Qur'an&Sunnah

Kuşeyrî — er-Risâle

Section V01/P412

باب رؤيا القوم

Section V01/P412–V01/P414

قال الله تعالى : ' لهم البشرى في الحياة الدنيا ، وفي الآخرة ' [ يونس : 64 ] . قيل : هي الرؤيا الحسنة يراها المرء ، أو ترى له . أخبرنا أبو الحسن الأهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصري ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم المنقري قال : حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن أبي صالح ، عن أبي الدرداء قال : ' سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : ' لهم البشرى في الدنيا وفي الآخرة ' قال صلى الله علي وسلم : ' ما سألني عنها أحد قبلك . هي الرؤيا الحسنة يراها المرء ، أو ترى له ' . أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي قال : أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد زيد قال : حدثنا علي بن الحسين قال : حدثنا عبد الله بن الوليد ، عن سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي سلمة ، عن أبي قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان ؛ فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتفل عن يساره ، وليتعوذ ؛ فإنها لن تضره ' . أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد عبدوس المزكي قال : حدثنا أبو أحمد حمزة ابن العباس البزار قال : حدثنا عياش بن محمد بن حاتم قال : حدثنا عبد الله ابن موسى ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من رآني في المنام فقد رآني ؛ فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ' . ومعنى الخبر : أن تلك الرؤيا رؤيا صدق ، وتأويلها احق ، وأن الرؤيا نوع من أنواع الكرامات ، وتحقيق الرؤيا خواطر ترد على القلب ، وأحوال تتصور في الوهم إذا لميستغرق النوم جميع الاستشعار ، فيتوهم الإنسان عند اليقظة أنه كان رؤية في الحقيقة ، وإنما كان ذلك تصورا وأوهاما للخلق تقررت في قلوبهم ، وحين زال عنهم الإحساس ، الظاهر تجردت تلك الأوهام عن المعلومات بالحس والضرورة فقويت تلك الحالة عند صاحبها ، فإذا استيقظ ضعفت تلك الأحوال التي تصورها بالإضافة إلى حال إحساس بالمشاهات وحصول العولم الضرورية ، ومثله : كالذي يكون في ضوء السراج عند اشتداد الظلمة ، فإذا طلعت الشمس عليه غلبت ضوء السرج . فيتقاصر نور السراج بالإضافة إلى ضياء الشمس ، فمثال حال النوم كمن هو في ضوء السراج ، ومثال المستيقظ كمن تعالى عليه النهار ؛ فإن المستيقظ يتذكر ما كان متصورا له في حال نومه . ثم ن تلك الأحاديث والخواطر التي كانت ترد على قلبه في حال نومه مرة تكون من قبل الشيطان ، ومرة من هواجس النفس ، ومرة بخواطر الملك ، ومرة تكون تعريفا من الله عز وجل بخلق تلك الأحوال في قلبه ابتداء ، وفي الخبر : ' أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ' . وأعلم أن النوم على أقسام : نوم غفلة ، ونوم عادة ، وذلك غير محمود ، بل هو معلوم ؛ لأنه أخو الموت ، وفي بعض الأخبار المروية : ' النور أخو الموت ' . وقال الله عز وجل : ' وهو الذي يتوفاكم بالليل ، ويعلم ما جرحتم بالنهار ' . وقال تعالى : ' الله يتوفى الأنفس حين موتها ، والتي لم تمت في المناميا ' . وقيل : لو كان في النوم خير لكان في الجنة نوم . وقيل : لما ألقى الله على آدم في الجنة أخرج منه حواء . وكل بلاء به إنما حصل حين حصلت حواء .

Section V01/P414–V01/P415

سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : لما قال إبراهيم لإسماعيل ، عليهما السلام : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك قال إسماعيل : يا أبت ، هذا جزاء من نام عن حبيبه ، لو لم تنم لما أمرت بذبح الولد . وقيل : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : كذب من أدعى حبي ، فإذا جنه الليل نام عني ! ! والنوم ضد العلم ؛ ولهذا قال الشبلي : نعسة في ألف سنة فضيحة . وقال الشبلي : اطلع الحق على الخلق فقال : من نام غفل ، ومن غفل حجب ، فكان الشبلي يكتحل بالملح بعه حتى كان لا يأخذه النوم ، وفي معناه أنشدوا : عجبا للمحب كيف ينام . . . كل نوم على المحب حرام وقيل : المريد : أكله فاقة ، ونومه غلبة ، وكلامه ضرورة . وقيل : لما نام آدم عليه السلام بالحضرة قيل له : هذه حواء لتسكن إليها ، هذا جزاء من نام بالحضرة . وقيل : إن كنت حاضرا فلا تنم ؛ فإن النوم في الحضرة سوء أدب ، وإن كنت غائبا فأنت من أهل الحسرة ولمصيبة ، والمصاب لا يأخذه نوم . وأما أهل المجاهدات فنومهم صدقة من الله عليهم ، وأن الله عز وجل يباهي بالعبد إذا نام في سجوده ، يقول : انظروا إلى عبدي نام وروحه عندي ، وجده بين يدي . وقال الأستاذ : أي روحه في محل النجوى ، وبدنه على بساط العبادة . وقيل : كل من نام على الطهارة يؤذن لروحه أن تطوف بالعرش وتسجد لله عز وجل قال تعالى : ' وجعلنا نومكم سباتا ' . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : شكا رجل إلى بعض المشايخ من كثرة النوم ، فقال : اذهب فاشكر الله تعالى على العافية ، فكم من مريض في شهوة غمضة من النوم الذي تشكو منه . وقيل : لا شيء أشدعلى إبليس من نوم العاصي ؛ يقول : متى ينتبه ويقوم حتى يعصي الله ! ! وقيل : أحسن أحوال العاصي أن ينام : إن لم يكن الوقت له لم يكن عليه . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : توعد شاه الكرماني السهر ، فغلبه النوم مرة ، فرأى الحق ، سبحانه ، في النوم ، فكان يتكلف النوم بعد ذلك ، فقيل له في ذلك ؛ فقال : رأيت سرور قلبي في منامي . . . فأحببت التنعس والمناما وقيل : كان رجل له تلميذان ، فأختلفا فيما بينهما ، فقال أحدهما : النوم خير ، لأن الإنسان لا يعصى الله في تلك الحالة . وقال الآخر : اليقظة خير ، لأنه يعرف الله تعالى في تلك الحالة . فتحاكما إلى ذلك الشيخ فقال : أما أنت الذي قلت بتفضيل النوم فالموت خير لك من الحياة ، وأما أنت الذي قلت بتفضيل اليقظة ، فالحياة خير لك من الموت . وقيل : اشترى رجل مملوكة ، فلما دخل الليل قال : افرشي الفراش . فقالت المملوكة : يا مولاي ، ألك مولى ؟ قال : نعم ، فقالت : ينام مولاك ؟ فقال : لا . قالت : ألا تستحي أن تنام ومولاك لا ينام ! ! وقيل : قالت بنية لسعيد بن جبير : لم لا تنام ؟ فقال : إن جهنم لا تدعني أن أنام . وقيل : قالت بنت لمالك بن دينار : لم لا تنام ؟ فقال : إن أباك يخاف البيات . وقيل : لما مات الربيع بن خيثم قالت بنية لأبيه : الأسطوانة التي كانت في دار جارنا أين ذهبت ؟ فقال : إنه كان جارنا الصالح يقوم من أول الليل إلى آخره ؛ فتوهمت البنية أنه كان سارية ؛ لأنها كانت لا تصعد السطح إلا بالليل فنجده قائما .

Section V01/P415–V01/P417

وقال بعضهم : في النوم معان ليست في اليقظة ؛ منها أنه يرى المصطفى ، صلى الله عليه وسلم ، والصحابة ، والسلف الماضيين في النوم ، ولا يراهم في اليقظة وكذلك يرى الحق في النوم ، وهذه مزية عظيمة . وقيل : رأى أبو بكر الآجري الحق ، سبحانه . في النوم ، فقال له : سل حاجتك . فقال اللهم اغفر لجميع عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : أنا أولى بهذا منك ، سل حاجتك . وقال الكتاني : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال لي : من تزين للناس بشيء يعلم الله منه خلافه شأنه الله . وقال الكتاني أيضا : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقلت : ادع الله أن لا يميت قلبي ، فقال : قل كل يوم أربعين مرة ' يا حي ، يا قيوم ، لا إله إلا أنت ' فإن الله يحيي قلبك . ورأى الحسن بن علي ، رضي الله عنهما ، عيسى بن مريم ، في المنام ، فقال : إني أريد أن اتخذ خاتما ، فما الذي أكتب عليه ؟ فقال : اكتب عليه : ' لا إله إلا الله ، الملك الحق المبين ' فإنه في آخر الأنجيل . وروي عن أبي يزيد أنه قال : رأيت ربي عز وجل في المنام ، فقلت . كيف الطريق إليك ؟ فقال : اترك نفسك وتعال . وقيل : رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام ، فقال : يا أحمد ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني . وقال يحيى بن سعيد القطان : رأيت ربي في المنام فقلت : يا رب ، كم أدعوك فلا تستجيب لي ! ! فقال تعالى : يا يحيى ني أحب أن أسمع صوتك . وقال بشر بن الحارث : رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه في المنام ، فقلت : يا أمير المؤمنين عظني ، فقال : ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء طلبا لثواب الله تعالى ، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الآغنياء ثقة بالله تعالى ، فقلت له : يا أمير المؤمنين : زدني ، فقال : قد كنت ميتا فصرت حيا . . . وعن قريب تصير ميتا عز بدار الفناء بيت . . . فابن بدار البقاء بيتا وقيل : رؤى سفيان الثوري في المنام ؛ فقيل له : ما فعل الله تعالى بك ؟ فقال : رحمني ، فقيل له : ما حال عبد الله بن المبارك ؟ فقال : هو ممن يلج على ربه كل يوم مرتين . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : رأى الأستاذ أبو سهل الصعلوكي أبا سهل الزجاجي في المنام ، وكان الزجاجي يقول بوعيد الأبد ، فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال الزجاجي : الأمر هاهنا أسهل مما كنا نظنه ! ! ورؤي الحسن بن عاصم الشيباني في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : ما يكون من الكريم إلا الكرم . ورؤي بعضهم في المنام فسئل عن حاله ، فقال : حاسبونا فدققوا . . . ثم منوا فأعتقوا ورؤي حبيب العجمي في المنام ، فقيل له : مت يا حبيبي العجمي ؟ ! فقال هيهات . . ذهبت العجمة وبقيت في النعمة . وقيل : دخل الحسن البصري مسجدا ليصلي فيه المقرب ، فوجد إمامهم حبيبا العجمي ، فلم يصل خلفه . لأنه خاف أن يلحن العجمة في لسانه ، فرأى في المنام تلك الليلة قائلا يقول له : لم لم تصل خلفه ؟ لو صليت خلفه لغفر لك ما تقدم من ذنبك . ورؤي مالك بن أنس في المنام . فقيل له : ما فعل الله بك ؟

Section V01/P417–V01/P418

فقال : غفر لي بكلمة كان يقولها عثمان بن عفان رضي الله عنه عند رؤية الجنازة : ' سبحان الحي الذي لا يموت ' . ورؤي في الليلة التي مات فيها الحسن البصري كأن أبواب السماء مفتحة . . وكأن مناديا ينادي : ألا إن الحسن البصري قدم على الله تعالى وهو عنه راض . سمعت أبا بكر بن أشكيب يقول : رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي في المنام على حالة حسنة فقتل : يا أستاذ ، بم وجدت هذا ؟ فقال : يحسن ظني بربي : وقيل : رؤي الجاحظ في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : فلا تكتب بخطك غير شيء . . . بسرك في القيامة أن تراه وقيل : رأيت الجنيد إبليس في منامه عريانا ، فقال له : ألا تستحي من الناس ؟ فقال : هؤلاء لا ناس ، إنما الناس أقوام في مسجد الشونزية أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي ، قال الجنيد : فلما انتبهت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة وضعوا رؤوسهم على ركبهم متفكرين ، فلما رأوني قالوا : لا يغرنك حديث الخبيث . ورؤي النصراباذي بمكة بعد وفاته في النوم ، فقيل له : ما فعل الله تعالى بك : فقال : عوتبت عتاب الأشراف ، ثم نوديت : يا أبا القاسم ، أبعد الاتصال انفصال ؟ فقلت : لا ياذا الجلال ، فما وضعت في اللحد حتى لحقت بالأحد . ورؤي ذو النون المصري في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : كنت أسأله ثلاث حوائج في الدنيا ، فاعطاني البعض ، وأرجو أن يعطيني الباقي ؛ كنت أسأله أن يعطيني من العشرة التي على يد رضوان واحدة ، ويعطيني بنفسه ، وأن يعذبني عن الواحدة التي بيد مالك بعشرة ويتولى هو ، وأن يرزقني أن أذكره بلسان الأبدية . وقيل : رؤى الشبلي في المنام بعد موته ، فقيل له : ما فعل الله تعالى بك ؟ فقال : لم يطالبني بالبراهين على الدعاوي إلا على شيء واحد ، قلت يوما : لا خسارة أعظم من خسران الجنة ، ودخول النار ، فقال لي : وأي خسارة أعظم من خسران لقائي ! ! سمعت الأستاذ أبا علي يقول : رأى الجريري الجنيد في المنام . فقال : كيف حالك يا أبا القاسم ؟ فقال : طاحت تلك الإشارات ، وبادت تلك العبارات ، ومانفعنا إلا تسبيحات كنا نقولها بالغداوات . وقال التباجي : تشهيت يوما شيئا ، فرأيت في المنام كأن قائلا يقول : أيجمل بالحر المريد أن يتذلل للعبيد ، وهو يجد من مولاه ما يريد ؟ ! وقال ابن الجلاء : دخلت المدينة وبي فاقة ، فتقدمت إلى القبر ، وقلت أنا ضيفك يا نبي الله . . فغفوت غفوة ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في نومي وقد أعطاني رغيفا فأكلت نصفه وانتبهت وبيدي النصف الآخر . وقال بعضهم : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول : زوروا ابن عون ؛ فإنه يحب الله ورسوله . وقيل : رأى عتبة الغلام حوراء في المنام علي صورة حسنة ، فقالت له : يا عتبة ، أنا لك عاشقة ، فانظر أن لا تعمل من الأعمال شيئا يحال بيني وبينك ، فقال لها عتبة : طلقت الدنيا ثلاثا لا رجعة لي عليها . حتى ألقاك . سمعت منصورا المغربي يقول : رأيت شيخا في بلاد الشام كبير الشأن ، وكان الغالب عليه الانقباض ، فقيل لي : رأيت شيخا في بلاد الشام كبير الشأن وكان الغالب عليه الانقباض ، فقيل لي : إن أردت أن ينبسط هذا الشيخ معك فسلم عليه وقل له : رزقك الله الحور العين ؛ فإنه يرضى منك بهذا الدعاء . فسألت عن سببه ، فقيل : إنه رأى شيئا من الحور في منامه .

Section V01/P418–V01/P420

فبقي في قلبه شيء من ذلك ، فمضيب وسلمت عليه ، وقلت : رزقك الله الحور العين ، فانبسط الشيخ معي . وقيل : رأى أيوب السختياني جنازة عاص ، فدخل دهليزا ؛ لئك يحتاج إلى الصلاة عليها فرأى بعضهم الميت في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي . وقال لي قل لأيوب السختياني ' قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ' . وقيل : رؤي الليلة التي مات فيها مالك بن دينار كأن أبواب السماء قد فتحت ، وقائلا يقول : ألا إن مالك بن دينار أصبح من سكان الجنة . وقال بعضهم : رأيت الليلة التي مات فيها داود الطائي نورا ، وملائكة صعودا وملائكة نزولا ، فقلت : أي ليلة هذه ؟ فقالوا : ليلة مات فيها داود الطائي وقد زخرفت الجنة لقدوم روحه على أهلها . قال الأستاذ الإمام أبو القاسم القشيري : رأيت الأستاذ أبا علي الدقاق في المنام ، فقلت له : ما فعل بك ؛ فقال : ليس للمغفرة هاهنا كبير خطر ، أقل من حضر هاهنا خطرا ' فلان ' أعيى كذا كذا . ووقع لي في المنام أن ذلك الإنسان الذي ناه قتل نفسا بغير حق . وقيل : لما مات كرز بن وبرة رؤي في المنام كأن أهل القبور خرجوا من قبورهم وعليهم ثياب جدد بيض قيل : ما هذا ؟ قيل : إن أهل القبور كسوا ثيابا جددا لقدوم كرز بن وبرة عليهم . ورؤي يوسف بن الحسين في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي ، فقيل له : بماذا ؟ فقال : لأني ما خلطت جدا بهزل قط . ورؤي أبو عبد الله الزراد في المنام ، فقيل له : ما فعل الله تعالى بك ؟ فقال : أوقفني ، وغفر لي كل ذنب أقررت به في الدنيا ، إلا واحدا استحييت أن اقر به ، فوقفني في العرق ، حتى سقط لحم وجهي ! ! فقيل له : وما ذاك ؟ فقال : نظرت يوما إلى شخص جميل ؛ فاستحييت أن أذكره . سمعت أبا سعيد الشحام يقول : رأيت الشيخ الإمام أبا الطيب سهلا الصعلوكي في المنام ، فقلت له : أيها الشيخ ، فقال : دع الشيخ ! ! فقلت : وتلك الأحوال التي شاهدتها ؟ ! فقال : لم تغن عنا شيئا ، فقلت : ما فعل الله تعالى بك ؟ فقال غفر لي مسائل كانت تسأل عنها العجز فأجبتهم عنها . سمعت أبا بكر الرشيدي الفقيه يقول : رأيت محمدا الطوسي المعلم في المنام ، فقال لي : قل لأبي سعيد الصفار المؤدب : وكنا على أن لا نخول عن الهوى . . . فقد ، وحياة الحب حلتم ، وما حلنا تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا . . . وأظهرتم الهجران ، ما هكذا كنا ! ! لعل الذي يقضي الأمور بعلمه . . . سيجمعنا بعد الممات كما كنا قال : فانتبهت . وقلت ذلك لأبي سعيد الصفار ، فقال : كنت أزرو قبره كل يوم جمعة ، فلم أزره هذه الجمعة . وحكي عن بعضهم أنه قال : رأيت في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله جماعتة من الفقراء ، فبينما هو كذلك إذ نزل من السماء ملكان ، وبيد أحدهما وطئت ، وبيد الآخر إبريق ؛ فوضع الطست بين يدي رسول الله على الله عليه وسلمن فغسل يده ، ثم أمر الملكين حتى غسلوا أيديهم ، تم وضع الطست بين يدين فقال أحدهما للأخر : لا تصب على يده ؛ فإنه ليس منهم ، فقلت يا رسول الله ، اليس قد روى عنك أنك قلت ' المصع من أحب ' ؟

Section V01/P420–V01/P422

فقال : بلى ، فقلت وأنا أحبك ، وأحب هؤلاء الفقراء ، فقال صلى الله عليه وسلم : ' صب على يده ، فإنهم منهم ' وحكي عن بعضهم أنه كان يقول : أبدا : العافية . . العافية ، فقيل له : ما معنى هذا الدعاء ؟ فقال : كنت حمالا في ابتداء أمري ، وكنت حملت يوما صدرا من الدقيق ، فوضعته لاستريح ، فكنت أقول : يا رب ، ولو أعطيتني كل يوم رغيفين من غير تعب لكنت أكتفي بهما ، فإذا رجلان يختصمان . فتقدمت أصلح بينهما : فضرب أحدهما رأسي بشيء أراد أن يضرب به خصمه ، فدمي وحبي . . فجاء صاحب ' الربع ' فأخذهما ، فلما رآني ملوثا بالدم أخذني وظني أنني ممن تشاجر . فأدخلني السجن ، وبقيت في السجن مده أوتي كل يوم برغيفين ، فرأيت ليلة في المنام قائلا يقول لي : إنك سألت الرغيفين كل يوم من غير نصب ، ولم تسال العافية ! ! فأعطك ما سألت . فانتبهت ، وقلت العافية . العافية ، فرأيت باب السجن يقرع ، وقيل : أين عمر الحمال ؟ فأطلقوني وخلوا سبيلي . وحكي عن الكتاني أنه قال : كان عندنا رجل من أصحابنا هاجت عينه ، فقيل له : ألا تعالجها ؟ فقال : عزمت على أن لا أعالجها حتى تبرأ ، قال : فرأيت في المنام كأن قائلا يقول : لو كان هذا العزم على أهل النار كلهم ، لأخرجناهم من النار . وحكي عن الجنيد أنه قال : رأيت في المنام كأني أتكلم على الناس . . فوقف علي ملك . فقال : أقرب ما تقرب به المتقربون إلى الله ماذا ؟ فقلت : عمل خفي بميزان وفي . قال : فولى الملك عني ، وهو يقول : كلام موفق والله . وقال رجل للعلاء بن زياد : رأيت في المنام كأنك من أهل الجنة . فقال : لهل الشيطان أراد أمرا فعصمت منه ، فأشخص إلي رجلا يعينه على مقصوده من إضلالي . وقيل رؤي عطاء السلمي في النوم ، فقيل له : لقد كنت طويل الحزن ، فما فعل الله تعالى بك ؟ فقال : أما والله لقد أعقبني ذلك راحة طويلة وفرحا دائما ، فقيل له : ففي أي الدرجات أنت ؟ فقال : ' مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين . . ' [ النساء : 69 ] الآية . وقيل : رؤيا الأوزاعي في المنام ، فقال : ما رأيت ها هنا درجة أرفع من درجة العلماء ، ثم المحزونين . وقال النباجي : قيل لي في المنام : من وثق بالله في رزقه زيد في حسن خلقه ، وسمحت نفسه في نفقته ، وقلت وساوسه في صلاته . وقيل : رؤيت زبيدة في المنام ، فقيل لها : ما فعل الله تعالى بك ؟ فقالت غفر لي ، فقيل : بكثرة نفقتك في طريق مكة ؟ فقالت : لا ، أما إن أجرها عاد إلى أربابها ، ولكن غفر لي بنيتي . ورؤي سفيان الثوري في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال : وضعت أول قدمي على الصراط ، والثاني في الجنة . وقال أحمد بن أبي الحواري : رأيت في النوم جارية ما رأيت أحسن منها ، يتلألأ وجهها نورا ، فقلت : ما أنور وجهك ، فقالت : تذكر الليلة التي بكيت فيها ؟ فقلت : نعم ، فقالت : حملت إلي دمعتك فمسحت بها وجهي ، فصار وجهي هكذا . وقيل : رأى يزيد القرشي النبي صلى الله عيه وسلم في المنام ، فقرأ عليه ، فقال له : هذه القراءة فأين البكاء ؟ ! وقال الجنيد : رأيت في المنام كأن ملكين نزلا من السماء ، فقال أحدهما لي : ما الصدق ؟

Section V01/P422–V01/P423

فقلت : الوفاء بالعهد ، فقال الآخر : صدق ، ثم صعدا . ورؤي بشر الحافي في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي ، وقال : أما استحييت يا بشر مني ، كنت تخافني كل ذلك الخوف ! ! وقيل : رؤي أبو سليمان الداراني في المنام ، فقيل له ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي ، وما كان شيء أضر عليمن إشارات القوم ! ! وقال علي بن الموفق : كنت أفكر يوما في سبب عيالي من الفقر الذي بهم ، فرأيت في المنام رقعة فيها مكتوب ' بسم الله الرحمن الرحيم : يا ابن الموفق ، أتخشى الفقر وأنا ربك ! ! ' فلما كان وقت الغلس أتاني رجل بكيس فيه خمسة آلاف دينار ، وقال : خذها إليك يا ضعيف اليقين . وقال الجنيد : رأيت في المنام كأني واقف بين يدي الله تعالى فقال لي : يا أبا القاسم : من أين لك هذا الكلام الذي تقول ؟ فقلت : لا أقول إلا حقا ، فقال : صدقت . وقال أبو بكر الكتاني : رأيت في المنام شابا لم أر أحسن منه ، فقلت : من أنت ؟ فقال : التقوى ، قلت : فأين تسكن ؟ قال : في قلب كل حزين ، ثم التفت فإذا امرأة سوداء كأوحش ما يكون ، فقلت : من أنت ؟ فقالت : الضحك ، فقلت : وأين تسكنين ؟ فقالت في كل قلب فرح . مرح . قال : فانتبهت ، واعتقدت أن لا أضحك إلا غلبة . وحكي عن أبي عبد الله بن خفيف أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه قال لي : من عرف طريقا إلى الله تعالى سلكه ، ثم رجع عنه عذبه الله عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين . ورؤي الشبلي في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : ناقشني حتى أيست ، فلما رأى يأسي تغمدني برحمته . وقال أبو عثمان المغربي : رأيت في النوم كأن قائلا يقول لي : يا أبا عثمان ، اتق الله في الفقر ، ولو بقدر سمسمة . وقيل : كان لأبي سعيد الخراز ابن مات قبله ، فرآه في المنام ، فقال له : يا بني ، أوصني . فقال : يا أبت ، لا تعامل الله على الجبن ، فقال : يا بني ، زدني . فقال : لا تخالف الله تعالى فيما يطالبك به ، فقال : زدني . فقال : لا تجعل بينك وبين الله قميصا قال ؛ فما لبس القميص ثلاثين سنة . وقيل : كان بعضهم يقول في دعائه : اللهم الذي لا يضرك وينفعنا لا تمنعه عنا ، فرأى في المنام كأنه قيل له : وأنت . فالشيء الذي يضرك ولا ينفعك فدعه . وحكي عن أبي الفضل الأصبهاني أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقلت : يا رسول الله سل الله أن لا يسلبني الإيمان ، فقال صلى الله عليه وسلم : ذاك شيء قد فرغ الله تعالى منه . وحكي عن أبي سعيد الخراز قال : رأيت إبليس في المنام ، فأخذت عصاي لأضربه ، فقيل لي : إنه لا يفزع من هذا ، إنما يفزع من يكون في القلب . وقال بعضهم : كنت أدعو لرابعة العدوية ، فرأيتها في النوم تقول : هداياك تأتينا على أطباق من نور ، مخمرة بمناديل من نور . ويروى عن سماك بن حرب أنه قال : كف بصري ، فرأيت في المنام كأن قائلا يقول لي : إئت الفرت ، فانغمس فيه ، وافتح عينيك ، قال : ففعلت ، فأبصرت . وقيل : رؤي بشر الحافي في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟

Section V01/P423

فقال : لما رأيت ربي عزوجل قال لي : مرحبا يا بشر ، لقد توفيتك يوم توفيتك ، وما على الأرض أحب إلي منك .

Section V01/P423

باب الوصية للمريدين

Section V01/P423–V01/P424

قال الأستاذ الإمام : لما اثبتنا طرفا من سير القوم ، وضممنا إلى ذلك أبوابا من المقامات ، أردناأن نختم هذا الرسالة بوصية للمريدين ، نرجو من الله تعالى حسن توفيقهم لاستعمالها ، وأن لا يحرمنا القيام بها ، وأن لا يجعلها - سبحانه - حجة علينا . فول قدم للمريد في هذه الطريقة ينبغي أن يكون على الصدق ، ليصح له البناء على أصل صحيح ؛ فإن الشيوخ قالوا : إنما حرموا الوصول لتضييعهم الأصول . . كذلك سمعت الأستاذ أبا علي يقول ؛ فتجب البداية بتصحيح اعتقاد بينه وبين الله تعالى ، صاف عن الظنون والشبه ، خال من الضلالة والبدع ، صادر عن البراهين والحجج . ويقبح بالمريد أن ينتسب إلى مذهب من مذاهب من ليس من هذه الطريقة . وليس انتساب الصوفي إلى مذهب من مذاهب المختلفين ، سوى طريقة الصوفية ، إلا نتيجة جهلهم بمذاهب أهل هذه الطريقة ؛ فإن هؤلاء حججهم في مسائلهم أظهر من حجج كل أحد ، وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب . والناس : إما أصحاب النقل والأثر ، وما أرباب العقل والفكر . وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة ؛ فالذي للناس غيب ، فهو لهم ظهور ، والذي للخلق من المعارف مقصود فلهم من الحق سبحانه ، موجوج ، فهم أهل الوصال ، والناس أهل الاستدلال . وهم كما قال القائل : ليلى بوجهك مشرق . . . وظلامه في الناس ساري فالناس في سلدف الظلام . . . ونحن في ضوء النهار ولم يكن عصر ن الأعصار في مدة الإسلام إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة ، ممن له علوم التوحيد ، وإمامة القوم إلا وأئمة ذلك الوقت من العلماء استسلموا لذلك الشيخ ، وتواضعوا وتبركوا به . . ولولا مزية ، وخصوصية لهم ، وإلا كان الأمر بالعكس . . هذا أحمد بن حنبل كان عند الشافعي ، رضي الله عنهما ، فجاء شيبان الراعي فقال أحمد : أريد يا أبا عبد الله أن أنبه هذا على نقصان علمه ، ليشتغل بتحصيل بعض العلوم . فقال الشافعي : لا تفعل ! ! فلم يقنع ؛ فقال لشيبان : ما تقول فيمن نسي صلاة من خمس صلوات في اليوم والليلة ، ولا يدري أي صلاة نسيها ، ما الواجب عليه : يا شيبان ؟ ! فقال شيبان : يا أحمد ، هذا قلب غفل عن الله تعالى ، فالواجب أن يؤدب حتى لا يغفل عن مولاه بعد ! ! فغشي على أحمد . . فلما أفاق ، قال له الإمام الشافعي ، رحمه الله : ألم أقل لك لا تحرك هذا ! ! وشيبان الراعي كان أميا منهم ، فإذا كان حال الأمي منهم هكذا ، فما الظن بأئمتهم ؟ ؟ وقد حكي أن فقيها من أكابر الفقهاء كانت حلقته بجنب حلقة الشبلي في جامع المنصور ، وكان يقال لذلك الفقيه أبو مران وكان تتعطل عليهم حلقتهم لكلام الشبلي . فسأل اصحاب أبي عمران يوما الشبلي عن مسألة في الحيض ، وقصدوا إخجال ! ! فذكر مقالات الناس في تلك المسألة ، والخلاف فيها . . فقام أبو عمران وقبل رأس الشبلي ، وقال : يا أبا بكر ، استفدت في هذه المسألة عشر مقالات لم أسمعها ، وكان عندي من جملة ما قلت ثلاثة أقاويل . وقيل : اجتاز أبو العباس بن سريج الفقيه بمجلس الجنيد ، رحمهما الله ، فسمع كلامه ، فقيل له : ما تقول في هذا الكلام ؟ فقال : لا أدري ما يقول . . ولكني أرى لهذا الكلام صولة ليست بصولة مبطل . وقيل لعبد الله بن سعيد بن كلاب : أنت تتكلم على كلام كل أحد ، وهاهنا رجل يقال له الجني ، فانظر هل تعترض عليه أم لا ؟ فحضر حلقته . .

Section V01/P424–V01/P426

فسأل الجنيد عن التوحيد فأجابه ، فتحير عبد الله وقال : أعد علي ما قلت ؟ . فأعاده ولكن لا بتلك العبارة . فقال له عبد الله : هذا شيء آخر لم أحفظ ، تعيده علي مرة أخرى . . فأعاد بعبارة أخرى ، فقال عبد الله : ليس يمكنني حفظ ما تقول ! ! أمله علينا ، فقال : إن كنت أجزته فأنا أمليه ، فقام عبد الله ، وقال بفضله ، واعترف بعلو شأنه . فإذا كان أصول هذه الطائفة أصح الأصول ، ومشايخهم أكبر الناس ، وعلماؤهم أعلم الناس ، فالمريد الذي له إيمان بهم : إن كان من أهل السلوك والتدرج إلى مقاصدهم فهو يساهمهم فيما خصوا به من مكاشفات الغيب ، فلا يحتاج إلى التطفل على من هو خارج عن هذه الطائفة ، وإن كان مريدا طريقة الاتباع وليس بمستقبل بحاله ، يريد أن يعرج في أوطان التقليد إلى أن يصل إلى التحقيق فليقلد سلفه ، وليجر على طريقة هذه الطبقة ؛ فإنهم أولى به من غيرهم . ولقد سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الشبلي يقول : ما ظنك بعلم علم العلماء فيه تهمة ! ! وسمعته يقول : سمعت محمد بن علي بن محمد المخرمي يقول : سمعت محمد ابن عبد الله الفرغاني يقول : سمعت الجنيد يقول : لو علمت أن لله علما تحت أديم السماء اشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه ما أصحابنا وإخواننا لسعيت إليه ، ولقصدته . وإذا أحكم المريد بينه وبين الله عقده ، فيجب أن يحصل من علم الشريعة ، إما بالتحقيق ، وإما بالسؤال عن الأئمة ما يؤدي به فرضه ، وإن اختلف عليه فتاوى الفقهاء يأخذ بالأحوط ، ويقصد الخروج من الخلاف ، فإن الرخص في الشريعة للمستضعفين وأصحاب الحوائج والأشغال . وهؤلاء الطائفة ليس لهم شغل سوى القيام بحقه سبحانه ، ولهذا قيل : إذا انحظ الفقير عن درجة الحقيقة إلى رخصة الشريعة فقد فسخ عقده مع الله ، ونقض عهده فيما بينه وبين الله تعالى . ثم يجب على المريد أن يتأدب بشيخ ؛ فإن لم يكن له أستاذ لا يفلح أبدا . هذا أبو يزيد يقول : من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان . وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : الشجرة إذا نبتت بنفسها من غير غراس فإنها تورق ، ولكن لا تثمر ؛ كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يأخذ منه طريقته نفسا نفسا فهو عابد هواه ، لا يجد نفاذا . ثم إذا أراد السلوك فبعد هذه الجملة يجب أن يتوب إلى الله سبحانه من كل زلة ؛ فيدع جميع الزلات : سرها وجهرها ، صغيرها وكبيرها ، ويجتهد في إرضاء الخصوم أولا ، ولم يرض خصومه ، لا يفتح له من هذه الطريقة بشيء . وعلى هذا النحو جروا ، ثم بعد هذا يعمل في حذف العلائق والشواغل ؛ فإن بناء هذا الطريق على فارغ القلب . وكان الشبلي يقول للحصري في ابتداء أمره : إن خطر ببالك من الجمعة إلى الجمعة الثانية التي تأتيني فيها غير الله تعالى فحرام عليك أن تحضرني . وإذا أراد الخروج عن العلائق فأولها : الخروج عن المال ؛ فإن ذلك الذي يميل به عن الحق ، ولم يوجد مريد دخل في هذا الأمر ومعه علاقة من الدنيا إلا جرته تلك العلاقة عن قريب إلى ما منه خرج ، فإذا خرج عن المال ، فالواجب عليه الخروج عن الجاه ، فإن ملاحظة حب الجاه مقطعة عظيمة . وما لم يستو عند المريد قبول الخلق وردهم لا يجيء منه شيء ، بل اضر الأشياء له ملاحظة الناس إياه بعين الإثبات والتبرك به لإفلاس الناس عن هذا الحديث ، وهو بعد لم يصحح الإرادة ، فكيف يصح أن يتبرك به ؟ !

Section V01/P426–V01/P427

فخروجهم من الجاه واجب عليهم ؛ لأن ذلك سم قاتل لهم ، فإذا خرج عن ماله وجاهه فيجب أن يصحح عقده بينه وبين الله تعالى ، وأن لا يخالف شيخه في كل ما يشير عليه : لأن الخلاف للمريد في ابتداء امره عظيم الضرر ؛ لأن ابتداء حاله دليل على جميع عمره . ومن شرطه : أن لا يكون له بقلبه اعتراض على شيخه ، فإذا خطر ببال المريد أن له في الدنيا والآخرة قدرا أو قيمة ، أو على بسيط الأرض أحد دونه لم يصح له في الإرادة قدم ، لأنه يجب أن يجتهد ، ليعرف ربه ، لا ليحصل لنفسه قدرا . وفرق بين من يريد الله تعالى وبين من يريد جاه نفسه ، إما عاجله وإما ، آجله ، ثم يجب عليه حفظ سره حى عن زره إلا عن شيخه ، ولو كنتم نفسا من أنفاسه عن شيخه فقد خانه في حق صحبته ، ولو وقعت له مخالفة فيما شار علي شيخه ، فيجب أن يقر بذلك بين يديه في الوقت ، ثم يستسلم لما يحكم به عليه شيخه عقوبة له على جنايته ومخالفته ، إما بسفر يكلفه ، أو أمر ما يراه . ولا يصح للشيوخ التجاوز عن زلات المريدين ، لأن ذلك تضييع لحقوق الله تعالى ، وما لم يتجرد المريد عن كل علاقة لا يجوز لشيخ أن يلقنه شيئا من الأذكار ، بل يجب أن يقدم التجربة له ، فإذ شهد قلبه للمريد بصحة العزم فحيئذ يشترط عليه أن يرضي بما يستقبله في هذه الطريقة من فنون تصاريف القضاء ، فيأخذ عليه العهد بأن لا ينصرف عن هذه الطريقة بما يستقبله من الضرر والذل ، والفقر والأسقام والآلام ، وأن لا ينجح بقلبه إلى السهولة ، ولا يترخص عند هجوم الفاقات وحصول الضرورات ، ولا يؤثر الدعة ، ولا يستشعر الكسل فإن وقفة المريد شر من فترته . والفرق بين الفترة والوقفة أن الفترة رجوع عن الإرادة وخروج منها ، والوقفة سكون عن السير باستحلاء حالات الكسل . وكان مريد وقف في ابتداء إرادته لا يجيء منه شيء . فإذا جر به شيخه ، فيجب عليه أن يلقنه ذكرا من الأذكار على ما يراه شيخه فيأمره أن يذكر ذلك الاسم بلسانه ، ثم يأمره أن يستوي قلبه مع لسانه ، فيقول له : اثبت على استدامة هذا الذكر كأنك مع ربك أبدا بقلبك ، ولا يجري على لسانك غير هذا الاسم ما أمكنك ثم يأمره أن يكون أبدا في الظاهر على الطهارة ، وأن لا يكون نومه إلا غلبة ، وأن يقلل من غذائه بالتدريج شيئا بعد شيء حتى يقوى على ذلك ، ولا يأمره أن يترك عادته بمرة ، فإن في الخبر : ' إن المنبت لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى ' . ثم يأمره بإيثار الخلوة والعزلة ، ويجعل اجتهاده في هذه الحالة لا محالة في نفي الخواطر الدنية والهواجس الشاغلة للقلب . واعلم ، أن في هذه الحالة قلما يخلوا المريد في أوان خلوته في ابتداء إرادته من الوساوس في الإعتقاد ، لا سيما إذا كان في المري كياسة قلب ، وقل مريد لا تستقبله هذه الحالة في ابتداء إرادته . وهذه من الامتحانات التي تستقبل المريدين ، فالواجب على شيخه إن رأى فيه كياسة ، أن يحيله على الحجج العقلية ، فإن بالعلم يتخلص لا محالة المتعرف مما يعتريه من الوساوس . وإن تفرس شيخه فيه القوة والثبات في الطريقة أمره بالصبر واستدامة الذكر حتى تسطع في قلبه أنوار القبول ، وتطلع في سره شموس الوصول ، وعن قريب يكون ذلك . ولكن لا يكون هذا إلا لأفراد المريدين ، فأما الغالب فأن تكون معالجتهم بالرد إلى النظر ، وتأمل الآيات بشرط تحصيل علم الأصول على قدر الحاجة الداعية للمريد .

Section V01/P427–V01/P429

واعلم أنه يكون للمريدين على الخصوص بلايا من هذا الباب ، وذلك أنهم إذا خلوا في مواضع ذكرهم ، أن يكونوا في مجالس سماع ، أو غير ذلك فيهجس في نفسه ويخطر ، ببالهم أشياء منكرة ، يتحققون أن الله ، سبحانه ، منزه عن ذلك ، وليس تعتريهم شبهة في أن ذلك باطل ، ولكن يدوم ذلك ، فيشتد تأذيهم به ، حتى يبلغ ذلك حدا يكون أصعب شتم وأقبح قول وأشنع خاطر ، بحيث لا يمكن للمريد إجراء ذلك على اللسان ، وإبداؤ لأحد ، وهذا أشد شيء يقع لهم . فالواجب عند هذا ترك مبالاتهم بتك الخواطر ، واستدامة الذكر ، والابتهال إلى الله باستدفاع ذلك . وتلك الخواطر ليست من وساوس الشيطان ، وإنما هي من هواجس النفس ، فإذا قابلها للعبد بترك المبالاة بها ينقطع ذلك عنه . ومن آداب المريد ، بل من فرائض حاله ، أن يلازم موضع إرادته ، وأن لا يسافر قبل أن تقبله الطريق ، وقبل الوصول بالقلب إلى الرب ، فإن السفر للمريد في غير وقته سم قاتل ، ولا يصل أحد منهم إلى ما كان يرجى له إذا سافر في غير وقته . وإذا أراد الله بمريد خيرا ثبته في اول رادته ، وإذا أراد الله بمريد شرا رده إلى ما خرج عنه من حرفته أو حالته ، وإذا أراد الله بمريد محنة شرده في مطارح غربته . هذا إذا كان المريد يصلح للوصول : فأما إذا كان شابا طريقته الخدمة في الظاهر بالنفس للفقراء ، وهو دونهم في هذه الطريقة رتبة ، فهو وأمثاله يكتفون بالترسم في الظاهر ، فينقطعون في الأسفار . وغية نصيبهم من هذه الطريقة حجات يحصلونها ، وزيارات لموضع يرتحل إليه ، ولقاء شيوخ بظاهر سلام ، فيشاهدون الظواهر ، ويكتفون بما في هذا الباب من السير ، فهؤلاء الواجب لهم دوام السفر ، حتى لا تؤديهم الدعة إلى ارتكاب محظور فإن الشاب إذا وجد الراحة والدعة كان في معرض الفتنة . وإذا توسط المريد جمع الفقراء والأصحاب في بدايته فهو مضر له جدا ، فإن امتحن واحد بذلك فليكن سبيله احترام الشيوخ ، والخدمة للأصحاب ، وترك الخلاف عليهم ، والقيام بما فيه راحة الفقير ، والجهد في أن لايستوحش منه قلب شيخ . ويجب أن يكون في صحبته مع الفقراء أبدا خصمهم على نفسه ، ولا يكون خصم نفسه عليهم ، ويرى لكل واحد منهم عليه حقا واجبا ، ولا يرى لنفسه واجبا على أحد . ويجب أن لا يخالف المريد أحدا ، وإن علم أن الحق معه يسكت ، ويظهر الوفاق لكل أحد . وكل مريد يكون فيه ضحك ولجاج ومماراة فإنه لا يجيى منه شيء ! ! وإذا كان المريد في جمع من الفقراء ، إما في سفر أو حضر ، فينبغي أن لا يخالفهم في الظاهر ، لا في أكل ولا صوم ولا سكون ولا حركة ، بل يخالفهم بسره وقلبه ، فيحفظ قلبه مع الله عز وجل ، وإذا أشاروا عليه بالأكل ، مثلا ، يأكل لقمة أو لقمتين ، ولا يعطى نفس شهوتها . وليس من آداب المريدين كثرة الأوراد في الظاهر ، فإن القوم في مكابدة إخلاء خواطرهم ، ومعالجة أخلاقهم ، ونفى الغفلة عن قلوبهم ، لا في تكثير أعمال البر . والذي لابد لهم منه إقامة الفرائض والسنن الراتبة . فأما الزيادة من الصلوات النافلة فاستدامة الذكر بالقلب أتم لهم . ورأس مال المريد : الاحتمال عن كل أحد ، بطيبة النفس ، وتلقي ما يستقبله بالرضا ، والصبر على الضر والفقر ، وترك السؤال والعارضة في القليل ولكثير فيما هو حظ له . ومن لم يصبر على ذلك فليدخل السوق ، فإن من اشتهى من يشتهيه الناس ، فالواجب أن يحصل شهوته من حيث يحصلها الناس : من كد اليمين ، وعرق الجبين . . .

Section V01/P429–V01/P430

وإذا التزم المريد استدامة الذكر وآثر الخلوة فإن وجد في خلوته ما لم يجده قبله إما في النوم وإما في اليقظة ، أو بين اليقظ . والنوم من خطاب يسمع ، أو معنى يشاهد مما يكون نقضا للعادة ، فينبغي أن لا يشتغل بذلك البتة ، ولا يسكن إليه ، ولا ينبغي له أن ينتظر حصول أمثال ذلك ، فإن ذلك كله شواغل عن الحق سبحانه . ولابد له في هذه الأحوال من وصف ذلك لشيخه حتى يصير قلبه فارغا عن ذلك . ويجب على شيخه أن يحفظ عليه سره ، فيكتم عن غيره أمره ، ويصغر ذلك في عينه ، فإن ذلك كله اختبارات والمساكنة إليها مكر ، فليحظر المريد عن ذلك ، وعن ملاحظتها ، وليجعل همته فوق ذلك . واعلم أن أضر الأشياء بالمريد : استئناسه بما يلقى إليه في سره من تقريبات الحق سبحانه له ، ومنته عليه بأني خصصتك بهذا وأفردتك عن أشكالك ، فإنه لو قال بترك هذا فعن قريب سيختطف عن ذلك مما يبدو له من مكاشفات الحقيقة . وشرح هذه الجملة بإثباته في الكتب متعذر . ومن أكام المريد إذا لم يجد من يتأدب به في موضعه أن يهاجر إلى من هو منصوب في وقته لإرشاد المريدين ، ثم يقيم عليه ، ولا يبرح عن سدته إلى وقت الإذن . واعلم أن تقديم معرفة رب البيت - سبحانه - على زيارة البيت واجب ، فلولا معرفة رب البيت ما وجبت زيارة البيت ، والشبان الذين يخرجون إلى الحج ثم زيارة البيت من هؤلاء القوم من غير إشارة إلى الشيوخ فهي بدلالات نشاط النفوس ، فهم متوسمون بهذه الطريقة ، وليس سفرهم على أصل . والذي يدل على ذلك : أنه لا يزداد سفرهم إلا وتزداد تفرقة قلوبهم ، فلو أنهم ارتحلوا من عند أنفسهم بخطوة لكان أحظة لهم من ألف سفرة . ومن شرط المريد إذا زار شخصا أن يدخل عليه بالحرمة ، وينظر إليه بالحشمة ، فإن أهله الشيخ لشيء من الخدمة عد ذلك من جزيل النعمة .

Section V01/P430–V01/P432

فصل عصمة المشايخ ولا ينبغي للمريد أن يعتقد في المشايخ العصمة بل الواجب أن يذوهم وأحوالهم ؛ فيحسن بهم الظن ويراعى مع الله تعالى حده فيما يتوجه عليه من الأمر . والعلم كافية في التفرقة بين ما هو محمود وما هو معلول . فصل ما بقي في قلب المريد من الدنيا وكل مريد بقي في قلبه لشيء من عروض الدنيا مقدار وخطر قاسم الإرادة له مجاز . وإذا بقي في قلبه اختيار فيما يخرج عنه من معلومه فيريد أن يخص به نوعا من أنواع البر ، أو شخصا دون شخص ، فهو متكلف في حاله ، وبالخطر أن يعود سريعا إلى الدنيا ، لأن قصد المريد في حذف العلائق الخروج منها ، لا السعي في أعلى البر . وقبيح بالمريد أن يخرج من معلومه من رأس ماله ، وقنيته ، ثميكون أسير حرفة . وينبغي أني ستوي عنده وجود ذلك وعدمه ، حتى لا ينافر لأجله فقيرا ، ولا يضايق به أحدا ، ولو مجوسيا . فصل قبول قلوب المشايخ للمريد . . أصدق شاهد لسعادته ومن رده قلب شيخ من الشيوخ فلا محالة يرى غب ذلك ، ولو بعد حين . ومن خذل بترك حرمة الشيوخ فقد أظهر رقم شقاوته ، وذلك لا يخطىء . فصل التحذير من صحبة الأحداث من أصعب الآفات في هذه الطريقة صحبة الأحداث ومن ابتلاه الله بشيء من ذلك فبإجماع الشيوخ : ذلك عبد أهانه الله عز وجل وخذل ، بل عن نفسه شغله ، ولو بألف ألف كرامة أهله . وهب أنه بلغ رتبة الشهداء لما في الخبر تلويح بذلك ، أليس قد شغل ذلك القلب بمخلوق ! ! وأصعب من ذلك : تهوين ذلك على القلوب ، حتى يعد ذلك يسيرا ، وقد قال الله تعالى : ' وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ' . وهذا الواسطي رحمه الله ، يقول : إذا أراد الله هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء الأنتان والجيف . سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول : سمعت محمد بن أحمد النجار يقول : سمعت أبا عبد الله الحصري يقول : سمعت فتحا الموصلي يقول : صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال ، كلهم أوصوني عند فراقي إياهم ، وقالوا لي : اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم . ومن ارتقى في هذا الباب عن حالة الفسق ، وأشار إلى أن ذلك من بلاء الأرواح وأنه لا يضر ، وما قالوه من وساوس القائلين بالشاهد ، وإيراد حكايات عن بعض الشيوخ ، لما كان الأولى بهم إسبال الستر عن هناتهم وآفاتهم ، الصادرة منهم فذلك نظير الشرك وقرين الكفر . فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ، ومخالطتهم ؛ فإنه اليسير منه فتح باب الخذلان ، وبدء حال الهجران . ونعوذ بالله من قضاء السوء . فصل الحسد ومن آفات المريد الحسد للإخوان ما يتداخل النفس من خفي الحسد للإخوان والتأثر بما يفرد الله عز وجل به أشكاله من هذه الطريقة ، وحرمانه إياه ذلك . وليعلم أن الأمور قسم ، وإنما يتخلص العبد عن هذا باكفتائه بوجود الحق ، وقدمه عن مقتضى جوده ونعمه . فكل من رأيت أيها المريد قدم الحق ، سبحانه ، رتبته فأحمل أنت غاشيته ؛ فإن الظفراء من القاصدين على ذلك استمرت سنتهم . فصل إيثار الكل بالكل من حق المريد إذا اتفق وقوعه في جمع إيثار الكل بالكل فيقدم الجائع والشبعان على نفسه ، ويتلمذ لكل من أظهر عليه التشيخ ، وإن كان هو أعلم منه ، ولا يصل إلى ذلك إلا بتبريه عن حوله وقوته ، وتوصله إلى ذلك بطول الحق ومنته . فصل

Section V01/P432–V01/P433

وأما آداب المريد في السماع فالمريد لا يسلم له الحركة في السماع بالاختيار ألبتة ؛ فإن ورد عليه وارد حركة لم يكن فيه فضل قوة فبمقدار الغلبة يعذر فإذا زالت الغلبة يجب عليه القعود والسكون ، فإن استدام الحركة مستحليا للوجد من غير غلبة وضرورة لم يصح ، فإن تعود ذلك يبقى متخلفا لا يكاشف بشيء من الحقائق ، فغاية أحواله حينئذ أن يطيب قلبه . وفي الجملة إن الحركة تأخذ من كل متحرك وتنقص من حاله ، مريدا كان أو شيخا ، إلا أن تكون بإشارة من الوقت ، أو غلبة تأخذه عن التمييز . فإن كان مريدا أشار عليه الشيخ بالحركة فتحرك على إشارته فلا بأس إذا كان الشيخ ممن له حكم على أمثاله . وأما إذا أشار عليه الفقراء بالمساعدة في الحركة فيساعدهم في القيام ، وفي أداء مالا يجد منه بدا مما يراعى عن الاستيحاش لقلوبهم . ثم إن صدقه في حاله يمنع قلوب الفقراء من سؤالهم عند المساعدة معهم . وأما طرح الخرقة فحق المريد أن لا يرجع في شيء منه ألبتة ، اللهم إلا أن يشير عليه شيخ بالرجوع فيه ، فيأخذه على نية العارية بقلبه ، ثم يخرج عنه بعده من غير أن يستوحش قلب ذلك الشيخ . وإذا وقع بين قوم عادتهم طرح الخرقة ، وعلم أنهم يرجعون فيها ، فإن لم يكن فيهم شيخ تجب حشمته وحرمته ، وكان طريق هذا المريد أن لا يعود في الخرقة فالأحسن له أن يساعدهم في الطرح ، ثم يؤثر به القوال إذا رجعوا هم فيها ، ولو لم يطرح ؛ فإنه يجوز إذا علم من عادة القوم أنهم يعودون فيما طرحوا فإن القبيح إنما هو سنتهم في العود إلى الخرق ، لا في مخالفته لهم . على أن الأولى الطرح على الموفقة ، ثم ترك الرجوع فيه . ولا يسلم للمريد ألبتة التقاضي على القوال ؛ لأن صدق حاله يحمل القوال على التكرار ، ويحمل غيره على الاقتضاء . ومن تبرك بمريد فقد جار عليه ، لأنه يضره لقلة قوته ، فالواجب على المريد ترك تربية الجاه عند من قال بتركه وإثباته . فصل إن ابتلي مريد بجاه أو معلوم ، أو صحبة حدث ، أوميل إلى امرأة ، أو استنامة إلى معلوم ، وليس هناك شيخ يدله على حيلة يتخلص بها من ذلك ، فعند ذلك حل له السفر والتحول عن ذلك الموضع ، ليشوش على نفسه تلك الحالة . ولا شيء أضر بقلوب المريدين من حصول الجاه لهم قبل خمود بشريتهم . ومن آداب المريد : أن لا يسبق علمه في هذه الطريقة منازلته . فإنه إذا تعلم سير هذه الطائفة ، وتكلف الوقوف على معرفة مسائلهم وأحوالهم قبل تحققه بها بالمنازلة والمعاملة بعد وصوله إلى هذه المعاني ولهذا قال المشايخ : إذا حدث العارف عن المعارف ، فجهلوه ، فإن الاخبار عن لمنازل دون المعارف . ومن غلب علمه منازلته فهو صاحب علم ، لا صاحب سلوك . فصل آداب المريدين أن لايتعرضوا للتصدر ، وأن يكون لهم تلميذا ومريدا فإن المريد ذا صار مرادا ، قبل خمود بشريته وسقوط آفته ، فهو محجوب عن الحقيقة ، لا تنفع أحدا إشارته وتعليمه . فصل إذا خدم المريد الفقراء فخواطر الفقراء أرسلهم إليه . فلا ينبغي أن يخالف المريد ما حكم به باطنه عليه من الخلوص في الخدمة ، وبذل الوسع والطاقة . فصل

Section V01/P433–V01/P435

شأن المريد إذا كان طريقته خدمة الفقراء الصبر على جفاء القوم معه . وأن يعتقد أنه يبذل روحه في خدمتهم . ثم لا يحمدون له أثرا . فيعتذر إليهم من تقصيره . ويقر بالجناية على نفسه ؛ تطبيقا لقلوبهم . وإن علم أنه بريء الساحة ، وإذا زادوه في الجفاء ، فيجب أن يزيدهم في الخدمة والبر . سمع الإمام أبا بكر بن فورك يقول : إن في المثل : ' إذا لم تصبر على المطرقة فلماذا كنت سندانا ' . وفي معناه أنشدوا : ربما جثته لأسلفه العذر . . . لبعض الذنوب قبل التجني فصل وبناء على هذا الأمر وملاكه ، على حفظ آداب الشريعة بناء على هذا الأمر وملاكه على حفظ آداب الشريعة وصون اليد عن المد إلى الحرام والشبهة ، وحفظ الحواس عن المحظورات ، وعد الأنفاس مع الله تعالى عن الغفلات ، وأن لا يستحل مثلا سمسمة فيها شبهة في أوان الضرورات فكيف عند الاختيار ، ووقت الراحات ؟ ! ومن شأن المريد دوام المجاهدة في ترك الشهوات ، فإن من وافق شهوته عدم صفوته . وأقبح الخصال بالمريد رجوعه إلى شهوة تركها لله تعالى . فصل حفظ العهود مع الله تعالى من شأن المريد حفظ عهوده مع الله تعالى فإن نقض العهد في طريق الإرادة كالردة عن الدين لأهل الظاهر . ولا ينبغي للمريد أن يعاهد الله تعالى على شيء باختياره ما أمكنه ، فإن في لوازم الشرع ما يستوفي منه كل وسع : قال الله تعالى في صفة قوم : ' ورهبانية ابتدعوها ، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ، فما رعوها حق رعايتها ' . فصل من شأن قصر الأمل فإن الفقير ابن وقته . فإذا كان له تدبير في المستقبل ، وتطلع لغير ما هو فيه من الوقت ، وأمل فيما يستأنفه لا يجيء منه شيء . فصل أن لا يكون له معلوم وإن قل من شأن المريد أن لا يكون له معلوم وإن قل ولا سيما إذا كان بين الفقراء ؛ فإن ظلمة المعلوم تطفىء نور الوقت . فصل ترك قبول رفق النسوان من شأن المريد ، بل من طريقة سالكي هذا المذهب : ترك قبول رفق النسوان ، فكيف التعرض لاستجلاب ذلك ؟ ! وعلى هذا درج شيوخهم ، وبذلك نفذت وصاياهم . ومن استصغر هذا ، فعن قريب يلقي ما يفتضح فيه . فصل ومن شأن المريد : التباعد عن أبناء الدنيا من شأن المريد : التباعد عن أبناء الدنيا . فإن صحبتهم سم مجرب ! ! لأنهم ينتفعون به وهو ينتقض بهم ، قال الله تعالى : ' ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ' . وأن الزهاد يخرجون المال عن الكيس تقربا إلى الله تعالى ، وأهل الصفاء يخرجون الخلق والمعارف تحققا بالله تعالى . قال الأستاذ الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ، رضي الله تعالى عنه : فهذه وصيتنا إلى المريدين ، نسأل الله الكريم لهم التوفيق ، وأن لا يجعلها وبالا علينا . وقد نجز لنا إملاء هذه الرسالة في أوائل سنة : ثمان وثلاثين وأربعمائة ، نسأل الله الكريم أن لا يجعلها حجة علينا ووبالا ، بل تكون لنا وسيلة ونوالا ، إن الفضل منه مألوف ، وهو بالعفو موصوف . والحمد لله حق حمده ، وصلواته ، وبركاته ، ورحمته على رسوله سيدنا النبي الأمي وآله الطاهرين ، صحبة الكرام المنتخبين ، وسلم تسليما كثيرا .

End of available text.

Questions