Qur'an&Sunnah

Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri)

Section V01/P005

بسم الله الرحمن الرحيم (مقدمة المصنف) قال الإمام أبو عبد الله، محمد بن علي بن الحسن بن بشر، الحكيم الترمذي، رحمه الله: الحمد لله، رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وعلى آله أجمعين. أما بعد: فإنك ذكرت البحث في ما خاض فيه طائفة من الناس في شأن الولاية؛ وسألت عن شأن الأولياء ومنازلهم وما يلزم من قبولهم. وهل يعرف الولي نفسه أم لا؟ وذكرت أن ناسا يقولون: أن الولاية مجهولة عند أهلها. ومن حسب نفسه وليا وهو بعيد عنها. فاعلم أن هؤلاء الذين يخوضون في هذا الأمر، ليسوا من هذا الأمر في شيء. إنما هم قوم يعتبرون شأن الولاية من طريق العلم، ويتكلمون بالمقاييس وبالتوهم من تلقاء أنفسهم؛ وليسوا بأهل خصوص من ربهم؛ ولم يبلغوا منازل الولاية ولا عرفوا صنع الله. إنما كلامهم في الصدق، ومعيارهم في الأمور الصدق. فإذا صاروا إلى المنن انقطع كلامهم، وعجزوا عن معرفة صنع الله بالعبد. لأنهم عجزوا عن معرفته، ومن عجز عن معرفة الله تعالى كان عن معرفة صنايعه أعجز. فلذلك يصير كلامه جزافا في العاقبة. الفصل الأول ولي حق الله والأولياء عندنا على صنفين: صنف أولياء حق الله، وصنف أولياء الله. وكلاهما يحسبان أنهما أولياء الله. فأما ولي حق الله فرجل أفاق من سكرته. فتاب إلى الله تعالى، وعزم على الوفاء لله تعالى بتلك التوبة. فنظر إلى ما يراد له في القيام بهذا الوفاء فإذا هي حراسة هذه الجوارح السبع: لسانه وسمعه وبصره ويده ورجله وبطنه وفرجه. فصرفها من باله، وجمع فكرته وهمته في هذه الحراسة، ولها عن كل شيء سواها، حتى استقام. فهو رجل مؤدي الفرائض حافظ للحدود، لا يشتغل بشيء غير ذلك. يحرس هذه الجوارح حتى لا ينقطع الوفاء لله تعالى بما عزم عليه. فسكنت نفسه، وهدأت جوارحه. فنظر إلى حاله، فإذا هو على خطر عظيم: لأنه وجد نفسه بمنزلة شجرة قطعت أغصانها والشجرة باقية بحالها. فما يؤمنه أن يغفل عنها قليلا فإذا الشجرة قد بدت لها أغصان كما كان بديا، فكلما قطعها خرج مكانها مثلها. فقصد الشجرة ليقطعها من أصلها، ليأمن من خروج أغصانها، فقطعها. فظن أنه قد كفى مؤنتها، فإذا أصلها قد بدت منه أغصان؟ فعرف أنه لا يخلص من شرها دون أن يقلعها من أصلها. فإذا قلعها من أصلها استراح. فلما نظر هذا العبد إلى جوارحه قد هدأت، التفت إلى باطنه؛ فإذا نفسه محشوة بشهوات هذه الجوارح. فقال: إنما هي شهوة واحدة، أبيح لي منها بعضها وحظر على بعضها: فأنا في خطر عظيم! أحتاج أن أحرس بصري حتى لا ينظر إلا المباح: فإذا بلغ المحظور عليه غمض وأعرض وكذلك اللسان وجميع الجوارح. فإذا غفلت ساعة عن الحراسة، رمتني في أودية المهالك. فلما وقع في هذا الخوف، ضيقت عليه المخافة جميع الأمور، وحجزته عن الخلق، وأعجزته عن القيام بكثير من أمور الله، عز وجل. وصار ممن يهرب من كل أمر، عجزا منه وخوفا على جوارحه من نفسه الشهوانية. فقال في نفسه: قد اشتغل قلبي بحراسة نفسي في جميع عمري، فمتى أقدر أن أفكر في منن الله وصنائعه؟ ومتى يطهر قلبي من هذه الأدناس؟ فإن أهل اليقين يصفون من قلوبهم أمورا، أنا خلو منها! فقصد ليطهر الباطن، بعدما استقام له تطهير الظاهر. فعزم على رفض كل شهوة في نفسه لهذه الجوارح السبع، مما أطلق أو حظر عليه. وقال: إنما هي شهوة واحدة، تطلق لي في مكان وتحظر علي في مكان. فلا خلاص منها، حتى أميتها من نفسي وحسب إن رفضها إماتتها! فعلم الله صدق الرفض من عبده وماذا يريد. فافترقت الإرادة ههنا. فمنهم من صدق الله في رفضه ليطهر مناه، ويلقاه بصدقه وطهارته لينال ما وعد الصادقين من ثواب جهدهم. ومنهم من صدق الله في رفضه ليلقاه بخالص العبودية غدا، فتقر عينه بلقائه. ففتح لهذا الطريق إليه، وترك الآخر على جهده، واقتضائه ثواب الصدق يوم لقائه.

Section V01/P005–V01/P007

فأما الذي فتح له الطريق إليه، فهذا الذي ذكره في تنزيله {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فلم فتح له الطريق إليه أشرق النور في صدره، فأصاب روح الطريق، فوجد قوة على رفض الشهوات، فازداد رفضا وهجرانا. فزيد له في الروح، لأنه كلما رفض شيئا نال من ربه عطاء من روح القربة؛ فازداد قوة. فقوي على الرفض، حتى مهر في الطريق، وحذق بصرا بالسير إلى الله تعالى. فعلم أنه إذا رفض شهوة الأكل، ينبغي له أن يرفض شهوة اللباس؛ فإذا رفضها، ينبغي له أن يرفض شهوة الشراب، فإذا رفض هذه الأشياء، رفض شهوة السمع والبصر واللسان واليد والرجل. فلا ينطق إلا بما لا بد منه، ولا يسمع إلا إلى ما لا بد منه، ولا ينظر إلا إلى ما لا بد منه، ولا يمشي إلا إلى ما لا بد منه. فيلزم العزلة حسما لهذه الأبواب، وإماتة لهذه الشهوات. فازداد قربا وانشرح صدره. والخطر العظيم ههنا! (والسالكون) بين معصوم ومخذول. وذلك أن من زلت قدمه في هذا الطريق، فمن ههنا زلت، ومن ههنا خذل. فاحذرك هذا الباب! قال له قائل: وكيف ذلك؟ قال: من أجل أنه لما عمت أنوار العطاء في قلبه، واتسع قلبه وانشرح صدره فرحت نفسه بخروجها من تلك المضايق إلى فسحة التوحيد. فترك العزلة لهذه الجوارح، وأخذ ينطق بما فتح الله له من شأن هذا الطريق، ومما تراءى له من الحكم والفوائد وعلم الطريق. وخالط الناس على ذلك. فأكرم وبجل. فقبل إكرامهم وتبجيلهم. ثم أعطى على ذلك فقبل نوالهم. خدعته نفسه فانخدع لها. وموهت عليه فقبل تمويهها. وانبعثت عليه الدنيا عفوا لا صفوا! فوثب هذا الأسد المتماوت وثبة من حينه فركب عنقه. وذلك (أنه) لما أصاب تلك اللذات، التي كانت زالت بالفطام عنها، استيقظ. فصارت (نفسه) بمنزلة السمكة، التي انفلتت من الشبكة: فهي أشد غوصا واضطرابا لا تأمن على نفسها أن تؤخذ. فصارت النفس كذلك منفلتة من شبكة صاحبها، فهي أشد وأصعب من أن يظفر بها. فاحذر هذا الباب! فإني رأيت وعاينت كل من أفسد طريقه، وأدبر ناكصا على عقبيه، فمن ههنا سقط وزلت قدمه. فلم يزالوا في ذل وصغار، قد نفتهم قلوب الصادقين، ومقتهم جمهور العلماء. وذلك أنهم هراب متصنعون، لا هم يتوبون من هذا الأمر ويتطهرون ويصحون ويستقيمون في سيرهم؛ ولا تسمح نفوسهم بأن يصيروا إلى أعمال الأركان، لأن فيه مشقة وضيقا، وقد كانوا أصابوا الروح والسعة. فلا قلوبهم مشغولة بحق الله، ولا أبدانهم مشغولة بعبادة الله. وقد عطلوا الأركان عن العبادة، وعطلوا القلوب عن السير إلى الله عز وجل، وقطع مسافة المنازل. فصاروا ضحكة الشيطان، وبرم القلوب، وثقلا على الفؤاد. يسيحون في البلدان، يخدعون الضعفاء والجهال والنساء عن دنياهم. ويأكلون بما يبدون من الزهد، والسمت الحسن، وكلام الرجال. تراهم الشهر والدهر في الاحتيال والاصطياد. ويجرون المنافع بالرقى، ويباشرون الأعمال على المنى، ويتخيرونها على العمى! فالكيس أدركه التوفيق من ربه. فثبت ههنا عندما جاشت الحكم في صدره، وراودته نفسه على مخالطة الخلق؛ تزعم له بخداعها أنه قد أصاب من القوة ما يباشر هذه الأمور. فيرجع بعقله عليها، فيقول: كيف آمنك على أمور، وأنت معروفة بالخيانة، ومعك آلة الخيانة، التي تدعى شهواتك؟ ويعزم على إلا يقضى شهواتها ومنيتها. فأيده الله تعالى، وثبت ركنه. وعزم على تجنب هذه الشهوات كلها، ما ظهر منها وما بطن. حتى إذا مر في عزمه، فاستفرغه وبلغ الغاية من ذلك (و) ظن أنه قد أماتها، فإذا هي بمكانها! وذلك أنه بلغ الغاية في روض شهوات الدنيا، وبقيت لذة الطاعات والنفس حية بمكانها. فمن ههنا زلت أقدام طائفة منهم. فقالوا في أنفسهم. أنقعد فراغا هكذا، نبطل أعمالنا في القعود معطلين؟ بل ننغمس في أعمال البر، فكل ما زدنا منه، ازددنا به قربة إلى الله تعالى. فيقال لهم: هذا (هو) الداء الدفين فيكم، وأنتم به جاهلون! متى وجدت نفسك لذة الطاعات وحلاوتها فأجبتها صرت مفتونا بها. فتأمل هذا المكان، فإن فيه مسرحا من مسارح النفس ومصيدة من مصايد الشيطان. وأعوذ بالله ممن يصير مفتونا بالطاعة!

Section V01/P007–V01/P009

أما بلغك الخبر، عن جريج الراهب، حيث نادته أمه وهو في الصلاة، فآثر الصلاة على إجابة أمه - فلقي ما لقي من البلاء؟ وهكذا تكون فتنة الطاعة. وهل تكون الفتنة إلا من وجود النفس لذة الشيء؟ فكيف يطمح قلبك أن يصل إلى الله تعالى، مع شهوة النفس؟ فإن شهوة النفس هي الدنيا! إن هذا لحمق! والجهل قد يبلغ بصاحبه منازل الحمقى. ويقال لمثل هذا المفتون، بمثل هذا القول: متى تتخلص من لحظات نفسك إلى جهدك، وأعمال برك، حتى لا تكون معتمدا عليه؟ والمعتمد على عمله متى يفلح؟ وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم ، يقول: ((إنه ليس أحد منكم ينجيه عمله. قالوا: ولا أنت، يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)). قال له قائل: فماذا يصنع إن لم يعمل نفسه في الطاعات؟ قال: يؤدي الفرائض، ويحفظ الحدود. فليس في هذا الشغل، أن قام به، ما يعجزه عن سائر الأشياء. وأي عبودة أشرف من هذا؟ وهل ألزم الله العباد إلا بهذا؟ قال له قائل: فهل يضره إن هو اشتغل بهذه الطاعات؟ قال: وأي ضرر بأكثر من سائر إلى الله تعالى، وقف على بعض عبيده، أو على شيء من خلقه، يلتذ به؟ أليس هذا مما يقف به عن السير؟ أرأيت لو أن أمير المؤمنين دعا بعض قواده ليقربه ويخلع عليه ويحبوه؟ فسار إليه هذا القائد؛ فلما بلغ بعض الطريق، عمد إلى موضع منزه، حلى لصدره لنزاهته، فأخذ يبني له هناك قصرا. هل يقع ذلك من أمير المؤمنين؟ واحتج (القائد) بأن قال: أبني هذا القصر، لأ تقرب به إليه. أليس هذا، عند أهل العقل، من الحمق؟ وما خطر هذا القصر، عند أمير المؤمنين؟ وأين هذا من ملكه إنما دعاك ليقربك، ويظهر مكنون ما عنده لك. فما اشتغالك بهذا؟ قال (القائد): لأزداد عنده قربة! فسمع أمير المؤمنين بذلك، فازدرى عقله، وقال: أحسب هذا إنما دعوته لأقربه بما سلف منه إلي؟ فوجد عليه من ذلك، وقال: اكتساب الجاه عندي أن تسير إلي عندما بلغتك دعوتي؛ فتنال محل القربة؛ لا باشتغالك ببناء القصر لي. فإذا كانت هذه المعاملة، فيما بين العبيد، في الدنيا هكذا - فكيف بمعاملتك مع رب العزة على هذا السبيل. الفصل الثاني (دعوة الحق وإجابة العبد) إن الله تعالى دعا العباد، فقال: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} فأجابته طائفة بأن آمنوا به، وخلطوا في عمل الأركان. فقيل لهم: لكم، بما أجبتم، حياة القلوب توحيدا. ثم تقدمت طائفة أخرى، أمام هذه الطائفة؟ فأخلصوا العمل لله، وتطهروا من التخليط فقيل لهم: لكم، بما أجبتم، حياة الأركان طاعة وتسليما. ثم تقدمت طائفة أمامها؛ فأخلصوا القلوب، وتطهروا من شهوات النفوس وأعمال الهوى. فقيل لهم: لكم، بما أجبتم، حياة النفوس الشهوانية انقيادا لما يأتي به القلب، ويرد عليه من اليقين. ثم تقدمت طائفة أخرى أمامها، تتقرب إليه. فقيل له: لكم، بما أجبتم، حياة القلوب والنفوس جميعا! فهذه أربع طبقات. كل طبقة إنما تعطي من هذه الحياة، التي وعد الله بها، على قدر استجابتها لدعوته. فإن موت القلوب من شهوة النفس. فكلما رفض شهوة نال من الحياة بقسطه. فيقال لهذا السائر إلى الله، عز وجل: إنك لن تنال الوصول إليه، ومعك مشيئة لنفسك. الوصول إليه من أعظم المشيئات! فأنت باق حتى ترفض هذا كله. وإنما تباينت أحوال الأولياء، وبعد البون هذا من أجل مشيئة الوصول إليه، والنظر إلى جهدهم. وسأبين ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى! فالطبقة الأولى سارت قليلا. فلما وجدت روح القربة ظنت أنها قد أصابت القوة كلها؛ فتبحبحت في شهوات النفس: من الضيافات واتخاذ الأخوان وبقبقة الكلام خاليا مما يأتي به. حتى استولت على رياسة، في قرية أو ناحية من النواحي؛ أو على طائفة من هؤلاء الزمنى، بين جهال وفتيان ونساء. فاستطابت طمح تلك الأبصار إليها، وتعظيمهم لها، وبرهم بها. فهذه ثمرة سيرها: ظاهرها تخليط، وباطنها مزبلة. فهؤلاء قتلى هذا الطريق.

Section V01/P009–V01/P010

الطبقة الثانية سارت قليلا. ثم عرجت على الطاعات تلتذ بها حتى أدتها إلى العبادة الظاهرة. فبقيت وفي نفسها مكامن الفتن كالسيل والليل؛ مثل التعظيم لأمرها، والإعجاب بنفسها، والكبر والتيه والنخوة والتصنع والمداهنة والطمأنينة إلى قبول الناس لها، ورضاهم بمذهبها. فأذنها مصغية إلى ثناء الناس عليها، والفرح بمدحهم لها. وخوف سقوط منزلتها عندهم لازم لقلبها. تتراءى لهذا، وتعتذر وتتملق لهذا. عامة أمرها على الختل والمخادعة، تبقيا على أحوالها، التي هي نزهة نفسها. فإن ذكرت الآخرة وشدائدها، ذكرت أعمالها التي تعمل أركانها جهدا، فطابت نفسها. وهل تطيب نفسها إلا من ركونها إليه؟ متى عرفت هذه ربها، حتى تطمئن إلى أعمال خرجت من أركان دنسة وقلب كدر وإيمان سقيم؟ والكيس فتح له الطريق. فسار إلى الله تعالى، لا يعرج يمينا ولا شمالا. فعف عن شهوات المعاصي، ثم عف عن شهوات الحلال، كما عف عن شهوات الحرام. ثم عف عن شهوات الطاعات، وتخير الأحوال كما عف عن الحرام. ثم عف عن كل مشيئة خطرت بباله، كما عف عن هذه الأشياء. يقول في نفسه: إن حجابي، بيني وبين ربي، نفسي، فما دامت معي مشيئة فنفسي قائمة بين يدي، تحجبني عن ربي. فهذا عبد مسدد موفق! فما زالت به أمواج المجاهدة، ترفعه وتحفظه. فكلما وجد من عمل لذة فارقه وتحول إلى غيره، حتى مل وأجهد. فرفض العمل كله، وقعد حارسا لقلبه من لصوصية هذه النفس. فقال له قائل: وكيف يحرسه؟ وما لصوصية النفس. قال: إن الصدر ساحة النفس والقلب. فللقلب في هذه الساحة باب، وللنفس باب. فإذا دخل العطاء من الله في الصدر فإنما هو للقلب. وثارت النفس لتأخذ نصيبا من حلاوة العطاء، فإن أخذت بغلبتها نصيبها لم يقدر الحارس على منعها. فإذا أرادت أن تعمل أعمال البر، بما أصابت من العطاء، منعهما من العمل. فهذا موضع الزلل. فالجاهل بهذا الطريق لما أصابت النفس حلاوة العطاء، استقرت بصاحبها، فدعته إلى عمل الأركان، وهي خائنة لما فيها من الشهوات. فإن تركها صاحبها وما استقرت به أفسدت نصيبها من العطاء له بشهواتها. فهذا الحارس لهذا الطريق، بغاية الشغل فكيف يصل إلى عمل الأركان؟ أليس عمل الأركان، على ما وصفناه، بطالة؟ فلا تعبأن بهؤلاء البطالين، ولا يغرنك تماوتهم وسمتهم، فإن عامتهم هراب، وعبيد أباق! فما زال ذلك دأب هذا الصادق، في سيره إلى الله تعالى. يمنع نفسه لذة الحلال، ولذة الطاعات، ولذة العطاء. ومع ذلك، يجاهد نفسه في تصفية الأخلاق الدنيئة: مثل الشح والرغبة والمذمة والجفوة والحقد، وأشباه ذلك. فإن الشح والرغبة والحقد والجفوة من قدر النفس. وهو دائب في هذا السير. فأي عبادة تفوق هذا؟ حتى إذا استفرغ مجهوده من الصدق، ولم يبق للحق قبله اقتضاء، التفت إلى نفسه فوجدها كما كانت بديا، فيها تلك الهنات موجودة. قال له قائل: وما تلك الهنات؟ قال: الفرح بالأحوال عند الخلق، والطلب للمنازل العلية عند الله. ومع هذا الفرح بالأحوال يطلب عندهم المنازل في مكامن نفسه، ركونا إلى الحياة وتنسما لروحها، ولقاء الأخوان، والبطر في المواضع التي هي مطمأن النفس من بقاع الأرض. بمنزلة سمكة يريد صاحبها أن يميتها، فيلقيها على التراب، فهي تضطرب فيه، قد أزف منها الموت. ثم يشفق عليها صاحبها، فيغطها في الماء غطا ثم يرمي بها إلى اليبس. ثم لما أزف منها الموت، رش عليها الماء فأحياها: فهذا لعب من صاحبها بها! فلما استفرغ هذا الصادق مجهوده من الصدق في سيره، على ما وصفت، ووجد نفسه حية معها هذه الصفات تحير وانقطع صدقه. وقال: كيف لي أن أخرج من نفسي حلاوة هذه الأشياء؟ فعلم أنه لا يقدر على ذلك، كما لا يقدر أن يبيض الشعرة السوداء.

Section V01/P010–V01/P012

وقال: إن هذه نفسي قد أوثقتها بالصدق مني إلى الله؛ فكيف لي إن حللت وثاقها فأبقت وهربت، متى ألحقها؟ فوقع في مفازة الحيرة. فاستوحش، وبقي وحيدا في تلك المفازة. لأنه قد ذهب أنس النفس ولم ينل أنس الخالق. فحينئذ صار مضطرا، لا يدري أيقبل أم يدبر؟ فصرخ إلى الله، يائسا من صدقه، صفر اليدين، خالي القلب من كل جهد. وقال في نجواه: قد تعلم، يا عالم الغيوب والخفيات، إنه لم يبق لعلمي بالصدق، موضع قدم أتخطى به؛ ولا لي مقدرة على محو هذه الشهوات الدنسة من نفسي وقلبي فأغثني! فأدركته الرحمة، فرحم. فطير بقلبه، من مكانه الذي انقطع فيه، في لحظة؛ فوقف به في محل القربة عند ذي العرش. فوجد روح القربة ونسيمها وتبحبح في فضائها، وفي ساحات توحيده. وذلك قوله عز وجل: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض}. ينبؤك في هذه الآية، أن وله قلبك إلى صدق نفسك وجهدك يكشف السوء عنك، ولا يجيبك إلى ما دعوته حتى تخلص دعوتك ووله قلبك إلى الله تعالى، الذي أوله القلوب، وحتى تكون مضطرا إليه. فالمضطر (هو) الذي انقطع زاده وحمولته، وبقي متحيرا في المفازة لا يهتدي إلى الطريق. فهو محروم مغاث. ألا ترى أن الله تعالى أحل للمضطر، في مفازة الأرض، الميتة رحمة له وغياثا؟ فالمضطر في مفاوز السير إليه أحق بالرحمة والغياث! وقال: عز اسمه! في تنزليه {وجاهدوا في الله حق جهاده} فحقيقة الجهاد ألا يبقى للصدق موضع قدم يتخطى إليه. ثم قال: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} والسبل هي الطرق. يعلمهم أن للأولياء طرقا، فيها تفاوت على أقدار نفوسهم ووقائها واحتمالها لما يرد من العطاء. وإنما هداهم لسبله بصدق المجاهدة. والهدى أن يميل بقلبه، مشتق من تهادى؛ يقال في اللغة: مشى فلان يتهادى، أي يتمايل. ومنه مأخوذة الهدية، لأنها تميل بالقلب إلى صاحبها. وإنما رحم العبد حين خلصت دعوته؛ وإنما خلصت دعوته حين صار مضطرا ولم يبق له معتمد (يعتمد عليه) ولا ملتفت يلتفت إليه. فأما دعوة رجل إحدى عينيه إلى ربه والأخرى إلى عمله، فما هو مضطر ولا خلصت دعوته. فلما أجيبت لهذا المضطر دعوته، طير من محل الصادقين، في طرفة عين، إلى محل الأحرار الكرام. ورتبت له هناك مرتبة، على شريطة لزومه المرتبة ليعتق من رق النفس، ويكشف عنه السوء، الذي وصفه الله تعالى في هذه الآية. قال قائل: وما ذلك السوء؟ قال: الذي وصفت بديا: مما كان يجده في نفسه، ومن تلك الهنات الدنسة، التي لم يقدر أن يمحوها عن نفسه، وإنما يمحوها عنه الله، عز وجل! فقيل له: الزم هذه المرتبة، بقرب الله تعالى! وأنت عتيق من رق النفس حتى تزايلك هذه الهنات، التي في نفسك بما يرد عليك من أنوار القربة فتحرقها فتصير من صفوته، وتصلح له. ووكل به الحق يحرسه. فإن ثبت في مركزه فقد وفى بشرط الله، وإن أخل بمركزه وهرب فهو مخذول، خدعته نفسه الأمارة بالسوء. فانظر أية نفس هذه، حيث تقدر على خدعه وهو في محل الكرام الأحرار؟ قال له قائل: وأين محل الصادقين؟ وأين محل الكرام الأحرار؟ قال: محل الصادقين في السماء الدنيا، عند بيت العزة، فهناك محلهم لأنهم عبيد النفوس. قال قائل: وما بيت العزة؟ قال: حيث نزل القرآن جملة واحدة، في ليلة مباركة، فوضع في بيت العزة، في سماء الدنيا، ثم نزل نجوما في عشرين سنة، كذلك روي عن ابن عباس رحمه الله! وأما محل الأحرار الكرام، فالبيت المعمور، في حدود عليين. فوق السماء السابعة. يلجونها ثم يتفرقون منها، على مراتبهم، في عليين إلى العرش، عساكر بعضها فوق بعض، حتى ينتهوا إلى محل الأربعين، حول العرش. (الفصل الثالث) (ولي حق الله وولي الله)

Section V01/P012–V01/P014

فهؤلاء كلهم أولياء حقوق الله، وهم أولياء الله يصيرون إلى الله تعالى في مراتبهم. فيحلون بها ويتنسمون روح القرب، ويعيشون في فسحة التوحيد والخروج عن رق النفس. قد لزموا المراتب، فلا يشتغلون بشيء إلا بما أذن لهم فيه من الأعمال. فإذا صرفهم الله من المرتبة إلى عمل أبدانهم حرسهم، فيمضون مع الحرس في تلك الأعمال، ثم ينقلبون إلى مراتبهم. هذا دأبهم. فمن لم يف منهم بما شرط عليه من لزوم المرتبة، ومضى في عمل من أعمال البر، يحسب أنه قد قوي واستغنى؛ بما ناله من نور القربة فينبغي ألا يكون معطلا -فقد وقع في الخذلان. لأنه ترك الشرط، ومضى بهوى نفسه. وإنما شرط عليه لزوم المرتبة، لأن هوى نفسه معه، والأدناس التي وصفت في نفسه. فكيف يجوز له أن يمضي من المرتبة إلى عمل بلا إذن؟ فإنه إذا مضى بلا إذن، لم يكن معه حراس، بل معه هواه وشهواته. فإذا عمل لله تعالى، وهواه معه، أيترك ويخلى سبيله لأنه يرجع إلى مكان القربة، فيقف مع الصفوة في المرتبة؟ إن هذا الحمق عجيب، لمن طمع في هذا! وقد لطخ الحق وعمل بهوى نفسه. فهذا رجل مخدوع مستدرج يعمل نفسه في أنواع البر، ويزعم أنه إنما خلق للعبودية، وهذه عبودية. فيقال له: إن عبودية الأولياء أصفى من أن تخالطها هنات النفس. وكيف يكون ما تعمل عبودية، وأنت في أوحال النفس وشهواتها وخدعها وأمانيها والتفاتها إلى خيالها؟ فإن احتج بقول الله، عز وجل: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون}. وقال: أفلا ترى أنه أشار إلى العمل؟ فقل له: احذر هذا ((الكيف))، الذي قاله؛ فإن ((كيف)) هو صفة العمل. أي: لننظر بأي صفة تعملون؟ ولم يقل: لننظر ماذا تعملون. فإن أردت أن تقوم له بالعبودية، فاجتهد في خروجك من رق النفس إلى رقه، حتى تكون له عبدا، فالعبودية لعبيده، والعبادة لعبيد النفوس. ومن لم يصل إلى الله. عز وجل، في مجالس القربة، حتى تحرق تلك الأنوار جميع ما في نفسه من الأدناس - فهو بعد في الطرق، لا يدري أين هو. وإنما جرأته على الأمور، من بعض أنوار العطاء. فكيف يخاطر المرء بنفسه، وينخدع لها، ويخالط ويباشر الأمور، التي تتدنس نفسه فيها، وتأخذ بنصيبها؟ ثم يزعم أنه ذو حظ من الله! هيهات! فهذا رجل لم يصبر على السير، فمله. ولم يرتفع له ما أمل من الوصول إلى الله تعالى. فأقبل على النساك يتصنع بأعمالهم، وينطق بكلام الأولياء، إلى ما لا يعلمه. فكفى بهذا ترديا في آبار المهالك! (الفصل الرابع) (المسائل الروحانية) فيقال لهذا المسكين المتحير: (السؤال الأول) صف لنا منازل الأولياء إذا استفرغوا مجهود الصدق، كم عدد منازلهم؟ (السؤال الثاني) وأين منازل أهل القربة؟ (السؤال الثالث) وأين الذين جاوزوا العساكر، وبأي شيء جاوزوا؟ (السؤال الرابع) وإلى أين منتهاهم؟ (السؤال الخامس) وأين مقام أهل المجالس والحديث؟ (السؤال السادس) وكم عددهم؟ (السؤال السابع) وبأي شيء استوجبوا هذا على ربهم؟ (السؤال الثامن) وما حديثهم ونجواهم؟ (السؤال التاسع) وبأي شيء يفتتحون المناجاة؟ (السؤال العاشر) وبأي شيء يختمونها؟ (السؤال الحادي عشر) وبماذا يجابون؟ (السؤال الثاني عشر) وكيف يكون صفة سيرهم؟ (السؤال الثالث عشر) ومن الذي يستحق خاتم الأولياء، كما استحق محمد، صلى الله عليه وسلم ، خاتم النبوة؟ (السؤال الرابع عشر) وبأي صفة يكون ذلك المستحق الملك؟ (السؤال الخامس عشر) وما سبب الخاتم، وما معناه؟ (السؤال السادس عشر) وكم مجالس الملك، حتى يوصل إلى ملك الملك؟ (السؤال السابع عشر) وأين مقام الرسل من مقام الأنبياء؟ (السؤال الثامن عشر) وأين مقام الأنبياء من مقام الأولياء؟ (السؤال التاسع عشر) وأي شيء حظ كل رسول من ربه؟ (السؤال العشرون) وأي اسم منحه من أسمائه؟ (السؤال الحادي والعشرون) وأي شيء حظوظ الأولياء من أسمائه؟ (السؤال الثاني والعشرون) وأي شيء علم البدء؟ (السؤال الثالث والعشرون) وقوله: ((كان الله ولا شيء معه)). (السؤال الرابع والعشرون) وما بدء الأسماء؟ (السؤال الخامس والعشرون) وما بدء الوحي؟ (السؤال السادس والعشرون) وما بدء الروح؟ (السؤال السابع والعشرون) وما بدء السكينة؟ (السؤال الثامن والعشرون) وما العدل؟

Section V01/P014–V01/P018

(السؤال التاسع والعشرون) وما فضل بعض النبيين على بعض، وكذلك الأولياء؟ (السؤال الثلاثون): ((وخلق الله الخلق في ظلمة)). (السؤال الحادي والثلاثون): وما قصتهم هناك؟ (السؤال الثاني والثلاثون) وكيف صفة المقادير؟ (السؤال الثالث والثلاثون): وما سبب علم القدر، الذي طوى عن الرسل فمن دونهم؟ (السؤال الربع والثلاثون) ولأي شيء طوى؟ (السؤال الخامس والثلاثون) ومتى ينكشف لهم سر القدر؟ (السؤال السادس والثلاثون) وأين ينكشف لهم؟ (السؤال السابع والثلاثون) ولمن ينكشف منهم؟ (السؤال الثامن والثلاثون) وما الإذن في الطاعة والمعصية من ربنا؟ (السؤال التاسع والثلاثون) وما العقل الأكبر، الذي قسمت منه العقول لجميع خلقه؟ (السؤال الأربعون) وما صفة آدم عليه السلام؟ (السؤال الحادي والأربعون) وما توليته؟ (السؤال الثاني والأربعون) وما فطرته؟ (السؤال الثالث والأربعون) وما الفطرة؟ (السؤال الرابع والأربعون) ولم سماه بشرا؟ (السؤال الخامس والأربعون) وبأي شيء نال التقدمة على الملائكة، حتى أوهم بالسجود له؟ (السؤال السادس والأربعون) وكم عدد الأخلاق التي منحه عطاء؟ (السؤال السابع والأربعون) وكم خزائن الأخلاق؟ (السؤال الثامن والأربعون) وقوله عليه السلام: ((إن لله مائة وسبعة عشر خلقا)) ما تلك الأخلاق؟ (السؤال التاسع والأربعون) وكم للرسل منها؟ (السؤال الخمسون) وكم لمحمد، صلى الله عليه وسلم ؟ (السؤال الحادي والخمسون) وأين خزائن المنن؟ (السؤال الثاني والخمسون): وأين خزائن سعي النفوس؟ (السؤال الثالث والخمسون) ومن أين يعطى الأنبياء؟ (السؤال الرابع والخمسون) وأين خزائن المحدثين من الأولياء؟ (السؤال الخامس والخمسون) وما الحديث؟ (السؤال السادس والخمسون) وما الوحي؟ (السؤال السابع والخمسون) وما الفرق بين النبيين والمحدثين؟ (السؤال الثامن والخمسون) وأين مكانهم منهم؟ (السؤال التاسع والخمسون) وأين سائر الأولياء؟ (السؤال الستون) وما خوض الوقوف؟ (السؤال الحادي والستون) وكيف صار أمره كلمح البصر؟ (السؤال الثاني والستون) وأمر الساعة أقرب من لمح البصر؟ (السؤال الثالث والستون) وما كلام الله تعالى لعامة أهل الوقوف؟ (السؤال الرابع والستون) وما كلامه للموحدين؟ (السؤال الخامس والستون) وما كلامه للرسل، عليهم السلام؟ (السؤال السادس والستون) وإلى أين يأوون يوم القيامة من العرصة؟ (السؤال السابع والستون) وكيف مراتب الأولياء والأنبياء يوم الزيارة؟ (السؤال الثامن والستون) وما حظوظ الأنبياء من النظر إليه تعالى؟ (السؤال التاسع والستون) وما حظوظ المحدثين من النظر إليه؟ (السؤال السبعون) وما حظوظ سائر الأولياء من النظر إليه؟ (السؤال الحادي والسبعون) وما حظوظ العامة من النظر إليه؟ (السؤال الثاني والسبعون) وقوله: ((إن الرجل منهم ينصرف بحظه من ربه فيذهل أهل الجنان عن نعيمهم، اشتغالا بالنظر إليه؟ (السؤال الثالث والسبعون) وما المقام المحمود؟ (السؤال الرابع والسبعون) وبأي شيء ناله؟ (السؤال الخامس والسبعون) وكم بين حظ محمد، صلى الله عليه وسلم ، وحظوظ سائر الأنبياء عليهم السلام؟ (السؤال السادس والسبعون) وما لواء الحمد؟ (السؤال السابع والسبعون) وبأي شيء يثني على ربه، عز وجل، حتى يستوجب لواء الحمد. (السؤال الثامن والسبعون) وماذا يقدم إلى ربه من العبودية؟ (السؤال التاسع والسبعون) وبأي شيء يختمه حتى يناوله مفاتيح الكرم؟ (السؤال الثمانون) وما مفاتيح الكرم؟ (السؤال الحادي والثمانون) وعلى من توزع عطايا ربنا؟ (السؤال الثاني والثمانون) وكم أجزاء النبوة؟ (السؤال الثالث والثمانون) وما النبوة؟ (السؤال الرابع والثمانون) وكم أجزاء الصديقية؟ (السؤال الخامس والثمانون) وما الصديقية؟ (السؤال السادس والثمانون) وعلى كم سهم ثبتت العبودية؟ (السؤال السابع والثمانون) وما يقتضي الحق من الموحدين؟ (السؤال الثامن والثمانون) وما الحق؟ (السؤال التاسع والثمانون) وماذا بدؤه؟ (السؤال التسعون) وأي شيء فعله في الخلق؟ (السؤال الحادي والتسعون) وبماذا وكل؟ (السؤال الثاني والتسعون) وما ثمرته؟ (السؤال الثالث والتسعون) وما المحق؟ (السؤال الرابع والتسعون) وأين محل من يكون محقا؟ (السؤال الخامس والتسعون) وما سكينة الأولياء؟ (السؤال السادس والتسعون) وما حظ المؤمنين من قوله {الظاهر والباطن والأول والآخر}. (السؤال السابع والتسعون) وما حظ المؤمنين من قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه}. (السؤال الثامن والتسعون) وكيف خص ذكر الوجه؟ (السؤال التاسع والتسعون) وما مبتدأ الحمد؟ (السؤال الموفى مائة) وما قوله: ((أمين))؟ (السؤال الحادي ومائة) وما السجود؟ (السؤال الثاني ومائة) وما بدؤه؟ (السؤال الثالث ومائة) وما قوله: ((العزة إزاري))؟ (السؤال الرابع ومائة) وما قوله: ((والعظمة ردائي))؟ (السؤال الخامس ومائة) وما الإزار؟ (السؤال السادس ومائة) وما الرداء؟

Section V01/P018–V01/P021

(السؤال السابع ومائة) وما الكبرياء؟ (السؤال الثامن ومائة) وما تاج الملك؟ (السؤال التاسع ومائة) وما الوقار؟ (السؤال العاشر ومائة) وما صفة مجالس الهيبة؟ (السؤال الحادي عشر ومائة) وما صفة ملك الآلاء؟ (السؤال الثاني عشر ومائة) وما صفة ملك الضياء؟ (السؤال الثالث عشر ومائة) وما صفة ملك القدر؟ (السؤال الرابع عشر ومائة) وما القدس؟ (السؤال الخامس عشر ومائة) وما سبحات الوجه؟ (السؤال السادس عشر ومائة) وما شراب الحب؟ (السؤال السابع عشر ومائة) وما كأس الحب؟ (السؤال الثامن عشر ومائة) ومن أين؟ (السؤال التاسع عشر ومائة) وما شراب حبه لك حتى يسكرك عن حبك له؟ (السؤال العشرون ومائة) وما القبضة؟ (السؤال الحادي والعشرون ومائة) ومن الذين استوجبوا القبضة حتى صاروا فيها؟ (السؤال الثاني والعشرون ومائة) وما صنيعهم بهم في القبضة؟ (السؤال الثالث والعشرون ومائة) وكم نظرته إلى الأولياء كل يوم؟ (السؤال الرابع والعشرون ومائة) وإلى ماذا ينظر منهم؟ (السؤال الخامس والعشرون ومائة) وإلى ماذا ينظر من الأنبياء عليهم السلام؟ (السؤال السادس والعشرون ومائة) وكم إقباله على خاصته في كل يوم؟ (السؤال السابع والعشرون ومائة) وما المعية مع الخلق والأصفياء والأنبياء والخاصة، والتفاوت والفرق بينهم في ذلك؟ (السؤال الثامن والعشرون ومائة): وما ذكره الذي يقول: {ولذكر الله أكبر}. (السؤال التاسع والعشرون ومائة) وما ذكره الذي يقول: {فاذكروني أذكركم}. (السؤال الثلاثون ومائة) وما معنى الاسم؟ (السؤال الحادي والثلاثون ومائة) وما رأس أسمائه، الذي استوجب منه جميع الأسماء؟ (السؤال الثاني والثلاثون ومائة) وما الاسم الذي أبهم على الخلق، إلا على خاصته؟ (السؤال الثالث والثلاثون ومائة) وبماذا نال صاحب سليمان ذلك، وطوى عن سليمان، عليه السلام، وهو رسول من الرسل؟ (السؤال الرابع والثلاثون ومائة) وما السبب في ذلك؟ (السؤال الخامس والثلاثون ومائة) وماذا اطلع من الاسم: على حروفه أم على معناه؟ (السؤال السادس والثلاثون ومائة): وأين باب هذا الاسم، الخفي على الخلق، من أبوابه؟ (السؤال السابع والثلاثون ومائة) وما كسوته؟ (السؤال الثامن والثلاثون ومائة) وما حروفه؟ (السؤال التاسع والثلاثون ومائة) والحروف المقطعة مفتاح كل اسم من أسمائه، فأين هذه الأسماء، وإنما هي ثمانية وعشرون حرفا، فأين هذه الحروف؟ (السؤال الأربعون ومائة) وكيف صار الألف مبتدأ الحروف؟ (السؤال الحادي والأربعون ومائة) وكيف كرر الألف واللام في آخره؟ (السؤال الثاني والأربعون ومائة) ومن أي حساب صار عددها ثمانية وعشرين حرفا؟ (السؤال الثالث والأربعون ومائة) وما قوله: ((خلق الله آدم على صورته))؟ (السؤال الرابع والأربعون ومائة) وقوله: ((ليتمنين اثنا عشر نبيا أن يكونوا من أمتي))؟ (السؤال الخامس والأربعون ومائة) وما تأويل قول موسى: ((رب، اجعلني من أمة محمد))؟ (السؤال السادس والأربعون ومائة) وما تأويل قوله: ((إن لله عبادا، ليسوا بأنبياء، يغبطهم النبيون بمقامهم وقربهم إلى الله تعالى))؟ (السؤال السابع والأربعون ومائة): وما تأويل قوله: ((بسم الله)). (السؤال الثامن والأربعون ومائة) وما تأويل قوله: ((السلام عليك، أيها النبي))؟ (السؤال التاسع والأربعون ومائة) وقوله: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))؟ (السؤال الخمسون ومائة): وما تأويل قوله: ((أهل بيتي أمان لأمتي))؟ (السؤال الحادي والخمسون ومائة): وقوله: ((آل محمد))؟ (السؤال الثاني والخمسون ومائة): والقائم بالحجة؟ (السؤال الثالث والخمسون ومائة) ومن أين يكلم الخلق حتى يقيم حجة الله عليهم -فإن الله تعالى قد أقام الحجة عليهم بالعبودية، وجعل للقائم بها طريقا إلى محل خزائن الكلام-؟ (السؤال الرابع والخمسون ومائة): وأين خزائن الحجة، من خزائن الكلام، من خزائن علم التدبير؟ (السؤال الخامس والخمسون ومائة) وأين خزائن علم الله، من خزائن علم البدء؟ (السؤال السادس والخمسون ومائة) وما تأويل أم الكتاب؟ - فإنه ادخرها، من جميع الرسل، له ولهذه الأمة؟ (السؤال السابع والخمسون ومائة) وما معنى المغفرة، التي لنبينا وقد بشر النبيين بالمغفرة؟ (الفصل الخامس) (علم الأولياء وعلم الأنبياء)

Section V01/P021–V01/P023

فهذا وأشباه هذا، هو علم الأنبياء وعلم الأولياء. بهذا العلم يطالعون تدبيره، وبهذا العلم يقومون بالعبودية له. لأنه من كشف له الغطاء عن هذا النوع من العلم، فإنما فتح له في الغيب الأعلى، حتى لاحظ ملك الملك، بعد أن قوم ثم هذب ثم أدب ثم نقى ثم طهر ثم طيب ثم وسع ثم عوذ. فتمت ولاية الله له، وصلح في المجلس الأعلى من مجالس الأولياء، بين يديه. يناجيه كفاحا، ويلج مجالسه سماحا، ما له من حاجز، فيرجع من عنده مع الفناء الأكبر، فيقوم به بالعبودية محارصة. فيقال لهذا البائس: إن كنت خلوا من هذا الذي ذكرناه، وفي عمى عنه، فما دخولك في هذا الباب حتى تكدر الماء الصافي؟ فأي جرم أعظم من جرم رجل يلتقط كلام الأولياء. حرفا حرفا. ثم يخلطه فيصوغه حكايات، ثم يرمي بها إلى قوم يتزين بذلك عندهم، فيعمى عليهم طريقهم ويفسد عليهم سيرهم؟ (فهذا البائس)، لا هو عالم بالطريق، ولا بالمكامن في الطريق، ولا بمنتهى القوم ومنازلهم؛ ومن شغله بنفسه، وانخداعه لها، وإصغائه إليها، وستره ذلك عن خلقه. فهو أبدا في الاعتذار والتزين والقصد؛ لما يعلم أنه يكسب بذلك جاها عند الخلق. وأعظم المصائب عنده، الوقت الذي يعمل فيه عملا ينكس به جاهه عند الناس. فهذا عبد نفسه. فمتى يتفرغ لعبودية ربه؟ ومتى يصلح هذا لله؟ ومتى يصفو طريقه إلى الله تعالى؟ قال له قائل: صف لنا شأن الذين وصلوا، فوقفوا في مراتبهم على شريطة لزوم حفظ المرتبة، وما سبب اللزوم؟ وصف لنا شأن الذين وصلوا فرفعت عنهم الشريطة، وفوضت إليهم الأمور. ومن ولي حق الله؟ ومن ولي الله؟ قال: إن الواصل إلى مكان القربة، رتب له محل، فحل بقلبه هناك، مع نفس فيها تلك الهنات باقية، فإنه إنما ألزم المرتبة، لأنه إذا توجه إلى عمل من أعمال البر، ينال في موضع القربة، ليعتق من رق النفس، ما زجه الهوى ومحبة محمدة الناس، وخوف سقوط المنزلة. فعمله لا يخلو من التزين والرياء، وإن دق. أفيطمع عاقل أن يترك قلبه مع دنس الرياء. والتزين فيحل محل القربة؟ (بل) يقال له: يشترط عليك، مع العتق من رق النفس، الثبات ههنا؛ فلا تصدر إلى عمل بلا إذن. فإن أذنا لك، أصدرناك مع الحراس، ووكلنا الحق شاهدا عليك ومؤيدا لك؛ والحرس يذبون عنك. قال له قائل: وما تلك الحرس؟ قال: أنوار العصمة موكلة به؛ تحرق هنات النفس ونواجم ما انكمن منها. وكل ما ينجم من مكامن النفس، من تلك الهنات، أحرقته تلك الأنوار، حتى يرجع إلى مرتبته ولم تجد النفس سبيلا إلى أن تأخذ بحظها من ذلك العمل. فيرجع إلى مرتبته طاهرا كما صدر؛ لم يتدنس بأدناس النفس: من التزين والتصنع، والركون إلى موقع الأمور عند الخلق. فهذا المغرور المخدوع، لما وجد قوة المحل، ونور القربة، وطهارته، ظن أنه استولى. ونظر إلى نفسه فلم يجد فيها شيئا في الظاهر يتحرك. ولا يعلم أن المكامن مشحونة بالعجائب! روي عن وهب بن منبه، رحمه الله، أنه قال: ((إن للنفس كمونا ككمون النار في الحجر؛ إن دققته لم تجد فيه شيئا وإن قدحته أورى نارا)). فكان هذا نظرا من الله عز وجل! أن رحمه فنقله، في لحظة، من محل الصادقين إلى محل الصديقين: من بيت العزة، من سماء الدنيا إلى عساكر حول العرش. فذهب (هذا المسكين) لشقاء جده، فقال: أذهب فأطوف في البلاد، وأدعو الناس إلى الله تعالى. وأذهب فأعمل أعمال البر، فإنما خلقت للعبودية. (ولكن، أيها البائس) هل أجابتك نفسك حين دعوتها، حتى يجيبك الناس؟ وهل صفا قلبك لله عز وجل! حتى تصفو عبوديتك؟ وهل خرجت من رق النفس، حتى تدخل في رق الله، عز وجل! هيهات! هيهات ما أبعدك من الصدق، فكيف من طريق الصديقين؟ قال قائل: ومن أين تلك الأنوار، التي توكل بالحراسة لهذا الذي ثبت في مركزه ولم يصدر عنه إلا بإذن؟ قال: من مجالس الحديث. قيل: وما مجالس الحديث؟

Section V01/P023–V01/P025

قال: مجالس المحدثين، أهل الله ونصحاؤه. يحبون أن يصل هؤلاء إلى ما وصلوا. فيقطع لهم قطعة من النور، فيحرسهم ذلك النور، ما داموا في تلك الأمور. فكل ما نجم من هنات النفس، في الصدر، شيء، وقت مباشرتهم تلك الأمور - ثار ذلك الشعاع في صدره فخفي على القلب والنفس ذلك الناجم وبطل، فمر في أمره مستقيما، غير ملتفت إلى أحد. ثم رجع إلى محله ومركزه نقيا. وإن صدر عنها بغير إذن، صدر على غرور نفسه، تلذذا بشهوة نفسه في ذلك العمل، وقلة صبره على لزوم المرتبة. فانصرف بلا حرس، فمدت النفس إليه مخالبها فأعابته، فرجع مخدوشا محموشا. ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تسل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها)) وهذا يحقق قولنا بعينه. فهذا شأن ولي حق الله، وهو مع هذا قد يقال له: ولي الله، لأن الله قد ولي أمره ونقله إلى محل القربة. (الفصل السادس) (ولي الله) وأما ولي الله، فرجل ثبت في مرتبته، وافيا بالشروط كما وفى بالصدق في سيره، وبالصبر في عمل الطاعة، واضطراره. فأدى الفرائض، وحفظ الحدود، ولزم المرتبة، حتى قوم وهذب ونقى وأدب وطهر وطيب ووسع وزكى وشجع وعوذ. فتمت ولاية الله له بهذه الخصال العشر. فنقل من مرتبته على مالك الملك. فرتب له بين يديه، وصار يناجيه كفاحا. فاشتغل به عمن سواه، ولها به عن نفسه، وعن كل شيء. فصيره في قبضته. فأي حصن أحصن من قبضته؟ وأي حارس أشد حراسة من عقله؟ فهذا قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه عن جبريل عن الله، عز وجل، أنه قال: ((ما تقرب إلي عبدي، بمثل أداء ما افترضت عليه. وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يمشي، وبي يبطش)). فهذا عبد خمد عقله بالعدل الأكبر؛ وسكنت حركات الشهوانية لقبضته. وهو قوله، فيما يروي، حيث قال موسى، عليه السلام: ((يا رب، أين أبغيك؟ - قال: يا موسى، وأي بيت يسعني؟ وأي مكان يحويني؟ فإن أردت أن تعلم أين أنا، فإني في قلب التارك الورع العفيف)). فالتارك هو الذي تركه بجهده، وفيه بقية؛ ثم من عليه ربه بما وصفناه: فورعه هو ما عليه. ثم عفف فلا يلتفت إلى شيء. فهذا موافق لذلك. وكلاهما وليا أمر الله بالصدق، حتى ولي الله أمرهما. فالأول خرجت له الولاية من الرحمة: فولي الله نقله من بيت العزة إلى محل منزلة القربة، في لحظة. والثاني خرجت له الولاية من الجود: فولي الله نقله، في لحظة، من ملك إلى ملك حتى مالك الملك. وهو قوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} فالله ولي إخراجهم من ظلمات النفس إلى نور القربة، ثم من نور القربة إلى نوره. ثم قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ولي الله أمرهم، وولي نصرهم على نفوسهم، فتولوا أيام الدنيا نصرة حقوقه. ثم ولي أخذهم إليه، وضمهم إلى المحل بين يديه، فتولوا دعوة خلقه إليه والثناء عليه. ثم وصف (عز وجل!) هؤلاء الأولياء، فقال: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} أي: اطمأنوا إليه وكانوا يتقون. أي: يتقون أن يطمأنوا إلى أحد سواه! (الفصل السابع) (خصال الولاية العشر) قال قائل: صف لنا الخصال العشر، التي تمت له ولاية الله بها: من التقويم والتهذيب، وسائر الخصال، التي ذكرت.

Section V01/P025–V01/P027

قال: نعم! أقامه (الله تعالى!) في المرتبة، على شريطة اللزوم لها. فلما وفر له بالشرط، ولم يبغ عملا في محل القربة نقله- منها إلى ملك الجبروت، ليقوم بجبر نفسه ومنعها بسلطان الجبروت، حتى ذلت وخشعت، ثم نقله منها إلى ملك السلطان، ليهذب، فذابت تلك العزة التي في نفسه، وهي أصل الشهوات، فصارت بائنة عنها. ثم نقله منها إلى ملك الجلال ليؤدب. ثم نقله منها إلى ملك الجمال لينقى. ثم إلى ملك العظمة ليطهر. ثم إلى ملك الهيبة ليزكى. ثم إلى ملك الرحمة ليوسع. ثم إلى ملك البهاء ليربى. ثم إلى ملك البهجة ليطيب. ثم إلى ملك الفردانية ليفرد. فاللطف يفرده، والرحمة تجمعه، والمحبة تقربه، والشوق يدنيه. ثم يهمله، ثم يناجيه، ثم يبسط له. ثم ينقبض عنه! فأين ما صار فهو في قبضته، وأمين من أمنائه. فإذا صار في هذا المحل، فقد انقطعت الصفات، وانقطع الكلام والعبارات، فهذا منتهى العقول والقلوب! قال له قائل: فهل للقلوب منتهى؟ فإن ناسا يقولون: أنه لا منتهى للقلوب، لأن القلوب تسير إلى ما لا منتهى له. فكل ولي يزعم أنه قد انتهى إلى مقام لا يتقدمه أحد فهو مخطئ. ومن أين يبلغ عظمة الله، حتى يكون للقلوب منتهى؟ قال: بحق أقول لك، هذا قول أحمق، صاحب كلام ومقاييس. يتفكر في نفسه بأشياء ويتوهمها، ثم يقيسها من تلقاء نفسه. فأحذرك أن تصغي إليه! فإنه ينطق عن لسان الشياطين. وأنا أصف لك هذا الباب لتعرف عواره، إن شاء الله تعالى! اعلم أن الله، سبحانه، عرف العباد أسماءه. ولكل اسم ملك، ولكل ملك سلطان؛ وفي كل ملك مجلس نجوى وهدايا لأهلها. وجعل الله لقلوب خاصته، من الأولياء، هناك مقامات، (أعني) أولئك الأولياء الذين تخطوا من المكان إلى الملك. فرب ولي مقامه في أول ملك، وله من أسمائه ذلك الاسم. ورب ولي مقامه التخطي إلى ملك ثان وثالث ورابع. فكلما تخطى إلى ملك أعطي ذلك الاسم؛ حتى يكون الذي يتخطى جميع ذلك إلى ملك الوحدانية الفردانية هو الذي يأخذ بجميع حظوظه من الأسماء. وهو محظوظ من ربه، وهو سيد الأولياء؛ وله ختم الولاية من ربه. فإذا بلغ المنتهى من أسمائه، فإلى أين يذهب؟ وقد صار إلى الباطن الذي انقطعت عنه الصفات؟ وهل تسمى (الله) لأصفيائه، ووصف نفسه لهم، إلا ليخلو (منها)؟ فحظوظ العامة من صفاته إيمانهم بها. وحظوظ المقتصدين وعامة الأولياء المقربين، شرح الصدر لها واستنارة علم تلك الصفات في صدورهم؛ كل على قدره، وقدر نور قلبه. وحظوظ المحدثين، وهم خاصة الأولياء، ملاحظة تلك الصفات، وإشراق نور تلك الصفات على قلوبهم وفي صدورهم. ولذلك قال (تعالى): {هو الظاهر والباطن} فهل الظاهر إلا ما ظهر على القلوب؟ وإنما يظهر بصفاته على قلوب خاصة أوليائه. فإذا انتهت الصفات، صار إلى الباطن الذي لا يدري. فقد استقر القلب. وكلما علم أنه ليس وراء هذه صفة، ووجد هناك محلا، علم أنه لا يتقدمه أحد. فسل هذا الزاعم: ما أول أسمائه؟ وما الاسم الذي هو ولي أسمائه؟ فإن كان يعجز عن علم هذا، فكيف لا يخوض فيما هو أولى به؟- و(سله أيضا): حدثني عن الأنبياء، كيف عرفوا مقاماتهم؟ فإن قال: (عرفوا) هذا بالنبوة، فقل: هذا عرفوه بالولاية: فإن النبوة مع البرهان، والولاية هي البرهان! أليست السكينة حقا من الله، ينزلها على أنبيائه وأوليائه؟ فكما صح له (= للنبي). الوحي بالروح، فكذلك يصح الحديث لهذا (= للولي) بالسكينة. وسنوضح هذا، إن شاء الله فيما بعد. وأما قوله: فإن القلوب تصير إلى ما لا منتهى له، فليس بحجة. وذلك أن القلوب جعل لها مقامات؛ وجعل للمقامات منتهى تصير تلك القلوب إليها. والمقامات أيضا لا منتهى إليها، ولكن عدد المقامات معلوم منتهاه. قال (قائل): وما منتهاه (= القلب).

Section V01/P027–V01/P029

قال: الواحد الفرد. فما وراء هذا، مما (لا) تضبطه العقول، هل يقدر أن يرد بشيء؟ فإنما تسير القلوب بعقولها إلى محل يعقل، وإنما يعقل ما ظهر. فإذا انتهى إلى المعلوم، ووقف على من لا يعقل عنه وراء ذلك شيء، وقد بطن عنه، فبأي اسم يدعوه؟ ومن أي ملك يظهر له ويحدثه؟ (الفصل الثامن) (خاتم الأولياء وخاتم الأنبياء) قال له قائل: وصفت لنا الأولياء، وذكرت أن لهم سيدا، وأن له ختم الولاية، فما هذا؟ قال: نعم، فرغ سمعك، واشحذ عقلك في الافتقار إلى الله تعالى، في درك ما أريد أن أقول لك؛ لعله يرحمك فيرزقك فهمه! اعلم أن الله، تبارك اسمه! اصطفى من العباد أنبياء وأولياء. وفضل بعض النبيين على بعض: فمنهم من فضله بالخلة، وآخر بالكلام، وآخر بالثناء، وهو الزبور، وآخر بإحياء الموتى، وآخر بالعصمة من الذنوب وحياة القلب، حتى لا يخطئ ولا يهم بخطيئة. وكذلك الأولياء، فضل بعضهم على بعض. وخص محمدا (الأصل: محمد)، صلى الله عليه وسلم ، بما لم يؤت أحدا من العالمين. فمن الخصوصية ما يعمي عن الخلق، إلا على أهل خاصته، ومنها ما ليس لأحد عنه محيص ولا محيد. وكان الله ولا شيء! فجرى الذكر. وظهر العلم. وجرت المشيئة. فأول ما بدأ، بدأ ذكره.ثم ظهر في العلم علمه. ثم في المشيئة مشيئته. ثم في المقادير هو الأول. ثم في اللوح هو الأول. ثم في الميثاق هو الأول. ثم هو الأول يوم تنشق عنه الأرض. ثم هو الأول في الخطاب. والأول في الوفادة. والأول في الشفاعة. والأول في الجوار. والأول في دخول الدار. والأول في الزيارة. فبهذا ساد الأنبياء عليهم السلام. ثم خص بما لا يدفع: وهو خاتم النبوة. وهو حجة الله، عز وجل على خلقه، يوم الموقف، فلم ينل هذا أحد من الأنبياء. قال له قائل: وما خاتم النبوة؟ قال: حجة الله على خلقه، بحقيقة قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} فشهد الله له بصدق العبودية. فإذا برز الديان في جلاله وعظمته، في ذلك الموقف، وقال: يا عبيدي، إنما خلقتكم للعبودة، فهاتوا العبودة! فلم يبق لأحد حس ولا حركة، من هول ذلك المقام، إلا محمدا، صلى الله عليه وسلم . فبذلك القدم (الصدق) الذي له، يتقدم إلى جميع صفوف الأنبياء والمرسلين. لأنه قد أتى بصدق العبودية لله تعالى. فيقبله الله منه، ويبعثه إلى المقام المحمود، عند الكرسي. فيكشف الغطاء عن ذلك الختم، فيحيطه النور وشعاع ذلك الختم يبين عليه. وينبع من قلبه على لسانه من الثناء ما لم يسمع به أحد من خلقه؛ حتى يعلم الأنبياء كلهم أن محمدا، صلى الله عليه وسلم ، كان أعلمهم بالله، عز وجل! فهو أول خطيب، وأول شفيع، فيعطى لواء الحمد، ومفاتح الكرم. فلواء الحمد لعامة المؤمنين، ومفاتح الكرم للأنبياء. ولخاتم النبوة بدء وشأن عميق، أعمق من أن تحتمله. فقد رجوت أنه كفاك هذا القدر من علمه! فصار محمد، صلى الله عليه وسلم ، شفيعا للأنبياء والأولياء، ومن دونهم. ألا ترى إلى قوله، عليه الصلاة والسلام، فيما يصف من شأن المقام المحمود: ((حتى أن إبراهيم، خليل الرحمن، يحتاج إلي في ذلك اليوم)) حدثنا بذلك الجارود عن النضر بن شميل، عن هشام الدستوائي، عن حماد، رفعه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ! ألا ترى أن الله، تبارك وتعالى، ذكر البشرى في غير آية؟ فلم يذكرها إلا مع الشرط: {بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وذكرها هنا ولم يشترط: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} يعلمهم أن نجاة الجميع، في ذلك اليوم بهذا القدم الصدق.

Section V01/P029–V01/P031

وأما الحجة، فكأنه يقول للأنبياء، عليهم السلام: معاشر الأنبياء، هذا محمد، جاء في آخر الزمان؛ ضعيف البدن، ضعيف القوة، ضعيف المعاش، قليل العمر. أتى بما قد ترون: من صدق العبودة، وغزارة المعرفة والعلم. وأنتم، في قواكم وأعماركم وأبدانكم، لم تأتوا بما أتى. ويكشف الغطاء عن الختم، فينقطع الكلام، وتصير الحجة على جميع خلقه، لأن الشيء المختوم محروس. وكذلك تدبير الله تعالى لنا في هذه الدنيا: أنه إذا وجد الشيء يختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الآدميين. فجمع الله تعالى أجزاء النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتممها له، وختم عليها بختمه. فلم تجد نفسه ولا عدوه سبيلا إلى ولوج موضع النبوة، من أجل ذلك الختم. ألا ترى إلى حديث الحسن البصري، رحمه الله، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، في حديث الشفاعة، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: ((فإذا أتوا آدم، يسألونه أن يشفع لهم إلى ربه، قال لهم آدم: أرأيتم لو أن أحدكم جمع متاعه في غيبته ثم ختم عليها، فهل كان يؤتى المتاع إلا من قبل الختم؟ فأتوا محمدا، فهو خاتم النبيين)) ومعناه عندنا: أن النبوة تمت بأجمعها لمحمد، صلى الله عليه وسلم ، فجعل قلبه، لكمال النبوة، وعاء عليها، ثم ختم. ينبؤك (هذا)، أن الكتاب المحتوم والوعاء المختوم، ليس لأحد عليه سبيل، في الانتقاص منه، ولا بالازدياد فيه مما ليس منه. وأن سائر الأنبياء عليهم السلام، لم يختم لهم على قلوبهم، (فهم غير آمنين أن تجد) النفس سبيلا إلى ما فيها. ولم يدع الله الحجة مكتومة، في باطن قلبه حتى أظهرها، فكان بين كتفيه، ذلك الختم، ظاهرا كبيضة حمامة. و(هذا) له شأن عظيم تطول قصته. فإن الذي عمي عن خبر هذا، يظن أن ((خاتم النبيين)) تأويله أنه آخرهم مبعثا. فأي منقبة في هذا؟ وأي علم في هذا؟ تأويل البله، الجهلة! وقرأ العامة ((خاتم)) بفتح التاء. وأما من قرأ من السلف بكسر التاء، فإنما تأويله أنه ((خاتم)) على معنى فاعل، أي: أنه ختم النبوة، بالذي أعطى من الختم. ومما يحقق ذلك، ما روي في حديث المعراج، من حديث أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أبي العالية فيما يذكر من مجتمع الأنبياء في المسجد الأقصى: ((فيذكر كل نبي منة الله عليه)). فكان من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: ((وجعلني خاتما وفاتحا. فقال إبراهيم، عليه السلام: بهذا فضلكم محمد))! (الفصل التاسع) (النبوة والولاية) فالنبوة هي العلم بالله، عز وجل، على كشف الغطاء وعلى إطلاع أسرار الغيب. و(هي) بصر نافذ في الأشياء المستورة بنور الله تعالى التام. فمن أجل هذا، قدر محمد صلى الله عليه وسلم أن يأتي ب ((قدم الصدق)). فإذا استوت الأقدام، أقدام الأنبياء، في صفها وسئل الصادقون عن صدقهم - احتاج الأنبياء إلى عفو الله تعالى. وتقدم محمد صلى الله عليه وسلم ، جميع الأنبياء أمامهم، يخطو بالصدق الذي أتى به، بارزا على جميع الأنبياء، بجود الله وكرمه: بأن أعطى النبوة وختم عليها. فلم يكلمه عدو، ولا أخذت النفس بحظها منه. وذلك قوله (تعالى) في تنزليه: {ألر تلك آيات الكتاب الحكيم}. فالألف (رمزا) آلاؤه؛ واللام (رمزا) لطفه؛ والراء (رمزا) رأفته. {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس}- فقد علم سبحانه، أن قوله {أن أنذر الناس} مما يذهل عقول الصادقين المنتبهين- فقال، على إثر ذلك: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم}- أي: أنذرتكم لقائي، ووقوفكم بين يدي عظمتي، وأني أقتضيتكم صدق العبودية. {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} وهو هذا الرجل الذي أوحينا إليه. فكما كان على لسانه الوعيد والنذارة، حتى ذهلت العقول، فله ((قدم الصدق))، الذي يدرأ عنكم بصدقه يومئذ ما فاتكم من الوقاية، وما ضيعتم من حق النبوة.

Section V01/P031–V01/P033

وكذلك روي لنا عن أبي سعيد الخدري في قوله: ((قدم صدق)) قال: محمد صلى الله عليه وسلم ، يشفع لهم يوم القيامة. وقول الرسول؛ عليه الصلاة والسلام: ((أن لي، في ذلك اليوم، مقاما محمودا يحتاج الخلق فيه إلي حتى إبراهيم خليل الرحمن!)) وهذا تحقيق ما قلناه. ثم لما قبض الله، عز وجل، نبيه صلى الله عليه وسلم ، صير في أمته أربعين صديقا. بهم تقوم الأرض؛ وهم آل بيته. فكل ما مات واحد منهم، خلفه من يقوم مقامه. حتى إذا انقرض عددهم، وأتى وقت زوال الدنيا - ابتعث الله وليا، اصطفاه واجتباه، وقربه وأدناه. وأعطاه ما أعطى الأولياء، وخصه بخاتم الولاية. فيكون حجة الله يوم القيامة، على سائر الأولياء، فيوجد عنده بذلك الختم صدق الولاية على سبيل ما وجد عند محمد صلى الله عليه وسلم ، من صدق النبوة. فلم ينله العدو، ولا وجدت النفس سبيلا إلى الأخذ بحظها من الولاية. فإذا برز الأولياء يوم القيامة، واقتضوا صدق الولاية والعبودية - وجد الوفاء عند هذا الذي ختم الولاية تماما. فكان حجة الله عليهم وعلى سائر الموحدين من بعدهم؛ وكان شفيعهم يوم القيامة. فهو سيدهم: ساد الأولياء، كما ساد محمد صلى الله عليه وسلم ، الأنبياء. فينصب له مقام الشفاعة، ويثني على الله تعالى ثناء، ويحمده بمحامد يقر الأولياء بفضله عليهم في العلم بالله تعالى! فلم يزل هذا الولي مذكورا في البدء: أولا في الذكر، وأولا في العلم: ثم هو الأول في المشيئة. ثم هو الأول في المقادير. ثم هو الأول اللوح المحفوظ. ثم الأول في الميثاق. ثم الأول في المحشر. ثم الأول في الخطاب. ثم الأول في الوفادة. ثم الأول في الشفاعة. ثم الأول في الجوار. ثم الأول في دخول الدار. ثم الأول في الزيارة. فهو في كل مكان أول الأولياء! كما كان محمد صلى الله عليه وسلم أول الأنبياء! فهو من محمد صلى الله عليه وسلم عند الأذن والأولياء عند القفا. فهذا عبد مقامه بين يديه في ملك الملك. ونجواه هناك في المجلس الأعظم. فهو في قبضته. والأولياء من خلفه، دونه، درجة درجة. ومنازل الأنبياء بين يديه. فهؤلاء الأربعون في كل وقت، هم أهل بيته. ولست أعني (آل بيته) في النسب، إنما هم أهل بيت الذكر. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لإقامة ذكر الله وليبوأ له مستقرا، وهو الذكر الخالص الصافي. فكل من آوى إلى ذلك المثوى فهم آله. ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أهل بيتي أمان لأمتي، فإذا ذهبوا أتاهم ما يوعدون)) وإنما صار هؤلاء الأربعون أمانا للأمة (لأن) بهم تقوم الأرض، وبهم يستسقون الغيث. فإذا ماتوا أتاهم ما يوعدون. ولو كان (النبي عليه السلام) يعني به أهل بيته في النسب لكان يستحيل أن لا يبقى منهم أحد، فيموتوا عن آخرهم، وقد كثر الله عددهم حتى لا يحصون. (الفصل العاشر) (علامات الأولياء) قال له قائل: جميع ما وصفت من صفة هؤلاء هو في الباطن. فهل لهم علامة في الظاهر يعرفون بها؟ وهل يلزم تصديقهم إذا ادعوا الولاية؟ وما الفرق بين النبوة والولاية؟ وما المحدث من الأولياء؟ قال: الفرق بين النبوة والولاية، أن النبوة كلام ينفصل من الله وحيا، معه روح من الله. فيقضى الوحي ويختم بالروح. فبه قبوله. فهذا الذي يلزم تصديقه؛ ومن رده فقد كفر، لأنه رد كلام الله تعالى. والولاية لمن ولى الله حديثه، على طريق أخرى، فأوصله إليه. فله الحديث. وينفصل ذلك الحديث من الله، عز وجل، على لسان الحق. معه السكينة. تتلقاه السكينة، التي في قلب المحدث، فيقبله ويسكن إليه. قال قائل: وما الحديث من الكلام؟ وما الفرق بينهما؟

Section V01/P033–V01/P035

قال: الحديث ما ظهر من علمه الذي برز في وقت المشيئة. فذلك حديث النفس، كالسر. وإنما يقع ذلك الحديث من محبة الله تعالى لهذا العبد. فيمضي مع الحق إلى قلبه، فيقبله القلب بالسكينة. فمن رد هذا لم يكفر، بل يخيب ويصير وبالا عليه، ويبهت قلبه، لأن هذا رد على الحق ما جاءت به محبة الله، من علم الله في نفسه، فأودعه الحق وجعله مؤيدا لهذا القلب، والأول رد على الله كلامه ووحيه وروحه. فالمحدثون لهم منازل: فمنهم من أعطي ثلث النبوة، ومنهم من أعطي نصفها، ومنهم من له الزيادة حتى يكون أوفرهم حظا في ذلك من له ختم الولاية! قال القائل: إني أهاب القول أن يكون لأحد من النبوة شيء، سوى الأنبياء. قال: ألم يبلغك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: ((الاقتصاد والهدى والسمت الحسن جزء من أربعة وعشرين جزءا من أجزاء النبوة)). فإذا كان المقتصد له من أجزاء النبوة ما ذكر فما ظنك بالسابق المقرب؟ قال القائل: وما الروح، وما الوحي، وما الحق، وما السكينة، وما المحبة؟ قال: الوحي والروح، ما قال الله تعالى في كتابه: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا}. (وذكر السكينة) فقال (عز اسمه): {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} والمحبة في قوله تعالى: {يحبهم ويحبونه} والحق هو حقيقة التوحيد، الذي ورد على القلب. قال له القائل: قد عرفت أنه مذكور كله في التنزيل. وإنما ابتغيت معرفة نفس هذه الأشياء، لا الأسماء! قال: هيهات! أنت تحتاج إلى الصبر عن معرفة هذا، حتى إذا رقي بك طريق الإرادة، إلى محل القربة، فقربت هناك فسل حينئذ عن هذه الأشياء. فإن أولئك (أهل القربة) بحاجة إلى معرفة هذا، وهم على مكانتهم في مراتب القربة. هناك تشخص أبصارهم إلى من يعرف هذا، عند سادات الأولياء المحدثين. فإن علم هذه الأشياء عندهم. وهو الحكمة العليا، التي يقال لها: حكمة الحكمة. قال له القائل: قد وصفت الفرق بين النبي والمحدث، فما صفة هؤلاء الآخرين من الأولياء؟ قال: إن أهل الطريق يناجون، والمحدثون يحدثون والحديث من حيث أعلمتك. والنجوى من العطاء، ترمى إليه مقالات من بعد، كأن قائلا يقول كذا. ليس معه حراس النبيين ولا المحدثين: من الروح والسكينة وتولية الوحي. فصاحبه منه في ريب، لا يأمن أن يخالطه العدو بشيء، أو تمازجه النفس بخدعها ودواهيها. وكم من مريد غلط، استمع إلى نجواه فركن إليها، وقد مازجته النفس بدواهيها، فإذا هو ضحكة للشيطان! تحدثه نفسه بشيء، فيحسبه من الله، فركن إليها. قال له القائل: وهل يأمن المجذوب أو المحدث أن تكون نفسه تأتي بمثل ذلك، أو عدوه. قال: فأين الحق والسكينة؟ وكما أن النبوة من الله، فكذلك الحديث من الله، على جهة ما ذكرت لك. وكما أن النبوة محروسة بالوحي والروح، فكذلك الحديث محروس بالحق والسكينة. فالنبوة يأتي بها الوحي، والروح قرينه. والحديث يأتي به الحق، والسكينة قرينه. والسكينة مقدمة النبوة، والحديث في قلب النبي، والمحدث ثابت. وإنما سميت (السكينة) سكينة، لأنها تسكن القلب عن الريب والحرارة، إذا ورد الحق بالحديث عن الله تعالى. وكذلك الروح يعمل عمله في القلب، إذا ورد الوحي عن الله تعالى. ألا ترى أن بني إسرائيل لما أعطوا السكينة، ووجدوا ثقلها، وعلموا أنهم يعجزون عن احتمالها على القلوب - سألوا الله تعالى أن يجعلها لهم في التابوت، فكانت تنطق من التابوت، وتسكن القلوب بنطقها، فيعملون على ذلك. ولما أمر الله إبراهيم، عليه السلام، ببناء البيت، قرن به السكينة، حتى أتى البقعة، فالتوت السكينة حتى صارت بمقدار البيت. ثم نادت: أن ابن على مقدار ظلي. فالسكينة مقدار من الله، يلتوي وينتقص ويمتد بمقدار ما يريد الله. فهي حارس ما يورده الوحي ويورده الحق، وقائل ومسكن. فأي ريب ههنا مع هذا؟ (الفصل الحادي عشر) (إلقاء الشيطان ونسخ الرحمن) قال له قائل: أفليس للعدو مع هذا سبيل؟

Section V01/P035–V01/P037

قال: سبيله ههنا، كسبيله في الوحي. أليس الله قد ابتلى الرسل بذلك؟ فهل ترك الله ذلك الأمر في لبس؟ أليس قد نسخ ما ألقى الشيطان، فأحكم آياته؟ وإنما كان ذلك مرة واحدة، وقال (عز وجل) في تنزيله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول الله ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} فكان ابن عباس، رضي الله عنهما، يقرؤها: {ولا محدث} ويخبر أن ذلك كان مما يتلى ثم ترك. حدثنا بذلك الجارود. وحدثنا سفيان ابن عيينة عن عمر بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما! كما ترك قوله: ((لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثا))، أو كآية الرجم؛ وأشياء كثيرة. وكان قرن الرسالة والنبوة والحديث في طلق واحد، على قراءة ابن عباس، فصيرهم من المرسلين. قال له قائل: كيف صيرهم من المرسلين؟ قال: لم أعن المرسلين (من الله) إلى الخلق؛ إنما عنيت المرسلين من الله، عز وجل (لا إلى أحد). فكل من ولي الله أمره واصطنعه واتخذه، فهو مرسل إلى الدنيا ومبعوث. ألا ترى إلى ما ذكر من أعدائه، الذين كان أعدهم عقوبة لعباده، من بني إسرائيل؟ فقال: {بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} وهو بعث في الشر والعقوبة. وهؤلاء بعثوا في الخير والغياث، بقوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي .. .. } أي: ما أرسلنا من نبي. فهل أرسل نبي إلى أحد؟ فلو كان كذلك فهو الرسول. وأي شيء الفرق بين الرسول والنبي؟ الرسول هو الذي يتنبأ ويرسل إلى قوم يخبرهم ويؤدي الرسالة. والنبي هو الذي يتنبأ ولا يرسل إلى أحد؛ فإذا سئل أخبرهم، وهو، في خلال ذلك، يدعو الخلق إلى الله تعالى، ويعظهم ويبين لهم السبيل في شريعة الرسول. فالرسول له شريعة، قد أتى بها عن الله تعالى، ويدعو القوم إلى تلك الشريعة. والنبي هو الذي لم يرسل (إلى الخلق). وهو يتبع شريعة ذلك الرسول، ويدعو الخلق إلى تلك الشريعة، التي أتى بها الرسول، ويدلهم عليها وكذلك المحدث، يدعو إلى الله عز وجل على سبيل تلك الشريعة ويدلهم عليها وما يرد عليه، على لسان الحق عند الله تعالى، هو بشرى وتأييد وموعظة، ليست بناسخة لشيء من الشريعة، بل هي موافقة لها. فما خالفها فهو وسواس. فهذا الرسول والنبي والمحدث. قد قرن ابن عباس رضي الله عنهما، في تلاوة التنزيل ذكرهم في طلق واحد، بأنهم مرسلون من عند الله تعالى وقد أخذ الله ميثاق كل واحد منهم على حدته: ميثاق الرسول برسالته؛ وميثاق النبي بنبوته؛ وميثاق المحدث بولايته. وهم كلهم يدعون إلى الله تعالى. إلا أن الرسول يقتضي أداء الرسالة بالشريعة، والنبي يقتضي الخبر عن الله، ومن ردهما فقد كفر. والمحدث، حديثه له تأييد وزيادة بينة في شريعة الرسول. فإن أنفقه على عباد الله، كان له به إلى الله تعالى وسيلة ورحمة. ومن رده خاب عن بركته ونوره، لأنه أمر رشيد، يدعو إلى الله تعالى ويدل عليه. كما ذكر علي، رضي الله عنه، حين سئل عن ذي القرنين، فقال: عبد ناصح الله فنصحه. وكما ذكر الله تعالى لقمان في تنزيله، فقال: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} ثم قال: {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} وقال {هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} أي: على معانية - ثم قال: {أنا ومن اتبعني} فالدعاة إلى الله تعالى على بصيرة هم (الدين) تابعوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، على طريق الصفاء. ومن لم يبلغ ذلك، فهو داع إلى الحق.

Section V01/P037–V01/P040

عدنا إلى ما كنا فيه. فقال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} {ثم يحكم الله آياته} وإنما وجد الشيطان سبيلا إلى قلبه، حتى أدرج وسوسة في الوحي، بأمنية النفس. فأمنية النفس خطرات. فإذا ابتلى بخطرة واحدة، وجد العدو سبيلا إلى قلبه بتلك الواحدة. لأن الخطرة إذا التفت صاحبها إليها، فقد فتق الباب المغلق. فرمى العدو كلمة في ذلك الفتق فمرت الكلمة وصار الباب رتقا، كما كان وجرت الكلمة مندرجة في كلام الله في غطاء الأمنية، مخفية مستورة عن القلب حتى إذا انتبه القلب، لما فيه، وأخذه من الذهول والفزع ما لا يحاط به وصفا - عزاه الله بعظم المصيبة، التي حلت به، من أجل ذلك قال (تعالى): {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى .. .. } حل به هذا. فلست بأول من ابتلى بهذا. وإنما نبه (الله عز وجل) بما جرى، لينسخ عن لسانه كلمة الشيطان ويحكم آياته. وهل كان هذا إلا مرة واحدة؟ أفليس قد قبل (النبي عليه الصلاة والسلام) من الوحي ما جاء بعد ذلك؟ وهل اتهم نفسه وقلبه فيما كان بعد ذلك؟ بل قال: أنه قد تبين من أمري ما تبين، فكيف لي بأن لا أصدق ما يرد على قلبي بعد هذا؟ فهل وقع في ريب مما جاء به الوحي بعد ذلك، بأثر عمل الروح على قلبه حتى يصدر الوحي مقبولا؟ وكذلك المحدث، إن حل به مثل هذا، لم يتركه الله حتى يتداركه فينسخ عن قلبه ما اندرج في حديثه، عن رمي الشيطان؛ حتى يطمأن بعد ذلك، إلى ما يرد بعد ذلك من الحديث. (وإلا) فأين عمل السكينة؟ وأين حراسة الحق، وأداؤه عن الله، عز وجل؟ فشأن المحدث، أعظم من أن يستخف بحديثه والرسول، عليه السلام، يقول: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) فإذا كانت الفراسة مما يتقي، وهي جزء من أجزاء الحديث، فكيف الحديث؟ حدثنا الجارود عن الفضل بن موسى عن زكريا بن زائدة عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كان في الأمم قوم يتكلمون، من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يك في أمتي فعمر منهم)) يعني: عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. قوله: ((يتكلمون)) أي: عن الله تعالى. حدثنا عبد الجبار عن سفيان عن ابن عجلان، عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((قد كان في الأمم محدثون، فإن يك في أمة فعمر بن الخطاب)). فالمحدث له الحديث والفراسة والإلهام والصديقية. والنبي له ذلك كله والتنبؤ. والرسول له ذلك كله والرسالة. ومن دونهم من الأولياء، لهم الفراسة والإلهام والصديقية. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: ((أن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه)). حدثنا ابن أبي بكر العمري، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي إدريس، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقري عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه)). ويروى عن ابن عمر أنه قال: كنا نعد السكينة تنطق. وما حذر عمر شيئا إلا نزل. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: ((ما لقي الشيطان عمر إلا فر لوجهه)). فهل كان هذا، إلا من سلطان الحق وحراس الولاية؟ ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لو كان بعدي نبي لكان عمر)). حدثنا (بذلك) سليمان بن نصر، قال: حدثنا المقري عن حيوية عن شريح. قال له قائل: فإن ورد على قلبه شيء لا يوافق الكتاب؟

Section V01/P040–V01/P042

قال: إن ولاية الله تعالى تغيثه، كما أغاثت الرسول في رسالته، حتى نسخ عن قلبه وحي الشيطان. ومحال أن يكون قلب، موصوف بهذا، أن يترك مخذولا. فلو جاز لهذا أن يدوم، لبطلت إذن الولاية. وإنما يجوز هذا التخليط، ودوام مثل هذه الأشياء لمثل هؤلاء المريدين الذين هم في هذا الطريق. (الفصل الثاني عشر) (أهل القربة) و(أما) من وصل إلى المرتبة، ومعه نفسه مشحونة بدواهي مكامن النفس، وألزم المرتبة على شريطة اللزوم ليهذب - فهو كالمكاتب الذي يعتق على مال: فهو عبد ما بقي عليه درهم. وأما من أعتق جودا أو رحمة عليه، فقد صار حرا لا تبعة عليه لمن كان يملكه. وكذلك هذا (الولي) أعتق على شريطة لزوم المرتبة، فهو كالمكاتب؛ وهو عبد ما بقي عليه خلق من أخلاق النفس. والمجذوب أعتقه الله تعالى من رق النفس. فجذبه إليه، فصار حرا. وألزم المرتبة حتى هذب وأدب وطهر وزكى. فأعتقه الله تعالى من رق النفس بجوده، بلا تبعة، فصار حرا لم يبق للنفس فيه مطالبة بخلق من أخلاقها. فهو أيضا مجذوب من المرتبة. وقد بين الله تعالى في تنزيله ذلك، فقال: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} فالمجتبي من اجتباه الله وجذبه، فهو من أهل اجتبائه بالمشيئة. والآخر ممن هداه الله للوصول إليه بالإنابة. فالأول من أهل مشيئته، والثاني من أهل هدايته. ولا تخلو الدنيا في هذه الأمة، من قائم بالحجة، كما قال علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه!: ((اللهم، لا تخل الأرض من قائم بالحجة، كي لا تبطل حجج الله وبيناته)). وقال عز وجل في تنزيله: {وقل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} أي: على معاينة: {أنا وما اتبعني} فلم يجعل الدعاء إلى الله إلا على بصيرة، ولم يجعلها إلا لتابعيه (محمد عليه الصلاة والسلام) فتابعوه، من تابعه على جميع ما جاء به من عند الله قلبا وقولا وفعلا: وهم أهل هذه الطبقة. قال له قائل: فما علامة الأولياء في الظاهر؟ قال: أولها ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قيل له: ((من أولياء الله؟ قال: الذين إذا رأوا ذكر الله)). وما روي عن موسى، عليه السلام، أنه قال: ((يا رب، من أولياؤك؟ قال: الذين إذا ذكرت ذكروا، وإذا ذكروا ذكرت)). الثانية أن لهم سلطان الحق، لا يقاومهم أحد حتى يقهره سلطان حقهم. والثالثة أن لهم الفراسة. والرابعة أن لهم الإلهام. والخامسة أن من آذاهم صرع وعوقب بسوء الخاتمة، والسادسة، اتفاق الألسنة بالثناء عليهم، إلا من ابتلى بجسدهم. السابعة، استجابة الدعوة وظهور الآيات. مثل طي الأرض، والمشي على الماء، ومحادثة الخضر، عليه السلام الذي تطوى له الأرض، برها وبحرها، سهلها وجبلها، في طلب مثلهم شوقا إليهم. وللخضر، عليه السلام، قصة عجيبة في شأنهم. وقد كان عاين شأنهم في البدء، ومن وقت المقادير فأحب أن يدركهم. فأعطي الحياة حتى بلغ من شأنه أنه يحشر مع هذه الأمة وفي زمرتهم، حتى يكون تبعا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهو رجل من قرن إبراهيم الخليل، وذي القرنين، وكان على مقدمة جنده، حيث طلب ذو القرنين عين الحياة ففاتته وأصابها الخضر في قصة طويلة. وهذه آياتهم وعلاماتهم، فأوضح علاماتهم ما ينطقون به من العلم من أصوله. قال له قائل: وما ذلك العلم؟ قال: علم البدء، وعلم الميثاق، وعلم المقادير، وعلم الحروف. فهو أصول الحكمة، وهي الحكمة العليا. وإنما يظهر هذا العلم عن كبراء الأولياء، ويقبله عنهم من له حظ من الولاية. وأما شمائلهم: فالقصد، والهدي، والحياء، واستعمال الحق فيما دق وجل، وسخاوة النفس، واحتمال الأذى، والرحمة، والنصيحة، وسلامة الصدر، وحسن الخلق مع الله في تدبيره ومع الخلق في أخلاقهم. قال له قائل: فهذا الذي يصفه بعض الناس، أن الولي لا يرى، وأنه في قباء الله تعالى، وأنه مبرقع في برقع الله تعالى، وأنه يأكل الحشيش، ولا يرى من أمر الدنيا إلا ما يستره، وأنه لا يكلم أحدا ويحسب في نفسه أنه شر على الخلق، ويمقت نفسه؟

Section V01/P042–V01/P044

قال: هذا قول رجل أحمق، يتوهم أشياء من تلقاء نفسه. لم يخطر بباله قط، شأن الولاية على وجهه. وهو قول رجل لم يشم من روح هذا الطريق؛ ومعه اشتغال بنفسه. وهو يحسب أنه قد بلغ المنتهى، عتاهة وبلاهة و(لا) يرى خدائع نفسه. فهو يرى نفسه (أن) شأن الولي لا يستقيم أمره حتى يهرب من الخلق، ويعتصم بالمفاوز، ويكون غامضا لا يعرف، ويجتزئ بالدون من المعاش. هذا رجل يبتغي الولاية من طريق الجهد، والصدق. ولا يعلم أن لله عز وجل، عبادا نالوا ولايته من طريق المنة! و(قد) يقويه أيضا ما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال، عن ربه عز وجل: ((أن أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه، وكان غامضا في الناس. عجلت له منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه فيقوى على ما توهم في نفسه من هذا الحديث. أفلا يرجع إلى عقله فيعلم أن أولياء الله بينهم تفاوت؟ فإن الولي الذي يطلب غموضا في الناس، ويخفي شأنه إنما يفعل ذلك من أجل أنه لم يصل إلى الله، فتحرق أنوار الوصول شهوات نفسه. وهذا مكان الضعفاء. وحق للولي الضعيف أن يفعل ذلك ويكون على حذر من الأدناس. فإنه إن لم يفعل ذلك، لم يحل محل القدس. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: ((مؤمن قوي، ومؤمن ضعيف. والمؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف. وكلاهما يحبه الله، عز وجل)). وهذا هو الذي ذكرنا. ولو كان كما وصف من شأن الولي، لكان له الفضل على الصديق والفاروق فنعوذ بالله أن يكون كما وصف من شأن الولي وصفة الأولياء. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس الأولياء، وبعده الصديق، رضي الله تعالى عنه، وبعده الفاروق رضي الله عنه. فهل كان أحد منهم غامضا في الناس؟ وفيما حكى الله تعالى في تنزيله فقال: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} إلى آخر الآيات، وقال: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما}. فمن سأل ربه، عز وجل، الإمامة للمتقين، هل يكون غامضا في الناس؟ أليس الله قد أثنى عليهم وقال: هم أصحاب الغرف في عليين، فقال: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} أي: على هذه الخصال، وعلى الكون بين يدي الله تعالى بقلوبهم، فلم تقدر النفس أن تأخذهم. والذي وصف هذا الرجل من شأن الولي، إنما قاسه على بلاء نفسه واشتغاله بها. فظن أن الولي إنما يكون أبدا هاربا من هذه الأشغال. ولا يعلم أن لله تعالى عبادا قد قطع لهم من خزائن المنن قطائع. فجاءت تلك الأنوار فطارت بقلوبهم إلى العلاء، فجالت بهم في الملكوت، ملكا ملكا، إلى ذي العرش حتى أحرقت جميع ما في نفوسهم من نواجم النفس. ثم مالت إلى نفوسهم فأحرقت جميع ما فيها. ثم تتبعت المكامن التي منها النواجم فأحرقتها. فصارت نفوسهم كمفازة جرداء، وقلوبهم زهر بمصباح الله تعالى! كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب المؤمن فقال: ((قلبه أجرد أزهر)). وكما وصفه في حديث آخر، حيث قيل له: ((أي المؤمنين أفضل؟ فقال: كل مؤمن محموم القلب. قيل له: وما محموم القلب؟ قال: التقي، النقي، الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد)). وإنما يخفي شأن الولي على صنفين من الناس: على هؤلاء البله الذين قد تبلهت قلوبهم من الجهل؛ والصنف الآخر على قوم في زي الأشكال. قد تنسموا من روح هذا الطريق شيئا، فأعماهم حسد نفوسهم عن شأنه، فصار مثلهم في ذلك، كما حكى الله تعالى، في تنزيله عن أهل عداوته، فقال: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} وقال عز وجل: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة} الآية. وإنما يكون المؤمن في عمى من شأن نفسه، حتى يلاقي طريق الرسول في حياته، أو يفتح الله لقلبه الطريق إليه حتى يصل إليه، فتقع مناجاته في مجالس الملك بين يديه.

Section V01/P044–V01/P046

وأين قول الله، عز وجل: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} فهل البينة إلا لهؤلاء؟ وهل الشاهد إلا الحديث، الذي يرد على قلبه والسكينة التي تقبله؟ (الفصل الثالث عشر) (خاتم الأولياء) قال له قائل: وما صفة ذلك الولي، الذي له إمامة الولاية ورياستها وختم الولاية؟ قال: ذلك من الأنبياء قريب، يكاد يلحقهم. قال: فأين مقامه؟ قال: في أعلى منازل الأولياء، في ملك الفردانية، وقد انفرد في وحدانيته. ومناجاته كفاحا في مجالس الملك، وهداياه من خزائن السعي. قال: وما خزائن السعي؟ قال: إنما هي ثلاث خزائن: المنن للأولياء، وخزائن السعي لهذا الإمام القائد؛ وخزائن القرب للأنبياء عليهم السلام. فهذا (خاتم الأولياء) مقامه من خزائن المنن، ومتناوله من خزائن القرب: فهو في السعي أبدا. فمرتبته ههنا ومتناوله من خزائن الأنبياء، عليهم السلام، قد انكشف له الغطاء عن مقام الأنبياء ومراتبهم وعطاياهم وتحفهم. قال له قائل: فهل تخاف هذه الطبقة من الأولياء على أنفسهم؟ قال: خوف ماذا؟ قال: خوف الله، عز وجل. قال: لو قسم خوفهم على أهل الأرض لوسعهم، وذلك أن خوف المنفرد لا يوصف: فكل شعرة منه بحيالها قد أخذتها هيبة الله عز وجل. وكل عرق منه قد امتلأ من عظمة الله سبحانه! وانفرد صدره وقلبه لوحدانيته. واكتنفته رحمة (الله) وشملته رأفته، فبهما يتصرف في أموره ويتبسط. حدثنا حفص بن عمر، رضي الله عنه، حدثنا محمد بن بشر العبدي، حدثنا عمر ابن أسد التميمي عن يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((سيروا! سبق المفردون. قالوا: يا رسول الله، وما المفردون؟ قال: الذين اهتروا في ذكر الله. يأتون يوم القيامة خفافا، يضع الذكر عنهم أثقالهم)) وهم الذين وصفهم في حديث آخر: حدثنا بذلك أي، حدثنا الجماني، حدثنا صفوان بن أبي الصهباء، عن بكر بن عتيق، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن جده عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن ربه، عز وجل، قال: ((من شغله ذكره عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين)). والمشغول بذكره عن مسألته هذا محله منه ونواله، فكيف بالمشغول عن ذكره به؟ إن هذا الأمر أجل من أن يفهمه ((الحطاميون)) و((البلعميون)). قيل له: وما ((الحطاميون)) وما ((البلعميون))؟ قال: من أوتي ما أوتي من آيات الله وعلم هذا الطريق {فانسلخ منها} {أخلد إلى الأرض واتبع هواه} فهو يتأكل لهذا الاسم، ويكدر هذا الماء الصافي بجهله. فهم عبيد النفوس لم يخرجوا عن رقها. وشدوا شيئا من هذا الكلام، التقاطا وتوهما ومقاييس، فهم علائق الشيطان؛ يسبحون في ماء كدر، ويتلوثون في حمأة منتنة، فالماء الكدر علمهم، والحمأة مأكلتهم التي يتناولونها بذلك العلم. قال له قائل: فهل يخاف المحدثون سوء العاقبة؟ قال: نعم، ولكن خوف ذهول وقلق. ويكون ذلك كالخطرات ثم يمضي، فإن الله تعالى، لا يحب أن يكدر عليهم منته. قال له قائل: في أي وقت يكون ذلك أعمل فيهم؟ قال: إذا لاحظوا جلال الله، ثم لاحظوا مشيئته، وذكروا سابق علمه فيهم ذهلت منهم القلوب والنفوس. فإذا لاحظوا حظوظهم من الله تعالى التي خرجت لهم من الرأفة والرحمة والمحبة سكنوا. فذلك زمام هذه الأشياء، فلولا بهتهم في شأن العاقبة وذهولهم، لكانت النفوس في هذه الحظوظ التي نالوها، طلعة. ألا ترى الصبي العاقل؟ يبره أقرباؤه وعشيرته، وهو، على تناول برهم، منقبض عنهم: يهابهم ويحتشم من الانبساط. فإذا عاين أبويه انبسط ورفع الحشمة، واستبد واجترأ. فهل ذلك إلا بمعرفته بأبويه، وبما عاين من رأفتهم به ورحمتهم عليه، وبما أبدوا له من مكنون صدورهم من المحبة؟ فكفى بهذا لك دلالة من شأن الطفل تعتبر به!