Qur'an&Sunnah

İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)

Section V11/P557–V11/P558

1 ( قوله باب قول الله تعالى ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم الآية ) كذا لأبي ذر وساق في رواية كريمة إلى قوله عذاب اليم وقد سبق تفسير العهد قبل خمسة أبواب ويستفاد من الآية ان العهد غير اليمين لعطف اليمين عليه ففيه حجة على من احتج بها بأن العهد يمين واحتج بعض المالكية بأن العرف جرى على ان العهد والميثاق والكفالة والامانة ايمان لأنها من صفات الذات ولا يخفى ما فيه قال بن بطال وجه الدلالة ان الله خص العهد بالتقدمة على سائر الإيمان فدل على تأكد الحلف به لأن عهد الله ما أخذه على عباده وما أعطاه عباده كما قال تعالى ومنهم من عاهد الله الآية لأنه قدم على ترك الوفاء به قوله وقول الله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم كذا لأبي ذر وفي رواية غيره وقوله جل ذكره قال بن التين وغيره اختلف في معناه فعن زيد بن اسلم لا تكثروا الحلف بالله وان كنتم بررة وفائدة ذلك اثبات الهيبة في القلوب ويشير إليه قوله ولا تطع كل حلاف مهين وعن سعيد بن جبير هو ان يحلف ان لا يصل رحمه مثلا فيقال له صل فيقول قد حلفت وعلى هذا فمعنى قوله ان تبروا كراهة ان تبروا فينبغي ان يأتي الذي هو خير ويكفر انتهى وقد أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس ولفظه لا تجعل الله عرضة ليمينك ان لا تصنع الخير ولكن كفر واصنع الخير وقيل هو ان يحلف ان يفعل نوعا من الخير تأكيدا له بيمينه فنهى عن ذلك حكاه الماوردي وهو شبيه النهي عن النذر كما سيأتي نظيره وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير لا قال الراغب وغيره العرضة ما يجعل معرضا لشيء اخر كما قالوا بعير عرضة للسفر ومنه قول الشاعر ولا تجعلني عرضة للوائم ويقولون فلان عرضة للناس أي يقعون فيه وفلانة عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه وجعلت فلانا عرضة في كذا أي اقمته فيه وتطلق العرضة أيضا على الهمة كقول حسان هي الأنصار عرضتها اللقاء قوله ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إلى قوله ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا هكذا وقع في رواية أبي ذر وسقط ذلك لجميعهم ووقع فيه تقديم وتأخير والصواب وقوله ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إلى قوله ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا وقد وقع في رواية النسفي بعد قوله عرضة لايمانكم ما نصه وقوله ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا الآية وقوله وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم الآية وقد مشى شرح بن بطال على ما وقع عند أبي ذر فقال في هذا دليل على تأكيد الوفاء بالعهد لأن الله تعالى قال ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها ولم يتقدم غير ذكر العهد فعلم انه يمين ثم ظهر لي انه أراد ما وقع قبل قوله ولا تنقضوا وهو قوله وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم لكن لا يلزم من عطف الإيمان على العهد ان يكون العهد يمينا بل هو كالاية السابقة ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا فالايات كلها دالات على تأكيد الوفاء بالعهد وأما كونه يمينا فشيء اخر ولعل البخاري أشار إلى ذلك وقد تقدم كلام الشافعي من حلف بعهد الله قبل خمسة أبواب وقوله وقد جعلتم الله عليكم كفيلا أي شهيدا في العهد أخرجه بن أبي حاتم عن سعيد بن جبير واخرج عن مجاهد قال يعني وكيلا واستدل بقوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم على ان اليمين الغموس لا كفارة فيها لأن بن عباس فسرها بأن الرجل يحلف ان لا يصل قرابته فجعل الله له مخرجا في التكفير وأمره ان يصل قرابته ويكفر عن يمينه ولم يجعل لحالف الغموس مخرجا كذا قال وتعقبه الخطابي بأنه لا يدل على ترك الكفارة في اليمين الغموس بل قد يدل لمشروعيتها

Section V11/P558–V11/P563

6299 قوله حدثنا موسى بن إسماعيل هو التبوذكي قوله حدثنا أبو عوانة هو الوضاح وقد تقدم عن موسى هذا بعض هذا الحديث بدون قصة الأشعث في الشهادات لكن عن عبد الواحد وهو بن زياد بدل أبي عوانة فالحديث عند موسى المذكور عنهما جميعا قوله عن أبي وائل هو شقيق بن سلمة وقد تقدم في الشرب من رواية أبي حمزة وهو السكري وفي الأشخاص من رواية أبي معاوية كلاهما عن الأعمش عن شقيق وقد تقدم قريبا من رواية شعبة عن سليمان وهو الأعمش ويستفاد منه أنه مما لم يدلس فيه الأعمش فلا يضر مجيئه عنه بالعنعنة قوله عن عبد الله في تفسير آل عمران عن حجاج بن منهال عن أبي عوانة بهذا السند عن عبد الله بن مسعود قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وقع التصريح بالرفع في رواية الأعمش ولم يقع ذلك في رواية منصور الماضية في الشهادات وفي الرهن ووقع مرفوعا في رواية شعبة الماضية قريبا عن منصور والأعمش جميعا قوله من حلف على يمين صبر بفتح الصاد وسكون الموحدة ويمين الصبر هي التي تلزم ويجبر عليها حالفها يقال اصبره اليمين احلفه بها في مقاطع الحق زاد أبو حمزة عن الأعمش هو بها فاجر وكذا للأكثر وفي رواية أبي معاوية هو عليها فاجر ليقتطع وكأن فيها حذفا تقديره هو في الاقدام عليها والمراد بالفجور لازمه وهو الكذب وقد وقع في رواية شعبة على يمين كاذبة قوله يقتطع بها مال امرئ مسلم في رواية حجاج بن منهال ليقتطع بها بزيادة لام تعليل ويقتطع يفتعل من القطع كأنه قطعة عن صاحبه أو أخذ قطعة من ماله بالحلف المذكور قوله لقى الله وهو عليه غضبان في حديث وائل بن حجر عند مسلم وهو عنه معرض وفي رواية كردوس عن الأشعث عند أبي داود الا لقي الله وهو اجذم وفي حديث أبي امامة بن ثعلبة عند مسلم والنسائي نحوه في هذا الحديث فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة وفي حديث عمران عند أبي داود فليتبوأ مقعده من النار قوله فأنزل الله تصديق ذلك ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا كذا في رواية الأعمش ومنصور ووقع في رواية جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن اعين عند مسلم والترمذي وغيرهما جميعا عن أبي وائل عن عبد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه الحديث ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله ان الذين يشترون بعهد الله فذكر هذه الآية ولولا التصريح في رواية الباب بأنها نزلت في ذلك لكان ظاهر هذه الرواية انها نزلت قبل ذلك وقد تقدم في تفسير ال عمران انها نزلت فيمن أقام سلعته بعد العصر فحلف كاذبا وتقدم انه يجوز انها نزلت في الامرين معا وقال الكرماني لعل الآية لم تبلغ بن أبي أوفى الا عند اقامته السلعة فظن انها نزلت في ذلك أو ان القصتين وقعتا في وقت واحد فنزلت الآية واللفظ عام متناول لهما ولغيرهما قوله فدخل الأشعث بن قيس فقال ما حدثكم أبو عبد الرحمن كذا وقع عند مسلم من رواية وكيع عن الأعمش وأبو عبد الرحمن هي كنية بن مسعود وفي رواية جرير في الرهن ثم ان الأشعث بن قيس خرج إلينا فقال ما يحدثكم أبو عبد الرحمن والجمع بينهما انه خرج عليهم من مكان كان فيه فدخل المكان الذي كانوا فيه وفي رواية الثوري عن الأعمش ومنصور جميعا كما سيأتي في الاحكام فجاء الأشعث وعبد الله يحدثهم ويجمع بأن خروجه من مكانه الذي كان فيه إلى المكان الذي كان فيه عبد الله وقع وعبد الله يحدثهم فلعل الأشعث تشاغل بشيء فلم يدرك تحديث عبد الله فسأل اصحابه عما حدثهم به قوله فقالوا كذا وكذا في رواية جرير فحدثناه وبين شعبة في روايته ان الذي حدثه بما حدثهم به بن مسعود هو أبو وائل الراوي ولفظه في الأشخاص قال فلقيني الأشعث فقال ما حدثكم عبد الله اليوم قلت كذا وكذا وليس بين قوله فلقيني وبين قوله في الرواية خرج إلينا فقال ما يحدثكم منافاة وانما انفرد في هذه الرواية لكونه المجيب قوله قال في أنزلت رواية جرير قال فقال صدق لفي والله أنزلت واللام لتأكيد القسم دخلت علي في ومراده أن الآية ليست بسبب خصومته التي يذكرها وفي رواية أبي معاوية في والله كان ذلك وزاد جرير عن منصور صدق قال بن مالك لفي والله نزلت شاهد على جواز توسط القسم بين جزئي الجواب وعلى ان اللام يجب وصلها بمعمولي الفعل الجوابي المتقدم لا بالفعل قوله كان لي في رواية الكشميهني كانت قوله بئر في رواية أبي معاوية ارض وادعى الإسماعيلي في الشرب ان أبا حمزة تفرد بقوله في بئر وليس كما قال فقد وافقه أبو عوانة كما ترى وكذا يأتي في الاحكام من رواية الثوري عن الأعمش ومنصور جميعا ومثله في رواية شعبة الماضية قريبا عنهم لكن بين ان ذلك في حديث الأعمش وحده ووقع في رواية جرير عن منصور في شيء ولبعضهم في بئر ووقع عند أحمد من طريق عاصم عن شقيق أيضا في بئر قوله في ارض بن عم لي كذا للأكثر ان الخصومة كانت في بئر يدعيها الأشعث في ارض لخصمه وفي رواية أبي معاوية كان بيني وبين رجل من اليهود ارض فجحدني ويجمع بأن المراد أرض البئر لا جميع الأرض التي هي ارض البئر والبئر من جملتها ولا منافاة بين قوله بن عم لي وبين قوله من اليهود لان جماعة من اليمن كانوا تهودوا لما غلب يوسف ذو نواس على اليمن فطرد عنها الحبشة فجاء الإسلام وهم على ذلك وقد ذكر ذلك بن إسحاق في أوائل السيرة النبوية مبسوطا وقد تقدم في الشرب ان اسم بن عمه المذكور الخفشيش بن معدان بن معد يكرب وبينت الخلاف في ضبط الخفشيش وأنه لقب واسمه جرير وقيل معدان حكاه بن طاهر والمعروف انه اسم وكنيته أبو الخير واخرج الطبراني من طريق الشعبي عن الأشعث قال خاصم رجل من الحضرميين رجلا منا يقال له الخفشيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ارض له فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي جئ بشهودك على حقك والاحلف لك الحديث قلت وهذا يخالف السياق الذي في الصحيح فان كان ثابتا حمل على تعدد القصة وقد اخرج أحمد والنسائي من حديث عدي بن عميرة الكندي قال خاصم رجل من كنده يقال له امرؤ القيس بن عابس الكندي رجلا من حضرموت في ارض فذكر نحو قصة الأشعث وفيه ان مكنته من اليمين ذهبت ارضى وقال من حلف فذكر الحديث وتلا الآية ومعد يكرب جد الخفشيش وهو جد الأشعث بن قيس بن معد يكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية فهو بن عمه حقيقة ووقع في رواية لأبي داود من طريق كردوس عن الأشعث ان رجلا من كندة ورجلا من حضرموت اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ارض من اليمن فذكر قصة تشبه قصة الباب الا ان بينهما اختلافا في السياق واظنها قصة أخرى فان مسلما اخرج من طريق علقمة بن وائل عن أبيه قال جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي ان هذا غلبني على ارض كانت لأبي وانما جوزت التعدد لان الحضرمي يغاير الكندي لان المدعى في حديث الباب هو الأشعث وهو الكندي جزما والمدعى في حديث وائل هو الحضرمي فافترقا ويجوز ان يكون الحضرمي نسب إلى البلد لا إلى القبيلة فان أصل نسبة القبيلة كانت إلى البلد ثم اشتهرت النسبة إلى القبيلة فلعل الكندي في هذه القصة كان يسكن حضرموت فنسب إليها والكندي لم يسكنها فاستمر على نسبته وقد ذكروا الخفشيش في الصحابة واستشكله بعض مشايخنا لقوله في الطريق المذكورة قريبا انه يهودي ثم قال يحتمل انه اسلم قلت وتمامه ان يقال انما وصفه الأشعث بذلك باعتبار ما كان عليه اولا ويؤيد إسلامه انه وقع في رواية كردوس عن الأشعث في آخر القصة انه لما سمع الوعيد المذكور قال هي ارضه فترك اليمين تورعا ففيه اشعار بإسلامه ويؤيده انه لو كان يهوديا ما بالى بذلك لأنهم يستحلون أموال المسلمين والى ذلك وقعت الإشارة بقوله تعالى حكاية عنهم ليس علينا في الاميين سبيل أي حرج ويؤيد كونه مسلما أيضا رواية الشعبي الآتية قريبا قوله فاتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية الثوري خاصمته وفي رواية جرير عن منصور فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أبي معاوية فجحدني فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فقال بينتك أو يمينه في رواية أبي معاوية فقال الك بينة فقلت لا فقال لليهودي احلف وفي رواية أبي حمزة فقال لي شهودك قلت ما لي شهود قال فيمينه وفي رواية وكيع عند مسلم ألك عليه بينه وفي رواية جرير عن منصور شاهداك أو يمينه وتقدم في الشهادات توجيه الرفع وانه يجوز النصب ويأتي نظيره في لفظ رواية الباب ويجوز ان يكون توجيه الرفع لك إقامة شاهديك أو طلب يمينه فحذف فيهما المضاف واقيم المضاف إليه مقامه فرفع والأصل في هذا التقدير قول سيبويه المثبت لك ما تدعيه شاهداك وتأويله المثبت لك هو شهادة شاهديك الخ قوله قلت إذا يحلف عليها يا رسول الله لم يقع في رواية أبي حمزة ما بعد قوله يحلف وتقدم في الشرب ان يحلف بالنصب لوجود شرائطه من الاستقبال وغيره وانه يجوز الرفع وذكر فيه توجيه ذلك وزاد في رواية أبي معاوية إذا يحلف ويذهب بمالي ووقع في حديث وائل من الزيادة بعد قوله الك بينة قال لا قال فلك يمينه قال انه فاجر ليس يبالي ما حلف عليه وليس يتورع من شيء قال ليس لك منه الا ذلك ووقع في رواية الشعبي عن الأشعث قال ارضي أعظم شأنا من ان يحلف عليها فقال ان يمين المسلم يدرأ بها أعظم من ذلك قوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف فذكر مثل حديث بن مسعود سواء وزاد وهو فيها فاجر وقد بينت ان هذه الزيادة وقعت في حديث بن مسعود عند أبي حمزة وغيره وزاد أبو حمزة فأنزل الله ذلك تصديقا له أي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقع في رواية منصور حديث من حلف من رواية الأشعث بل اقتصر على قوله فأنزل الله وساق الآية ووقع في رواية كردوس عن الأشعث فتهيأ الكندي لليمين وفي حديث وائل فانطلق ليحلف فلما ادبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث ووقع في رواية الشعبي عن الأشعث فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان هو حلف كاذبا أدخله الله النار فذهب الأشعث فأخبره القصة فقال اصلح بيني وبينه قال فاصلح بينهما وفي حديث عدي بن عميرة فقال له امرؤ القيس ما لمن تركها يا رسول الله قال الجنة قال اشهد اني قد تركتها له كلها وهذا يؤيد ما أشرت إليه من تعدد القصة وفي الحديث سماع الحاكم الدعوى فيما لم يره إذا وصف وحدد وعرفه المتداعيان لكن لم يقع في الحديث تصريح بوصف ولا تحديد فاستدل به القرطبي على ان الوصف والتحديد ليس بلازم لذاته بل يكفي في صحة الدعوى تمييز المدعي به تمييزا ينضبط به قلت ولا يلزم من ترك ذكر التحديد والوصف في الحديث ان لا يكون ذلك وقع ولا يستدل بسكوت الراوي عنه بأنه لم يقع بل يطالب من جعل ذلك شرطا بدليله فإذا ثبت حمل على انه ذكر في الحديث ولم ينقله الراوي وفيه ان الحاكم يسأل المدعي هل له بينة وقد ترجم بذلك في الشهادات وان البينة على المدعي في الأموال كلها واستدل به لمالك في قوله ان من رضي بيمين غريمه ثم أراد إقامة البينة بعد حلفه انها لا تسمع الا ان اتى بعذر يتوجه له في ترك اقامتها قبل استحلافه قال بن دقيق العيد ووجهه ان أو تقتضي أحد الشيئين فلو جاز إقامة البينة بعد الاستحلاف لكان له الامران معا والحديث يقتضي انه ليس له الا أحدهما قال وقد يجاب بأن المقصود من هذا الكلام نفي طريق أخرى لاثبات الحق فيعود المعنى إلى حصر الحجة في البينة واليمين ثم أشار إلى ان النظر إلى اعتبار مقاصد الكلام وفهمه يضعف هذا الجواب قال وقد يستدل الحنفية به في ترك العمل بالشاهد واليمين في الأموال قلت والجواب عنه بعد ثبوت دليل العمل بالشاهد واليمين انها زيادة صحيحة يجب المصير إليها لثبوت ذلك بالمنطوق وانما يستفاد نفيه من حديث الباب بالمفهوم واستدل به على توجيه اليمين في الدعاوى كلها على من ليست له بينة وفيه بناء الاحكام على الظاهر وان كان المحكوم له في نفس الأمر مبطلا وفيه دليل للجمهور ان حكم الحاكم لا يبيح للإنسان ما لم يكن حلالا له خلافا لأبي حنيفة كذا اطلقه النووي وتعقب بأن بن عبد البر نقل الإجماع على ان الحكم لا يحل حراما في الباطن في الأموال قال واختلفوا في حل عصمة نكاح من عقد عليها بظاهر الحكم وهي في الباطن بخلافه فقال الجمهور الفروج كالاموال وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وبعض المالكية ان ذلك انما هو في الأموال دون الفروج وحجتهم في ذلك اللعان انتهى وقد طرد ذلك بعض الحنفية في بعض المسائل في الأموال والله اعلم وفيه التشديد على من حلف باطلا ليأخذ حق مسلم وهو عند الجميع محمول على من مات على غير توبة صحيحة وعند أهل السنة محمول على من شاء الله ان يعذبه كما تقدم تقريره مرارا وآخرها في الكلام على حديث أبي ذر في كتاب الرقاق وقوله ولا ينظر الله إليه قال في الكشاف هو كناية عن عدم الاحسان إليه عند من يجوز عليه النظر مجاز عند من لا يجوزه والمراد بترك التزكية ترك الثناء عليه وبالغضب إيصال الشر إليه وقال المازري ذكر بعض أصحابنا ان فيه دلالة على ان صاحب اليد أولى بالمدعى فيه وفيه التنبيه على صورة الحكم في هذه الأشياء لأنه بدأ بالطالب فقال ليس لك الا يمين الاخر ولم يحكم بها للمدعي عليه إذا حلف بل انما جعل اليمين تصرف دعوى المدعى لا غير ولذلك ينبغي للحاكم إذا حلف المدعي عليه ان لا يحكم له بملك المدعى فيه ولا بحيازته بل يقره على حكم يمينه واستدل به على انه لا يشترط في المتداعيين ان يكون بينهما اختلاط أو يكونا ممن يتهم بذلك ويليق به لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المدعى عليه هنا بالحلف بعد ان سمع الدعوى ولم يسأل عن حالهما وتعقب بأنه ليس فيه التصريح بخلاف ما ذهب إليه من قال به من المالكية لاحتمال ان يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم من حاله ما اغناه عن السؤال فيه وقد قال خصمه عنه انه فاجر لا يبالي ولا يتورع عن شيء ولم ينكر عليه ذلك ولو كان بريئا مما قال لبادر للانكار عليه بل في بعض طرق الحديث ما يدل على ان الغصب المدعى به وقع في الجاهلية ومثل ذلك تسمع الدعوى بيمينه فيه عندهم وفي الحديث أيضا ان يمين الفاجر تسقط عنه الدعوى وان فجوره في دينه لا يوجب الحجر عليه ولا ابطال اقراره ولولا ذلك لم يكن لليمين معنى وان المدعى عليه ان أقر ان أصل المدعي لغيره لا يكلف لبيان وجه مصيره إليه ما لم يعلم إنكاره لذلك يعني تسليم المطلوب له ما قال قال وفيه ان من جاء بالبينة قضى له بحقه من غير يمين لأنه محال ان يسأله عن البينة دون ما يجب له الحكم به ولو كانت اليمين من تمام الحكم له لقال له بينتك ويمينك على صدقها وتعقب بأنه لا يلزم من كونه لا يحلف مع بينته على صدقها فيما شهدت ان الحكم له لا يتوقف بعد البينة على حلفه بأنه ما خرج عن ملكه ولا وهبه مثلا وأنه يستحق قبضه فهذا وان كان لم يذكر في الحديث فليس في الحديث ما ينفيه بل فيه ما يشعر بالاستغناء عن ذكر ذلك لان في بعض طرقه ان الخصم اعترف وسلم المدعى به للمدعى فأغنى ذلك عن طلبه يمينه والغرض ان المدعى ذكر انه لا بينة له فلم تكن اليمين الا في جانب المدعى عليه فقط وقال القاضي عياض وفي هذا الحديث من الفوائد أيضا البداءة بالسماع من الطالب ثم من المطلوب هل يقر أو ينكر ثم طلب البينة من الطالب ان انكر المطلوب ثم توجيه اليمين على المطلوب إذا لم يجد الطالب البينة وان الطالب إذا ادعى ان المدعى به في يد المطلوب فاعترف استغنى عن إقامة البينة بأن يد المطلوب عليه قال وذهب بعض العلماء إلى ان كل ما يجري بين المتداعيين من تساب بخيانة وفجور هدر لهذا الحديث وفيه نظر لأنه انما نسبه إلى الغصب في الجاهلية والى الفجور وعدم التوقي في الإيمان في حال اليهودية فلا يطرد ذلك في حق كل أحد وفيه موعظة الحاكم المطلوب إذا أراد ان يحلف خوفا من ان يحلف باطلا فيرجع إلى الحق بالموعظة واستدل به القاضي أبو بكر بن الطيب في سؤال أحد المتناظرين صاحبه عن مذهبه فيقول له الك دليل على ذلك فان قال نعم سأله عنه ولا يقول له ابتداء ما دليلك على ذلك ووجه الدلالة انه صلى الله عليه وسلم قال للطالب الك بينة ولم يقل له قرب بينتك وفيه إشارة إلى ان لليمين مكانا يختص به لقوله في بعض طرقه فانطلق ليحلف وقد عهد في عهده صلى الله عليه وسلم الحلف عند منبره وبذلك احتج الخطابي فقال كانت المحاكمة والنبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فانطلق المطلوب ليحلف فلم يكن انطلاقه الا إلى المنبر لأنه كان في المسجد فلا بد ان يكون انطلاقه إلى موضع أخص منه وفيه ان الحالف يحلف قائما لقوله فلما قام ليحلف وفيه نظر لان المراد بقوله قام ما تقدم من قوله انطلق ليحلف واستدل به الشافعي أن من اسلم وبيده مال لغيره انه يرجع إلى مالكه إذا أثبته وعن المالكية اختصاصه بما إذا كان المال لكافر واما إذا كان لمسلم وأسلم عليه الذي هو بيده فإنه يقر بيده والحديث حجة عليهم وقال بن المنير في الحاشية يستفاد منه ان الآية المذكورة في هذا الحديث نزلت في نقض العهد وان اليمين الغموس لا كفارة فيها لان نقض العهد لا كفارة فيه كذا قال وغايته انها دلالة اقتران وقال النووي يدخل في قوله من اقتطع حق امرئ مسلم من حلف على غير مال كجلد الميتة والسرجين وغيرهما مما ينتفع به وكذا سائر الحقوق كنصيب الزوجة بالقسم واما التقييد بالمسلم فلا يدل على عدم تحريم حق الذمي بل هو حرام أيضا لكن لا يلزم ان يكون فيه هذه العقوبة العظيمة وهو تأويل حسن لكن ليس في الحديث المذكور دلالة على تحريم حق الذمي بل ثبت بدليل اخر والحاصل ان المسلم والذمي لا يفترق الحكم في الأمر فيهما في اليمين الغموس والوعيد عليها وفي اخذ حقهما باطلا وانما يفترق قدر العقوبة بالنسبة إليهما قال وفيه غلظ تحريم حقوق المسلمين وأنه لا فرق بين قليل الحق وكثيره في ذلك وكأن مراده عدم الفرق في غلظ التحريم لا في مراتب الغلظ وقد صرح بن عبد السلام في القواعد بالفرق بين القليل والكثير وكذا بين ما يترتب عليه كثير المفسدة وحقيرها وقد ورد الوعيد في الحالف الكاذب في حق الغير مطلقا في حديث أبي ذر ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم الحديث وفيه والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أخرجه مسلم وله شاهد عند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ ورجل حلف على سلعته بعد العصر كاذبا

Section V11/P563–V11/P564

1 ( قوله باب اليمين فيما لا يملك وفي المعصية والغضب ) ذكر فيه ثلاثة أحاديث يؤخذ منها حكم ما في الترجمة على الترتيب وقد تؤخذ الاحكام الثلاثة من كل منها ولو بضرب من التأويل وقد ورد في الأمور الثلاثة على غير شرطه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا لا نذر ولا يمين فيما لا يملك بن آدم أخرجه أبو داود والنسائي ورواته لا بأس بهم لكن اختلف في سنده على عمرو وفي بعض طرقه عند أبي داود ولا في معصية وللطبراني في الأوسط عن بن عباس رفعه لا يمين في غضب الحديث وسنده ضعيف 6300 الحديث الأول حديث أبي موسى في قصة طلبهم الحملان في غزوة تبوك اقتصر منه على بعضه وفيه فقال لا أحملكم وقد ساقه تاما في غزوة تبوك بالسند المذكور هنا وفيه فقال والله لا أحملكم وهو الموافق للترجمة وأشار بقوله فيما لا يملك إلى ما وقع في بعض طرقه كما سيأتي في باب الكفارة قبل الحنث فقال والله لا احملكم وما عندي ما احملكم وقد احلت بشرح الحديث على الباب المذكور قال بن المنير فهم بن بطال عن البخاري انه نحا بهذه الترجمة لجهة تعليق الطلاق قبل ملك العصمة أو الحرية قبل ملك الرقبة فنقل الاختلاف في ذلك وبسط القول فيه والحجج والذي يظهر ان البخاري قصد غير هذا وهو ان النبي صلى الله عليه وسلم حلف ان لا يحملهم فلما حملهم راجعوه في يمينه فقال ما انا حملتكم ولكن الله حملكم فبين ان يمينه انما انعقدت فيما يملك فلو حملهم على ما يملك لحنث وكفر ولكنه حملهم على ما لا يملكه ملكا خاصا وهو مال الله وبهذا لا يكون قد حنث في يمينه وأما قوله عقب ذلك لا احلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها فهو تأسيس قاعدة مبتدأة كأنه يقول ولو كنت حلفت ثم رأيت ترك ما حلفت عليه خيرا منه لأحنثت نفسي وكفرت عن يميني قال وهم انما سألوه ان يحملهم ظنا انه يملك حملانا فحلف لا يحملهم على شيء يملكه لكونه كان حينئذ لا يملك شيئا من ذلك قال ولا خلاف ان من حلف على شيء وليس في ملكه انه لا يفعل فعلا معلقا بذلك الشيء مثل قوله والله لان ركبت مثلا هذا البعير لأفعلن كذا لبعير لا يملكه انه لو ملكه وركبه حنث وليس هذا من تعليق اليمين على الملك قلت وما قاله محتمل وليس ما قاله بن بطال أيضا ببعيد بل هو أظهر وذلك ان الصحابة الذين سألوا الحملان فهموا انه حلف وانه فعل خلاف ما حلف أنه لا يفعله فلذلك لما أمر لهم بالحملان بعد قالوا تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه وظنوا أنه نسي حلفه الماضي فأجابهم أنه لم ينس ولكن الذي فعله خير مما حلف عليه وانه إذا حلف فرأى خيرا من يمينه فعل الذي حلف أن لا يفعله وكفر عن يمينه وسيأتي واضحا في باب الكفارة قبل الحنث ويأتي مزيد لمسألة اليمين فيما لا يملك في باب النذر فيما لا يملك ان شاء الله تعالى

Section V11/P564–V11/P566

6301 الحديث الثاني ذكر طرفا من حديث الإفك وعبد العزيز شيخه هو بن عبد الله الأويسي وإبراهيم هو بن سعد وصالح هو بن كيسان وحجاج شيخه في السند الثاني هو بن المنهال وقد أورده عن عبد العزيز بطوله في المغازي وأورد عن حجاج بهذا السند أيضا منه قطعة في الشهادات تتعلق بقول بريرة ما علمت الا خيرا وقطعة في الجهاد فيمن أراد سفرا فأقرع بين نسائه وقطعة في تفسير سورة يوسف مقرونا أيضا برواية عبد العزيز في قول يعقوب فصبر جميل وقطعة في غزوة بدر في قصة أم مسطح وقول عائشة لها تسبين رجلا شهد بدرا وقطعة في التوحيد في قول عائشة ما كنت اظن ان الله ينزل في شأني وحيا يتلى ومجموع ما أورده عنه لا يجيء قدر عشر الحديث والغرض منه قوله فيه قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح والله لا انفق على مسطح وهو موافق لترك اليمين في المعصية لأنه حلف ان لا ينفع مسطحا لكلامه في عائشة فكان حالفا على ترك طاعة فنهى عن الاستمرار على ما حلف عليه فيكون النهي عن الحلف على فعل المعصية بطريق الأولى والظاهر من حاله عند الحلف ان يكون قد غضب على مسطح من اجل قوله الذي قاله وقال الكرماني لا مناسبة لهذا الحديث بالجزءين الأولين الا ان يكون قاسهما على الغضب أو المراد بقوله وفي المعصية وفي شأن المعصية لأن الصديق حلف بسبب افك مسطح والافك من المعصية وكذا كل ما لا يملك الشخص فالحلف عليه موجب للتصرف فيما لا يملكه قبل ذلك أي ليس له ان يفعله شرعا انتهى ولا يخفى تكلفه والأولى انه لا يلزم ان يكون كل خبر في الباب يطابق جميع ما في الترجمة ثم قال الكرماني الظاهر انه من تصرفات النقلة من أصل البخاري فإنه مات وفيه مواضع مبيضة من تراجم بلا حديث وأحاديث بلا ترجمة فأضافوا بعضا إلى بعض قلت وهذا انما يصار إليه إذا لم تتجه المناسبة وقد بينا توجيهها والله اعلم الحديث الثالث 6302 قوله حدثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو وعبد الوارث هو بن سعيد وأيوب هو السختياني والقاسم هو بن عاصم وزهدم هو بن مضرب الجرمي والجميع بصريون وقوله فوافقته وهو غضبان مطابق لبعض الترجمة وفي القصة نحو ما في قصة أبي بكر من الحلف على ترك طاعة لكن بينهما فرق وهو ان حلف النبي صلى الله عليه وسلم وافق ان لا شيء عنده مما حلف عليه بخلاف حلف أبي بكر فإنه حلف وهو قادر على فعل ما حلف على تركه قال بن المنير لم يذكر البخاري في الباب ما يناسب ترجمة اليمين على المعصية الا ان يريد بيمين أبي بكر على قطيعه مسطح وليست بقطيعة بل هي عقوبة له على ما ارتكب من المعصية بالقذف ولكن يمكن ان يكون أبو بكر حلف على خلاف الأولى فإذا نهى عن ذلك حتى احنث نفسه فعل ما حلف على تركه فمن حلف على فعل المعصية يكون أولى قال وكذلك قوله فأرى خيرا منها يقتضى ان الحنث لفعل ما هو الأولى يقتضي الحنث لترك ما هو معصية بطريق الأولى قال ولهذا يقضى بحنث من حلف على معصية من قبل ان يفعلها انتهى والقضاء المذكور عند المالكية كما سيأتي بسطه في باب النذر في المعصية قال بن بطال في حديث أبي موسى الرد على من قال ان يمين الغضبان لغو 1 ( قوله باب إذا قال والله لا اتكلم اليوم فصلى أو قرأ أو سبح )

Section V11/P566–V11/P567

إلى ان قال فهو على نيته أي ان أراد إدخال القراءة والذكر حنث إذا قرأ أو ذكر وان أراد ان لا يدخلهما لم يحنث ولم يتعرض لما إذا اطلق والجمهور على أنه لا يحنث وعن الحنفية يحنث وفرق بعض الشافعية بين القرآن فلا يحنث به ويحنث بالذكر وحجة الجمهور ان الكلام في العرف ينصرف إلى كلام الادميين وانه لا يحنث بالقراءة والذكر داخل الصلاة فليكن كذلك خارجها ومن الحجة في ذلك الحديث الذي عند مسلم ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس انما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن فحكم للذكر والقراءة بغير حكم كلام الناس وقال بن المنير معنى قول البخاري هو على نيته أي العرفية قال ويحتمل ان يكون مراده انه لا يحنث بذلك الا ان نوى ادخاله في نيته فيؤخذ منه حكم الإطلاق قال ومن فروع المسألة لو حلف لا كلمت زيدا ولا سلمت عليه فصلى خلفه فسلم الامام وسلم المأموم التسليمة التي يخرج بها من الصلاة فلا يحنث بها جزما بخلاف التسليمة التي يرد بها على الامام فلا يحنث أيضا لأنها ليست مما ينويه الناس عرفا وفيه الخلاف انتهى وهو على مذهبهم ويأتي نظيره عندنا في التسليمة الثانية إذا كان من حلف لا يكلمه عن يساره فلا يحنث الا ان قصد الرد عليه قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الكلام أربع سبحان الله الخ هذا من الأحاديث التي لم يصلها البخاري في موضع آخر وقد وصله النسائي من طريق ضرار بن مرة عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعا بلفظه وأخرجه مسلم من حديث سمرة بن جندب لكن بلفظ احب بدل أفضل وأخرجه بن حبان من هذا الطريق بلفظ أفضل ولحديث أبي هريرة طريق أخرى أخرجها النسائي وصححها بن حبان من طريق أبي حمزة السكري عن الأعمش عن أبي صالح عنه بلفظ خير الكلام أربع لا يضرك بأيهن بدأت فذكره وأخرجه أحمد عن وكيع عن الأعمش فأبهم الصحابي وأخرجه النسائي من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن السلولي عن كعب الأحبار من قوله وقد بينت معاني هذه الألفاظ الأربعة في باب فضل التسبيح من كتاب الدعوات قوله وقال أبو سفيان كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم هذا طرف ذكره بالمعنى من الحديث الطويل وقد شرحته بطوله في أول الصحيح وفي تفسير آل عمران والغرض منه ومن جميع ما ذكر في الباب ان ذكر الله من جملة الكلام وإطلاق كلمة على مثل سبحان الله وبحمده من إطلاق البعض على الكل قوله وقال مجاهد كلمة التقوى لا إله إلا الله وصله عبد بن حميد من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد بهذا موقوفا على مجاهد وقد جاء مرفوعا من أحاديث جماعة من الصحابة منهم أبي بن كعب وأبو هريرة وبن عباس وسلمة بن الأكوع وبن عمر أخرجها كلها أبو بكر بن مردويه في تفسيره وحديث أبي عند الترمذي وذكر انه سأل أبا زرعة عنه فلم يعرفه مرفوعا الا من هذا الوجه وأخرجه أبو العباس البريقي في جزئه المشهور موقوفا على جماعة من الصحابة والتابعين ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث حديث سعيد بن المسيب عن أبيه لما حضرت أبا طالب الوفاة الحديث مختصر وقد تقدم بتمامه وشرحه في السيرة النبوية والغرض منه قوله صلى الله عليه وسلم قل لا إله إلا الله كلمة احاج بضم أوله وتشديد آخره وأصله احاجج والمراد أظهر لك بها الحجة وحديث أبي هريرة كلمتان خفيفتان على اللسان الحديث وقد تقدم في الدعوات ويأتي شرحه مستوفى في آخر الكتاب وحديث عبد الله وهو بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أخرى الحديث وقد مضى الكلام عليه في أوائل كتاب الجنائز وذكرت ما وقع للنووي فيه ووقع في تفسير البقرة بيان الكلمة المرفوعة من الكلمة الموقوفة قال الكرماني المتجه ان يقول من مات لا يجعل لله ندا لا يدخل النار لكن لما كان دخول الجنة محققا للموحد جزم به ولو كان آخرا

Section V11/P567–V11/P568

1 ( قوله باب من حلف ان لا يدخل على أهله شهرا وكان الشهر تسعا وعشرين ) أي ثم دخل فإنه لا يحنث هذا يتصور إذا وقع الحلف أول جزء من الشهر اتفاقا فان وقع في اثناء الشهر ونقص هل يتعين ان يلفق ثلاثين أو يكتفي بتسع وعشرين فالأول قول الجمهور وقالت طائفة منهم بن عبد الحكم من المالكية بالثاني وقد تقدم بيان ذلك في آخر شرح حديث عمر الطويل في آخر النكاح ومضى الكلام على تفسير الايلاء وعلى حديث أنس المذكور في هذا الباب في باب الايلاء واحتج الطحاوي للجمهور بالحديث الصحيح الماضي في الصيام بلفظ الشهر تسع وعشرون فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإذا غم عليكم فأكملوا ثلاثين قال فأوجب عليهم إذا أغمى ثلاثين وجعله على الكمال حتى يروا الهلال قبل ذلك قلت وهذا انما يحتج به على من زعم انه إذا وقعت يمينه في اثناء الشهر ان يكتفى بتسع وعشرين سواء كان ذلك الشهر الذي حلف فيه تسعا وعشرين أو ثلاثين وقد نقل هو هذا المذهب عن قوم وأما قول بن عبد الحكم فانما يصلح تعقبه بحديث عائشة قالت لا والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الشهر تسع وعشرون وانما والله اعلم بما قال في ذلك انه قال حين هجرنا لأهجرنكن شهرا ثم جاء لتسع وعشرين فسألته فقال ان شهرنا هذا كان تسعا وعشرين قال الطحاوي بعد تخريجه يعرف بذلك ان يمينه كانت مع رؤية الهلال كذا قال وليس ذلك صريحا في الحديث والله اعلم 1 ( قوله باب إذا حلف ان لا يشرب نبيذا فشرب طلاء ) في رواية الطلاء بزيادة لام قوله أو سكرا بفتح المهملة وتخفيف الكاف قوله أو عصيرا لم يحنث في قول بعض الناس وليست هذه بأنبذة عنده في رواية الكشميهني وليس وقد تقدم تفسير الطلاء والسكر والنبيذ في كتاب الأشربة قال المهلب الذي عليه الجمهور ان من حلف ان لا يشرب النبيذ بعينه لا يحنث بشرب غيره ومن حلف لا يشرب نبيذا لما يخشى من السكر به فإنه يحنث بكل ما يشربه مما يكون فيه المعنى المذكور فان سائر الأشربة من الطبيخ والعصير تسمى نبيذا لمشابهتها له في المعنى فهو كمن حلف لا يشرب شرابا وأطلق فإنه يحنث بكل ما يقع عليه اسم شراب قال بن بطال ومراد البخاري ببعض الناس أبو حنيفة ومن تبعه فانهم قالوا ان الطلاء والعصير ليسا بنبيذ لأن النبيذ في الحقيقة ما نبذ في الماء ونقع فيه ومنه سمى المنبوذ منبوذا لأنه نبذ أي طرح فأراد البخاري الرد عليهم وتوجيهه من حديثي الباب ان حديث سهل يقتضي تسمية ما قرب عهده بالانتباذ نبيذا وان حل شربه وقد تقدم في الأشربة من حديث عائشة انه صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له ليلا فيشربه غدوة وينبذ له غدوة فيشربه عشية وحديث سودة يؤيد ذلك فانها ذكرت انهم صاروا ينتبذون في جلد الشاة التي ماتت وما كانوا ينبذون الا ما يحل شربه ومع ذلك كان يطلق عليه اسم نبيذ فالنقيع في حكم النبيذ الذي لم يبلغ حد السكر والعصير من العنب الذي بلغ حد السكر في معنى النبيذ من التمر الذي بلغ حد السكر وزعم بن المنير في الحاشية ان الشارح بمعزل عن مقصود البخاري هنا قال وانما أراد تصويب قول الحنفية ومن ثم قال لم يحنث ولا يضره قوله بعده في قول بعض الناس فإنه لو أراد خلافه لترجم على انه يحنث وكيف يترجم على وفق مذهب ثم يخالفه انتهى والذي فهمه بن بطال أوجه وأقرب إلى مراد البخاري والحاصل ان كل شيء يسمى في العرف نبيذا يحنث به الا ان نوى شيئا بعينه فيختص به والطلاء يطلق على المطبوخ من عصير العنب وهذا قد ينعقد فيكون دبسا وربا فلا يسمى نبيذا أصلا وقد يستمر مائعا ويسكر كثيره فيسمى في العرف نبيذا بل نقل ذلك بن التين عن أهل اللغة ان الطلاء جنس من الشراب وعن بن فارس انه من أسماء الخمر وكذلك السكر يطلق على العصير قبل ان يتخمر وقيل هو ما اسكر منه ومن غيره ونقل الجوهري ان نبيذ التمر والعصير ما يعصر من العنب فيسمى بذلك ولو تخمر وقد مضى شرح حديث سهل في الوليمة من كتاب النكاح وعلى شيخه هو بن المديني وأما حديث سودة فهي بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية من بني عامر بن لؤي القرشية زوج النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت خديجة وهو بمكة ودخل بها قبل الهجرة

Section V11/P568–V11/P570

6308 قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك قوله فدبغنا مسكها بفتح الميم وبالمهملة أي جلدها قوله حتى صار شنا بفتح المعجمة وتشديد النون أي باليا والشنة القربة العتيقة وقد اخرج النسائي من طريق مغيرة بن مقسم عن الشعبي عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا في دباغ جلد الشاة الميتة غير هذا وأشار المزي في الأطراف إلى ان ذلك علة لرواية إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي التي في الباب وليس كذلك بل هما حديثان متغايران في السياق وان كان كل منهما من رواية الشعبي عن بن عباس ورواية مغيرة هذه توافق لفظ رواية عطاء عن بن عباس عن ميمونة وهي عند مسلم وأخرجها البخاري من رواية عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس بغير ذكر ميمونة ولا ذكر الدباغ فيه ومضى الكلام على ذلك مستوفي في اواخر كتاب الأطعمة قال بن أبي جمرة في حديث سودة الرد على من زعم ان الزهد لا يتم الا بالخروج عن جميع ما يتملك لأن موت الشاة يتضمن سبق ملكها واقتنائها وفيه جواز تنمية المال لأنهم أخذوا جلد الميتة فدبغوه فانتفعوا به بعد ان كان مطروحا وفيه جواز تناول ما يهضم الطعام لما دل عليه الانتباذ وفيه إضافة الفعل إلى المالك وان باشره غيره كالخادم اه ملخصا 1 ( قوله باب إذا حلف ان لا يأتدم فأكل تمرا بخبز ) أي هل يكون مؤتدما فيحنث أم لا قوله وما يكون منه الأدم هي جملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء أي وباب بيان ما يحصل به الائتدام ذكر فيه حديثين حديث عائشة ما شبع آل محمد من خبز بر مأدوم وهو طرف من حديث مضى في الأطعمة بتمامه وكذا التعليق المذكور بعده عن محمد بن كثير مضى ذكر من وصله عنه وعابس بمهملة وبعد الالف موحدة ثم مهملة وقوله في آخره قال لعائشة بهذا قال الكرماني أي روى عنها أو قال لها مستفهما ما شبع آل محمد فقالت نعم قلت والواقع خلاف هذا التقدير وهو بين فيما أخرجه الطبراني والبيهقي من وجهين آخرين وهو ان عابسا قال لعائشة انهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الأضاحي فذكر الحديث وفي آخره ما شبع الخ والنكتة في إيراده طريق محمد بن كثير الإشارة إلى ان عابسا لقى عائشة وسألها لرفع ما يتوهم في العنعنة في الطريق التي قبلها من الانقطاع وقد تقدم شرح الحديث في كتاب الرقاق الثاني حديث أنس في قصة اقراص الشعير وأكل القوم وهم سبعون أو ثمانون رجلا حتى شبعوا وقد مضى شرحه في علامات النبوة والقصد منه

Section V11/P570–V11/P571

6310 قوله فأمر بالخبز ففت وعصرت أم سليم عكة لها فأدمته أي خلطت ما حصل من السمن بالخبز المفتوت قال بن المنير وغيره مقصود البخاري الرد على من زعم انه لا يقال ائتدم الا إذا أكل بما اصطبغ به قال ومناسبته لحديث عائشة ان المعلوم انها ارادت نفي الادام مطلقا بقرينة ما هو معروف من شظف عيشهم فدخل فيه التمر وغيره وقال الكرماني وجه المناسبة ان التمر لما كان موجودا عندهم وهو غالب اقواتهم وكانوا شباعى منه علم ان أكل الخبز به ليس ائتداما قال ويحتمل ان يكون ذكر هذا الحديث في هذا الباب لأدنى ملابسة وهو لفظ المأدوم لكونه لم يجد شيئا على شرطه قال ويحتمل ان يكون إيراد هذا الحديث في هذه الترجمة من تصرف النقلة قلت والأول مباين لمراد البخاري والثاني هو المراد لكن بأن ينضم إليه ما ذكره بن المنير والثالث بعيد جدا قال بن المنير وأما قصة أم سليم فظاهره المناسبة لان السمن اليسير الذي فضل في قعر العكة لا يصطبغ به الاقراص التي فتتها وانما غايته ان يصير في الخبز من طعم السمن فأشبه ما إذا خالط التمر عند الأكل ويؤخذ منه ان كل شيء يسمى عند الإطلاق اداما فان الحالف ان لا يأتدم يحنث إذا اكله مع الخبز وهذا قول الجمهور سواء كان يصطبغ به أم لا وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يحنث إذا ائتدم بالجبن والبيض وخالفهما محمد بن الحسن فقال كل شيء يؤكل مع الخبز مما الغالب عليه ذلك كاللحم المشوي والجبن ادم وعن المالكية يحنث بكل ما هو عند الحالف ادم ولكل قوم عادة ومنهم من استثنى الملح جريشا كان أو مطيبا تنبيه من حجة الجمهور حديث عائشة في قصة بريدة فدعا بالغداء فاتى بخبز وادام من ادم البيت الحديث وقد مضى شرحه مستوفى في مكانه وترجم له المصنف في الأطعمة باب الأدم قال بن بطال دل هذا الحديث على ان كل شيء في البيت مما جرت العادة بالإئتدام به يسمى ادما مائعا كان أو جامدا وكذا حديث تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة وأدامهم زائدة كبد الحوت وقد تقدم شرحه في كتاب الرقاق وفي خصوص اليمين المذكورة في الترجمة حديث يوسف بن عبد الله بن سلام رأيت النبي صلى الله عليه وسلم اخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة وقال هذه ادام هذه أخرجه أبو داود والترمذي بسند حسن قال بن القصار لا خلاف بين أهل اللسان ان من أكل خبزا بلحم مشوي انه ائتدم به فلو قال اكلت خبزا بلا ادام كذب وان قال اكلت خبزا بإدام صدق واما قول الكوفيين الادام اسم للجمع بين الشيئين فدل على ان المراد ان يستهلك الخبز فيه بحيث يكون تابعا له بأن تتداخل اجزاؤه في اجزائه وهذا لا يحصل الا بما يصطبغ به فقد أجاب من خالفهم بأن الكلام الأول مسلم لكن دعوى التداخل لا دليل عليه قبل التناول وانما المراد الجمع ثم الاستهلاك بالأكل فيتداخلان حينئذ 1 ( قوله باب النية في الأيمان )

Section V11/P571–V11/P572

بفتح الهمزة للجميع وحكى الكرماني ان في بعض النسخ بكسر الهمزة ووجهه بأن مذهب البخاري ان الأعمال داخلة في الإيمان قلت وقرينة ترجمة كتاب الإيمان والنذور كافية في توهين الكسر وعبد الوهاب المذكور في السند هو بن عبد المجيد الثقفي ومحمد بن إبراهيم هو التيمي وقد تقدم شرح حديث الأعمال في أول بدء الوحي ومناسبته للترجمة ان اليمين من جملة الأعمال فيستدل به على تخصيص الألفاظ بالنية زمانا ومكانا وان لم يكن في اللفظ ما يقتضي ذلك كمن حلف ان لا يدخل دار زيد وأراد في شهر أو سنة مثلا أو حلف ان لا يكلم زيدا مثلا وأراد في منزله دون غيره فلا يحنث إذا دخل بعد شهر أو سنة في الأولى ولا إذا كلمه في دار أخرى في الثانية واستدل به الشافعي ومن تبعه فيمن قال ان فعلت كذا فأنت طالق ونوى عددا انه يعتبر العدد المذكور وان لم يلفظ به وكذا من قال ان فعلت كذا فأنت بائن ان نوى ثلاثا بانت وان نوى ما دونها وقع ما نوى رجعيا وخالف الحنفية في الصورتين واستدل به على ان اليمين على نية الحالف لكن فيما عدا حقوق الادميين فهي على نية المستحلف ولا ينتفع بالتورية في ذلك إذا اقتطع بها حقا لغيره وهذا إذا تحاكما واما في غير المحاكمة فقال الأكثر نية الحالف وقال مالك وطائفة نية المحلوف له وقال النووي من ادعى حقا على رجل فأحلفه الحاكم انعقدت يمينه على ما نواه الحاكم ولا تنفعه التورية اتفاقا فان حلف بغير استحلاف الحاكم نفعت التورية الا انه ان أبطل بها حقا اثم وان لم يحنث وهذا كله إذا حلف بالله فان حلف بالطلاق أو العتاق نفعته التورية ولو حلفه الحاكم لان الحاكم ليس له ان يحلفه بذلك كذا اطلق وينبغي فيما إذا كان الحاكم يرى جواز التحليف بذلك ان لا تنفعه التورية قوله باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة كذا للجميع الا للكشميهني فعنده القربة بدل التوبة وكذا رأيته في مستخرج الإسماعيلي قال الكرماني وقوله أهدى أي تصدق بماله أو جعله هدية للمسلمين وهذا الباب هو أول أبواب النذور والنذر في اللغة التزام خير أو شر وفي الشرع التزام المكلف شيئا لم يكن عليه منجزا أو معلقا وهو قسمان نذر تبرر ونذر لجاج ونذر التبرر قسمان أحدهما ما يتقرب به ابتداء كلله على ان اصوم كذا ويلتحق به ما إذا قال لله علي ان اصوم كذا شكرا على ما انعم به علي من شفاء مريضي مثلا وقد نقل بعضهم الاتفاق على صحته واستحبابه وفي وجه شاذ لبعض الشافعية انه لا ينعقد والثاني ما يتقرب به معلقا بشيء ينتفع به إذا حصل له كإن قدم غائبي أو كفاني شر عدوي فعلى صوم كذا مثلا والمعلق لازم اتفاقا وكذا المنجز في الراجح ونذر اللجاج قسمان أحدهما ما يعلقه على فعل حرام أو ترك واجب فلا ينعقد في الراجح الا ان كان فرض كفاية أو كان في فعله مشقة فيلزمه ويلتحق به ما يعلقه على فعل مكروه والثاني ما يعلقه على فعل خلاف الأولى أو مباح أو ترك مستحب وفيه ثلاثة أقوال للعلماء الوفاء أو كفارة يمين أو التخيير بينهما واختلف الترجيح عند الشافعية وكذا عند الحنابلة وجزم الحنفية بكفارة اليمين في الجميع والمالكية بأنه لا ينعقد أصلا

Section V11/P572–V11/P573

6312 قوله أخبرني يونس هو بن يزيد الأيلي قوله عن عبد الله بن كعب هو والد عبد الرحمن الراوي عنه وقد مضى في تفسير سورة براءة عن أحمد بن صالح حدثني بن وهب أخبرني يونس قال أحمد وحدثنا عنبسة حدثنا يونس عن بن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن كعب أخبرني عبد الله بن كعب ثم أخرجه من طريق إسحاق بن راشد عن بن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قوله سمعت كعب بن مالك يقول في حديثه وعلى الثلاثة الذين خلفوا أي الحديث الطويل في قصة تخلفه في غزوة تبوك ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامه وكلام رفيقيه وقد تقدم بطوله مع شرحه في المغازي لكن بوجه آخر عن بن شهاب قوله فقال في آخر حديثه ان من توبتي ان انخلع بنون وخاء معجمة أي اعرى من مالي كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه قوله أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك زاد أبو داود عن أحمد بن صالح بهذا السند فقلت اني امسك سهمي الذي بخيبر وهو عند المصنف من وجه آخر عن بن شهاب ووقع في رواية بن إسحاق عن الزهري بهذا السند عند أبي داود بلفظ ان من توبتي ان اخرج من مالي كله لله ورسوله صدقة قال لا قلت فنصفه قال لا قلت فثلثه قال نعم قلت فاني امسك سهمي الذي بخيبر واخرج من طريق بن عيينة عن الزهري عن بن كعب بن مالك عن أبيه انه قال للنبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه واني انخلع من مالي كله صدقة قال يجزئ عنك الثلث وفي حديث أبي لبابة عند أحمد وأبي داود نحوه وقداختلف السلف فيمن نذر ان يتصدق بجميع ماله على عشرة مذاهب فقال مالك يلزمه الثلث لهذا الحديث ونوزع في ان كعب بن مالك لم يصرح بلفظ النذر ولا بمعناه بل يحتمل انه نجز النذر ويحتمل ان يكون اراده فاستأذن والانخلاع الذي ذكره ليس بظاهر في صدور النذر منه وانما الظاهر انه أراد ان يؤكد أمر توبته بالتصدق بجميع ماله شكرا لله تعالى على ما انعم به عليه وقال الفاكهاني في شرح العمدة كان الأولى لكعب أن يستشير ولا يستبد برأيه لكن كأنه قامت عنده حال لفرحه بتوبته ظهر له فيها ان التصدق بجميع ماله مستحق عليه في الشكر فأورد الاستشارة بصيغة الجزم انتهى وكأنه أراد انه استبد برأيه في كونه جزم بأن من توبته ان ينخلع من جميع ماله الا انه نجز ذلك وقال بن المنير لم يبت كعب الانخلاع بل استشار هل يفعل اولا قلت ويحتمل ان يكون استفهم وحذفت أداة الاستفهام ومن ثم كان الراجح عند الكثير من العلماء وجوب الوفاء لمن التزم ان يتصدق بجميع ماله الا إذا كان على سبيل القربة وقيل ان كان مليا لزمه وان كان فقيرا فعليه كفارة يمين وهذا قول الليث ووافقه بن وهب وزاد وان كان متوسطا يخرج قدر زكاة ماله والاخير عن أبي حنيفة بغير تفصيل وهو قول ربيعة وعن الشعبي وبن أبي لبابة لا يلزم شيء أصلا وعن قتادة يلزم الغني العشر والمتوسط السبع والمملق الخمس وقيل يلزم الكل الا في نذر اللجاج فكفارته يمين وعن سحنون يلزمه ان يخرج مالا يضر به وعن الثوري والأوزاعي وجماعة يلزمه كفارة يمين بغير تفصيل وعن النخعي يلزمه الكل بغير تفصيل وإذا تقرر ذلك فمناسبة حديث كعب للترجمة ان معنى الترجمة ان من أهدى أو تصدق بجميع ماله إذا تاب من ذنب أو إذا نذر هل ينفذ ذلك إذا نجزه أو علقه وقصة كعب منطبقة على الأول وهو التنجيز لكن لم يصدر منه تنجيز كما تقرر وانما استشار فأشير عليه بامساك البعض فيكون الأولى لمن أراد ان ينجز التصدق بجميع ماله أو يعلقه ان يمسك بعضه ولا يلزم من ذلك انه لو نجزه لم ينفذ وقد تقدمت الإشارة في كتاب الزكاة إلى ان التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال فمن كان قويا على ذلك يعلم من نفسه الصبر لم يمنع وعليه يتنزل فعل أبي بكر الصديق وايثار الأنصار على أنفسهم المهاجرين ولو كان بهم خصاصة ومن لم يكن كذلك فلا وعليه يتنزل لا صدقة الا عن ظهر غنى وفي لفظ أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى قال بن دقيق العيد في حديث كعب ان للصدقة اثرا في محو الذنوب ومن ثم شرعت الكفارة المالية ونازعه الفاكهاني فقال التوبة تجب ما قبلها وظاهر حال كعب انه أراد فعل ذلك على جهة الشكر قلت مراد الشيخ انه يؤخذ من قول كعب ان من توبتي الخ ان للصدقة اثرا في قبول التوبة التي يتحقق بحصولها محو الذنوب والحجة فيه تقرير النبي صلى الله عليه وسلم له على القول المذكور

Section V11/P573–V11/P575

1 ( قوله باب إذا حرم طعاما ) في رواية غير أبي ذر طعامه وهذا من امثله نذر اللجاج وهو ان يقول مثلا طعام كذا أو شراب كذا على حرام أو نذرت أو لله على ان لا آكل كذا أو لا اشرب كذا والراجح من أقوال العلماء ان ذلك لا ينعقد الا ان قرنه بحلف فيلزمه كفارة يمين قوله وقوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك وزاد غير أبي ذر إلى قوله تحلة ايمانكم وقد تقدم بيان الاختلاف في ذلك في كتاب الطلاق وهل نزلت الآية في تحريم مارية أو في تحريم شرب العسل والى الثاني أشار المصنف حيث ساقه في الباب ويؤخذ حكم الطعام من حكم الشراب قال بن المنذر اختلف فيمن حرم على نفسه طعاما أو شرابا يحل فقالت طائفة لا يحرم عليه وتلزمه كفارة يمين وبهذا قال أهل العراق وقالت طائفة لا تلزمه الكفارة الا ان حلف والى ترجيح هذا القول أشار المصنف بإيراد الحديث لقوله وقد حلفت وهو قول مسروق والشافعي ومالك لكن استثنى مالك المرأة فقال تطلق قال إسماعيل القاضي الفرق بين المرأة والامة انه لو قال امرأتي على حرام فهو فراق التزمه فتطلق ولو قال لأمته من غير ان يحلف فإنه الزم نفسه ما لم يلزمه فلا تحرم عليه أمته قال الشافعي لا يقع عليه شيء إذا لم يحلف الا إذا نوى الطلاق فتطلق أو العتق فتعتق وعنه يلزمه كفارة يمين قوله وقوله تعالى لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم كأنه يشير إلى ما أخرجه الثوري في جامعة وبن المنذر من طريقه بسند صحيح عن بن مسعود انه جيء عنده بطعام فتنحى رجل فقال اني حرمته ان لا آكله فقال اذن فكل وكفر عن يمينك ثم تلا هذه الآية إلى قوله لا تعتدوا قال بن المنذر وقد تمسك بعض من أوجب الكفارة ولو لم يحلف بما وقع في حديث أبي موسى في قصة الرجل الجرمي والدجاج وتلك رواية مختصرة وقد ثبت في بعض طرقه الصحيحة ان الرجل قال حلفت ان لا آكله قلت وقد أخرجه الشيخان في الصحيحين كذلك 6313 قوله حدثنا الحسن بن محمد هو الزعفراني والحجاج بن محمد هو المصيصي قوله زعم عطاء وقع في رواية الإسماعيلي من وجه اخر عن حجاج قال قال بن جريج عن عطاء وكذا في رواية هشام بن يوسف المذكورة في آخر الباب قوله في آخر الباب فنزلت يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ان تتوبا إلى الله لعائشة وحفصة وإذ اسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا لقوله بل شربت عسلا قلت اشكل هذا السياق على بعض من لم يمارس طريقة البخاري في الاختصار وذلك ان الحديث في الأصل عنده بتمامه كما تقدم في التفسير والنكاح والطلاق فلما أراد اختصاره هنا اقتصر منه على الكلمات التي تتعلق باليمين من الآيات مضيفا لها تسمية من ابهم فيها من آدمي وغيره فلما ذكر ان تتوبا فسرهما بعائشة وحفصة ولما ذكر اسر حديثا فسره بقوله لا بل شربت عسلا قوله وقال إبراهيم بن موسى كذا لأبي ذر ولغيره قال لي إبراهيم بن موسى وقد تقدم في التفسير بلفظ حدثنا إبراهيم بن موسى قوله عن هشام هو بن يوسف وصرح به في التفسير وقد اختصر هنا بعض السند ومراده ان هشاما رواه عن بن جريج بالسند المذكور والمتن إلى قوله ولن اعود فزاد له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا 1 ( قوله باب الوفاء بالنذر )

Section V11/P575

أي حكمه أو فضله قوله وقول الله تعالى يوفون بالنذر يؤخذ منه أن الوفاء به قربة للثناء على فاعله لكن ذلك مخصوص بنذر الطاعة وقد أخرج الطبري من طريق مجاهد في قوله تعالى يوفون بالنذر قال إذا نذروا في طاعة الله قال القرطبي النذر من العقود المأمور بالوفاء بها المثنى على فاعلها وأعلى أنواعه ما كان غير معلق على شيء كمن يعافى من مرض فقال لله علي أن أصوم كذا أو أتصدق بكذا شكرا لله تعالى ويليه المعلق على فعل طاعة كإن شفي الله مريضي صمت كذا أو صليت كذا وما عدا هذا من أنواعه كنذر اللجاج كمن يستثقل عبده فينذر أن يعتقه ليتخلص من صحبته فلا يقصد القربة بذلك أو يحمل على نفسه فينذر صلاة كثيرة أو صوما مما يشق عليه فعله ويتضرر بفعله فإن ذلك يكره وقد يبلغ بعضه التحريم

Section V11/P575–V11/P578

6314 قوله حدثنا يحيى بن صالح هو الوحاظي بضم الواو وتخفيف الحاء المهملة وبعد الألف ظاء معجمة قوله سعيد بن الحارث هو الأنصاري قوله سمعت بن عمر يقول أو لم ينهوا عن النذر كذا فيه وكأنه اختصر السؤال فاقتصر على الجواب وقد بينه الحاكم في المستدرك من طريق المعافى بن سليمان والإسماعيلي من طريق أبي عامر العقدي ومن طريق أبي داود واللفظ له قالا حدثنا فليح عن سعيد بن الحارث قال كنت عند بن عمر فأتاه مسعود بن عمرو أحد بني عمرو بن كعب فقال يا أبا عبد الرحمن إن ابني كان مع عمر بن عبيد الله بن معمر بأرض فارس فوقع فيها وباء وطاعون شديد فجعلت على نفسي لئن سلم الله ابني ليمشين إلى بيت الله تعالى فقدم علينا وهو مريض ثم مات فما تقول فقال بن عمر أو لم تنهوا عن النذر إن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث المرفوع وزاد أوف بنذرك وقال أبو عامر فقلت يا أبا عبد الرحمن إنما نذرت أن يمشي ابني فقال أوف بنذرك قال سعيد بن الحارث فقلت له أتعرف سعيد بن المسيب قال نعم قلت له اذهب إليه ثم أخبرني ما قال لك قال فأخبرني أنه قال له امش عن ابنك قلت يا أبا محمد وترى ذلك مقبولا قال نعم أرأيت لو كان على ابنك دين لا قضاء له فقضيته أكان ذلك مقبولا قال نعم قال فهذا مثل هذا انتهى وأبو عبد الرحمن كنية عبد الله بن عمر وأبو محمد كنية سعيد بن المسيب وأخرجه بن حبان في النوع السادس والستين من القسم الثالث من طريق زيد بن أبي أنيسة متابعا لفليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث فذكر نحوه بتمامه ولكن لم يسم الرجل وفيه أن بن عمر لما قال له أوف بنذرك قال له الرجل إنما نذرت أن يمشي ابني وإن ابني قد مات فقال له أوف بنذرك كرر ذلك عليه ثلاثا فغضب عبد الله فقال أو لم تنهوا عن النذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث المرفوع قال سعيد فلما رأيت ذلك قلت له انطلق إلى سعيد بن المسيب وسياق الحاكم نحوه وأخصر منه وقد وهم الحاكم في المستدرك فان البخاري أخرجه كما ترى لكن اختصر القصه لكونها موقوفه وهذا الفرع غريب وهو ان ينذر عن غيره فيلزم الغير الوفاء بذلك ثم إذا تعذر لزم الناذر وقد كنت استشكل ذلك ثم ظهر لي ان الابن أقر بذلك والتزم به ثم لما مات امره بن عمر وسعيد ان يفعل ذلك عن ابنه كما يفعل سائر القرب عنه كالصوم والحج والصدقة ويحتمل ان يكون مختصا عندهما بما يقع من الوالد في حق ولده فيعقد لوجوب بر الوالدين على الولد بخلاف الأجنبي وفي قول بن عمر في هذه الرواية أولم تنهوا عن النذر نظر لان المرفوع الذي ذكره ليس فيه تصريح بالنهي لكن جاء عن بن عمر التصريح ففي الرواية التي بعدها من طريق عبد الله بن مرة وهو الهمداني بسكون الميم عن بن عمر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وفي لفظ لمسلم من هذا الوجه اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النذر وجاء بصيغة النهي الصريحة في رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ لا تنذروا قوله لا يقدم شيئا ولا يؤخر في رواية عبد الله بن مرة لا يرد شيئا وهي أعم ونحوها في حديث أبي هريرة لا يأتي بن آدم النذر بشيء لم يكن قدر له وفي رواية العلاء المشار إليها فان النذر لا يغني من القدر شيئا وفي لفظ عنه لا يرد القدر وفي حديث أبي هريرة عنده لا يقرب من بن آدم شيئا لم يكن الله قدره له ومعاني هذه الألفاظ المختلفة متقاربه وفيها اشاره إلى تعليل النهي عن النذر وقد اختلف العلماء في هذا النهي فمنهم من حمله على ظاهره ومنهم من تأوله قال بن الأثير في النهاية تكرر النهي عن النذر في الحديث وهو تاكيد لامره وتحذير عن التهاون به بعد ايجابه ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك ابطال حكمه واسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم وانما وجه الحديث انه قد أعلمهم ان ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعا ولا يصرف عنهم ضرا ولا يغير قضاء فقال لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم أو تصرفوا به عنكم ما قدره عليكم فإذا نذرتم فاخرجوا بالوفاء فان الذي نذرتموه لازم لكم انتهى كلامه ونسبه بعض شراح المصابيح للخطابي وأصله من كلام أبي عبيد فيما نقله بن المنذر في كتابه الكبير فقال كان أبو عبيد يقول وجه النهي عن النذر والتشديد فيه ليس هو ان يكون مأثما ولو كان كذلك ما أمر الله ان يوفى به ولا حمد فاعله ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر وتغليظ امره لئلا يتهاون به فيفرط في الوفاء به ويترك القيام به ثم استدل بما ورد من الحث على الوفاء به في الكتاب والسنة والى ذلك أشار المازري بقوله ذهب بعض علمائنا إلى ان الغرض بهذا الحديث التحفظ في النذر والحض على الوفاء به قال وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث ويحتمل عندي ان يكون وجه الحديث ان الناذر يأتي بالقربة مستثقلا لها لما صارت عليه ضربة لازب وكل ملزوم فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار ويحتمل ان يكون سببه ان الناذر لما لم ينذر القربة الا بشرط ان يفعل له ما يريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرب قال ويشير إلى هذا التأويل قوله انه لا يأتي بخير وقوله انه لا يقرب من بن آدم شيئا لم يكن الله قدره له وهذا كالنص على هذا التعليل اه والاحتمال الأول يعم أنواع النذر والثاني يخص نوع المجازات وزاد القاضي عياض ويقال ان الاخبار بذلك وقع على سبيل الاعلام من انه لا يغالب القدر ولا يأتي الخير بسببه والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية ان يقع ذلك في ظن بعض الجهلة قال ومحصل مذهب مالك انه مباح الا إذا كان مؤيدا لتكرره عليه في أوقات فقد يثقل عليه فعله فيفعله بالتكلف من غير طيب نفس وغير خالص النية فحينئذ يكره قال وهذا أحد محتملات قوله لا يأتي بخير أي ان عقباه لا تحمد وقد يتعذر الوفاء به وقد يكون معناه لا يكون سببا لخير لم يقدر كما في الحديث وبهذا الاحتمال الأخير صدر بن دقيق العيد كلامه فقال يحتمل ان تكون الباء للسببية كأنه قال لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القربة والطاعة من غير عوض يحصل له وان كان يترتب عليه خير وهو فعل الطاعة التي نذرها لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه وقال النووي معنى قوله لا يأتي بخير انه لا يرد شيئا من القدر كما بينته الروايات الأخرى تنبيه قوله لا يأتي كذا للأكثر ووقع في بعض النسخ لا يأت بغير ياء وليس بلحن لأنه قد سمع نظيره من كلام العرب وقال الخطابي في الاعلام هذا باب من العلم غريب وهو ان ينهى عن فعل شيء حتى إذا فعل كان واجبا وقد ذكر أكثر الشافعية ونقله أبو علي السنجي عن نص الشافعي ان النذر مكروه لثبوت النهي عنه وكذا نقل عن المالكية وجزم به عنهم بن دقيق العيد وأشار بن العربي إلى الخلاف عنهم والجزم عن الشافعية بالكراهة قال واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة لأنه لم يقصد به خالص القربة وانما قصد ان ينفع نفسه أو يدفع عنها ضررا بما التزمه وجزم الحنابلة بالكراهة وعندهم رواية في انها كراهة تحريم وتوقف بعضهم في صحتها وقال الترمذي بعد ان ترجم كراهة النذر وأورد حديث أبي هريرة ثم قال وفي الباب عن بن عمر العمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم كرهوا النذر وقال بن المبارك معنى الكراهة في النذر في الطاعة وفي المعصية فان نذر الرجل في الطاعة فوفى به فله فيه أجر ويكره له النذر قال بن دقيق العيد وفيه اشكال على القواعد فانها تقتضي ان الوسيلة إلى الطاعة طاعة كما ان الوسيلة إلى المعصية معصية والنذر وسيلة إلى التزام القربة فيلزم ان يكون قربة الا ان الحديث دل على الكراهة ثم أشار إلى التفرقة بين نذر المجازاة فحمل النهي عليه وبين نذر الابتداء فهو قربة محضة وقال بن أبي الدم في شرح الوسيط القياس استحبابه والمختار انه خلاف الأولى وليس بمكروه كذا قال ونوزع بأن خلاف الأولى ما اندرج في عموم نهى والمكروه ما نهى عنه بخصوصه وقد ثبت النهي عن النذر بخصوصه فيكون مكروها واني لا تعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت الصريح عنه فأقل درجاته ان يكون مكروها كراهة تنزيه وممن بنى على استحبابه النووي في شرح المهذب فقال ان الأصح ان التلفظ بالنذر في الصلاة لا يبطلها لأنها مناجاة لله فأشبه الدعاء اه وإذا ثبت النهي عن الشيء مطلقا فترك فعله داخل الصلاة أولى فكيف يكون مستحبا واحسن ما يحمل عليه كلام هؤلاء نذر التبرر المحض بأن يقول لله على ان افعل كذا أو لأفعلنه على المجازاة وقد حمل بعضهم النهي على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه حكاه شيخنا في شرح الترمذي ولما نقل بن الرفعة عن أكثر الشافعية كراهة النذر وعن القاضي حسين المتولي بعده والغزالي انه مستحب لأن الله اثنى على من وفى به ولأنه وسيلة إلى القربة فيكون قربة قال يمكن ان يتوسط فيقال الذي دل الخبر على كراهته نذر المجازاة واما نذر التبرر فهو قربة محضة لان للناذر فيه غرضا صحيحا وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب وهو فوق ثواب التطوع اه وجزم القرطبي في المفهم بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة فقال هذا النهي محله ان يقول مثلا ان شفى الله مريضي فعلي صدقة كذا ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكور على حصول الغرض المذكور ظهر انه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى لما صدر منه بل سلك فيها مسلك المعارضة ويوضحه انه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه وهذه حالة البخيل فإنه لا يخرج من ماله شيئا الا بعوض عاجل يزيد على ما اخرج غالبا وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث لقوله وانما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه قال وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن ان النذر يوجب حصول ذلك الغرض أو ان الله يفعل معه ذلك الغرض لاجل ذلك النذر واليهما الإشارة بقوله في الحديث أيضا فان النذر لا يرد من قدر الله شيئا والحالة الأولى تقارب الكفر والثانية خطأ صريح قلت بل تقرب من الكفر أيضا ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة وقال الذي يظهر لي انه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الإعتقاد الفاسد فيكون اقدامه على ذلك محرما والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك اه وهو تفصيل حسن ويؤيده قصة بن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر فانها في نذر المجازاة وقد اخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى يوفون بالنذر قال كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم فسماهم الله ابرارا وهذا صريح في ان الثناء وقع في غير نذر المجازاة وكأن البخاري رمز في الترجمة إلى الجمع بين الآية والحديث بذلك وقد يشعر التعبير بالبخيل ان المنهي عنه من النذر ما فيه مال فيكون أخص من المجازاة لكن قد يوصف بالبخل من تكاسل عن الطاعة كما في الحديث المشهور البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي أخرجه النسائي وصححه بن حبان أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي ثم نقل القرطبي الاتفاق على وجوب الوفاء بنذر المجازاة لقوله صلى الله عليه وسلم من نذر ان يطيع الله تعالى فليطعه ولم يفرق بين المعلق وغيره انتهى والاتفاق الذي ذكره مسلم لكن في الاستدلال بالحديث المذكور لوجوب الوفاء بالنذر المعلق نظر وسيأتي شرحه بعد باب قوله وانما يستخرج بالنذر من البخيل يأتي في حديث أبي هريرة الذي بعد بيان المراد بالاستخراج المذكور قوله من البخيل كذا في أكثر الروايات ووقع في رواية مسلم في حديث بن عمر من الشحيح وكذا للنسائي وفي رواية بن ماجة من اللئيم ومدار الجميع على منصور بن المعتمر عن عبد الله بن مرة فالاختلاف في اللفظ المذكور من الرواة عن منصور والمعاني متقاربة لان الشح أخص واللؤم أعم قال الراغب البخل امساك ما يقتضي عمن يستحق والشح بخل مع حرص واللؤم فعل ما يلام عليه

Section V11/P578–V11/P580

6316 قوله في حديث أبي هريرة لا يأتي بن آدم النذر بشيء بن آدم بالنصب مفعول مقدم والنذر بالرفع هو الفاعل قوله لم أكن قدرته هذا من الأحاديث القدسية لكن سقط منه التصريح بنسبته إلى الله عز وجل وقد أخرجه أبو داود في رواية بن العبد عنه من رواية مالك والنسائي وبن ماجة من رواية سفيان الثوري كلاهما عن أبي الزناد وأخرجه مسلم من رواية عمرو بن أبي وعمر عن الأعرج وتقدم في أواخر كتاب القدر من طريق همام عن أبي هريرة ولفظه لم يكن قدرته وفي رواية للنسائي لم اقدره عليه وفي رواية بن ماجة الا ما قدر له ولكن يغلبه النذر فأقدر له وفي رواية مالك بشيء لم يكن قدر له ولكن يلقيه النذر إلى القدر قدرته وفي رواية مسلم لم يكن الله قدره له وكذا وقع الاختلاف في قوله فيستخرج الله به من البخيل ففي رواية مالك فيستخرج به على البناء لما لم يسم فاعله وكذا في رواية بن ماجة والنسائي وعبده ولكنه شيء يستخرج به من البخيل وفي رواية همام ولكن يلقيه النذر وقد قدرته له استخرج به من البخيل وفي رواية مسلم ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد ان يخرج قوله ولكن يلقيه النذر إلى القدر تقدم البحث فيه في باب القاء العبد النذر إلى القدر وان هذه الرواية مطابقة للترجمة المشار إليها قال الكرماني فان قيل القدر هو الذي يلقيه إلى النذر قلنا تقدير النذر غير تقدير الالقاء فالأول يلجئه إلى النذر والنذر يلجئه إلى الإعطاء قوله فيستخرج الله فيه التفات ونسق الكلام ان يقال فأستخرج ليوافق قوله اولا قدرته وثانيا فيؤتيني قوله فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل كذا للأكثر أي يعطيني ووقع في رواية الكشميهني يؤتني بالجزم ووجهت بأنها بدل من قوله يكن فجزمت بلم ووقع في رواية مالك يؤتى في الموضعين وفي رواية بن ماجة فييسر عليه ما لم يكن ييسر عليه من قبل ذلك وفي رواية مسلم فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد ان يخرج وهذه أوضح الروايات قال البيضاوي عادة الناس تعليق النذر على تحصيل منفعة أو دفع مضرة فنهي عنه لأنه فعل البخلاء إذ السخى إذا أراد ان يتقرب بادر إليه والبخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده الا في مقابلة عوض يستوفيه اولا فيلتزمه في مقابلة ما يحصل له وذلك لا يغنى من القدر شيئا فلا يسوق إليه خيرا لم يقدر له ولا يرد عنه شرا قضى عليه لكن النذر قد يوافق القدر فيخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليخرجه قال بن العربي فيه حجة على وجوب الوفاء بما التزمه الناذر لأن الحديث نص على ذلك بقوله يستخرج به فإنه لو لم يلزمه إخراجه لما تم المراد من وصفه بالبخل من صدور النذر عنه إذ لو كان مخيرا في الوفاء لاستمر لبخله على عدم الإخراج وفي الحديث الرد على القدرية كما تقدم تقريره في الباب المشار إليه وأما ما أخرجه الترمذي من حديث أنس ان الصدقة تدفع ميتة السوء فظاهره يعارض قوله ان النذر لا يرد القدر ويجمع بينهما بأن الصدقة تكون سببا لدفع ميتة السوء والاسباب مقدرة كالمسببات وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الرقى هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله أخرجه أبو داود والحاكم ونحوه قول عمر نفر من قدر الله إلى قدر الله كما تقدم تقريره في كتاب الطب ومثل ذلك مشروعية الطب والتداوي وقال بن العربي النذر شبيه بالدعاء فإنه لا يرد القدر ولكنه من القدر أيضا ومع ذلك فقد نهى عن النذر وندب إلى الدعاء والسبب فيه ان الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به التوجه إلى الله والتضرع له والخضوع وهذا بخلاف النذر فان فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول وترك العمل إلى حين الضرورة والله اعلم وفي الحديث ان كل شيء يبتدؤه المكلف من وجوه البر أفضل مما يلتزمه بالنذر قاله الماوردي وفيه الحث على الإخلاص في عمل الخير وذم البخل وان من اتبع المأمورات واجتنب المنهيات لا يعد بخيلا تنبيه قال بن المنير مناسبة أحاديث الباب لترجمة الوفاء بالنذر قوله يستخرج به من البخيل وانما يخرج البخيل ما تعين عليه إذ لو اخرج ما يتبرع به لكان جوادا وقال الكرماني يؤخذ معنى الترجمة من لفظ يستخرج قلت ويحتمل ان يكون البخاري أشار إلى تخصيص النذر المنهي عنه بنذر المعاوضة واللجاج بدليل الآية فإن الثناء الذي تضمنته محمول على نذر القربة كما تقدم أول الباب فيجمع بين الآية والحديث بتخصيص كل منهما بصورة من صور النذر والله اعلم

Section V11/P580–V11/P581

1 ( قوله باب اثم من لا يفي بالنذر ) كذا لأبي ذر وسقط لغيره لفظ اثم ذكر فيه حديث عمران بن حصين في خير القرون وفي سنده أبو جمرة وهو بالجيم والراء واسمه نصر بن عمران وزهدم بمعجمة أوله وزن جعفر بن مضرب بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها موحدة وقد تقدم شرحه مستوفى في الشهادات وفي فضائل الصحابة والغرض منه هنا قوله ينذرون بكسر الذال وبضمها لغتان 6317 قوله ولا يفون في رواية الكشميهني ولا يوفون وهي رواية مسلم وفي أخرى له كالاولى وهما لغتان أيضا قوله ولا يؤتمنون أي انها خيانة ظاهرة بحيث لا يأمنهم أحد بعد ذلك قال بن بطال ما ملخصه سوى بين من يخون امانته ومن لا يفي بنذره والخيانة مذمومة فيكون ترك الوفاء بالنذر مذموما وبهذا تظهر المناسبة للترجمة وقال الباجي ساق ما وصفهم به مساق العيب والجائز لا يعاب فدل على انه غير جائز 1 ( قوله باب النذر في الطاعة ) أي حكمه ويحتمل ان يكون باب بالتنوين ويريد بقوله النذر في الطاعة حصر المبتدأ في الخبر فلا يكون نذر المعصية نذرا شرعا قوله وما انفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر ساق غير أبي ذر إلى قوله من أنصار وذكر هذه الآية مشيرا إلى ان الذي وقع الثناء على فاعله نذر الطاعة وهو يؤيد ما تقدم قريبا 6318 قوله عن طلحة بن عبد الملك هو الأيلي بفتح الهمزة وسكون المثناة من تحت نزيل المدينة ثقة عندهم من طبقة بن جريج والقاسم هو بن محمد بن أبي بكر الصديق وذكر بن عبد البر عن قوم من أهل الحديث ان طلحة تفرد برواية هذا الحديث عن القاسم وليس كذلك فقد تابعه أيوب ويحيى بن أبي كثير عند بن حبان وأشار الترمذي إلى رواية يحيى ومحمد بن أبان عند بن عبد البر وعبيد الله بن عمر عند الطحاوي ولكن أخرجه الترمذي من رواية عبيد الله بن عمر عن طلحة عن القاسم وأخرجه البزار من رواية يحيى بن أبي كثير عن محمد بن أبان فرجعت رواية عبيد الله إلى طلحة ورواية يحيى إلى محمد بن أبان وسلمت رواية أيوب من الاختلاف وهي كافية في رد دعوى انفراد طلحة به وقد رواه أيضا عبد الرحمن بن المجبر بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الموحدة عن القاسم أخرجه الطحاوي قوله من نذر ان يطيع الله فليطعه الخ الطاعة أعم من ان تكون في واجب أو مستحب ويتصور النذر في فعل الواجب بأن يؤقته كمن ينذر ان يصلى الصلاة في أول وقتها فيجب عليه ذلك بقدر ما أقته وأما المستحب من جميع العبادات المالية والبدنية فينقلب بالنذر واجبا ويتقيد بما قيده به الناذر والخبر صريح في الأمر بوفاء النذر إذا كان في طاعة وفي النهي عن ترك الوفاء به إذا كان في معصية وهل يجب في الثاني كفارة يمين أو لا قولان للعلماء سيأتي بيانهما بعد بابين ويأتي أيضا بيان الحكم فيما سكت عنه الحديث وهو نذر المباح وقد قسم بعض الشافعية الطاعة إلى قسمين واجب عينا فلا ينعقد به النذر كصلاة الظهر مثلا وصفة فيه فينعقد كايقاعها أول الوقت وواجب على الكفاية كالجهاد فينعقد ومندوب عبادة عينا كان أو كفاية فينعقد ومندوب لا يسمى عبادة كعيادة المريض وزيارة القادم ففي انعقاده وجهان والارجح انعقاده وهو قول الجمهور والحديث يتناوله فلا يخص من عموم الخبر الا القسم الأول لأنه تحصيل الحاصل 1 ( قوله باب إذا نذر أو حلف ان لا يكلم انسانا في الجاهلية ثم اسلم )

Section V11/P581–V11/P583

أي هل يجب عليه الوفاء اولا والمراد بالجاهلية جاهلية المذكور وهو حاله قبل إسلامه وأصل الجاهلية ما قبل البعثة وقد ترجم الطحاوي لهذه المسألة من نذر وهو مشرك ثم اسلم فأوضح المراد وذكر فيه حديث بن عمر في نذر عمر في الجاهلية انه يعتكف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اوف بنذرك قال بن بطال قاس البخاري اليمين على النذر وترك الكلام على الاعتكاف فمن نذر أو حلف قبل ان يسلم على شيء يجب الوفاء به لو كان مسلما فإنه إذا اسلم يجب عليه على ظاهر قصة عمر قال وبه يقول الشافعي وأبو ثور كذا قال وكذا نقله بن حزم عن الامام الشافعي والمشهور عند الشافعية انه وجه لبعضهم وان الشافعي وجل اصحابه على انه لا يجب بل يستحب وكذا قال المالكية والحنفية وعن أحمد في رواية يجب وبه جزم الطبري والمغيرة بن عبد الرحمن من المالكية والبخاري وداود وأتباعه قلت ان وجد عن البخاري التصريح بالوجوب قبل والا فمجرد ترجمته لا يدل على أنه يقول بوجوبه لأنه محتمل لأن يقول بالندب فيكون تقدير جواب الاستفهام يندب له ذلك قال القابسي لم يأمر عمر على جهة الإيجاب بل على جهة المشورة كذا قال وقيل أراد ان يعلمهم ان الوفاء بالنذر من آكد الأمور فغلظ امره بان أمر عمر بالوفاء واحتج الطحاوي بأن الذي يجب الوفاء به ما يتقرب به إلى الله والكافر لا يصح منه التقرب بالعبادة وأجاب عن قصة عمر باحتمال انه صلى الله عليه وسلم فهم من عمر انه سمح بأن يفعل ما كان نذره فأمره به لأن فعله حينئذ طاعة لله تعالى فكان ذلك خلاف ما اوجبه على نفسه لأن الإسلام يهدم أمر الجاهلية قال بن دقيق العيد ظاهر الحديث يخالف هذا فان دل دليل أقوى منه على انه لا يصح من الكافر قوى هذا التأويل والا فلا 6319 قوله عبد الله هو بن المبارك قوله عبيد الله بن عمر هو العمري ولعبد الله بن المبارك فيه شيخ آخر تقدم في غزوة حنين فأخرجه عن محمد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن أيوب عن نافع وأول حديثه لما قفلنا من حنين سأل عمر فذكر الحديث فأفاد تعيين زمان السؤال المذكور وقد بينت الاختلاف على نافع ثم على أيوب في وصله وارساله هناك وكذا ذكرت فيه فوائد زوائد تتعلق بسياقه وكذلك في فرض الخمس وتقدم في أبواب الاعتكاف ما يتعلق به وذكرت هناك ما يرد على من زعم ان عمر إنما نذر بعد ان اسلم وعلى من زعم ان اعتكاف عمر كان قبل النهي عن الصيام في الليل وبقي هنا ما يتعلق بالنذر إذا صدر من شخص قبل ان يسلم ثم اسلم هل يلزمه وقد ذكرت ما فيه وقوله اوف بنذرك لم يذكر في هذه الرواية متى اعتكف وقد تقدم في غزوة حنين التصريح بأن سؤاله كان بعد قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين بالطائف وتقدم في فرض الخمس ان في رواية سفيان بن عيينة عن أيوب من الزيادة قال عمر فلم اعتكف حتى كان بعد حنين وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني جارية من السبي فبينا انا معتكف إذ سمعت تكبيرا فذكر الحديث في من النبي صلى الله عليه وسلم على هوازن بإطلاق سبيهم وفي الحديث لزوم النذر للقربة من كل أحد حتى قبل الإسلام وقد تقدمت الإشارة إليه أجاب بن العربي بأن عمر لما نذر في الجاهلية ثم اسلم أراد ان يكفر ذلك بمثله في الإسلام فلما اراده ونواه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعلمه انه لزمه قال وكل عبادة ينفرد بها العبد عن غيره تنعقد بمجرد النية العازمة الدائمة كالنذر في العبادة والطلاق في الاحكام وان لم يتلفظ بشيء من ذلك كذا قال ولم يوافق على ذلك بل نقل بعض المالكية الاتفاق على ان العبادة لا تلزم الا بالنية مع القول أو الشروع وعلى التنزل فظاهر كلام عمر مجرد الاخبار بما وقع مع الاستخبار عن حكمه هل لزم أو لا وليس فيه ما يدل على ما ادعاه من تجديد نية منه في الإسلام وقال الباجي قصة عمر هي كمن نذر ان يتصدق بكذا ان قدم فلان بعد شهر فمات فلان قبل قدومه فإنه لا يلزم الناذر قضاؤه فان فعله فحسن فلما نذر عمر قبل ان يسلم وسأل النبي صلى الله عليه وسلم امره بوفائه استحبابا وان كان لا يلزمه لأنه التزمه في حالة لا ينعقد فيها ونقل شيخنا في شرح الترمذي انه استدل به على ان الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وان كان لا يصح منهم الا بعد ان يسلموا لأمر عمر بوفاء ما التزمه في الشرك ونقل انه لا يصح الاستدلال به لأن الواجب بأصل الشرع كالصلاة لا يجب عليهم قضاؤها فكيف يكلفون بقضاء ما ليس واجبا بأصل الشرع قال ويمكن ان يجاب بأن الواجب بأصل الشرع مؤقت بوقت وقد خرج قبل ان يسلم الكافر ففات وقت ادائه فلم يؤمر بقضائه لأن الإسلام يجب ما قبله فاما إذا لم يؤقت نذره فلم يتعين له وقت حتى اسلم فايقاعه له بعد الإسلام يكون أداء لاتساع ذلك باتساع العمر قلت وهذا البحث يقوي ما ذهب إليه أبو ثور ومن قال بقوله وان ثبت النقل عن الشافعي بذلك فلعله كان يقوله اولا فأخذه عنه أبو ثور ويمكن ان يؤخذ من الفرق المذكور وجوب الحج على من اسلم لاتساع وقته بخلاف ما فات وقته والله اعلم تنبيه المراد بقول عمر في الجاهلية قبل إسلامه لأن جاهلية كل أحد بحسبه ووهم من قال الجاهلية في كلامه زمن فترة النبوة والمراد بها هنا ما قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم فان هذا يتوقف على نقل وقد تقدم انه نذر قبل ان يسلم وبين البعثة واسلامه مدة

Section V11/P583

1 ( قوله باب من مات وعليه نذر ) أي هل يقضى عنه أو لا والذي ذكره في الباب يقتضي الأول لكن هل هو على سبيل الوجوب أو الندب خلاف يأتي بيانه قوله وأمر بن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء يعني فماتت فقال صلى عنها وقال بن عباس نحوه وصله مالك عن عبد الله بن أبي بكر أي بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمته أنها حدثته عن جدته انها كانت جعلت على نفسها مشيا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها ان تمشي عنها وأخرجه بن أبي شيبة بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال مرة عن بن عباس قال إذا مات وعليه نذر قضى عنه وليه ومن طريق عون بن عبد الله بن عتبة ان امرأة نذرت ان تعتكف عشرة أيام فماتت ولم تعتكف فقال بن عباس اعتكف عن أمك وجاء عن بن عمر وبن عباس خلاف ذلك فقال مالك في الموطأ انه بلغه ان عبد الله بن عمر كان يقول لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد واخرج النسائي من طريق أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن بن عباس قال لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد أورده بن عبد البر من طريقه موقوفا ثم قال والنقل في هذا عن بن عباس مضطرب قلت ويمكن الجمع بحمل الاثبات في حق من مات والنفي في حق الحي ثم وجدت عنه ما يدل على تخصيصه في حق الميت بما إذا مات وعليه شيء واجب فعند بن أبي شيبة بسند صحيح سئل بن عباس عن رجل مات وعليه نذر فقال يصام عنه النذر وقال بن المنير يحتمل ان يكون بن عمر أراد بقوله صلي عنها العمل بقوله صلى الله عليه وسلم إذا مات بن آدم انقطع عمله الا من ثلاث فعد منها الولد لأن الولد من كسبه فأعماله الصالحة مكتوبة للوالد من غير ان ينقص من أجره فمعنى صلى عنها ان صلاتك مكتتبة لها ولو كنت انما تنوي عن نفسك كذا قال ولا يخفى تكلفه وحاصل كلامه تخصيص الجواز بالولد والى ذلك جنح بن وهب وأبو مصعب من أصحاب الامام مالك وفيه تعقب على بن بطال حيث نقل الإجماع انه لا يصلى أحد عن أحد لا فرضا ولا سنة لا عن حي ولا عن ميت ونقل عن المهلب ان ذلك لو جاز لجاز في جميع العبادات البدنية ولكان الشارع أحق بذلك ان يفعله عن أبويه ولما نهى عن الاستغفار لعمه ولبطل معنى قوله ولا تكسب كل نفس الا عليها انتهى وجميع ما قال لا يخفى وجه تعقبه خصوصا ما ذكره في حق الشارع وأما الآية فعمومها مخصوص اتفاقا والله اعلم تنبيه ذكر الكرماني انه وقع في بعض النسخ قال صلي عليها ووجه بأن على بمعنى عن على رأي قال أو الضمير راجع إلى قباء ثم ذكر المصنف حديث بن عباس ان سعد بن عبادة استفتى في نذر كان على أمه وقد تقدم شرحه في كتاب الوصايا وذكرت من قال فيه عن سعد بن عبادة فجعله من مسنده قوله في آخر الحديث في قصة سعد بن عبادة

Section V11/P583–V11/P585

6320 فكانت سنة بعد أي صار قضاء الوارث ما على المورث طريقة شرعية أعم من ان يكون وجوبا أو ندبا ولم أر هذه الزيادة في غير رواية شعيب عن الزهري فقد اخرج الحديث الشيخان من رواية مالك والليث وأخرجه مسلم أيضا من رواية بن عيينة ويونس ومعمر وبكر بن وائل والنسائي من رواية الأوزاعي والإسماعيلي من رواية موسى بن عقبة وبن أبي عتيق وصالح بن كيسان كلهم عن الزهري بدونها واظنها من كلام الزهري ويحتمل من شيخه وفيها تعقب على ما نقل عن مالك لا يحج أحد عن أحد واحتج بأنه لم يبلغه عن أحد من أهل دار الهجرة منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه حج عن أحد ولا أمر به ولا اذن فيه فيقال لمن قلد قد بلغ ذلك غيره وهذا الزهري معدود في فقهاء أهل المدينة وكان شيخه في هذا الحديث وقد استدل بهذه الزيادة بن حزم للظاهرية ومن وافقهم في ان الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه في جميع الحالات قال وقد وقع نظير ذلك في حديث الزهري عن سهيل في اللعان لما فارقها الرجل قبل ان يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بفراقها قال فكانت سنة واختلف في تعيين نذر أم سعد فقيل كان صوما لما رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن بن عباس جاء رجل فقال يا رسول الله ان أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها قال نعم الحديث وتعقب بأنه لم يتعين ان الرجل المذكور هو سعد بن عبادة وقيل كان عتقا قاله بن عبد البر واستدل بما أخرجه من طريق القاسم بن محمد ان سعد بن عبادة قال يا رسول الله ان أمي هلكت فهل ينفعها ان اعتق عنها قال نعم وتعقب بأنه مع إرساله ليس فيه التصريح بأنها كانت نذرت ذلك وقيل كان نذرها صدقة وقد ذكرت دليله من الموطأ وغيره من وجه آخر عن سعد بن عبادة ان سعدا خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم فقيل لأمه اوص قالت المال مال سعد فتوفيت قبل ان يقدم فقال يا رسول الله هل ينفعها ان اتصدق عنها قال نعم وعند أبي داود من وجه اخر نحوه وزاد فأي الصدقة أفضل قال الماء الحديث وليس في شيء من ذلك التصريح بأنها نذرت ذلك قال عياض والذي يظهر انه كان نذرها في المال أو مبهما قلت بل ظاهر حديث الباب انه كان معينا عند سعد والله اعلم وفي الحديث قضاء الحقوق الواجبة عن الميت وقد ذهب الجمهور إلى ان من مات وعليه نذر مالي انه يجب قضاؤه من رأس ماله وان لم يوص الا ان وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث وشرط المالكية والحنفية ان يوصي بذلك مطلقا واستدل للجمهور بقصة أم سعد هذه وقول الزهري أنها صارت سنة بعد ولكن يمكن أن يكون سعد قضاه من تركتها أو تبرع به وفيه استفتاء الأعلم وفيه فضل بر الولدين بعد الوفاة والتوصل إلى براءة ما في ذمتهم وقد اختلف أهل الأصول في الأمر بعد الاستئذان هل يكون كالامر بعد الحظر أو لا فرجح صاحب المحصول انه مثله والراجح عند غيره انه للإباحة كما رجح جماعة في الأمر بعد الحظر انه للاستحباب ثم ذكر حديث بن عباس اتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان أختي نذرت ان تحج وانها ماتت الحديث وفيه فاقض دين الله فهو أحق بالقضاء وقد تقدم شرحه في اواخر كتاب الحج وذكر الاختلاف في السائل أهو رجل كما وقع هنا أو امرأة كما وقع هناك وانه الراجح وذكرت ما قيل في اسمها وانها حمنة وبينت انها هي السائلة عن الصيام أيضا وبالله التوفيق 1 ( قوله باب النذر فيما لا يملك وفي معصية )

Section V11/P585–V11/P587

وقع في شرح بن بطال ولا نذر في معصية وقال ذكر فيه حديث عائشة من نذر ان يطيع الله فليطعه الحديث وحديث أنس في الذي رآه يمشي بين ابنيه فنهاه وحديث بن عباس في الذي طاف وفي انفه خزامه فنهاه وحديثه في الذي نذر ان يقوم ولا يستظل فنهاه قال ولا مدخل لهذه الأحاديث في النذر فيما لا يملك وانما تدخل في نذر المعصية وأجاب بن المنير بأن الصواب مع البخاري فإنه تلقى عدم لزوم النذر فيما لا يملك من عدم لزومه في المعصية لأن نذره في ملك غيره تصرف في ملك الغير بغير اذنه وهي معصية ثم قال ولهذا لم يقل باب النذر فيما لا يملك وفي المعصية بل قال النذر فيما لا يملك ولا نذر في معصية فأشار إلى اندراج نذر مال الغير في نذر المعصية فتأمله انتهى وما نفاه ثابت في معظم الروايات عن البخاري لكن بغير لام وهو لا يخرج عن التقرير الذي قرره لأن التقدير باب النذر فيما لا يملك وحكم النذر في معصية فإذا ثبت نفي النذر في المعصية التحق به النذر فيما لا يملك لأنه يستلزم المعصية لكونه تصرفا في ملك الغير وقال الكرماني الدلالة على الترجمة من جهة ان الشخص لا يملك تعذيب نفسه ولا التزام المشقة التي لا تلزمه حيث لا قربة فيها ثم استشكله بأن الجمهور فسروا مالا يملك بمثل النذر بإعتاق عبد فلان انتهى وما وجهه به بن المنير أقرب لكن يلزم عليه تخصيص مالا يملك بما إذا نذر شيئا معينا كعتق عبد فلان إذا ملكه مع ان اللفظ عام فيدخل فيه ما إذا نذر عتق عبد غير معين فإنه يصح ويجاب بأن دليل التخصيص الاتفاق على انعقاد النذر في المبهم وانما وقع الاختلاف في المعين وقد تقدم التنبيه في باب من حلف بملة سوى الإسلام على الموضع الذي اخرج البخاري فيه التصريح بما يطابق الترجمة وهو في حديث ثابت بن الضحاك بلفظ وليس على بن آدم نذر فيما لا يملك وقد أخرجه الترمذي مقتصرا على هذا القدر من الحديث واخرج أبو داود سبب هذا الحديث مقتصرا عليه أيضا ولفظه نذر رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ان ينحر ببوانه يعني موضعا وهو بفتح الموحدة وتخفيف الواو وبنون فذكر الحديث وأخرجه مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة المرأة التي كانت اسيرة فهربت على ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم فان الذين اسروا المرأة انتهبوها فنذرت ان سلمت ان تنحرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك بن آدم وأخرج بن أبي شيبة من حديث أبي ثعلبة الحديث دون القصة بنحوه ووقعت مطابقة جميع الترجمة في حديث عمران بن حصين المذكور وأخرجه النسائي من حديث عبد الرحمن بن سلمة مثله وأخرجه أبو داود من حديث عمر بلفظ لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة رحم ولا فيما لا يملك وأخرجه أبو داود والنسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله واختلف فيمن وقع منه النذر في ذلك هل تجب فيه كفارة فقال الجمهور لا وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم ونقل الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين واتفقوا على تحريم النذر في المعصية واختلافهم انما هو في وجوب الكفارة واحتج من اوجبها بحديث عائشة لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين أخرجه أصحاب السنن ورواته ثقات لكنه معلول فان الزهري رواه عن أبي سلمة ثم بين انه حمله عن سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة فدلسه بإسقاط اثنين وحسن الظن بسليمان وهو عند غيره ضعيف باتفاقهم وحكى الترمذي عن البخاري انه قال لا يصح ولكن له شاهد من حديث عمران بن حصين أخرجه النسائي وضعفه وشواهد أخرى ذكرتها آنفا واخرج الدارقطني من حديث عدي بن حاتم نحوه وفي الباب أيضا عموم حديث عقبة بن عامر كفارة النذر كفارة اليمين أخرجه مسلم وقد حمله الجمهور على نذر اللجاج والغضب وبعضهم على النذر المطلق لكن اخرج الترمذي وبن ماجة حديث عقبة بلفظ كفارة النذر اذا لم يسم كفارة يمين ولفظ بن ماجة من نذر نذرا لم يسمه الحديث وفي الباب حديث بن عباس رفعه من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين أخرجه أبو داود وفيه ومن نذر في معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ورواته ثقات لكن أخرجه بن أبي شيبة موقوفا وهو اشبه وأخرجه الدارقطني من حديث عائشة وحمله أكثر فقهاء أصحاب الحديث على عمومه لكن قالوا ان الناذر مخير بين الوفاء بما التزمه وكفارة اليمين وقد تقدم حديث عائشة المذكور أول الباب قريبا وهو بمعنى حديث لانذر في معصية ولو ثبتت الزيادة لكانت مبينة لما أجمل فيه واحتج بعض الحنابلة بأنه ثبت عن جماعة من الصحابة ولا يحفظ عن صحابي خلافه قال والقياس يقتضيه لأن النذر يمين كما وقع في حديث عقبة لما نذرت أخته ان تحج ماشية لتكفر عن يمينها فسمى النذر يمينا ومن حيث النظر هو عقدة لله تعالى بالتزام شيء والحالف عقد يمينه بالله ملتزما بشيء ثم بين ان النذر آكد من اليمين ورتب عليه انه لو نذر معصية ففعلها لم تسقط عنه الكفارة بخلاف الحالف وهو وجه للحنابلة واحتج له بأن الشارع نهى عن المعصية وأمر بالكفارة فتعينت واستدل بحديث لا نذر في معصية لصحة النذر في المباح لأن فيه نفي النذر في المعصية فبقي ما عداه ثابتا واحتج من قال انه يشرع في المباح بما أخرجه أبو داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأخرجه أحمد والترمذي من حديث بريدة ان امرأة قالت يا رسول الله اني نذرت ان اضرب على رأسك بالدف فقال اوف بنذرك وزاد في حديث بريدة ان ذلك وقت خروجه في غزوة فنذرت ان رده الله تعالى سالما قال البيهقي يشبه ان يكون اذن لها في ذلك لما فيه من إظهار الفرح بالسلامة ولا يلزم من ذلك القول بانعقاد النذر به ويدل على ان النذر لا ينعقد في المباح حديث بن عباس ثالث أحاديث الباب فإنه أمر الناذر بأن يقوم ولا يقعد ولا يتكلم ولا يستظل ويصوم ولا يفطر بأن يتم صومه ويتكلم ويستظل ويقعد فامره بفعل الطاعة واسقط عنه المباح وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أيضا انما النذر ما يبتغى به وجه الله والجواب عن قصة التي نذرت الضرب بالدف ما أشار إليه البيهقي ويمكن ان يقال ان من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبا كالنوم في القائلة للتقوى على قيام الليل وأكله السحر للتقوي على صيام النهار فيمكن ان يقال ان إظهار الفرح بعود النبي صلى الله عليه وسلم سالما معنى مقصود يحصل به الثواب وقد اختلف في جواز الضرب بالدف في غير النكاح والختان ورجح الرافعي في المحرر وتبعه في المنهاج الإباحة والحديث حجة في ذلك وقد حمل بعضهم اذنه لها في الضرب بالدف على أصل الإباحة لا على خصوص الوفاء بالنذر كما تقدم ويشكل عليه ان في رواية أحمد في حديث بريدة ان كنت نذرت فاضربي والا فلا وزعم بعضهم ان معنى قولها نذرت حلفت والاذن فيه للبر بفعل المباح ويؤيد ذلك ان في آخر الحديث ان عمر دخل فتركت فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان الشيطان ليخاف منك يا عمر فلو كان ذلك مما يتقرب به ما قال ذلك لكن هذا بعينه يشكل على انه مباح لكونه نسبه إلى الشيطان ويجاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ان الشيطان حضر لمحبته في سماع ذلك لما يرجوه من تمكنه من الفتنة به فلما حضر عمر فر منه لعلمه بمبادرته إلى إنكار مثل ذلك أو ان الشيطان لم يحضر أصلا وانما ذكر مثالا لصورة ما صدر من المرأة المذكورة وهي انما شرعت في شيء أصله من اللهو فلما دخل عمر خشيت من مبادرته لكونه لم يعلم بخصوص النذر أو اليمين الذي صدر منها فشبه النبي صلى الله عليه وسلم حالها بحالة الشيطان الذي يخاف من حضور عمر والشيء بالشيء يذكر وقرب من قصتها قصة القينتين اللتين كانتا تغنيان عند النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عيد فأنكر أبو بكر عليهما وقال أبمزمور الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم فأعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بإباحة مثل ذلك في يوم العيد فهذا ما يتعلق بحديث عائشة وأما حديث أنس وهو الثاني من أحاديث الباب فذكره هنا مختصرا وتقدم في اواخر الحج قبيل فضائل المدينة بتمامه وأوله رأى شيخا يهادي بين ابنيه قال ما بال هذا قالوا نذر ان يمشي فذكر الحديث وفيه وأمره ان يركب وقوله

Section V11/P587–V11/P589

6323 قال الفزاري يعني مروان بن معاوية عن حميد حدثني ثابت عن أنس كأنه أراد بهذا التعليق تصريح حميد بالتحديث وقد وصله في الباب المشار إليه في الحج عن محمد بن سلام عن الفزاري وبينت هناك من رواه عن حميد موافقا للفزاري ومن رواه عن حميد بدون ذكر ثابت فيه وذكر المصنف هناك حديث عقبة بن عامر قال نذرت أختي ان تمشي إلى بيت الله الحديث وفيه لتمشي ولتركب وتقدم بعض الكلام عليه ثم ووقع للمزي في الأطراف فيه وهم فإنه ذكر ان البخاري أخرجه في الحج عن إبراهيم بن موسى وفي النذور عن أبي عاصم والموجود في نسخ البخاري ان الطريقين معا في الباب المذكور من الحج وليس لحديث عقبة في النذور ذكر أصلا وانما أمر الناذر في حديث أنس ان يركب جزما وأمر أخت عقبة ان تمشي وان تركب لأن الناذر في حديث أنس كان شيخا ظاهر العجز وأخت عقبة لم توصف بالعجز فكأنه امرها ان تمشي ان قدرت وتركب ان عجزت وبهذا ترجم البيهقي للحديث وأورد في بعض طرقه من رواية عكرمة عن بن عباس ان أخت عقبة نذرت ان تحج ماشية فقال ان الله غني عن مشي اختك فلتركب ولتهد بدنة وأصله عند أبي داود بلفظ ولتهد هديا ووهم من نسب إليه انه اخرج هذا الحديث بلفظ ولتهد بدنه وأورده من طريق أخرى عن عكرمة بغير ذكر الهدى وأخرجه الحاكم من حديث بن عباس بلفظ جاء رجل فقال ان أختي حلفت ان تمشي إلى البيت وانه يشق عليها المشي فقال مرها فلتركب إذا لم تستطع ان تمشي فما اغنى الله ان يشق على اختك ومن طريق كريب عن بن عباس جاء رجل فقال يا رسول الله ان أختي نذرت ان تحج ماشية فقال ان الله لا يصنع بشقاء اختك شيئا لتحج راكبة ثم لتكفر يمينها وأخرجه أصحاب السنن من طريق عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر قال نذرت أختي ان تحج ماشية غير مختمرة فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مر اختك فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام ونقل الترمذي عن البخاري انه لا يصح فيه الهدى وقد اخرج الطبراني من طريق أبي تميم الجيشاني عن عقبة بن عامر في هذه القصة نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسره وفيه لتركب ولتلبس ولتصم وللطحاوي من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عقبة بن عامر نحوه وأخرج البيهقي بسند ضعيف عن أبي هريرة بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في جوف الليل إذ بصر بخيال نفرت منه الإبل فإذا امرأة عريانة نافضة شعرها فقالت نذرت ان احج ماشية عريانة نافضة شعري فقال مرها فلتلبس ثيابها ولتهرق دما وأورد من طريق الحسن عن عمران رفعه إذا نذر أحدكم ان يحج ماشيا فليهد هديا وليركب وفي سنده انقطاع وفي الحديث صحة النذر بإتيان البيت الحرام وعن أبي حنيفة إذا لم ينو حجا ولا عمرة لا ينعقد ثم ان نذره راكبا لزمه فلو مشى لزمه دم لترفهه بتوفر مؤنة الركوب وان نذره ماشيا لزمه من حيث احرم إلى ان تنتهي العمرة أو الحج وهو قول صاحبي أبي حنيفة فان ركب بعذر اجزأه ولزمه دم في أحد القولين عن الشافعي واختلف هل يلزمه بدنة أو شاة وان ركب بلا عذر لزمه الدم وعن المالكية في العاجز يرجع من قابل فيمشي ما ركب الا ان عجز مطلقا فيلزمه الهدي وليس في طرق حديث عقبة ما يقتضي الرجوع فهو حجة للشافعي ومن تبعه وعن عبد الله بن الزبير لا يلزمه شيء مطلقا قال القرطبي زيادة الأمر بالهدى رواتها ثقات ولا ترد وليس سكوت من سكت عنها بحجة على من حفظها وذكرها قال والتمسك بالحديث في عدم إيجاب الرجوع ظاهر ولكن عمدة مالك عمل أهل المدينة تنبيه يقال ان الرجل المذكور في حديث أنس هو أبو إسرائيل المذكور في حديث بن عباس الذي بعد الباب كذا نقله مغلطاي عن الخطيب وهو تركيب منه وانما ذكر الخطيب ذلك في الرجل المذكور في حديث بن عباس اخر الباب وتغاير القصتين أوضح من ان يتكلف لبيانه وأما حديث بن عباس في الذي طاف بزمام وهو الحديث الثالث فأورده بعلو عن أبي عاصم عن بن جريج ولفظه رأى رجلا يطوف بالكعبة بزمام أو غيره فقطعه ثم أورده بنزول عن إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن بن جريج بلفظ مر وهو يطوف بالكعبة بانسان يقود انسانا بخزامة في انفه فقطعها ثم امره ان يقوده بيده والخزامة بكسر المعجمة وتخفيف الزاي حلقة من شعر أو وبر تجعل في الحاجز الذي بين منخري البعير يشد فيها الزمام ليسهل انقياده إذا كان صعبا وقد تقدم في باب الكلام في الطواف من كتاب الحج من هذين الوجهين عن بن جريج وذكرت ما قيل في اسم القائد والمقود ووجه ادخاله في أبواب النذر وانه عند النسائي من وجه آخر عن بن جريج وفيه التصريح بأنه نذر ذلك وان الداودي استدل به على ان من نذر مالا طاعة لله فيه لا ينعقد نذره وتعقب بن التين له والجواب عن الداودي وتصويبه في ذلك وأما حديث بن عباس أيضا وهو الحديث الرابع فوهيب في سنده هو بن خالد وعبد الوهاب الذي علق عنه البخاري آخر الباب هو بن عبد المجيد الثقفي وقد يتمسك بهذا من يرى ان الثقات إذا اختلفوا في الوصل والارسال يرجح قول من وصل لما معه من زيادة العلم لان وهيبا وعبد الوهاب ثقتان وقد وصله وهيب وأرسله عبد الوهاب وصححه البخاري مع ذلك والذي عرفناه بالاستقراء من صنيع البخاري انه لا يعمل في هذه الصورة بقاعدة مطردة بل يدور مع الترجيح الا ان استووا فيقدم الوصل والواقع هنا ان من وصله أكثر ممن أرسله قال الإسماعيلي وصله مع وهيب عاصم بن هلال والحسن بن أبي جعفر وأرسله مع عبد الوهاب خالد الواسطي قلت وخالد متقن وفي عاصم والحسن مقال فيستوي الطرفان فيترجح الوصل وقد جاء الحديث المذكور من وجه آخر فازداد قوة أخرجه عبد الرزاق عن بن طاوس عن أبيه عن أبي إسرائيل

Questions