İbn Sa'd — et-Tabakātü'l-Kübrâ
5855- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر, عن أبيه, قال: قال عمرو بن العاص: كنت للإسلام مجانبا معاندا, حضرت بدرا مع المشركين, فنجوت, ثم حضرت أحدا, فنجوت, ثم حضرت الخندق, فنجوت, فقلت في نفسي: كم أوضع؟ والله ليظهرن محمد على قريش, فلحقت بمالي بالوهط, وأقللت من الناس, فلم أحضر الحديبية ولا صلحها, وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلح, ورجعت قريش إلى مكة, فجعلت أقول: يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه، ما مكة لنا بمنزل ولا الطائف, وما شيء خير من الخروج، وأنا بعد نات عن الإسلام، أرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم، فقدمت مكة, فجمعت رجالا من قومي كانوا يرون رأيي ويسمعون مني, ويقدمونني فيما نابهم, فقلت لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذو رأينا ومدرهنا مع يمن نقيبة وبركة أمر, قلت: تعلموا والله أني لأرى أمر محمد أمرا يعلو الأمور علوا منكرا, وإني قد رأيت رأيا، قالوا: ما هو؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون عنده, فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي, فنكون تحت يده أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد, وإن تظهر قريش, فنحن من قد عرفوا. قالوا: هذا الرأي ! قلت: فاجمعوا ما تهدونه له. وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم. قال: فجمعنا أدما كثيرا, ثم خرجنا, فقدمنا على النجاشي, فوالله إنا لعنده, إذ جاء عمرو بن أمية الضمري, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليه بكتاب كتب إليه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان, فدخل عليه, ثم خرج من عنده, فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية, ولو قد دخلت على النجاشي قد سألته إياه, فأعطانيه, فضربت عنقه, فإذا فعلت ذلك سررت قريشا, وكنت قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت على النجاشي, فسجدت له كما كنت أصنع, فقال: مرحبا بصديقي! أهديت إلي من بلادك شيئا؟ فقلت: نعم, أيها الملك, أهديت إليك أدما كثيرا. ثم قربته إليه, فأعجبه وفرق منه أشياء بين بطارقته, وأمر بسائره فأدخل في موضع, وأمر أن يكتب ويتحفظ به, فلما رأيت طيب نفسه, قلت: أيها الملك, إني قد رأيت رجلا (خرج) من عندك وهو رسول رجل عدو لنا، قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا, فأعطنيه فأقتله! فغضب, فرفع يده, فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره وابتدر منخراي، فجعلت أتلقى الدم بثيابي, وأصابني من الذل ما لو انشقت لي الأرض دخلت فيها فرقا منه. فقلت له: أيها الملك, لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتكه, قال: فاستحيا, وقال: ياعمرو, تسألني أن أعطيك رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، من يأتيه الناموس الأكبر, الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى بن مريم لتقتله؟!
قال عمرو: وغير الله قلبي عما كنت عليه, وقلت في نفسي: عرف هذا الحق العرب والعجم وتخالف أنت؟! قلت: وتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم, أشهد به عند الله ياعمرو, فأطعني واتبعه، والله إنه لعلى الحق, وليظهرن على كل من خالفه, كما ظهر موسى على فرعون وجنوده, قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم, فبسط يده, فبايعته على الإسلام, ودعا لي بطست فغسل عني الدم, وكساني ثيابا, وكانت ثيابي قد امتلأت من الدم, فألقيتها, ثم خرجت إلى أصحابي, فلما رأوا كسوة الملك سروا بذلك, وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة, وقلت: أعود إليه. قالوا: الرأي ما رأيت! وفارقتهم وكأني أعمد لحاجة, فعمدت إلى موضع السفن, فوجدت سفينة قد شحنت تدفع, فركبت معهم ودفعوها من ساعتهم, حتى انتهوا إلى الشعيبة, فخرجت بها ومعي نفقة. فاتبعت بعيرا, وخرجت أريد المدينة حتى أتيت على مر الظهران. ثم مضيت حتى إذا كنت بالهدة إذا رجلان قد سبقاني بغير كبير يريدان منزلا, وأحدهما داخل في خيمة, والآخر قائم يمسك الراحلتين, فنظرت, فإذا خالد بن الوليد. فقلت: أبا سليمان؟! قال: نعم. قلت: أين تريد؟ قال: محمدا، دخل الناس في الإسلام, فلم يبق أحد به طعم, والله لو أقمنا لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها. قلت: وأنا والله قد أردت محمدا وأردت الإسلام, وخرج عثمان بن طلحة, فرحب بي, فنزلنا جميعا في المنزل, ثم ترافقنا حتى قدمنا المدينة, فما أنسى قول رجل لقينا ببئر أبي عنبة يصيح: يارباح, يارباح, فتفاءلنا بقوله وسررنا, ثم نظر إلينا, فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين! فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد, ثم ولى مدبرا إلى المسجد سريعا, فظننت أنه يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا, فكان كما ظننت. وأنخنا بالحرة, فلبسنا من صالح ثيابنا, ونودي بالعصر, فانطلقنا جميعا, حتى طلعنا عليه صلوات الله عليه وسلامه, وإن لوجهه تهللا, والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا. فتقدم خالد بن الوليد, فبايع, ثم تقدم عثمان بن طلحة, فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم تقدمت, فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه, فما استطعت أن أرفع طرفي إليه حياء منه, فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر, فقال: إن الإسلام يحت ما كان قبله, والهجرة تحت ما كان قبلها, فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا, ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة, ولقد كنت عند عمر بتلك الحال. قال عبد الحميد: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن أبي حبيب, فقال: أخبرني راشد مولى حبيب بن أبي أويس, عن حبيب بن أبي أوس الثقفي, عن عمرو نحو ذلك, قال عبد الحميد: فقلت ليزيد بن أبي حبيب: فلم يؤقت لك متى قدم عمرو وخالد؟ قال: لا، إلا أنه قبيل الفتح, قلت: فإن أبي أخبرني أن عمرا, وخالدا, وعثمان بن طلحة قدموا المدينة لهلال صفر, سنة ثمان. 5856- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن أبي عمير الطائي، عن الزهري, قال: لما رأى عمرو بن العاص أمر النبي صلى الله عليه وسلم يظهر, خرج إلى النجاشي بأرض الحبشة, وأهدى له هدايا ليقيم في جواره, ووافق هناك عمرو بن أمية الضمري قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي, وكتب معه كتابين: أحدهما يدعوه فيه إلى الإسلام, والآخر يسأله فيه أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان, ويبعث إليه بأصحابه أهل السفينتين.
فلقى عمرو بن العاص عمرو بن أمية, فضربه وخنقه بردائه, ثم دخل على النجاشي, فأخبره فغضب النجاشي, وقال: والله لو قتلته ما أبقيت منكم أحدا, أتقتل رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال عمرو بن العاص: فقلت: أتشهد أنه رسول الله؟ قال: نعم. أشهد أنه رسول الله. فقلت: وأنا أشهد أنه رسول الله, ابسط يدك أبايعك, فبسط يده, فبايعته على الإسلام, ثم خرجت إلى عمرو بن أمية فعانقته وعانقني, وأخبرته بإسلامي, وانطلقت سريعا إلى المدينة, فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبايعته على الإسلام وأن يغفر لي ما تقدم من ذنبي وأن أشرك في الأمر, ففعل, ونسيت أن أقول له: يغفر لي ما تأخر من ذنبي. 5857- أخبرنا إسحاق الخراساني بن أبي إسرائيل, قال: حدثنا النضر بن شميل, قال: أخبرنا أبو عون عبد الله بن عون، عن عمير بن إسحاق, قال: استأذن جعفر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: ائذن لي (أن) آتي أرضا أعبد الله فيها لا أخاف أحدا إلا الله؟ قال: فأذن له, فأتى النجاشي, قال (عمير): فحدثني عمرو بن العاص, قال: فلما رأيت مكانه حسدته, قال: قلت: والله لأستقتلن لهذا ولأصحابه, فأتيت النجاشي, فدخلت عليه, فقلت له: إن بأرضك رجلا ابن عمه بأرضنا, وإنه يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد, وإنك والله إن لم تقتله وأصحابه لا أقطع هذه النطفة إليك أبدا, أنا ولا أحد من أصحابي, قال: ادعه. قال: قلت: إنه لا يجىء معي, فأرسل (إليه) معي رسولا, قال: فجاء, فلما انتهيت إلى الباب, ناديت: ائذن لعمرو بن العاص, ونادى هو من خلفي: ائذن لحزب الله، قال: فسمع صوته, فأذن له قبلي, فدخل هو وأصحابه, قال: ثم أذن لي فدخلت, فإذا هو جالس, قال: فذكر أين كان مقعده من السرير, قال: فلما رأيته جئت حتى قعدت بين يديه, وجعلته خلف ظهري, وأقعدت بين كل رجلين من أصحابه رجلا من أصحابي. قال: قال النجاشي: نخروا، قال عمير: أي تكلموا, قال: فقال عمرو: فقلت: إن ابن عم هذا بأرضنا، وإنه يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إن لم تقتله وأصحابه لا أقطع هذه النطفة إليك أبدا، أنا ولا أحد من أصحابي، قال: فتشهد, قال: فإن أول ما سمعت التشهد يومئذ: فقال: صدق، هو ابن عمي, وأنا على دينه. قال: فصاح صياحا, وقال: أوه، حتى قلت: ما لابن الحبشية لا يتكلم! فقال: أناموس مثل ناموس موسى؟ ما يقول في عيسى ابن مريم؟ قال: يقول: هو روح الله وكلمته. قال: فتناول شيئا من الأرض, وقال: ما أخطأ من أمره مثل هذه, وقال: لولا ملكي لاتبعتكم, وقال لي: ما كنت أبالي أن لا تأتيني أنت ولا أحد من أصحابك أبدا. وقال لجعفر: اذهب فأنت آمن بأرضي, فمن ضربك قتلته, ومن سبك غرمته, وقال لآذنه: متى ما أتاك هذا يستأذن علي فأذن له, إلا أن أكون عند أهلي, فإن كنت عند أهلي فأخبره, فإن أبى فأذن له. قال: وتفرقنا, فلم يكن أحد أحب إلي أن أكون قد لقيته خاليا من جعفر, قال: فاستقبلني في طريق مرة, فنظرت خلفه, فلم أر أحدا, ونظرت خلفي, فلم أر أحدا. قال: فدنوت منه, فأخذت بيده, فقلت: تعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمدا عبده ورسوله, قال: فقال: هداك الله فاثبت, قال: فتركني وذهب, قال: فأتيت أصحابي, فكأنما شهدوه معي, قال: فأخذوني فألقوا علي قطيفة: ثوبا, قال: فجعلوا يغمونني, وجعلت أخرج رأسي مرة من هذه الناحية, ومرة من هذه الناحية, حتى أفلت وما علي قشرة.
قال: فلقيت حبشية, فأخذت قناعها، فجعلته على عورتي, فقالت: كذا وكذا, فقلت: كذا وكذا, فأتيت جعفرا, حتى دخلت عليه, فقال: مالك؟ فقلت: ذهب بكل شيء لي, حتى ما ترك علي قشرة, وما الذي ترى علي إلا قناع حبشية. قال: فقال: انطلق، فانطلقت معه, حتى انتهينا إلى باب الملك, فقال: ائذن لحزب الله, قال آذنه: إنه مع أهله, قال: قال: فاستأذن لي، فاستأذن له, فقال: إن عمرا قد تابعني على ديني, قال: كلا، قلت: بلى، قال: كلا، قلت: بلى، قال: فقال لإنسان: اذهب, فإن كان قد فعل فلا يقولن لك شيئا إلا كتبته، قال: فجاء، فقال: نعم. فجعل يكتب ما أقول, حتى ما تركت شيئا حتى القدح, ولو شئت أن آخذ من أموالهم إلى مالي لفعلت. 5858- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني ربيعة بن عثمان، عن يزيد بن رومان. قال محمد بن عمر: وحدثني أفلح بن سعيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قالا: عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص لواء أبيض, وجعل معه راية سوداء, وبعثه في ثلاث مئة من سراة المهاجرين والأنصار إلى ذات السلاسل, فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن مكيث الجهني يستمده, ويخبره أن لهم جمعا كثيرا من بلي وقضاعة وغيرهم, فأمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين من سراة المسلمين, فيهم أبو بكر, وعمر, وعقد له لواء وعهد إليه إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا, فقدم عليه فاختلفا في الصلاة, فقال عمرو: إنما قدمت علي مددا لي, فطاوعه أبو عبيدة لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه, فكان عمرو يصلي بالناس كلهم ويتأمر عليهم. 5859- أخبرنا وكيع بن الجراح، وعبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقرىء، قالا: حدثنا موسى بن علي بن رباح اللخمي، عن أبيه, قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمرو, اشدد عليك سلاحك وثيابك وائتني. ففعلت, فجئته وهو يتوضأ, فصعد في البصر وصوبه, قال: يا عمرو, إني أريد أن أبعثك وجها فيسلمك الله ويغنمك, وأزعب لك من المال زعبة صالحة, قال: قلت: يا رسول الله, إني لم أسلم رغبة في المال, إنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك. قال: يا عمرو, نعما بالمال الصالح للمرء الصالح. 5860- أخبرنا الفضل بن دكين, قال: حدثنا شريك, عن إبراهيم بن مهاجر, عن إبراهيم قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص على غزوة ذات السلاسل, وعقد له لواء على سراة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فيهم أبو بكر, وعمر. 5861- أخبرنا يحيى بن خليف بن عقبة, قال: حدثنا ابن عون, عن محمد (ح) قال: وأخبرنا عارم بن الفضل, قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن محمد, قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل, فيهم أبو بكر, وعمر. 5862- أخبرنا وكيع بن الجراح, قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل, قال: فأصابهم برد شديد, فقال لهم عمرو: لا يوقدن أحد نارا. قال: ثم قاتل القوم, فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه, فقال: يا نبي الله, كان في أصحابي قلة, فخشيت أن يرى العدو قلتهم, ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن يكون لهم من وراء الجبل كمين. قال: فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. 5863- أخبرنا وكيع بن الجراح، عن المنذر بن ثعلبة، عن عبد الله بن بريدة, قال: قال عمر لأبي بكر لما لم يدع عمرو بن العاص الناس أن يوقدوا نارا ألا ترى إلى هذا ما صنع بالناس يمنعهم منافعهم؟ قال: فقال أبو بكر: دعه، فإنما ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا لعلمه بالحرب.
5864- أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس, قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن العاص, واستعمله على أصحابه في وجه من تلك الوجوه, فلما قدموا, قال: كيف وجدتم أميركم؟ قالوا: ما وجدنا به بأسا من رجل صلى لنا وهو جنب، فدعاه فسأله, فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال: صدقوا. أصابتني جنابة وأنا مريض شديد المرض، فتخوفت إن اغتسلت أن أقتل نفسي، والله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}. 5865- أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس, قال: حدثنا أبو بكر بن عياش, قال: حدثنا عاصم, عن الحارث بن حسان البكري, قال: خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, أو قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدخلت المسجد, فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر, وبلال بين يديه متقلدا بالسيف, وإذا رايات سود بين يديه, فقلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص, قدم من سفره الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم. 5866- أخبرنا عفان بن مسلم, قال: أخبرنا سلام أبو المنذر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان البكري (ح) قال: وأخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الملك بن يزيد، عن سعيد بن عمرو الهذلي قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بث السرايا فبعث عمرو بن العاص إلى صنم هذيل سواع فهدمه فكان عمرو يقول: انتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد؟ فقلت: هدم سواع. فقال: ومالك وله؟ فقلت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال: لا تقدر على هدمه. فقلت: لم؟ قال: يمتنع. قال عمرو: حتى الآن أنت في الباطل ! ويحك وهل يسمع أو يبصر؟ قال عمرو: فدنوت إليه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله. 5867- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري. قال محمد بن عمر: وحدثني عبد الله بن يزيد الهذلي، عن سعيد بن عمرو الهذلي قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة قدم المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة فأقام بقية ذي القعدة وذي الحجة فلما رأى هلال المحرم سنة تسع بعث المصدقين يصدقون العرب فبعث عمرو بن العاص إلى بني فزارة يصدقهم. 5868- أخبرنا الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة, قال: حدثنا مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص. 5869- أخبرنا عمرو بن حكام بن أبي الوضاح, قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمه، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ابنا العاص مؤمنان. 5870- قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ابنا العاص مؤمنان هشام وعمرو. 5871- قال: أخبرنا عمرو بن عاصم, قال: حدثنا نافع بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن أبي مليكة قال: قال طلحة بن عبيد الله: لا أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أني سمعته يقول: عمرو بن العاص من صالحي قريش. 5872- قال: أخبرنا يزيد بن هارون, قال: أخبرنا أبو عبد الله التميمي، قال يزيد: ولا أعلم حماد بن يزيد إلا حدثنا به عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب (ح) قال: وأخبرنا عفان بن مسلم, قال: حدثنا وهيب، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، وعن عمرو بن دينار، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله.
قال يزيد بن هارون: يعني عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمرو بن العاص، وأم عبد الله بن عمرو، وسماهم. 5873- أخبرنا سعيد بن منصور, قال: أخبرنا الفرج بن فضالة، عن محمد بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال عمرو بن العاص: جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لي: يا عمرو, اقض بينهما، قلت: أنت أولى بذلك يا رسول الله! قال: أجل، قلت: فعلام أقضي؟ قال: إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات، وإن اجتهدت فأخطأت فلك حسنة واحدة. 5874- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل, قال: سمعت عمرو بن شعيب يخبر، أنه سمع مولى لعمرو بن العاص يقول: سمعت عمرو بن العاص يقول: أسلمت عند النجاشي, وبايعته على الإسلام, ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, فأعلمته أني قدمت راغبا في الهجرة وفي ظهور الإسلام, وأنا أحب أن ترى أثري وغناي عن الإسلام وأهله, فقد طال ما كنت عونا عليه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام يحت ما كان قبله، وأنا باعثك في أناس أبعثهم إن شاء الله. فلما كان بعد ذلك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية نفر سماهم، فكنت أنا المبعوث إلى جيفر وعبد ابني الجلندى، وكانا من الأزد والملك منهما جيفر. وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليهما كتابا يدعوهما فيه إلى الإسلام وكتب أبي بن كعب الكتاب وختمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى قدمت عمان فعمدت إلى عبد بن الجلندى وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا, فقلت: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك. فقال: أخي المقدم علي بالسن، والملك وأنا أوصلك إليه. فمكثت ببابه أياما, ثم وصلت إليه, فدفعت الكتاب إليه مختوما, ففض خاتمه, ثم قرأه إلى آخره, ثم دفعه إلى أخيه فقرأه, وقال لي: يا عمرو, أنت ابن سيد قومك, فكيف صنع أبوك فإن لنا فيه قدوة؟ قلت: مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم, وودت أنه كان أسلم وصدق به, وقد كنت أنا على مثل رأيه, حتى هداني الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا, قال: فسألني أين كان إسلامي؟ فقلت: عند النجاشي وقد أسلم, قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه واتبعوه, قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قال: قلت: نعم. قال: فأبى أن يسلم, فأقمت أياما, ثم قلت: أنا خارج غدا. فلما أيقن بخروجي, أرسل إلي فأجاب إلى الإسلام, فأسلم هو وأخوه جميعا, وصدقا بالنبي صلى الله عليه وسلم, وخليا بيني وبين الصدقة والحكم فيما بينهم, وكان عونا لي على من خالفني، فأخذت الصدقة من أغنيائهم, فرددتها على فقراءهم، وأخذت صدقات ثمارهم ما تجروا به, فلم أزل مقيما حتى بلغنا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. 5875- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان الوالبي، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله. قال محمد بن عمر: وأخبرنا محمد بن صالح، عن موسى بن عمران بن مناح، وغيرهما أيضا قد حدثنا، قال: كان عمرو بن العاص عاملا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على عمان, فجاءه يهودي من يهود عمان, فقال: أرأيت إن سألتك عن شيء أتخشى علي منك؟ قال: لا, قال اليهودي: أنشدك بالله من أرسلك إلينا؟ قال: اللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال اليهودي: آلله إنك لتعلم أنه رسول الله؟ فقال له عمرو: اللهم نعم, فقال له اليهودي: لئن كان ما تقول حقا لقد مات اليوم.
فلما رأى ذلك عمرو جمع عليه أصحابه وفواشيه, وكتب ذلك اليوم الذي قال له فيه اليهودي ما قال، ثم خرج عمرو معه بخفراء من الأزد وعبد القيس, يأمن بهم, حتى قدم أرض بني حنيفة, فأخذ منهم خفراء، ثم جاء أرض بني تميم, فأخذ منهم خفراء, حتى جاء أرض بني عامر فنزل على قرة بن هبيرة القشيري, فأحسن منزله وضيفه, ثم إن قرة قال له حين أراد عمرو أن يركب: إن لك عندي نصيحة وأنا أحب أن تسمعها, قال: وما هي؟ قال قرة: إن صاحبكم قد توفى, قال عمرو: وصاحبنا هولا أم لك يعني: دونك- وإنكم يامعشر قريش كنتم في حرمكم تأمنون فيه ويأتيكم الناس, ثم خرج منكم رجل يقول ما سمعت, فلما بلغنا ذلك لم نكرهه, وقلنا: رجل من مضر يسوق الناس وقد توفي والناس إليكم سراع, وإنهم غير معطيكم شيئا, فالحقوا بحرمكم تأمنوا فيه, فإن كنت غير فاعل فعدني حيث شئت آتك, فوقع به عمرو, وقال: إني أرد عليك نصيحتك وموعدك حفش أمك, وأي العرب توعدنا به؟ فأقسم بالله لأوطئن عليك الخيل, قال قرة: إني لم أرد هذا, وندم على مقالته. 5876- وأخبرنا محمد بن عمر, قال: فحدثني الضحاك بن عثمان قال: سمعت الزهري يقول: جاءت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص وهو بعمان وجدت ذكر ذلك عند المنذر بن ساوى, فخرج بخفراء من الأزد, حتى قدم هجر, ثم خرج بخفراء من بني عبد القيش, فلما جاء أرض بني حنيفة سمع به مسيلمة, فخرج في أصحابه, فعرض له فهرب عمرو منه ومعه ثمامة بن أثال في قومه من بني حنيفة, واقتطع مسيلمة رجلين من أصحابه: حبيب بن زيد بن عاصم وهو ابن أم عمارة, وعبد الله بن وهب الأسلمي, وكانا في السائقة فأصابهما, فقال لهما: أتشهدان أني رسول الله؟ فأقر الأسلمي بما قال, فأمر به فحبس في حديد حتى أفلت بعد ذلك, فصار إلى خالد بن الوليد. وأما حبيب بن زيد فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا أسمع، فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فقال: نعم. فأمر به فقطعت يداه من المنكبين ورجلاه من الركبتين, ثم حرقه بالنار. قال: وأخذ عمرو بن العاص خفراء من بني تميم, بعثهم الزبرقان بن بدر, وقيس بن عاصم المنقري حتى ورد على قرة بن هبيرة, فخرج قرة في مائة من قومه خفراء له. 5877- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني هاشم بن عاصم الأسلمي، عن المنذر بن جهم, قال: أقبل عمرو بن العاص يلقى الناس مرتدين, حتى أتى على ذي القصة, فلقى عيينة بن بدر خارجا من المدينة, وذلك حين قدم على أبي بكر الصديق يقول له: إن جعلت لنا شيئا كفيناك من وراءنا, فقال له عمرو: وما وراءك؟ فقال عيينة: ابن أبي قحافة والي الناس ياعمرو استوينا نحن وأنتم! قال عمرو: كذبت يابن الأخابث من مضر، فلما قدم عمرو المدينة, أخبر أبا بكر بما كان في وجهه وبما قاله قرة بن هبيرة وبما قاله عيينة بن بدر. وأتى عمرو خالد بن الوليد حين بعثه أبو بكر إلى الردة, فجعل يقول: يا أبا سليمان, لا يفلتن منك قرة بن هبيرة. 5878- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن عيسى بن عميلة الفزاري، عن أبيه قال: لما جاءت بنو عامر إلى خالد بن الوليد, ولم تكن ارتدت ولم تنصر, وكانت قد وقفت, فقال خالد بن قرة بن هبيرة القشيري قال: هأنذا, قال: قدمه فاضرب عنقه, أنت المكلم عمرو بن العاص بما تكلمت به وأنت المتربص بالمسلمين الدوائر؟ قال: يابن المغيرة, إن لي عند عمرو بن العاص شهادة. فقال خالد: عمرو بن العاص الذي نقل عنك إلى الخليفة ما تكلمت به.
5879- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: أوثق خالد بن الوليد عيينة بن بدر وقرة بن هبيرة, وأرسل بهما إلى أبي بكر في وثاق, فقدم بهما إلى المدينة, فنظرت إلى عيينة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ينخسه غلمان المدينة بالجريد ويضربونه, ويقولون: أي عدو الله, أكفرت بالله بعد إيمانك؟! فيقول: والله ما كنت آمنت بالله, قال: وأتي بقرة بن هبيرة, فقال: ياخليفة رسول الله, والله ما كفرت, واسأل عمرو بن العاص, فإن لي عنده شهادة ليالي أقبل من عمان, خرجت في مائة من قومي خفراء له, وقبل ذلك ما أكرمت منزله ونحرت له, فسأل أبو بكر عمرا, فقال: نزلت به, فلم أر لضيف خيرا منه, لم يترك, وخرج معي في قومه خفيرا. ثم ذكر عمرو ما قال قرة. فقال قرة: انزع ياعمرو, فقال عمرو: لو نزعت نزعت فلم يعاقبه أبو بكر بذلك وعفا عنه, وكتب له أمانا وقبل من عيينة وكتب له أمانا. 5880- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الله بن وابصة العبسي، عن أبيه، عن جده, قال: كنا مع خالد بن الوليد في الردة أعوانا له, ثم رجع إلى المدينة ومعه العرب رجعت العرب إلى أوطانها, ورجعت عبس وطيىء ومن كان معه من أسد إلى منازلهم, حتى جاءهم النفير إلى الشام فقدموا المدينة, فجعل أبو بكر يفرق الجيوش على ولاته وهم ثلاثة: عمرو بن العاص, وشرحبيل بن حسنة, ويزيد بن أبي سفيان. فخرجوا معهم إلى الشام. 5881- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الجبار بن عمارة, عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم, قال: لما أجمع أبو بكر على أن يبعث الجيوش إلى الشام, كان أول من سار من عماله عمرو بن العاص, وأمره أن يسلك على أيلة عامدا لفلسطين, فقدم عمرو أمامه مقدمة عليهم سعيد بن الحارث السهمي, ودفع لواءه إلى الحجاج بن الحارث السهمي, وكان جند عمرو الذين خرجوا معه من المدينة ثلاثة آلاف, فيهم ناس كثير من المهاجرين والأنصار, وخرج أبو بكر الصديق يمشي إلى جنب راحلة عمرو بن العاص وهو يوصيه ويقول: ياعمرو, اتق الله في سر أمرك وعلانيته, واستحييه, فإنه يراك ويرى عملك, وقد رأيت تقديمي إياك على من هو أقدم سابقة منك ومن كان أغنى عن الإسلام وأهله منك, فكن من عمال الآخرة, وأرد بما تفعل وجه الله, وكن والدا لمن معك, ولا تكشفن الناس عن أستارهم, واكتف بعلانيتهم, وكن مجدا في أمرك, واصدق اللقاء إذا لاقيت ولا تجبن, وتقدم في الغلول وعاقب عليه, وإذا وعظت أصحابك فأوجز, وأصلح نفسك تصلح لك رعيتك في وصية طويلة, وعهد عهده إليه يعمل به. 5882- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر, عن أبيه, أن أبا بكر قال لعمرو بن العاص: إني قد استعملتك على من مررت به من بلي وعذرة وسائر قضاعة ومن سقط هناك من العرب, فاندبهم إلى الجهاد في سبيل الله, ورغبهم فيه, فمن تبعك منهم فاحمله وزوده ورافق بينهم, واجعل كل قبيلة على جدتها ومنزلتها. 5883- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا أسامة بن زيد, عن معاذ بن عبد الله بن حبيب, عن رجال من قومه قال: بعث أبو بكر الصديق ثلاثة أمراء إلى الشام: عمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، فكان عمرو هو الذي يصلي بالناس إذا اجتمعوا, وإن تفرقوا كان كل رجل منهم على أصحابه, وكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يمد عمرو بن العاص, فكان خالد مددا لعمرو, وكان أمر الناس إلى عمرو بن العاص يوم أجنادين ويوم فحل, وفي حصار دمشق حتى فتحت.
5884- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبيه, قال: لما رأى عمرو بن العاص كثرة الجموع بالشام, كتب إلى أبي بكر يذكر أمر الروم وما جمعوا ويستمده, فشاور أبو بكر من عنده من المسلمين, فقال عمر بن الخطاب: ياخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم, اكتب إلى خالد بن الوليد يسير بمن معه إلى عمرو بن العاص, فيكون له مددا, ففعل أبو بكر, وكتب إلى خالد بن الوليد, فلما أتاه كتاب أبي بكر قال: هذا عمل عمر حسدني على فتح العراق وأن يكون على يدي, فأحب أن يجعلني مددا لعمرو بن العاص وأصحابه, فأكون كأحدهم, فإن كان فتح شركنا فيه, أو أكون تحت يدي بعضهم, فإن كان فتح كان ذكره له دوني. 5885- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الحميد بن عمران بن أبي أنس, عن المطلب بن السائب بن أبي وداعة, قال: كتب أبو بكر الصديق إلى عمرو بن العاص: إني كتبت إلى خالد بن الوليد يسير إليك مددا لك, فإذا قدم عليك فأحسن مصاحبته, ولا تطاول عليه, ولا تقطع الأمور دونه لتقدمي إياك عليه وعلى غيره, شاورهم ولا تخالفهم. 5886- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني سعد بن راشد, عن عطية بن قيس, عن أبي العوام مؤذن بيت المقدس قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث في بيت المقدس يقول: شهدنا أجنادين ونحن يومئذ عشرون ألفا, وعلى الناس يومئذ عمرو بن العاص, فهزمهم الله وتفرقوا, ففاءت فئة إلى فحل في خلافة عمر بن الخطاب, فسار إليهم عمرو بن العاص في الناس فنفاهم عن فحل. 5887- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر, عن أبيه, قال: لما سار أمراء المسلمين إلى الشام, فنزلوا بقرية, يقال لها: ثادن, من قرى غزة مما يلي الحجاز, فلقيهم فيها بطريق من بطارقة الروم, فأرسل إليهم أن يخرجوا إليه أحد القواد ليكلمه, قال: فتواكلوا ذلك, وقال لعمرو بن العاص: أنت لذلك, فخرج إليه عمرو, فلما انتهى إليه رحب به, وأجلسه معه على سريره, ومت إليه بقرابه العيص بن إسحاق بن إبراهيم في إسماعيل بن إبراهيم, فكلمه عمرو ودعاهم إلى الدخول في الإسلام أو الجزية عن يد وهم صاغرون, فأبى وضن بدينه, فقال عمرو: قد أعذرت ولم يبق إلا السيف, فافترقا واقتتلوا, فكانت بينهم معركة عظيمة. 5888- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الله بن جعفر، عن عبد الحكيم بن صهيب، عن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: خرج عمرو بن العاص إلى بطريق غزة في نفير من أصحابه, عليه قباء عليه صدأ الحديد, وعمامة سوداء وفي يده رمح, وعلى ظهره ترس, فلما طلع عليه ضحك, وقال: ما كنت تصنع بحمل السلاح إلينا؟ قال: خفت أن ألقى دونك, فأكون قد فرطت, فالتفت إلى أصحابه, فقال بيده عقد الأنملة على إبهامه, ثم قال: مرحبا بك, وأجلسه معه على سريره وحادثه فأطال, ثم كلمه بكلام كثير وحاجه عمرو ودعاه إلى الإسلام. فلما سمع البطريق كلامه وبيانه وأداءه, قال بالرومية: يا معشر الروم, أطيعوني اليوم واعصوني الدهر، هذا أمير القوم, ألا ترون أني كلما كلمته كلمة أجابني عن نفسه, لا يقول: أشاور أصحابي, وأذكر لهم ما عرضت علي، وليس الرأي إلا أن نقتله قبل أن يخرج من عندنا، فتختلف العرب بينها ويهن أمرهم ويفثئون عن قتالنا، فقال من حوله من الروم: ليس هذا برأي. وكان دخل مع عمرو بن العاص رجل من أصحابه يعرف كلام الروم، فألقى إلى عمرو ما قال الملك, ثم قال الملك: ألا تخبرني هل في أصحابك مثلك يبين بيانك ويؤدي أداءك؟ فقال عمرو: أنا أكل أصحابي لسانا وأدناهم أداء، وفي أصحابي من لو كلمته لعرفت أني لست هناك, قال: فأنا أحب أن تبعث إلي رأسكم في البيان والتقدم والأداء حتى أكلمه، فقال عمرو: أفعل.
وخرج عمرو من عنده, فقال البطريق لأصحابه: لأخالفنكم, لئن دخل علي فرأيت منه ما يقول لأضربن عنقه, فلما خرج عمرو من الباب كبر, وقال: لا أعود لمثل هذا أبدا, وأتى منزله, فاجتمع إليه أصحابه يسألونه, فخبرهم خبره وخبر البطريق, فأعظم القوم ذلك وحمدوا الله على ما رزق من السلامة. وكتب عمرو بذلك إلى عمر, فكتب إليه عمر: الحمد لله على إحسانه إلينا, وإياك والتغرير بنفسك أو بأحد من المسلمين في هذا وشبهه، وبحسب العلج منهم يكلم في مكان سواء بينك وبينه فتأمن غائلته ويكون أكسر له. فلما قرأ عمرو بن العاص كتاب عمر رحم عليه, ثم قال: ما الأب البار لولده بأبر من عمر بن الخطاب برعيته! 5889- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: كانت راية عمرو بن العاص يوم اليرموك يحملها ابنه عبد الله بن عمرو. 5890- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عمر بن محمد, عن عمرو بن شعيب قال: كانت راية عمرو بن العاص يوم اليرموك سوداء. 5891- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الله بن جعفر, قال: حدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن موسى بن عمران بن مناح قال: لما رأى عمرو بن العاص يوم اليرموك صاحب الراية ينكشف بها أخذها, ثم جعل يتقدم وهو يصيح: إلي يا معشر المسلمين, فجعل يطاعن بها قدما وهو يقول: اصنعوا كما أصنع ! حتى إنه ليرفعها ولكأن عليها ألسنة الطير من العلق. 5892- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني يعقوب بن محمد, عن عبد الملك بن مسلم, عن يعلى بن شداد, عن أبيه قال: لما سمع المسلمون بمسير عمر بن الخطاب إلى الجابية تلقاه الأمراء: أبو عبيدة بن الجراح, وعمرو بن العاص, ويزيد بن أبي سفيان حتى لقوه من وراء الجابية إلى المدينة بقليل. 5893- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني المفضل بن فضالة القيني، عن عياش بن عباس القتباني. قال محمد بن عمر: وحدثني من سمع صالح بن كيسان يخبر عن يعقوب بن عتبة، عن مشيخة من أهل مصر؛ أن عمرو بن العاص كان واليا لعمر بن الخطاب على فلسطين وما والاها, فندب أصحابه إلى المسير إلى مصر, فخرج بالمسلمين وهم ثلاثة آلاف وخمسمائة, وسار بغير أمر عمر, وخلف ابنه عبد الله بن عمرو على عمله، فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى عمر بن الخطاب يخبره بمسير عمرو بن العاص إلى مصر في أصحابه، فلما ورد الكتاب على عمر شق عليه، فدعا عقبة بن عامر الجهني, فكتب معه إلى عمرو بن العاص, وقال: انطلق في طلب عمرو, فادفع إليه كتابي، فلحقه عقبة وهو ينظر إلى أرض مصر, فحرك دابته ولحقه عقبة, فسأله عمرو عن ماله وكيف تركه؟ والكتاب في يد عقبة لا يمد عمرو يده إليه, حتى دخل أرض مصر، فقال له بعض من كان معه: هذه أرض مصر، فقال: اللهم بارك لنا في أرض مصر, ونزل فقال: هات كتاب أمير المؤمنين, فقرأه على طمأنينة, فدفعه إليه فقرأه, فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم, أما بعد؛ فإنه لم يحضرك رشدك ولا ما كان ينسب إليك من العقل والتجربة بإقدامك علي بما أقدمت به، وقطع الأمور دوني بمن معك من المسلمين تسوقهم حيث تريد، وأقسم بالله, لولا أني أظن أن ذلك على النظر منك للمسلمين، لبعثت إليك من يقدمك علي ماشيا من حيث أدركك، أو يحملك على أوعر ما يجد من المراكب، فيكون ذلك أشد عليك من المشي, تخرج في نفير يسير، ولعمري لو كان ثكل أمك ما تقدمت بهم ويحك لو أتى ذو أتي على من معك من المسلمين بتغريرك بهم ألم تكن قد هلكت وأهلكت, فإذا جاءك كتابي هذا ولم تدخل أرض مصر فارجع بمن معك إلى عملك حتى يأتيك أمري، قال: فجعل وجه عمرو يتغير وهو يقرأ الكتاب, حتى كان آخر ذلك فقال: قد دخلنا أرض مصر، فانتهى إلى الفرما, فوجد بها قوما قد أعدوا للقتال فقاتلهم فهزمهم، ومضى قدما حتى انتهى إلى الفسطاط, فوجد قوما قد أعدوا للقتال وخندقوا حول حصنهم، فنزل من وراء خندقهم.
وبعث عمر بن الخطاب الزبير بن العوام مددا لعمرو بن العاص في عشرة آلاف من المسلمين, فقدم عليه وهو محاصرهم, وأقاموا أياما يقاتلون, ثم هرب العدو فدخلوا الحصن وغلقوه عليهم، فقال الزبير: أما إذا صاروا إلى حصنهم فلا بد من مناهضتهم, فأمر بسلم فأتي به ونصبه على الحصن, ثم صعد عليه فكبر وتبعه المسلمون فدخل الحصن ودخل المسلمون على أثره ففتح عنوة واستباحوا ما فيه فعزل مغنما للمسلمين، ثم صالحهم عمرو بن العاص على الجزية في رقابهم وعلى خراج الأرض, ثم كتب إلى عمر بن الخطاب بما فتح الله عليه وبسلامته وسلامة من معه من المسلمين مع عقبة بن عامر الجهني, فحمد عمر بن الخطاب الله على ذلك. ثم كتب إلى عمرو بن العاص يحمد الله على ما أبلاه وأبلى المسلمون, ويقول: قد كنت عندي غير حميد, فإياك إياك أن تفتات علي بمثل هذا, إلا أن يكون أمر يحضرك تخاف على المسلمين فيه فتناهضه بمن معك. فكتب عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب: من عمرو بن العاص سلام إليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: قرأت كتاب أمير المؤمنين وما عصبني من اللائمة وأضاف إلي من سوء التدبير فقد كان ما كان من الافتيات عليك لما رجوت من الفرصة والنصر فرزق الله ذلك ورزق الله السلامة فنحمده على ذلك ولست بعائد إلى ما خالفك ولا قوة إلا بالله والسلام عليك ورحمة الله. فأقام عمرو بن العاص بمصر ما أقام ثم كتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في مناهضة أهل الإسكندرية فكتب إليه عمر أن يسير إليهم بمن معه من المسلمين, فسار عمرو بن العاص, في سنة إحدى وعشرين وخلف على الفسطاط خارجة بن حذافة العدوي وقدم بين يديه مقدمة عليهم عبد الله بن حذافة السهمي وقد تجمع له ما دون الإسكندرية من الروم والقبط يقولون: لا يدخل علينا الإسكندرية أبدا. وزحفوا إليه فالتقوا فقاتلهم عمرو قتالا شديدا, حتى هزمهم الله وانتهوا إلى الكريون, فقاتلوا قتالا شديدا حتى صلى عمرو بن العاص يومئذ صلاة الخوف, ثم مضى قدما حتى انتهى إلى الإسكندرية, فأرسل إليهم المقوقس صالحنا ومادنا مدة ننتهي إليها نحن وأنت وأكتب إلى صاحبي- يعني ملك الروم- وسأله موادعة سنة, فأبى عمرو, فقال: فشهرا؟ قال: ولا ساعة من نهارو ثم قاتلهم أشد القتال حتى فتحها عنوة ودخلها بالسيف, وغنم ما فيها من الروم وغيرهم الذين في جوفها, وجعل فيها رابطة من المسلمين عليهم عبد الله بن حذافة. وبعث عمرو بن العاص معاوية بن حديج إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية. قال: وبلغ قسطنطين بن هرقل أمر الإسكندرية وفتحها, فبعث خصيا له, يقال له: منويل, في ثلاث مئة مركب, حتى دخلوا الإسكندرية, فقتلوا من بها من روابط المسلمين, وهرب من هرب, ونقض أهل الإسكندرية، فبلغ عمرو بن العاص الخبر فندب المسلمين, فخرج في خمسة عشر ألفا من المسلمين, ثم زحف إلى أهل الإسكندرية, ونصب عليها المجانيق, وقاتلهم أشد القتال حتى فتحها عنوة وخرب جدرها, ورئي عمرو بن العاص يخرب بيده. 5894- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الله بن نافع, عن عمرو بن الحارث قال: كان عمرو بن العاص يبعث بجزية أهل مصر وخراجها إلى عمر بن الخطاب كل سنة بعد حبس ما كان يحتاج إليه, ثم إنه استبطأ عمرو بن العاص في الخراج, فكتب إليه كتابا يلومه في ذلك ويشدد عليه, ويقول له في كتابه: فلا تجذع أبا عبد الله أن تؤخذ بالحق وتعطيه, فإن الحق أبلج, فذرني وما عنه تلجلج فقد برح الخفا. فكتب إليه عمرو بن العاص يجيبه على كتابه, وكتب إليه: إن أهل الأرض استنظروا إلى أن تدرك غلتهم فنظرت للمسلمين وكان الترفق بهم خيرا من أن نخرق بهم فيصيروا إلى بيع ما لاغنى بهم عنه, فينكسر الخراج وقد صدقت والله أمير المؤمنين والسلام.
5895- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن موسى بن جبير، عن شيوخ من أهل المدينة, قالوا: كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: أما بعد، فإني قد فرضت لمن قبلي في الديوان ولذريتهم ولمن ورد علينا بالمدينة من أهل اليمن وغيرهم ممن توجه إليك وإلى البلدان فانظر من فرضت له ونزل بك فادرر عليه العطاء وعلى ذريته ومن نزل بك ممن لم أفرض له, فافرض له على نحو مما رأيتني فرضت لأشباهه, وخذ لنفسك مائتي دينار, فهذه فرائض أهل بدر من المهاجرين والأنصار، ولم أبلغ بهذا أحدا من نظرائك غيرك لأنك من عمال المسلمين فألحقتك بأرفع ذلك وقد علمت أن مؤنا تلزمك فوفر الخراج وخذه من حقه ثم عف عنه بعد جمعه، فإذا حصل إليك وجمعته أخرجت عطاء المسلمين وذريتهم وما تحتاج إليه مما لا بد منه, ثم انظر فيما فضل بعد ذلك فاحمله إلي، واعلم أن ما قبلك من أرض مصر ليس فيه خمس, وإنما هي أرض صلح وما فيها للمسلمين فيء تبدأ بمن أغنى عنهم في ثغورهم وأجزأ عنهم في أعمالهم، ثم تفض ما فضل بعد ذلك على من سمى الله، واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك ويعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك, فليكن مقتدى بك في سيرتك وعملك, فإنه قال تبارك وتعالى في كتابه: {واجعلنا للمتقين إماما} يريد أن يقتدى, وأن معك أهل ذمة وعهد قد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وأوصى بالقبط, فقال: استوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما، ورحمهم: أن أم إسماعيل منهم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ظلم معاهدا وكلفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة، احذر ياعمرو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لك خصما, فإنه من خاصمه خصمه, والله يا عمرو لقد ابتليت بولاية هذه الأمة, وأنست من نفسي ضعفا, وانتشرت رعيتي, ورق عظمي, فأسأل الله أن يقبضني إليه غير مفرط, والله إني لأخشى لو مات حمل بأقصى عملك ضياعا أن أسأل عنه يوم القيامة. 5896- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا الوليد بن كثير، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير, قال: لما فتح المسلمون مصر, بعث عمرو بن العاص إلى القرى التي حولها الخيل تطؤهم, فبعث عقبة بن نافع بن عبد القيس وكان أخا العاص بن وائل لأمه, فدخلت خيولهم أرض النوبة غزاة غزوا كصوائف الروم, فلقى المسلمون من النوبة قتالا شديدا, لقد لاقوهم أول يوم فرشقوهم بالنبل, حتى جرح عامتهم جراحات كثيرة, وحدق مفقوءة, فسموهم رماة الحدق, فلم يزالوا على ذلك حتى ولى عثمان بن عفان عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر، فسأله النوبة الصلح والموادعة, فأجابهم إلى ذلك, فاصطلحوا على غير جزية على هدية ثلاث مئة رأس في كل سنة, ويهدي إليهم المسلمون طعاما مثل ذلك. 5897- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا شرحبيل بن أبي عون, عن عبد الله بن هبيرة, قال: لما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية, سار في جنده يريد المغرب, حتى قدم برقة, فصالح أهلها على الجزية وهي ثلاثة عشر ألف دينار, وأن يبيعوا من أبنائهم من أحبوا في جزيتهم.
قال محمد بن عمر: وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يخبره أنه ولى عقبة بن نافع الفهري, وأنه قد بلغ زويلة, وأن ما بين برقة وزويلة سلم كلهم قد أطاع مسلمهم بالصدقة, وأقر معاهدهم بالجزية. وقد وضعت على أهل برقة صلحا صالحتهم عليه ووضعنا على زويلة وما بيننا وبين زويلة ما نراهم يطيقونه, وقد أمرت عمالي أن يأخذوا الصدقات من أغنياء المسلمين فيردوها على فقرائهم, وأن تؤخذ الجزية من أهل الذمة, فتحمل إلي, ولا يقسم فيهم منها شيء, وأمرت في أرضيهم بمثل ما أمرت به في عين أموالهم أن يؤخذ من المسلمين ربع عشور ما تجروا به, ويؤخذ من زروعهم العشور مما سقت السماء, ونصف العشر مما سقي بالغرب, ويؤخذ من أهل الذمة الصلح الذي صالحنا عليه, ومن لم يصالح وضع على أرضه ما تطيق وما يقوى عليه, فكتب إليه عمر يصوب رأيه, وكتب إليه: وإن رأيت ضعفا فخفف عنهم واحمل جزيتهم إلى بيت مال المسلمين. 5898- أخبرنا محمد بن عمر، عن شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، وغيرهما؛ أن عمرو بن العاص سار حتى نزل أطرابلس, فافتتحها وكتب إلى عمر بذلك، وأن بين أطرابلس وإفريقية تسعة أيام، ويخبره بكثرة أموالها, وأنها معادن, إنما يحثون منها حثيا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن للمسلمين في دخولها فعل. فكتب إليه عمر: إنها ليست بإفريقية, ولكنها مفرقة غادرة ومغدور بها, لا يغذوها أحد من المسلمين ما بقيت. فلم يأذن له في غزوها, فكان عمرو بن العاص يبعث الجريدة من الخيل إلى أدنى القرى بإفريقية, فيصيبون غنائم ويرجعون. 5899- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا هشام بن سعد, عن يحيى بن عبد الله بن مالك الدار؛ أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص أن يحمل طعاما من مصر حتى يرسى به إلى بولا, وكان الساحل ليقسمه على الناس على حالاتهم وعيالاتهم, وإن أهل المدينة قوم محصورون, وليست بأرض زرع, فبعث عمرو بن العاص بعشرين مركبا في البحر, وبعث في كل مركب ثلاثة آلاف إردب وأكثر وأقل, حتى انتهت إلى الجار, وهو المرفأ اليوم, وبلغ عمر رضي الله عنه قدومها, فخرج وخرج معه الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فنظر السفن, فحمد الله الذي ذلل لهم البحر حتى جرت فيه منافع المسلمين إلى المدينة. وأمر سعد الجار بقبض ذلك الطعام وأن يستوفيه, فلما قدم عمر المدينة قسم ذلك الطعام على الناس, وكتب لهم بالصكاك إلى الجار, فكانوا يخرجون ويقبضون ذلك.
5900 - أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت عمرو بن العاص يوما، وذكر عمر فترحم عليه، ثم قال: ما رأيت أحدا بعد نبي الله صلى الله عليه وسلم, وأبي بكر أخوف لله من عمر، لا يبالي على من وقع الحق على ولد، أو والد، ثم قال: والله إني لفي منزلي ضحى بمصر، إذ أتاني آت, فقال: قدم عبد الله, وعبد الرحمن ابنا عمر غازيين، فقلت للذي أخبرني: أين نزلا؟ قال: في موضع كذا وكذا، لأقصى مصر، وقد كتب إلي عمر: إياك أن يقدم عليك أحد من أهل بيتي فتحبوه بأمر لا تصنعه بغيره، فأفعل بك ما أنت أهله، فأنا لا أستطيع أن أهدي لهما ولا آتيهما في منزلهما للخوف من أبيهما، فوالله إني لعلى ما أنا عليه, إلى أن قال قائل: هذا عبد الرحمن بن عمر، وأبو سروعة على الباب يستأذنان، فقلت: يدخلان، فدخلا وهم منكسران, فقالا: أقم علينا حد الله، فإنا قد أصبنا البارحة شرابا فسكرنا، قال: فزبرتهما وطردتهما، فقال عبد الرحمن: إن لم تفعل أخبرت أبي إذا قدمت عليه، قال: فحضرني رأي, وعلمت أني إن لم أقم عليهما الحد غضب علي عمر في ذلك، وعزلني، وخالفه ما صنعت, فنحن على ما نحن عليه، إذ دخل عبد الله بن عمر، فقمت إليه, فرحبت به، وأردت أن أجلسه على صدر مجلسي, فأبى علي, وقال: إن أبي نهاني أن أدخل عليك إلا ألا أجد بدا، فإني لم أجد بدا من الدخول عليك، إن أخي لا يحلق على رؤوس الناس أبدا، فأما الضرب فاصنع ما بدا لك, قال: وكانوا يحلقون مع الحد, قال: قال: فأخرجتهما إلى صحن الدار, فضربتهما الحد، ودخل ابن عمر بأخيه عبد الرحمن إلى بيت من الدار, فحلق رأسه ورأس أبي سروعة، فوالله ما كتبت إلى عمر بحرف مما كان، حتى إذا تحينت كتابه, إذا هو يطم فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله، عمر أمير المؤمنين, إلى العاصي بن العاصي، فعجبت لك يا ابن العاصي ولجرءتك علي وخلاف عهدي، أما إني قد خالفت فيك أصحاب بدر ممن هو خير منك، واخترتك لجرأتك عني وإنفاذ عهدي، فأراك تلوثت بما قد تلوثت، فما أراني إلا عازلك فمسيء عزلك، تضرب عبد الرحمن بن عمر في بيتك, وتحلق رأسه في بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفني، إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين، ولكن قلت: هو ولد أمير المؤمنين, وقد عرفت أن لا هوادة لأحد من الناس عندي في حق يجب لله عليه، فإذا جاءك كتابي هذا, فابعث به في عباءة على قتب, حتى يعرف سوء ما صنع، فبعثت به كما قال أبوه، وأقرأت ابن عمر كتاب أبيه، وكتبت إلى عمر كتابا أعتذر فيه, وأخبره أني ضربته في صحن داري، وبالله الذي لا يحلف بأعظم منه إني لأقيم الحدود في صحن داري على الذمي والمسلم، وبعثت بالكتاب مع عبد الله بن عمر, فقال أسلم: فقدم بعبد الرحمن على أبيه, فدخل عليه وعليه الحد مرة فما عليه عباءة، ولا يستطيع المشي من مركبه, فقال: يا عبد الرحمن, فعلت وفعلت السياط، فكلمه عبد الرحمن بن عوف, فقال: يا أمير المؤمنين, قد أقيم عليه الحد مرة, فما عليه أن تقيمه ثانية، فلم يلتفت إلى هذا عمر وبرزه, فجعل عبد الرحمن يصيح: إني مريض وأنت قاتلي، فضربه الثانية الحد، وحبسه, ثم مرض فمات. 5901- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، قال: لما توفي عمر بن الخطاب وولي عثمان بن عفان كتب إلى عمرو بن العاص, فأقره على مصر, فكتب إليه عمرو يخبره بما نال المسلمون من المغرب، وأنهم بلغوا باب قابس, فأصابوا أموالا عظاما, وأنه ليس بين باب قابس وإفريقية إلا أربع ليال، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزيها المسلمين فعل، فكتب إليه عثمان: إني غير فاعل، فأضرب عمرو عن ذكرها.
5902- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن أبي عون مولى المسور (ح) قال: وحدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه (ح) قال: وحدثنا أسامة بن زيد الليثي، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: عزل عثمان بن عفان عمرو بن العاص عن خراج مصر, وأقره على الجند والصلاة، وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح الخراج، فتباغيا، فكتب عبد الله بن سعد إلى عثمان: أن عمرا قد كسر علي الخراج، وكتب عمرو بن العاص إلى عثمان أن عبد الله بن سعد قد كسر علي مكيدة الحرب، فعزل عثمان عمرو بن العاص عن الجند والصلاة, وولى ذلك عبد الله بن سعد مع الخراج، فانصرف عمرو مغضبا, فقدم المدينة, فجعل يطعن على عثمان ويعيبه. ودخل عليه يوما وعليه جبة له يمانية محشوة بقطن, فقال له عثمان: ما حشو جبتك هذه يا عمرو؟ قال: حشوها عمرو، قال: لم أرد هذا يا ابن النابغة, ما أسرع ما قمل جربان جبتك, وإنما عهدك بالعمل عام أول, أتطعن علي وتأتيني بوجه وتذهب عني بآخر، فقال عمرو: إن كثيرا مما ينقل الناس إلى ولاتهم باطل, فقال عثمان: استعملتك على ظلعك, فقال عمرو: قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب, ففارقني وهو عني راض, فخرج عمرو من عند عثمان وهو متحقن عليه, فجعل يؤلب عليه الناس ويحرضهم, فلما حصر عثمان الحصر الأول, خرج عمرو من المدينة, حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين, يقال لها: السبع, فنزل في قصر, يقال له: العجلان فلما أتاه قتل عثمان, قال: أنا أبو عبد الله إذا أحك قرحة نكأتها، يعني إني قتلته بتحريض عليه وأنا بالسبع، وقال: أتربص أياما وأنظر ما يصنع الناس, فبلغه أن عليا قد بويع له فاشتد ذلك عليه, ثم بلغه أن عائشة, وطلحة قد ساروا إلى الجمل, فقال: أستأني وأنظر ما يصنعون, فلم يشهد الجمل ولا شيئا من أمره. ثم أتاه الخبر بأن طلحة, والزبير قد قتلا, فأرتج عليه أمره, فقال له قائل: إن معاوية لا يريد أن يبايع لعلي, فلو قاربت معاوية, فقال: ارحل يا وردان, فدعا ابنيه عبد الله, ومحمدا, فقال: ما تريان؟ فقال عبد الله: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، وتوفي أبو بكر وهو عنك راض، وتوفي عمر وهو عنك راض، أرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه، فقال: حط يا وردان، وقال ابنه محمد بن عمرو: أنت ناب من أنياب العرب, فلا أرى أن يجمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت ولا ذكر. فقال: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بالذي هو خير لي في آخرتي, وأسلم لي في ديني، وأما أنت يا محمد, فأمرتني بالذي هو أنبه لي في دنياي, وأشر لي في آخرتي، وإن عليا قد بويع له، وهو يدل بسابقته، وهو غير مشركي في شيء من أمره، ارحل يا وردان، ثم خرج ومعه ابناه, حتى قدم على معاوية بن أبي سفيان، فبايعه على الطلب بدم عثمان، وكتبا بينهما كتابا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما تعاهد عليه معاوية بن أبي سفيان, وعمرو بن العاص ببيت المقدس من بعد قتل عثمان بن عفان، وحمل كل واحد منهما صاحبه الأمانة، إن بيننا عهد الله على التناصر والتخالص والتناصح في أمر الله والإسلام، ولا يخذل أحدنا صاحبه بشيء, ولا يتخذ من دونه وليجة, ولا يحول بيننا ولد ولا والد أبدا ما حيينا فيما استطعنا، فإذا فتحت مصر، فإن عمرا على أرضها وإمارته التي أمره عليها أمير المؤمنين، وبيننا التناصح والتوازر والتعاون على ما نابنا من الأمور، ومعاوية أمير على عمرو بن العاص في الناس وفي عامة الأمر, حتى يجمع الله الأمة، فإذا اجتمعت الأمة، فإنهما يدخلان في أحسن أمرها على أحسن الذي بينهما في أمر الله الذي بينهما من الشرط في هذه الصحيفة. وكتب وردان سنة ثمان وثلاثين, قال: وبلغ ذلك عليا، فقام، فخطب أهل الكوفة، فقال: أما بعد، فإنه قد بلغني أن عمرو بن العاص الأبتر بن الأبتر بايع معاوية على الطلب بدم عثمان، وحضهم عليه، فالعضد والله الشلاء عمرو ونصرته. 5903- أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا هشام بن الغاز، وإبراهيم بن موسى، عن عكرمة بن خالد، وغيرهما، قالوا: كان عمرو بن العاص يباشر القتال في القلب أيام صفين بنفسه، فلما كان يوم من تلك الأيام, اقتتل أهل العراق وأهل الشام, حتى غابت الشمس، فإذا كتيبة خشناء من خلف صفوفنا أراهم خمسمئة, فيها عمرو بن العاص، ويقبل علي في كتيبة أخرى نحو من عدد الذي مع عمرو بن العاص، فاقتتلوا ساعة من الليل حتى كثرت القتلى بينهم، ثم صاح عمرو بأصحابه: الأرض يا أهل الشام، فترجلوا, ودب بهم, وترجل أهل العراق، فنظرت إلى عمرو بن العاص يباشر القتال، وهو يقول: وصبرنا على مواطن ضنك ... وخطوب تري البياض الوليدا ويقبل رجل من أهل العراق، فخلص إلى عمرو، وضربه ضربة جرحه على العاتق، وهو يقول: أنا أبو السمراء، ويدركه عمرو, فضربه ضربة أثبته، وانحاز عمرو في أصحابه, وانحاز علي في أصحابه. 5904- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني إسماعيل بن عبد الملك، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: نظرت إلى عمرو بن العاص يوم صفين وقد وضعت له الكراسي يصف الناس بنفسه صفوفا ويقول: كقص الشارب، وهو حاسر، وأسمعه وأنا منه قريب يقول: عليكم بالشيخ الأزدي، أو الدجال, يعني هاشم بن عتبة. 5905- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني معمر بن راشد، عن الزهري, قال: اقتتل الناس بصفين قتالا شديدا, لم يكن في هذه الأمة مثله قط, حتى كره أهل الشام وأهل العراق القتال وملوه من طول تباذلهم السيف، فقال عمرو بن العاص، وهو يومئذ على القتال لمعاوية: هل أنت مطيعي, فتأمر رجالا بنشر المصاحف، ثم يقولون: يا أهل العراق, ندعوكم إلى القرآن وإلى ما في فاتحته إلى خاتمته, فإنك إن تفعل ذلك يختلف أهل العراق، ولا يزيد ذلك أمر أهل الشام إلا استجماعا، فأطاعه معاوية ففعل, وأمر عمرو رجالا من أهل الشام، فقرئ المصحف، ثم نادى: يا أهل العراق, ندعوكم إلى القرآن، فاختلف أهل العراق، فقالت طائفة: أولسنا على كتاب الله وبيعتنا؟ وقال آخرون كرهوا القتال: أجبنا إلى كتاب الله، فلما رأى علي وهنهم وكراهتهم للقتال, قارب معاوية فيما يدعوه إليه, واختلف بينهم الرسل، فقال علي: قد قبلنا كتاب الله, فمن يحكم بكتاب الله بيننا وبينك؟ قال: نأخذ رجلا منا نختاره, وتأخذ منكم رجلا تختاره، فاختار معاوية عمرو بن العاص، واختار علي أبا موسى الأشعري. 5906- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن مجالد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر, أن عليا بعث أبا موسى الأشعري ومعه أربعمئة رجل, عليهم شريح بن هانئ, ومعهم عبد الله بن عباس يصلي بهم، ويلي أمرهم، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمئة من أهل الشام, حتى توافوا بدومة الجندل.
5907- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عمرو بن الحكم, قال: لما التقى الناس بدومة الجندل, قال ابن عباس للأشعري: احذر عمرا، فإنما يريد أن يقدمك، ويقول: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسن مني، فكن متدبرا لكلامه، فكانا إذا التقيا يقول عمرو: إنك صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي, وأنت أسن مني فتكلم، ثم أتكلم, وإنما يريد عمرو أن يقدم أبا موسى في الكلام ليخلع عليا، فاجتمعا على أمرهما، فأداره عمرو على معاوية، فأبى، وقال أبو موسى: عبد الله بن عمر، فقال عمرو: أخبرني عن رأيك، فقال أبو موسى: أرى أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين، فيختارون لأنفسهم من أحبوا. قال عمرو: الرأي ما رأيت، فأقبلا على الناس وهم مجتمعون، فقال له عمرو: يا أبا موسى, أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع، فتكلم أبو موسى، فقال أبو موسى: إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح به أمر هذه الأمة، فقال عمرو: صدق وبر, ونعم الناظر للإسلام وأهله، فتكلم يا أبا موسى، فأتاه ابن عباس، فخلا به، فقال: أنت في خدعة, ألم أقل لك: لا تبدأه، وتعقبه؟ فإني أخشى أن يكون أعطاك أمرا خاليا، ثم ينزع عنه على ملإ من الناس واجتماعهم، فقال الأشعري: لا تخش ذلك، قد اجتمعنا واصطلحنا. فقام أبو موسى، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس, قد نظرنا في أمر هذه الأمة, فلم نر شيئا هو أصلح لأمرها, ولا ألم لشعثها من أن لا نبتز أمورها ولا نعصبها حتى يكون ذلك عن رضى منها وتشاور، وقد اجتمعت أنا وصاحبي على أمر واحد على خلع علي, ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر، فيكون شورى بينهم, يولون منهم من أحبوا عليهم, وإني قد خلعت عليا, ومعاوية، فولوا أمركم من رأيتم، ثم تنحى. فأقبل عمرو بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا قد قال ما قد سمعتم، وخلع صاحبه, وإني أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي ابن عفان، والطالب بدمه, وأحق الناس بمقامه. فقال سعد بن أبي وقاص: ويحك يا أبا موسى, ما أضعفك عن عمرو ومكائده، فقال أبو موسى: فما أصنع جامعني على أمر, ثم نزع عنه، فقال ابن عباس: لا ذنب لك يا أبا موسى، الذنب لغيرك, للذي قدمك في هذا المقام، فقال أبو موسى: رحمك الله, غدرني فما أصنع؟ وقال أبو موسى لعمرو: إنما مثلك كالكلب, إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال له عمرو: إنما مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا، فقال ابن عمر: إلام صيرت هذه الأمة، إلى رجل لا يبالي ما صنع, وآخر ضعيف؟ وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لو مات الأشعري من قبل هذا كان خيرا له. 5908 - أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري, قال: كان عمرو يقول لمعاوية حين خرجت الخوارج على علي: كيف رأيت تدبيري لك حيث ضاقت نفسك مستهزما على فرسك الورد تستبطئه، فأشرت عليك أن تدعوهم إلى كتاب الله, وعرفت أن أهل العراق أهل شبه, وأنهم يختلفون عليه فقد اشتغل عنك علي بهم، وهم آخر هذا قاتلوه, ليس جند أوهن كيدا منهم.
5909- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني مفضل بن فضالة، عن يزيد بن أبي حبيب, قال: وحدثني عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون، قالا: لما صار الأمر في يدي معاوية, استكثر طعمة مصر لعمرو ما عاش, ورأى عمرو أن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره وعنائه وسعيه فيه، وظن أن معاوية سيزيده الشام مع مصر، فلم يفعل معاوية، فتنكر عمرو لمعاوية، فاختلفا، وتغالظا، وتميز الناس، وظنوا أنه لا يجتمع أمرهما، فدخل بينهما معاوية بن حديج، فأصلح أمرهما، وكتب بينهما كتابا، وشرط فيه شروطا لمعاوية, وعمرو خاصة، وللناس عامة, وأن لعمرو ولاية مصر سبع سنين, وعلى أن على عمرو السمع والطاعة لمعاوية، وتواثقا وتعاهدا على ذلك، وأشهدا عليهما به شهودا، ثم مضى عمرو بن العاص على مصر واليا عليها, وذلك في آخر سنة تسع وثلاثين, فوالله ما مكث بها إلا سنتين أو ثلاثا حتى مات. 5910- أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم الشيباني النبيل, قال: حدثنا حيوة بن شريح, قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري, قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فحول وجهه إلى الحائط يبكي طويلا، وابنه يقول له: ما يبكيك، أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أما بشرك بكذا؟ قال: وهو في ذلك يبكي ووجهه إلى الحائط, قال: ثم أقبل بوجهه إلينا، فقال: إن أفضل مما تعد علي شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني قد كنت على أطباق ثلاث, قد رأيتني ما من الناس من أحد أبغض إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا أحب إلي من أن أستمكن منه فأقتله، فلو مت على تلك الطبقة لكنت من أهل النار، ثم جعل الله الإسلام في قلبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه، فقلت: ابسط يمينك أبايعك يا رسول الله، قال: فبسط يده، ثم إني قبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ قال: فقلت: أردت أن أشترط، فقال: تشترط ماذا؟ فقلت: أشترط أن يغفر لي، فقال: أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله، فقد رأيتني ما من الناس أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا أجل في عيني منه، ولو سئلت أن أنعته ما أطقت, لأني لم أكن أطيق أن أملأ عيني, إجلالا له، فلو مت على تلك الطبقة رجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء بعد, فلست أدري ما أنا فيها أو ما حالي فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني، فسنوا علي التراب سنا، فإذا فرغتم من قبري، فامكثوا عند قبري قدر ما ينحر جزور، ويقسم لحمها, فإني أستأنس بكم حتى أعلم ماذا أراجع به رسل ربي. 5911- أخبرنا روح بن عبادة, قال: حدثنا عوف، عن الحسن, قال: بلغني أن عمرو بن العاص لما كان عند الموت دعا حرسه، فقال: أي صاحب كنت لكم؟ قالوا: كنت لنا صاحب صدق تكرمنا وتعطينا وتفعل وتفعل، قال: فإني إنما كنت أفعل ذلك لتمنعوني من الموت، وإن الموت ها هو ذا قد نزل بي، فأغنوه عني، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: والله ما كنا نحسبك تكلم بالعوراء يا أبا عبد الله، قد علمت أنا لا نغني عنك من الموت شيئا، فقال: أما والله لقد قلتها، وإني لأعلم أنكم لا تغنون عني من الموت شيئا, ولكن والله لأن أكون لم أتخذ منكم رجلا قط يمنعني من الموت أحب إلى من كذا وكذا، فيا ويح ابن أبي طالب إذ يقول: حرس امرءا أجله، ثم قال عمرو: اللهم لا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، وإلا تدركني برحمة أكن من الهالكين.
5912- أخبرنا عبيد الله بن أبي موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد الله بن المختار، عن معاوية بن قرة المزني, قال: حدثني أبو حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن عمرو أنه حدثه أن أباه أوصاه قال: يا بني إذا مت فاغسلني غسلة بالماء، ثم جففني في ثوب، ثم اغسلني الثانية بماء قراح ثم جففني في ثوب، ثم اغسلني الثالثة بماء فيه شيء من كافور، ثم جففني في ثوب، ثم إذا ألبستني الثياب فأزر علي، فإني مخاصم، ثم إذا أنت حملتني على السرير، فامش بي مشيا بين المشيتين وكن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة وخلفها لبني آدم، فإذا أنت وضعتني في القبر, فسن علي التراب سنا، ثم قال: اللهم إنك أمرتنا فركبنا ونهيتنا فأضعنا فلا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله. ما زال يقولها حتى مات. 5913- أخبرنا علي بن محمد القرشي، عن علي بن حماد، وغيره قال: قال معاوية بن حديج: عدت عمرو بن العاص وقد ثقل، فقلت: كيف تجدك؟ قال: أذوب ولا أثوب، وأجد نجوي أكثر من رزئي, فما بقاء الكبير على هذا. 5914- أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن عوانة بن الحكم, قال: كان عمرو بن العاص يقول: عجبا لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه، فلما نزل به, قال له ابنه عبد الله بن عمرو: يا أبت, إنك كنت تقول عجبا لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه، فصف لنا الموت وعقلك معك، فقال: يا بني, الموت أجل من أن يوصف، ولكني سأصف لك منه شيئا: أجدني كأن على عنقي جبال رضوى، وأجدني كأن في جوفي شوك السلاء، وأجدني كأن نفسي يخرج من ثقب إبرة. 5915- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثنا عبد الله بن أبي يحيى، عن عمرو بن شعيب, قال: توفي عمرو بن العاص يوم الفطر بمصر, سنة اثنتين وأربعين، وهو وال عليها. قال محمد بن عمر: وسمعت من يذكر أنه توفي سنة ثلاث وأربعين. قال محمد بن سعد: وسمعت بعض أهل العلم يقول: توفي عمرو بن العاص سنة إحدى وخمسين. 5916- أخبرنا الفضل بن دكين, قال: حدثنا زهير، عن ليث، عن مجاهد, قال: أعتق عمرو بن العاص كل مملوك له. 5917- أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي, قال: حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عمن أدرك ذلك؛ أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص: انظر من كان قبلك ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فأتم له مئتي دينار، وأتم لنفسك بإمارتك مئتي دينار، ولخارجة بن حذافة لشجاعته، ولقيس بن أبي العاص لضيافته. 5918 - أخبرنا محمد بن سليم العبدري , قال: حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن حيان بن أبي جبلة, قال: قيل لعمرو بن العاص: ما المروءة؟ فقال: يصلح الرجل ماله, ويحسن إلى إخوانه. 732- عبد الله بن عمرو بن العاص ابن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم. وأمه ريطة بنت منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم. وكان لعبد الله بن عمرو من الولد: محمد, وبه كان يكنى. وأمه بنت محمية بن جزء الزبيدي، وهشام، وهاشم، وعمران. وأم إياس، وأم عبد الله، وأم سعيد، وأمهم أم هاشم الكندية من بني وهب بن الحارث. قال: وأخبرنا محمد بن عمر, قال: أسلم عبد الله بن عمرو قبل أبيه. 5919- أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن عمرو, قال: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة ما سمعته منه, قال: فأذن لي، فكتبته، فكان عبد الله يسمي صحيفته تلك: الصادقة. 5920- أخبرنا معن بن عيسى, قال: حدثنا إسحاق بن يحيى، عن مجاهد, قال: رأيت عند عبد الله بن عمرو صحيفة، فسألته عنها، فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بيني وبينه فيها أحد.
5921- أخبرنا سعيد بن محمد الثقفي، عن إسماعيل بن رافع، عن خالد بن يزيد الإسكندراني, قال: بلغني أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: يا رسول الله, إني أسمع منك أحاديث أحب أن أعيها فأستعين بيدي مع قلبي, يعني أكتبها, قال: نعم. 5922- أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي, قال: حدثنا مسعر بن كدام، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص, قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أنبأ أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قال: قلت: إني أقوى، قال: فإنك إذا فعلت ذلك, هجمت العين, وتنفه النفس، صم من كل شهر ثلاثة أيام, فذلك صوم الدهر, أو كصوم الدهر، قال: قلت: إني أجد قوة، قال: فصم صوم داود, كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى. 5923- أخبرنا عفان بن مسلم, قال: حدثنا سليم بن حيان ، قال: حدثنا سعيد بن مينا، سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبد الله بن عمرو, بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل، فلا تفعل، فإن لجسدك عليك حظا، وإن لزوجك عليك حظا، وإن لعينيك عليك حظا، صم وأفطر، صم من كل شهر ثلاثة، فذلك صوم الدهر, قال: قلت: يا رسول الله, إني أجد بي قوة، قال: صم صوم داود، صم يوما وأفطر يوما، قال: فكان عبد الله يقول: فياليتني أخذت بالرخصة. 5924- أخبرنا محمد بن مصعب القرقساني, قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قال: قلت: يا رسول الله, بلى، قال: فقال: صم وأفطر, وصل ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، قال: فشددت, فشدد علي، فقلت: يا رسول الله, إني أجد قوة، قال: فصم من كل جمعة ثلاثة أيام، فقال: فشددت, فشدد علي، فقلت: يا رسول الله, فإني أجد قوة، قال: فقال: فصم صيام نبي الله داود, لا تزد عليه، قال: قلت: يا رسول الله، وما كان صيام داود عليه السلام؟ قال: كان يصوم يوما ويفطر يوما. 5925- أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب, وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أخبراه، أن عبد الله بن عمرو بن العاص, قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: لأصومن الدهر، ولأقومن الليل، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت الذي تقول: لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت؟ قال: قد قلت ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لا تستطيع ذلك, فأفطر وصم, ونم وقم, وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، قال: قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صم يوما، وأفطر يومين، قال: إني أطيق أفضل من ذلك, قال: صم يوما وأفطر يوما، كذلك صام داود، وهو أعدل الصيام، قال: قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال: لا أفضل من ذلك. 5926- أخبرنا عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي, من باهلة, قال: حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار, قال: قال عبد الله بن عمرو لما أسن: ليتني كنت أخذت برخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: وكان من تلك الأيام يوم من أيام التشريق، فدعاه عمرو، فقال: هلم إلى الغذاء، قال: إني صائم، قال: ليس لك ذلك لأنها أيام أكل وشرب، قال: وسأله كيف تقرأ القرآن؟ قال: أقرأه كل ليلة، قال: أفلا تقرأه في كل عشر؟ قال: أنا أقوى من ذلك، قال: فاقرأه في كل ست.