كما نزل باقى السورة فى وقت آخر قولها ( ترجف بوادره ) بفتح الباء الموحدة ومعنى ترجف ترعد وتضطرب وأصله شدة الحركة قال أبو عبيد وسائر أهل اللغة والغريب وهى اللحمة التى بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الانسان قوله صلى الله عليه وسلم ( زملونى زملونى ) هكذا هو فى الروايات مكرر مرتين ومعنى زملونى غطوني بالثياب ولفونى بها وقولها فزملوه حتى ذهب عنه الروع هو بفتح الراء وهو الفزع قوله صلى الله عليه وسلم ( لقد خشيت على نفسى ) قال القاضي عياض رحمه الله ليس هو بمعنى الشك فيما أتاه من الله تعالى لكنه ربما خشى أن لا يقوى على مقاومة هذا الأمر ولا يقدر على حمل أعباء الوحى فتزهق نفسه أو يكون هذا لأول ما رأى التباشير فى النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحققه رسالة ربه فيكون خاف أن يكون من الشيطان الرجيم فأما منذ جاءه الملك برسالة ربه سبحانه وتعالى فلا يجوز عليه الشك فيه ولا يخشى من تسلط الشيطان عليه وعلى هذا الطريق يحمل جميع ما ورد من مثل هذا فى حديث البعث هذا كلام القاضي رحمه الله فى شرح صحيح مسلم وذكر أيضا فى كتابه الشفاء هذين الاحتمالين فى كلام مبسوط وهذا الاحتمال الثانى ضعيف لانه خلاف تصريح الحديث لان هذا كان بعد غط الملك واتيانه باقرأ باسم ربك الذي خلق والله اعلم قولها ( قالت له خديجة كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا والله انك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق ) أما قولها كلا فهي هنا كلمة نفى وابعاد وهذا أحد معانيها وقد تأتى كلا بمعنى حقا وبمعنى ألا التى للتنبيه يستفتح بها الكلام وقد جاءت فى القرآن العزيز على أقسام وقد جمع الامام أبو بكر بن الانبارى أقسامها ومواضعها فى باب من كتابه الوقف والابتداء وأما قولها لا يخزيك فهو بضم الياء وبالخاء المعجمة كذا هو فى رواية يونس وعقيل وقال معمر فى روايته يحزنك بالحاء المهملة والنون ويجوز فتح الياء فى أوله وضمها وكلاهما صحيح والخزى الفضيحة والهوان وأما صلة الرحم فهي الاحسان إلى الاقارب على حسب حال الواصل والموصول فتارة تكون بالمال وتارة بالخدمة وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك وأما الكل فهو بفتح الكاف وأصله الثقل ومنه قوله تعالى وهو كل على مولاه ويدخل فى حمل الكل الانفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك وهو من الكلال وهو الاعياء وأما قولها وتكسب المعدوم فهو بفتح التاء هذا هو الصحيح المشهور ونقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين قال ورواه بعضهم بضمها قال أبو العباس ثعلب وأبو سليمان الخطابى وجماعات من أهل اللغة يقال كسبت الرجل مالا وأكسبته مالا لغتان أفصحهما باتفاقهم كسبته بحذف الألف وأما معنى تكسب المعدوم فمن رواه بالضم فمعناه تكسب غيرك المال المعدوم أى تعطيه أياه تبرعا فحذف أحد المفعولين وقيل معناه تعطى الناس مالايجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق وأما رواية الفتح فقيل معناها كمعنى الضم وقيل معناها تكسب المال المعدوم وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله وكانت العرب تتمادح بكسب المال المعدوم لا سيما قريش وكان النبى صلى الله عليه وسلم محظوظا فى تجارته وهذا القول حكاه القاضي عن ثابت صاحب الدلائل وهو ضعيف أو غلط وأى معنى لهذا القول فى هذا الموطن الا أنه يمكن تصحيحه بأن يضم إليه زيادة فيكون معناه تكسب المال العظيم الذى يعجز عنه غيرك ثم تجود به فى وجوه الخير وأبواب المكارم كما ذكرت من حمل الكل وصلة الرحم وقرى الضيف والاعانة على نوائب الحق فهذا هو الصواب فى هذا الحرف وأما صاحب التحرير فجعل المعدوم عبارة عن الرجل المحتاج المعدم العاجز عن الكسب وسماه معدوما لكونه كالمعدوم الميت حيث لم يتصرف فى المعيشة كتصرف غيره قال وذكر الخطابى أن صوابه المعدم بحذف الواو قال وليس كما قال الخطابى بل ما رواه الرواة صواب قال وقيل معنى تكسب المعدوم أى تسعى فى طلب عاجز تنعشه والكسب هو الاستفادة وهذا الذى قاله صاحب التحرير وان كان له بعض الاتجاه كما حررت لفظه فالصحيح المختار ما قدمته والله اعلم وأما قولها وتقرى الضيف فهو بفتح التاء قال أهل اللغة يقال قريت الضيف أقريه قرى بكسر القاف مقصور وقراء بفتح القاف والمد ويقال للطعام الذى يضيفه به قرى بكسر القاف مقصور ويقال لفاعله قار مثل قضى فهو قاض وأما قولها وتعين على نوائب الحق فالنوائب جمع نائبة وهى الحادثة وانما قالت نوائب الحق لان النائبة قد تكون فى الخير وقد تكون فى الشر قال لبيد نوائب من خير وشر كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشر لازب 1 ( قال العلماء رضى الله عنهم معنى كلام خديجة رضى الله عنها انك لا يصيبك مكروه لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق وكرم الشمائل وذكرت ضروبا من ذلك وفى هذا دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب السلامة من مصارع السوء وفيه مدح الانسان فى وجهه فى بعض الأحوال لمصلحة نظر أو فيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمر وتبشيره وذكر أسباب السلامة له وفيه أعظم دليل وأبلغ حجة على كمال خديجة رضى الله عنها وجزالة رأيها وقوة نفسها وثبات قلبها وعظم فقهها والله أعلم قولها ( وكان امرأ تنصر فى الجاهلية ) معناه صار نصرانيا والجاهلية ما قبل رسالته صلى الله عليه وسلم سموا بذلك لما كانوا عليه من فاحش الجهالة والله اعلم قولها ( وكان يكتب الكتاب العربى ويكتب من الانجيل بالعربية ما شاء الله تعالى أن يكتب ) هكذا هو فى مسلم الكتاب العربى ويكتب بالعربية ووقع فى أول صحيح البخارى يكتب ) الكتاب العبرانى فيكتب من الانجيل بالعبرانية وكلاهما صحيح وحاصلهما أنه تمكن من معرفة دين النصارى بحيث أنه صار يتصرف فى الانجيل فيكتب أى موضع شاء منه بالعبرانية ان شاء وبالعربية ان شاء والله اعلم قولها ( فقالت له خديجة رضى الله عنها أى عم اسمع من بن أخيك ) وفى الرواية الأخرى ( قالت خديجة أى بن عم ) هكذا هو فى الأصول فى الأول عم وفى الثانى بن عم وكلاهما صحيح أما الثانى فلأنه بن عمها حقيقة كما ذكره أولا فى الحديث فانه ورقة بن نوفل بن أسد وهى خديجة بنت خويلد بن أسد وأما الاول فسمته عما مجازا للاحترام وهذه عادة العرب فى آداب خطابهم يخاطب الصغير الكبير بياعم احتراما له ورفعا لمرتبته ولا يحصل هذا الغرض بقولها يا بن عم والله اعلم قوله ( هذا الناموس الذى أنزل على موسى صلى الله عليه وسلم ) الناموس بالنون والسين المهملة وهو جبريل صلى الله عليه وسلم قال أهل اللغة وغريب الحديث الناموس فى اللغة صاحب سر الخير والجاسوس صاحب سر الشر ويقال نمست السر بفتح النون والميم أنمسه بكسر الميم نمسا أى كتمته ونمست الرجل ونامسته ساررته واتفقوا على أن جبريل عليه السلام يسمى الناموس واتفقوا على أنه المراد هنا قال الهروى سمى بذلك لأن الله تعالى خصه بالغيب والوحى وأما قوله الذى أنزل على موسى صلى الله عليه وسلم فكذا هو فى الصحيحين وغيرهما وهو المشهور ورويناه فى غير الصحيح نزل على عيسى صلى الله عليه وسلم وكلاهما صحيح قوله ( ياليتنى فيها جذعا ) الضمير فيها يعود إلى أيام النبوة ومدتها وقوله جذعا يعنى شابا قويا حتى أبالغ فى نصرتك والأصل فى الجذع للدواب وهو هنا استعارة وأما قوله جذعا فهكذا هو الرواية المشهورة فى الصحيحين وغيرهما بالنصب قال القاضي ووقع فى رواية بن ماهان جذع بالرفع وكذلك هو فى رواية الأصيلى فى البخارى وهذه الرواية ظاهرة وأما النصب فاختلف العلماء فى وجهه فقال الخطابى والمازرى وغيرهما نصب على أنه خبر كان المحذوفة تقديره ليتنى أكون فيها جذعا وهذا يجيء على مذهب النحويين الكوفيين وقال القاضي الظاهر عندى أنه منصوب على الحال وخبر ليت قوله فيها وهذا الذى اختاره القاضي هو الصحيح الذى اختاره أهل التحقيق والمعرفة من شيوخنا وغيرهم ممن يعتمد عليه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( أو مخرجى هم ) هو بفتح الواو وتشديد الياء هكذا الرواية ويجوز تخفيف الياء على وجه والصحيح المشهور تشديدها وهو مثل قوله تعالى بمصرخي وهو جمع مخرج فالياء الأولى ياء الجمع والثانية ضمير المتكلم وفتحت للتخفيف لئلا يجتمع الكسرة والياءان بعد كسرتين قوله ( وان يدركنى يومك ) أى وقت خروجك قوله ( أنصرك نصرا مؤزرا ) هو بفتح الزاى وبهمزة قبلها أى قويا بالغا قوله فى الرواية الأخرى ( أخبرنا معمر قال قال الزهري وأخبرنى عروه ) هكذا هو فى الاصول واخبرنى عروه بالواو وهو الصحيح والقائل وأخبرنى هو الزهري وفى هذه الواو فائدة لطيفة قدمناها فى مواضع وهى أن معمرا سمع من الزهري أحاديث قال الزهري فيها أخبرنى عروة بكذا وأخبرنى عروة بكذا إلى آخرها فاذا أراد معمر رواية غير الأول قال قال الزهري وأخبرنى عروة فأتى بالواو ليكون راويا كما سمع وهذا من الاحتياط والتحقيق والمحافظة على الالفاظ والتحرى فيها والله اعلم قوله فى هذه الرواية أعنى رواية معمر ( فوالله لا يحزنك الله ) هو بالحاء المهملة والنون وقد قدمنا بيانه قوله فى رواية عقيل وهو بضم العين ( يرجف فؤاده ) قد قدمنا فى حديث أهل اليمن أرق قلوبا بيان الاختلاف فى القلب والفؤاد وأما علم خديجة رضى الله عنها برجفان فؤاده صلى الله عليه وسلم فالظاهر أنها رأته حقيقة ويجوز أنها لم تره وعلمته بقرائن وصورة الحال والله أعلم 161 قوله ( أن جابر بن عبد الله الانصارى وكان من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ) هذا نوع مما يتكرر فى الحديث ينبغى التنبيه عليه وهو أنه قال عن جابر وكان من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن جابر بن عبد الله الانصارى رضى الله عنهما من مشهورى الصحابة أشد شهرة بل هو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوابه ان بعض الرواة خاطب به من يتوهم أنه يخفى عليه كونه صحابيا فبينه ازالة للوهم واستمرت الرواية به فان قيل فهؤلاء الرواة فى هذا الاسناد أئمة جلة فكيف يتوهم خفاء صحبة جابر فى حقهم فالجواب أن بيان هذا لبعضهم كان فى حالة صغره قبل تمكنه ومعرفته ثم رواه عند كماله كما سمعه وهذا الذى ذكرته فى جابر يتكرر مثله فى كثيرين من الصحابة وجوابه كله ما ذكرته والله اعلم قوله ( يحدث عن فترة الوحى ) يعنى احتباسه وعدم تتابعه وتواليه فى النزول قوله صلى الله عليه وسلم ( فاذا الملك الذى جاءنى بحراء ) جالسا هكذا هو فى الاصول جالسا منصوب على الحال قوله صلى الله عليه وسلم ( فجئثت منه ) رواه مسلم من رواية يونس وعقيل ومعمر ثم كلهم عن بن شهاب وقال فى رواية يونس فجئثت بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير وقال فى رواية عقيل ومعمر فجثثت بعد الجيم ثاءان مثلثتان هكذا هو الصواب فى ضبط رواية الثلاثة وذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى أنه ضبط على ثلاثة أوجه منهم من ضبطه بالهمزة فى المواضع الثلاثة ومنهم من ضبطه بالثاء فى المواضع الثلاثة قال القاضي وأكثر الرواة للكتاب على أنه بالهمز فى الموضعين الأولين وهما رواية يونس وعقيل وبالثاء فى الموضع الثالث وهى رواية معمر وهذه الأقوال التى نقلها القاضي كلها خطأ ظاهر فان مسلما رحمه الله قال فى رواية عقيل ( ثم ذكر بمثل حديث يونس غير أنه قال فجثثت منه فرقا ) ثم قال مسلم فى رواية معمر أنها نحو حديث يونس الا انه قال فحثثت منه كما قال عقيل فهذا تصريح من مسلم بأن رواية معمر وعقيل متفقتان فى هذه اللفظة وأنهما مخالفتان لرواية يونس فيها فبطل بذلك قول من قال الثلاثة بالثاء أو بالهمزة وبطل أيضا قول من قال ان رواية يونس وعقيل متفقة ورواية معمر مخالفة لرواية عقيل وهذا ظاهر لاخفاء به ولا شك فيه والله أعلم وقد ذكر صاحب المطالع أيضا روايات اخر باطلة مصحفة تركت حكايتها لظهور بطلانها والله أعلم وأما معنى هذه اللفظة فالروايتان بمعنى واحد أعنى رواية الهمز ورواية الثاء ومعناها فزعت ورعبت وقد جاء فى رواية البخارى فرعبت قال أهل اللغة جئث الرجل اذا فزع فهو مجؤوث قال الخليل والكسائى جئث وجث فهو مجؤوث ومجثوث أى مذعور فزع والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( هويت إلى الأرض ) هكذا فى الرواية هويت وهو صحيح يقال هوى إلى الأرض وأهوى اليها لغتان أى سقط وقد غلط وجهل من أنكر هوى وزعم أنه لا يقال الا أهوى والله أعلم قوله ( ثم حمى الوحى وتتابع ) هما بمعنى فأكد أحدهما بالآخر ومعنى حمى كثر نزوله وازداد من قولهم حميت النار والشمس أى قويت حرارتها قوله ( أن أول ما انزل قوله تعالى يا أيها المدثر ) ضعيف بل باطل والصواب أن أول ما أنزل على الاطلاق اقرأ باسم ربك كما صرح به فى حديث عائشة رضى الله عنها واما يا أيها المدثر فكان نزولها بعد فترة الوحى كما صرح به فى رواية الزهري عن أبى سلمة عن جابر والدلالة صريحة فيه فى مواضع منها قوله وهو يحدث عن فترة الوحى إلى أن قال فأنزل الله تعالى يا أيها المدثر ومنها قوله صلى الله عليه وسلم فاذا الملك الذى جاءنى بحراء ثم قال فأنزل الله تعالى يا أيها المدثر ومنها قوله ثم تتابع الوحى يعنى بعد فترته فالصواب أن أول ما نزل اقرأ وأن اول ما نزل بعد فترة الوحى يا أيها المدثر وأما قول من قال من المفسرين أول ما نزل الفاتحة فبطلانه أظهر من أن يذكر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فاستبطنت الوادى ) أى صرت فى باطنه وقوله صلى الله عليه وسلم فى جبريل عليه الصلاة والسلام ( فاذا هو على العرش فى الهواء ) المراد بالعرش الكرسى كما تقدم فى الرواية الاخرى على كرسى بين السماء والأرض قال أهل اللغة العرش هو السرير وقيل سرير الملك قال الله تعالى ولها عرش عظيم والهواء هنا ممدود يكتب بالالف وهو الجو بين السماء والأرض كما فى الرواية الاخرى والهواء الخالى قال الله تعالى وأفئدتهم هواء قوله صلى الله عليه وسلم ( فاخذتنى رجفة شديدة ) هكذا هو فى الروايات المشهورة رجفة بالراء قال القاضي ورواه السمرقندى وجفة بالواو وهما صحيحان متقاربان ومعناهما الاضطراب قال الله تعالى قلوب يومئذ واجفة وقال تعالى يوم ترجف الراجفة يوم ترجف الأرض والجبال قوله صلى الله عليه وسلم ( فصبوا على ماء ) فيه أنه ينبغى أن يصب على الفزع الماء ليسكن فزعه والله اعلم وأما تفسير قوله تعالى يا أيها المدثر فقال العلماء المدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بمعنى واحد ثم الجمهور على أن معناه المدثر بثيابه وحكى الماوردى قولا عن عكرمة أن معناه المدثر بالنبوة وأعبائها وقوله تعالى قم فأنذر معناه حذر العذاب من لم يؤمن وربك فكبر أى عظمه ونزهه عما لا يليق به وثيابك فطهر قيل معناه طهرها من النجاسة وقيل قصرها وقيل المراد بالثياب النفس أى طهرها من الذنب وسائر النقائص والرجز بكسر الراء فى قراءة الاكثرين وقرأ حفص بضمها وفسره فى الكتاب بالاوثان وكذا قاله جماعات من المفسرين والرجز فى اللغة العذاب وسمى الشرك وعبادة الأوثان رجزا لانه سبب العذاب وقيل المراد بالرجز فى الآية الشرك وقيل الذنب وقيل الظلم والله اعلم
1 ( باب الاسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ( إلى السماوات وفرض الصلوات ))
هذا باب طويل وأنا أذكر ان شاء الله تعالى مقاصده مختصرة من الالفاظ والمعانى على ترتيبها وقد لخص القاضي عياض رحمه الله فى الاسراء جملا حسنة نفيسة فقال اختلف الناس فى الاسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل انما كان جميع ذلك فى المنام والحق الذى عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسرى بجسده صلى الله عليه وسلم والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها ولا يعدل عن ظاهرها الا بدليل ولا استحالة فى حملها عليه فيحتاج إلى تأويل وقد جاء فى رواية شريك فى هذا الحديث فى الكتاب اوهام أنكرها عليه العلماء وقد نبه مسلم على ذلك بقوله فقدم وأخر وزاد ونقص منها قوله وذلك قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه فان الاسراء أقل ما قيل فيه انه كان بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر شهرا وقال الحربى كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة وقال الزهري كان ذلك بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمس سنين وقال بن إسحاق أسرى به صلى الله عليه وسلم وقد فشا الاسلام بمكة والقبائل ) وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وبن إسحاق اذ لم يختلفوا أن خديجة رضى الله عنها صلت معه صلى الله عليه وسلم بعد فرض الصلاة عليه ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة بمدة قيل بثلاث سنين وقيل بخمس ومنها أن العلماء مجمعون على أن فرض الصلاة كان ليلة الاسراء فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه وأما قوله فى رواية شريك وهو نائم وفى الرواية الاخرى بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه اذ قد يكون ذلك حالة أول وصول الملك إليه وليس فى الحديث ما يدل على كونه نائما فى القصة كلها هذا كلام القاضي رحمه الله وهذا الذى قاله فى رواية شريك وأن أهل العلم أنكروها قد قاله غيره وقد ذكر البخارى رحمه الله رواية شريك هذه عن أنس فى كتاب التوحيد من صحيحه وأتى بالحديث مطولا قال الحافظ عبد الحق رحمه الله فى كتابه الجمع بين الصحيحين بعد ذكر هذه الرواية هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبى نمر عن أنس وقد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بالفاظ غير معروفة وقد روى حديث الاسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب وثابت البنانى وقتادة يعنى عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث قال والأحاديث التى تقدمت قبل هذا هي المعول عليها هذا كلام الحافظ عبد الحق رحمه الله قول مسلم 162 ( حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البنانى عن أنس رضى الله عنه ) هذا الاسناد كله بصريون وفروخ عجمى لا ينصرف تقدم بيانه مرات والبنانى بضم الباء منسوب إلى بنانة قبيلة معروفة قوله صلى الله عليه وسلم ( أتيت بالبراق ) هو بضم الباء الموحدة قال أهل اللغة البراق اسم الدابة التى ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء قال الزبيدى فى مختصر العين وصاحب التحرير هي دابة كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يركبونها وهذا الذى قالاه من اشتراك جميع الانبياء فيها يحتاج إلى نقل صحيح قال بن دريد اشتقاق البراق من البرق ان شاء الله تعالى يعنى لسرعته وقيل سمى بذلك لشدة صفائه وتلألئه وبريقه وقيل لكونه أبيض وقال القاضي يحتمل أنه سمى بذلك لكونه ذا لونين يقال شاة برقاء اذا كان فى خلال صوفها الأبيض طاقات سود قال ووصف فى الحديث بأنه أبيض وقد يكون من نوع الشاة البرقاء وهى معدودة فى البيض والله اعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التى تربط به الأنبياء صلوات الله عليهم ) أما بيت المقدس ففيه لغتان مشهورتان غاية الشهرة احداهما بفتح الميم واسكان القاف وكسر الدال المخففة والثانية بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة قال الواحدى أما من شدده فمعناه المطهر وأما من خففه فقال أبو على الفارسى لا يخلو أما أن يكون مصدرا أو مكانا فان كان مصدرا كان كقوله تعالى إليه مرجعكم ونحوه من المصادر وان كان مكانا فمعناه بيت المكان الذى جعل فيه الطهارة أو بيت مكان الطهارة وتطهيره اخلاؤه من الأصنام وابعاده منها وقال الزجاج البيت المقدس المطهر وبيت المقدس أى المكان الذى يطهر فيه من الذنوب ويقال فيه أيضا ايلياء والله اعلم وأما الحلقة فباسكان اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكى الجوهرى وغيره فتح اللام أيضا قال الجوهرى حكى يونس عن ابى عمرو بن العلاء حلقة بالفتح وجمعها حلق وحلقات وأما على لغة الاسكان فجمعها حلق وحلق بفتح الحاء وكسرها وأما قوله صلى الله عليه وسلم الحلقة التى يربط به فكذا هو فى الأصول به بضمير المذكر أعاده على معنى الحلقة وهو الشيء قال صاحب التحرير المراد حلقة باب مسجد بيت المقدس والله اعلم وفى ربط البراق الأخذ بالاحتياط فى الأمور وتعاطى الأسباب وأن ذلك لا يقدح فى التوكل اذا كان الاعتماد على الله تعالى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فجاءنى جبريل باناء من خمر واناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة ) هذا اللفظ وقع مختصرا هنا والمراد أنه صلى الله عليه وسلم قيل له اختر أى الاناءين شئت كما جاء مبينا بعد هذا فى هذا الباب من رواية أبى هريرة فألهم صلى الله عليه وسلم اختيار اللبن وقوله ( اخترت الفطرة ) فسروا الفطرة هنا بالاسلام والاستقامة ومعناه والله أعلم اخترت علامة الاسلام والاستقامة وجعل اللبن علامة لكونه سهلا طيبا طاهرا سائغا للشاربين سليم العاقبة وأما الخمر فانها أم الخبائث وجالبة لأنواع من الشر فى الحال والمآل والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل له من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ) أما قوله عرج فبتح العين والراء أى صعد وقوله جبريل فيه بيان الأدب فيمن استأذن بدق الباب ونحوه فقيل له من أنت فينبغى أن يقول زيد مثلا اذا كان اسمه زيدا ولا يقول أنا فقد جاء الحديث بالنهى عنه ولآنه لا فائدة فيه وأما قول بواب السماء وقد بعث إليه فمراده وقد بعث إليه للاسراء وصعود السماوات وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فان ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدة فهذا هو الصحيح والله أعلم فى معناه ولم يذكر الخطابى فى شرح البخارى وجماعة من العلماء غيره وان كان القاضي قد ذكر خلافا أو أشار إلى خلاف فى أنه استفهم عن أصل البعثة أو عما ذكرته قال القاضي وفى هذا أن للسماء أبوابا حقيقية وحفظة موكلين بها وفيه اثبات الاستئذان والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فاذا أنا بآدم صلى الله عليه وسلم فرحب بى ودعا لى بخير ) ثم قال صلى الله عليه وسلم فى السماء الثانية ( فاذا أنا بابنى الخالة فرحبا بى ودعوا ) وذكر صلى الله عليه وسلم فى باقى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم نحوه فيه استحباب لقاء اهل الفضل بالبشر والترحيب والكلام الحسن والدعاء لهم وان كانو أفضل من الداعى وفيه جواز مدح الانسان فى وجهه اذا أمن عليه الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة وقوله صلى الله عليه وسلم فاذ أنا بابنى الخالة قال الأزهرى قال بن السكيت يقال هما ابنا عم ولا يقال ابنا خال ويقال هما ابنا خالة ولا يقال ابنا عمة وقوله صلى الله عليه وسلم ( فاذا أنا بابراهيم صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى البيت المعمور ) قال القاضي رحمه الله يستدل به على جواز الاستناد إلى القبلة وتحويل الظهر اليها قوله ص ( ثم ذهب بى إلى السدرة المنتهى ) هكذا وقع فى الأصول السدرة بالألف واللام وفى الروايات بعد هذا سدرة المنتهى قال بن عباس والمفسرون وغيرهم سميت سدرة المنتهى لان علم الملائكة ينتهى اليها ولم يجاوزها أحد الا رسول صلى الله عليه وسلم وحكى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنها سميت بذلك لكونها ينتهى اليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم ( واذا ثمرها كالقلال ) هو بكسر القاف جمع قلة والقلة جرة عظيمة تسع قربتين أو أكثر قوله صلى الله عليه وسلم ( فرجعت إلى ربى ) معناه رجعت إلى الموضع الذى ناجيته منه أولا فناجيته فيه ثانيا وقوله صلى الله عليه وسلم ( فلم أزل أرجع بين ربى تبارك وتعالى وبين موسى صلى الله عليه وسلم ) معناه بين موضع مناجاة ربى والله أعلم قوله عقب هذا الحديث ( قال الشيخ أبو أحمد حدثنا أبو العباس الماسرجسى حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة بهذا الحديث ) أبو أحمد هذا هو الجلودى راوى الكتاب عن بن سفيان عن مسلم وقد علا له هذا الحديث برجل فانه رواه أولا عن سفيان عن مسلم عن شيبان بن فروخ ثم رواه عن الماسرجسى عن شيبان واسم الماسرجسى أحمد بن محمد بن الحسين النيسابورى وهو بفتح السين المهملة واسكان الراء وكسر الجيم وهو منسوب إلى جده ماسرجس وهذه الفائدة وهى قوله قال الشيخ أبو أحمد إلى آخره تقع فى بعض الأصول فى الحاشية وفى أكثرها فى نفس الكتاب وكلاهما له وجه فمن جعلها فى الحاشية فهو الظاهر المختار لكونها ليست من كلام مسلم ولا من كتابه فلا يدخل فى نفسه انما هي فائدة فشأنها أن تكتب فى الحاشية ومن أدخلها فى الكتاب فلكون الكتاب منقولا عن عبدالغافر الفارسى عن شيخه الجلودى وهذه الزيادة من كلام الشيخ الجلودى فنقلها عبد الغافر فى نفس الكتاب لكونها من جملة المأخوذ عن الجلودى مع أنه ليس فيه لبس ولا ايهام أنها من أصل مسلم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فشرح عن صدرى ثم غسل بماء زمزم ثم أنزلت ) معنى شرح شق كما قال فى الرواية التى بعد هذه وقوله صلى الله عليه وسلم ثم أنزلت هو باسكان اللام وضم التاء هكذا ضبطناه وكذا هو فى جميع الأصول والنسخ وكذا نقله القاضي عياض رحمه الله عن جميع الروايات وفى معناه خفاء واختلاف قال القاضي قال الوقشى هذا وهم من الرواة وصوابه تركت فتصحف قال القاضي فسألت عنه بن سراج فقال أنزلت فى اللغة بمعنى تركت صحيح وليس فيه تصحيف قال القاضي وظهر لى أنه صحيح بالمعنى المعروف فى أنزلت فهو ضد رفعت لانه قال انطلقوا بى إلى زمزم ثم أنزلت أى ثم صرفت إلى موضعى الذى حملت منه قال ولم أزل أبحث عنه حتى وقعت على الجلاء فيه من رواية الحافظ أبى بكر البرقانى وانه طرف حديث وتمامه ثم أنزلت على طست من ذهب مملوءة حكمة وايمانا هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله ومقتضى رواية البرقانى أن يضبط أنزلت بفتح اللام واسكان التاء وكذلك ضبطناه فى الجمع بين الصحيحين للحميدى وحكى الحميدى هذه الزيادة المذكورة عن رواية البرقانى وزاد عليها وقال أخرجها البرقانى باسناد مسلم وأشار الحميدى إلى أن رواية مسلم ناقصة وأن تمامها ما زاده البرقانى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ) أما الطست فبفتح الطاء واسكان السين المهملتين وهى أناء معروف وهى مؤنثة قال وحكى القاضي عياض كسر الطاء لغة والمشهور الفتح كما ذكرنا ويقال فيها طس بتشديد السين وحذف التاء وطسة أيضا وجمعها طساس وطسوس وطسات وأما لأمه فبفتح اللام وبعدها همزة على وزن ضربه وفيه لغة أخرى لاءمه بالمد على وزن آذنه ومعناه جمعه وضم بعضه إلى بعض وليس فى هذا ما يوهم جواز استعمال اناء الذهب لنا فان هذا فعل الملائكة واستعمالهم وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا ولأنه كان أول الأمر قبل تحريم النبى صلى الله عليه وسلم أوانى الذهب والفضة قوله ( يعنى ظئره ) هي بكسر الظاء المعجمة بعدها همزة ساكنة وهي المرضعة ويقال ايضا لزوج المرضعة ظئر قوله ( فاستقبلوه وهو منتقع اللون ) هو بالقاف المفتوحة اي متغير اللون قال اهل اللغة امتقع لونه فهو ممتقع وانتقع فهو منتقع وابتقع بالباء فهو مبتقع فيه ثلاث لغات والقاف مفتوحة فيهن قال الجوهري وغيره والميم افصحهن ونقل الجوهري اللغات الثلاث عن الكسائي قال ومعناه تغير من حزن أو فزع وقال الهروي في الغريبين في تفسير هذا الحديث يقال انتقع لونه وابتقع وامتقع واستقع والتمى وانتسف وانتشف بالسين والشين والتمع والتمغ بالعين والغين وابتسر والتهم قوله ( كنت ارى أثر المخيط فى صدره ) هو بكسر الميم واسكان الخاء وفتح الياء وهى الابرة وفى هذا دليل على جواز نظر الرجل إلى صدر الرجل ولا خلاف فى جوازه وكذا يجوز ان ينظر إلى ما فوق سرته وتحت ركبته الا أن ينظر بشهوة فانه يحرم النظر بشهوة إلى كل آدمى الا الزوج لزوجته ومملوكته وكذا هما إليه والا أن يكون المنظور إليه أمرد حسن الصورة فانه يحرم النظر إليه إلى وجهه وسائر بدنه سواء كان بشهوة أو بغيرها الا أن يكون لحاجة البيع والشراء والتطبيب والتعليم ونحوها والله أعلم قوله ( حدثنا هارون الأيلى 163 وحدثنى حرملة التجيبى ) قد تقدم ضبطهما مرات فالأيلى بالمثناة والتجيبى بضم التاء وفتحها وأوضحنا أصله وضبطه فى المقدمة قوله ( جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وايمانا فأفرغها فى صدرى ) قد قدمنا لغات الطست وأنها مؤنثة فجاء ممتلىء على معناها وهو الاناء وأفرغها على لفظها وقد تقدم بيان الايمان فى اول كتاب الايمان وبيان الحكمة فى حديث الحكمة يمانية والضمير فى أفرغها يعود على الطست كما ذكرناه وحكى صاحب التحرير قولا أنه يعود على الحكمة وهذا القول وان كان له وجه فالأظهر ما قدمناه لأن عوده على الطست يكون تصريحا بافراغ الايمان والحكمة وعلى قوله يكون افراغ الايمان مسكوتا عنه والله اعلم وأما جعل الايمان والحكمة فى اناء وافراغهما مع أنهما معنيان وهذه صفة الاجسام فمعناه والله أعلم أن الطست كان فيها شيء يحصل به كمال الايمان والحكمة وزيادتهما فسمى ايمانا وحكمة لكونه سببا لهما وهذا من أحسن المجاز والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فاذا رجل عن يمينه أسودة ) فسر الاسودة فى الحديث بأنها نسم بنيه أما الأسودة فجمع سواد كقذال وأقذلة وسنام وأسنمة وزمان وأزمنة وتجمع الأسودة على أساود وقال أهل اللغة السواد الشخص وقيل السواد الجماعات وأما النسم فبفتح النون والسين والواحدة نسمة قال الخطابى وغيره هي نفس الانسان والمراد أرواح بنى آدم قال القاضي عياض رحمه الله فى هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وجد آدم ونسم بنيه من أهل الجنة والنار وقد جاء أن أرواح الكفار فى سجين قيل فى الأرض السابعة وقيل تحتها وقيل فى سجن وأن أرواح المؤمنين منعمة فى الجنة فيحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتا فوافق وقت عرضها مرور النبى صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن كونهم فى النار والجنة أنما هو فى أوقات دون أوقات بدليل قوله تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا وبقوله صلى الله عليه وسلم فى المؤمن عرض منزله من الجنة عليه وقيل له هذا منزلك حتى يبعثك الله إليه ويحتمل أن الجنة كانت في جهة يمين آدم عليه السلام والنار فى جهة شماله وكلاهما حيث شاء الله والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا نظر قبل يمينه ضحك واذا نظر قبل شماله بكى ) فيه شفقة الوالد على ولده وسروره بحسن حاله وحزنه وبكاؤه لسوء حاله قوله فى هذه الرواية ( وجد إبراهيم صلى الله عليه وسلم فى السماء السادسة ) وتقدم فى الرواية الأخرى أنه فى السابعة فان كان الاسراء مرتين فلا اشكال فيه ويكون فى كل مرة وجده فى سماء واحداهما موضع استقراره ووطنه والاخرى كان فيها غير مستوطن وان كان الاسراء مرة واحدة فلعله وجده فى السادسة ثم ارتقى إبراهيم أيضا إلى السابعة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم فى ادريس صلى الله عليه وسلم قال ( مرحبا بالنبى الصالح والأخ الصالح ) قال القاضي عياض رحمه الله هذا مخالف لما يقوله أهل النسب والتاريخ من أن ادريس أب من آباء النبى صلى الله عليه وسلم وانه جد أعلى لنوح صلى الله عليه وسلم وأن نوحا هو بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ وهو عندهم ادريس بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام ولا خلاف عندهم فى عدد هذه الأسماء وسردها على ماذكرناه وانما يختلفون فى ضبط بعضها وصورة لفظه وجاء جواب الآباء هنا إبراهيم وآدم مرحبا بالابن الصالح وقال ادريس مرحبا بالاخ الصالح كما قال موسى وعيسى وهارون ويوسف ويحيى وليسوا بابآء صلوات الله وسلامه عليهم وقد قيل عن ادريس انه الياس وانه ليس بجد لنوح فان الياس من ذرية إبراهيم وانه من المرسلين وان أول المرسلين نوح عليه السلام كما جاء فى حديث الشفاعة هذا كلام القاضي عياض رحمه الله وليس فى هذا الحديث ما يمنع كون ادريس عليه السلام أبا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فان قوله الاخ الصالح يحتمل أن يكون قاله تلطفا وتأدبا وهو أخ وان كان ابنا فالانبياء اخوة والمؤمنون اخوة والله اعلم قوله ( ان بن عباس وأبا حبة الانصارى يقولان ) أبو حبة بالحاء المهملة والباء الموحدة هكذا ضبطناه هنا وفى ضبطه واسمه اختلاف فالاصح الذى عليه الاكثرون حبة بالباء الموحدة كما ذكرنا وقيل حية بالياء المثناة تحت وقيل حنة بالنون وهذا قول الواقدى وروى عن بن شهاب والزهرى وقد اختلف فى اسم أبى حبة فقيل عامر وقيل مالك وقيل ثابت وهو بدرى باتفاقهم واستشهد يوم أحد وقد جمع الامام أبو الحسن بن الاثير الجزرى رحمه الله الاقوال الثلاثة فى ضبطه والاختلاف فى اسمه فى كتابه معرفة الصحابة رضى الله عنهم وبينها بيانا شافيا رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم ( حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الاقلام ) معنى ظهرت علوت والمستوى بفتح الواو قال الخطابى المراد به المصعد وقيل المكان المستوى وصريف الاقلام بالصاد المهملة تصويتها حال الكتابة قال الخطابى هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه وما ينسخونه من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره قال القاضي فى هذا حجة لمذهب أهل السنة فى الايمان بصحة كتابة الوحى والمقادير فى كتب الله تعالى من اللوح المحفوظ وما شاء بالاقلام التى هو تعالى يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات من كتاب الله تعالى والاحاديث الصحيحة وأن ما جاء من ذلك على ظاهره لكن كيفية ذلك وصورته وجنسه ممالا يعلمه الا الله تعالى أو من أطلعه على شيء من ذلك من ملائكته ورسله وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره الا ضعيف النظر والايمان اذ جاءت به الشريعة المطهرة ودلائل العقول لا تحيله والله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد حكمة من الله تعالى واظهارا لما يشاء من غيبه لمن يشاء من ملائكته وسائر خلقه والا فهو غنى عن الكتب والاستذكار سبحانه وتعالى قال القاضي رحمه الله وفى علو منزلة نبينا صلى الله عليه وسلم وارتفاعه فوق منازل سائر الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وبلوغه حيث بلغ من ملكوت السماوات دليل على علو درجته وابانة فضله وقد ذكر البزار خبرا فى الاسراء عن على كرم الله وجهه وذكر مسير جبريل عليه السلام على البراق حتى أتى الحجاب وذكر كلمة وقال خرج ملك من وراء الحجاب فقال جبريل والذى بعثك بالحق ان هذا الملك ما رأيته منذ خلقت وانى أقرب الخلق مكانا وفى حديث آخر فارقنى جبريل وانقطعت عنى الاصوات هذا آخر كلام القاضي رحمه الله والله تعالى أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ففرض الله تعالى على أمتى خمسين صلاة إلى قوله صلى الله عليه وسلم فراجعت ربى فوضع شطرها وبعده فراجعت ربى فقال هي خمس وهى خمسون ) وهذا المذكور هنا لا يخالف الرواية المتقدمة انه صلى الله عليه وسلم قال حط عنى خمسا إلى آخره فالمراد بحط الشطر هنا أنه حط فى مرات بمراجعات وهذا هو الظاهر وقال القاضي عياض رحمه الله المراد بالشطر هنا الجزء وهو الخمس وليس المراد به النصف وهذا الذى قاله محتمل ولكن لا ضرورة إليه فان هذا الحديث الثانى مختصر لم يذكر فيه كرات المراجعة والله اعلم واحتج العلماء بهذا الحديث على جواز نسخ الشيء قبل فعله والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ثم انطلق بى حتى نأتى سدرة المنتهى ) هكذا هو فى الأصول حتى نأتى بالنون فى أوله وفى بعض الاصول حتى أتى وكلاهما صحيح قوله صلى الله عليه وسلم ( ثم أدخلت الجنة فاذا فيها جنابذ اللؤلؤ ) أما الجنابذ فبالجيم المفتوحة وبعدها نون مفتوحة ثم ألف ثم باء موحدة ثم ذال معجمة وهى القباب واحدتها جنبذة ووقع فى كتاب الانبياء من صحيح البخارى كذلك ووقع فى أول كتاب الصلاة منه حبائل بالحاء المهملة والباء الموحدة وآخره لام قال الخطابى وغيره هو تصحيف والله اعلم واما اللؤلؤ فمعروف وفيه أربعة أوجه بهمزتين وبحذفهما وباثبات الاولى دون الثانية وعكسه والله أعلم وفى هذا الحديث دلالة لمذهب أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان وأن الجنة فى السماء والله أعلم 164 قوله ( حدثنا محمد بن المثنى حدثنا بن أبى عدى عن سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك رضى الله عنه لعله قال عن مالك بن صعصعة ) قال أبو على الغسانى هكذا هو هذا الحديث فى رواية بن ماهان وأبى العباس الرازى عن أبى أحمد الجلودى وعند غيره عن أبى أحمد عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة بغير شك قال أبو الحسن الدارقطنى لم يروه عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة غير قتادة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم فى موسى عليه السلام ( فلما جاوزته بكى فنودى ما يبكيك قال رب هذا غلام بعثته بعدى يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتى ) معنى هذا والله أعلم أن موسى عليه السلام حزن على قومه لقلة المؤمنين منهم مع كثرة عددهم فكان بكاؤه حزنا عليهم وغبطة لنبينا صلى الله عليه وسلم على كثرة أتباعه والغبطة فى الخير محبوبة ومعنى الغبطة أنه ود أن يكون من أمته المؤمنين مثل هذه الأمة لا أنه ود أن يكونوا أتباعا له وليس لنبينا صلى الله عليه وسلم مثلهم والمقصود أنه انما بكى حزنا على قومه وعلى فوات الفضل العظيم والثواب الجزيل بتخلفهم عن الطاعة فان من دعا إلى خير وعمل الناس به كان له مثل أجورهم كما جاءت به الأحاديث الصحيحة ومثل هذا يبكى عليه ويحزن على فواته والله أعلم قوله ( وحدث نبى الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت يا جبريل ما هذه الأنهار قال أما النهران الباطنان فنهران فى الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ) هكذا هو فى أصول صحيح مسلم يخرج من أصلها والمراد من اصل سدرة المنتهى كما جاء مبينا فى صحيح البخارى وغيره قال مقاتل الباطنان هما السلسبيل والكوثر قال القاضي عياض رحمه الله هذا الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى فى الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها قلت هذا الذى قاله ليس بلازم بل معناه أن الأنهار تخرج من أصلها ثم تسير حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من الأرض وتسير فيها وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه والله اعلم واعلم أن الفرات بالتاء الممدودة فى الخط فى حالتى الوصل والوقف وهذا وان كان معلوما مشهورا فنبهت عليه لكون كثير من الناس يقولونه بالهاء وهو خطأ والله أعلم قوله ( هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك اذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم ) قال صاحب مطالع الأنوار رويناه آخر ما عليهم برفع الراء ونصبها فالنصب على الظرف والرفع على تقدير ذلك آخر ما عليهم من دخوله قال والرفع أوجه وفى هذا أعظم دليل على كثرة الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم والله اعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( أتيت باناءين أحدهما خمر والآخر لبن فعرضا على فاخترت اللبن فقيل أصبت أصاب الله بك امتك على الفطرة ) قد تقدم فى أول الباب الكلام فى هذا الفصل والذى يزاد هنا معنى أصبت أى اصبت الفطرة كما جاء فى الرواية المتقدمة وتقدم بيان الفطرة ومعنى اصاب الله بك أى أراد بك الفطرة والخير والفضل وقد جاء أصاب بمعنى أراد قال الله تعالى فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب أى حيث أراد اتفق عليه المفسرون وأهل اللغة كذا نقل الواحدى اتفاق أهل اللغة عليه وأما قوله أمتك على الفطرة فمعناه أنهم أتباع لك وقد أصبت الفطرة فهم يكونون عليها والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فشق من النخر إلى مراق البطن ) هو بفتح الميم وتشديد القاف وهو ما سفل من البطن ورق من جلده قال الجوهرى لا واحد لها وقال صاحب المطالع واحدها مرق قول مسلم رحمه الله 165 ( حدثنى محمد بن مثنى وبن بشار قال بن مثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة قال سمعت أبا العالية يقول حدثنى بن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم يعنى بن عباس رضى الله عنهما ) هذا الاسناد كله بصريون وشعبة وان كان واسطيا فقد انتقل إلى البصرة واستوطنها وبن عباس ايضا سكنها واسم أبى العالية رفيع بضم الراء وفتح الفاء بن مهران الرياحى بكسر الراء وبالمثناة من تحت والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( موسى آدم طوال كأنه من رجال شنوءة وقال عيسى جعد مربوع ) أما طوال فبضم الطاء وتخفيف الواو ومعناه طويل وهما لغتان وأما شنوءة فبشين معجمة مفتوحة ثم نون ثم واو ثم همزة ثم هاء وهى قبيلة معروفة قال بن قتيبة فى أدب الكاتب سموا بذلك من قولك رجل فيه شنوءة أى تقزز قال ويقال سموا بذلك لأنهم تشانؤا وتباعدوا وقال الجوهرى الشنوءة التقزز وهو التباعد من الأدناس ومنه أزدشنوءه وهم حى من اليمن ينسب اليهم شنئي قال قال بن السكيت ربما قالوا أزدشنوة بالتشديد غير مهموز وينسب إليها شنوى وأما قوله صلى الله عليه وسلم مربوع فقال أهل اللغة هو الرجل بين الرجلين فى القامة ليس بالطويل البائن ولا بالقصير الحقير وفيه لغات ذكرهن صاحب المحكم وغيره مربوع ومرتبع ومرتبع بفتح الباء وكسرها وربع وربعة وربعة الأخيرة بفتح الباء والمرأة ربعة وربعة وأما قوله صلى الله عليه وسلم فى عيسى صلى الله عليه وسلم أنه جعد ووقع فى أكثر الروايات فى صفته سبط الرأس فقال العلماء المراد بالجعد هنا جعودة الجسم وهو اجتماعه واكتنازه وليس المراد جعودة الشعر وأما الجعد فى صفة موسى عليه السلام فقال صاحب التحرير فيه معنيان أحدهما ما ذكرناه فى عيسى عليه السلام وهو اكتناز الجسم والثانى جعودة الشعر قال والأول أصح لأنه قد جاء فى رواية أبى هريرة فى الصحيح أنه رجل الشعر هذا كلام صاحب التحرير والمعنيان فيه جائزان وتكون جعودة الشعر على المعنى الثانى ليست جعودة القطط بل معناها أنه بين القطط والسبط والله أعلم والسبط بفتح الباء وكسرها لغتان مشهورتان ويجوز اسكان الباء مع كسر السين وفتحها على التخفيف كما في كتف وبابه قال أهل اللغة الشعر السبط هو المسترسل ليس فيه تكسر ويقال فى الفعل منه سبط شعره بكسر الباء يسبط بفتحها سبطا بفتحها أيضا والله أعلم قوله فى الرواية الأخرى ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مررت ليلة أسرى بى على موسى بن عمران ) هكذا وقع فى بعض الأصول وسقطت لفظة مررت فى معظمها ولا بد منها فان حذفت كانت مرادة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وأرى مالكا خازن النار ) هو بضم الهمزة وكسر الراء ومالكا بالنصب ومعناه أرى النبى صلى الله عليه وسلم مالكا وقد ثبت فى صحيح البخارى فى هذا الحديث ورأيت مالكا ووقع فى أكثر الأصول مالك بالرفع وهذا قد ينكر ويقال هذا لحن لا يجوز فى العربية ولكن عنه جواب حسن وهو أن لفظة مالك منصوبة ولكن أسقطت الألف في الكتابة وهذا يفعله المحدثون كثيرا فيكتبون سمعت أنس بغير ألف ويقرؤنه بالنصب وكذلك مالك كتبوه بغير ألف ويقرؤنه بالنصب فهذا ان شاء الله تعالى من أحسن ما يقال فيه وفيه فوائد يتنبه بها على غيره والله أعلم قوله ( وأرى مالكا خازن النار والدجال فى آيات أراهن الله اياه فلا تكن في مرية من لقائه قال كان قتادة يفسرها أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قد لقى موسى عليه السلام ) هذا الاستشهاد بقوله تعالى فلا تكن في مرية هو من استدلال بعض الرواة وأما تفسير قتادة فقد وافقه عليه جماعة منهم مجاهد والكلبى والسدى وعلى مذهبهم معناه فلا تكن فى شك من لقائك موسى وذهب كثيرون من المحققين من المفسرين وأصحاب المعانى إلى أن معناها فلا تكن فى شك من لقاء موسى الكتاب وهذا مذهب بن عباس ومقاتل والزجاج وغيرهم والله أعلم قوله 166 ( حدثنا أحمد بن حنبل وسريج بن يونس ) هو بالسين المهملة والجيم قوله صلى الله عليه وسلم ( كأنى انظر إلى موسى صلى الله عليه وسلم هابطا من الثنية وله جؤار إلى الله تعالى بالتلبية ) ثم قال صلى الله عليه وسلم فى يونس بن متى صلى الله عليه وسلم ( رأيته وهو يلبى ) قال القاضي عياض رحمه الله أكثر الروايات فى وصفهم تدل على أنه صلى الله عليه وسلم رأى ذلك ليلة أسرى به وقد وقع ذلك مبينا فى رواية أبى العالية عن بن عباس وفى رواية بن المسيب عن أبى هريرة وليس فيها ذكر التلبية قال فان قيل كيف يحجون ويلبون وهم أموات وهم فى الدار الآخرة وليست دار عمل فاعلم أن للمشايخ وفيما ظهر لنا عن هذا أجوبة أحدها أنهم كالشهداء بل هم أفضل منهم والشهداء أحياء عند ربهم فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا كما ورد فى الحديث الآخر وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا لانهم وان كانوا قد توفوا فهم فى هذه الدنيا التى هي دار العمل حتى اذا فنيت مدتها وتعقبتها الآخرة التى هي دار الجزاء انقطع العمل الوجه الثاني أن عمل الآخرة ذكر ودعاء قال الله تعالى دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام الوجه الثالث أن تكون هذه رؤية منام فى غير ليلة الاسراء أو فى بعض ليلة الاسراء كما قال فى رواية بن عمر رضى الله عنهما بينا أنا نائم رأيتنى أطوف بالكعبة وذكر الحديث فى قصة عيسى صلى الله عليه وسلم الوجه الرابع أنه صلى الله عليه وسلم أرى أحوالهم التى كانت فى حياتهم ومثلوا له فى حال حياتهم كيف كانوا وكيف حجهم وتلبيتهم كما قال صلى الله عليه وسلم كأنى أنظر إلى موسى وكأنى أنظر إلى عيسى وكأنى أنظر إلى يونس عليهم السلام الوجه الخامس أن يكون أخبر عما أوحى إليه صلى الله عليه وسلم من أمرهم وما كان منهم وان لم يرهم رؤية عين هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم له جؤار بضم الجيم وبالهمز وهو رفع الصوت قوله ( ثنية هرشى ) هي بفتح الهاء واسكان الراء وبالشين المعجمة مقصورة الالف وهو جبل على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة قوله صلى الله عليه وسلم على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبه قال هشيم يعني ليفا أما الجعدة فهي مكتنزة اللحم كما تقدم قريبا وأما الخطام بكسر الخاء فهو الحبل الذي يقاد به البعير يجعل على خطمه وقد تقدم بيانه واضحا في أول كتاب الإيمان وأما الخلبة فبضم الخاء المعجمة وبالباء الموحدة بينهما لام فيها لغتان مشهورتان الضم والإسكان حكاهما بن السكيت والجوهري وآخرون وكذلك الخلب والخلب وهو الليف كما فسره هشيم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى موسى واضعا اصبعيه فى أذنيه ) أما الأصبع ففيها عشر لغات كسر الهمزة وفتحها وضمها مع فتح الباء وكسرها وضمها والعاشرة أصبوع على مثال عصفور وفي هذا دليل على استحباب وضع الاصبع فى الاذن عند رفع الصوت بالاذان ونحوه مما يستحب له رفع الصوت وهذا الاستنباط والاستحباب يجيء على مذهب من يقول من أصحابنا وغيرهم أن شرع من قبلنا شرع لنا والله أعلم قوله ( فقال أى ثنية هذه قالوا هرشى أو لفت ) هكذا ضبطناها لفت بكسر اللام واسكان الفاء وبعدها تاء مثناة من فوق وذكر القاضي وصاحب المطالع فيها ثلاثة أوجه أحدها ما ذكرته والثانى فتح اللام مع اسكان الفاء والثالث فتح اللام والفاء جميعا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( خطام ناقته ليف خلبة ) روى بتنوين ليف وروى باضافته إلى خلبة فمن نون جعل خلبة بدلا أو عطف بيان قوله ( عن مجاهد قال كنا عند بن عباس رضى الله عنهما فذكروا الدجال فقال انه مكتوب بين عينيه كافر قال فقال بن عباس لم اسمعه قال ذلك ولكنه قال أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم ) كذا هو فى الاصول وهو صحيح وقوله فقال انه مكتوب أى قال قائل من الحاضرين ووقع فى الجمع بين الصحيحين لعبد الحق فى هذا الحديث من رواية مسلم فذكروا الدجال فقالوا انه مكتوب بين عينيه هكذا رواه فقالوا وفى رواية الحميدى عن الصحيحين وذكروا الدجال بين عينيه كافر فحذف لفظة قال وقالوا وهذا كله يصحح ما تقدم وقوله فقال بن عباس لم أسمعه يعنى النبى صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم ( كأنى أنظر إليه اذا انحدر ) هكذا هو فى الاصول كلها اذا بالالف بعد الذال وهو صحيح وقد حكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنه أنكر اثبات الالف وغلط راويه وغلطه القاضي وقال هذا جهل من هذا القائل وتعسف وجسارة على التوهم لغير ضرورة وعدم فهم بمعانى الكلام اذ لا فرق بين اذا واذ هنا لانه وصف حاله حين انحداره فيما مضى 167 قوله صلى الله عليه وسلم ( فاذا موسى عليه السلام ضرب من الرجال ) هو باسكان الراء قال القاضي عياض هو الرجل بين الرجلين فى كثرة اللحم وقلته قال القاضي لكن ذكر البخارى فيه من بعض الروايات مضطرب وهو الطويل غير الشديد وهو ضد جعد اللحم مكتنزه ولكن يحتمل أن الرواية الاولى أصح يعنى رواية ضرب لقوله فى الرواية الاخرى حسبته قال مضطرب فقد ضعفت هذه الرواية للشك ومخالفة الاخرى التى لا شك فيها وفى الرواية الأخرى جسيم سبط وهذا يرجع إلى الطويل ولا يتأول جسيم بمعنى سمين لأنه ضد ضرب وهذا انما جاء فى صفة الدجال هذا كلام القاضي وهذا الذى قاله من تضعيف رواية مضطرب وأنها مخالفة لرواية ضرب لا يوافق عليه فإنه لا مخالفة بينهما فقد قال أهل اللغة الضرب هو الرجل الخفيف اللحم كذا قاله بن السكيت فى الاصلاح وصاحب المجمل والزبيدى والجوهرى وآخرون لا يحصون والله أعلم قوله ( دحية بن خليفة ) هو بفتح الدال وكسرها لغتان مشهورتان 168 قوله صلى الله عليه وسلم ( رجل الرأس ) هو بكسر الجيم أى رجل الشعر وسيأتى قريبا ان شاء الله تعالى بيان ترجيل الشعر قوله صلى الله عليه وسلم فى صفة عيسى صلى الله عليه وسلم ( فاذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعنى حماما ) أما الربعة فباسكان الباء ويجوز فتحها وقد تقدم قريبا بيان اللغات فيه وبيان معناه وأما الديماس فبكسر الدال واسكان الياء والسين فى آخره مهملة وفسره الراوى بالحمام والمعروف عند أهل اللغة أن الديماس هوالسرب وهو أيضا الكن قال الهروى فى هذا الحديث قال بعضهم الديماس هنا هو الكن أى كأنه مخدر لم ير شمسا قال وقال بعضهم المراد به السرب ومنه دمسته اذا دفتنه وقال الجوهرى فى صحاحه فى هذا الحديث قوله خرج من ديماس يعنى فى نضارته وكثرة ماء وجهه كأنه خرج من كن لانه قال فى وصفه كأن رأسه يقطر ماء وذكر صاحب المطالع الأقوال الثلاثة فيه فقال الديماس قيل هو السرب وقيل الكن وقيل الحمام هذا ما يتعلق الديماس وأما الحمام فمعروف وهو مذكر باتفاق اهل اللغة وقد نقل الازهرى فى تهذيب اللغة تذكيره عن العرب والله أعلم وأما وصف عيسى صلوات الله عليه وسلامه فى هذه الرواية وهي رواية أبى هريرة رضى الله عنه بانه أحمر ووصفه فى رواية بن عمر رضى الله عنهما بعدها بأنه آدم والآدم الاسمر وقد روى البخارى عن بن عمر رضى الله عنهما انه أنكر رواية أحمر وحلف ان النبى صلى الله عليه وسلم لم يقله يعنى وأنه اشتبه على الراوى فيجوز أن يتأول الاحمر على الآدم ولا يكون المراد حقيقة الادمة والحمرة بل ما قاربها والله اعلم 169 قوله صلى الله عليه وسلم ( أرانى ليلة عند الكعبة فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم قد رجلها فهي تقطر ماء متكئا على رجلين أو على عواتق رجلين يطوف بالبيت فسألت من هذا فقيل هذا المسيح بن مريم ثم اذا أنا برجل جعد قطط أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية فسألت من هذا فقيل هذا المسيح الدجال ) أما قوله صلى الله عليه وسلم أرانى فهو بفتح الهمزة وأما الكعبة فسميت كعبة لارتفاعها وتربعها وكل بيت مربع عند العرب فهو كعبة وقيل سميت كعبة لاستدارتها وعلوها ومنه كعب الرجل ومنه كعب ثدى المرأة اذا علا واستدار وأما اللمة فهي بكسر اللام وتشديد الميم وجمعها لمم كقربة وقرب قال الجوهرى ويجمع على لمام يعنى بكسر اللام وهو الشعر المتدلى الذى جاوز شحمة الاذنين فاذا بلغ المنكبين فهو جمة وأما رجلها فهو بتشديد الجيم ومعناه سرحها بمشط مع ماء أو غيره واما قوله صلى الله عليه وسلم يقطر ماء فقد قال القاضي عياض يحتمل ان يكون على ظاهره أي يقطر بالماء الذى رجلها به لقرب ترجيله والى هذا نحا القاضي الباجى قال القاضي عياض ومعناه عندى أن يكون ذلك عبارة عن نضارته وحسنه واستعارة لجماله وأما العواتق فجمع عاتق قال أهل اللغة هو ما بين المنكب والعنق وفيه لغتان التذكير والتأنيث والتذكير أفصح وأشهر قال صاحب المحكم ويجمع العاتق على عواتق كما ذكرنا وعلى عتق وعتق باسكان التاء وضمها وأما طواف عيسى عليه السلام فقال القاضي عياض رحمه الله ان كانت هذه رؤيا عين فعيسى حى لم يمت يعنى فلا امتناع فى طوافه حقيقة وان كان مناما كما نبه عليه بن عمر رضى الله عنهما فى روايته فهو محتمل لما تقدم ولتأويل الرؤيا قال القاضي وعلى هذا يحمل ما ذكر من طواف الدجال بالبيت وأن ذلك رؤيا اذ قد ورد فى الصحيح أنه لا يدخل مكة ولا المدينة مع أنه لم يذكر فى رواية مالك طواف الدجال وقد يقال ان تحريم دخول المدينة عليه انما هو فى زمن فتنته والله أعلم وأما المسيح فهو صفة لعيسى صلى الله عليه وسلم وصفة للدجال فأما عيسى فاختلف العلماء فى سبب تسميته مسيحا قال الواحدى ذهب أبو عبيد والليث إلى أن أصله بالعبرانية مشيحا فعربته العرب وغيرت لفظه كما قالوا موسى واصله موشى أو ميشا بالعبرانية فلما عربوه غيروه فعلى هذا لا اشتقاق له قال وذهب أكثر العلماء إلى أنه مشتق وكذا قال غيره انه مشتق على قول الجمهور ثم اختلف هؤلاء فحكى عن بن عباس رضى الله عنهما أنه قال لأنه لم يمسح ذا عاهة الا بريء وقال إبراهيم وبن الأعرابى المسيح الصديق وقيل لكونه ممسوح أسفل القدمين لا أخمص له وقيل لمسح زكريا اياه وقيل لمسحه الأرض أى قطعها وقيل لأنه خرج من بطن امه ممسوحا بالدهن وقيل لأنه مسح بالبركة حين ولد وقيل لان الله تعالى مسحه أى خلقه خلقا حسنا وقيل غير ذلك والله أعلم وأما الدجال فقيل سمى بذلك لأنه ممسوح العين وقيل لانه أعور والأعور يسمى مسيحا وقيل لمسحه الأرض حين خروجه وقيل غير ذلك قال القاضي ولا خلاف عند أحد من الرواة فى اسم عيسى انه بفتح الميم وكسر السين مخففة واختلف فى الدجال فأكثرهم يقوله مثله ولا فرق بينهما فى اللفظ ولكن عيسى صلى الله عليه وسلم مسيح هدى والدجال مسيح ضلالة ورواه بعض الرواة مسيح بكسر الميم والسين المشددة وقاله غير واحد كذلك الا أنه بالخاء المعجمة وقاله بعضهم بكسر الميم وتخفيف السين والله اعلم وأما تسمية الدجال فقد تقدم بيانها فى شرح المقدمة وأما قوله صلى الله عليه وسلم فى صفة الدجال جعد قطط فهو بفتح القاف والطاء هذا هوالمشهور قال القاضي عياض رويناه بفتح الطاء الأولى وبكسرها قال وهو شديد الجعودة وقال الهروى الجعد فى صفات الرجال يكون مدحا ويكون ذما فإذا كان ذما فله معنيان أحدهما القصير المتردد والآخر البخيل يقال رجل جعد اليدين وجعد الاصابع أى بخيل واذا كان مدحا فله أيضا معنيان أحدهما أن يكون معناه شديد الخلق والآخر يكون شعره جعدا غير سبط فيكون مدحا لأن السبوطة أكثرها فى شعور العجم قال القاضي قال غير الهروى الجعد فى صفة الدجال ذم وفى صفة عيسى عليه السلام مدح والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية فروي بالهمز وبغير همز فمن همز معناه ذهب ضوؤها ومن لم يهمز معناه ناتئة بارزة ثم انه جاء هنا أعور العين اليمنى وجاء فى رواية أخرى أعور العين اليسرى وقد ذكرهما جميعا مسلم فى آخر الكتاب وكلاهما صحيح قال القاضي عياض رحمه الله روينا هذا الحرف عن أكثر شيوخنا بغير همز وهو الذى صححه أكثرهم قال وهو الذى ذهب إليه الاخفش ومعناه ناتئة كنتوء حبة العنب من بين صواحبها قال وضبطه بعض شيوخنا بالهمز وأنكره بعضهم ولا وجه لانكاره وقد وصف فى الحديث بأنه ممسوح العين وأنها ليست جحراء ولا ناتئة بل مطموسة وهذه صفة حبة العنب اذا سال ماؤها وهذا يصحح رواية الهمز وأما ما جاء فى الاحاديث الاخر جاحظ العين وكأنها كوكب وفى رواية لها حدقة جاحظة كأنها نخاعة فى حائط فتصحح رواية ترك الهمزة ولكن يجمع بين الاحاديث وتصحح الروايات جميعا بأن تكون المطموسة والممسوحة والتي ليست بجحراء ولا ناتئة هي العوراء الطافئة بالهمز وهى العين اليمنى كما جاء هنا وتكون الجاحظة والتى كأنها كوكب وكأنها نخاعة هي الطافية بغير همز وهى العين اليسرى كما جاء فى الرواية الاخرى وهذا جمع بين الاحاديث والروايات فى الطافية بالهمز وبتركه وأعور العين اليمنى واليسرى لان كل واحدة منهما عوراء فان الاعور من كل شيء المعيب لا سيما ما يختص بالعين وكلا عينى الدجال معيبة عوراء احداهما بذهابها والاخرى بعيبها هذا آخر كلام القاضي وهو فى نهاية من الحسن والله أعلم قوله ( حدثنا محمد بن إسحاق المسيبى ) هو بفتح الياء منسوب إلى جد له وهو محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المسيب بن أبى السائب أبو عبد الله المخزومى قوله ( بين ظهرانى الناس ) هو بفتح الظاء واسكان الهاء وفتح النون أى بينهم وتقدم بيانه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم ( ان الله تبارك وتعالى ليس بأعور ألا ان المسيح الدجال أعور عين اليمنى ) معناه أن الله تعالى منزه عن سمات الحدث وعن جميع النقائص وأن الدجال مخلوق من خلق الله تعالى ناقص الصورة فينبغى لكم أن تعلموا هذا وتعلموه الناس لئلا يغتر بالدجال من يرى تخييلاته وما معه من الفتنة وأما أعور عين اليمنى فهو عند النحويين من الكوفيين على ظاهره من الاضافة وعند البصريين يقدر فيه محذوف كما يقدر فى نظائره فالتقدير أعور عين صفحة وجهه اليمنى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( كأشبه من رأيت بابن قطن ) ضبطناه رأيت بضم التاء وفتحها وهما ظاهران وقطن هذا بفتح القاف والطاء 170 قوله صلى الله عليه وسلم ( فجلا الله لى بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته ) روى فجلا بتشديد اللام وتخفيفها وهما ظاهران ومعناه كشف وأظهر وتقدم بيان لغات بيت المقدس واشتقاقه فى أول هذا الباب وآياته علاماته 171 قوله صلى الله عليه وسلم ( ينطف رأسه ماء أو يهراق ) أما ينطف فمعناه يقطر ويسيل يقال نطف بفتح الطاء ينطف بضمها وكسرها وأما يهراق فبضم الياء وفتح الهاء ومعناه ينصب 172 قوله ( حدثنا حجين بن المثنى ) هو بحاء مهملة مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم ياء ثم نون قوله صلى الله عليه وسلم ( فكربت كربة ما كربت مثله قط ) هو بضم الكافين والضمير فى مثله يعود على معنى الكربة وهو الكرب أو الغم أو الهم أو الشيء قال الجوهرى الكربة بالضم الغم الذى يأخذ بالنفس وكذلك الكرب وكربه الغم اذا اشتد عليه قوله صلى الله عليه وسلم ( وقد رأيتنى فى جماعة من الأنبياء صلوات الله عليهم فاذا موسى صلى الله عليه وسلم قائم يصلى واذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلى واذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي فحانت الصلاة فأممتهم قال القاضي عياض رحمه الله قد تقدم الجواب في صلاتهم عند ذكر طواف موسى وعيسى عليهما السلام قال وقد تكون الصلاة هنا بمعنى الذكر والدعاء وهى من أعمال الآخرة قال القاضي فان قيل كيف رأى موسى عليه السلام يصلى في قبره وصلى النبى صلى الله عليه وسلم بالانبياء ببيت المقدس ووجدهم على مراتبهم فى السماوات وسلموا عليه ورحبوا به فالجواب أنه يحتمل أن تكون رؤيته موسى فى قبره عند الكثيب الاحمر كانت قبل صعود النبى صلى الله عليه وسلم إلى السماء وفى طريقه إلى بيت المقدس ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم رأى الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم وصلى بهم على تلك الحال لأول ما رآهم ثم سألوه ورحبوا به أو يكون اجتماعه بهم وصلاته ورؤيته موسى بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى والله أعلم 173 قوله ( عن مالك بن مغول عن الزبير بن عدى عن طلحة عن مرة ) أما مغول فبكسر الميم واسكان الغين المعجمة وفتح الواو وطلحة هو بن مصرف وهؤلاء الثلاثة أعنى الزبير وطلحة ومرة تابعيون كوفيون قوله ( انتهى به إلى سدرة المنتهى وهى في السماء السادسة ) كذا هو في جميع الأصول السادسة وقد تقدم في الروايات الأخر من حديث أنس أنها فوق السماء السابعة قال القاضي كونها في السابعة هو الأصح وقول الأكثرين وهو الذي يقتضيه المعنى وتسميتها بالمنتهى قلت ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة فقد علم أنها في نهاية من العظم وقد قال الخليل رحمه الله هي سدرة في السماء السابعة قد أظلت السماوات والجنة وقد تقدم ما حكيناه عن القاضي عياض رحمه الله في قوله ان مقتضى خروج النهرين الظاهرين النيل والفرات من أصل سدرة المنتهى أن يكون أصلها في الأرض فان سلم له هذا أمكن حمله على ما ذكرناه والله أعلم قوله ( وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات ) هو بضم الميم واسكان القاف وكسر الحاء ومعناه الذنوب العظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار وتقحمهم اياها والتقحم الوقوع في المهالك ومعنى الكلام من مات من هذه الأمة غير مشرك بالله غفر له المقحمات والمراد والله أعلم بغفرانها أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين وليس المراد أنه لا يعذب أصلا فقد تقررت نصوص الشرع واجماع أهل السنة على اثبات عذاب بعض العصاة من الموحدين ويحتمل أن يكون المراد بهذا خصوصا من الأمة أى يغفر لبعض الأمة المقحمات وهذا يظهر على مذهب من يقول ان لفظة من لا تقتضى العموم مطلقا وعلى مذهب من يقول لا تقتضيه في الاخبار وان اقتضته في الأمر والنهى ويمكن تصحيحه على المذهب المختار وهو كونها للعموم مطلقا لانه قد قام دليل على ارادة الخصوص وهو ما ذكرناه من النصوص والاجماع والله أعلم
1 ( باب معنى قول الله عز وجل ولقد رآه نزلة أخرى وهل رأى النبى صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الاسراء
قال القاضي عياض رحمه الله اختلف السلف والخلف هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الاسراء فأنكرته عائشة رضى الله عنها كما وقع هنا في صحيح مسلم وجاء مثله عن أبى هريرة وجماعة وهو المشهور عن بن مسعود واليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين وروى عن بن عباس رضى الله عنهما انه رآه بعينه ومثله عن أبي ذر وكعب رضى الله عنهما والحسن رحمه الله وكان يحلف على ذلك وحكى مثله عن بن مسعود وأبي هريرة وأحمد بن حنبل وحكى أصحاب المقالات عن أبي الحسن الأشعرى وجماعة من أصحابه أنه رآه ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال ليس عليه دليل واضح ولكنه جائز ورؤية الله تعالى في الدنيا جائزة وسؤال موسى اياها دليل على جوازها اذ لا يجهل نبى ما يجوز أو يمتنع على ربه وقد اختلفوا في رؤية موسى صلى الله عليه وسلم ربه وفي مقتضى الآية ورؤية الجبل ففى جواب القاضي أبي بكر ما يقتضى أنهما رأياه وكذلك اختلفوا في أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم هل كلم ربه سبحانه وتعالى ليلة الاسراء بغير واسطة أم لا فحكى عن الأشعرى وقوم من المتكلمين أنه كلمة وعزا بعضهم هذا إلى جعفر بن محمد وبن مسعود وبن عباس رضى الله عنهما وكذلك اختلفوا في قوله تعالى ثم دنا فتدلى فالأكثرون على أن هذا الدنو والتدلى منقسم ما بين جبريل والنبى صلى الله عليه وسلم أو مختص باحدهما من الأخر ومن السدرة المنتهى وذكر عن بن عباس والحسن ومحمد بن كعب وجعفر بن محمد وغيرهم أنه دنو من النبى صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى أو من الله تعالى وعلى هذا القول يكون الدنو والتدلى متأولا ليس على وجهه بل كما قال جعفر بن محمد الدنو من الله تعالى لا حد له ومن العباد بالحدود فيكون معنى دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى وقربه منه ظهور عظيم منزلته لديه واشراق أنوار معرفته عليه واطلاعه من غيبه وأسرار ملكوته على ما لم يطلع سواه عليه والدنو من الله سبحانه له اظهار ذلك له وعظيم بره وفضله العظيم لديه ويكون قوله تعالى قاب قوسين أو أدنى على هذا عبارة عن لطف المحل وايضاح المعرفة والاشراف على الحقيقة من نبينا صلى الله عليه وسلم ومن الله اجابة الرغبة وابانه المنزلة ويتأول في ذلك ما يتأول في قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا الحديث هذا آخر كلام القاضي وأما صاحب التحرير فانه اختار اثبات الرؤية قال والحجج في هذه المسألة وان كانت كثيرة ولكنا لا نتمسك الا بالأقوى منها وهو حديث بن عباس رضى الله عنهما أتعجبون أن تكون الخلة لابراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم وعن عكرمة سئل بن عباس رضى الله عنهما هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه قال نعم وقد روى باسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنس رضى الله عنه قال رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه وكان الحسن يحلف لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه والأصل في الباب حديث بن عباس حبر الأمة والمرجوع إليه في المعضلات وقد راجعه بن عمر رضى الله عنهم في هذه المسألة وراسله هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه فأخبره انه رآه ولا يقدح في هذا حديث عائشة رضى الله عنها لان عائشة لم تخبر أنها سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول لم أر ربى وانما ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ولقول الله تعالى لا تدركه الأبصار والصحابي اذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجة واذا صحت الروايات عن بن عباس في اثبات الرؤية وجب المصير إلى اثباتها فانها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن وإنما يتلقى بالسماع ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وبن عباس ما عائشة عندنا بأعلم من بن عباس ثم ان بن عباس أثبت شيئا نفاه غيره والمثبت مقدم على النافى هذا كلام صاحب التحرير فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينى رأسه ليلة الاسراء لحديث بن عباس وغيره مما تقدم واثبات هذا لا ياخذونه الا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هذا مما لا ينبغى أن يتشكك فيه ثم ان عائشة رضى الله عنها لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان معها فيه حديث لذكرته وانما اعتمدت الاستنباط من الآيات وسنوضح الجواب عنها فأما احتجاج عائشة بقول الله تعالى لا تدركه الأبصار فجوابه ظاهر فان الادراك هو الاحاطة والله ) تعالى لا يحاط به واذا ورد النص بنفى الاحاطة لا يلزم منه نفى الرؤية بغير احاطة وأجيب عن الآية بأجوبة أخرى لا حاجة اليها مع ما ذكرناه فانه في نهاية من الحسن مع اختصاره وأما احتجاجها رضى الله عنها بقول الله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا الآية فالجواب عنه من أوجه أحدها أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام الثانى أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة الثالث ما قاله بعض العلماء ان المراد بالوحى الكلام من غير واسطة وهذا الذى قاله هذا القائل وان كان محتملا ولكن الجمهور على أن المراد بالوحى هنا الالهام والرؤية في المنام وكلاهما يسمى وحيا وأما قوله تعالى أو من وراء حجاب فقال الواحدي وغيره معناه غير مجاهر لهم بالكلام بل يسمعون كلامه سبحانه وتعالى من حيث لا يرونه وليس المراد أن هناك حجابا يفصل موضعا من موضع ويدل على تحديد المحجوب فهو بمنزلة ما يسمع من وراء الحجاب حيث لم ير المتكلم والله أعلم 174 قوله ( وحدثنى أبو الربيع الزهرانى ) هو بفتح الزاى واسكان الهاء واسمه سليمان بن داود قول مسلم رحمه الله ( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن الشيباني عن زر عن عبد الله ) هذا الاسناد كله كوفيون وغياث بالغين المعجمة والشيبانى هو أبو إسحاق واسمه سليمان بن فيروز وقيل بن خاقان وقيل بن عمرو وهو تابعى وأما زر فبكسر الزاى وحبيش بضم الحاء وفتح الموحدة وآخره الشين المعجمة وهو من المعمرين زاد على مائة وعشرين سنة وهو من كبار التابعين قوله ( عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه في قوله تعالى ما كذب الفؤاد ما رأى قال رأى جبريل له ستمائة جناح ) هذا الذى قاله عبد الله رضى الله عنه هو مذهبه في هذه الآية وذهب الجمهور من المفسرين إلى أن المراد انه رأى ربه سبحانه وتعالى ثم اختلف هؤلاء فذهب جماعة إلى أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده دون عينيه وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينيه قال الامام أبو الحسن الواحدى قال المفسرون هذا اخبار عن رؤية النبى صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ليلة المعراج قال بن عباس وأبو ذر وابراهيم التيمي رآه بقلبه قال وعلى هذا رأى بقلبه ربه رؤية صحيحة وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده أو خلق لفؤاده بصرا حتى رأى ربه رؤية صحيحة كما يرى بالعين قال وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى انه رآه بعينه وهو قول أنس وعكرمة والحسن والربيع قال المبرد ومعنى الآية أن الفؤاد رأى شيئا فصدق فيه وما رأى في موضع نصب أى ما كذب الفؤاد مرئيه وقرأ بن عامر ما كذب بالتشديد قال المبرد معناه أنه رأى شيئا فقبله وهذا الذى قاله المبرد على أن الرؤية للفؤاد فان جعلتها للبصر فظاهر أى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر هذا آخر كلام الواحدى قوله ( عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه في قول الله تعالى لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح ) هذا الذى قاله عبد الله رضى الله عنه هو قول كثيرين من السلف وهو مروى عن بن عباس رضى الله عنهما وبن زيد ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان وقال الضحاك المراد أنه رأى سدرة المنتهى وقيل رأى رفرفا أخضر وفي الكبرى قولان للسلف منهم من يقول هو نعت للآيات ويجوز نعت الجماعة بنعت الواحدة كقوله تعالى مآرب أخرى وقيل هو صفة لمحذوف تقديره رأى من آيات ربه الآية الكبرى 175 قوله ( عن أبى هريرة رضى الله عنه في قول الله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى قال رأى جبريل ) وهكذا قاله أيضا أكثر العلماء قال الواحدى قال أكثر العلماء المراد رأى جبريل في صورته التى خلقه الله تعالى عليها وقال بن عباس رأى ربه سبحانه وتعالى وعلى هذا معنى نزلة أخرى يعود إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقد كانت له عرجات فى تلك الليلة لاستحطاط عدد الصلوات فكل عرجة نزلة والله أعلم قوله ( عن الأعمش عن زياد بن الحصين أبى جهمة عن أبي العالية عن بن عباس رضى الله عنهما ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى قال رآه بفؤاده مرتين ) هذا الذى قاله بن عباس معناه رأى النبى صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه وتعالى مرتين في هاتين الإيتين وقد قدمنا اختلاف العلماء في المراد بالأيتين وأن الرؤية عند من أثبتها بالفؤاد أم بالعين وفي هذا الاسناد ثلاثة تابعيون الاعمش وزياد وأبو العالية بعضهم عن بعض واسم الاعمش سليمان بن مهران تقدم بيانه مرات وجهمة بفتح الجيم واسكان الهاء واسم أبى العالية رفيع بضم الراء وفتح الفاء والله أعلم قوله ( أعظم الفرية ) هي بكسر الفاء واسكان الراء وهى الكذب يقال فرى الشيء يفريه فريا وافتراه يفتريه افتراء اذا اختلقه وجمع الفرية فرى قوله ( أنظرينى ) أى أمهلينى قوله ( عن مسروق ألم يقل الله تعالى ولقد رآه بالأفق المبين وقول عائشة رضى الله عنها ( أو لم تسمع أن الله تعالى يقول لا تدركه الأبصار أو لم تسمع أن الله تعالى يقول وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ثم قالت عائشة أيضا ( والله تعالى يقول يا أيها الرسول بلغ ثم قالت والله تعالى يقول قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله هذا كله تصريح من عائشة ومسروق رضى الله عنهما بجواز قول المستدل بآية من القرآن ان الله عز وجل يقول وقد كره ذلك مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعى المشهور فروى بن أبى داود باسناده عنه أنه قال لا تقولوا ان الله يقول ولكن قولوا ان الله قال وهذا الذى أنكره مطرف رحمه الله خلاف ما فعلته الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة المسلمين فالصحيح المختار جواز الامرين كما استعملته عائشة رضى الله عنها ومن في عصرها وبعدها من السلف والخلف وليس لمن أنكره حجة ومما يدل على جوازه من النصوص قول الله عز وجل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وفي صحيح مسلم رحمه الله عن أبى ذر رضى الله عنه قال قال النبى صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها والله أعلم وأما قولها ( أو لم تسمع أن الله تعالى يقول ما كان لبشر فهكذا هو في معظم الاصول ما كان بحذف الواو والتلاوة وما كان باثبات الواو ولكن لا يضر هذا في الرواية والاستدلال لأن المستدل ليس مقصوده التلاوة على وجهها وانما مقصوده بيان موضع الدلالة ولا يؤثر حذف الواو في ذلك وقد جاء لهذا نظائر كثيرة في الحديث منها قوله فأنزل الله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وقوله تعالى وأقم الصلاة لذكري هكذا هو في روايات الحديثين في الصحيحين والتلاوة بالواو فيهما والله أعلم وأما مسروق فقال أبو سعيد السمعاني في الانساب سمى مسروقا لانه سرقه انسان فى صغره ثم وجد قوله صلى الله عليه وسلم ( رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض ) هكذا هو في الاصول ما بين السماء إلى الأرض وهو صحيح وأما عظم خلقه فضبط على وجهين أحدهما بضم العين واسكان الظاء والثاني بكسر العين وفتح الظاء وكلاهما صحيح قوله ( سألت عائشة رضى الله عنها هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه وتعالى فقالت سبحان الله لقد قف شعرى لما قلت ) أما قولها سبحان الله فمعناه التعجب من جهل مثل هذا وكأنها تقول كيف يخفى عليك مثل هذا ولفظة سبحان الله لارادة التعجب كثيرة في الحديث وكلام العرب كقوله صلى الله عليه وسلم سبحان الله تطهرى بها وسبحان الله المسلم لا ينجس وقول الصحابة سبحان الله يارسول الله وممن ذكر من النحويين أنها من ألفاظ التعجب أبو بكر بن السراج وغيره وكذلك يقولون في التعجب لا اله الا الله والله أعلم وأما قولها رضى الله عنها قف شعرى فمعناه قام شعرى من الفزع لكونى سمعت مالا ينبغى أن يقال قال بن الاعرابي تقول العرب عند انكار الشيء قف شعرى واقشعر جلدى واشمأزت نفسى قال النضر بن شميل القفة كهيئة القشعريرة وأصله التقبض والاجتماع لان الجلد ينقبض عند الفزع والاستهوال فيقوم الشعر لذلك وبذلك سميت القفة التى هي الزنبيل لاجتماعها ولما يجتمع فيها والله أعلم قول مسلم رحمه الله ( حدثنا بن نمير حدثنا أبو أسامة حدثنا زكريا عن بن أشوع عن عامر عن مسروق ) هؤلاء كلهم كوفيون وبن نمير اسمه محمد بن عبد الله بن نمير وأبو أسامة اسمه حماد بن أسامة وزكريا هو بن أبى زائدة واسم أبى زائدة خالد بن ميمون وقيل هبيرة وبن أشوع هو سعيد بن عمرو بن أشوع بفتح الهمزة واسكان الشين المعجمة وفتح الواو وبالعين المهملة قوله ( قلت لعائشة رضى الله عنها فأين قوله تعالى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى فقالت انما ذاك جبريل عليه السلام ) قال الامام أبو الحسن الواحدى معنى التدلى الامتداد إلى جهة السفل هكذا هو الاصل ثم استعمل في القرب من العلو هذا قول الفراء وقال صاحب النظم هذا على التقديم والتأخير لان المعنى ثم تدلى فدنا لان التدلى سبب الدنو قال بن الاعرابي تدلى اذا قرب بعد علو قال الكلبي المعنى دنا جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فقرب منه وقال الحسن وقتادة ثم دنا جبريل بعد استوائه في الافق الاعلى من الأرض فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى فالقاب ما بين القبضة والسية ولكل قوس قابان والقاب في اللغة أيضا القدر وهذا هو المراد بالآية عند جميع المفسرين والمراد القوس التى يرمي عنها وهى القوس العرببة وخصت بالذكر على عادتهم وذهب جماعة إلى أن المراد بالقوس الذراع هذا قول عبد الله بن مسعود وشقيق بن سلمة وسعيد بن جبير وأبى إسحاق السبيعى وعلى هذا معنى القوس ما يقاس به الشئ أى يذرع قالت عائشة رضى الله عنها وبن عباس والحسن وقتادة وغيرهم هذه المسافة كانت بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم وقول الله تعالى أو أدنى معناه أو أقرب قال مقاتل بل أقرب وقال الزجاج خاطب الله تعالى العباد على لغتهم ومقدار فهمهم والمعنى أو أدنى فيما تقدرون أنتم والله تعالى عالم بحقائق الاشياء من غير شك ولكنه خاطبنا على ما جرت به عادتنا ومعنى الآية أن جبريل عليه السلام مع عظم خلقه وكثرة أجزائه دنا من النبى صلى الله عليه وسلم هذا الدنو والله أعلم 178 قوله ( عن أبى ذر رضى الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه ) وفي الرواية الأخرى ( رأيت نورا ) أما قوله صلى الله عليه وسلم نور أنى أراه فهو بتنوين نور وبفتح الهمزة في أنى وتشديد النون وفتحها وأراه بفتح الهمزة هكذا رواه جميع الرواة في جميع الاصول والروايات ومعناه حجابه نور فكيف أراه قال الامام أبو عبد الله المازرى رحمه الله الضمير في أراه عائد على الله سبحانه وتعالى ومعناه أن النور منعنى من الرؤية كما جرت العادة باغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من ادراك ما حالت بين الرائى وبينه وقوله صلى الله عليه وسلم ( رأيت نورا ) معناه رأيت النور فحسب ولم أر غيره قال وروى نورانى أراه بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء ويحتمل أن يكون معناه راجعا إلى ما قلناه أى خالق النور المانع من رؤيته فيكون من صفات الافعال قال القاضي عياض رحمه الله هذه الرواية لم تقع الينا ولا رأيتها في شئ من الاصول ومن المستحيل أن تكون ذات الله تعالى نورا اذ النور من جملة الأجسام والله سبحانه وتعالى يجل عن ذلك هذا مذهب جميع أئمة المسلمين ومعنى قوله تعالى الله نور السماوات والأرض وما جاء في الأحاديث من تسميته سبحانه وتعالى بالنور معناه ذو نورهما وخالقه وقيل هادى أهل السماوات والأرض وقيل منور قلوب عباده المومنين وقيل معناه ذو البهجة والضياء والجمال والله أعلم 179 قوله صلى الله عليه وسلم ( ان الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور وفي رواية النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقة ) أما قوله صلى الله عليه وسلم لا ينام ولا ينبغى له أن ينام فمعناه أنه سبحانه وتعالى لا ينام وأنه يستحيل في حقه النوم فان النوم انغمار وغلبة على العقل يسقط به الاحساس والله تعالى منزه عن ذلك وهو مستحيل في حقه جل وعلا وأما قوله صلى الله عليه وسلم يخفض القسط ويرفعه فقال القاضي عياض قال الهروى قال بن قتيبة القسط الميزان وسمى قسطا لان القسط العدل وبالميزان يقع العدل قال والمراد أن الله تعالى يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة ويوزن من أرزاقهم النازلة وهذا تمثيل لما يقدر تنزيله فشبه بوزن الميزان وقيل المراد بالقسط الرزق الذى هو قسط كل مخلوق يخفضه فيقتره ويرفعه فيوسعه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ) وفي الرواية الثانية ( عمل النهار بالليل وعمل الليل بالنهار ) فمعنى الاول والله أعلم يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار الذى بعده وعمل النهار قبل عمل الليل الذى بعده ومعنى الرواية الثانية يرفع إليه عمل النهار في أول الليل الذى بعده ويرفع إليه عمل الليل في أول النهار الذى بعده فان الملائكة الحفظة يصعدون باعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) فالسبحات بضم السين والباء ورفع التاء في آخره وهي جمع سبحة قال صاحب العين والهروى وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين معنى سبحات وجهه نوره وجلاله وبهاؤه وأما الحجاب فأصله في اللغة المنع والستر وحقيقة الحجاب انما تكون للاجسام المحدودة والله تعالى منزه عن الجسم والحد والمراد هنا المانع من رؤيته وسمى ذلك المانع نورا أو نارا لانهما يمنعان من الادراك في العادة لشعاعهما والمراد بالوجه الذات والمراد بما انتهى إليه بصره من خلقه جميع المخلوقات لان بصره سبحانه وتعالى محيط بجميع الكائنات ولفظة من لبيان الجنس لا للتبعيض والتقدير لو أزال المانع من رؤيته وهو الحجاب المسمى نورا أو نارا وتجلى لخلقه لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته والله أعلم قوله ( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن عمرو بن مرة عن أبى عبيدة عن أبي موسى ثم قال وفي رواية أبى بكر عن الأعمش ولم يقل حدثنا ) هذا الاسناد كله كوفيون وابو موسى الاشعرى بصرى كوفي واسم أبى بكر بن أبى شيبة عبد الله بن محمد بن إبراهيم وهو أبو شيبة واسم أبى كريب محمد بن العلاء وأبو معاوية محمد بن خارم بالخاء المعجمة والاعمش سليمان بن مهران وأبو موسى عبد الله بن قيس وكل هؤلاء تقدم بيانهم ولكن طال العهد بهم فأردت تجديده لمن لا يحفظهم وأما أبو عبيدة فهو بن عبد الله بن مسعود واسمه عبد الرحمن وفي هذا الاسناد لطيفتان من لطائف علم الاسناد احداهما أنهم كلهم كوفيون كما ذكرته والثانية أن فيه ثلاثة تابعيون يروى بعضهم عن بعض الاعمش وعمرو وأبو عبيدة وأما قوله وفي رواية أبى بكر عن الاعمش ولم يقل حدثنا فهو من احتياط مسلم رحمه الله وورعه واتقانه وهو أنه رواه عن أبى كريب وأبى بكر فقال أبو كريب في روايته حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الاعمش وقال أبو بكر حدثنا أبو معاوية عن الاعمش فلما اختلفت عبارتهما في كيفية رواية شيخهما أبى معاوية بينها مسلم رحمه الله فحصل فيه فائدتان احداهما أن حدثنا للاتصال باجماع العلماء وفي عن خلاف كما قدمناه في الفصول وغيرها والصحيح الذى عليه الجماهير من طوائف العلماء أنها أيضا للاتصال الا أن يكون قائلها مدلسا فبين مسلم ذلك والثانية أنه لو اقتصر على احدى العبارتين كان فيه خلل فإنه إن اقتصر على عن كان مفوتا لقوة حدثنا وراويا بالمعنى وان اقتصر على حدثنا كان زائدا في رواية أحدهما راويا بالمعنى وكل هذا مما يجتنب والله أعلم بالصواب
1 ( باب اثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم سبحانه وتعالى )
اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلا وهذا الذى قالوه خطأ صريح وجهل قبيح وقد تظاهرت أدله الكتاب والسنة واجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الامة على اثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين ورواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآيات القرآن فيها مشهورة واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة وكذلك باقى شبههم وهى مستقصاة في كتب الكلام وليس بنا ضرورة إلى ذكرها هنا وأما رؤية الله تعالى في الدنيا فقد قدمنا أنها ممكنه ولكن الجمهور من السلف والخلف من المتكلمين وغيرهم أنها لا تقع في الدنيا وحكم الامام أبو القاسم القشيرى في رسالته المعروفة عن الامام أبى بكر بن فورك انه حكى فيها قولين للامام أبى الحسن الاشعرى أحدهما وقوعها والثانى لا تقع ثم مذهب أهل الحق ان الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه ولا يشترط فيها اتصال الاشعة ولا مقابلة المرئى ولا غير ذلك لكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا على سبيل الاشتراط وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بدلائله الجلية ولا يلزم من رؤية الله تعالى اثبات جهة تعالى عن ذلك بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة والله أعلم قوله في الاسناد ( الجهضمى وأبو غسان المسمعى ) أما الجهضمى فبفتح الجيم والضاد المعجمة واسكان الهاء بينهما وقد تقدم بيانه في أول شرح المقدمة وكذلك تقدم بيان أبى غسان وانه يجوز صرفه وترك صرفه وأن اسمه مالك بن عبد الواحد وأن المسمعى بكسر الميم الأولى وفتح الثانية منسوب إلى مسمع بن ربيعة جد القبيلة وهذا كله وان كان ظاهرا وقد تقدم الا أنى أعيده لطول العهد بموضعه والله أعلم قوله ( عن أبى بكر بن عبد الله بن قيس ) هو أبو بكر بن أبى موسى الاشعرى واسم أبى بكر عمرو وقيل عامر قوله صلى الله عليه وسلم ( وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم الا رداء الكبر في جنة عدن ) قال العلماء كان النبى صلى الله عليه وسلم يخاطب العرب بما يفهمونه ويقرب الكلام إلى أفهامهم ويستعمل الاستعارة وغيرها من أنواع المجاز ليقرب متناولها فعبر صلى الله عليه وسلم عن زوال المانع ورفعه عن الابصار بازاله الرداء قوله صلى الله عليه وسلم ( في جنة عدن ) أى الناظرون في جنة عدن فهي ظرف للناظر 181 قوله ( حدثنا عبد الله بن عمر بن ميسرة حدثنى عبد الرحمن بن مهدى حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن صهيب عن النبى صلى الله عليه وسلم قال اذا دخل أهل الجنة الجنة الحديث ) هذا الحديث هكذا رواه الترمذى والنسائى وبن ماجه وغيرهم من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن بن أبى ليلى عن صهيب عن النبى صلى الله عليه وسلم قال أبو عيسى الترمذى وأبو مسعود الدمشقى وغيرهما لم يروه هكذا مرفوعا عن ثابت غير حماد بن سلمة ورواه سليمان بن المغيرة وحماد بن زيد وحماد بن واقد عن ثابت عن بن أبى ليلى من قوله ليس فيه ذكر النبى صلى الله عليه وسلم ولا ذكر صهيب وهذا الذى قاله هؤلاء ليس بقادح في صحة الحديث فقد قدمنا في الفصول أن المذهب الصحيح المختار الذى ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الاصول والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادى أن الحديث اذا رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلا أو بعضهم مرفوعا وبعضهم موقوفا حكم بالمتصل وبالمرفوع لانهما زيادة ثقة وهى مقبولة عند الجماهير من كل الطوائف والله أعلم 182 قوله صلى الله عليه وسلم ( هل تضارون في القمر ليلة البدر ) وفى الرواية الأخرى هل تضامون وروى تضارون بتشديد الراء وبتخفيفها والتاء مضمومة فيهما ومعنى المشدد هل تضارون غيركم في حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر ومعنى المخفف هل يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر وروى أيضا تضامون بتشديد الميم وتخفيفها فمن شددها فتح التاء ومن خففها ضم التاء ومعنى المشدد هل تتضامون وتتلطفون في التوصل إلى رؤيته ومعنى المخفف هل يلحقكم ضيم وهو المشقة والتعب قال القاضي عياض رحمه الله وقال فيه بعض أهل اللغة تضارون أو تضامون بفتح التاء وتشديد الراء والميم وأشار القاضي بهذا إلى أن غير هذا القائل يقولهما بضم التاء سواء شدد أو خفف وكل هذا صحيح ظاهر المعنى وفي رواية للبخارى لا تضامون أو لا تضارون على الشك ومعناه لا يشتبه عليكم وترتابون فيه فيعارض بعضكم بعضا في رؤيته والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فانكم ترونه كذلك ) معناه تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح وزوال الشك والمشقة والاختلاف قوله ( الطواغيت ) هو جمع طاغوت قال الليث وأبو عبيدة والكسائي وجماهير أهل اللغة الطاغوت كل ماعبد من دون الله تعالى وقال بن عباس ومقاتل والكلبى وغيرهم الطاغوت الشيطان وقيل هو الأصنام قال الواحدى الطاغوت يكون واحدا وجمعا ويؤنث ويذكر قال الله تعالى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به فهذا في الواحد وقال تعالى في الجمع والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم وقال في المؤنث والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها قال الواحدى ومثله من الاسماء الفلك يكون واحدا وجمعا ومذكرا أو مؤنثا قال النحويون وزنه فعلوت والتاء زائدة وهو مشتق من طغى وتقديره طغووت ثم قلبت الواو ألفا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ) قال العلماء انما بقوا في زمرة المؤمنين لانهم كانوا في الدنيا متسترين بهم فيتسترون بهم أيضا في الآخرة وسلكوا مسلكهم ودخلوا في جملتهم وتبعوهم ومشوا في نورهم حتى ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وذهب عنهم نور المؤمنين قال بعض العلماء هؤلاء هم المطرودون عن الحوض الذين يقال لهم سحقا سحقا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فيأتيهم الله في صورة غير صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ) اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم والقول الثاني وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على مايليق بها على حسب مواقعها وانما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفا بلسان العرب وقواعد الاصول والفروع ذا رياضة في العلم فعلى هذا المذهب يقال في قوله صلى الله عليه وسلم فيأتيهم الله أن الاتيان عبارة عن رؤيتهم اياه لأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته الا بالاتيان فعبر بالاتيان والمجئ هنا عن الرؤية مجازا وقيل الاتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه اتيانا وقيل المراد بيأتيهم الله أى يأتيهم بعض ملائكة الله قال القاضي عياض رحمه الله هذا الوجه أشبه عندى بالحديث قال ويكون هذا الملك الذى جاءهم في الصورة التى أنكروها من سمات الحدث الظاهرة على الملك والمخلوق قال أو يكون معناه يأتيهم الله في صورة أى يأتيهم بصورة ويظهر لهم من صور ملائكته ومخلوقاته التى لا تشبه صفات الاله ليختبرهم وهذا آخر امتحان المؤمنين فاذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة أنا ربكم رأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم ويستعيذون بالله منه وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( فيأتيهم الله في صورته التى يعرفون ) فالمراد بالصورة هنا الصفة ومعناه فيتجلى الله سبحانه وتعالى لهم على الصفة التى يعلمونها ويعرفونه بها وانما عرفوه بصفته وان لم تكن تقدمت لهم رؤية له سبحانه وتعالى لانهم يرونه لا يشبه شيئا من مخلوقاته وقد علموا أنه لا يشبه شيئا من مخلوقاته فيعلمون أنه ربهم فيقولون أنت ربنا وانما عبر بالصورة عن الصفة لمشابهتها اياها ولمجانسة الكلام فانه تقدم ذكر الصورة وأما قولهم ( نعوذ بالله منك ) فقال الخطابي يحتمل أن تكون هذه الاستعاذة من المنافقين خاصة وأنكر القاضي عياض هذا وقال لا يصح أن تكون من قول المنافقين ولا يستقيم الكلام به وهذا الذى قاله القاضي هو الصواب ولفظ الحديث مصرح به أو ظاهر فيه وانما استعاذوا منه لما قدمناه من كونهم رأوا سمات المخلوق وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( فيتبعونه ) فمعناه يتبعون أمره اياهم بذهابهم إلى الجنة أو يتبعون ملائكته الذين يذهبون بهم إلى الجنة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ويضرب الصراط بين ظهرى جهنم ) هو بفتح الظاء وسكون الهاء ومعناه يمد الصراط عليها وفي هذا اثبات الصراط ومذهب أهل الحق اثباته وقد أجمع السلف على إثباته وهو جسر على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم فالمؤمنون ينجون على حسب حالهم أى منازلهم والآخرون يسقطون فيها أعاذنا الله الكريم منها وأصحابنا المتكلمون وغيرهم من السلف يقولون ان الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف كما ذكره أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه هنا في روايته الاخرى المذكورة في الكتاب والله تعالى أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فأكون أنا وأمتى أول من يجيز ) هو بضم الياء وكسر الجيم والزاى آخره ومعناه يكون أول من يمضى عليه ويقطعه يقال أجزت الوادى وجزته لغتان بمعنى واحد وقال الأصمعى أجزته قطعته وجزته مشيت فيه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا يتكلم يومئذ الا الرسل ) معناه لشدة الاهوال والمراد لا يتكلم في حال الإجازة والا ففى يوم القيامة مواطن يتكلم الناس فيها وتجادل كل نفس عن نفسها ويسأل بعضهم بعضا ويتلاومون ويخاصم التابعون المتبوعين والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم ) هذا من كمال شفقتهم ورحمتهم للخلق وفيه أن الدعوات تكون بحسب المواطن فيدعى في كل موطن بما يليق به والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ) أما الكلاليب فجمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق فيها اللحم وترسل في التنور قال صاحب المطالع هي خشبة في رأسها عقافة حديد وقد تكون حديدا كلها ويقال لها ايضا كلاب وأما السعدان فبفتح السين واسكان العين المهملة وهو نبت له شوكة عظيمة مثل الحسك من كل الجوانب قوله صلى الله عليه وسلم ( تخطف الناس بأعمالهم ) هو بفتح الطاء ويجوز كسرها يقال خطف وخطف بكسر الطاء وفتحها والكسر أفصح ويجوز أن يكون معناه تخطفهم بسبب أعمالهم ويجوز أن يكون معناه تخطفهم بسبب أعمالهم ويجوز أن يكون معناه تخطفهم على قدر أعمالهم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فمنهم المؤمن بقى بعمله ومنهم المجازى حتى ينجى ) أما الاول فذكر القاضي عياض رحمه الله أنه روى على ثلاثة أوجه أحدها المؤمن يقى بعمله بالميم والنون وبقي بالياء والقاف والثاني الموثق بالمثلثة والقاف والثالث الموبق يعنى بعمله فالموبق بالباء الموحدة والقاف ويعنى بفتح الياء المثناة وبعدها العين ثم النون قال القاضي هذا أصحها وكذا قال صاحب المطالع هذا الثالث هو الصواب قال وفي يقى على الوجه الاول ضبطان أحدهما بالباء الموحدة والثاني بالياء المثناة من تحت من الوقاية قلت والموجود في معظم الاصول ببلادنا هو الوجه الاول وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ومنهم المجازى ) فضبطناه بالجيم والزاى من المجازاة وهكذا هو في أصول بلادنا في هذا الموضع وذكر القاضي عياض رحمه الله في ضبطه خلافا فقال رواه العذرى وغيره المجازى كما ذكرناه ورواه بعضهم المخردل بالخاء المعجمة والدال واللام ورواه بعضهم في البخارى المجردل بالجيم فأما الذى بالخاء فمعناه المقطع أى بالكلاليب يقال خردلت اللحم أى قطعته وقيل خردلت بمعنى صرعت ويقال بالذال المعجمة أيضا والجردلة بالجيم الاشراف على الهلاك والسقوط قوله صلى الله عليه وسلم ( تأكل النار من بن آدم الا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ظاهر هذا أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة التى يسجد الانسان عليها وهى الجبهة واليدان والركبتان والقدمان وهكذا قاله بعض العلماء وأنكره القاضي عياض رحمه الله وقال المراد بأثر السجود الجبهة خاصة والمختار الاول فان قيل قد ذكر مسلم بعد هذا مرفوعا أن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها الا دارات الوجوه فالجواب أن هؤلاء القوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار بأنه لا يسلم منهم من النار الا دارات الوجوه وأما غيرهم فيسلم جميع أعضاء السجود منهم عملا بعموم هذا الحديث فهذا الحديث عام وذلك خاص فيعمل بالعام الا ما خص والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فيخرجون من النار قد امتحشوا ) هو بالحاء المهملة والشين المعجمة وهو بفتح التاء والحاء هكذا هو في الروايات وكذا نقله القاضي عياض رحمه الله عن متقنى شيوخهم قال وهو وجه الكلام وبه ضبطه الخطابى والهروى وقالوا في معناه احترقوا قال القاضي ورواه بعض شيوخنا بضم التاء وكسر الحاء والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل ) هكذا هو في الاصول فينبتون منه بالميم والنون وهو صحيح ومعناه ينبتون بسببه وأما الحبة فبكسر الحاء وهى بزر البقول والعشب تنبت في البرارى وجوانب السيول وجمعها حبب بكسر الحاء المهملة وفتح الباء وأما حميل السيل فبفتح الحاء وكسر الميم وهو ما جاء به السيل من طين أو غثاء ومعناه محمول السيل والمراد التشبيه في سرعة النبات وحسنه وطراوته قوله ( قشبنى ريحها وأحرقنى ذكاؤها ) أما قشبنى فبقاف مفتوحة ثم شين معجمة مخففة مفتوحة ومعناه سمنى وآذانى وأهلكنى كذا قاله الجماهير من أهل اللغة والغريب وقال الداودى معناه غير جلدى وصورتى وأما ذكاؤها فكذا وقع في جميع روايات الحديث ذكاؤها بالمد وهو بفتح الذال المعجمة ومعناه لهبها واشتعالها وشدة وهجها والأشهر في اللغة ذكاها مقصور وذكر جماعات أن المد والقصر لغتان يقال ذكت النار تذكو ذكا اذا اشتعلت وأذكيتها أنا والله أعلم قوله عز وجل ( هل عسبت ) هو بفتح التاء على الخطاب ويقال بفتح السين وكسرها لغتان وقرئ بهما في السبع قرأ نافع بالكسر والباقون بالفتح وهو الافصح الاشهر في اللغة قال بن السكيت ولا ينطق في عسيت بمستقبل قوله صلى الله عليه وسلم ( فاذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الخير ) أما الخير فبالخاء المعجمة والياء المثناة تحت هذا هو الصحيح المعروف في الروايات والاصول وحكى القاضي عياض رحمه الله أن بعض الرواة في مسلم رواه الحبر بفتح الحاء المهملة واسكان الباء الموحدة ومعناه السرور قال صاحب المطالع كلاهما صحيح قال والثاني أظهر ورواه البخارى الحبرة والسرور والحبرة المسرة وأما انفهقت فبفتح الفاء والهاء والقاف ومعناه انفتحت واتسعت قوله فلا يزال يدعو الله تعالى حتى يضحك الله تعالى منه قال العلماء ضحك الله تعالى منه هو رضاه بفعل عبده ومحبته اياه واظهار نعمته عليه وايجابها عليه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فيسأل ربه ويتمنى حتى ان الله تعالى ليذكره من كذا وكذا ) معناه يقول له تمن من الشئ الفلانى ومن الشئ الآخر يسمى له أجناس ما يتمنى وهذا من عظيم رحمته سبحانه وتعالى قوله في رواية أبى هريرة ( لك ذلك ومثله معه ) وفي رواية أبى سعيد وعشرة أمثاله قال العلماء وجه الجمع بينهما أن النبى صلى الله عليه وسلم أعلم أولا بما في حديث أبى هريرة ثم تكرم الله تعالى فزاد 183 ما في رواية أبى سعيد فأخبر به النبى صلى الله عليه وسلم ولم يسمعه أبو هريرة قوله صلى الله عليه وسلم ( ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة الا كما تضارون في رؤية أحدهما ) معناه لا تضارون أصلا كما لا تضارون في رؤيتهما أصلا قوله صلى الله عليه وسلم ( حتى اذا لم يبق الا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب ) أما البر فهو المطيع وأما غبر فبضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة المشددة ومعناه بقاياهم جمع غابر قوله صلى الله عليه وسلم ( فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا ) أما السراب فهو الذى يتراءى للناس في الأرض القفر والقاع المستوى وسط النهار في الحر الشديد لامعا مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا فالكفار يأتون جهنم أعاذنا الله الكريم وسائر المسلمين منها ومن كل مكروه وهم عطاش فيحسبونها ماء فيتساقطون فيها وأما يحطم بعضها بعضا فمعناه لشدة اتقادها وتلاطم أمواج لهبها والحطم الكسر والاهلاك والحطمة اسم من أسماء النار لكونها تحطم ما يلقى فيها قوله صلى الله عليه وسلم ( أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التى رأوه فيها ) معنى رأوه فيها علموها له وهى صفته المعلومة للمؤمنين وهى أنه لا يشبهه شيء وقد تقدم معنى الاتيان والصورة والله أعلم قوله ( قالوا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا اليهم ولم نصاحبهم ) معنى قولهم التضرع إلى الله تعالى في كشف هذه الشدة عنهم وأنهم لزموا طاعته سبحانه وتعالى وفارقوا في الدنيا الناس الذين زاغوا عن طاعته سبحانه من قراباتهم وغيرهم ممن كانوا يحتاجون في معايشهم ومصالح دنياهم إلى معاشرتهم للارتفاق بهم وهذا كما جرى للصحابة المهاجرين وغيرهم ومن أشبههم من المؤمنين في جميع الازمان فانهم يقاطعون من حاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مع حاجتهم في معايشهم إلى الارتفاق بهم والاعتضاد بمخالطتهم فآثروا رضى الله تعالى على ذلك وهذا معنى ظاهر في هذا الحديث لا شك في حسنه وقد أنكر القاضي عياض رحمه الله هذا الكلام الواقع في صحيح مسلم وادعى أنه مغير وليس كما قال بل الصواب ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم ( حتى ان بعضهم ليكاد أن ينقلب ) هكذا هو في الاصول ليكاد أن ينقلب باثبات أن واثباتها مع كاد لغة كما أن حذفها مع عسى لغة وينقلب بياء مثناة من تحت ثم نون ثم قاف ثم لام ثم باء موحدة ومعناه والله أعلم ينقلب عن الصواب ويرجع عنه للامتحان الشديد الذى جرى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فيكشف عن ساق ) ضبط يكشف بفتح الياء وضمها وهما صحيحان وفسر بن عباس وجمهور أهل اللغة وغريب الحديث الساق هنا بالشدة أى يكشف عن شدة وأمر مهول وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر ولهذا يقولون قامت الحرب على ساق وأصله أن الانسان اذا وقع في أمر شديد شمر ساعده وكشف عن ساقه للاهتمام به قال القاضي عياض رحمه الله وقيل المراد بالساق هنا نور عظيم وورد ذلك في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بن فورك ومعنى ذلك ما يتجدد للمؤمنين عند رؤية الله تعالى من الفوائد والالطاف قال القاضي عياض وقيل قد يكون الساق علامة بينه وبين المؤمنين من ظهور جماعة من الملائكة على خلقة عظيمة لانه يقال ساق من الناس كما يقال رجل من جراد وقيل قد يكون ساق مخلوقا جعله الله تعالى علامة للمؤمنين خارجة عن السوق المعتادة وقيل معناه كشف الخوف وازالة الرعب عنهم وما كان غلب على قلوبهم من الاهوال فتطمئن حينئذ نفوسهم عند ذلك ويتجلى لهم فيخرون سجدا قال الخطابي رحمه الله وهذه الرؤية التى في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التى في الجنة لكرامة أولياء الله تعالى وانما هذه للامتحان والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ولا يبقى من كان يسجد لله تعالى من تلقاء نفسه الا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء الا جعل الله ظهره طبقة واحدة هذا السجود امتحان من الله تعالى لعباده وقد استدل بعض العلماء بهذا مع قوله تعالى ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون على جواز تكليف ما لا يطاق وهذا استدلال باطل فان الآخرة ليست دار تكليف بالسجود وانما المراد امتحانهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم طبقة فبفتح الطاء والباء قال الهروى وغيره الطبق فقار الظهر أى صار فقارة واحدة كالصحيفة فلا يقدر على السجود والله أعلم ثم اعلم أن هذا الحديث قد يتوهم منه أن المنافقين يرون الله تعالى مع المؤمنين وقد ذهب إلى ذلك طائفة حكاه بن فورك لقوله صلى الله عليه وسلم وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تعالى وهذا الذى قالوه باطل بل لا يراه المنافقون باجماع من يعتد به من علماء المسلمين وليس في هذا الحديث تصريح برؤيتهم الله تعالى وانما فيه أن الجمع الذى فيه المؤمنون والمنافقون يرون الصورة ثم بعد ذلك يرون الله تعالى وهذا لا يقتضى أن يراه جميعهم وقد قامت دلائل الكتاب والسنة على أن المنافق لا يراه سبحانه وتعالى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( يرفعون رؤسهم وقد تحول في صورته ) هكذا ضبطناه صورته بالهاء في آخرها ووقع في أكثر الاصول أو كثير منها في صورة بغير هاء وكذا هو في الجمع بين الصحيحين للحميدي والاول أظهر وهو الموجود في الجمع بين الصحيحين للحافظ عبد الحق ومعناه وقد أزال المانع لهم من رؤيته وتجلى لهم قوله صلى الله عليه وسلم ( ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ) الجسر بفتح الجيم وكسرها لغتان مشهورتان وهو الصراط ومعنى تحل الشفاعة بكسر الحاء وقيل بضمها أى تقع ويؤذن فيها قوله ( قيل يا رسول الله وما الجسر قال دحض مزلة ) هو بتنوين دحض وداله مفتوحة والحاء ساكنة ومزلة بفتح الميم وفي الزاى لغتان مشهورتان الفتح والكسر والدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل فيه الاقدام ولا تستقر ومنه دحضت الشمس أى مالت وحجة داحضة لاثبات لها قوله صلى الله عليه وسلم ( فيه خطاطيف وكلاليب وحسك ) أما الخطاطيف فجمع خطاف بضم الخاء في المفرد والكلاليب بمعناه وقد تقدم بيانهما واما الحسك فبفتح الحاء والسين المهملتين وهو شوك صلب من حديد قوله صلى الله عليه وسلم ( فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم ) معناه أنهم ثلاثة أقسام قسم يسلم فلا يناله شئ أصلا وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص وقسم يكردس ويلقى فيسقط في جهنم وأما مكدوس فهو بالسين المهملة هكذا هو في الاصول وكذا نقله القاضي عياض رحمه الله عن أكثر الرواة قال ورواه العذري بالشين المعجمة ومعناه بالمعجمة السوق وبالمهملة كون الاشياء بعضها على بعض ومنه تكدست الدواب في سيرها اذا ركب بعضها بعضا قوله صلى الله عليه وسلم ( فوالذي نفسى بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة في استقصاء الحق من المؤمنين لله تعالى يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار ) اعلم أن هذه اللفظة ضبطت على أوجه أحدها استيضاء بتاء مثناة من فوق ثم ياء مثناة من تحت ثم ضاد معجمة والثاني استضاء بحذف المثناة من تحت والثالث استيفاء باثبات المثناة من تحت وبالفاء بدل الضاد والرابع استقصاء بمثناة من فوق ثم قاف ثم صاد مهملة فالاول موجود في كثير من الاصول ببلادنا والثاني هو الموجود في أكثرها وهو الموجود في الجمع بين الصحيحين للحميدى والثالث في بعضها وهو الموجود في الجمع بين الصحيحين لعبد الحق الحافظ والرابع في بعضها ولم يذكر القاضي عياض غيره وادعى اتفاق الرواة وجميع النسخ عليه وادعى أنه تصحيف ووهم وفيه تغيير وأن صوابه ما وقع في كتاب البخاري من رواية بن بكير بأشد مناشدة في استقصاء الحق يعنى في الدنيا من المؤمنين لله يوم القيامة لاخوانهم وبه يتم الكلام ويتوجه هذا آخر كلام القاضي رحمه الله وليس الامر على ما قاله بل جميع الروايات التى ذكرناها صحيحة لكل منها معنى حسن وقد جاء في رواية يحيى بن بكير عن الليث فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار تعالى وتقدس اذا رأوا أنهم قد نجوا في اخوانهم وهذه الرواية التى ذكرها الليث توضح المعنى فمعنى الرواية الاولى والثانية انكم اذا عرض لكم في الدنيا أمر مهم والتبس الحال فيه وسألتم الله تعالى بيانه وناشدتموه في استيضائه وبالغتم فيها لا تكون مناشدة أحدكم مناشدة بأشد من مناشدة المؤمنين لله تعالى في الشفاعة لاخوانهم وأما الرواية الثالثة والرابعة فمعناهما أيضا ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقه أو استقصائه وتحصيله من خصمه والمتعدى عليه بأشد من مناشدة المؤمنين الله تعالى في الشفاعة لاخوانهم يوم القيامة والله أعلم قوله سبحانه وتعالى ( من وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير ونصف مثقال من خير ومثقال ذرة ) قال القاضي عياض رحمه الله قيل معنى الخير هنا اليقين قال والصحيح أن معناه شئ زائد على مجرد الايمان لأن مجرد الايمان الذي هو التصديق لا يتجزأ وانما يكون هذا التجزؤ لشئ زائد عليه من عمل صالح أو ذكر خفي أو عمل من أعمال القلب من شفقة على مسكين أو خوف من الله تعالى ونية صادقة ويدل عليه قوله في الرواية الاخرى في الكتاب يخرج من النار من قال لا اله الا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن كذا ومثله الرواية الأخرى يقول الله تعالى شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق الا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط وفي الحديث الآخر لأخرجن من قال لا اله الا الله قال القاضي رحمه الله فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الايمان وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم وانما دلت الآثار على أنه أذن لمن عنده شئ زائد على مجرد الايمان وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين صلوات الله وسلامه عليهم دليلا عليه وتفرد الله عز وجل بعلم ما تكنه القلوب والرحمة لمن ليس عنده الا مجرد الايمان وضرب بمثقال الذرة المثل لأقل الخير فانها أقل المقادير قال القاضي وقوله تعالى من كان في قلبه ذرة وكذا دليل على أنه لا ينفع من العمل الا ما حضر له القلب وصحبته نية وفيه دليل على زيادة الايمان ونقصانه وهو مذهب أهل السنة هذا آخر كلام القاضي رحمه الله والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا ) هكذا هو خيرا باسكان الياء أى صاحب خير قوله سبحانه وتعالى ( شفعت الملائكة ) هو بفتح الفاء وانما ذكرته وان كان ظاهرا لأنى رأيت من يصحفه ولا خلاف فيه يقال شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع والمشفع بكسر الفاء الذى يقبل الشفاعة والمشفع بفتحها الذى تقبل شفاعته قوله صلى الله عليه وسلم ( فيقبض قبضة من النار ) معناه يجمع جماعة قوله صلى الله عليه وسلم ( فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ) معنى عادوا صاروا وليس بلازم في عاد أن يصير إلى حالة كان عليه قبل ذلك بل معناه صار وأما الحمم فبضم الحاء وفتح الميم الأولى المخففة وهو الفحم الواحدة حممة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة ) أما النهر ففيه لغتان معروفتان فتح الهاء وإسكانها والفتح أجود وبه جاء القرآن العزيز وأما الأفواه فجمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة وهو جمع سمع من العرب على غير قياس وأفواه الأزقة والانهار أوائلها قال صاحب المطالع كأن المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها قوله صلى الله عليه وسلم ( ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض ) أما يكون في الموضعين الأولين فتامة ليس لها خبر معناها ما يقع وأصيفر وأخيضر مرفوعان وأما يكون أبيض فيكون فيه ناقصة وأبيض منصوب وهو خبرها قوله صلى الله عليه وسلم ( فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم ) أما اللؤلؤ فمعروف وفيه أربع قراءات في السبع بهمزتين في أوله وآخره وبحذفهما وباثبات الهمزة في أوله دون آخره وعكسه وأما الخواتم فجمع خاتم بفتح التاء وكسرها ويقال أيضا خيتام وخاتام قال صاحب التحرير المراد بالخواتم هنا أشياء من ذهب أو غير ذلك تعلق في أعناقهم علامة يعرفون بها قال معناه تشبيه صفائهم وتلألئهم باللؤلؤ والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله ) أى يقولون هؤلاء عتقاء الله قوله ( قرأت على عيسى بن حماد زغبة ) هو بضم الزاى واسكان الغين المعجمة وبعدها باء موحدة وهو لقب لحماد والد عيسى ذكره أبو على الغسانى الجياني قوله ( وزاد بعد قوله بغير عمل عملوه ولا قدم قدموه ) هذا مما قد يسأل عنه فيقال لم يتقدم في الرواية الأولى ذكره القدم وانما تقدم ولا خير قدموه واذا كان كذلك لم يكن لمسلم أن يقول زاد بعد قوله ولا قدم اذ لم يجر للقدم ذكر وجوابه أن هذه الرواية التى فيها الزيادة وقع فيها ولا قدم بدل قوله في الأولى خير ووقع فيها الزيادة فأراد مسلم رحمه الله بيان الزيادة ولم يمكنه أن يقول زاد بعد قوله ولا خير قدموه اذ لم يجر له ذكر في هذه الرواية فقال زاد بعد قوله ولا قدم قدموه أى زاد بعد قوله في روايته ولا قدم قدموه واعلم أيها المخاطب أن هذا لفظه في روايته وأن زيادته بعد هذا والله أعلم والقدم هنا بفتح القاف والدال ومعناه الخير كما في الرواية الأخرى والله أعلم قوله ( وليس في حديث الليث فيقولون ربنا أعطيتنا مالم تعط أحدا من العالمين وما بعده فاقربه عيسى بن حماد أما قوله وما بعده فمعطوف على فيقولون ربنا أي ليس فيه فيقولون ربنا ولا ما بعده وأما قوله فأقربه عيسى فمعناه أقر بقول له أولا أخبركم الليث بن سعد إلى آخره والله أعلم قوله وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا جعفر بن عون حدثنا هشام بن سعد حدثنا زيد بن أسلم باسنادهما نحو حديث حفص بن ميسرة ) فقوله باسنادهما يعنى باسناد حفص بن ميسرة واسناد سعيد بن أبي هلال الراويين في الطريقين المتقدمين عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه ومراد مسلم رحمه الله أن زيد بن أسلم رواه عن عطاء عن أبي سعيد الخدرى ورواه عن زيد بهذا الاسناد ثلاثة من أصحابه حفص بن ميسرة وسعيد بن أبي هلال وهشام بن سعد فأما روايتا حفص وسعيد فتقدمتا مبينتين في الكتاب وأما رواية هشام فهي من حيث الاسناد باسنادهما ومن حديث المتن نحو حديث حفص والله عز وجل أعلم
1 ( باب اثبات الشفاعة واخراج الموحدين من النار )
قال القاضي عياض رحمه الله مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها سمعا بصريح قوله تعالى يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا وقوله ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وأمثالهما وبخبر الصادق صلى الله عليه وسلم وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين وأجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار واحتجوا بقوله تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين وبقوله تعالى ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع وهذه الآيات في الكفار وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل وألفاظ الأحاديث في الكتاب وغيره صريحة في بطلان مذهبهم واخراج من استوجب النار لكن الشفاعة خمسة أقسام أولها مختصة بنبينا صلى الله عليه سلم وهي الاراحة من هول الموقف وتعجيل الحساب كما سيأتي بيانها الثانية في ادخال قوم الجنة بغير حساب وهذه وردت أيضا لنبينا صلى الله عليه وسلم وقد ذكرها مسلم رحمه الله الثالثة الشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم ومن شاء الله تعالى وسننبه على موضعها قريبا ان شاء الله تعالى الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فقد جاءت هذه الاحاديث باخراجهم من النار بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم والملائكة واخوانهم من المؤمنين ثم يخرج الله تعالى كل من قال لا اله الا الله كما جاء في الحديث لا يبقى فيها الا الكافرون الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لاهلها وهذه لا ينكرها المعتزلة ولا ينكرون أيضا شفاعة الحشر الاول قال القاضي عياض وقد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح رضى الله عنهم شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم ورغبتهم فيها وعلى هذا لا يلتفت إلى قول من قال انه يكره أن يسأل الانسان الله تعالى أن يرزقه شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم لكونها لا تكون الا للمذنبين فانها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتد بعمله مشفق من أن يكون من الهالكين ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة لأنها لاصحاب الذنوب وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف هذا آخر كلام القاضي رحمه الله والله أعلم 184 قوله صلى الله عليه وسلم ( فيخرجون منها حمما قد امتحشوا فيلقون في نهر الحياة أو الحيا فينبتون فيه كما تنبت الحبة ) أما الحمم فتقدم بيانه في الباب السابق وهو بضم الحاء وفتح الميم المخففة وهو الفحم وقد تقدم فيه بيان الحبة والنهر وبيان امتحشوا وأنه بفتح التاء على المختار وقيل بضمها ومعناه احترقوا وقوله الحياة أو الحيا هكذا وقع هنا وفي البخارى من رواية مالك وقد صرح البخارى في أول صحيحه بأن هذا الشك من مالك وروايات غيره الحياة بالتاء من غير شك ثم ان الحيا هنا مقصور وهو المطر سمى حيا لانه تحيا به الأرض ولذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء المحترقون وتحدث فيهم النضارة كما يحدث ذلك المطر في الأرض والله أعلم قوله ( كما تنبت الغثاء ) هو بضم الغين المعجمة وبالثاء المثلثة المخففة وبالمد وآخره هاء وهو كل ما جاء به السيل وقيل المراد ما احتمله السيل من البذور وجاء في غير مسلم كما تنبت الحبة في غثاء السيل بحذف الهاء من آخره وهو ما احتمله السيل من الزبد والعيدان ونحوهما من الاقذاء والله أعلم قوله ( وفي حديث وهيب كما تنبت الحبة في حمئة أو حميلة السيل ) أما الاول فهو حمئة بفتح الحاء وكسر الميم وبعدها همزة وهي الطين الاسود الذى يكون في أطراف النهر وأما الثاني فهو حميلة وهي واحدة الحميل المذكور في الروايات الأخر بمعنى المحمول وهو الغثاء الذى يحتمله السيل والله أعلم 185 قوله صلى الله عليه وسلم ( أهل النار الذين هم أهلها فانهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم اماتة حتى اذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجئ بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل ) هكذا وقع في معظم النسخ أهل النار وفي بعضها أما أهل النار بزيادة أما وهذا أوضح والأول صحيح وتكون الفاء في فإنهم زائدة وهو جائز وقوله ( فأماتهم ) أى أماتهم اماتة وحذف للعلم به وفي بعض النسخ فأماتتهم بتاءين أى أماتتهم النار وأما معنى الحديث فالظاهر والله أعلم من معنى هذا الحديث أن الكفار الذين هم أهل النار والمستحقون للخلود لا يموتون فيها ولا يحيون حياة ينتفعون بها ويستريحون معها كما قال الله تعالى لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها وكما قال تعالى ثم لا يموت فيها ولا يحيى وهذا جار على مذهب أهل الحق أن نعيم أهل الجنة دائم وأن عذاب أهل الخلود في النار دائم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ولكن ناس أصابتهم النار إلى آخره فمعناه أن المذنبين من المؤمنين يميتهم الله تعالى اماتة بعد أن يعذبوا المدة التى أرادها الله تعالى وهذه الاماتة اماتة حقيقية يذهب معها الاحساس ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم ثم يميتهم ثم يكونون محبوسين في النار من غير احساس المدة التى قدرها الله تعالى ثم يخرجون من النار موتى قد صاروا فحما فيحملون ضبائر كما تحمل الأمتعة ويلقون على أنهار الجنة فيصب عليهم ماء الحياة فيحيون وينبتون نبات الحبة في حميل السيل في سرعة نباتها وضعفها فتخرج لضعفها صفراء ملتوية ثم تشتد قوتهم بعد ذلك ويصيرون إلى منازلهم وتكمل أحوالهم فهذا هو الظاهر من لفظ الحديث ومعناه وحكى القاضي عياض رحمه الله فيه وجهين أحدهما أنها اماتة حقيقية والثاني ليس بموت حقيقي ولكن تغيب عنهم احساسهم بالآلام قال ويجوز أن تكون آلامهم أخف فهذا كلام القاضي والمختار ما قدمناه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ضبائر ضبائر فكذا هو في الروايات والأصول ضبائر ضبائر مكرر مرتين وهو منصوب على الحال وهو بفتح الضاد المعجمة وهو جمع ضبارة بفتح الضاد وكسرها لغتان حكاهما القاضي عياض وصاحب المطالع وغيرهما أشهرهما الكسر ولم يذكر الهروى وغيره الا الكسر ويقال فيها أيضا اضبارة بكسر الهمزة قال أهل اللغة الضبائر جماعات في تفرقة وروى ضبارات ضبارات وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( فبثوا ) فهو بالباء الموحدة المضمومة بعدها ثاء مثلثة ومعناه فرقوا والله أعلم قوله ( عن أبي مسلمة قال سمعت أبا نضرة عن أبى سعيد الخدرى ) أما أبو سعيد فاسمعه سعد بن مالك بن سنان وأما أبو نضرة فاسمه المنذر بن مالك بن قطعة بكسر القاف وأما أبو مسلمة فبفتح الميم واسكان السين واسمه سعيد بن يزيد الازدى البصرى والله أعلم 186 قوله ( حدثنا عثمان بن أبي شيبة واسحاق بن إبراهيم الحنظلى كليهما ) هكذا وقع في معظم الأصول كليهما بالياء ووقع في بعضها كلاهما بالألف مصلحا وقد قدمت في الفصول التى في أول الكتاب بيان جوازه بالياء قوله ( عن عبيدة ) هو بفتح العين وهو عبيدة السلماني قوله صلى الله عليه وسلم ( رجل يخرج من النار حبوا ) وفي الرواية الاخرى زحفا قال أهل اللغة الحبو المشى على اليدين والرجلين وربما قالوا على اليدين والركبتين وربما قالوا على يديه ومقعدته وأما الزحف فقال بن دريد وغيره هو المشى على الاست مع افراشه بصدره فحصل من هذا أن الحبو والزحف متماثلان أو متقاربان ولو ثبت اختلافهما حمل على أنه في حال يزحف وفي حال يحبو والله أعلم قوله ( أتسخر بي أو أتضحك بي وأنت الملك ) هذا شك من الراوى هل قال أتسخر بي أو قال أتضحك بي فان كان الواقع في نفس الأمر أتضحك بي فمعناه أتسخر بي لان الساخر في العادة يضحك ممن يسخر به فوضع الضحك موضع السخرية مجازا وأما معنى أتسخر بي هنا ففيه أقوال أحدها قاله المازرى أنه خرج على المقابلة الموجودة في معنى الحديث دون لفظه لانه عاهد الله مرارا ألا يسأله غير ما سأل ثم غدر فحل غدره محل الاستهزاء والسخرية فقدر الرجل أن قول الله تعالى له ادخل الجنة وتردده اليها وتخييل كونها مملوءة ضرب من الاطماع له والسخرية به جزاء لما تقدم من غدره وعقوبة له فسمى الجزاء على السخرية سخرية فقال أتسخر بي أي تعاقبني بالأطماع والقول الثاني قاله أبو بكر الصوفي ان معناه نفي السخرية التى لا تجوز على الله تعالى كأنه قال أعلم أنك لا تهزأ بي لانك رب العالمين وما أعطيتنى من جزيل العطاء وأضعاف مثل الدنيا حق ولكن العجب أنك أعطيتنى هذا وأنا غير أهل له قال والهمزة في أتسخر بي همزة نفي قال وهذا كلام منبسط متدلل والقول الثالث قاله القاضي عياض أن يكون هذا الكلام صدر من هذا الرجل وهو غير ضابط لما قاله لما ناله من السرور ببلوغ مالم يخطر بباله فلم يضبط لسانه دهشا وفرحا فقاله وهو لا يعتقد حقيقة معناه وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق وهذا كما قال النبى صلى الله عليه وسلم في الرجل الآخر أنه لم يضبط نفسه من الفرح فقال أنت عبدى وأنا ربك والله أعلم واعلم أنه وقع في الروايات أتسخر بي وهو صحيح يقال سخرت منه وسخرت به والاول هو الأفصح الأشهر وبه جاء القرآن والثاني فصيح أيضا وقد قال بعض العلماء أنه انما جاء بالباء لارادة معناه كأنه قال أتهزأ بي والله أعلم قوله ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ) هو بالجيم والذال المعجمة قال أبو العباس ثعلب وجماهير العلماء من أهل اللغة وغريب الحديث وغيرهم المراد بالنواجذ هنا الانياب وقيل المراد هنا الضواحك وقيل المراد بها الاضراس وهذا هو الاشهر في اطلاق النواجذ في اللغة ولكن الصواب عند الجماهير ما قدمناه وفي هذا جواز الضحك وأنه ليس بمكروه في بعض المواطن ولا بمسقط للمروءة اذا لم يجاوز به الحد المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فيقول الله تعالى له اذهب فادخل الجنة فان لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها ) وفي الرواية الاخرى ( لك الذى تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا ) هاتان الروايتان بمعنى واحد واحداهما تفسير الاخرى فالمراد بالاضعاف الامثال فان المختار عند أهل اللغة أن الضعف المثل وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الاخرى في الكتاب ( فيقول الله تعالى أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها ) وفي الرواية الاخرى ( أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت رب فيقول هذا لك وعشرة أمثاله ) فهاتان الروايتان لا تخالفان الأوليين فان المراد بالاولى من هاتين أن يقال له أولا لك الدنيا ومثلها ثم يزاد إلى تمام عشرة أمثالها كما بينه في الرواية الاخيرة وأما الاخيرة فالمراد بها أن أحد ملوك الدنيا لا ينتهى ملكه إلى جميع الأرض بل يملك بعضا منها ثم منهم من يكثر البعض الذى يملكه ومنهم من يقل بعضه فيعطى هذا الرجل مثل أحد ملوك الدنيا خمس مرات وذلك كله قدر الدنيا كلها ثم يقال له لك عشرة أمثال هذا فيعود معنى هذه الرواية إلى موافقة الروايات المتقدمة ولله الحمد وهو أعلم 187 قوله صلى الله عليه وسلم ( آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة ) أما يكبو فمعناه يسقط على وجهه وأما تسفعه فهو بفتح التاء واسكان السين المهملة وفتح الفاء ومعناه تضرب وجهه وتسوده وتؤثر فيه أثرا قوله صلى الله عليه وسلم ( لانه يرى مالا صبر له عليه ) كذا هو في الاصول في المرتين الاولتين وأما الثالثة فوقع في أكثر الاصول مالا صبر له عليها وفي بعضها عليه وكلاهما صحيح ومعنى عليها أى نعمة لا صبر له عليها أى عنها قوله عز وجل يا بن آدم مايصرينى منك هو بفتح الياء واسكان الصاد المهملة ومعناه يقطع مسئلتك منى قال أهل اللغة الصرى بفتح الصاد واسكان الراء هو القطع وروى في غير مسلم ما يصريك منى قال إبراهيم الحربي هو الصواب وأنكر الرواية التى في صحيح مسلم وغيره ما يصرينى منك وليس هو كما قال بل كلاهما صحيح فان السائل متى انقطع من المسؤل انقطع المسؤل منه والمعنى أى شئ يرضيك ويقطع السؤال بينى وبينك والله أعلم قوله ( قالوا مم تضحك يارسول الله قال من ضحك رب العالمين ) قد قدمنا معنى الضحك من الله تعالى وهو الرضى والرحمة وارادة الخير لمن يشاء رحمته من عباده والله أعلم 188 قوله ( عن النعمان بن أبي عياش ) هو بالشين المعجمة وهو أبو عياش الزرقى الأنصاري الصحابي المعروف في اسمه خلاف مشهور قيل زيد بن الصامت وقيل زيد بن النعمان وقيل عبيد وقيل عبد الرحمن قوله صلى الله عليه وسلم ( فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين فتقولان الحمد لله الذى أحياك لنا وأحيانا لك ) هكذا ثبت في الروايات والاصول زوجتاه بالتاء تثنية زوجة بالهاء وهي لغة صحيحة معروفة وفيها أبيات كثيرة من شعر العرب وذكرها بن السكيت وجماعات من أهل اللغة وقوله صلى الله عليه وسلم ( فتقولان ) هو بالتاء المثناه من فوق وانما ضبطت هذا وان كان ظاهرا لكونه مما يغلط فيه بعض من لا يميز فيقوله بالمثناه من تحت وذلك لحن لا شك فيه قال الله تعالى إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وقال تعالى و ووجد من دونهم امرأتين تذودان وقال الله تعالى إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا وقال تعالى فيهما عينان تجريان وأما قولهما الحمد لله الذى أحياك لنا وأحيانا لك فمعناه الذى خلقك لنا وخلقنا لك وجمع بيننا في هذه الدار الدائمة السرور والله أعلم 189 قوله ( حدثنا سعيد بن عمرو الاشعثى ) هو بالثاء المثلثة بعد العين المهملة منسوب إلى جده الاشعث وقد تقدم بيانه قوله ( عن بن أبجر ) هو بفتح الهمزة واسكان الباء الموحدة وفتح الجيم واسمه عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر وهو تابعى سمع أبا الطفيل عامر بن واثلة وقد سماه مسلم في الطريق الثاني فقال عبد الملك بن سعيد قوله ( عن مطرف وبن أبجر عن الشعبى قال سمعت المغيرة بن شعبة رواية ان شاء الله تعالى ) وفي الرواية الاخرى ( سمعته على المنبر يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وفي الرواية الاخرى ( عن سفيان عن مطرف وبن أبجر عن الشعبى عن المغيرة قال سفيان رفعه أحدهما أراه بن أبجر قال سأل موسى صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه وتعالى ما أدنى أهل الجنة منزلة ) اعلم أنه قد تقدم في الفصول التى في أول الكتاب أن قولهم رواية أو يرفعه أو ينميه أو يبلغ به كلها ألفاظ موضوعة عند أهل العلم لاضافة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا خلاف في ذلك بين أهل العلم فقوله رواية معناه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بينه هنا في الرواية الثانية وأما قوله رواية ان شاء الله فلا يضره هذا الشك والاستثناء لانه جزم به في الروايات الباقية وأما قوله في الرواية الاخيرة رفعه أحدهما فمعناه أن أحدهما رفعه وأضافه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر وقفه على المغيرة فقال عن المغيرة قال سأل موسى صلى الله عليه وسلم والضمير في أحدهما يعود على مطرف وبن أبجر شيخى سفيان فقال أحدهما عن الشعبى عن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سأل موسى صلى الله عليه وسلم وقال الآخر عن الشعبي عن المغيرة قال سأل موسى ثم انه يحصل من هذا أن الحديث روى مرفوعا وموقوفا وقد قدمنا في الفصول المتقدمة في أول الكتاب أن المذهب الصحيح المختار الذى عليه الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين أن الحديث اذا روى متصلا وروى مرسلا وروى مرفوعا وروى موقوفا فالحكم للموصول والمرفوع لانها زيادة ثقة وهي مقبولة عند الجماهير من أصحاب فنون العلوم فلا يقدح اختلافهم ها هنا في رفع الحديث ووقفه لاسيما وقد رواه الاكثرون مرفوعا والله أعلم وأما قول موسى صلى الله عليه وسلم ( ما أدنى أهل الجنة ) كذا هو في الأصول ما أدنى وهو صحيح ومعناه ما صفة أو ما علامة أدنى أهل الجنة وقد تقدم أن المغيرة يقال بضم الميم وكسرها لغتان والضم أشهر والله أعلم قوله ( كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم ) هو بفتح الهمزة والخاء قال القاضي هو ما أخذوه من كرامة مولاهم وحصلوه أو يكون معناه قصدوا منازلهم قال وذكره ثعلب بكسر الهمزة قوله صلى الله عليه وسلم ( فاعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر قال ومصداقه في كتاب الله تعالى ) أما أردت فبضم التاء ومعناه اخترت واصطفيت وأما غرست كرامتهم بيدي إلى آخره فمعناه اصطفيتهم وتوليتهم فلا يتطرق إلى كرامتهم تغيير وفي آخر الكلام حذف اختصر للعلم به تقديره ولم يخطر على قلب بشر ما أكرمتهم به وأعددته لهم وقوله ومصداقه هو بكسر الميم ومعناه دليله وما يصدقه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ان موسى صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى عن أخس أهل الجنة ) هكذا ضبطناه بالخاء المعجمة وبعدها السين المشددة وهكذا رواه جميع الرواة ومعناه أدناهم كما تقدم في الرواية الاخرى 190 قوله ( عن المعرور بن سويد ) هو بالعين المهملة والراء المكررة 191 قوله ( عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضى الله عنهما يسأل عن الورود فقال نجئ نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أى ذلك فوق الناس قال فتدعى الامم بأوثانها إلى آخره ) هكذا وقع هذا اللفظ في جميع الاصول من صحيح مسلم واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيف وتغيير واختلاط في اللفظ قال الحافظ عبد الحق في كتابه الجمع بين الصحيحين هذا الذى وقع في كتاب مسلم تخليط من أحد الناسخين أو كيف كان وقال القاضي عياض هذه صورة الحديث في جميع النسخ وفيه تغيير كثير وتصحيف قال وصوابه نجئ يوم القيامة على كوم هكذا رواه بعض أهل الحديث وفي كتاب بن أبي خيثمة من طريق كعب بن مالك يحشر الناس يوم القيامة على تل وأمتي على تل وذكر الطبري في التفسير من حديث بن عمر فيرقى هو يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته على كوم فوق الناس وذكر من حديث كعب بن مالك يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتى على تل قال القاضي فهذا كله يبين ما تغير من الحديث وأنه كان أظلم هذا الحرف على الراوى أو امحى فعبر عنه بكذا وكذا وفسره بقوله أى فوق الناس وكتب عليه انظر تنبيها فجمع النقلة الكل ونسقوه على أنه من متن الحديث كما تراه هذا كلام القاضي وقد تابعه عليه جماعة من المتأخرين والله أعلم قال القاضي ثم ان هذا الحديث جاء كله من كلام جابر موقوفا عليه وليس هذا من شرط مسلم اذ ليس فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وانما ذكره مسلم وأدخله في المسند لأنه روى مسندا من غير هذا الطريق فذكر بن أبي خيثمة عن بن جريج يرفعه بعد قوله يضحك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فينطلق بهم وقد نبه على هذا مسلم بعد هذا في حديث بن أبي شيبة وغيره في الشفاعة واخراج من يخرج من النار وذكر اسناده وسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى بعض ما في هذا الحديث والله أعلم وأما قوله ( فيتجلى لهم يضحك فينطلق بهم ويتبعونه ) فتقدم بيانهما في أوائل الكتاب وكذلك تقدم قريبا معنى الضحك وأما التجلى فهو الظهور وازالة المانع من الرؤية ومعنى يتجلى يضحك أى يظهر وهو راض عنهم قوله ( ثم يطفأ نور المنافقين ) روى بفتح الياء وضمها وهما صحيحان معناهما ظاهر قوله ( ثم ينجو المؤمنون ) هكذا هو في كثير من الاصول وفي أكثرها المؤمنين بالياء قوله ( أول زمرة ) أى جماعة قوله ( حتى ينبتوا نبات الشئ في السيل ويذهب حراقه ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها ) هكذا هو في جميع الاصول ببلادنا نبات الشئ وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين وعن بعض رواة مسلم نبات الدمن يعنى بكسر الدال واسكان الميم وهذه الرواية هي الموجودة في الجمع بين الصحيحين لعبد الحق وكلاهما صحيح لكن الاول هو المشهور الظاهر وهو بمعنى الروايات السابقة نبات الحبة في حميل السيل وأما نبات الدمن فمعناها أيضا كذلك فان الدمن البعر والتقدير نبات ذى الدمن في السيل أى كما ينبت الشئ الحاصل في البعر والغثاء الموجود في أطراف النهر والمراد التشبيه به في السرعة والنضارة وقد أشار صاحب المطالع إلى تصحيح هذه الرواية ولكن لم ينقح الكلام في تحقيقها بل قال عندى انها رواية صحيحة ومعناه سرعة نبات الدمن مع ضعف ما ينبت فيه وحسن منظره والله أعلم وأما قوله ( ويذهب حراقه ) فهو بضم الحاء المهملة وتخفيف الراء والضمير في حراقه يعود على المخرج من النار وعليه يعود الضمير في قوله ثم يسأل ومعنى حراقه أثر النار والله أعلم قوله ( حدثنى يزيد الفقير ) هو يزيد بن صهيب الكوفي ثم المكي أبو عثمان قيل له الفقير لانه أصيب في فقار ظهره فكان يألم منه حتى ينحنى له قوله صلى الله عليه وسلم ( ان قوما يخرجون من النار يحترقون فيها الا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة ) هكذا هو في الأصول حتى يدخلون بالنون وهو صحيح وهي لغة سبق بيانها وأما دارات الوجوه فهي جمع دارة وهي ما يحيط بالوجه من جوانبه ومعناه أن النار لا تأكل دارة الوجه لكونها محل السجود ووقع هنا الا دارات الوجوه وسبق في الحديث الآخر الا مواضع السجود وسبق هناك الجمع بينهما والله أعلم قوله ( كنت قد شغفنى رأى من رأى الخوارج ) هكذا هو في الأصول والروايات شغفنى بالغين المعجمة وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى أنه روى بالعين المهملة وهما متقاربان ومعناه لصق بشغاف قلبي وهو غلافه وأما رأى الخوارج فهو ما قدمناه مرات أنهم يرون أن أصحاب الكبائر يخلدون في النار ولا يخرج منها من دخلها قوله ( فخرجنا في عصابة ذوى عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس ) معناه خرجنا من بلادنا ونحن جماعة كثيرة لنحج ثم نخرج على الناس مظهرين مذهب الخوارج وندعوا إليه ونحث عليه قوله ( غير انه قد زعم أن قوما يخرجون من النار ) زعم هنا بمعنى قال وقد تقدم في أول الكتاب ايضاحها ونقل كلام الأئمة فيها والله أعلم قوله ( فيخرجون كأنهم عيدان السماسم ) هو بالسينين المهملتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وهو جمع سمسم وهو هذا السمسم المعروف الذى يستخرج منه الشيرج قال الامام أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزرى المعروف بابن الأثير رحمه الله تعالى معناه والله أعلم أن السماسم جمع سمسم وعيدانه تراها اذا قلعت وتركت في الشمس ليؤخذ حبها دقاقا سودا كانها محترقة فشبه بها هؤلاء قال وطالما طلبت هذه اللفظة وسألت عنها فلم أجد فيها شافيا قال وما أشبه أن تكون اللفظة محرفة وربما كانت عيدان الساسم وهو خشب أسود كالابنوس هذا كلام أبى السعادات والساسم الذى ذكره هو بحذف الميم وفتح السين الثانية كذا قاله الجوهري وغيره وأما القاضي عياض فقال لا يعرف معنى السماسم هنا قال ولعله صوابه عيدان الساسم وهو أشبه وهو عود أسود وقيل هو الابنوس وأما صاحب المطالع فقال قال بعضهم السماسم كل نبت ضعيف كالسمسم والكزبرة وقال آخرون لعله السأسم مهموز وهو الابنوس شبههم به في سواده فهذا مختصر ما قالوه فيه والمختار أنه السمسم كما قدمناه على ما بينه أبو السعادات والله أعلم واعلم أنه وقع في كثير من الأصول والكتب كأنها عيدان السماسم بألف بعد الهاء والصحيح الموجود في معظم الأصول والكتب كأنهم بميم بعد الهاء وللأول أيضا وجه وهو أن يكون الضمير في كأنها عائد على الصور أي كأن صورهم عيدان السماسم والله أعلم قوله ( فيخرجون كأنهم القراطيس ) القراطيس جمع قرطاس بكسر القاف وضمها لغتان وهو الصحيفة التى يكتب فيها شبههم بالقراطيس لشدة بياضهم بعد اغتسالهم وزوال ما كان عليهم من السواد والله أعلم قوله ( فقلنا ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يعني بالشيخ جابر بن عبد الله رضى الله عنه وهو استفهام انكار وجحد أي لا يظن به الكذب بلا شك قوله ( فرجعنا فلا والله ماخرج منا غير رجل واحد ) معناه رجعنا من حجنا ولم نتعرض لرأى الخوارج بل كففنا عنه وتبنا منه الا رجلا منا فانه لم يوافقنا في الانكفاف عنه قوله ( أو كما قال أبو نعيم ) المراد بأبى نعيم الفضل بن دكين بضم الدال المهملة المذكور في أول الاسناد وهو شيخ شيخ مسلم وهذا الذى فعله أدب معروف من آداب الرواة وهو أنه ينبغى للراوى إذا روى بالمعنى أن يقول عقب روايته أو كما قال احتياطا وخوفا من تغيير حصل 192 قوله ( حدثنا هداب بن خالد الازدى حدثنا حماد بن سلمة عن أبى عمران وثابت عن انس رضى الله عنه ) هذا الاسناد كله بصريون أما هداب فهو بفتح الهاء وتشديد الدال المهملة وآخره باء موحدة ويقال فيه أيضا هدبة بضم الهاء واسكان الدال فأحدهما اسم والآخر لقب واختلف فيهما وقد قدمنا بيانه وأما أبو عمران فهو الجوني واسمه عبد الملك بن حبيب وأما ثابت فهو البنانى 193 قوله فى الاسناد ( الجحدرى ) هو بفتح الجيم وبعدها حاء مهملة ساكنه ثم دال مهملة مفتوحة منسوب إلى جد له اسمه جحدر وقد تقدم بيانه في أول الكتاب قوله ( محمد بن عبيد الغبرى ) هو بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة منسوب إلى غبر جد القبيلة تقدم أيضا بيانه قوله صلى الله عليه وسلم ( يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك وفى رواية فيلهمون معنى اللفظتين متقارب فمعنى الأولى أنهم يعتنون بسؤال الشفاعة وزوال الكرب الذى هم فيه ومعنى الثانية أن الله تعالى يلهمهم سؤال ذلك والالهام أن يلقى الله تعالى فى النفس أمرا يحمل على فعل الشئ أو تركه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم فى الناس أنهم يأتون آدم ونوحا وباقي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فيطلبون شفاعتهم فيقولون لسنا هناكم ويذكرون خطاياهم إلى آخره اعلم أن العلماء من أهل الفقه والأصول وغيرهم اختلفوا فى جواز المعاصى على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقد لخص القاضي رحمه الله تعالى مقاصد المسألة فقال لا خلاف أن الكفر عليهم بعد النبوة ليس بجائز بل هم معصومون منه واختلفوا فيه قبل النبوة والصحيح أنه لا يجوز وأما المعاصى فلا خلاف أنهم معصومون من كل كبيرة واختلف العلماء هل ذلك بطريق العقل أو الشرع فقال الأستاذ أبو إسحاق ومن معه ذلك ممتنع من مقتضى دليل المعجزة وقال القاضي أبو بكر ومن وافقه ذلك من طريق الاجماع وذهبت المعتزلة إلى أن ذلك من طريق العقل وكذلك اتفقوا على أن كل ما كان طريقه الابلاغ فى القول فهم معصومون فيه على كل حال وأما ما كان طريقه الابلاغ فى الفعل فذهب بعضهم إلى العصمة فيه رأسا وأن السهو والنسيان لا يجوز عليهم فيه وتأولوا أحاديث السهو في الصلاة وغيرها بما سنذكره فى مواضعه وهذا مذهب الاستاذ أبى المظفر الاسفراينى من أئمتنا الخراسانيين المتكلمين وغيره من المشايخ المتصوفة وذهب معظم المحققين وجماهير العلماء إلى جواز ذلك ووقوعه منهم وهذا هو الحق ثم لا بد من تنبيههم عليه وذكرهم اياه اما في الحين على قول جمهور المتكلمين واما قبل وفاتهم على قول بعضهم ليسنوا حكم ذلك ويبينوه قبل انخرام مدتهم وليصح تبليغهم ما أنزل اليهم وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التى تزرى بفاعلها وتحط منزلته وتسقط مروأته واختلفوا فى وقوع غيرها من الصغائر منهم فذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم وحجتهم ظواهر القرآن والاخبار وذهب جماعة من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر وأن منصب النبوة يجل عن مواقعها وعن مخالفة الله تعالى عمدا وتكلموا على الآيات والأحاديث الواردة فى ذلك وتأولوها وأن ما ذكر عنهم من ذلك انما هو فيما كان منهم على تأويل أو سهو أو من اذن من الله تعالى فى أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها وأشياء منهم قبل النبوة وهذا المذهب هو الحق لما قدمناه ولانه لو صح ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بأفعالهم واقرارهم وكثير من أقوالهم ولا خلاف فى الاقتداء بذلك وانما اختلاف العلماء هل ذلك على الوجوب أو على الندب أو الاباحة أو التفريق فيما كان من باب القرب أو غيرها قال القاضي وقد بسطنا القول فى هذا الباب فى كتابنا الشفاء وبلغنا فيه المبلغ الذى لا يوجد فى غيره وتكلمنا على الظواهر فى ذلك بما فيه كفاية ولا يهولك أن نسب قوم هذا المذهب إلى الخوارج والمعتزلة وطوائف من المبتدعة اذ منزعهم فيه منزع آخر من التكفير بالصغائر ونحن نتبرأ إلى الله تعالى من هذا المذهب وانظر هذه الخطايا التى ذكرت للانبياء من أكل آدم عليه الصلاة والسلام من الشجرة ناسيا ومن دعوة نوح عليه السلام على قوم كفار وقتل موسى صلى الله عليه وسلم لكافر لم يؤمر بقتله ومدافعة إبراهيم صلى الله عليه وسلم الكفار بقوله عرض به هو فيه من وجه صادق وهذه كلها في حق غيرهم ليست بذنوب لكنهم أشفقوا منها اذ لم تكن عن أمر الله تعالى وعتب على بعضهم فيها لقدر منزلتهم من معرفة الله تعالى هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى والله أعلم قوله ( في آدم خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه ) هو من باب اضافة التشريف قوله صلى الله عليه وسلم ( لست هناكم ) معناه لست أهلا لذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله تعالى ) قال الامام أبو عبد الله المازرى قد ذكر المؤرخون أن ادريس جد نوح عليهما السلام فان قام دليل أن ادريس أرسل أيضا لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح لاخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن آدم أن نوحا أول رسول بعث وان لم يقم دليل جاز ما قالوه وصح أن يحمل أن ادريس كان نبيا غير مرسل قال القاضي عياض وقد قيل أن ادريس هو الياس وأنه كان نبيا في بنى اسرائيل كما جاء في بعض الأخبار مع يوشع بن نون فان كان هكذا سقط الاعتراض قال القاضي وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما وان كانا رسولين فإن آدم انما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا بل أمر بتعليمهم الايمان وطاعة الله تعالى وكذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض قال القاضي وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ليسلم من هذا الاعتراض وحديث أبي ذر الطويل ينص على أن آدم وادريس رسولان هذا آخر كلام القاضي والله أعلم قوله ( ائتوا إبراهيم الذى اتخذه الله خليلا ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى أصل الخلة الاختصاص والاستصفاء وقيل أصلها الانقطاع إلى من خاللت مأخوذ من الخلة وهي الحاجة فسمى إبراهيم صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه قصر حاجته على ربه سبحانه وتعالى وقيل الخلة صفاء المودة التى توجب تخلل الاسرار وقيل معناها المحبة والالطاف هذا كلام القاضي وقال بن الانبارى الخليل معناه المحب الكامل المحبة والمحبوب الموفي بحقيقة المحبة اللذان ليس في حبهما نقص ولا خلل قال الواحدي هذا القول هو الاختيار لان الله عز وجل خليل إبراهيم وابراهيم خليل الله ولا يجوز أن يقال الله تعالى خليل إبراهيم من الخلة التى هي الحاجة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( أن كل واحد من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يقول لست هناكم أو لست لها ) قال القاضي عياض هذا يقولونه تواضعا واكبارا لما يسئلونه قال وقد تكون اشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى انتهى الأمر إلى صاحبه قال ويحتمل انهم علموا أن صاحبها محمد صلى الله عليه وسلم معينا وتكون احالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال وفيه تقديم ذوى الأسنان والآباء على الأبناء في الامور التى لها بال قال وأما مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم لذلك واجابته لدعوتهم فلتحققه صلى الله عليه وسلم أن هذه الكرامة والمقام له صلى الله عليه وسلم خاصة هذا كلام القاضي والحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده صلوات الله وسلامه عليهم في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي والله أعلم اظهار فضيلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فانهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ويحصله وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الادلال والانس وفيه تفضيله صلى الله عليه وسلم على جميع المخلوقين من الرسل والآدميين والملائكة فان هذا الامر العظيم وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الاقدام عليه غيره صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم في موسى صلى الله عليه وسلم ( الذى كلمه الله تكليما ) هذا باجماع أهل السنة على ظاهره وأن الله تعالى كلم موسى حقيقة كلاما سمعه بغير واسطة ولهذا أكد بالمصدر والكلام صفة ثابتة لله تعالى لا يشبه كلام غيره قوله في عيسى ( روح الله وكلمته ) تقدم الكلام في معناه في أوائل كتاب الايمان قوله صلى الله عليه وسلم ( ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم عبدا قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) هذا مما اختلف العلماء في معناه قال القاضي قيل المتقدم ما كان قبل النبوة والمتأخر عصمتك بعدها وقيل المراد به ذنوب أمته صلى الله عليه وسلم قلت فعلى هذا يكون المراد الغفران لبعضهم أو سلامتهم من الخلود في النار وقيل المراد ما وقع منه صلى الله عليه وسلم عن سهو وتأويل حكاه الطبرى واختاره القشيرى وقيل ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك وقيل المراد أنه مغفور لك غير مؤاخذ بذنب لو كان وقيل هو تنزيه له من الذنوب صلى الله عليه وسلم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فيأتوني فأستأذن على ربى فيؤذن لى ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى معناه والله أعلم فيؤذن لى في الشفاعة الموعود بها والمقام المحمود الذى ادخره الله تعالى له وأعلمه أنه يبعثه فيه قال القاضي وجاء في حديث أنس وحديث أبي هريرة ابتداء النبي صلى الله عليه وسلم بعد سجوده وحمده والاذن له في الشفاعة بقوله أمتي أمتي وقد جاء في حديث حذيفة بعد هذا في هذا الحديث نفسه قال فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقوم ويؤذن له وترسل الامانة والرحم فيقومان جنبتى الصراط يمينا وشمالا فيمر أولهم كالبرق وساق الحديث وبهذا يتصل الحديث لأن هذه هي الشفاعة التى لجأ الناس إليه فيها وهي الاراحة من الموقف والفصل بين العباد ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في أمته صلى الله عليه وسلم ( وفي المذنبين وحلت الشفاعة للأنبياء والملائكة وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم كما جاء في الأحاديث الأخر وجاء في الأحاديث المتقدمة في الرؤية وحشر الناس اتباع كل أمة ما كانت تعبد ثم تمييز المؤمنين من المنافقين ثم حلول الشفاعة ووضع الصراط فيحتمل أن الأمر باتباع الأمم ما كانت تعبد هو أول الفصل والاراحة من هول الموقف وهو أول المقام المحمود وأن الشفاعة التي ذكر حلولها هي الشفاعة في المذنبين على الصراط وهو ظاهر الأحاديث وأنها لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولغيره كما نص عليه في الأحاديث ثم ذكر بعدها الشفاعة فيمن دخل النار وبهذا تجتمع متون الحديث وتترتب معانيها إن شاء الله تعالى هذا آخر كلام القاضي والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ما بقي في النار الا من حبسه القرآن ) أى وجب عليه الخلود وبين مسلم رحمه الله تعالى أن قوله أى وجب عليه الخلود هو تفسير قتادة الراوي وهذا التفسير صحيح ومعناه من أخبر القرآن أنه مخلد في النار وهم الكفار كما قال الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحق وما أجمع عليه السلف أنه ) لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ثم آتيه فأقول يارب ) معنى آتيه أى أعود إلى المقام الذى قمت فيه أولا وسألت وهو مقام الشفاعة قوله ( حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا بن أبي عدى عن سعيد عن قتادة عن أنس قال مسلم وحدثنا محمد بن مثني حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة عن أنس ) قال مسلم ( وحدثنا محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة وهشام صاحب الدستوائي عن قتادة عن أنس قال مسلم وحدثنى أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثنى قالا حدثنا معاذ وهو بن هشام قال حدثنى أبي عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك ) قال مسلم ( حدثنا أبو الربيع العتكي حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال العنزي ) يعنى عن أنس هذه الأسانيد رجالها كلهم بصريون وهذا الاتفاق في غاية من الحسن ونهاية من الندور أعنى اتفاق خمسة أسانيد في صحيح مسلم متوالية جميعهم بصريون والحمد لله على ما هدانا له فأما بن أبي عدى فاسمه محمد بن إبراهيم بن أبي عدى وأما سعيد بن أبي عروبة فقد قدمنا أنه هكذا يروى في كتب الحديث وغيرها وأن بن قتيبة قال في كتابه أدب الكتاب الصواب بن أبي العروبة بالالف واللام واسم أبي عروبة مهران وقد قدمنا أيضا أن سعيد بن أبي عروبة ممن اختلط في آخر عمره وأن المختلط لا يحتج بما رواه في حال الاختلاط وشككنا هل رواه في الاختلاط أم في الصحة وقد قدمنا أن ما كان في الصحيحين عن المختلطين محمول على أنه عرف أنه رواه قبل الاختلاط والله أعلم وأما هشام صاحب الدستوائي فهو بفتح الدال واسكان السين المهملتين وبعدهما مثناة من فوق مفتوحة وبعد الألف ياء من غير نون هكذا ضبطناه وهكذا هو المشهور في كتب الحديث قال صاحب المطالع ومنهم من يزيد فيه نونا بين الألف والياء وهو منسوب إلى دستواء وهي كورة من كور الاهواز كان يبيع الثياب التى تجلب منها فنسب اليها فيقال هشام الدستوائي وهشام صاحب الدستوائي أى صاحب البر الدستوائي وقد ذكره مسلم في أول كتاب الصلاة بعبارة أخرى أوهمت لبسا فقال في باب صفة الأذان حدثنى أبو غسان واسحاق بن إبراهيم قال إسحاق أخبرنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي فتوهم صاحب المطالع أن قوله صاحب الدستوائي مرفوع وأنه صفة لمعاذ فقال يقال صاحب الدستوائي وانما هو ابنه وهذا الذى قاله صاحب المطالع ليس بشئ وانما صاحب هنا مجرور صفة لهشام كما جاء مصرحا به في هذا الموضع الذى نحن الآن فيه والله أعلم وأما أبو غسان المسمعى فتقدم بيانه مرات وأنه يجوز صرفه وتركه وأن المسمعى بكسر الميم الأولى وفتح الثانية منسوب إلى مسمع جد القبيلة وأما قوله حدثنا معاذ وهو بن هشام فتقدم بيانه في الفصول وفي مواضع كثيرة وأن فائدته أنه لم يقع قوله بن هشام في الرواية فأراد أن يبينه ولم يستجز أن يقول معاذ بن هشام لكونه لم يقع في الرواية فقال وهو بن هشام وهذا وأشباهه مما كرر ذكره أقصد به المبالغة في الايضاح والتسهيل فانه إذا طال العهد به قد ينسى وقد يقف على هذا الموضع من لا خبرة له بالموضع المتقدم والله أعلم وأما قوله قوله أبو الربيع العتكى فهو بفتح العين والتاء وهو أبو الربيع الزهراني الذي يكرره مسلم في مواضع كثيرة واسمه سليمان بن داود قال القاضي عياض نسبه مسلم مرة زهرانيا ومرة عتكيا ومرة جمع له النسبين ولا يجتمعان بوجه وكلاهما يرجع إلى الازد الا أن يكون للجمع سبب من جواز أو خلف والله أعلم وأما معبد العنزى فهو بالعين المهملة وبفتح النون وبالزاي والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة ) المراد بالذرة واحدة الذر وهو الحيوان المعروف الصغير من النمل وهي بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء ومعنى يزن أي يعدل وأما قوله أن شعبة جعل مكان الذرة ذرة فمعناه أنه رواه بضم الذال وتخفيف الراء واتفقوا على انه تصحيف منه وهذا معنى قوله في الكتاب قال يزيد صحف فيها أبو بسطام يعنى شعبة قوله ( فدخلنا عليه وأجلس ثابتا معه على سريره ) فيه انه ينبغي للعالم وكبير المجلس أن يكرم فضلاء الداخلين عليه ويميزهم بمزيد اكرام في المجلس وغيره قوله ( اخوانك من أهل البصرة ) قد قدمنا في أوائل الكتاب أن في البصرة ثلاث لغات فتح الباء وضمها وكسرها والفتح هو المشهور قوله صلى الله عليه وسلم ( فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن ) هكذا هو في الأصول لا أقدر عليه وهو صحيح ويعود الضمير في عليه إلى الحمد قوله صلى الله عليه وسلم ( فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من ايمان فاخرجوه منها فأنطلق فأفعل ) ثم قال صلى الله عليه وسلم بعده ( فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان فأخرجه ) ثم قال صلى الله عليه وسلم ( فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من ايمان فأخرجه ) أما الثاني والثالث فاتفقت الأصول على أنه فاخرجه بضميره صلى الله عليه وسلم وحده وأما الأول ففي بعض الأصول فأخرجوه كما ذكرنا على لفظ الجمع وفي بعضها فأخرجه وفي أكثرها فأخرجوا بغير هاء وكله صحيح فمن رواه فأخرجوه يكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الملائكة ومن حذف الهاء فلأنها ضمير المفعول وهو فضلة يكثر حذفه والله اعلم وقوله صلى الله عليه وسلم أدنى أدنى أدنى هكذا هو في الأصول مكرر ثلاث مرات وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف واهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الايمان يزيد وينقص ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة وقد قدمنا تقرير هذه القاعدة في أول كتاب الايمان وأوضحنا المذاهب فيها والجمع بينها والله أعلم وقوله ( هذا حديث أنس الذي أنبأنا به فخرجنا من عنده فلما كنا بظهر الجبان قلنا لو ملنا إلى الحسن فسلمنا عليه وهو مستخف في دار أبي خليفة قال فدخلنا عليه فسلمنا عليه وقلنا يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع بمثل حديث حدثناه في الشفاعة قال هيه فحدثناه الحديث قال هيه قلنا ما زادنا قال حدثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جميع ولقد ترك منه شيئا ما أدري أنسى الشيخ أو كره أن يحدثكم فتتكلوا قلنا له حدثنا فضحك وقال خلق الانسان من عجل ما ذكرت لكم هذا الا وانا أريد أن أحدثكموه ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لى يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يارب ائذن لي فيمن قال لا اله الا الله قال ليس ذلك لك أو قال ليس ذلك اليك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا اله الا الله قال فاشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك أراه قال قبل عشرين سنة وهو يومئذ جميع ) هذا الكلام فيه فوائد كثيرة فلهذا نقلت المتن بلفظه مطولا ليعرف مطالعه مقاصده أما قوله بظهر الجبان فالجبان بفتح الجيم وتشديد الباء قال أهل اللغة الجبان والجبانة هما الصحراء ويسمى بهما المقابر لانها تكون في الصحراء وهو من تسمية الشئ باسم موضعه وقوله بظهر الجبان أى بظاهرها وأعلاها المرتفع منها وقوله ملنا إلى الحسن يعنى عدلنا وهو الحسن البصري وقوله وهو مستخف يعنى متغيبا خوفا من الحجاج بن يوسف وقوله قال هيه هو بكسر الهاء واسكان الياء وكسر الهاء الثانية قال أهل اللغة يقال في استزادة الحديث إيه ويقال هيه بالهاء بدل الهمزة قال الجوهرى إيه اسم سمى به الفعل لان معناه الأمر تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل إيه بكسر الهمزة قال بن السكيت فان وصلت نونت فقلت ايه حديثا قال بن السري إذا قلت ايه فانما تأمره بأن يزيدك من الحديث المعهود بينكما كأنك قلت هات الحديث وان قلت إيه بالتنوين كأنك قلت هات حديثا ما لان التنوين تنكير فأما إذا أسكنته وكففته فانك تقول ايها عنه وأما قوله وهو يومئذ جميع فهو بفتح الجيم وكسر الميم ومعناه مجتمع القوة والحفظ وقوله فضحك فيه أنه لا بأس بضحك العالم بحضرة أصحابه إذا كان بينه وبينهم أنس ولم يخرج بضحكه إلى حد يعد تركا للمرؤة وقوله فضحك وقال خلق الإنسان من عجل فيه جواز الاستشهاد بالقرآن في مثل هذا الموطن وقد ثبت في الصحيح مثله من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طرق فاطمة وعليا رضي الله عنهما ثم انصرف وهو يقول وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ونظائر هذا كثيرة وقوله ما ذكرت لكم هذا الا وأنا أريد أن أحدثكموه ثم أرجع إلى ربي هكذا هو في الروايات وهو الظاهر وتم الكلام على قوله أحدثكموه ثم ابتدأ تمام الحديث فقال ثم أرجع ومعناه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرجع إلى ربي وقوله صلى الله عليه وسلم ائذن لى فيمن قال لا اله الا الله قال ليس ذلك لك ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتى وجبريائي لأخرجن من قال لا اله الا الله معناه لأتفضلن عليهم باخراجهم من غير شفاعة كما تقدم في الحديث السابق شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق الا أرحم الراحمين وأما قوله عز وجل وجبريائي فهو بكسر الجيم أى عظمتى وسلطاني أو قهرى وأما قوله فأشهد على الحسن أنه حدثنا به إلى آخره فانما ذكره تأكيدا ومبالغة في تحقيقه وتقريره في نفس المخاطب والا فقد سبق هذا في أول الكلام والله أعلم قوله ( عن أبي حيان عن أبي زرعة ) أما حيان فبالمثناة وتقدم بيان أبي حيان وأبي زرعة في أولكتاب الايمان وأن اسم أبي زرعة هرم وقيل عمرو وقيل عبيد الله وقيل عبد الرحمن واسم أبي حيان يحيى بن سعيد بن حيان قوله ( فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى محبته صلى الله عليه وسلم للذراع لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواضع الأذى هذا آخر كلام القاضي وقد روى الترمذي بإسناده عن عائشة رضى الله عنها قالت ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن كان لا يجد اللحم الا غبا فكان يعجل اليها لأنها أعجلها نضجا قوله فنهس منها نهسة هو بالسين المهملة قال القاضي عياض أكثر الرواة رووه بالمهملة ووقع لابن ماهان بالمعجمة وكلاهما صحيح بمعنى أخذ بأطراف اسنانه قال الهروى قال أبو العباس النهس بالمهملة بأطراف الأسنان وبالمعجمة الأضراس قوله صلى الله عليه وسلم أنا سيد الناس يوم القيامة إنما قال هذا صلى الله عليه وسلم تحدثا بنعمة الله تعالى وقد أمره الله تعالى بهذا ونصيحة لنا بتعريفنا حقه صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض قيل السيد الذي يفوق قومه والذي يفزع إليه في الشدائد والنبي صلى الله عليه وسلم سيدهم في الدنيا والآخرة وإنما خص يوم القيامة لارتفاع السودد فيها وتسليم جميعهم له ولكون آدم وجميع أولاده تحت لوائه صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار أي انقطعت دعاوى الملك في ذلك اليوم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر أما الصعيد فهو الأرض الواسعة المستوية وأما ينفذهم البصر فهو بفتح الياء وبالذال المعجمة وذكر الهروى وصاحب المطالع وغيرهما أنه روي بضم الياء وبفتحها قال صاحب المطالع رواه الأكثرون بالفتح وبعضهم بالضم قال الهروي قال الكسائى يقال نفذني بصره إذا بلغني وجاوزني قال ويقال أنفذت القوم إذا خرقتهم ومشيت في وسطهم فإن جزتهم حتى تخلفتهم قلت نفذتهم بغير ألف وأما معناه فقال الهروى قال أبو عبيد معناه ينفذهم بصر الرحمن تبارك وتعالى حتى يأتى عليهم كلهم وقال غير أبي عبيد اراد تخرقهم أبصار الناظرين لاستواء الصعيد والله تعالى قد أحاط بالناس أولا وآخرا هذا كلام الهروى وقال صاحب المطالع معناه أنه يحيط بهم الناظر لايخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض أي ليس فيها ما يستتر به أحد عن الناظرين قال وهذا أولى من قول أبي عبيد يأتي عليهم بصر الرحمن سبحانه وتعالى لأن رؤية الله تعالى تحيط بجميعهم في كل حال في الصعيد المستوي وغيره هذا قول صاحب المطالع قال الامام أبو السعادات الجزري بعد أن ذكر الخلاف بين أبي عبيد وغيره في أن المراد بصر الرحمن سبحانه وتعالى أو بصر الناظر من الخلق قال أبو حاتم أصحاب الحديث يروونه بالذال المعجمة وانما هو بالمهملة أي يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم ويستوعبهم من نفذ الشيء وأنفذته قال وحمل الحديث على بصر الناظر أولى من حمله على بصر الرحمن هذا كلام أبي السعادات فحصل خلاف في فتح الياء وضمها وفي الذال والدال وفي الضمير في ينفذهم والأصح فتح الياء وبالذال المعجمة وأنه بصر المخلوق والله أعلم قوله ( ألا ترى إلى ما قد بلغنا ) هو بفتح الغين هذا هو الصحيح المعروف وضبطه بعض الأئمة المتأخرين بالفتح والاسكان وهذا له وجه ولكن المختار ما قدمناه ويدل عليه قوله في هذا الحديث قبل هذا ألا ترون ما قد بلغكم ولو كان باسكان الغين لقال بلغتم قوله ( فيقول آدم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ) المراد بغضب الله تعالى ما يظهر من انتقامه ممن عصاه وما يرونه من أليم عذابه وما يشاهده أهل المجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها ولا شك في أن هذا كله لم يتقدم قبل ذلك اليوم مثله ولا يكون بعده مثله فهذا معنى غضب الله تعالى كما أن رضاه ظهور رحمته ولطفه بمن أراد به الخير والكرامة لأن الله تعالى يستحيل في حقه التغير في الغضب والرضاء والله أعلم قوله ( ان ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى ) المصراعان بكسر الميم جانبا الباب وهجر بفتح الهاء والجيم وهي مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين قال الجوهري في صحاحه هجر اسم بلد مذكر مصروف قال والنسبة إليه هاجري وقال أبو القاسم الزجاجي في الجمل هجر يذكر ويؤنث قلت وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث اذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر تلك قرية من قرى المدينة كانت القلال تصنع بها وهي غير مصروفة وقد أوضحتها في أول شرح المهذب وأما بصرى فبضم الباء وهي مدينة معروفة بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل وهي مدينة حوران وبينها وبين مكة شهر قوله صلى الله عليه وسلم ( ألا تقولون كيفه قالوا كيفه يارسول الله ) هذه الهاء هي هاء السكت تلحق في الوقف واما قول الصحابه كيفه يارسول الله فأثبتوا الهاء في حالة الدرج ففيها وجهان حكاهما صاحب التحرير وغيره أحدهما أن من العرب من يجرى الدرج مجرى الوقف والثاني أن الصحابة قصدوا اتباع لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الذي حثهم عليه فلو قالوا كيف لما كانوا سائلين عن اللفظ الذي حثهم عليه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( إلى عضادتى الباب ) هو بكسر العين قال الجوهري عضادتا الباب هما خشبتاه من جانبيه 195 قوله صلى الله عليه وسلم ( فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة ) هو بضم التاء واسكان الزاي ومعناه تقرب كما قال الله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين أى قربت قوله صلى الله عليه وسلم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ( انما كنت خليلا من وراء وراء ) قال صاحب التحرير هذه كلمه تذكر على سبيل التواضع أى لست بتلك الدرجة الرفيعة قال وقد وقع لى معنى مليح فيه وهو أن معناه أن المكارم التى أعطيتها كانت بوساطة سفارة جبريل صلى الله عليه وسلم ولكن ائتوا موسى فإنه حصل له سماع الكلام بغير واسطة قال وإنما كرر وراء وراء لكون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حصل له السماع بغير واسطة وحصل له الرؤية فقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنا وراء موسى الذي هو وراء محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين وسلم هذا كلام صاحب التحرير وأما ضبط وراء وراء فالمشهور فيه الفتح فيهما بلا تنوين ويجوز عند أهل العربية بناؤها على الضم وقد جرى في هذا كلام بين الحافظ أبي الخطاب بن دحية والامام الأديب أبي اليمن الكندي فرواهما بن دحية بالفتح وادعى أنه الصواب فأنكره الكندي وادعى أن الضم هو الصواب وكذا قال أبو البقاء الصواب الضم لأن تقديره من وراء ذلك أو من وراء شئ آخر قال فإن صح الفتح قبل وقد أفادني هذا الحرف الشيخ الامام أبو عبد الله محمد بن أمية أدام الله نعمه عليه وقال الفتح صحيح وتكون الكلمة مؤكده كشذر مذر وشغر بغر وسقطوا بين بين فركبهما وبناهما على الفتح قال وإن ورد منصوبا منونا جاز جوازا جيدا قلت ونقل الجوهري في صحاحه عن الأخفش أنه يقال لقيته من وراء مرفوع على الغاية كقولك من قبل ومن بعد قال وأنشد الأخفش شعرا اذا أنا لم أومن عليك ولم يكن لقاؤك الا من وراء وراء بضمهما ( والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتى الصراط ) أما تقومان فبالتاء المثناة من فوق وقد قدمنا بيان ذلك وأن المؤنثتين الغائبتين تكونان بالمثناة من فوق وأما جنبتا الصراط فبفتح الجيم والنون ومعناهما جانباه وأما ارسال الأمانة والرحم فهو لعظم أمرهما وكبر موقعهما فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله تعالى قال صاحب التحرير في الكلام اختصار والسامع فهم أنهما تقومان لتطالبا كل من يريد الجواز بحقهما قوله صلى الله عليه وسلم ( فيمر أولهم كالبرق ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجرى بهم أعمالهم ) أما شد الرجال فهو بالجيم جمع رجل هذا هو الصحيح المعروف المشهور ونقل القاضي أنه في رواية بن ماهان بالحاء قال القاضي وهما متقاربان في المعنى وشدها عدوها البالغ وجريها وأما قوله صلى الله عليه وسلم تجري بهم أعمالهم فهو كالتفسير لقوله صلى الله عليه وسلم فيمر أولكم كالبرق ثم كمر الريح إلى آخره معناه أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم قوله صلى الله عليه وسلم ( وفي حافتي الصراط ) هو بتخفيف الفاء وهما جانباه وأما الكلاليب فتقدم بيانها قوله صلى الله عليه وسلم ( فمخدوش ناج ومكدوس ) هو بالدال وقد تقدم بيانه في هذا الباب ووقع في أكثر الأصول هنا مكردس بالراء ثم الدال وهو قريب من معنى المكدوس قوله ( والذي نفس أبي هريرة بيده أن قعر جهنم لسبعون خريفا ) هكذا هو في بعض الأصول لسبعون بالواو وهذا ظاهر وفيه حذف تقديره أن مسافة قعر جهنم سير سبعين سنة ووقع في معظم الاصول والروايات لسبعين بالياء وهو صحيح أيضا أما على مذهب من يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه على جره فيكون التقدير سير سبعين واما على أن قعر جهنم مصدر يقال قعرت الشئ إذا بلغت قعره ويكون سبعين ظرف زمان وفيه خبران التقدير أن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفا والخريف السنة والله اعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لكل نبى دعوة يدعوها فاريد أن اختبئ دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة ) وفى الرواية الأخرى ( لكل نبى دعوة مستجابة فتعجل كل نبى دعوته وانى اختبأت دعوتى شفاعة لامتى يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئا ) وفى الرواية الاخرى ( لكل نبى دعوة دعا بها فى أمته فاستجيب له وانى أريد أن شاء الله أن أؤخر دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة ) وفى الرواية الاخرى ( لكل نبى دعوة دعاها لأمته وانى اختبأت دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة ) هذه الاحاديث تفسر بعضها بعضا ومعناها أن كل نبى له دعوة متيقنة الاجابة وهو على يقين من اجابتها وأما باقى دعواتهم فهم على طمع من اجابتها وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب وذكر القاضي عياض أنه يحتمل أن يكون المراد لكل نبى دعوة لأمته كما فى الروايتين الأخيرتين والله أعلم وفى هذا الحديث بيان كمال شفقة النبى صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم واعتنائه بالنظر فى مصالحهم المهمة فأخر النبى صلى الله عليه وسلم دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئا ففيه دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد فى النار وان كان مصرا على الكبائر وقد تقدمت دلائله وبيانه فى مواضع كثيرة وقوله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى هو على جهة التبرك والامتثال لقول الله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله والله أعلم قوله ( أسيد بن جارية ) هو بفتح الهمزة وكسر السين وجارية بالجيم قوله ( كعب الأحبار ) هو كعب بن ماتع بالميم والمثناة من فوق بعدها عين والاحبار العلماء واحدهم حبر بفتح الحاء وكسرها الغتان أى كعب العلماء كذا قاله بن قتيبة وغيره وقال أبو عبيد سمى كعب الاحبار لكونه صاحب كتب الاحبار جمع حبر وهو ما يكتب به وهو مكسور الحاء وكان كعب من علماء أهل الكتاب ثم أسلم في خلافة أبي بكر وقيل بل في خلافة عمر رضى الله عنهما توفي بحمص في سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه وهو من فضلاء التابعين وقد روى عنه جماعة من الصحابة رضى الله عنهم قوله ( وحدثنى أبو غسان المسمعى ومحمد بن المثنى وبن بشار حدثانا واللفظ لابي غسان قالوا حدثنا معاذ يعنون بن هشام ) هذا اللفظ قد يستدركه من لا معرفة له بتحقيق مسلم واتقانه وكمال ورعه وحذقه وعرفانه فيتوهم أن في الكلام طولا فيقول كان ينبغي أن يحذف قوله حدثانا وهذه غفلة ممن يصير اليها بل في كلام مسلم فائدة لطيفة فانه سمع هذا الحديث من لفظ أبي غسان ولم يكن مع مسلم غيره وسمعه من محمد بن مثنى وبن بشار وكان معه غيره وقد قدمنا في الفصول أن المستحب والمختار عند أهل الحديث أن من سمع وحده قال حدثنى ومن سمع مع غيره قال حدثنا فاحتاط مسلم وعمل بهذا المستحب فقال حدثنى أبو غسان أي سمعت منه وحدى ثم ابتدأ فقال ومحمد بن مثنى وبن بشار حدثانا أى سمعت منهما مع غيرى فمحمد بن المثنى مبتدأ وحدثانا الخبر وليس هو معطوفا على أبي غسان والله أعلم وقوله ( قالوا حدثنا معاذ ) يعنى بقالوا محمد بن المثنى وبن بشار وأبا غسان والله أعلم وقوله ( عن قتادة قال حدثنا أنس أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال لكل نبى دعوة ) ثم ذكر مسلم طريقا آخر عن وكيع وأبي أسامة عن مسعر عن قتادة ثم قال غير أن في حديث وكيع قال قال أعطى وحديث أبي أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا من احتياط مسلم رضى الله عنه ومعناه أن رواياتهم اختلفت في كيفية لفظ أنس ففي الرواية الاولى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي دعوة وفي رواية وكيع عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم أعطى كل نبي دعوة وفي رواية أبي أسامة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي دعوة والله أعلم قوله ( وحدثنى محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه عن أنس ) هذا الاسناد كله بصريون والله أعلم