Qur'an&Sunnah

Kuşeyrî — er-Risâle

Section V01/P202–V01/P203

فقال السائل : زدني . فقال : ترك كل سبب يوصل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولى لذلك . وقال سهل بن عبد الله : التوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم ، والكسب سنته ؛ فمن بقي على حاله ، فلا يتركن سنته : وقال أبو سعيد الخراز : التوكل : اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب . وقيل : التوكل : أن يستوي عندك الإكثار والتقلل . وقال ابن مسروق : التوكل : الاستسلام لجريان القضاء والأحكام . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله الرازي يقول : سمعت أبا عثمان الحيري يقول : التوكل : الاكتفاء بالله ، تعالى ، مع الاعتماد عليه . وسمعته : يقول : سمعت محمد بن غالب يحكي عن الحسين بن منصور قال : المتوكل المحق لا يأكل شيئا وفي البلد من هو أحق به منه . وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن علي يقول : سمعت منصور بن أحمد الحربي يقول حكي لنا ابن أبي شيخ قال : سمعت عمر بن سنان يقول : اجتاز بنا إبراهيم الخواص ، فقلنا له : حدثنا بأجب ما رأيته في أسفارك ، فقال : لقيني الخضر عليه السلام ، فسألني الصحبة ، فخشيت أن يفسد علي توكلي بسكوني إليه . ففارقته . وسئل سهل بن عبد الله عن التوكل ، فقال : هو قلب عاش مع الله تعالى بلا علاقة . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : للمتوكل ثلاث درجات : التوكل ، ثم التسليم ، ثم التفويض . فالمتوكل يسكن إلى وعده ، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضي بحكمه . وسمعته يقول : التوكل : بداية ، والتسليم : واسطة ، والتفويض نهاية . وسئل الدقاق عن التوكل ، فقال : الأكل بلا طمع . وقال يحيى بن معاذ : لبس الصوف حانوت ، والكلام في الزهد حرفة ، وصحبة القوافل تعرض ، وهذه كلها علاقات . وجاء رجل إلى الشبلي يشكو إليه كثرة العيال ، فقال : ارجع إلى بيتك ، فمن ليس رزقه على الله ، تعالى ، فاطرده عنك . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله بن علي يقول : سمعت أحمد بن عطاء يقول : قرأت على محمد بن الحسين ؛ قال سهل بن عبد الله : من طعن في الحركة فقد طعن في السنة ، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان . وسمعته يقول : سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول : سمعت جعفرا الخلدي يقول : قال إبراهيم الخواص : كنت في طريق مكة ، فرأيت شخصا وحشيا . . فقلت : جنى أم نسي ؟ فقال : جنى . فقلت إلى أين ؟ فقال : إلى مكة . فقلت : بلازاد ؟ فقال . فينا أيضا من يسفر على التوكل فقلت : إيش الوكل ؟ فقال : الأخذ من الله تعالى . وسمته يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت الفرغاني يقول : كان إبراهيم الخواص مجردا في التوكل ، يدقق فيه ، وكان لا يفارقه إبرة وخيوط وكورة . ومقراض فقيل له : يا أبا اسحاق ، لم تحمل هذا وأنت تمتنع من كل شيء ؟ فقال : مثل هذا لا ينقض التوكل ، لأن الله ، سبحانه ، علينا فرائض ، والفقير لا يكون عليه غلا ثوب واحد ؛ فربما يتخرق ثوبه ، فإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته ، فتفسد عليه صلاته ، وإذا لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته ، فإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ، ولا خيوط ، فاتهمه في صلاته .

Section V01/P203–V01/P205

وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ؛ يقول : التوكل : صفة المؤمنين ، والتسليم : صفة الأولياء ، والتفويض : صفة الموحدين ، فالتوكل : صفة العوام ، والتسليم : صفة الخواص : والتفويض صفة خواص الخواص . وسمعته يقول ؛ التوكل صفة الأنبياء ، والتسليم صفة إبراهيم عليه السلام ، والتفويض : صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول : سمعت أبا جعفر الحداد يقول : مكثت بضع عشرة سنة أعتقد التوكل وأنا أعمل في السوق ، وآخذ كل يوم أجرتي ؛ ولا أنتفع منها بشربة ماء ، لا بدخلة حمام ولكن كنت أجيء بأجرتي إلى الفقراء في الشونزية وأكون مستمرا على حالي . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت الخواص يقول : سمعت الحسين أخا سنان يقول : حججت اربع عشرة حجة ، حافيا ، على التوكل ، فكان يدخل في رجلي شوكة فأذكر أني قد اعتقدت على نفسي التوكل ، فأحكها في الأرض وأمشي . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله الواعظ يقول : سمعت خيرا لنساج يقول : سمعت أب حمزة يقول : إني لأستحي من الله تعالى أن أدخل مادية وأنا شبعان ، وقد اعتقدت التوكل ، لئلا يكون سعي على الشبع زادا أتزود به . . وسئل حمدون التوكل . فقال : تلك درجة لم أبلغها بعد ، وكيف يتكلم في التوكل من لم يصح له حال الإيمان ؟ وقيل : المتوكل كالطفل ، لا يعرف شيئا يأوي إليه إلا ثدي أمه ، كذلك المتوكل لا يهتدي إلى إلى ربه تعالى . وعن بعضهم قال ؟ كنت في البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامي واحدا . فتسارعت حتى أدركته ، فإذا هي امرأة بيدها عكاز ، تمشي على التؤدة . . فظننت أنها أعيت ، فأدخلت يدي في جيبي ، فأخرجت عشرين درهما ، فقلت : خذيها وامكثي حتى تلحقك القافلة فتكتري بها . ثم ائتيني الليلة حتى أصلح أمرك . فقالت : بيدها هكذا في الهواء ، فإذا في كفها دنانير ، فقالت : أنت أخذت الدراهممن الجيب ، وأنا أخذت الدنانير من الغيب . ورأى أبو سليمان الداراني رجلا بمكة ، لا يتناول شيئا إلا شربة من ماء زمزم ، فمضى عليه أيام ، فقال له سليمان يوما : أرأيت لو غارت زمزم إيش كنت تشرب ؟ فقام ، وقبل رأسه ، وقال : جزاك الله خيرا ، حيث أرشدتني ، فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام . ومضى . وقال إبراهيم الخواص : رأيت في طريق الشام شابا حدثا ، حسن المراعاة ، فقال لي : هل لك في الصحبة ؟ فقلت : إني أجوع . فقال : إن جعت جعت معك . فبقينا أربعة أيام ، ففتح علينا بشيء ، فقلت : هلم . فقال : اعتقدت أني لا آخذ بواسطة فقلت : يا غلام دققت . فقال : يا إبراهيم ، لا تتبهرج ، فإن الناقد بصير ، مالك والتوكل ؟ ثم قال : أل التوكل : أن ترد عليك موارد الفاقات فلا تسمو نفسك إلا إلى من إليه الكفايات . وقيل : التوكل : نفي الشكوك ، والتفويض إلى ملك الملوك . وقيل : دخل جماعة على الجنيد رحمه الله ، فقالوا : أين نطلب الرزق ؟ فقال : إن علمتم في أي موضوع هو ، فقالوا : ندخل البيت فنتوكل ؟ فقال : التجربة شك . قالوا : فما الحيلة ؟ فقال : ترك الحيلة . وقال أبو سليمان الداراني لأحمد بن الحواري : يا أحمد ، إن طرق الآخرة كثيرة ، وشيخك عارف بكثير منها إلا هذا التوكل المبارك ، فإني ما شممت منه رائحة .

Section V01/P205–V01/P206

وقيل : التوكل : الثقة بما في يد الله تعالى ، واليأس عما في أيدي الناس وقيل التوكل : فراغ السر عن التفكر في التقاضي في طلب الرزق . وسئل الحارث المحاسبي ، رحمه الله ، عن المتوكل : هل يلحقه طمع ؟ فقال : يلحقه من طريق الطباع خطرات ، ولا تضره شيئا ، ويقويه على إسقاط الطمع اليأس مما في أيدي الناس . وقيل : جاع النوري في البادية ، فهتف به هاتف : أيما أحب إليك : سبب أو كفاية . فقال : الكفاية ليس فوقها نهاية ، فبقي سبعة عشر يوما لم يأكل . وقال أبو علي الروذباري : إذا قال الفقير بعد خمسة أيام : أنا جائع ، فالزموه السوق ، ومروه بالعمل والكسب . وقيل : نظر أبو تراب النخشبي إلى صوفي مد يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد ثلاثة أيام . فقال له : لا يصلح لك التصوف إلزم السوق . وقال أبو يعقوب الأقطع البصري : جعت مرة بالحرم عشرة أيام فوجدت ضعفا . فحدثتني نفسي ، فخرجت إلى الوادي ، لعلي أجد شيئا يسكن ضعفي . . فرأيت سلجمة مطروحة . . فأخذتها . . فوجدت في قلبي منها وحشة . وكأن قائلا يقول لي : جعت عشرة أيام وآخره يكون حظك سلجمة متغيرة . فرميت بها ودخلت المسجد فقعدت ، فإذا أنا برجل أعجمي ، جلس بين يدي ووضع قمطرة ، وقال : هذه لك . فقلت : كيف خصصتني بها ؟ فقال : أعلم أنا كنا في البحر منذ عشر أيام . وأشرفت السفينة على الغرق : : فنذر كل واحد منا : إن خلصنا الله ، تعالى ، أن يتصدق بشيء ، ونذرت أنا : إن خلصني الله تعالى أن أتصدق بهذه على أول من يقع بصري عليه من المجاورين وأنت أول من لقيته . فقلت : افتحها ففتحها ، فإذا فيها : كعك سميد مصري ، ولوز مقشور ، وسكر كعاب فقبضت قبضته من ذا ، وقبضة من ذا ، وقبضة من ذا . وقلت رد الباقي إلى صبيانك ، هو هدية مني لكم ، وقد قبلتها . ثم قلت في نفسي : رزقك يسير إليك من عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادي . . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : كنت عند ممشاد الدينوري ، فجرى حيث الدين ، فقال : كان علي دين . فاشتغل قلبي . فرأيت في النوم كأن قائلا يقول : يا بخيل ، أخذت علينا هذا المقدار ، خذ ؛ عليك الأخذ ، وعلينا العطاء فما حاسبت بعد ذلك بقالا ، ولا قصابا ، ولا غيرهم . ويحكى عن بنان الحمال ، قال : كنت في طريق مكة حرسها الله أجيء من مصر ، ومعي زاد ، فجاءتني امرأة ، وقالت لي : يا بنان ، أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد ، وتتوهم أنه لا يرزقك ؟ ؟ . قال فرميت بزادي . ثم أتي على ثلاث لم آكل فوجدت خلخالا في الطريق . . فقلت في نفسي : أحمله حتى يجيء صاحبه ، فربما يعطيني شيئا فأرده عليه فإذا أنا بتلك المرأة ، فقالت لي : أنت تاجر ؟ ؟ تقول : حتى يجيء صاحبه فآخذ منه شيئا ؟ ثم رمت إليه شيئا من الدراهم ، وقالت : أنفقها فاكتفيت بها إلى قريب من مكة . ويحكى عن بنان أنه أحتاج إلى جارية تخدمه ، فانبسط إلى إخوانه فجمعوا له ثمنها ، وقالوا : هو ذا ، يجيء النفر فتشتري ما يوافقك . فلما ورد النفر ، اجتمع رأيهم على واحدة ، وقالوا : إنها تصلح له . فقالوا لصاحبها : بكم هذه ؟

Section V01/P206–V01/P207

فقال : إنها ليست للبيع : فالحوا عليه ، فقال : إنها لبنان الحمال ، أهدتها إليه امرأة من سمرقند فحملت إلى بنان ، وذكرت له القصة . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن الحسين المخزومي يقول : حدثنا أحمد بن محمد بن صالح قال : حدثنا محمد بن عبدون ، قال : حدثنا الحسن الخياط قال : كنت عند بشر الحافي ، فجاء نفر فسلموا عليه ، فقال : من أين أنتم . قالوا : نحن من الشام جئنا لنسلم عليك ، ونريد الحج . فقال : شكر الله تعالى لكم فقالوا : تخرج معنا . فقال : بثلاث شرائط لا تحمل معنا شيئا ، ولا نسأل أحد شيئا ، وإن أعطانا أحد شيئا لا نقبله ؟ قالوا : أما أن لا نحمل ، فنعم . وأما أن لا نسأل ، فنعم ، وأما أن لا نقبل إن أعطينا ، فهذا لا نستطيعه . فقال : خرجتم متوكلين على زاد الحجيج : ثم قال : يا حسن ، الفقراء ثلاثة : فقير لا يسأل ، وإن أعطى لا يأخذ ، فذاك من جملة الروحانيين . وفقير لا يسأل ، وإن أعطي قبل ، فذاك مما يوضع له موائد في حظائر القدس . وفقير يسأل ، وإن أعطي قبل قدر الكفاية ، فكفارته صدقة . وقيل لحبيب العجمي : لم تركت التجارة ؟ فقال : وجدت الكفيل ثقة . وقيل : كان في الزمن الأول رجل في سفر ومعه قرص ، فقال : إن أكلت مت . فوكل الله تعالى به ملكا ، وقال : إن أكله فارزقه ، وإن لم يأكله فلا تطه غيره ، فلم يزل القرص معه حتى مات ، ولم يأكل ، وبقي عنده القرص . وقيل : من وقع في ميدان التفويض يزف إليه المراد كما نزف العروس إلى أهلها ، والفرق بين التضييع والتفويض : أن التضييع في حق الله تعالى ، وذلك مذموم ، والتفويض في حقك ، وهو محمود . وقال عبد الله بن المبارك : من أخذ فلسا من حرام . فليس بمتوكل . سمعت محمد بن عبد الله الصوفي ، رحمه الله ، يقول سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول : سمعت عليا بن محمد المصري يقول : سمعت أبا سعيد الخراز يقول : دخلت البادية مرة بغير زاد ، فأصابتني فاقة ، فرأيت المرحلة من بعيد ، فسررت بأني وصلت . ثم فكرت في نفسي : أني سكنت واتكلت على غيره ، فآليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفرة . وداريت جسدي فيها إلى صدري ، فسمعوا صوتا في نصف الليل عاليا يقول : يا أهل المرحلة ، إن الله تعالى وليا ، حبس نفسه في هذا الرمل ؛ فألحقوه . فجاءني جماعة فاخرجوني وحملوني إلى القرية . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن الحسين المخزومي يقول : سمعت ابن المالكي يقول : قال أبو حمزة الخراساني : حججت سنة من السنين ، فبينما أنا أمشي في الطريق ، إذ وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث ، فقلت : لا والله ، لا استغيث فما استتمت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان : فقال أحدهما للآخر : تعالي حتى نسد رأس هذه البئر ، لئلا يقع فيها أحد . . فأتوا : بصب وباربة ، وطمو رأس البئر ، فهممت أن أصيح ثم قلت في نفسي : أصيح إلى من هو أقرب منهما ! ! . وسكنت ، فبينما أنا بعد ساعة ، إذ أنا بشيء جاء . . وكشف عن رأس البئر ، وأدلى رجله ، وكأنه يقول لي : تعلق بي ، في همهمة له كنت أعرف ذلك منه ، فتعلقت به . . فأخرجني ، فإذا هو سبع ، فمر .

Section V01/P207–V01/P209

وهتف بي هاتف : يا أبا حمزة ، أليس هذا أحسن ! ! نجيناك من التلف بالتلف فمشيت وأنا أقول : أهابك أن أبدي إليك الذي أخفي . . . وسري يبدي ما يقول له طرفي نهاني حيائي منك أن أكتم الهوي . . . وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف وتلطف في أمري . فأبديت شاهدي . . . إلى غائبي واللطف يدرك باللطف تراءيت لي بالغيب ، حتى كأنما . . . تبشرني في الغيب أنك في الكف اراك وبي من هيبتي لك وحشة . . . فتؤنسني باللطف منك وبالعطف وتحيي محبا أنت في الحب حتفه . . . وذا عجب كون الحياة مع الحتف سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا سعدان التاهرتي يقول : سمعت حذيفة المرعشي يقول : وكان قد خدم إبراهيم بن أدهم ، وصحبه ، فقيل له : ما أعجب ما رأيت منه ؟ فقال : بقينا في طريق مكة أياما لم نجد طعاما ، ثم دخلنا الكوفة ، فأوينا إلى مسجد خراب ، فنظر إلى إبراهيم بن أدهم ، وقال : يا حذيفة ، أرى بك أثر الجوع ! ! فقلت : هو ما رأة الشيخ . فقال علي بدواة ، وقرطاس . فجئت به ، فكتب : ' بسم الله الرحمن الرحيم ، أنت المقصود إليه بكل حال ' ، والمشار إليه بكل معنى : أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر . . . أنا جائع أنا نائع أنا عاري هي ستة وأنا الضمين لنصفها . . . فكن الضمين لنصفها يا باري مدحي لغيرك لهب نار خضتها . . . فأجر عبيدك من دخول النار والنار عندي كالسؤال فهل ترى . . . أن لاتكلفني دخول النار ثم دفع إلى الرقعة : قال : أخرج ، ولا تعلق قلبك بغير الله تعالى ، وادفع الرقعة إلى أول من يلقاك . قال : فخرجت . . فأول من لقيني رجل كان على بغلة ، فدفعتها إليه ، فأخذها وبكى ، وقال : ما فعل صاحب هذه الرقعة ؟ فقلت : هو في المسجد الفلاني . فدفع إلي صرة فيها ستمائة دينار . ثم لقيت رجلا آخر ، فقلت له : من صاحب هذه البغلة ؟ فقال لي : هو نصراني فجئت إلى إبراهيم بن أدهم ، وأخبرته بالقصة ، فقال : لا تمسها ، فإنه يجيء الساعة . فلما كان بعد ساعة ، وافى النصراني ؛ وأكب على رأس إبراهيم بن أدهم وأسلم .

Section V01/P209

باب الشكر

Section V01/P209–V01/P210

قال الله عز وجل : ' لئن شكرتم لأزيدنكم ' . وحدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان الأهوازي قال : أخبرنا أبو الحسن الصفار ، قال حدثنا الإسقاطي قال : حدثنا منجاب قال : حدثنا يحيى ابن يعلى ، عن أبي خباب ، عن عطاء ، قال : دخلت على عائشة ، رضي الله عنها ، مع عبيد بن عمير ، فقلت : أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . فبكت ، وقالت : وأي شأنه لم يكن عجبا ؟ . . إنه أتاني في ليلة . . فدخل معى في فراشي ، أو قالت : في لحافي : حتى مس جلدي ، ثم قال : يا بنت أبي بكر ، ذريني أتبعد لربي . قالت : قلت : إني أحب قربك فأذنت له فقام إلى قربة من ماء . فتوضأ وأكثر صب الماء . . ثم قام يصلي . فبكى ، حتى سالت دموعه على صدره . . ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ، ثم رفع رأسه فبكى . فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة . فقلت له : يا رسول الله ، ما يبكيك ، وقدغفر الله لك ماتقدم من ذنبك وماتأخر ؟ ! فقال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ ولم لا أفعل : وقد أنزل الله علي : ' إن في خلق السموات والأرض . الآية ' . قال الأستاذ : حقيقة الشكر عند أهل التحقيق : الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع ، وعلى هذا القول : يوصف الحق سبحانه ، بأنه : شكور ، توسعا ومعناه : أنه يجازي العباد على الشكر ، فسمي جزاء الشكر شكرا ؛ كما قال تعالى : ' وجزاء سيئة سيئة مثلها ' [ الشورى : 40 ] . وقيل : شكره تعالى : إعطاؤه الكثير من الثواب على العمل اليسير ؛ من قولهم : دابة شكور : إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف . ويحتمل أن يقال . حقيقة الشكر : الثناء على المحسن يذكر إحسانه فشكر العبد لله تعالى : ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه ، وشكر الحق ، سبحانه ، للعبد : ثناؤه عليه بذكر إحسانه له ، ثم إن إحسان العبد : طاعته لله تعالى ، وإحسان الحق : إنعامه على العبد بالتوفيق للشكر له ، وشكر نعبد على الحقيقة ، إنما هو : نطق اللسن ، وإقرار القلب بإنعام الرب ، والشكر ينقسم إلى : شكر باللسان : وهو اعترافه بالنعم بنعت الاستكانة . وشكر بالبدن والأركان : وهو اتصاف بالوفاء والخدمة . وشكر بالقلب وهو اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة . ويقال : شكر هو شكر العالمين ، يكون من جملة أقوالهم . وشكر : هو شكر العارفين ، يكون باستقامتهم له في عموم أحوالهم . وقال أبو بكر الوراق : شكر النعمة مشاهدة المنة ، وحفظ الحرمة . قال حمدون القصار شكر النعمة : أ ، ترى نفسك فيه طفيليا . وقال الجنيد : الشكر فيه علة ، لأنه طالب لنفسه المزيد ، فهو واقف مع الله ، سبحانه ، على حظ نفسه . وقال أبو عثمان : الشكر : معرفة العجز عن الشكر . ويقال : الشكر على الشكر أتم من الشكر ، وذلك بأن ترى شكرك بتوفيقه ، ويكون ذلك التوفيق من أجل النعم عليك ، فتشكره على الشكر ثم تشكره على شكر الشكر ، إلا ما لا يتناهي . وقيل : الشكر : إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة . وقال الجنيد : الشكر : أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة . وقال رويم : الشكر : استفراغ الطاقة . وقيل : الشاكر : الذي يشكر على الموجود ، والشكور : الذي يشكر على المفقود . ويقال : الشاكر : الذي يشكر على الرفد ، والشكور : الذي يشكر على الرد .

Section V01/P210–V01/P212

ويقال الشاكر : الذي يشكر على النفع ، والشكور : الذي يشكر على المنع . ويقال : الشاكر : الذي يشكر على العطاء ، والشكور : الذي يشكر على البلاء . ويقال : الشاكر : الذي يشكر عند البذل ، والشكور : الذي يشكر عند المطل . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يقول : سمعت المرتعش يقول : سمعت الجنيد يقول : كنت بين يدي السري ألعب ، وأنا ابن سبع سنين ، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر ، فقال لي : يا غلام ، ما الشكر ؟ فقلت : ألا تعصي الله بنعمة . فقال : يوشك أن يكون حظك من الله لسانك . قال الجنيد ، رحمه الله ، فلا أزال أبي على هذه الكلمة التي قالها السري . وقال الشبلي : الشكر : رؤية المنعم ، لا رؤية النعمة . وقيل الشكر : قيد الموجود ، وصيد المفقود . وقال أبو عثمان : شكر العامة على المطعم والمبس ، وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعاني . وقيل : قال داود ، عليه السلام ، إلهي ، كيف أشكرك ، وشكري لك نعمة من عندك ؟ وقيل : قال داود ، عليه السلام ، إلهي ، كيف أشكرك ، وشكري لك نعمة من عندك ؟ فأوحى الله إليه : الآن قد شكرتني . وقيل : قال موسى عليه السلام في مناجاته : إلهي ، خلقت آدم بيدك ، وفعلت . . وفعلت . فكيف شكرك ؟ فقال : علم أن ذلك مني ، فكانت معرفته بذلك شكره لي . وقيل : كان لبعضهم صديق ، فحبسه السلطان ، فأرسل إليه ، فقال له صاحبه : أشكر الله تعالى ؛ فضرب الرجل ؛ فكتب إليه ، فقال : اشكر الله تعالى ، فجيء بمجوسي مبطون ، وقيد ، وجعلت حلقة من قيده على رجل هذا ، وحلقة على رجل المجوسي ، فكان يقوم المجوسي بالليل مرات وهذا يحتاج أن يقوم على رأسه حتى يفرغ ، فكتب إلى صاحبه ، فقال : أشكر الله تعالى ، فقال : إلى متى تقول ، وأي بلاء فوق هذا ؟ فقال له صاحبه : لو وضع الزنار الذي في وسطه في وسطك ، كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ، ماذا كنت تصنع ؟ وقيل : دخل رجل على سهل بن عبد الله ، فقال له : إن اللص دخل داري ، وأخذ متاعي ! ! فقال له أشكر الله تعالى ، لو دخل اللص قلبك - وهو الشيطان - وأفسد التوحيد ، ماذا كنت تصنع ! وقيل : شكر العينين : أن تستر عيبا تراه بصاحبك . وشكر الأذنين : أن تستر عيبا تسمعه فيه . وقيل : الشكر : التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه عن عطائه . سمعت السلمي يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسن بن يحيى يقول : سمعت جعفرا يقول سمعت الجنيد يقول : كان السري إذا أراد أن ينفعني يسألني ؛ فقال لي يوما : يا أبا القاسم ، ما الشكر ! فقلت له : أن لا يستعان بشيء من نعم الله ، تعالى ، على معاصية . فقال : من أين لك هذا ! فقلت : من مجالستك . وقيل : التزم الحسن بن علي الركن وقال : إلهي . نعمتني فلم تجدني شاكرا . ! وابتليتني فلم تجدني صابرا ، فلا أنت سلبت النعمة بتركي الشكر ولا أدمت الشدة بتركي الصبر . إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم . وقيل : إذا قصرت يدك عن المكافة فليطل لسانك بالشكر . وقيل : اربعة لا ثمرة لأعمالهم : مسارة الأصم ، ووضاع النعمة عند من لا يشكر ، والباذر في السبخة ، والمسرج في الشمس .

Section V01/P212–V01/P213

وقيل : لما بشر إدريس ، عليه السلام ؛ بالمغفرة سأل الحياة ، فقيل له فيه ، فقال لأشكره فإني كنت أعمل قبله للمغفرة ، فبسط الملك جناحه وحمله عليه إلى السماء . وقيل ، مر بعض الأنبياء عليهم السلام بحجر صغير يخرج منه الماء الكثير ، فتعجب منه ، فانطقه الله معه ، فقال : مذ سمعت الله ، تعالى يقول ، ' نارا وقودها الناس والحجارة ' وأنا أبكي من خوفه قال ؛ فدعا ذلك النبي أن يجير الله ذلك الحجر ؛ فأوحي الله تعالى إليه أني قد أجرته من النار ، فمر ذلك النبي ، فلما عاد وجد الماء يتفجر منه مثل ذلك ؛ فعجب منه فانطق الله ذلك الحجر معه ، فقال له لم تبكي ، وقد غفر الله لك ؟ فقال : ذلك كان بكاء الحزن والخوف ، وهذا بكاء الشكر والسرور . وقيل : قدم وفد على عمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، وكان فيهم شاب . فأخذ يخطب ، فقال عمر : الكبر . الكبر . فقال له الشاب : يا أمير المؤمنين ، لو كان الأمر بالسن ، لكان في المسلمين من هو أسن منك ! ! . فقال : تكلم فقال : لسنا وفد الرغبة ، ولا وفد الرهبة . أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك وأما الرهبة فقد أمنتا منها عدلك . فقال له : فمن أنتم ؟ فقال : وقد الشكر ، جئناك نشكرك ونتصرف . وأنشدوا : ومن الرزية أن شكري صامت . . . عما فعلت وأن برك ناطق أرى الصنيعة منك ثم أسرها . . . إني إذن ليد الكريم لسارق وقيل : أوحى الله تعالى لى موسى عليه السلام : أرحم عبادي : ألمبتلي ، والمعافى . فقال : ما بال المعافى ؟ فقال : لقلة شكرهم على عافيتي إياهم . وقيل : الحمد على الأنفاس ، والشكر على نعم الحواس . وقيل الحمد : ابتداء منه ، والشكر : اقتداء منك . وفي الخبر للصحيح : ' لو من يدعى إلى الجنة الحامدون لله على كل حال ' . وقيل : الحمد : على ما دفع ، والشكر : على ما صنع . وحكي عن بعضهم أنه قال : رأيت في بعض الأسفار شيخا كبيرا قد طعن في السن ، فسألته عن حاله ، فقال : إني كنت في ابتداء عمري أهوى ابنة عم لي ؛ وهي كذلك كانت تهواني ؛ فانفق أنها زوجت مني ، فليلة زفافها قلنا : تعال : حتى تحيي هذه الليلة شكرا لله تعالى على ما جمعنا فصلينا تلك الليلة ، ولم يتفرغ أحدنا لصاحبه فلما كانت الليلة الثانية قلنا مثل ذلك فمنذ سبعين ؛ أو ثمانين سنة ، نحن على تلك الصفة كل ليلة : أليس كذلك يا فلانة ، فقالت العجوز : كما يقول الشيخ .

Section V01/P213

باب اليقين

Section V01/P213–V01/P215

قال الله تعالى : ' والذين يؤمنون بما أنزل إليك ، وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ' . حدثنا الاستاذ الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ، قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمود بن خرزاذ الأهوازي بها قال : حدثنا أحمد بن سهل بن ايوب قال : حدثنا خالد ، يعني ابن زيد قال . حدثنا سفيان الثوري ، وشريك بن عبد الله وسفيان بن عيينة ، عن سليمان التيمي ، عن خيثمة ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' لا ترضين احدا بسخط الله تعالى ، ولا تحمدن أحدا على فضل الله عز وجل ، ولا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله تعالى ، فإن رزق الله لا يسوقه غليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهة كاره ، وإن الله تعالى - بعدته وقسطه - ، جعل الروح والفرح في الرضا واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ' . أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي قال : أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي قال : حدثنا عياش بن حمزة قال : حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، قال : قال أبو عبد الله الأنطاكي : إن أقل اليقين إذا وصل إلى القلب يملأ القلب نورا ، وينفي عنه كل ريب ، ويمتلىء القلب به شكرا ، ومن الله تعالى خوفا . ويحكى عن أبي جعفر الحداد قال : رآني أبو تراب النخشبي ، وأنا في البادية جالس على بركة ماء ، ولي ستة عشر يوما لم آكل ولم أشرب فقال لي : ما جلوسك ؟ فقلت : أنا بين العلم والقين أنتظر ما يغلب فأكون معه ، يعني ' إن غلب على العلم شربت ، وإن غلب اليقين مررت ' فقال لي : سيكون لك شأن . وقال أبو عثمان الحيري اليقين : قلة الاهتمام لغد . وقال سهل بن عبد الله : اليقين : من زيادة الإيمان ومن تحقيقه . وقال سهل أيضا : اليقين : شعبة من الإيمان ، وهو دون التصديق . وقال بعضهم : اليقين : هو العلم المستودع في القلوب . يشير هذا القائل إلى إنه غير مكتسب . وقال سهل : ابتداء اليقين : المكاشفة ، ولذلك قال بعض السلف : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، ثم المعاينة والمشاهدة . وقال أبو عبد الله بن خفيف : اليقين تحقق الأسرار بأحكام المغيبات . وقال أبو بكر بن طاهر : العلم : بمعارضة الشكوك ، واليقين : لاشك فيه . أشار إلى العلم السكبي وما يجري مجرى البديهي ، وكذلك علوم القوم في الابتداء كسبى ، وفي الانتهاء بديهي . سمعت محمد بن الحسين يقول : قال بعضهم : أول المقامات . المعرفة ، ثم اليقين ، ثم التصديق ، ثم الإخلاص ، ثم الشهادة ، ثم الطاعة . والإيمان اسم يجمع هذا كله . أشار هذا القائل إلى أن أول الواجبات ، هو المعرفة الله سبحانه والمعرفة لا تحصل ألا بتقديم شرائطها . وهو النظر الصائب ، ثم إذا توالت الأدلة ، وحصل البيان ، صار بتوالي الأنوار ، وحصول الاستبصار ، كالمستغني عن تأمل البرهان وهو حال اليقين ، ثم تصديق الحق ، سبحانه ، فيما أخبر عند إصغائه إلى إجابة الداعي فيما يخبر من أفعاله ، سبحانه في المستأنف ؛ لأن التصديق إنما يكون في الإخبار ، ثم الإخلاص فيما يتعقبه من أداء الأوامر ، ثم بعد ذلك إظهار الإجابة بجميل الشهادة ، ثم اداء الطاعات بالتوحيد فيما أمر به ، والتجرد عما زجر عنه . وإلى هذا المعنى أشار الإمام أبو بكر محمد بن فورك ، فيما سمته ، يقول ذكر اللسان فضيلة يفيض بها القلب .

Section V01/P215–V01/P216

وقال سهل بن عبد الله : حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله تعالى . وقال ذو النون المصري : اليقين داع إلى قصر الأمل ، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد ، والزهد يورث الحكمة ، والحكمة تورث النظر في العواقب . وسمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت ذا النون المصري يقول : ثلاثة من أعلام اليقين : قلة المخالطة الناس في العشرة ، وترك المدح لهم في العطية ، والتنزه عن ذمهم عند المنع . وثلاثة من أعلام يقين اليقين : النظر إلى الله تعالى في كل شيء ، والرجوع إليه في كل أمر ولا الاستعانة به في كل حال . وقال الجنيد ، رحمه الله اليقين : و استقرار العلم الذي لاينقلب ولايحول ولا يتغير في القلب . وقال ابن عطاء : على قدر قربهم من التقوى أدركوا ما أدركوا من اليقين . وأصل التقوى : مباينة النهي ، ومباينة النهي مباينة النفس ، فعلى قدر مفارقتهم النفس وصلوا إلى اليقين . وقال بعضهم : اليقين : هو المكاشفة ، والمكاشفة على ثلاثة أوجه : مكاشفة الإخبار ، ومكاشفة بإظهار القدرة ، ومكاشفة بحقائق الإيمان . وأعلم أن المكاشفة في كلامه ، عبارة ، عن ظهور الشيء للقلب بستيلاء ذكره من غير بقاء للريب ، وربما أرادوا بالمكاشفة ما يقرب مما يراه الرائي بين اليقظة والنوم . وكثيرا ما يعبر هؤلاء عن هذه الحالة بالثبات . سمعت الإمام أبا بكر بن فورك يقول : سألت أبا عثمان المغربي ، فقلت : ما هذا الذي تقول ؟ قال الأشخاص أراهم كذا . . وكذا ، فقلت : تراهم معاينة أو مكاشفة ؟ فقال : مكاشفة . وقال امر بن عبد قيس : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . وقيل : اليقين : رؤية العيان بقوة الإيمان . وقيل : اليقين : زوال المعارضات . وقال الجنيد ، رحمه الله ، اليقين : ارتفاع الريب في مشهد الغيب . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، يقول : في قول النبي صلى الله عليه وسلم ، في عيسى ابن مريم عليه السلام : ' لو ازداد يقينا لمشيء في الهواء كما مشيت فيه ' . قال رحمه الله : أنه أشار بهذا إلى حال نفسه ، صلى الله عليه وسلم ، ليلة المعراج ؛ لأن في الطائف المعراج أنه ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ' رأيت البراق قد بقي ومشيت ' . سمعت محمد الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول : سمعت إبراهيم بن فانك يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السري يقول ، وقد سئل عن اليقين ، فقال : اليقين : سكونك عند جولان الموارد في صدرك ، لتبينك أن حركتك فيها لا تنفك ولا ترد عنك مقضيا . وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن علي يقول : سمعت أبا جعفر الأصبهاني يقول : سمعت علي بن سهل يقول : الحضور أفضل من اليقين ، لأن الحضور وطنات ، واليقين خطرات . كأنه جعل اليقين ابتداء الحضور ، والحضور دوام ذلك ، فكأنه جوز حصول اليقين خاليا من الحضور ، وأحال جواز الحضور بلا يقين ؛ ولهذا قال النوري : اليقين : المشاهدة ، يعني أن في المشاهدة يقينا لا شك فيه ؛ لأنه لا يشاهده ، تعالى من لايثق بما منه . وقال أبو بكر الوراق : اليقين : ملاك القلب ، وبه كمال الإيمان ، وباليقين عرف الله تعالى ، وبالفعل عقل عن الله تعالى . وقال الجنيد : قد مشى رجال باليقين على الماء ، ومات بالعطش أفضل منهم يقينا .

Section V01/P216–V01/P217

سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفرا يقول : قال إبراهيم الخواص : لقيت غلاما في التيه ، كأنه سبيكة فضة ، فقلت : إلى أين يا غلام ؟ فقال : إلى مكة : فقلت : بلا زاد ، ولا راحلة ، ولا نفقة ! فقال لي : يا ضعيف اليقين ، الذي يقدر على حفظ السموات والأرضين لا يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا علاقة قال : فلما دخلت مكة إذا أنا به في الطواف وهو يقول : يا عين سحى أبدا . . . يا نفس موتي كمدا ولا تحبي أحد . . . إلا الجليل الصمدا فلما رآني قال لي : يا شيخ ، أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين ؟ ! وسمعته يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت النهرجوري يقول : إذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة ، والرخاء مصيبة . وقال أبو بكر الوراق : القين على ثلاثة أوجه : يقين خبر ، ويقين دلالة ، ويقين مشاهدة . وقال أبو تراب النخشبي : رأيت غلاما في البادية يمشي بلا زاد ، فقلت : إن لم يكن معه يقين فقد هلك . فقلت : يا غلام ، في مثل هذا الموضع بلا زاد ؟ فقال : يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير الله عز وجل ؟ فقلت : الآن إذهب حيث شئت . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول : سمعت محمد بن عيسى يقول : قال أبو سعيد الخراز : العلم ما استعملك ، واليقين : ما حملك . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا عثمان الآدمي يقول : سمعت إبراهيم الخواص يقول : طلبت المعاش لأكل الحلال ! فأصطدت السمك ، فيوما وقعت في الشبكة سمكة ، فأخرجتها ، وطرحت الشبكة في الماء فوقعت أخرى فيها فرميت بها ثم عدت ، فهتف بي هاتف : لم تجد معاشا إلا أن تأتي من يذكرنا فتقتلهم . . ! قال : فكسرت القبصة ، وتركت الاصطياد .

Section V01/P217

باب الصبر

Section V01/P217–V01/P219

قال الله ، عز وجل : ' واصبر وما صبرك إلا بالله ' [ النحل : 127 ] . وأخبرنا علي بن أحمد الأهوازي ، قال : أخبرنا أحمدبن عبيد البصري ، قال : حدثنا أحمد بن علي الخراز قال : حدثنا أسيد بن زيد قال : حدثنا مسعود بن سعد ، عن الزيات ، عن أبي هريرة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، رفعته ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن الصبر عند الصدمة الأولى ' . وأخبرنا علي بن أحمد قال : أخبرنا بن عبيد قال : حدثنا أحمد بن عمر ، قال : حدثنا محمد بن مرداس قال : حدثنا يوسف بن عطية ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الصبر عند الصدمة الأولى ' . ثم الصبر على أقسام : صبر على ما هو كسب للعبد ، وصبر على ما ليس بكسب له . فالصبر على المكتسب ، على قسمين : صبر على ما أمر الله تعالى به ، وصبر على من نهى عنه . وأما الصبر على ما ليس بمكتسب للعبد : فصبره على مقاساة ما يتصل به من حكم الله فيما يناله فيه مشقة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت السحين بن يحيى يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول : سمعت الجنيد يقول : المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن ، وهجران الخلق في جنب الله تعالى شديد ، والمسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد ، والصبر مع الله أشد . وسئل الجنيد عن الصبر ، فقال : هو تجرع المرارة من غير تعبيس . وقال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : الصبر من الإيمان بنزلة الرأس في الجسد . وقال أبو القاسم الحكيم : قوله تعالى : ' واصبر ' أمر بالعبادة ، وقوله : ' وما صبرك إلا بالله ' عبودية ، فمن ترقى من درجة لك إلى درجة بك ؛ فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية . قال صلى الله عليه وسلم : ' بك أحيا وبك أموت ' . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، يقول : سمت أبا جعفر الرازي يقول : سمعت عياشا يقول : سمعت أحمد يقول : سألت أبا سليمان عن الصبر ، فقال : والله ما نصبر على ما نحب ، فكيف على ما نكره ؟ وقال ذو النون : الصبر : التباعد عن المخالفات ، والسكون عند تجرع قصص البلية ، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة . وقال ابن عطاء : الصبر : الوقوف مع البلاء بحسن الأدب . وقيل : هو الفناء في البلوى بلا ظهور شكوى . وقال أبو عثمان : الصبار : الذي عود نفسه الهجوم على المكاره . وقيل : الصبر : المقام مع البلاء بحسن الصحية ، كالمقام مع العافية . وقال أبو عثمان : أحسن الجزاء على عبادة : الجزاء على الصبر ، ولا جزاء فوقه ، قال الله عز وجل : ' ولنجزين الذين صبرواأجرهم بأحسن ما كانون يعملون ' . وقال عمرو بن عثمان : الصبر . هو الثبات مع الله سبحانه وتعالى ، وتلقي بلائه بالرحب والدعة . وقال الخواص : هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة . وقال يحيى بن معاذ : صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين ، واعجبا ، كيف يصبرون ؟ وأنشدوا : الصبر يحمد في المواطن كلها . . . إلا عليك فإنه لايحمد وقال رويم : الصبر : ترك الشكوى . وقال ذون النون : الصبر : هو الاستعانة بالله تعالى . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : الصبر كأسمه .

Section V01/P219–V01/P221

وأنشدني الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : أنشدني أبو بكر الرازي قال : أنشدني ابن عطاء لنفسه : سأصبر ، كي ترضى ، وأتلف حسرة . . . وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري وقال أبو عبد الله بن خفيف : الصبر على ثلاثة أقسام ، متصبر ، وصابر ، وصبار . وقال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : الصبر مطية لا تكبو . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت علي بن عبد الله البصري يقول : وقف رجل على الشبلي فقال : أي صبر أشد على الصابرين ؟ فقال : الصبر في الله عز وجل ، فقال : لا ، فقال : الصبر لله ، قال : لا . قال : الصبر مع الله ، قال : لا . قال : فاي شيء ؟ قال : الصبر عن الله . قال : فصرخ الشبلي صرخة طادت روحه أن تتلف . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان ، يقول : سمعت أبا محمد الجريري يقول : الصبر : أن لايفرق بين حال النعمة والمحنة ، مع سكون الخاطر فيهما . والتصبر : هو السكون ، مع البلاء مع وجدان أثقال المحنة . وأنشد بعضهم : صبرت ولم أطلع هواك على صبري . . . وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر مخافة أن يشكو ضميري صبابتي . . . إلى دمعتي سرا فتجري ولا أدري سمت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : فاز الصابرون بعز الدارين ؛ لأنهم نالوا من الله تعالى معيته : قال الله تعالى : ' إن الله مع الصابرين ' . وقيل في معنى قوله تعالى : ' اصبروا وصابروا ورابطوا ' الصبر : دون المصابرة ، والمصابرة : دون المرابطة . وقيل : اصبروا بنفوسكم على طاعة الله تعالى ، وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله ، ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله . وقيل : أصبروا في الله ، وصابروا بالله ، ورابطوا مع الله . وقيل : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : تخلق بأخلاقي ، وإن من أخلاقي أنني أنا الصبور . قويل : يجرع الصبر ، فإن قتلك قتلك شهيدا ، وإن أحياك أحياك عزيزا . وقيل : الصبر لله : عناء ، والصبر بالله : بقاء ، والصبر في الله : بلاء . والصبر مع الله وفاء ، والصبر عن الله : جفاء . وأنشدوا : والصبر عنك فمذموم عواقبه . . . والصبر في سائر الأشياء محمود وأنشدوا : وكيف الصبر عمن حل منى . . . بمنزلة اليمين من الشمال إذا لعب الرجال بكل شيء . . . رأيت الحب يلعب بالرجال وقيل : الصبر على الطلب عنوان الظفر ، والصبر في المحن علامة الفرج . سمعت منصور بن خلف المغربي ، رحمه الله ، يقول : جرد واحد للسياط ، فلما رد إلى السجن دعا ببعض أصحابه فتفل على يده ، وألقى من فمه دقاق الفضة على يده فسئل ، فقال : كان في فمي درهمان ، وكان على حاشية الحلقة لي عين ، فلم أرد أن أصيح لرؤيته إياي . . فكنت أعض على الدرهمين . . فتكسروا في فمي . وقيل : حالك التي أنت فيها رباطك ، وما دون الله تعالى أعداؤك ، فأحسن المرابطة في رباط حالك . وقيل : المصابرة : هي الصبر على الصبر ، حتى يستغرق الصبر في الصبر فيعجز الصبر عن الصبر ، كما قيل : صابر الصبر فاستغاث به فصاح المحب بالصبر صبرا وقيل : حبس الشبلي وقتا في المارستان ، فدخل عليه جماعة ؛ فقال : من أنتم ؟ فقالوا : أحباؤك جاءوك زائرين . فأخذ يرميهم بالحجر ، وأخذوا يهربون . فقال : يا كذابون ، لو كنتم أحبائي لصبرتم على بلائي . وفي بعض الأخبار .

Section V01/P221–V01/P223

بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي . وقال الله تعلى : ' واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ' . وقال بعضهم : كنت بمكة . . فرأيت فقيرا طاف بالبيت ، وأخرج من جيبه رقعة ، ونظر فيها ، ومر ، فلما كان بالغد ، فعل مثل ذلك ، فترقبته أياما وهو يفعل مثل ذلك ، فيوما من الأيام طاف ونظر في الرقعة ، وتباعد قليلا ، وسقط ميتا ، فأخرجت الرقعة من جيبه ، فإذا فيها : ' واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ' . وقيل : رؤي حدث يضرب وجه شيخ بنعله ، فقيل له : ألا تستحي ! ؟ تضرب حر وجه شيخ بمثل هذا ؟ : فقيل : جرمه عظيم . فقيل : وما ذاك ؟ فقال : هذا الشيخ يدعي أنه يهواني ، ومنذ ثلاث ما رآني . وقال بعضهم : دخلت بلاد الهند ، فرأيت رجلا بفرد عينيسمى فلانا الصبور فسألت عن حاله ، فقيل : هذا في عنفوان شبابه سافر صديق له ، فخرج في وداعه ، فدمعت إحدى عينيه ولم تبك الأخرى ، فقال لعينه التي لم تدمع : لم لم تدمعي على فراق صاحبي ؟ لأحرمنك النظر إلى الدنيا وغمض عينه ، فمنذ ستين سنة لم يفتح عينه . وقيل في قوله تعلى : ' فاصبر صبرا جميلا ' : الصبر الجميل : أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري من هو . وقال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، لو كان الصبر والشكر بعيرين ، لم أبال أيهما ركبت . وكان ابن شبرمة ، رحمه الله ، إذا نزل به بلاء قال : سحابة ثم تنقشع . وفي الخبر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، سئل عن الإيمان ، فقال : ' الصبر والسماحة ' . أبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن طاهر الصوفي قال : حدثنا محمد بن التيجاني قال : حدثنا محمد أبن إسماعيل البخاري قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا سويد بن حاتم قال : حدثنا عبد الله بن عبيد ، عن عمير ، عن أبيه ، عن جده ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ، فقال : ' الصبر والسماحة ' . وسئل السري عن الصبر ، فجعل يتكلم فيه ، فدب على رجله عقرب ، وهي تضربه بابرتها ضربات كثيرة ، وهو ساكن : فقيل له : لم لم تنحها ؟ . فقال : استحييت من الله تعالى أن أتكلم في الصبر ، ولم أصبر . وفي بعض الأخبار : الفقراء الصبر هم جلساء الله تعالى يوم القيامة . وأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه : أنزلت بعبي بلائي ، فدعاني ، فماطلته بالإجابة ، فشكاني ، فقلت : يا عبدي ، كيف أرحمك من شيء به أرحمك . وقال ابن عيينة في معنى قوله تعالى : ' وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ' ، قال : لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤساء . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : أن الصبر حده أن لا تعترض على التقدير ؛ فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر ، قال الله تعالى في قصة أيوب : ' إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ' مع ما أخبر عنه تعالى أنه قال ' مسنى الضر ' [ الأنبياء : 83 ] . وسمعته يقول : استخرج الله منه هذه المقالة : يعني قوله : ' مسني الضر ' ؛ لتكون متنفسا لضعفاء هذه الأمة . وقال بعضهم : إنا وجدناه صابرا ، ولم يقل صبورا لأنه لم يكن جميع أحواله الصبر ، بل كان في بعض أحواله يستلذ البلاء ، ويستعذبه ، فلم يكفني حال الاستلذاذ صابرا ؛ فلذلك لم يقل : صبورا .

Section V01/P223

سمعت الأستاذ أبا علي ، رحمه الله ، يقول : حقيقة الصبر : الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه ، مثل أيوب عليه السلام فإنه قال في آخر بلائه : ' مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ' فحفظ أدب الخطاب حيث عرض يقول : ' وأنت أرحم الراحمين ' ولم يصرح بقوله ارحمني . واعلم أن الصبر على ضربين : صبر العابدين ، وصبر المحبين . فصبر العابدين ، أحسنه : أن يكون محفوظا ، وصبر المحبين أحسنه : أن يكون مرفوضا . وفي معناه أنشدوا : تبين يوم البين أن اعتزامه . . . على الصبر من إحدى الظنون الكواذب وفي هذا المعنى سمعت الأستاذ أبا علي ، رحمه الله ، يقول : أصبح يعقوب ، عليه السلام ، وقد وعد الصبر من نفسه فقال : ' فصبر جميل أي : فشأني صبر جميل ، ثم لم يمس حتى قال : يا أسفا على يوسف ' .

Section V01/P223

باب المراقبة

Section V01/P223–V01/P225

قال الله تعالى : ' وكان الله على كل شيء رقيبا ' . أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم ، قال : حدثنا خالد بن يزيد قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ؛ عن جرير بن عبد الله البجلي ، قال : ' جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل ، فقال : يا محمد ، ما الايمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته ' وكتبه ، ورسله ، والقدر : خيره وشره ، وحلوه ومره . قال : صدقت . قال : فتعجبنا من تصديقه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسأله ويصدقه ، قال : فأخبرني ما الاسلام ؟ قال : الاسلام أن تقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت . قال : صدقت . قال فأخبرني ما الاحسان ؟ قال : الاحسان : ' أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . قال صدقت . . ' الحديث . قال الشيخ : هذا الذي قاله صلى الله عليه وسلم : ' فإن لم تكن تراه فإنه يراك ' إشارة إلى حال المراقبة ، لأن المراقبة ، علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه ، فاستدامته لهذا العلم مراقبة لربه ، وهذا أصل كل خير له . ولا يكاد يصل إلى هذه المرتبة إلا بعد فراغه من المحاسبة ، فإذا حاسب نفسه على ما سلف له ، وأصلح حاله في الوقت ، ولازم طريق الحق ، وأحسن بينه وبين الله تعالى مراعاة القلب ، وحفظ مع الله تعالى الأنفاس ، وراقب الله تعالى في عموم أحواله ، فيعلم أنه سبحانه ؛ عليه رقيب ، ومن قلبه قرب ، يعلم أحواله ، ويرى أفعاله ، ويسمع أقواله ، ومن تغفل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة ، فكيف عن حقائق القربة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الجريري يقول : من لم يحكم بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق . رحمه الله ، يقول : كان لبعض الأمراء وزير ، وكان بين يديه يوما ، فالتفت إلى بعض الغلمان الذين كانوا وقوفا ، لا لريبة ، ولكن لحركة أو صوت أحس به منهم ، فاتفق أن ذلك الأمير نظر إلى هذا الوزير في تلك الحالة فخاف الوزير أن يتوهم الأمير أنه نظر إليهم ، فجعل ينظر إليه كذلك ، فبعد ذلك اليوم كان هذا الوزير يدخل على هذا الأمير ، وهو أبدا ينظر إلى جانب ، حتى توهم الأمير أن ذلك خلقه ؛ وحول فيه . فهذه مراقبة مخلوق لمخلوف ، فكيف مراقبة العبد لسيده ؟ سمعت بعض الفقراء يقول : كان أمير له غلام يقبل عليه أكثر من إقباله على غيره من غلمانه ؛ ولم يكن أكثرهم قيمة ، ولا أحسنهم صورة ، فقالوا له في ذلك ، فأراد الأمير أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره . فيوما من الأيام كان راكبا ، ومعه الحشم ، وبالبعد منهم جبل عليه ثلج ، فنظر الأمير إلى ذلك الثلج وأطرق رأسه ، فركض الغلام فرسه ، ولم يعلم القوم لماذا ركض ! . فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ومعه شيء من الثلج . فقال له الأمير : ما أدراك أني أردت الثلج ؟ فقال الغلام : لأنك نظرت إليه ، ونظر السلطان إلى شيء لا يكون عن غيره قصد صحصح فقال الأمير : إنما أخصه بإكرامي وإقبالي ، لأن لكل أحد شغلا ، وشغله مراعاة لحظائي ، ومراقبة أحوالي .

Questions