İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
7068 قوله حدثنا أحمد بن إسحاق هو السرماري بفتح المهملة وبكسرها وبسكون الراء تقدم بيانه في ذكر بني إسرائيل وعمرو بن عاصم هو الكلابي البصري يكنى أبا عثمان وقد حدث عنه البخاري بلا واسطة في كتاب الصلاة وغيرها فنزل البخاري في هذا السند بالنسبة لهمام درجة وقد وقع هذا الحديث لمسلم عاليا فإنه أخرجه من طريق حماد بن سلمة عن إسحاق نعم وأخرجه من طريق همام نازلا كالبخاري وإسحاق بن عبد الله هو بن أبي طلحة الأنصاري التابعي المشهور وعبد الرحمن بن أبي عمرة تابعي جليل من أهل المدينة له في البخاري عن أبي هريرة عشرة أحاديث غير هذا الحديث واسم أبيه كنيته وهو أنصاري صحابي ويقال ان لعبد الرحمن رؤية وقال بن أبي حاتم ليست له صحبة ولهم عبد الرحمن بن أبي عمرة آخر أدركه مالك وقال بن عبد البر هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمرة نسب لجده قلت فعلى هذا هو بن أخي الراوي عنه قوله ان عبدا أصاب ذنبا وربما قال أذنب ذنبا كذا تكرر هذا الشك في هذا الحديث من هذا الوجه ولم يقع في رواية حماد بن سلمة ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال أذنب عبد ذنبا وكذا في بقية المواضع قوله فقال وبه اعلم بهمزة استفهام والفعل الماضي قوله ويأخذ به أي يعاقب فاعله وفي رواية حماد ويأخذ بالذنب قوله ثم مكث ما شاء أي من الزمان وسقط هذا من رواية حماد قوله ثم أصاب ذنبا في رواية حماد ثم عاد فأذنب قوله في آخره غفرت لعبدي في رواية حماد اعمل ما شئت فقد غفرت لك قال بن بطال في هذا الحديث ان المصر على المعصية في مشيئة الله تعالى ان شاء عذبه وان شاء غفر له مغلبا الحسنة التي جاء بها وهي اعتقاده ان له ربا خالقا يعذبه ويغفر له واستغفاره إياه على ذلك يدل عليه قوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ولا حسنة أعظم من التوحيد فان قيل ان استغفاره ربه توبة منه قلنا ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة وقد يطلبها المصر والتائب ولا دليل في الحديث على انه تائب مما سأل الغفران عنه لأن حد التوبة الرجوع عن الذنب والعزم ان لا يعود إليه والاقلاع عنه والاستغفار بمجرده لا يفهم منه ذلك انتهى وقال غيره شروط التوبة ثلاثة الاقلاع والندم والعزم على ان لا يعود والتعبير بالرجوع عن الذنب لا يفيد معنى الندم بل هو إلى معنى الاقلاع أقرب وقال بعضهم يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه فإنه يستلزم الاقلاع عنه والعزم على عدم العود فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه ومن ثم جاء الحديث الندم توبة وهو حديث حسن من حديث بن مسعود أخرجه بن ماجة وصححه الحاكم وأخرجه بن حبان من حديث أنس وصححه وقد تقدم البحث في ذلك في باب التوبة من أوائل كتاب الدعوات مستوفى وقال القرطبي في المفهم يدل هذا الحديث على عظيم فائدة الاستغفار وعلى عظيم فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه لكن هذا الاستغفار هو الذي ثبت معناه في القلب مقارنا للسان لينحل به عقد الاصرار ويحصل معه الندم فهو ترجمة للتوبة ويشهد له حديث خياركم كل مفتن تواب ومعناه الذي يتكرر منه الذنب والتوبة فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة لا من قال استغفر الله بلسانه وقلبه مصر على تلك المعصية فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى الاستغفار قلت ويشهد له ما أخرجه بن أبي الدنيا من حديث بن عباس مرفوعا التائب من الذنب كمن لا ذنب له والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه والراجح ان قوله والمستغفر إلى آخره موقوف وأوله عند بن ماجة والطبراني من حديث بن مسعود وسنده حسن وحديث خياركم كل مفتن تواب ذكره في مسند الفردوس عن علي قال القرطبي وفائدة هذا الحديث ان العود إلى الذنب وان كان أقبح من ابتدائه لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها لأنه ان ضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم والالحاح في سؤاله والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه قال النووي في الحديث ان الذنوب ولو تكررت مائة مرة بل ألفا وأكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته أو تاب عن الجميع توبة واحدة صحت توبته وقوله اعمل ما شئت معناه ما دمت تذنب فتتوب غفرت لك وذكر في كتاب الأذكار عن الربيع بن خيثم انه قال لا تقل استغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا وكذبا ان لم تفعل بل قل اللهم اغفر لي وتب علي قال النووي هذا حسن واما كراهية أستغفر الله وتسميته كذبا فلا يوافق عليه لأن معنى استغفر الله أطلب مغفرته وليس هذا كذبا قال ويكفي في رده حديث بن مسعود بلفظ من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وان كان قد فر من الزحف أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الحاكم قلت هذا في لفظ أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأما أتوب إليه فهو الذي عنى الربيع رحمه الله انه كذب وهو كذلك إذا قاله ولم يفعل التوبة كما قال وفي الاستدلال للرد عليه بحديث بن مسعود نظر لجواز ان يكون المراد منه ما إذا قالها وفعل شروط التوبة ويحتمل ان يكون الربيع قصد مجموع اللفظين لا خصوص استغفر الله فيصح كلامه كله والله أعلم ورأيت في الحلبيات للسبكي الكبير الاستغفار طلب المغفرة اما باللسان أو بالقلب أو بهما فالأول فيه نفع لأنه خير من السكوت ولأنه يعتاد قول الخير والثاني نافع جدا والثالث أبلغ منهما لكنهما لا يمحصان الذنب حتى توجد التوبة فان العاصي المصر يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التوبة منه إلى ان قال والذي ذكرته من أن معنى الاستغفار هو غير معنى التوبة هو بحسب وضع اللفظ لكنه غلب عند كثير من الناس أن لفظ استغفر الله معناه التوبة فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة لا محاله ثم قال وذكر بعض العلماء ان التوبة لا تتم الا بالاستغفار لقوله تعالى وان استغفروا ربكم ثم توبوا إليه والمشهور انه لا يشترط الحديث السابع عشر حديث أبي سعيد في قصة الذي أمر ان يحرقوه وتقدم التنبيه عليه في الخامس عشر
7069 قوله معتمر سمعت أبي هو سليمان بن طرخان التيمي والسند كله بصريون وفيه ثلاثة من التابعين في نسق قوله عن عقبة بن عبد الغافر في رواية شعبة عن قتادة سمعت عقبة وقد تقدمت في الرقاق مع سائر شرحه وقوله انه ذكر رجلا فيمن سلف أو فيمن كان قبلكم شك من الراوي ووقع عند الأصيلي قبلهم وقد مضى في الرقاق عن موسى بن إسماعيل عن معتمر بلفظ ذكر رجلا فيمن كان سلف قبلكم ولم يشك وقوله قال كلمة يعني أعطاه الله مالا في رواية موسى آتاه الله مالا وولدا وقوله أي أب كنت لكم قال أبو البقاء هو بنصب أي على انه خبر كنت وجاز تقديمه لكونه استفهاما ويجوز الرفع وجوابهم بقولهم خير أب الأجود النصب على تقدير كنت خير أب فيوافق ما هو جواب عنه ويجوز الرفع بتقدير أنت خير أب وقوله فإنه لم يبتئر أو لم يبتئز تقدم عزو هذا الشك انها بالراء أو بالزاي لرواية أبي زيد المروزي تبعا للقاضي عياض وقد وجدتها هنا فيما عندنا من رواية أبي ذر عن شيوخه وقوله فاسحقوني أو قال فاسحكوني في رواية موسى مثله لكن قال أو قال فاسهكوني بالهاء بدل الحاء المهملة والشك هل قالها بالقاف أو الكاف قال الخطابي في رواية أخرى فاسحلوني يعني باللام ثم قال معناه أبردوني بالسحل وهو المبرد ويقال للبرادة سحالة واما اسحكوني بالكاف فأصله السحق فأبدلت القاف كافا ومثله السهك بالهاء والكاف وقوله في آخره قال فحدثت به أبا عثمان القائل هو سليمان التيمي وذهل الكرماني فجزم بأنه قتادة وأبو عثمان هو النهدي وقوله سمعت هذا من سلمان إلى آخره سلمان هو الفارسي وأبو عثمان معروف بالرواية عنه وقد أغفل المزي ذكر هذا الحديث من مسند سلمان في الأطراف وقد تقدم أيضا في الرقاق ونبهت على صفة تخريج الإسماعيلي له وقوله 7070 حدثنا موسى حدثنا معتمر وقال لم يبتئر أي بالراء لم يشك وقد ساقه بتمامه في الرقاق عن موسى المذكور وهو بن إسماعيل التبوذكي وساق في آخر روايته حديث سلمان أيضا كذلك وقوله بعده وقال لي خليفة هو بن خياط وسقط للأكثر لفظ لي حدثنا معتمر لم يبتئر يعني بالحديث بكماله ولكنه قال لم يبتئز بالزاي وقوله فسره قتادة لم يدخر وقعت هذه الزيادة في رواية خليفة دون رواية موسى بن إسماعيل وعبد الله بن أبي الأسود وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ العنبري عن معتمر وذكر فيه تفسير قتادة هذا وكذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج من رواية إسحاق بن إبراهيم الشهيدي عن معتمر وقد استوعبت اختلاف ألفاظ الناقلين لهذا الخبر في هذه اللفظة في كتاب الرقاق بما يغني عن اعادته وبالله التوفيق 1 ( قوله باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم )
ذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الأول حديث أنس في الشفاعة أورده مختصرا جدا ثم مطولا وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب الرقاق قوله حدثنا يوسف بن راشد هو يوسف بن موسى بن راشد القطان الكوفي نزيل بغداد نسبه لجده وهو بالنسبة لأبيه أشهر ولهم شيخ آخر يقال له يوسف بن موسى التستري نزيل الري أصغر من القطان وشيخه أحمد بن عبد الله هو أحمد بن عبد الله بن يونس ينسب لجده كثيرا وأبو بكر بن عياش هو المقرئ وقد أخرج البخاري عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن أبي بكر بن عياش حديثا غير هذا بغير واسطة بينه وبين أحمد وتقدم في باب الغنى غنى النفس في كتاب الرقاق قوله إذا كان يوم القيامة شفعت كذا للأكثر بضم أوله مشددا وللكشميهني بفتحه مخففا قوله فقلت يا رب أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة هكذا في هذه الرواية وفي التي بعدها أن الله سبحانه هو الذي يقول ذلك وهو المعروف في سائر الأخبار قال بن التين هذا فيه كلام الأنبياء مع الرب ليس كلام الرب مع الأنبياء قوله ثم أقول ذكر بن التين أنه وقع عنده بلفظ ثم نقول بالنون قال ولا أعلم من رواه بالياء فان كان روي بالياء طابق التبويب أي ثم يقول الله ويكون جوابا عن اعتراض الداودي حيث قال قوله ثم أقول خلاف لسائر الروايات فان فيها ان الله امره أن يخرج قلت وفيه نظر والموجود عند أكثر الرواة ثم أقول بالهمزة كما لأبي ذر والذي أظن ان البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كعادته فقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي عاصم أحمد بن جواس بفتح الجيم والتشديد عن أبي بكر عن عياش ولفظه أشفع يوم القيامة فيقال لي لك من في قلبه شعيرة ولك من في قلبه خردلة ولك من في قلبه شيء فهذا من كلام الرب مع النبي صلى الله عليه وسلم ويمكن التوفيق بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم يسأل عن ذلك اولا فيجاب إلى ذلك ثانيا فوقع في إحدى الروايتين ذكر السؤال وفي البقية ذكر الإجابة وقوله في الأولى من كان في قلبه أدنى شيء قال الداودي هذا زائد على سائر الروايات وتعقب بأنه مفسر في الرواية الثانية حيث جاء فيها أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من ايمان قال الكرماني قوله أدنى أدنى التكرير للتأكيد ويحتمل أن يراد التوزيع على الحبة والخردل أي أقل حبة من أقل خردلة من الإيمان ويستفاد منه صحة القول بتجزيء الإيمان وزيادته ونقصانه وقوله قال أنس كأني أنظر إلى أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني قوله أدنى شيء وكأنه يضم أصابعه ويشير بها وقوله فأخرجه من النار من النار من النار التكرير للتأكيد أيضا للمبالغة أو للنظر إلى الأمور الثلاثة من الحبة والخردلة والايمان أو جعل أيضا للنار مراتب قلت سقط تكرير قوله من النار عند مسلم ومن ذكرت معه في رواية حماد بن زيد هذه والله تعالى أعلم وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الرقاق وقوله
7072 فيه فذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله في رواية الكشميهني فسأله بفاء وصيغة الفعل الماضي قال بن التين فيه تقديم الرجل الذي هو من خاصة العالم ليسأله وفي قوله فإذا هو في قصره قال بن التين فيه اتخاذ القصر لمن كثرت ذريته وقوله فوافقنا كذا لهم بحذف المفعول وللكشميهني فوافقناه وقوله ماج الناس أي اختلطوا يقال ماج البحر أي اضطربت أمواجه وقوله فإنه كليم الله كذا للأكثر وللكشميهني فإنه كلم الله بلفظ الفعل الماضي وقوله فيقال يا محمد في رواية الكشميهني فيقول في المواضع الثلاثة قوله وهو متوار في منزل أبي خليفة هو حجاج بن عتاب العبدي البصري والد عمر بن أبي خليفة سماه البخاري في تاريخه وتبعه الحاكم أبو أحمد في الكنى قوله وهو جميع أي مجتمع العقل وهو إشارة إلى انه كان حينئذ لم يدخل في الكبر الذي هو مظنة تفرق الذهن وحدوث اختلاط الحفظ وقوله فحدثناه بسكون المثلثة وحذف الضمير وقوله قلنا يا أبا سعيد في رواية الكشميهني فقلنا قال بن التين قال هنا لست لها وفي غيره لست هنا كم قال وأسقط هنا ذكر نوح وزاد فأقول أنا لها وزاد فأقول أمتي أمتي قال الداودي لا أراد محفوظا لأن الخلائق اجتمعوا واستشفعوا ولو كان المراد هذه الأمة خاصة لم تذهب إلى غير نبيها فدل على ان المراد الجميع وإذا كانت الشفاعة لهم في فصل القضاء فكيف يخصها بقوله أمتي أمتي ثم قال وأول هذا الحديث ليس متصلا بآخره بل بقي بين طلبهم الشفاعة وبين قوله فاشفع أمور كثيرة من أمور القيامة قلت وقد بينت الجواب عن هذا الاشكال عند شرح الحديث بما يغني عن اعادته هنا وقد أجاب عنه القاضي عياض بأن معنى الكلام فيؤذن له في الشفاعة الموعود بها في فصل القضاء وقوله ويلهمني ابتداء كلام آخر وبيان للشفاعة الأخرى الخاصة بأمته وفي السياق اختصار وادعى المهلب ان قوله فأقول يا رب أمتي مما زاد سليمان بن حرب على سائر الرواة كذا قال وهو اجتراء على القول بالظن الذي لا يستند إلى دليل فان سليمان بن حرب لم ينفرد بهذه الزيادة بل رواها معه سعيد بن منصور عند مسلم وكذا أبو الربيع الزهراني عند مسلم والإسماعيلي ولم يسق مسلم لفظه ويحيى بن حبيب بن عربي عند النسائي في التفسير ومحمد بن عبيد بن حساب ومحمد بن سليمان لوين كلاهما عند الإسماعيلي كلهم عن حماد بن زيد شيخ سليمان بن حرب فيه بهذه الزيادة وكذا وقعت هذه الزيادة في هذا الموضع من حديث الشفاعة في رواية أبي هريرة الماضية في كتاب الرقاق وبالله التوفيق الحديث الثاني 7073 قوله حدثنا محمد بن خالد في رواية الكشميهني محمد بن مخلد والأول هو الصواب ولم يذكر أحد ممن صنف في رجال البخاري ولا في رجال الكتب الستة أحدا اسمه محمد بن مخلد والمعروف محمد بن خالد وقد اختلف فيه فقيل هو الذهلي وهو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس نسب لجد أبيه وبذلك جزم الحاكم والكلاباذي وأبو مسعود وقيل محمد بن خالد بن جبلة الرافعي وبذلك جزم أبو أحمد بن عدي وخلف الواسطي في الأطراف وقد روى هنا عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بالواسطة وروى عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بلا واسطة عدة أحاديث منها في المغازي والتفسير والفرائض ومنصور في السند هو بن المعتمر وإبراهيم هو النخعي وعبيدة بفتح أوله هو بن عمرو السلماني وعبد الله هو بن مسعود ورجال سند هذا إلى عبيد الله بن موسى كوفيون قوله ان آخر أهل الجنة دخولا الجنة الحديث ذكره مختصرا جدا وقد مضى بتمامه مشروحا في الرقاق وقوله كل ذلك يعيد عليه الجنة في رواية الكشميهني فكل ذلك وقوله في أخره عشر مرار في رواية الكشميهني عشر مرات الحديث الثالث حديث عدي بن حاتم ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه وقد تقدم شرحه في كتاب الرقاق وقوله
7074 قال الأعمش وحدثني عمرو بن مرة هو موصول بالسند الذي قبله إليه الحديث الرابع حديث عبد الله وهو بن مسعود قال جاء حبر من اليهود فذكر الحديث وقد تقدم شرحه مستوفى في باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي وتقدم كلام الخطابي في إنكاره تارة وفي تأويله أخرى وقال أيضا الاستدلال بالتبسم والضحك في مثل هذا الأمر العظيم غير سائغ مع تكافىء وجهي الدلالة المتعارضين فيه ولو صح الخبر لكان ظاهر اللفظ منه متأولا على نوع من المجاز وضرب من التمثيل مما جرت عادة الكلام بين الناس في عرف تخاطبهم فيكون المعنى ان قدرته على طيها وسهولة الأمر في جمعها بمنزلة من جمع شيئا في كفه فاستخف حمله فلم يشتمل عليه بجميع كفه لكنه أقله ببعض أصابعه وقد يقول الإنسان في الأمر الشاق إذا أضيف إلى القوي أنه يأتي عليه بأصبع أو أنه يقله بخنصره ثم قال والظاهر ان هذا من تخليط اليهود وتحريفهم وان ضحكه عليه الصلاة والسلام انما كان على معنى التعجب والنكير له والعلم عند الله تعالى الحديث الخامس حديث بن عمر في النجوى 7076 قوله يدنو أحدكم من ربه قال بن التين يعني يقرب من رحمته وهو سائغ في اللغة يقال فلان قريب من فلان ويراد الرتبة ومثله ان رحمة الله قريب من المحسنين وقوله فيضع كنفه بفتح الكاف والنون بعدها فاء المراد بالكنف الستر وقد جاء مفسرا بذلك في رواية عبد الله بن المبارك عن محمد بن سواء عن قتادة فقال في آخر الحديث قال عبد الله بن المبارك كنفه ستره أخرجه المصنف في كتاب خلق أفعال العباد والمعنى أنه تحيط به عنايته التامة ومن رواه بالمثناة المكسورة فقد صحف على ما جزم به جمع من العلماء قوله وقال آدم حدثنا شيبان هو بن عبد الرحمن إلى آخره ذكر هذه الرواية لتصريح قتادة فيها بقوله حدثنا صفوان وهكذا ذكره عن آدم في كتاب خلق أفعال العباد تنبيهان أحدهما ليس في أحاديث الباب كلام الرب مع الأنبياء الا في حديث أنس وسائر أحاديث الباب في كلام الرب مع غير الأنبياء وإذا ثبت كلامه مع غير الأنبياء فوقوعه للأنبياء بطريق الأولى الثاني تقدم في الحديث الأول ما يتعلق بالترجمة وأما الثاني فيختص بالركن الثاني من الترجمة وهو قوله وغيرهم وأما سائرها فهو شامل للأنبياء ولغير الأنبياء على وفق الترجمة 1 ( قوله باب ما جاء في قوله عز وجل وكلم الله موسى تكليما )
كذا لأبي زيد المروزي ومثله لأبي ذر لكن بحذف لفظ قوله عز وجل ولغيرهما باب قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما قال الأئمة هذه الآية أقوى ما ورد في الرد على المعتزلة قال النحاس أجمع النحويون على ان الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازا فإذا قال تكليما وجب ان يكون كلاما على الحقيقة التي تعقل وأجاب بعضهم بأنه كلام على الحقيقة لكن محل الخلاف هل سمعه موسى من الله تعالى حقيقة أو من الشجرة فالتأكيد رفع المجاز عن كونه غير كلام اما المتكلم به فمسكوت عنه ورد بأنه لا بد من مراعاة المحدث عنه فهو لرفع المجاز عن النسبة لأنه قد نسب الكلام فيها إلى الله فهو المتكلم حقيقة ويؤكده قوله في سورة الأعراف اني اصطفيتك عن الناس برسالاتي وبكلامي وأجمع السلف والخلف من أهل السنة وغيرهم على ان كلم هنا من الكلام ونقل الكشاف عن بدع بعض التفاسير انه من الكلم بمعنى الجرح وهو مردود بالإجماع المذكور قال بن التين اختلف المتكلمون في سماع كلام الله فقال الأشعري كلام الله القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تال وقراءة كل قارئ وقال الباقلاني انما تسمع التلاوة دون المتلو والقراءة دون المقروء وتقدم في باب يريدون ان يبدلوا كلام الله شيء من هذا وأورد البخاري في كتاب خلق أفعال العباد ان خالد بن عبد الله القسري قال اني مضحي بالجعد بن درهم فإنه يزعم ان الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما وتقدم في أول التوحيد أن سلم بن أحوز قتل جهم بن صفوان لأنه أنكر ان الله كلم موسى تكليما ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدها حديث أبي هريرة احتج آدم وموسى وقد مضى شرحه في كتاب القدر والمراد منه 7077 قوله أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه وللكشميهني وبكلامه ثانيها حديث أنس في الشفاعة أورد منه طرفا من أوله إلى قوله في ذكر آدم ويذكر لهم خطيئته التي أصاب وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب الرقاق قال الإسماعيلي أراد ذكر موسى قالوا له وكلمك الله فلم يذكره قلت جرى على عادته في الإشارة وقد مضى في تفسير البقرة عن مسلم بن إبراهيم شيخه هنا وساقه فيه بطوله وفيه ائتوا موسى عبدا كلمه الله وأعطاه التوراة الحديث ومضى أيضا في كتاب التوحيد هذا في باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي عن معاذ بن فضالة عن هشام بهذا السند وساق الحديث بطوله أيضا وفيه ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما وكذا وقع في حديث أبي بكر الصديق في الشفاعة الذي أخرجه أحمد وغيره وصححه أبو عوانة وغيره فيأتون إبراهيم فيقول انطلقوا إلى موسى فان الله كلمه تكليما وذكر البخاري في كتاب خلق أفعال العباد منه هذا القدر تعليقا ثالثها حديث أنس في المعراج أورده من رواية شريك بن عبد الله أي بن أبي نمر بفتح النون وكسر الميم وهو مدني تابعي يكنى أبا عبد الله وهو أكبر من شريك بن عبد الله النخعي القاضي وقد أورد بعض هذا الحديث في الترجمة النبوية وأورد حديث الإسراء من رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر في أوائل كتاب الصلاة وأورده من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة في بدء الخلق وفي أوائل البعثة قبل الهجرة وشرحته هناك وأخرت ما يتعلق برواية شريك هذه هنا لما اختصت به من المخالفات
7079 قوله ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه في رواية الكشميهني إذ جاء بدل انه جاءه والأول أولى والنفر الثلاثة لم أقف على تسميتهم صريحا لكنهم من الملائكة وأخلق بهم أن يكونوا من ذكر في حديث جابر الماضي في أوائل الاعتصام بلفظ جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان وبينت هناك أن منهم جبريل وميكائيل ثم وجدت التصريح بتسميتهما في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبراني ولفظه فأتاه جبريل وميكائيل فقالا أيهم وكانت قريش تنام حول الكعبة فقالا أمرنا بسيدهم ثم ذهبا ثم جاءا وهم ثلاثة فألقوه فقلبوه لظهره وقوله وقبل قبل أن يوحى إليه انكرها الخطابي وبن حزم وعبد الحق والقاضي عياض والنووي وعبارة النووي وقع في رواية شريك يعني هذه أوهام أنكرها العلماء أحدها قوله قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون قبل الوحي انتهى وصرح المذكورون بأن شريكا تفرد بذلك وفي دعوى التفرد نظر فقد وافقه كثير بن خنيس بمعجمه ونون مصغر عن أنس كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي من طريقه قوله وهو نائم في المسجد الحرام قد أكد هذا بقوله في آخر الحديث فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ونحوه ما وقع في حديث مالك بن صعصعة بين النائم واليقظان وقد قدمت وجه الجمع بين مختلف الروايات في شرح الحديث قوله فقال أولهم أيهم هو فيه اشعار بأنه كان نائما بين جماعة أقلهم اثنان وقد جاء أنه كان نائما معه حينئذ حمزة بن عبد المطلب عمه وجعفر بن أبي طالب بن عمه قوله فقال أحدهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة الضمير المستتر في كانت لمحذوف وكذا خبر كان والتقدير فكانت القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا قوله فلم يرهم أي بعد ذلك حتى اتوه ليلة أخرى ولم يعين المدة التي بين المجيئين فيحمل على ان المجيء الثاني كان بعد أن أوحى إليه وحينئذ وقع الإسراء والمعراج وقد سبق بيان الاختلاف في ذلك عند شرحه وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدة سنين وبهذا يرتفع الاشكال عن رواية شريك ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة ويسقط تشنيع الخطابي وبن حزم وغيرهما بأن شريكا خالف الإجماع في دعواه ان المعراج كان قبل البعثة وبالله التوفيق وأما ما ذكره بعض الشراح انه كان بين الليلتين اللتين أتاه فيهما الملائكة سبع وقيل ثمان وقيل تسع وقيل عشر وقيل ثلاثة عشر فيحمل على إرادة السنين لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال وبذلك جزم بن القيم في هذا الحديث نفسه وأقوى ما يستدل به ان المعراج بعد البعثة قوله في هذا الحديث نفسه ان جبريل قال لبواب السماء إذ قال له ابعث قال نعم فإنه ظاهر في ان المعراج كان بعد البعثة فيتعين ما ذكرته من التأويل وأقله قوله فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام فان حمل على ظاهره جاز ان يكون نام بعد ان هبط من السماء فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام وجاز أن يؤول قوله استيقظ أي أفاق مما كان فيه فإنه كان إذا اوحي إليه يستغرق فيه فإذا انتهى رجع إلى حالته الأولى فكني عنه بالاستيقاظ قوله فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تقدم الكلام عليه في الترجمة النبوية قوله فلم يكلموه حتى احتملوه تقدم وجه الجمع بين هذا وبين قوله في حديث أبي ذر فرج سقف بيتي وقوله في حديث مالك بن صعصعة بأنه كان في الحطيم عند شرحه بناء على اتحاد قصة الإسراء أما ان قلنا ان الإسراء كان متعددا فلا اشكال أصلا قوله فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته بفتح اللام وتشديد الموحدة وهي موضع القلادة من الصدر ومن هناك تنحر الإبل وقد تقدم عند شرحه الرد على من أنكر شق الصدر عند الإسراء وزعم ان ذلك انما وقع وهو صغير وبينت انه ثبت كذلك في غير رواية شريك في الصحيحين من حديث أبي ذر وان شق الصدر وقع أيضا عند البعثة كما أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو نعيم والبيهقي في دلائل النبوة وذكر أبو بشر الدولابي بسنده انه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام ان بطنه أخرج ثم أعيد فذكر ذلك لخديجة الحديث وتقدم بيان الحكمة في تعدد ذلك ووقع شق الصدر الكريم أيضا في حديث أبي هريرة حين كان بن عشر سنين وهو عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند وتقدم الإلمام بشيء من ذلك في الترجمة النبوية ووقع في الشفاء ان جبريل قال لما غسل قلبه قلب سديد فيه عينان تبصران واذنان تسمعان قوله ثم اتى بطست محشوا كذا وقع بالنصب وأعرب بأنه حال من الضمير الجار والمجرور والتقدير بطست كائن من ذهب فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور وتقدم في كتاب الصلاة بلفظ محشو بالجر على الصفة لا اشكال فيه واما قوله ايمانا فمنصوب على التمييز وقوله وحكمة معطوف عليه قوله بطست من ذهب فيه تور من ذهب التور بمثناة تقدم بيانه في كتاب الوضوء وهذا يقتضي انه غير الطست وانه كان داخل الطست فقد تقدم في أوائل الصلاة في شرح حديث أبي ذر في الإسراء انهم غسلوه بماء زمزم فان كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل ان يكون أحدهما فيه ماء زمزم والآخر هو المحشو بالإيمان واحتمل ان يكون التور ظرف الماء وغيره والطست لما يصب فيه عند الغسل صيانة له عن التبدد في الأرض وجريا له على العادة في الطست وما يوضع فيه الماء قوله فحشى به صدره في رواية الكشميهني فحشا بفتح الحاء والشين وصدره بالنصب ولغيره بضم الحاء وكسر الشين وصدره بالرفع قوله ولغاديده بغين معجمة فسره في هذه الرواية بأنها عروق حلقه وقال أهل اللغة هي اللحمات التي بين الحنك وصفحة العنق واحدها لغدود ولغديد ويقال له أيضا لغد وجمعه ألغاد قوله ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا ان كانت القصة متعددة فلا اشكال وان كانت متحدة ففي هذا السياق حذف تقديره ثم أركبه البراق إلى بيت المقدس ثم أتى بالمعراج كما في حديث مالك بن صعصعة فغسل به قلبي ثم حشى ثم أعيد ثم أتيت بدابة فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا وفي سياقه أيضا حذف تقديره حتى اتى بي بيت المقدس ثم أتى بالمعراج كما في رواية ثابت عن أنس رفعه أتيت بالبراق فركبته حتى أتى بي بيت المقدس فربطته ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم عرج بي إلى السماء قوله فاستبشر به أهل السماء كأنهم كانوا أعلموا أنه سيعرج به فكانوا مترقبين لذلك قوله لا يعلم أهل السماء بما يريد في رواية الكشميهني ما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم أي على لسان من شاء كجبريل قوله فاذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان أي يجريان وظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة فان فيه بعد ذكر سدرة المنتهى فإذا في أصلها أربعة أنهار ويجمع بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما في السماء الدنيا ومنها ينزلان إلى الأرض ووقع هنا النيل والفرات عنصرها والعنصر بضم العين والصاد المهملتين بينهما نون ساكنة هو الأصل قوله ثم مضى به في السماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده أي في النهر فاذا هو أي طينه مسك اذفر قال ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي خبأ بفتح المعجمة والموحدة مهموز أي ادخر لك ربك وهذا مما يستشكل من رواية شريك فان الكوثر في الجنة والجنة في السماء السابعة وقد أخرج أحمد من حديث حميد الطويل عن أنس رفعه دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي في مجرى مائه فإذا مسك اذفر فقال جبريل هذا الكوثر الذي أعطاك الله تعالى وأصل هذا الحديث عند البخاري بنحوه وقد مضى في التفسير من طريق قتادة عن أنس لكن ليس فيه ذكر الجنة وأخرجه أبو داود والطبري من طريق سليمان التيمي عن قتادة ولفظه لما عرج بنبي الله صلى الله عليه وسلم عرض له في الجنة نهر الحديث ويمكن ان يكون في هذا الموضع شيء محذوف تقديره ثم مضى به في السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر قوله كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة كذا في رواية شريك وفي حديث الزهري عن أنس عن أبي ذر قال أنس فذكر انه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يثبت كيف منازلهم غير انه ذكر انه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة انتهى وهذا موافق لرواية شريك في إبراهيم وهما مخالفان لرواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة وقد قدمت في شرحه ان الأكثر وافقوا قتادة وسياقه يدل على رجحان روايته فإنه ضبط اسم كل نبي والسماء التي هو فيها ووافقه ثابت عن أنس وجماعة ذكرتهم هناك فهو المعتمد لكن ان قلنا ان القصة تعددت فلا ترجيح ولا اشكال قوله وموسى في السابعة بفضل كلامه لله في رواية أبي ذر عن الكشميهني بتفضيل كلام الله وهي رواية الأكثر وهي مراد الترجمة والمطابق لقوله تعالى اني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وهذا التعليق يدل على ان شريكا ضبط كون موسى في السماء السابعة وقد قدمنا أن حديث أبي ذر يوافقه لكن المشهور في الروايات ان الذي في السابعة هو إبراهيم واكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة بأنه كان مسندا ظهره إلى البيت المعمور فمع التعدد لا اشكال ومع الاتحاد فقد جمع بأن موسى كان في حالة العروج في السادسة وإبراهيم في السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعصعة وعند الهبوط كان موسى في السابعة لأنه لم يذكر في القصة أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فرض الله على أمته من الصلاة كما كلمه موسى والسماء السابعة هي أول شيء انتهى إليه حالة الهبوط فناسب ان يكون موسى بها لأنه هو الذي خاطبه في ذلك كما ثبت في جميع الروايات ويحتمل ان يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلا له على غيره من أجل كلام الله تعالى وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع المصطفى فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة وقد أشار النووي إلى شيء من ذلك والعلم عند الله تعالى قوله فقال موسى رب لم أظن أن ترفع علي أحدا كذا للأكثر بفتح المثناة في ترفع واحدا بالنصب وفي رواية الكشميهني أن يرفع بضم التحتانية أوله واحد بالرفع قال بن بطال فهم موسى من اختصاصه بكلام الله تعالى له في الدنيا دون غيره من البشر لقوله اني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ان المراد بالناس هنا البشر كلهم وأنه استحق بذلك ان لا يرفع أحد عليه فلما فضل الله محمدا عليه عليهما الصلاة والسلام بما أعطاه من المقام المحمود وغيره ارتفع على موسى وغيره بذلك ثم ذكر الاختلاف في ان الله سبحانه وتعالى في ليلة الإسراء كلم محمدا صلى الله عليه وسلم بغير واسطة أو بواسطة والخلاف في وقوع الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم بعين رأسه أو بعين قلبه في اليقظة أو في المنام وقد مضى بيان الاختلاف في ذلك في تفسير سورة النجم بما يغني عن اعادته قوله ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه الا الله حتى جاء سدرة المنتهى كذا وقع في رواية شريك وهو مما خالف فيه غيره فان الجمهور على ان سدرة المنتهى في السابعة وعند بعضهم في السادسة وقد قدمت وجه الجمع بينهما عند شرحه ولعل في السياق تقديما وتأخيرا وكان ذكر سدرة المنتهى قبل ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه الا الله وقد وقع في حديث أبي ذر ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام وقد تقدم تفسير المستوى والصريف عند شرحه في أول كتاب الصلاة ووقع في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبري بعد ذكر إبراهيم في السابعة فإذا هو بنهر فذكر أمر الكوثر قال ثم خرج إلى سدرة المنتهى وهذا موافق للجمهور ويحتمل ان يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلو البالغ لسدرة المنتهى صفة أعلاها وما تقدم صفة أصلها قوله ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى في رواية ميمون المذكورة فدنا ربك عز وجل فكان قاب قوسين أو أدنى قال الخطابي ليس في هذا الكتاب يعني صحيح البخاري حديث أشنع ظاهرا ولا أشنع مذاقا من هذا الفصل فأنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر وتمييز مكان كل واحد منهما هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلق من فوق إلى أسفل قال فمن لم يبلغه من هذا الحديث الا هذا القدر مقطوعا عن غيره ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه وكان قصاراه ما رد الحديث من أصله واما الوقوع في التشبيه وهما خطتان مرغوب عنهما واما من اعتبر أول الحديث بآخره فإنه يزول عنه الاشكال فأنه مصرح فيهما بأنه كان رؤيا لقوله في أوله وهو نائم وفي آخره استيقظ وبعض الرؤيا مثل يضرب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك بل يأتي كالمشاهدة قلت وهو كما قال ولا التفات إلى من تعقب كلامه بقوله في الحديث الصحيح ان رؤيا الأنبياء وحي فلا يحتاج إلى تعبير لأنه كلام من لم يمعن النظر في هذا المحل فقد تقدم في كتاب التعبير أن بعض مرأى الأنبياء يقبل التعبير وتقدم من أمثلة ذلك قول الصحابة له صلى الله عليه وسلم في رؤية القميص فما أولته يا رسول الله قال الدين وفي رؤية اللبن قال العلم إلى غير ذلك لكن جزم الخطابي بأنه كان في المنام متعقب بما تقدم تقريره قبل ثم قال الخطابي مشيرا إلى رفع الحديث من أصله بأن القصة بطولها انما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه لم يعزها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا نقلها عنه ولا أضافها إلى قوله فحاصل الأمر في النقل انها من جهة الراوي اما من أنس واما من شريك فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة انتهى وما نفاه من ان أنسا لم يسند هذه القصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تأثير له فادنى أمره فيها ان يكون مرسل صحابي فاما ان يكون تلقاها عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي تلقاها عنه ومثل ما اشتملت عليه لا يقال بالرأي فيكون لها حكم الرفع ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلا وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة فالتعليل بذلك مردود ثم قال الخطابي ان الذي وقع في هذه الرواية من نسبة التدلي للجبار عز وجل مخالف لعامة السلف والعلماء وأهل التفسير من تقدم منهم ومن تأخر قال والذي قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها انه دنا جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى أي تقرب منه وقيل هو على التقديم والتأخير أي تدلى فلانا لأن التدلي بسبب الدنو الثاني تدلى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع حتى رآه متدليا كما رآه مرتفعا وذلك من آيات الله حيث أقدره على ان يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شيء ولا تمسك بشيء الثالث دنا جبريل فتدلى محمد صلى الله عليه وسلم ساجدا لربه تعالى شكرا على ما أعطاه قال وقد روى هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك فلم يذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة وذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من جهة شريك انتهى وقد أخرج الأموي في مغازيه ومن طريقه البيهقي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن بن عباس في قوله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى قال دنا منه ربه وهذا سند حسن وهو شاهد قوي لرواية شريك ثم قال الخطابي وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرد بها شريك أيضا لم يذكرها غيره وهي قوله فعلا به يعني جبريل إلى الجبار تعالى فقال وهو مكانه يا رب خفف عنا قال والمكان لا يضاف إلى الله تعالى انما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم في مقامه الأول الذي قام فيه قبل هبوطه انتهى وهذا الأخير متعين وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى وأما ما جزم به من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلي ففيه نظر فقد ذكرت من وافقه وقد نقل القرطبي عن بن عباس انه قال دنا الله سبحانه وتعالى قال والمعنى دنا أمره وحكمه وأصل التدلي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه قال وقيل تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم حتى جلس عليه ثم دنا محمد من ربه انتهى وقد تقدم في تفسير سورة النجم ما ورد من الأحاديث في ان المراد بقوله رآه ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح ومضى بسط القول في ذلك هناك ونقل البيهقي نحو ذلك عن أبي هريرة قال فاتفقت روايات هؤلاء على ذلك ويعكر عليه قوله بعد ذلك فأوحى إلى عبده ما أوحى ثم نقل عن الحسن أن الضمير في عبده لجبريل والتقدير فأوحى الله إلى جبريل وعن الفراء التقدير فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما اوحى وقد أزال العلماء اشكاله فقال القاضي عياض في الشفاء إضافة الدنو والقرب إلى الله تعالى أو من الله ليس دنو مكان ولا قرب زمان وانما هو بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابانة لعظيم منزلته وشريف رتبته وبالنسبة إلى الله عز وجل تأنيس لنبيه واكرام له ويتأول فيه ما قالوه في حديث ينزل ربنا إلى السماء وكذا في حديث من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا وقال غيره الدنو مجاز عن القرب المعنوي لإظهار عظيم منزلته عند ربه تعالى والتدلي طلب زيادة القرب وقاب قوسين بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة وبالنسبة إلى الله إجابة سؤاله ورفع درجته وقال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين زاد فيه يعني شريكا زيادة مجهولة واتى فيه بألفاظ غير معروفة وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأت أحد منهم بما اتى به شريك وشريك ليس بالحافظ وسبق إلى ذلك أبو محمد بن حزم فيما حكاه الحافظ أبو الفضل بن طاهر في جزء جمعه سماه الانتصار لأيامي الأمصار فنقل فيه عن الحميدي عن بن حزم قال لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا الا حديثين ثم غلبه في تخريجه الوهم مع اتقانهما وصحة معرفتهما فذكر هذا الحديث وقال فيه ألفاظ معجمة والآفة من شريك من ذلك قوله قبل ان يوحى إليه وانه حينئذ فرض عليه الصلاة قال وهذا لا خلاف بين أحد من أهل العلم انما كان قبل الهجرة بسنة وبعد ان أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة ثم قوله ان الجبار دنا فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وعائشة رضي الله عنها تقول ان الذي دنى فتدلى جبريل انتهى وقد تقدم الجواب عن ذلك وقال أبو الفضل بن طاهر تعليل الحديث بتفرد شريك ودعوى بن حزم ان الآفة منه شيء لم يسبق إليه فان شريكا قبله أئمة الجرح والتعديل ووثقوه ورووا عنه وادخلوا حديثه في تصانيفهم واحتجوا به وروى عبد الله بن أحمد الدورقي وعثمان الدارمي وعباس الدوري عن يحيى بن معين لا بأس به وقال بن عدي مشهور من أهل المدينة حدث عنه مالك وغيره من الثقات وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به الا ان يروي عنه ضعيف قال بن طاهر وحديثه هذا رواه عنه ثقة وهو سليمان بن بلال قال وعلى تقدير تسليم تفرده قبل أن يوحى إليه لا يقتضي طرح حديثه فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور ولو ترك حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين ولعله أراد ان يقول بعد أن اوحي إليه فقال قبل أن يوحى إليه انتهى وقد سبق إلى التنبيه على ما في رواية شريك من المخالفة مسلم في صحيحه فإنه قال بعد ان ساق سنده وبعض المتن ثم قال فقدم وأخر وزاد ونقص وسبق بن حزم أيضا إلى الكلام في شريك أبو سليمان الخطابي كما قدمته وقال فيه النسائي وأبو محمد بن الجارود ليس بالقوي وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه نعم قال محمد بن سعد وأبو داود ثقة فهو مختلف فيه فإذا تفرد عد ما ينفرد به شاذا وكذا منكرا على رأي من يقول المنكر والشاذ شيء واحد والأولى التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره والجواب عنها اما بدفع تفرده واما بتأويله على وفاق الجماعة ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك الأول امكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم وقد وافقه الزهري في بعض ما ذكر كما سبق في أول كتاب الصلاة الثاني كون المعراج قبل البعثة وقد سبق الجواب عن ذلك وأجاب بعضهم عن قوله قبل أن يوحى بأن القبلية هنا في أمر مخصوص وليست مطلقة واحتمل ان يكون المعنى قبل ان يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج مثلا أي أن ذلك وقع بغتة قبل ان ينذر به ويؤيده قوله في حديث الزهري فرج سقف بيتي الثالث كونه مناما وقد سبق الجواب عنه أيضا بما فيه غنية الرابع مخالفته في محل سدرة المنتهى وانها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه الا الله والمشهور انها في السابعة أو السادسة كما تقدم الخامس مخالفته في النهرين وهما النيل والفرات وان عنصرهما في السماء الدنيا والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة وانهما من تحت سدرة المنتهى السادس شق الصدر عند الإسراء وقد وافقته رواية غيره كما بينت ذلك في شرح رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة وقد أشرت إليه أيضا هنا السابع ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا والمشهور في الحديث انه في الجنة كما تقدم التنبيه عليه الثامن نسبة الدنو والتدلي إلى الله عز وجل والمشهور في الحديث انه جبريل كما تقدم التنبيه عليه التاسع تصريحه بأن امتناعه صلى الله عليه وسلم من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة ومقتضى رواية ثابت عن أنس انه كان بعد التاسعة العاشر قوله فعلا به الجبار فقال وهو مكانه وقد تقدم ما فيه الحادي عشر رجوعه بعد الخمس والمشهور في الأحاديث أن موسى عليه الصلاة والسلام امره بالرجوع بعد ان انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع كما سأبينه الثاني عشر زيادة ذكر التور في الطست وقد تقدم ما فيه فهذه أكثر من عشرة مواضع في هذا الحديث لم أرها مجموعة في كلام أحد ممن تقدم وقد بينت في كل واحد اشكال من استشكله والجواب عنه ان أمكن وبالله التوفيق وقد جزم بن القيم في الهدى بأن في رواية شريك عشرة أوهام لكن عد مخالفته لمحال الأنبياء أربعة منها وانا جعلتها واحدة فعلى طريقته تزيد العدة ثلاثة وبالله التوفيق قوله ماذا عهد إليك ربك أي أمرك أو أوصاك قال عهد إلى خمسين صلاة فيه حذف تقديره عهد إلى ان أصلي وآمر أمتي أن يصلوا خمسين صلاة وقد تقدم بيان اختلاف الألفاظ في هذا الموضع في أول كتاب الصلاة قوله فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أي نعم في رواية أن نعم وان بالفتح والتخفيف مفسرة فهي في المعنى هنا مثل أي وهي بالتخفيف قوله ان شئت يقوي ما ذكرته في كتاب الصلاة انه صلى الله عليه وسلم فهم ان الأمر بالخمسين لم يكن على سبيل الحتم قوله فعلا به إلى الجبار تقدم ما فيه عند شرح قوله فتدلى وقوله فقال وهو مكانه تقدم أيضا بحث الخطابي فيه وجوابه قوله والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذه أي الخمس وفي رواية الكشميهني من هذا أي القدر فضعفوا فتركوه اما قوله راودت فهو من الرود من راد يرود إذا طلب المرعى وهو الرائد ثم اشتهر فيما يريد الرجال من النساء واستعمل في كل مطلوب وأما قوله أدنى فالمراد به أقل وقد وقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس في تفسير بن مردويه تعيين ذلك ولفظه فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما قوله فأمتك في رواية الكشميهني وأمتك أضعف أجسادا أي من بني إسرائيل قوله أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا الأجسام والأجساد سواء والجسم والجسد جميع الشخص والأجسام أعم من الأبدان لأن البدن من الجسد ما سوى الرأس والأطراف وقيل البدن أعالي الجسد دون أسافله قوله كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل في رواية الكشميهني يتلفت بتقديم المثناة وتشديد الفاء قوله فرفعه في رواية المستملي يرفعه والأول أولى قوله عند الخامسة هذا التنصيص على الخامسة على انها الأخيرة يخالف رواية ثابت عن أنس أنه وضع عنه كل مرة خمسا وأن المراجعة كانت تسع مرات وقد تقدم بيان الحكمة في ذلك ورجوع النبي صلى الله عليه وسلم بعد تقرير الخمس لطلب التخفيف مما وقع من تفردات شريك في هذه القصة والمحفوظ ما تقدم انه صلى الله عليه وسلم قال لموسى في الأخيرة استحييت من ربي وهذا أصرح بأنه راجع في الأخيرة وان الجبار سبحانه وتعالى قال له يا محمد قال لبيك وسعديك قال انه لا يبدل القول لدي وقد أنكر ذلك الداودي فيما نقله بن التين فقال الرجوع الأخير ليس بثابت والذي في الروايات أنه قال استحييت من ربي فنودي أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي وقوله هنا فقال موسى ارجع إلى ربك قال الداودي كذا وقع في هذه الرواية ان موسى قال له ارجع إلى ربك بعد ان قال لا يبدل القول لدي ولا يثبت لتواطئ الروايات على خلافه وما كان موسى ليأمره بالرجوع بعد ان يقول الله تعالى له ذلك انتهى وأغفل الكرماني رواية ثابت فقال إذا خففت في كل مرة عشرة كانت الأخيرة سادسة فيمكن ان يقال ليس فيه حصر لجواز أن يخفف بمرة واحدة خمس عشرة أو أقل أو أكثر قوله لا يبدل القول لدي تمسك من أنكر النسخ ورد بأن النسخ بيان انتهاء الحكم فلا يلزم منه تبديل القول قوله في الأخيرة قد والله راودت الخ راودت يتعلق بقد والقسم مقحم بينهما لإرادة التأكيد فقد تقدم بلفظ والله لقد راودت بني إسرائيل قوله قال فاهبط باسم الله ظاهر السياق ان موسى هو الذي قال له ذلك لأنه ذكره عقب قوله صلى الله عليه وسلم قد والله استحييت من ربي مما اختلف إليه قال فاهبط وليس كذلك بل الذي قال له فاهبط باسم الله هو جبريل وبذلك جزم الداودي قوله فاستيقظ وهو في المسجد الحرام قال القرطبي يحتمل أن يكون استيقاظا من نومة نامها بعد الإسراء لأن إسراءه لم يكن طول ليلته وانما كان في بعضها ويحتمل ان يكون المعنى افقت مما كنت فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى لقوله تعالى لقد رأى من آيات ربه الكبرى فلم يرجع إلى حال بشريته صلى الله عليه وسلم الا وهو بالمسجد الحرام وأما قوله في أوله بينا انا نائم فمراده في أول القصة وذلك أنه كان قد ابتدأ نومه فأتاه الملك فأيقظه وفي قوله في الرواية الأخرى بينا انا بين النائم واليقظان أتاني الملك إشارة إلى انه لم يكن استحكم في نومه انتهى وهذا كله ينبني على توحد القصة والا فمتى حملت على التعدد بأن كان المعراج مرة في المنام وأخرى في اليقظة فلا يحتاج لذلك تنبيه قيل اختص موسى عليه السلام بهذا دون غيره ممن لقيه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنه أول من تلقاه عند الهبوط ولأن أمته أكثر من أمة غيره ولأن كتابه أكبر الكتب المنزلة قبل القرآن تشريعا وأحكاما أو لأن أمة موسى كانوا كلفوا من الصلاة ما ثقل عليهم فخاف موسى على أمة محمد مثل ذلك واليه الإشارة بقوله فاني بلوت بني إسرائيل قاله القرطبي وأما قول من قال انه أول من لاقاه بعد الهبوط فليس بصحيح لأن حديث مالك بن صعصعة أقوى من هذا وفيه أنه لقيه في السماء السادسة انتهى وإذا جمعنا بينهما بأنه لقيه في الصعود في السادسة وصعد موسى إلى السابعة فلقيه فيها بعد الهبوط ارتفع الاشكال وبطل الرد المذكور والله أعلم
1 ( قوله باب كلام الرب مع أهل الجنة ) أي بعد دخولهم الجنة ذكر فيه حديثين ظاهرين فيما ترجم له أحدهما حديث أبي سعيد ان الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة الحديث وفيه فيقول أحل عليكم رضواني وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب الرقاق في باب صفة الجنة والنار قال بن بطال استشكل بعضهم هذا لأنه يوهم أن له ان يسخط على أهل الجنة وهو خلاف ظواهر القرآن كقوله خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وأجاب بان إخراج العباد من العدم إلى الوجود من تفضله واحسانه وكذلك تنجيز ما وعدهم به من الجنة والنعيم من تفضله واحسانه وأما دوام ذلك فزيادة من فضله على المجازاة لو كانت لازمة ومعاذ الله أن يجب عليه شيء فلما كانت المجازاة لا تزيد في العادة على المدة ومدة الدنيا متناهية جاز ان تتناهى مدة المجازاة فتفضل عليهم بالدوام فارتفع الاشكال جملة انتهى ملخصا وقال غيره ظاهر الحديث ان الرضا أفضل من اللقاء وهو مشكل وأجيب بأنه ليس في الخبر أن الرضا أفضل من كل شيء وانما فيه ان الرضا أفضل من العطاء وعلى تقدير التسليم فاللقاء مستلزم للرضا فهو من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم كذا نقل الكرماني ويحتمل أن يقال المراد حصول أنواع الرضوان ومن جملتها اللقاء فلا اشكال قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في هذا الحديث جواز إضافة المنزل لساكنه وان لم يكن في الأصل له فان الجنة ملك الله عز وجل وقد أضافها لساكنها بقوله يا أهل الجنة قال والحكمة في ذكر دوام رضاه بعد الاستقرار انه لو أخبر به قبل الاستقرار لكان خبرا من باب علم اليقين فأخبر به بعد الاستقرار ليكون من باب عين اليقين واليه الإشارة بقوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين قال ويستفاد من هذا انه لا ينبغي ان يخاطب أحد بشيء حتى يكون عنده ما يستدل به عليه ولو على بعضه وكذا ينبغي للمرء أن لا يأخذ من الأمور الا قدر ما يحمله وفيه الأدب في السؤال لقولهم وأي شيء أفضل من ذلك لأنهم لم يعلموا شيئا أفضل مما هم فيه فاستفهموا عما لا علم لهم به وفيه أن الخير كله والفضل والاغتباط انما هو في رضا الله سبحانه وتعالى وكل شيء ما عداه وان اختلفت أنواعه فهو من أثره وفيه دليل على رضا كل من أهل الجنة بحاله مع اختلاف منازلهم وتنويع درجاتهم لأن الكل أجابوا بلفظ واحد وهو أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك وبالله التوفيق ثانيهما حديث أبي هريرة ان رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في رواية السرخسي يستأذن ربه في الزرع 7081 قوله فأحب ان أزرع فأسرع فيه حذف تقديره فأذن له فزرع فأسرع قوله فإنه لا يشبعك شيء كذا للأكثر بالمعجمة والموحدة من الشبع وللمستملي لا يسعك شيء بالمهملة بغير موحدة من الوسع قوله فقال الأعرابي يا رسول الله لا تجد هذا الا قرشيا أو أنصاريا فانهم أصحاب زرع قال الداودي قوله قرشيا وهم لأنه لم يكن لأكثرهم زرع قلت وتعليله يرد على نفيه المطلق فإذا ثبت ان لبعضهم زرعا صدق قوله ان الزارع المذكور منهم واستشكل قوله لا يشبعك شيء بقوله تعالى في صفة الجنة ان لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى وأجيب بان نفي الشبع لا يوجب الجوع لأن بينهما واسطة وهي الكفاية واكل أهل الجنة للتنعم والاستلذاذ لا عن الجوع واختلف في الشبع فيها والصواب ان لا شبع فيها إذ لو كان لمنع دوام أكل المستلذ والمراد بقوله لا يشبعك شيء جنس الآدمي وما طبع عليه فهو في طلب الازدياد الا من شاء الله تعالى وقد تقدم شرح الحديث في اواخر كتاب المزارعة بعون الله تعالى 1 ( قوله باب ذكر الله بالأمر وذكر العباد بالدعاء والتضرع والرسالة والبلاغ )
في رواية الكشميهني والابلاغ وعليها اقتصر بن التين قوله لقوله تعالى فاذكروني اذكركم قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد بين بهذه الآية ان ذكر العبد غير ذكر الله عبده لأن ذكر العبد الدعاء والتضرع والثناء وذكر الله الإجابة ثم ذكر حديث عمر رفعه يقول الله تعالى من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين قال بن بطال معنى قوله باب ذكر الله بالأمر ذكر الله عباده بأن أمرهم بطاعته ويكون من رحمته لهم وانعامه عليهم إذا أطاعوه أو بعذابه إذا عصوه وذكر العباد لربهم ان يدعوه ويتضرعوا إليه ويبلغوا رسالاته إلى الخلق قال بن عباس في قوله تعالى اذكروني أذكركم إذا ذكر العبد ربه وهو على طاعته ذكره برحمته وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته قال ومعنى قوله اذكروني أذكركم اذكروني بالطاعة أذكركم بالمعونة وعن سعيد بن جبير اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة وذكر الثعلبي في تفسير هذه الآية نحو أربعين عبارة أكثرها عن أهل الزهد ومرجعها إلى معنى التوحيد والثواب أو المحبة والوصل أو الدعاء والاجابة واما قوله وذكر العباد بالدعاء إلى آخرة فجميع ما ذكره واضح في حق الأنبياء ويشركهم في الدعاء والتضرع سائر العباد وحكى بن التين ان ذكر العبد باللسان وعندما يهم بالسيئة فيذكر مقام ربه فيكف ونقل عن الداودي قال قوم ان هذا الذكر أفضل قال وليس كذلك بل قوله بلسانه لا إله إلا الله مخلصا من قلبه أعظم من ذكره بقلبه ووقوفه عن عمل السيئة قلت انما كان أعظم لأنه جمع بين ذكر القلب واللسان وانما يظهر التفاضل بصحة التقابل بذكر الله باللسان دون القلب فإنه لا يكون أفضل من ذكره بالقلب في تلك الصورة وأما وقوفه بسبب الذكر عن عمل السيئة فقدر زائد يزداد بسببه فضل الذكر فظهر صحة ما نقله عن القوم دون ما تخيله قوله واتل عليهم نبأ نوح الخ قال بن بطال أشار إلى ان الله ذكر نوحا بما بلغ به من أمره وذكر بآيات ربه وكذلك فرض على كل نبي تبليغ كتابه وشريعته وقال الكرماني المقصود من ذكر هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم مذكور بأنه أمر بالتلاوة على الأمة والتبليغ إليهم ان نوحا كان يذكرهم بآيات الله وأحكامه قوله غمة هم وضيق هو تفسير قوله تعالى حكاية عن نوح ثم لا يكن أمركم عليكم غمة وهو بقية الآية المذكورة أولا وهي قوله تعالى واتل عليهم نبأ نوح وحكى بن التين أن معنى غمة شيء ليس ظاهرا يقال القوم في غمة إذا غطي عليهم أمرهم والتبس ومنه غم الهلال إذا غشيه شيء فغطاه والغم ما يغشى القلب من الكرب قوله قال مجاهد اقضوا إلى ما في أنفسكم افرق اقض وصله الفريابي في تفسيره عن ورقاء بن عمر عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ثم اقضوا الي ولا تنظرون قال اقضوا إلى ما في أنفسكم وحكى بن التين اقضوا الي افعلوا ما بدا لكم وقال غيره أظهروا الأمر وميزوه بحيث لا تبقى شبهة ثم اقضوا بما شئتم من قتل أو غيره من غير إمهال واما قوله أفرق اقض فمعناه أظهر الأمر وأفصله بحيث لا تبقى شبهة وفي بعض النسخ يقال افرق اقض فلا يكون من كلام مجاهد ويؤيده اعادة قوله بعده وقال مجاهد قوله وقال مجاهد وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله انسان يأتيه أي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيستمع ما يقوله وما انزل عليه فهو آمن حتى يأتيه في رواية الكشميهني حين يأتيه فيسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه حيث جاء وصله الفريابي بالسند المذكور إلى مجاهد في هذه الآية وان أحد من المشركين استجارك انسان يأتيه فيسمع ما يقول وما ينزل عليه فهو آمن حتى يأتيه فيسمع كلام الله وحتى يبلغه مأمنه قال بن بطال ذكر هذه الآية من أجل أمر الله تعالى نبيه باجارة الذي يسمع الذكر حتى يسمعه فان امن فذاك والا فيبلغ مأمنه حتى يقضي الله فيه ما شاء قوله والنبأ العظيم القرآن هو تفسير مجاهد وصله الفريابي بالسند المذكور إليه قال بن بطال سمي نبأ لأنه ينبأ به والمعنى به إذا سألوا عن النبأ العظيم فأجبهم وبلغ القرآن إليهم قال الراغب النبأ الخبر ذو الفائدة الجليلة يحصل به علم أو ظن غالب وحق الخبر الذي يسمى نبأ ان يتعرى عن الكذب قوله صوابا حقا في الدنيا وعمل به قال بن بطال يريد قوله تعالى الا من أذن له الرحمن وقال صوابا أي حقا في الدنيا وعمل به فهو الذي يؤذن له في الكلام بين يدي الله بالشفاعة لمن أذن له قلت وهذا وصله الفريابي أيضا عن مجاهد بالسند المذكور قال الكرماني عادة البخاري أنه إذا ذكر أية مناسبة للترجمة يذكر معها بعض ما يتعلق بتلك السورة التي فيها تلك الآية مما ثبت عنده في تفسير ونحوه على سبيل التبعية انتهى وكأنه لم يظهر له وجه مناسبة هذه الآية الأخيرة بالترجمة والذي يظهر في مناسبتها ان تفسير قوله صوابا بقول الحق والعمل به في الدنيا يشمل ذكر الله باللسان والقلب مجتمعين ومنفردين فناسب قوله ذكر العباد بالدعاء والتضرع تنبيه لم يذكر في هذا الباب حديثا مرفوعا ولعله بيض له فأدمجه النساخ كغيره واللائق به الحديث القدسي من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وقد تقدم قريبا فإنه يصح في قوله من ذكرني في ملأ أي من الناس بالدعاء والتضرع ذكرته في ملأ أي من الملائكة بالرحمة والمغفرة ثم وجدته في كتاب خلق أفعال العباد قد أورد حديث أبي هريرة الذي فيه اقرؤوا ان شئتم يقول العبد الحمد لله رب العالمين فيقول الله حمدني عبدي إلى ان قال يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل الحديث قال البخاري فيه بيان ان سؤال العبد غير ما يعطيه الله وان قول العبد غير كلام الله وهذا من العبد الدعاء والتضرع ومن الله الأمر والاجابة انتهى وحديث أبي هريرة أخرجه مالك ومسلم وأصحاب السنن وليس هو على شرط البخاري في صحيحه فاكتفى فيه بالإشارة إليه وفي كتابه من ذلك نظائر
1 ( قوله باب قول الله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا )
وقوله وتجعلون له اندادا ذلك رب العالمين ثم ذكر آيات وآثارا إلى ذكر حديث بن مسعود سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم قال ان تجعل لله ندا وهو خلقك الند بكسر النون وتشديد الدال يقال له النديد أيضا وهو نظير الشيء الذي يعارضه في أموره وقيل ند الشيء من يشاركه في جوهره وهو ضرب من المثل لكن المثل يقال في أي مشاركة كانت فكل ند مثل من غير عكس قاله الراغب قال والضد أحد المتقابلين وهما الشيئان المختلفان اللذان لا يجتمعان في شيء واحد ففارق الند في المشاركة ووافقه في المعارضة قال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب اثبات نسبة الأفعال كلها لله تعالى سواء كانت من المخلوقين خيرا أو شرا فهي لله تعالى خلق وللعباد كسب ولا ينسب شيء من الخلق لغير الله تعالى فيكون شريكا وندا ومساويا له في نسبة الفعل إليه وقد نبه الله تعالى عباده على ذلك بالآيات المذكورة وغيرها المصرحة بنفي الأنداد والآلهة المدعوة معه فتضمنت الرد على من يزعم انه يخلق أفعاله ومنها ما حذر به المؤمنين أو أثنى عليهم ومنها ما وبخ به الكافرين وحديث الباب ظاهر في ذلك وقال الكرماني الترجمة مشعرة بان المقصود اثبات نفي الشريك عن الله سبحانه وتعالى فكان المناسب ذكره في أوائل كتاب التوحيد لكن ليس المقصود هنا ذلك بل المراد بيان كون أفعال العباد بخلق الله تعالى إذ لو كانت أفعالهم بخلقهم لكانوا أندادا لله وشركاء له في الخلق ولهذا عطف ما ذكر عليه وتضمن الرد على الجهمية في قولهم لا قدرة للعبد أصلا وعلى المعتزلة حيث قالوا لا دخل لقدرة الله تعالى فيها والمذهب الحق ان لا جبر ولا قدر بل أمر بين أمرين فان قيل لا يخلو ان يكون فعل العبد بقدره منه أولا إذ لا واسطة بين النفي والاثبات فعلى الأول يثبت القدر الذي تدعيه المعتزلة والا ثبت الجبر الذي هو قول الجهمية فالجواب أن يقال بل للعبد قدرة يفرق بها بين النازل من المنارة والساقط منها ولكن لا تأثير لها بل فعله ذلك واقع بقدرة الله تعالى فتأثير قدرته فيه بعد قدرة العبد عليه وهذا هو المسمى بالكسب وحاصل ما تعرف به قدرة العبد انها صفة يترتب عليها الفعل والترك عادة وتقع على وفق الإرادة انتهى وقد أطنب البخاري في كتاب خلق أفعال العباد في تقرير هذه المسألة واستظهر بالآيات والأحاديث والآثار الواردة عن السلف في ذلك وغرضه هنا الرد على من لم يفرق بين التلاوة والمتلو ولذلك أتبع هذا الباب بالتراجم المتعلقة بذلك مثل باب لا تحرك به لسانك لتعجل به وباب وأسروا قولكم أو اجهروا به وغيرهما وهذه المسألة هي المشهورة بمسألة اللفظ ويقال لأصحابها اللفظية واشتد إنكار الامام أحمد ومن تبعه على من قال لفظي بالقرآن مخلوق ويقال ان أول من قاله الحسين بن علي الكرابيسي أحد أصحاب الشافعي الناقلين لكتابه القديم فلما بلغ ذلك أحمد بدعه وهجره ثم قال بذلك داود بن علي الأصبهاني رأس الظاهرية وهو يومئذ بنيسابور فأنكر عليه إسحاق وبلغ ذلك أحمد فلما قدم بغداد لم يأذن له في الدخول عليه وجمع بن أبي حاتم أسماء من أطلق على اللفظية أنهم جهمية فبلغوا عددا كثيرا من الأئمة وأفرد لذلك بابا في كتابه الرد على الجهمية والذي يتحصل من كلام المحققين منهم أنهم أرادوا حسم المادة صونا للقرآن ان يوصف بكونه مخلوقا وإذا حقق الأمر عليهم لم يفصح أحد منهم بأن حركة لسانه إذا قرأ قديمة وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات مذهب السلف والخلف من أهل الحديث والسنة ان القرآن كلام الله وهو صفة من صفات ذاته وأما التلاوة فهم على طريقتين منهم من فرق بين التلاوة والمتلو ومنهم من احب ترك القول فيه وأما ما نقل عن أحمد بن حنبل انه سوى بينهما فانما أراد حسم المادة لئلا يتدرع أحد إلى القول بخلق القرآن ثم اسند من طريقين إلى أحمد انه أنكر على من نقل عنه انه قال لفظي بالقرآن غير مخلوق وأنكر على من قال لفظي بالقرآن مخلوق وقال القرآن كيف تصرف غير مخلوق فأخذ بظاهر هذا الثاني من لم يفهم مراده وهو مبين في الأول وكذا نقل عن محمد بن أسلم الطوسي أنه قال الصوت من المصوت كلام الله وهي عبارة رديئة لم يرد ظاهرها وانما أراد نفي كون المتلو مخلوقا ووقع نحو ذلك لإمام الأئمة محمد بن خزيمة ثم رجع وله في ذلك مع تلامذته قصة مشهورة وقد أملى أبو بكر الضبعي الفقيه أحد الأئمة من تلامذته بن خزيمة اعتقاده وفيه لم يزل الله متكلما ولا مثل لكلامه لأنه نفى المثل عن صفاته كما نفى المثل عن ذاته ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه فقال لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي وقال كل شيء هالك الا وجهه فاستصوب ذلك بن خزيمة ورضي به وقال غيره ظن بعضهم ان البخاري خالف أحمد وليس كذلك بل من تدبر كلامه لم يجد فيه خلافا معنويا لكن العالم من شأنه إذا ابتلي في رد بدعة يكون أكثر كلامه في ردها دون ما يقابلها فلما ابتلي أحمد بمن يقول القرآن مخلوق كان أكثر كلامه في الرد عليهم حتى بالغ فأنكر على من يقف ولا يقول مخلوق ولا غير مخلوق وعلى من قال لفظي بالقرآن مخلوق لئلا يتدرع بذلك من يقول القرآن بلفظي مخلوق مع ان الفرق بينهما لا يخفى عليه لكنه قد يخفى على البعض وأما البخاري فابتلي بمن يقول أصوات العباد غير مخلوقة حتى بالغ بعضهم فقال والمداد والورق بعد الكتابة فكان أكثر كلامه في الرد عليهم وبالغ في الاستدلال بان أفعال العباد مخلوقة بالآيات والأحاديث واطنب في ذلك حتى نسب إلى انه من اللفظية مع ان قول من قال ان الذي يسمع من القارئ هو الصوت القديم لا يعرف عن السلف ولا قاله أحمد ولا أئمة اصحابه وانما سبب نسبة ذلك لأحمد قوله من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي فظنوا انه سوى بين اللفظ والصوت ولم ينقل عن أحمد في الصوت ما نقل عنه في اللفظ بل صرح في مواضع بأن الصوت المسموع من القارئ هو صوت القارئ ويؤيده حديث زينوا القرآن بأصواتكم وسيأتي قريبا والفرق بينهما ان اللفظ يضاف إلى المتكلم به ابتداء فيقال عمن روى الحديث بلفظه هذا لفظه ولمن رواه بغير لفظه هذا معناه ولفظه كذا ولا يقال في شيء من ذلك هذا صوته فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه ليس هو كلام غيره واما قوله تعالى انه لقول رسول كريم واختلف هل المراد جبريل أو الرسول عليهما الصلاة والسلام فالمراد به التبليغ لأن جبريل مبلغ عن الله تعالى إلى رسوله والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ للناس ولم ينقل عن أحمد قط ان فعل العبد قديم ولا صوته وانما أنكر إطلاق اللفظ وصرح البخاري بأن أصوات العباد مخلوقة وان أحمد لا يخالف ذلك فقال في كتاب خلق أفعال العباد ما يدعونه عن أحمد ليس الكثير منه بالبين ولكنهم لم يفهموا مراده ومذهبه والمعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق وما سواه مخلوق لكنهم كرهوا التنقيب عن الأشياء الغامضة وتجنبوا الخوض فيها والتنازع الا ما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام ثم نقل عن بعض أهل عصره انه قال القرآن بألفاظنا وألفاظنا بالقرآن شيء واحد فالتلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء قال فقيل له ان التلاوة فعل التالي فقال ظننتها مصدرين قال فقيل له أرسل الي من كتب عنك ما قلت فاسترده فقال كيف وقد مضى انتهى ومحصل ما نقل عن أهل الكلام في هذه المسألة خمسة أقوال الأول قول المعتزلة انه مخلوق والثاني قول الكلابية انه قديم قائم بذات الرب ليس بحروف ولا أصوات والموجود بين الناس عبارة عنه لا عينه والثالث قول السالمية انه حروف وأصوات قديمة الأعين وهو عين هذه الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة والرابع قول الكرامية انه محدث لا مخلوق وسيأتي بسط القول فيه في الباب الذي بعده والخامس انه كلام الله غير مخلوق انه لم يزل يتكلم إذا شاء نص على ذلك أحمد في كتاب الرد على الجهمية وافترق أصحابه فرقتين منهم من قال هو لازم لذاته والحروف والأصوات مقترنة لا متعاقبة ويسمع كلامه من شاء وأكثرهم قالوا انه متكلم بما شاء متى شاء وانه نادى موسى عليه السلام حين كلمه ولم يكن ناداه من قبل والذي استقر عليه قول الأشعرية ان القرآن كلام الله غير مخلوق مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة قال الله تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله وقال تعالى بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم وفي الحديث المتفق عليه عن بن عمر كما تقدم في الجهاد لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو كراهية ان يناله العدو وليس المراد ما في الصدور بل ما في الصحف وأجمع السلف على ان الذي بين الدفتين كلام الله وقال بعضهم القرآن يطلق ويراد به المقروء وهو الصفة القديمة ويطلق ويراد به القرآءة وهي الألفاظ الدالة على ذلك وبسبب ذلك وقع الاختلاف واما قولهم انه منزه عن الحروف والأصوات فمرادهم الكلام النفسي القائم بالذات المقدسة فهو من الصفات الموجودة القديمة واما الحروف فان كانت حركات ادوات كاللسان والشفتين فهي أعراض وان كانت كتابة فهي أجسام وقيام الأجسام والأعراض بذات الله تعالى محال ويلزم من أثبت ذلك ان يقول بخلق القرآن وهو يأبى ذلك ويفر منه فألجأ ذلك بعضهم إلى ادعاء قدم الحروف كما التزمته السالمية ومنهم من التزم قيام ذلك بذاته ومن شدة اللبس في هذه المسألة كثر نهي السلف عن الخوض فيها واكتفوا باعتقاد أن القرآن كلام الله غير مخلوق ولم يزيدوا على ذلك شيئا وهو أسلم الأقوال والله المستعان قوله وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ووقع في بعض النسخ فلا تجعلوا له أندادا ذلك رب العالمين وهو غلط قوله ولقد أوحي إليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك إلى قوله بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ساق في رواية كريمة الآيتين بكمالهما قال الطبري هذا من الكلام الموجز الذي يراد به التقديم والمعنى ولقد أوحى إليك لئن أشركت إلى قوله من الخاسرين وأوحي إلى الذين من قبلك مثل ما أوحي إليك من ذلك ومعنى ليحبطن ليبطلن ثواب عملك انتهى والغرض هنا تشديد الوعيد على من أشرك بالله وان الشرك محذر منه في الشرائع كلها وان للإنسان عملا يثاب عليه إذا سلم من الشرك ويبطل ثوابه إذا أشرك قوله والذين لا يدعون مع الله الها آخر أشار بايرادها إلى ما وقع في بعض طرق الحديث المرفوع في الباب كما تقدم في تفسير سورة الفرقان ففيه بعد
7082 قوله أن تزاني بحليلة جارك ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين لا يدعون مع الله الها آخر الآية وكأن المصنف أشار بها إلى تفسير الجعل المذكور في الآيتين قبلها وان المراد الدعاء اما بمعنى النداء واما بمعنى العبادة واما بمعنى الإعتقاد وقد رد أحمد على من تمسك من القائلين بخلق القرآن بقوله تعالى انا جعلناه قرآنا عربيا وقال هي حجة في ان القرآن مخلوق لأن المجعول مخلوق فناقضه بنحو قوله تعالى فلا تجعلوا لله اندادا وذكر بن أبي حاتم في الرد على الجهمية ان أحمد رد عليه بقوله تعالى فجعلهم كعصف مأكول فليس المعنى فخلقهم ومثله احتجاج محمد بن أسلم الطوسي بقوله تعالى وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية قال أفخلقهم بعد ان أغرقهم وعن إسحاق بن راهويه انه احتج عليه بقوله تعالى وجعلوا لله شركاء الجن وعن نعيم بن حماد أنه احتج عليه بقوله تعالى جعلوا القرآن عضين وعن عبد العزيز بن يحيى المكي في مناظرته لبشر المريسي حين قال له ان قوله تعالى انا جعلناه قرآنا عربيا نص في انه مخلوق فناقضه بقوله تعالى وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وبقوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا وحاصل ذلك ان الجعل جاء في القرآن وفي لغة العرب لمعان متعددة قال الراغب جعل لفظ عام في الأفعال كلها ويتصرف على خمسة أوجه الأول صار نحو جعل زيد يقول والثاني أوجد كقوله تعالى وجعل الظلمات والنور والثالث إخراج شيء من شيء كقوله تعالى وجعل لكم من أزواجكم بنين والرابع تصيير شيء على حالة مخصوصة كقوله تعالى جعل لكم الأرض فراشا والخامس الحكم بالشيء على الشيء فمثال ما كان منه حقا قوله تعالى انا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ومثال ما كان باطلا قوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا انتهى وأثبت بعضهم سادسا وهو الوصف ومثل بقوله تعالى وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وتقدم أنها تأتي بمعنى الدعاء والنداء والاعتقاد والعلم عند الله تعالى قوله وقال عكرمة الخ وصله الطبري عن هناد بن السرى عن أبي الأحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة في قوله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون قال يسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون الله فذلك ايمانهم وهم يعبدون غيره ومن طريق يزيد بن الفضل الثماني عن عكرمة في هذه الآية وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون قال هو قول الله ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله فإذا سئلوا عن الله وعن صفته وصفوه بغير صفته وجعلوا له ولدا وأشركوا به وبأسانيد صحيحه عن عطاء وعن مجاهد نحوه وبسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس قال من ايمانهم إذا قيل لهم من خلق السماوات ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال قالوا الله وهم به مشركون قوله وما ذكر في خلق أفعال العباد في رواية الكشميهني أعمال والأول أكثر قوله واكسابهم بالجر عطفا على أفعال وفي رواية واكتسابهم بزيادة مثناة وقد تقدم القول في الكسب ويأتي الإلمام به في شرح قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون قوله لقوله وخلق كل شيء فقدره تقديرا وجه الدلالة عموم قوله خلق كل شيء والكسب شيء فيكون مخلوقا لله تعالى قوله وقال مجاهد ما تنزل الملائكة الا بالحق يعني بالرسالة والعذاب وصله الفريابي عن ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد قوله ليسأل الصادقين عن صدقهم المبلغين المؤدين من الرسل هو في تفسير الفريابي أيضا بالسند المذكور قال الطبري معناه أخذت الميثاق من الأنبياء المذكورين كيما أسأل من أرسلتهم عما أجابتهم به أممهم قوله وإنا له لحافظون عندنا هو أيضا من قول مجاهد أخرجه الفريابي بالسند المذكور قوله والذي جاء بالصدق القرآن وصدق به المؤمن يقول يوم القيامة هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه وصله الطبري من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد قال الذي جاء بالصدق وصدق به هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة يقولون هذا الذي أعطيتمونا عملنا بما فيه ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس الذي جاء بالصدق وصدق به رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا اله الا الله ومن طريق لين إلى علي بن أبي طالب الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم والذي صدق به أبو بكر ومن طريق قتادة بسند صحيح الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن والذي صدق به المؤمنون ومن طريق السدي الذي جاء بالصدق وصدق به هو محمد صلى الله عليه وسلم قال الطبري الأولى أن المراد بالذي جاء بالصدق كل من دعا إلى توحيد الله والايمان برسوله وما جاء به والمصدق به المؤمنون ويؤيده أن ذلك ورد عقب قوله فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه الآية وأما حديث بن مسعود فتقدم شرحه في باب اثم الزناة من كتاب الحدود وذكرت ما في سنده من الاختلاف على أبي وائل والمراد هنا الإشارة إلى أن من زعم أنه يخلق فعل نفسه يكون كمن جعل لله ندا وقد ورد فيه الوعيد الشديد فيكون اعتقاده حراما
1 ( قوله باب قوله تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ) الآية ساق في رواية كريمة الآية كلها ذكر فيه حديث عبد الله وهو بن مسعود اجتمع عند البيت وفيه يسمع ان جهرنا ولا يسمع أن أخفينا فأنزل الله تعالى وما كنتم تستترون وقد تقدم شرحه في تفسير فصلت قال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب اثبات السمع لله وأطال في تقرير ذلك وقد تقدم في أوائل التوحيد في قوله وكان الله سميعا بصيرا والذي أقول ان غرضه في هذا الباب اثبات ما ذهب إليه أن الله يتكلم متى شاء وهذا الحديث من أمثلة إنزال الآية بعد الآية على السبب الذي يقع في الأرض وهذا ينفصل عنه من ذهب إلى أن الكلام صفة قائمة بذاته أن الإنزال بحسب الوقائع من اللوح المحفوظ أو من السماء الدنيا كما ورد في حديث بن عباس رفعه نزل القرآن دفعة واحدة إلى السماء الدنيا فوضع في بيت العزة ثم أنزل إلى الأرض نجوما رواه أحمد في مسنده وسيأتي مزيد لهذا في الباب الذي يليه قال بن بطال وفي هذا الحديث اثبات القياس الصحيح وابطال القياس الفاسد لأن الذي قال يسمع ان جهرنا ولا يسمع ان أخفينا قاس قياسا فاسدا لأنه شبه سمع الله تعالى بأسماع خلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السر والذي قال ان كان يسمع ان جهرنا فإنه يسمع ان أخفينا أصاب في قياسه حيث لم يشبه الله بخلقه ونزههه عن مماثلتهم وانما وصف الجميع بقلة الفقه لأن هذا الذي أصاب لم يعتقد حقيقة ما قال بل شك بقوله ان كان وقوله في وصفهم كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم وقع بالرفع على الصفة ويجوز النصب وانث الشحم والفقه لإضافتهما إلى البطون والقلوب والتأنيث يسري من المضاف إليه إلى المضاف أو أنث بتأويل شحم بشحوم وفقه بفهوم 1 ( قوله باب قول الله تعالى كل يوم هو في شأن )
تقدم ما جاء في تفسيرها في سورة الرحمن في التفسير قوله وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وقوله لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وان حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير قال بن بطال غرض البخاري الفرق بين وصف كلام الله تعالى بأنه مخلوق وبين وصفه بأنه محدث فأحال وصفه بالخلق وأجاز وصفه بالحدث اعتمادا على الآية وهذا قول بعض المعتزلة وأهل الظاهر وهو خطأ لأن الذكر الموصوف في الآية بالأحداث ليس هو نفس كلامه تعالى لقيام الدليل على ان محدثا ومنشأ ومخترعا ومخلوقا ألفاظ مترادفه على معنى واحد فإذا لم يجز وصف كلامه القائم بذاته تعالى بأنه مخلوق لم يجز وصفه بأنه محدث وإذا كان كذلك فالذكر الموصوف في الآية بأنه محدث هو الرسول لأن الله تعالى قد سماه في قوله تعالى قد أنزل الله اليكم ذكرا رسولا فيكون المعنى ما يأتيهم من رسول محدث ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا وعظ الرسول إياهم وتحذيره من المعاصي فسماه ذكرا وأضافه إليه إذ هو فاعله ومقدر رسوله على اكتسابه وقال بعضهم في هذه الآية ان مرجع الأحداث إلى الإتيان لا إلى الذكر القديم لأن نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شيئا بعد شيء فكان نزوله يحدث حينا بعد حين كما أن العالم يعلم ما لا يعلمه الجاهل فإذا علمه الجاهل حدث عنده العلم ولم يكن احداثه عند التعلم احداث عين المعلم قلت والاحتمال الأخير أقرب إلى مراد البخاري لما قدمت قبل أن مبنى هذه التراجم عنده على اثبات أن أفعال العباد مخلوقة ومراده هنا الحدث بالنسبة للإنزال وبذلك جزم بن المنير ومن تبعه وقال الكرماني صفات الله تعالى سلبية ووجودية واضافية فالأولى هي التنزيهات والثانية هي القديمة والثالثة الخلق والرزق وهي حادثة ولا يلزم من حدوثها تغير في ذات الله ولا في صفاته الوجودية كما ان تعلق العلم وتعلق القدرة بالمعلومات والمقدورات حادث وكذا جميع الصفات الفعلية فإذا تقرر ذلك فالإنزال حادث والمنزل قديم وتعلق القدرة حادث ونفس القدرة قديمة فالمذكور وهو القرآن قديم والذكر حادث وأما ما نقله بن بطال عن المهلب ففيه نظر لأن البخاري لا يقصد ذلك ولا يرضى بما نسب إليه إذ لا فرق بين مخلوق وحادث لا عقلا ولا نقلا ولا عرفا وقال بن المنير قيل ويحتمل أن يكون مراده حمل لفظ محدث على الحديث فمعنى ذكر محدث أي متحدث به وأخرج بن أبي حاتم من طريق هشام بن عبيد الله الرازي أن رجلا من الجهمية احتج لزعمه أن القرآن مخلوق بهذه الآية فقال له هشام محدث إلينا محدث إلى العباد وعن أحمد بن إبراهيم الدورقي نحوه ومن طريق نعيم بن حماد قال محدث عند الخلق لا عند الله قال وانما المراد انه محدث عند النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه بعد ان كان لا يعلمه واما الله سبحانه فلم يزل عالما وقال في موضع آخر كلام الله ليس بمحدث لأنه لم يزل متكلما لا انه كان لا يتكلم حتى أحدث كلاما لنفسه فمن زعم ذلك فقد شبه الله بخلقه لأن الخلق كانوا لا يتكلمون حتى أحدث لهم كلاما فتكلموا به وقال الراغب المحدث ما أوجد بعد ان لم يكن وذلك اما في ذاته أو احداثه عند من حصل عنده ويقال لكل ما قرب عهده حدث فعالا كان أو مقالا وقال غيره في قوله تعالى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وفي قوله لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا المعنى يحدث عندهم ما لم يكن يعلمونه فهو نظير الآية الأولى وقد نقل الهروي في الفاروق بسنده إلى حرب الكرماني سألت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يعني بن راهويه عن قوله تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث قال قديم من رب العزة محدث إلى الأرض فهذا هو سلف البخاري في ذلك وقال بن التين احتج من قال بخلق القرآن بهذه الآية قالوا والمحدث هو المخلوق والجواب ان لفظ الذكر في القرآن يتصرف على وجوه الذكر بمعنى العلم ومنه فاسألوا أهل الذكر والذكر بمعنى العظة ومنه ص والقرآن ذي الذكر والذكر بمعنى الصلاة ومنه فاسعوا إلى ذكر الله والذكر بمعنى الشرف ومنه وانه لذكر لك ولقومك ورفعنا لك ذكرك قال فإذا كان الذكر يتصرف إلى هذه الأوجه وهي كلها محدثة كان حمله على احداها أولى ولأنه لم يقل ما يأتيهم من ذكر من ربهم الا كان محدثا ونحن لا ننكر ان يكون من الذكر ما هو محدث كما قلنا وقيل محدث عندهم ومن زائدة للتوكيد وقال الداودي الذكر في هذه الآية هو القرآن وهو محدث عندنا وهو من صفاته تعالى ولم يزل سبحانه وتعالى بجميع صفاته قال بن التين وهذا منه أي من الداودي عظيم واستدلاله يرد عليه فإنه إذا كان لم يزل بجميع صفاته وهو قديم فكيف تكون صفته محدثه وهو لم يزل بها الا ان يريد أن المحدث غير المخلوق كما يقول البلخي ومن تبعه وهو ظاهر كلام البخاري حيث قال وان حدثه لا يشبه حدث المخلوقين فاثبت انه محدث انتهى وما استعظمه من كلام الداودي هو بحسب ما تخيله والا فالذي يظهر ان مراد الداودي أن القرآن هو الكلام القديم الذي هو من صفات الله تعالى وهو غير محدث وانما يطلق الحدث بالنسبة إلى انزاله إلى المكلفين وبالنسبة إلى قراءتهم له واقرائهم غيرهم ونحو ذلك وقد أعاد الداودي نحو هذا في شرح قول عائشة ولشأني في نفسي كان أحقر من ان يتكلم الله في بأمر يتلى قال الداودي فيه أن الله تكلم ببراءة عائشة حين أنزل براءتها بخلاف قول بعض الناس انه لم يتكلم فقال بن التين أيضا هذا من الداودي عظيم لأنه يلزم منه أن يكون الله تعالى متكلما بكلام حادث فتحل فيه الحوادث تعالى الله عن ذلك وانما المراد بأنزل ان الإنزال هو المحدث ليس أن الكلام القديم نزل الآن انتهى وهذا مراد البخاري وقد قال في كتاب خلق أفعال العباد قال أبو عبيد يعني القاسم بن سلام احتج هؤلاء الجهمية بآيات وليس فيما احتجوا به أشد بأسا من ثلاث آيات قوله وخلق كل شيء فقدره تقديرا وانما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث قالوا ان قلتم ان القرآن لا شيء كفرتم وان قلتم أن المسيح كلمة الله فقد أقررتم أنه خلق وان قلتم ليس بمحدث رددتم القرآن قال أبو عبيد اما قوله وخلق كل شيء فقد قال في آية أخرى انما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون فأخبر ان خلقه بقوله وأول خلقه هو من أول الشيء الذي قال وخلق كل شيء وقد أخبر انه خلقه بقوله فدل على ان كلامه قبل خلقه وأما المسيح فالمراد أن الله خلقه بكلمته لا انه هو الكلمة لقوله القاها إلى مريم ولم يقل ألقاه ويدل عليه قوله تعالى ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن واما الآية الثالثة فانما حدث القرآن عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما علمه ما لم يعلم قال البخاري والقرآن كلام الله غير مخلوق ثم ساق الكلام على ذلك إلى ان قال سمعت عبيد الله بن سعيد يقول سمعت يحيى بن سعيد يعني القطان يقول ما زلت أسمع أصحابنا يقولون ان أفعال العباد مخلوقة قال البخاري حركاتهم واصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة فاما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بخلق قال وقال إسحاق بن إبراهيم يعني بن راهويه فاما الأوعية فمن يشك في خلقها قال البخاري فالمداد والورق ونحوه خلق وأنت تكتب الله فالله في ذاته هو الخالق وخطك من فعلك وهو خلق لأن كل شيء دون الله هو بصنعه ثم ساق حديث حذيفة رفعه ان الله يصنع كل صانع وصنعته وهو حديث صحيح قوله وقال بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يحدث من أمره ما يشاء وان مما أحدث ان لا تكلموا في الصلاة هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود واللفظ له وأحمد والنسائي وصححه بن حبان من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله قال كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد على السلام فأخذني ما قدم وما حدث فلما قضى صلاته قال ان الله يحدث من أمره ما يشاء وان الله قد أحدث ان لا تكلموا في الصلاة وفي رواية النسائي وان مما أحدث وأصل هذه القصة في الصحيحين من رواية علقمة عن بن مسعود لكن قال فيها ان في الصلاة لشغلا وقد مضى في أواخر الصلاة وفي هجرة الحبشة وتقدم شرحه في الصلاة وليس فيه مقصود الباب ثم ذكر حديث بن عباس موقوفا من وجهين
7084 قوله كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم هذه رواية عكرمة عنه ورواية عبيد الله بن عبد الله وهو بن عتبة عنه يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء قوله وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدا بالله هذه رواية عكرمة ورواية عبيد الله وكتابكم الذي أنزل الله عليكم أحدث الأخبار بالله أي أقربها نزولا اليكم وأخبارا من الله سبحانه وتعالى وقد جرى البخاري على عادته في الإشارة إلى اللفظ الذي يريده وايراده لفظا آخر غيره فإنه أورد أثر بن عباس بلفظ أقرب وهو عنده في الموضع الآخر بلفظ أحدث وهو أليق بمراده هنا وقد جاء نظير هذا الوصف من كلام كعب الأحبار منسوبا إلى الله سبحانه وتعالى فأخرج بن أبي حاتم بسند حسن عن عاصم بن بهدلة عن مغيث بن سمي قال قال كعب عليكم بالقرآن فأنه أحدث الكتب عهدا بالرحمن زاد في رواية أخرى عن كعب وان الله تعالى قال في التوراة يا موسى اني منزل عليك توراة حديثة افتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا قوله تقرءونه محضا لم يشب هذا آخر حديث عكرمة وقوله لم يشب بضم أوله وفتح الشين المعجمة وسكون الموحدة أي لم يخالطه غيره وزاد عبيد الله في روايته وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا الخ يشير إلى قوله فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم إلى يكسبون وقوله ليشتروا بذلك في رواية المستملي ليشتروا به وقوله عن الذي أنزل عليكم في رواية المستملي اليكم وقوله 7085 جاءكم من العلم إسناد المجيء إلى العلم كإسناد النهي إليه قوله فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم فيه تأكيد الخبر بالقسم وكأنه يقول لا يسألونكم عن شيء مع علمهم بان كتابكم لا تحريف فيه فكيف تسألونهم وقد علمتم أن كتابهم محرف 1 ( قوله باب قوله تعالى لا تحرك به لسانك ) يعني إلى آخر الآية قوله وفعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي قد بينه في حديث الباب بأنه كان يعالج شدة من أجل تحفظه فلما نزلت صار يستمع فإذا ذهب الملك قرأه كما سمعه قوله وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل انا مع عبدي إذا ذكرني في رواية الكشميهني ما ذكرني وتحركت بي شفتاه هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والبخاري في خلق أفعال العباد والطبراني من رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن كريمة بنت الحسحاس بمهملات عن أبي هريرة فذكره بلفظ إذا ذكرني وفي رواية لأحمد حدثنا أبو هريرة ونحن في بيت هذه يعني أم الدرداء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه البيهقي في الدلائل من طريق ربيعة بن يزيد الدمشقي عن إسماعيل بن عبيد الله قال دخلت على أم الدرداء فلما سلمت جلست فسمعت كريمة بنت الحسحاس وكانت من صواحب أبي الدرداء قالت سمعت أبا هريرة رضي الله عنه وهو في بيت هذه تشير إلى أم الدرداء سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول فذكره بلفظ ما ذكرني وأخرجه أحمد أيضا وبن ماجة والحاكم من رواية الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي هريرة ورواه بن حبان في صحيحه من رواية الأوزاعي عن إسماعيل عن كريمة عن أبي هريرة ورجح الحفاظ طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وربيعة بن يزيد ويحتمل ان يكون عند إسماعيل عن كريمة وعن أم الدرداء معا وهذا من الأحاديث التي علقها البخاري ولم يصلها في موضع آخر من كتابه وبالله التوفيق قال بن بطال معنى الحديث أنا مع عبدي زمان ذكره لي أي أنا معه بالحفظ والكلاءة لا أنه معه بذاته حيث حل العبد ومعنى قوله تحركت بي شفتاه أي تحركت باسمي لا أن شفتيه ولسانه تتحرك بذاته تعالى لاستحالة ذلك انتهى ملخصا وقال الكرماني المعية هنا معية الرحمة واما في قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم فهي معية العلم يعني فهذه أخص من المعية التي في الآية ثم ذكر حديث بن عباس في قوله تعالى
7086 لا تحرك به لسانك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة الحديث وهو من أوضح الأدلة على ان القرآن يطلق ويراد به القراءة فان المراد بقوله قرآنا في الآيتين القرآءة لا نفس القرآن وقد تقدم شرحه في بدء الوحي قال بن بطال غرضه في هذا الباب أن تحريك اللسان والشفتين بقراءة القرآن عمل له يؤجر عليه وقوله فإذا قرأناه فاتبع قرآنه فيه إضافة الفعل إلى الله تعالى والفاعل له من يأمره بفعله فان القارئ لكلامه تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم هو جبريل ففيه بيان لكل ما أشكل من كل فعل ينسب إلى الله تعالى مما لا يليق به فعله من المجيء والنزول ونحو ذلك انتهى والذي يظهر ان مراد البخاري بهذين الحديثين الموصول والمعلق الرد على من زعم أن قراءة القارئ قديمة فأبان أن حركة لسان القارئ بالقرآن من فعل القارئ بخلاف المقروء فإنه كلام الله القديم كما أن حركة لسان ذاكر الله حادثة من فعله والمذكور وهو الله سبحانه وتعالى قديم والى ذلك أشار بالتراجم التي تأتي بعد هذا 1 ( قوله باب قول الله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به انه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ) الخبير أشار بهذه الآية إلى ان القول أعم من ان يكون بالقرآن أو بغيره فان كان بالقرآن فالقرآن كلام الله وهو من صفات ذاته فليس بمخلوق لقيام الدليل القاطع بذلك وان كان بغيره فهو مخلوق بدليل قوله تعالى الأ يعلم من خلق بعد قوله انه عليم بذات الصدور قال بن بطال مراده بهذا الباب اثبات العلم لله صفة ذاتية لاستواء علمه بالجهر من القول والسر وقد بينه بقوله في آية أخرى سواء منكم من أسر القول ومن جهر به وان اكتساب العبد من القول والفعل لله تعالى لقوله انه عليم بذات الصدور ثم قال عقب ذلك ألا يعلم من خلق فدل على انه عالم بما أسروه وما جهروا به وانه خالق لذلك فيهم فان قيل قوله من خلق راجع إلى القائلين قيل له ان هذا الكلام خرج مخرج التمدح منه بعلمه بما أسر العبد وجهر وانه خلقه فإنه جعل خلقه دليلا على كونه عالما بقولهم فيتعين رجوع قوله خلق إلى قولهم ليتم تمدحه بالأمرين المذكورين وليكون أحدهما دليلا على الآخر ولم يفرق أحد بين القول والفعل وقد دلت الآية على ان الأقوال خلق الله تعالى فوجب أن تكون الأفعال خلقا له سبحانه وتعالى وقال بن المنير ظن الشارح انه قصد بالترجمة اثبات العلم وليس كما ظن والا لتقاطعت المقاصد مما اشتملت عليه الترجمة لأنه لا مناسبة بين العلم وبين حديث ليس منا من لم يتغن بالقرآن وانما قصد البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ فأشار بالترجمة إلى ان تلاوة الخلق تتصف بالسر والجهر ويستلزم أن تكون مخلوقة وساق الكلام على ذلك وقد قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد بعد ان ذكر عدة أحاديث دالة على ذلك فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أصوات الخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مختلفة بعضها أحسن وأزين وأحلى وأصوت وأرتل وألحن وأعلى وأخفض وأغض وأخشع وأجهر وأخفى وأقصر وأمد وألين من بعض قوله يتخافتون يتسارون بتشديد الراء والسين مهملة وفي بعضها بشين معجمة وزيادة واو بغير تثقيل أي يتراجعون فيما بينهم سرا ثم ذكر حديث بن عباس في نزول قوله تعالى
7087 ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وفي آخره فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولا تجهر بصلاتك أي بقراءتك وحديث عائشة انها نزلت في الدعاء وقد تقدم شرحهما في تفسير سبحان وحديث أبي هريرة ليس منا من لم يتغن بالقرآن وزاد غيره يجهر به أورده من طريق بن جريج حدثنا بن شهاب وقد مضى في فضائل القرآن وفي باب قول الله تعالى ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له من طريق عقيل عن بن شهاب بلفظ ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن وقال صاحب له يجهر به وسيأتي قريبا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بلفظ ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به فيستفاد منه ان الغير المبهم في حديث الباب وهو الصاحب المبهم في رواية عقيل هو محمد بن إبراهيم التيمي والحديث واحد الا ان بعضهم رواه بلفظ ما أذن الله وبعضهم رواه بلفظ ليس منا وإسحاق شيخه فيه هو بن منصور وقال الحاكم بن نصر ورجح الأول أبو علي الجياني وأبو عاصم هو النبيل وهو من شيوخ البخاري قد أكثر عنه بلا واسطة وأقرب ذلك في أول حديث من كتاب التوحيد 1 ( قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ) في رواية الكشميهني والنهار بحذف واناء الثانية 7090 قوله ورجل يقول لو أوتيت مثل ما أوتي هذا فعلت كما يفعل قال الكرماني كذا أورد الترجمة مخرومة إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط ومن صاحب المال حال الحاسد فقط ولكن لا لبس في ذلك لأنه اقتصر على ذكر حالي حامل القرآن حاسدا ومحسودا وترك حال ذي المال قوله فبين ان قيامه بالكتاب هو فعله في رواية الكشميهني ان قراءته الكتاب هو فعله قوله ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم وقال وافعلوا الخير لعلكم تفلحون أما الآية الأولى فالمراد منها اختلاف السنتكم لأنها تشمل الكلام كله فتدخل القراءة وأما الآية الثانية فعموم فعل الخير يتناول قراءة القرآن والذكر والدعاء وغير ذلك فدل على ان القراءة فعل القارئ ثم ذكر حديث أبي هريرة لا تحاسد الا في اثنتين رجل أتاه الله القرآن فهو يتلوه وحديث سالم عن أبيه وهو عبد الله بن عمر لا حسد الا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به وقد مضى شرح المتن في فضائل القرآن وقوله 7091 سمعت من سفيان مرارا هو كلام علي بن عبد الله وهو بن المديني شيخ البخاري وقوله لم أسمعه يذكر الخبر أي ما سمعه منه الا بالعنعنة قوله وهو من صحيح حديثه قلت قد أخرجه الإسماعيلي عن أبي يعلى عن أبي خيثمة قال حدثنا سفيان هو بن عيينة قال حدثنا الزهري عن سالم به قال بن المنير دلت أحاديث الباب الذي قبله على ان القراءة فعل القارئ وأنها تسمى تغنيا وهذا هو الحق اعتقادا لا اطلاقا حذرا من الايهام وفرارا من الابتداع بمخالفة السلف في الإطلاق وقد ثبت عن البخاري أنه قال من نقل عني أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب وانما قلت ان أفعال العباد مخلوقة قال وقد قارب الإفصاح في هذه الترجمة بما رمز إليه في التي قبلها 1 ( قوله باب قول الله عز وجل يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت )
رسالاته كذا للجميع وظاهره اتحاد الشرط والجزاء لأن معنى ان لم تفعل لم تبلغ لكن المراد من الجزاء لازمه فهو كحديث ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه واختلف في المراد بهذا الأمر فقيل المراد بلغ كما أنزل وهو على ما فهمت عائشة وغيرها وقيل المراد بلغه ظاهرا ولا تخش من أحد فان الله يعصمك من الناس والثاني أخص من الأول وعلى هذا لا يتحد الشرط والجزاء لكن الأولى قول الأكثر لظهور العموم في قوله تعالى ما أنزل والأمر للوجوب فيجب عليه تبليغ كل ما أنزل إليه والله أعلم ورجح الأخير بن التين ونسبه لأكثر أهل اللغة وقد احتج أحمد بن حنبل بهذه الآية على ان القرآن غير مخلوق لأنه لم يرد في شيء من القرآن ولا من الأحاديث أنه مخلوق ولا ما يدل على انه مخلوق ثم ذكر عن الحسن البصري انه قال لو كان ما يقول الجعد حقا لبلغه النبي صلى الله عليه وسلم قوله وقال الزهري من الله الرسالة وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ وعلينا التسليم هذا وقع في قصة أخرجها الحميدي في النوادر ومن طريقه الخطيب قال الحميدي حدثنا سفيان قال قال رجل للزهري يا أبا بكر قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من شق الجيوب ما معناه فقال الزهري من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم وهذا الرجل هو الأوزاعي أخرجه بن أبي عاصم في كتاب الأدب وذكر بن أبي الدنيا عن دحيم عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال قلت للزهري فذكره قوله وقال الله تعالى ليعلم ان قد أبلغوا رسالات ربهم وقال ابلغكم رسالات ربي قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد بعد ان ساق قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ الآية قال فذكر تبليغ ما أنزل إليه ثم وصف فعل تبليغ الرسالة فقال وان لم تفعل فما بلغت قال فسمى تبليغه الرسالة وتركه فعلا ولا يمكن أحدا أن يقول ان الرسول لم يفعل ما أمر به من تبليغ الرسالة يعني فإذا بلغ فقد فعل ما أمر به وتلاوته ما أنزل إليه هو التبليغ وهو فعله وذكر حديث أبي الأحوص عوف بن مالك الجشمي عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكر القصة وفيها قال أتتني رسالة من ربي فضقت بها ذرعا ورأيت ان الناس سيكذبونني فقيل لي لتفعلن أو ليفعلن بك وأصله في السنن وصححه بن حبان والحاكم وحديث سمرة بن جندب في قصة الكسوف وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته انما انا بشر رسول فأذكركم بالله ان كنتم تعلمون اني قصرت عن تبليغ شيء من رسالات ربي يعني فقولوا فقالوا نشهد انك بلغت رسالات ربك وقضيت الذي عليك وأصله في السنن وصححه بن خزيمة وبن حبان والحاكم وقال في الكتاب المذكور أيضا قوله تعالى بلغ ما أنزل إليك من ربك هو مما أمر به وكذلك أقيموا الصلاة والصلاة بجملتها طاعة الله وقراءة القرآن من جملة الصلاة فالصلاة طاعة والأمر بها قرآن وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء على الألسنة فالقراءة والحفظ والكتابة مخلوقة والمقروء والمحفوظ والمكتوب ليس بمخلوق ومن الدليل عليه انك تكتب الله وتحفظه وتدعوه فدعاؤك وحفظك وكتابتك وفعلك مخلوق والله هو الخالق قوله وقال كعب بن مالك حين تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون قد تقدم هذا مسندا في تفسير براءة في حديثه الطويل وفي آخره قال الله تعالى يعتذرون اليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله الآية قال الكرماني ومناسبته للترجمة من جهة التفويض والانقياد والتسليم ولا ينبغي لأحد ان يزكي عمله بل يفوض إلى الله سبحانه وتعالى قلت ومراد البخاري تسمية ذلك عملا كما تقدم من كلامه في الذي قبله قوله وقالت عائشة إذا اعجبك حسن عمل امرئ فقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ولا يستخفنك أحد قلت زعم مغلطاي ان عبد الله بن المبارك أخرج هذا الأثر في كتاب البر والصلة عن سفيان عن معاوية بن إسحاق عن عروة عن عائشة وقد وهم في ذلك وانما وقع هذا في قصة ذكرها البخاري في كتاب خلق أفعال العباد من رواية عقيل عن بن شهاب عن عروة عن عائشة قالت وذكرت الذي كان من شأن عثمان وددت أني كنت نسيا منسيا فوالله ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قط الا انتهك مني مثله حتى والله لو أحببت قتله لقتلت يا عبيد الله بن عدي لا يغرنك أحد بعد الذين تعلم فوالله ما احتقرت من أعمال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نجم النفر الذين طعنوا في عثمان فقالوا قولا لا يحسن مثله وقرءوا قراءة لا يحسن مثلها وصلوا صلاة لا يصلى مثلها فلما تدبرت الصنيع إذا هم والله ما يقاربون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أعجبك حسن قول امرئ فقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ولا يستخفنك أحد وأخرجه بن أبي حاتم من رواية يونس بن يزيد عن الزهري أخبرني عروة ان عائشة كانت تقول احتقرت أعمال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نجم القراء الذين طعنوا على عثمان فذكر نحوه وفيه فوالله ما يقاربون عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أعجبك حسن عمل امرئ منهم فقل اعملوا الخ والمراد بالقراء المذكورين الذين قاموا على عثمان وانكروا عليه أشياء اعتذر عن فعلها ثم كانوا مع علي ثم خرجوا بعد ذلك على علي وقد تقدمت أخبارهم مفصلة في كتاب الفتن ودل سياق القصة على ان المراد بالعمل ما أشارت إليه من القراءة والصلاة وغيرهما فسمت كل ذلك عملا وقولها في آخره ولا يستخفنك أحد بالخاء المعجمة المكسورة والفاء المفتوحة والنون الثقيلة للتأكيد قال بن التين عن الداودي معناه لا تغتر بمدح أحد وحاسب نفسك والصواب ما قاله غيره أن المعنى لا يغرنك أحد بعمله فتظن به الخير الا ان رأيته واقفا عند حدود الشريعة قوله قال معمر ذلك الكتاب هذا القرآن هدى للمتقين بيان ودلالة كقوله ذلكم حكم الله هذا حكم الله لا ريب فيه لا شك تلك آيات الله يعني هذه أعلام القرآن ومثله حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم يعني بكم معمر هذا هو بن المثنى اللغوي أبو عبيدة وهذا المنقول عنه ذكره في كتاب مجاز القرآن ووهم من قال انه معمر بن راشد شيخ عبد الرزاق وقد اغتر مغلطاي بذلك فزعم ان عبد الرزاق أخرج ذلك في تفسيره عن معمر وليس ذلك في شيء من نسخ تفسير عبد الرزاق ولفظ أبي عبيدة ذلك الكتاب معناه هذا القرآن قال وقد تخاطب العرب الشاهد بمخاطبة الغائب وقد أنكر ثعلب هذه المقالة وقال استعمال أحد اللفظين موضع الآخر يقلب المعنى وانما المراد هذا القرآن هو ذلك الذي كانوا يستفتحون به عليكم وقال الكسائي لما كان القول والرسالة من السماء والكتاب والرسول في الأرض قيل ذلك يا محمد وقال الفراء هو كقولك للرجل وهو يحدثك وذلك والله الحق فهو في اللفظ بمنزلة الغائب وليس بغائب وانما المعنى ذلك الذي سمعت به واستشهد أبو عبيدة بقوله تعالى حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة فلما جاز أن يخبر بضميرين مختلفين ضمير المخاطب للحاضر وضمير الغيبة عن الغائب في قصة واحدة فكذلك يجوز ان يخبر عن ضمير القريب بضمير البعيد وهو صنيع مشهور في كلام العرب يسميه أصحاب المعاني الالتفات وقيل الحكمة في هذا هنا ان كل من خوطب يجوز ان يركب الفلك لكن لما كان في العادة ان لا يركبها الا الأقل وقع الخطاب أولا للجميع ثم عدل إلى الاخبار عن البعض الذين من شأنهم الركوب وقال أيضا لا ريب فيه لا شك فيه هدى للمتقين أي بيان للمتقين ومناسبة هذه الآية لما تقدم من جهة ان الهداية نوع من التبليغ وقال في تفسير سورة أخرى تلك آيات هذه آيات وقال في تفسير سورة أخرى الآيات الأعلام وهذا قد تقدم في تفسير سورة يونس التنبيه عليه وأما قوله ومثله حتى إذا كنتم فمراده انه نظير استعمال ذلك موضع هذا فلما ساغ استعمال ما هو للبعيد للقريب جاز استعمال ما هو للغائب للحاضر ولفظ مثله بكسر الميم وسكون المثلثة وضبطه بعضهم بضم الميم والمثلثة واللام وهو بعيد والأول هو الموجود في كتاب أبي عبيدة قاله في مقدمة كتابه المذكور فإنه قال ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم حول إلى مخاطبة الغائب قوله تعالى حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم أي بكم ثم ذكر فيه أربعة أحاديث الحديث الأول قوله وقال أنس بعث النبي صلى الله عليه وسلم خاله حراما إلى قوم وقال اتؤمنوني حتى أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يحدثهم هذا طرف من حديث وصله المؤلف في الجهاد من طريق همام عن إسحاق بن عبيد الله بن أبي طلحة عن أنس قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين راكبا فلما قدموا قال لهم خالي أتقدمكم فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والا كنتم قريبا مني فتقدم فأمنوه فبينما هو يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر القصة ولفظه في المغازي عن أنس فانطلق حرام أخو أم سليم فذكره وفيه وان قتلوني أتيتم أصحابكم فقال أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يحدثهم وأومؤا إلى رجل منهم فأتاه فطعنه من خلفه الحديث وسياقه في المغازي أقرب إلى اللفظ المعلق هنا وفي السياق حذف تقديره بعد قوله أتيتم أصحابكم فأتى المشركين فقال أتؤمنوني الحديث الثاني
7092 قوله حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي كذا للأكثر ووقع في رواية القابسي عن أبي زيد سعيد بن عبد الله بفتح العين وسكون الموحدة قال أبو علي الجياني وكذا كان في نسخة أبي محمد الأصيلي الا انه أصلحه عبيد الله بالتصغير وقال هو سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية قوله عن جبير بن حية بمهملة وتحتانية ثقيلة وجبير هو والد زياد بن جبير الراوي عنه قوله قال المغيرة هو بن شعبة قوله أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا انه من قتل منا صار إلى الجنة هذا القدر هو المرفوع من الحديث وقد مضى بطوله وشواهده في كتاب الجزية وبيان الاختلاف في ضبط المعتمر بن سليمان المذكور في سنده بما أغنى عن اعادته الحديث الثالث 7093 قوله حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن إسماعيل عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت من حدثك ان محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا وقال محمد حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا عن شعبة إسماعيل بن أبي خالد اما محمد بن يوسف فهو الفريابي كما جزم به أبو نعيم في المستخرج وأما سفيان فهو الثوري واما إسماعيل فهو بن أبي خالد المذكور في الرواية الثانية واما محمد المذكور أول الرواية الثانية فيحتمل أن يكون هو محمد بن يوسف الفريابي المذكور في الرواية الأولى فيكون موصولا ويحتمل ان يكون غيره فيكون معلقا وهو مقتضى صنيع المزي واما أبو نعيم فقال في المستخرج رواه عن محمد عن أبي عامر ومقتضاه ان يكون وقع عنده حدثنا محمد أو قال لي محمد لأن عادته إذا وقع بصيغة قال مجردة أن يقول أخرجه بلا رواية يعني صيغة صريحة وأبو عامر العقدي هو عبد الملك بن عمرو وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق أحمد بن ثابت عن أبي عامر العقدي مثل ما ساقه البخاري وزاد من حدثك ان الله رآه أحد من خلقه فلا تصدقه ان الله يقول لا تدركه الأبصار وقد تقدم هذا القدر مفردا في باب قول الله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا في كتاب التوحيد هذا عن محمد بن يوسف بهذا السند وزاد من حدثك انه يعلم الغيب الحديث وأخرجه أحمد عن غندر عن شعبة كذلك وقد تقدم الكلام على قصة الرؤية والغيب هناك وكل ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم فله بالنسبة إليه طرفان طرف الأخذ من جبريل عليه السلام وقد مضى في الباب السابق وطرف الأداء للأمة وهو المسمى بالتبليغ وهو المقصود هنا الحديث الرابع حديث عبد الله هو بن مسعود أي الذنب أكبر تقدم قريبا في باب قوله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا وزاد في آخره هنا فأنزل الله تصديقها
7094 والذين لا يدعون مع الله الها آخر إلى آخر الآية ومناسبته للترجمة أن التبليغ على نوعين أحدهما وهو الأصل ان يبلغه بعينه وهو خاص بما يتعبد بتلاوته وهو القرآن وثانيهما أن يبلغ ما يستنبط من أصول ما تقدم انزاله فينزل عليه موافقته فيما استنبطه اما بنصه واما بما يدل على موافقته بطريق الأولى كهذه الآية فانها اشتملت على الوعيد الشديد في حق من أشرك وهي مطابقة للنص وفي حق من قتل النفس بغير حق وهي مطابقة للحديث بطريق الأولى لأن القتل بغير حق وان كان عظيما لكن قتل الولد أشد قبحا من قتل من ليس بولد وكذا القول في الزناة فان الزنا بحليلة الجار أعظم قبحا من مطلق الزنا ويحتمل ان يكون إنزال هذه الآية سابقا على اخباره صلى الله عليه وسلم بما أخبر به لكن لم يسمعها الصحابي الا بعد ذلك ويحتمل أن يكون كل من الأمور الثلاثة نزل تعظيم الإثم فيه سابقا ولكن اختصت هذه الآية بمجموع الثلاثة في سياق واحد مع الاقتصار عليها فيكون المراد بالتصديق الموافقة في الاقتصار عليها فعلى هذا فمطابقة الحديث للترجمة ظاهرة جدا والله أعلم واستدل أبو المظفر بن السمعاني بآيات الباب وأحاديثه على فساد طريقة المتكلمين في تقسيم الأشياء إلى جسم وجوهر وعرض قالوا فالجسم ما اجتمع من الافتراق والجوهر ما حمل العرض والعرض مالا يقوم بنفسه وجعلوا الروح من الأعراض وردوا الأخبار في خلق الروح قبل الجسد والعقل قبل الخلق واعتمدوا على حدسهم وما يؤدي إليه نظرهم ثم يعرضون عليه النصوص فما وافقه قبلوه وما خالفه ردوه ثم ساق هذه الآيات ونظائرها من الأمر بالتبليغ قال وكان مما أمر بتبليغه التوحيد بل هو أصل ما أمر به فلم يترك شيئا من أمور الدين أصوله وقواعده وشرائعه الا بلغه ثم لم يدع الا الاستدلال بما تمسكوا به من الجوهر والعرض ولا يوجد عنه ولا عن أحد من أصحابه من ذلك حرف واحد فما فوقه فعرف بذلك انهم ذهبوا خلاف مذهبهم وسلكوا غير سبيلهم بطريق محدث مخترع لم يكن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم ويلزم من سلوكه العود على السلف بالطعن والقدح ونسبتهم إلى قلة المعرفة واشتباه الطرق فالحذر من الاشتغال بكلامهم والاكتراث بمقالاتهم فانها سريعة التهافت كثيرة التناقض وما من كلام تسمعه لفرقة منهم الا وتجد لخصومهم عليه كلاما يوازنه أو يقاربه فكل بكل مقابل وبعض ببعض معارض وحسبك من قبيح ما يلزم من طريقتهم انا إذا جرينا على ما قالوه وألزمنا الناس بما ذكروه لزم من ذلك تكفير العوام جميعا لأنهم لا يعرفون الا الاتباع المجرد ولو عرض عليهم هذا الطريق ما فهمه أكثرهم فضلا عن أن يصير منهم صاحب نظر وانما غاية توحيدهم التزام ما وجدوا عليه أئمتهم في عقائد الدين والعض عليها بالنواجذ والمواظبة على وظائف العبادات وملازمة الأذكار بقلوب سليمة طاهرة عن الشبه والشكوك فتراهم لا يحيدون عما اعتقدوه ولو قطعوا اربا اربا فهنيئا لهم هذا اليقين وطوبى لهم هذه السلامة فإذا كفر هؤلاء وهم السواد الأعظم وجمهور الأمة فما هذا الا طي بساط الإسلام وهدم منار الدين والله المستعان 1 ( قوله باب قول الله تعالى قل فأتوا بالتوراة فاتلوها )