Gazâlî — Minhâcü'l-Âbidîn
ولأن حبس النفس عن الكفران مع قصد النفس له شدة يصبر عليها الشاكز ، وتوفيق الصبر والعصمة نعمة يشكر عليها الصابر، فأحذهما لا ينفك عن الآخر؛ لأن البصيرة الباعثة عليهما واحدة، وهي بصيرة الاستقامة في قول بعض علمائنا، فمن هلذه الوجوه قلتا : إن أحدهما لا ينفك عن الاخر، فاعرف هلذه الجملة ، وبالله التوفيق 29 ============================================================ فتتا (في بيان أصول الحمد والشكر] فعليك - ايها الرجل- ببذل المجهود في قطع هلذه العقبة اليسيرة المؤنة، الكبيرة الجدوى ، العزيزة العنصر ، العظيمة القذر ، وتأمل أصلين : أحذهما: أن النعمة إنما تعطى من يعرف قذرها، وإنما يعرف قذرها الشاكر : ودليل ما قلناه : قوله سبحانه في الحكاية عن الكفار والرد عليهم : أهكؤلاه مب الله عليهر منا ييننا أليس الله يأعلم بالشكرين} ، ظن أولئك الجهال : أن النعمة العظيمة والمنة الكريمة إنما تعطى من يكون اكثرهم مالا ، وأشرفهم حسبا ونسبأ، فقالوا : ما باك هؤلاء الفقراء - بزعمهم - من العبيد والأحرار أعطوا هذه النعمة العظيمة- بزعمكم- دوننا؟ فقالوا على طريق الاستكبار ومجرى الاستهزاء : { أهكؤلاه من الله عليهر من بيننا}، فأجابهم الله تعالى بهلذه النكتة الزاهرة فقال : أليس الله يأعلم بالشككرين} تقدير الكلام : أن السيد الكريم إنما يعطي نعمته من يعرف قدرها، وإنما يعرف قدرها من أقبل عليها بنفسه وقلبه فاختارها على غيرها، ولا يعبأ بما تحمل من أعباء المؤنة في تحصيلها ، ثم لا يزال قائما بالباب يؤدي شكرها، وكان في علمنا السابق أن هؤلاء الضعفاء يعرفون قدر هذه النعمة ويقومون بشكرها، فكانوا أولى بهذه النعمة منكم، فلا اعتبار بغناكم وثروتكم، ولا جاهكم في الدنيا ولا حشمكم، ولا نسبكم في الأنساب ولا حسبكم، إنما تحسبون النعمة كلها الدنيا وحطامها ، والحسب والنسب وعلوه ، لا الدين والعلم والحق ومعرفته، وإنما تعظمون ذلك وتتفاخرون به، أما ترون أنكم لا تكادون تقبلون هلذا الدين والعلم والحق إلآ بمنة على من أتاكم به ، وذلك لاستحقاركم ذلك، وقلة مبالاتكم به ؟ وإن هؤلاء الضعفاء يقتلون أنفسهم على ذلك، ويبذلون مهجهم فيه، ولا يبالون بما فاتهم وبمن عاداهم مع ذلك؛ 221 ============================================================ لتعلموا أنهم هم الذين عرفوا قدر هذذه النعمة، ورسخ في قلوبهم تعظيمآها، وهان عليهم فوت كل شيء دونها، فطاب لهم احتمال كل شدة دونها، يستغرقون جميع العمر في شكرها، فلذلك أستأهلوا هذه المنة الكريمة والنعمة العظيمة في سابق علمنا، وخصصناهم بها دونكم، فهلذه هلذه ثم أقول : وكذلك كل فريق من الناس خصهم الله تعالى بنعمة من نعم ألدين من علم أو عمل. فإنك تجدهم بالحقيقة أعرف الناس بقدرها، وأشدهم تعظيما لها، وأجدهم في تحصيلها، وأعظمهم في إكرامها، وأقومهم بشكرها، والذين حرمهم الله ذلك فلقلة أحتفالهم وتعظيمهم لحقها بعد القذر السابق فلو كان تعظيم العلم والعبادة في قلوب الشوقة والعامة مثل ما هو في قلوب العلماء والمتعبدين. لما آثروا سوقهم عليه ، وهان عليهم تركه، ألا ترى أن فقيها إذا ظفر بتعليم مسألة كانت ملتبسة عليه. كيف يرتاح قلئه، ويعظم سروره، ويجل موقعها من قلبه؟ حتى ربما لو وجد ألف ألف دينار. ما كان يعدل ذلك، وريما يهمه أمر مسألة في باب الدين فيتفكر فيها سنة، بل عشرا ، بل عشرين وأكثر، لا يستكثر ذلك ولا يمل، حتى ربما يرزقه الله تعالى فهم ذلك فيعده أعظم منة، وأكبر نعمة ، ويرى نفسه بذلك أغنى كل غني ، وأشرف كل شريف، بل ربما يتبين مثل هلذه المسألة لسوقي أو متعلم كسلان يرى من نفسه أنه مثله في الرغبة في العلم والمحبة له فلا يستمع إليه حقه، وربما إن طال عليه الكلام يمل وينام ، وإن تبين ذلك له .
فلا يعده كبير أمر : وكذلك المنيب إلى الله تعالى ، كم يجتهد ويدأب بالرياضة وصيانة النفس عن الشهوات واللذات، وإلجام الأركان في الحركات والسكنات، عسى أن يتهم الله تعالى له ركعتين في آداب وطهارة ، وكم يتضرع إلى الله تعالى عسى أن يرزقه ساعة مناجاة بصفوة وحلاوة ، فلئن ظفر بذلك في شهر مرة ، بل في سنة مرة، بل في العمر كله مرة. عذ ذلك اكبرمنة، وأعظم نعمة، فكم يسو، وكم يشكر الله تعالى ولا يكترث بما قاساه من المشقات ، وكابد من الليالي ، وهجر من اللذات فيها.
============================================================ ثم ترى الذي يزعم أنه راغب في العبادة يحث أن يحصل منها شيئا : لو أحتاج أحدهم في تحصيل مثل هذذه العبادة الصافية إلى نقصان لقمة من عشائهم، أو ترك كلمة لا تعنيهم ، أو دفع نوم ساعة عن أعينهم.. فلا تسمخ أنفسهم بذلك، ولا تطيب قلوبآهم، وإن أتفق لهم في النادر حصول عبادة في صفوة.. فلا يعدونه خطير أمر، ولا يقدمون فيه كثير شكر، إنما يعظم سرورهم، ويكثو بالظاهر حمدهم إذا حصل لهم درهم، أو آستقامت لهم كسرة، أو طابت لهم مرقة ، أو طالت لهم في سلامة البدن رقدة، فيقولون عند ذلك : الحمد لله، هلذا من فضل الله ، فأنى يساوى هؤلاء الغافلون العاجزون مع أولئك الشعداء المجدين المجتهدين 4! ولذلك صار هؤلاء المساكين عن هلذا الخير محرومين، وأولئك المؤيدون به ظافرين فائزين، وكذلك قسم الأمر أحكم الحاكمين سبحانه، وهو أعلم العالمين ، فهاذا تفصيل قوله تعالى : أليس الله يأعلم بالشككرين فتفهم وراعه حقه، وأعلم أنك لم تحرم قط خيرا أنت تتمناه إلأ من قبل نفسك، فابذك مجهودك لتعرف قدر نعمة الله تعالى، وتعظمها حق تعظيمها، فتكون أهلا لها ولإعطائها، ثم يمن عليك بابقائها، كما من عليك بابتدائها، على ما نذكره في الأصل الثاني ، إنه هو الرؤوف الرحيم. الأصل الثاني : أن النعمة إنما تسلب ممن لا يعرف قدرها ، والذي لا يعرف قدرها الكفور الذي كفرها، ولا يؤدي شكرها : ودليل ذلك : قوله تعالى : وأتل عليهم نبا الذى ماتينله ايثنا فأنسلخ منها فاتآبعه الشيطنن قكان من الغاورب ولو شثنا لرفعنله بها الآية. تقدير الكلام : أنا أنعمنا على هلذا العبد بالنعم العظام ، والأيادي الجسام في باب الدين؛ بما مكناه بذلك من تحصيل الؤتبة الكبيرة ، والمنزلة الرفيعة على بابنا، فيصير رفيعا عندنا، عظيم القدر، كبير الجاه، وللكنه جهل قدر نعمتنا، فمال إلى الدنيا الخسيسة الحقيرة ، وآثر شهوة نفسه الدنيئة الرديئة، ولم يعلم أن الدنيا كلها لا تزن عند الله أدنى نعمة من نعم الدين ، ولا تساوي عنده جناح 223 ============================================================ بعوضة ، فكان في ذلك بمنزلة الكلب الذي لا يعرف الإكرام والراحة من الإهانة والمشقة، والرفعة والشرف من الحقارة والخية، فهو في الحالتين يلهث، وإنما الكرامة كلها عنده في كسرة يطعمها ، أو عراق مائدة يرمى إليه ، سواء تقعده على سرير معك، أو تقيمه في الثراب والقذر بين يديك، فهمثه وكرامثه ونعمثه كلها في ذلك . فهذا العبذ الشوء جهل قدر نعمتنا، ولم يعرف حق ما آتيناه من كرامتنا، فكلت بصيرته ، وساء في مقام القربة أدبه بالالتفات إلى غيرنا، والاشتغال عن ذكر نعمتنا بدنيا حقيرة، ولذة خسيسة، فنظزنا إليه نظر السياسة، وأحضزناه ميدان العدل، وأمرتا فيه بحكم الجبروت، فسلبناه جميع لعنا وكرامتنا، ونزغنا من قلبه معرفتنا، فانسلخ عاريا عن جميع ما آتيناه من فضلنا ، فصار كلبا طريدا، وشيطانا رجيما مريدا، نعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سخطه، وأليم عقابه، إنه بنا رؤوف رحيم.
ثم أقنع بمثال ملك يكرم عبدا له، فيخلع عليه خاصة ثيابه، ويقربه منه، ويجعله فوق سائر خدامه وحجابه، وأمره بملازمة بابه، ثم أمر أن تبنى له في موضع آخر القصور، وتوضع له الأسرة، وتنصب له الموائد، وتزين له الجواري، وتقام له الغلمان، حتى إذا رجع من الخدمة.. أجلس هنالك ملكا مخدوما مكرما، وما بين حال خدمته إلى ملكه وولايته إلأ ساعة من نهار أو أقل، فإن أبصر هلذا العبذ بجانب باب الملك سائسا للدواب يأكل رغيفا، أو كلبا يمضغ عظما، فيشتغل عن خدمة الملك بنظره إليه، وإقباله عليه، ولا يلتفت إلى ما له من الخلع والكرامة ، فيسعى إلى ذلك الشائس، ويمدآ يده، ويسأله كسرة من رغيفه ، أو يزاحم الكلب على عظمه، ويغبطهما ويعظم ما هما فيه. أليس الملك إذا نظر إليه على مثل هلذه الحالة. . يقول : هذا سفيهآ، حسيس الهمة، لم يعرف حق كرامتنا، ولم ير قدر إعزازنا إتاه بخلعنا، ============================================================ والتقريب إلى حضرتنا، مع ما صرفنا إليه من عنايتنا، وأمزآنا له من الذخائر وضروب الأيادي، ما هذا إلأ ساقط الهمة، عظيم الجهل، قليل التمييز، أسلبوه الخلع وأطردوه عن بابنا ؟1 فهذا حال العالم إذا مال إلى الدنيا، والعابد إذا اتبع الهوى، فبعدما أكرمه الله تعالى بعبادته ومعرفة آياته وشريعته وأحكامه، ثم إنه لم يعرف قدر ذلك، فيصير إلى أحقر شيء عند الله عز وجل وأهونه عنده، فيرغب فيه ويحرص عليه، ويكون أعظم في قلبه وأحب إليه من جميع ما أعطي من تلك النعم العزيزة؛ من العلم والعبادة، والحكم والحقاثق. وكذلك من خصه الله تعالى بأنواع توفيقه وعصمته، وزينه بأنوار خدمته وعبادته، ويديم النظر إليه بالرحمة في اكثر أوقاته ، ويباهي به ملائكته ، وأعطاه على بابه القيادة والوجاهة، وأحله محل الشفاعة ، وأنزله منزلة الأعزة، حتى صار بحيث لو دعاه.. لأجابه ولباه، ولو سأله. لأعطاه وأغناه، ولو شفع في عالم. لشفعه فيهم وأرضاه، ولو أقسم عليه.. لأبره وأوفاه، ولو خطر بباله شيء.. لأعطاه قبل أن يسأله بلسانه، فمن كانت هلذه حاله، ثم لم يعرف قدر هذا المنعم ، ولم ينظر إلى قذر هذه النعمة، فيعدل عن ذلك إلى شهوة نفس رديثآة لا حياء لها ، أو لعقة من الدنيا الدنيثة التي لا بقاء لها ، ولم ينظر إلى تلك الكرامات والخلع والهدايا ، والمنن والعطايا ، ثم ما وعد وأعد له في الاخرة من الثواب العظيم، والنعيم المقيم. فما أحقرها إذن من نفسي ، وما أسوأه من عبد، وما أعظم خطره لو علم، وما أفحش صنيعه لوفهم !! نسال الله البر الرحيم أن يصلحنا بعظيم فضله ، وسعة رحمته، إنه أرحم الراحمين فعليك - أيها الرجل- ببذل المجهود حتى تعرف قدر نعم الله تعالى عليك، فإذا أنعم عليك بنعمة ألدين. . فإياك أن تلتفت إلى الدنيا وحطامها ؛ فإن ذلك لا يكون منك إلا بضرب من التهاون بما أولاك ربك من نعم ألدين ، أما تسمع قوله تعالى لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم : ولقد وانيتاك سبعا من المثانى 265 ============================================================ والقره اب العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنايهه أزوجا منهو} الآية؟
تقديره : أن كل من أوتي القرآن العظيم حق له ألا ينظر إلى الدنيا الحقيرة نظرة باستحلاء واستحسان قط ، فضلا عن أن يكون له فيها رغبة ، وليلزم الشكر لله على ذلك؛ فإنها الكرامة التي حرص خليله إبراهيم صلوات الله على نيئتا وعليه أن يمن بها على أبيه فلم يفعل، وحرص حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يمن بها على عمه أبي طالب فلم يفعل: وأما حطام الدنيا : فإنه يصئه على كل كافر وفرعون، وملحد وزنديق، وجاهل وفاسق ، الذين هم أهون خلقه عليه ، حتى يغرقوا فيه ، ويصرفه عن كل نبي وصفي، وصديق وعالم وعابد، الذين هم أعز خلقه عليه، حتى إنهم لا يكادون يصيبون كسرة وخرقة، ويمن عليهم بألأ يلطخهم بقذرها، حتى قال عز من قائل لموسى وهارون عليهما السلام : ( ولو أشاء أن أزينكما بزينة يعلم فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عنها.. لفعلت ، وللكني أزوي عنكما الدنيا وأرغب بكما عنها ، وكذلك أفعل بأوليائي ، وإني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة، وإني لأجنبهم سلوتها وعيشها ، وليس (2 ذلك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا حظهم من كرامتي) . وقال تعالى : ( ولؤلا أن يكون الناش أتة وحدة لجعلنا لمن يكفر بالرمن ابيوتهم سقفا من فضة الآيتين . فانظر الفرق بين الأمرين إن كنت مبصرا ، وقل : الحمد لله الذي من علينا بمنن أوليائه وأصفيائه، وصرف عنا فتنة أعدائه، لنحظى ونخص بالشكر الأوفر ، والحمد الاكبر، والمنة الكبرى، والنعمة العظمى التي هي الإسلام ، فإنها الأؤلى والأحرى بألا تفتر ليلك ونهارك عن شكرها ، فإن كنت عاجزا عن عرفان قذرها.. فاعلم بالحقيقة أنك لو خلقت من أول الدنيا ، وأخذت في شكر ============================================================ الإسلام من أول الوقت إلى الأبد.. لما كنت تقوم بذلك، ولما قضيت بعض الحق؛ لما هنالك من الفوز العظيم : قلث : وأعلم : أن الموضع لا يحتمل ذكر ما يبلغه علمي من قذر هذذه النعمة ، ولو أمليت فيه ألف ورقة.. لكان مبلغ علمي فوق ذلك، مع أعترافي بأن ما أعلمه في جنب ما لا أعلمه كنفثة في بحار الدنيا بأسرها ، أما تسمع -ويحك - قوله تعالى لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم : ما كنت تدرى ما الكتب ولا الإيين إلى أن قال : وعلمك ما لم تكن تعلم وكا فضل الله عليك عظيما}؟ وقال تعالى لقوم : بل الله يمن عليكر أن هدنكر للايمن} الآية أما تسمع قوله صلى الله عليه وسلم وقد سمع رجلا يقول : الحمذ لله على الإسلام، فقال : "إنك لتحمد الله على نعمة عظيمة " ؟ . ولما قدم البشير على يعقوب عليه الصلاة والسلام. قال : (على أي دين تركته ؟ قال : على الإسلام ، قال : الآن تمت النعمة) . وقيل : ما من كلمة أحب إلى الله تعالى ، ولا أبلغ عنده في الشكر من أن يقول العبد : الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا إلى الإسلام . وإياك أن تغفل الشكر وتغتر بما أنت عليه في الحال من الإسلام والمعرفة، والتوفيق والعصمة؛ فإن مع ذلك لا موضع للأمن والغفلة؛ فإن الأمور بالعواقب. ============================================================ وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول : ما أمن أحد على دينه إلأ سلب . وكان شيخنا رحمه الله تعالى يقول : إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار. . فلا تأمن على نفسك ؛ فإن الأمر على الخطر ، ولا تدري ماذا يكون من العاقبة وماذا سبق لك في حكم الغيب ؛ فلا تغتر بصفاوة الأوقات؛ فإن تحتها غوامض الافات: وقال بعضهم : يا معشر المغترين بالعصم؛ إن تحتها أنواع النقم ، زين الله ابليس بأنواع عصمته وهو عنده في حقائق لعنته، وزين بلعم بأنوار ولايته وهو عنده في حقائق عداوته.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال : (كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بحسن القول فيه ، وكم من مغرور بالستر عليه) . وقيل لذي النون : ما أقصى ما ئخدع به العبد؟ قال: (بالألطاف والكرامات) . ولذلك قال الله سبحانه : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون قال أهل المعرفة : (نسبغ عليهم النعم ، وننسيهم الشكر) ، كما قال الشاعر: أمن البسيط) أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر واعلم: أنك كلما صرت أقرب.. فأمرك أخوف وأصعب، والمعاملة أشد وأدق، والخطر عليك أعظم؛ فإن الشيء كلما كان أبلغ علوا إذا أنقلب . . كان ============================================================ امن مجزوه الرجز] أصعب وقوعا، كما قيل: ما طار طيو فارتفع إلأ كما طار وقم فإذن لا سبيل إلى الأمن، وإغفال الشكر، وترك الابتهال في الحفظ بحال: وكان إبراهيم بن أدهم يقول : كيف تأمن وإبراهيم الخليل صلوات الله وسلامآه عليه يقول : وأجنبنى وبني أن نعبد الأصنام}، ويوسف الصديق عليه السلام يقول : { توفنى مسلما) ؟! وكان سفيان الثوريي لا يزال يقول : (اللهم؛ سلم سلم) ، كأنه في سفينة يخشى الغرق. وبلغنا عن محمد بن يوسف رحمه الله أنه قال : تأملت سفيان الثوري ليلة فبكى الليل أجمع، فقلث : بكاؤك هلذا على الدنوب ؟ قال : فحمل تبنة وقال : الذنب أهون على الله من هلذا ، إنما أخشى أن يسلبني الإسلام ، والعياذ بالله. وسمعث أنا بعض العارفين يقول : إن بعض الأنبياء صلوات الله عليهم سأل الله تعالى عن أمر بلعم وطرده بعد تلك الآيات والكرامات، فقال الله تعالى : لم يشكرني يوما من الأيام على ما أعطيته، ولو شكرني على ذلك مرة واحدة.. لما سلبيه: فتيقظ أيها الرجل، واحتفظ بركن الشكر جدا جدا ، وأحمد الله تعالى على نعمه في الدين، وأعلاها الإسلام والمعرفة، وأدناها مثلا توفيق تسبيح أو عصمة عن كلمة لا تعنيك ، عسى أن يتم نعمه عليك ، ولا يبتليك بمرارة الزوال؛ فإن أمر الأمور وأصعبها الإهانة بعد الإكرام ، والطرد بعد التقريب، والفراق بعد الوصال، والله تعالى الماجد الكريم، الرؤوف الرحيم. ============================================================ فتاق (في أن حسن التعامل مع نعم الله تعالى سبب للاستقامة والاستزادة] وجملة الأمر : أنك إذا أحسنت النظر في منن الله تعالى العظام عليك ، وأياديه الجسام الكرام لديك، التي لا يحصرها قلبك، ولا يحيط بها وهمك، حتى خلفت هذذه العقبات الصعاب، فوجدت العلوم والبصائر، وتطهرت من الأوزار والكبائر، وسبقت العوائق، ودفعت العوارض، وظفرت بالبواعث، ال وسلمت من القوادح، فكم حصل لك فيها من خصلة شريفة، ورتبة منيفة، أولها التبصير والتعريف، وآخوها التقريب والتشريف، فتأملت فيها بمقدار عقلك وتوفيقك، وشكرت الله جل جلاله على قذر طوقك؛ بأن يشغل لسانك بحمده وثنائه، ويملأ قلبك بعظمته، ويبلغك مبلغأ يحول بينك وبين عصيانه، ويبعثك على الخدمة له بما أمكنك، أو بسعة طاقتك، معترفا بالقصور عن حق انعامه وإحسانه، وكلما أغفلت شكره أو فترت أو زللت.. عاودت وآجتهدت، وتضرعت إليه وابتهلت وتوسلت، وقلت : يا ألله، يا مولاي؛ كما بدأت بالإحسان بفضلك من غير أستحقاق.. فأتمثه بفضلك أيضأ من غير أستحقاق، وتناديه بنداء الأولياء الذين وجدوا تاج هدايته ، وذاقوا حلاوة معرفته، فخافوا على أنفسهم حرقة الطرد والإهانة، ووحشة البعد والضملالة، ومرارة العزل والإزالة، فتضرعوا بالباب مستغيئين ، ومدوا إليه الأكف مبتهلين ، ونادوا في الخلوات مستصرخين : ربنا لا ترغ قلوينا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لانك رحمة إناك أنت الوهاب} قلث أنا : تقديره والله اعلم : أنا وجذنا منك نعمة فطمعنا في أخرى؛ لأنك أنت الجواد الوهاب الكريم، فكما وهبت لنا مزية الإنعام في الابتداء. . فهب لنا رحمة الإتمام في الانتهاء ، أما تسمع - ويحك - أن أول دعاء علمه رت العالمين عباده المسلمين الذين أصطفاهم من بين خلقه هذا الدعاء؛ قوله تعالى : 27 ============================================================ آهدنا الصرط المستقيد) أي : ثبتنا عليه وأدمه لنا ، هلكذا تتضرع إليه ؛ فإن الخطر عظيم وقيل: إن الحكماء نظروا فرثوا مصائب العالم ومحنهم إلى خمسي : المرض في الغربة، والفقر في الشيب، والموت في الشباب، والعمى بعد البصر، والنكرة بعد المعرفة.
وأحسن من ذلك قول من قال : (من البسيط) لكل شيء إذا فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض [من الطويل) ولغيره: إذا أبقت الثنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر وكذلك في كل نعمة أنعم بها عليك، وتأييد أيدك به في قطع عقبة من العقبات؛ ليثبت عليك ما أعطى، ويزيدك فوق ما تريذ وتتمنى، فاذا فعلت ذلك .. كنت قد خلفت هلذه العقبة الخطيرة ، وكنت قد ظفرت بالكنزين الكريمين العزيزين، اللذين هما : الاستقامة والاستزادة ، فتدوم لك النعم الموجودة التي أعطاكها فلا تخشى زوالها، ويزيذك من النعم المفقودة التي لم تعط بعذ ما لا تحسن أن تسألها وتتمناها فلا تخشى فواتها، وكنت حينئذ من العارفين العلماء العاملين بالدين ، التائبين الطاهرين ، الزاهدين في الدنيا ، المتجردين للخدمة ، القاهرين للشيطان ، المتقين الله حق التقوى بالقلب والأركان ، القاصرين للأمل، الناصحين الخاشعين المتواضعين ، المتوكلين المفوضين ، الراضين الصابرين ، الخائفين الراجين ، المخلصين الذاكرين المنة، الشاكرين لأنعم سيدهم رب العالمين ، ثم تصير بعد ذلك من المستقيمين المكرمين الصديقين ، فتأمل هلذا الكلام ، والله تعالى ولي التوفيق . فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك . . لقد قل من الناس العابد لهذا المعبود ، ============================================================ والواصل إلى هلذا المقصود ، ومن الذي يقوى على هذذه المؤن وتحصيل هذذه الشرائط والشنن ؟! فاعلم : أن الله تعالى كذلك يقول : وقليل من عبارى الشكور) ، ( والنكن أكثرالناس لا يشكرون)، لا يعقلون)، لا يعلموب ثم إن ذلك يسير على من يسره الله تعالى عليه، وعلى العبد الاجتهاد ، وعلى الله سبحانه الهداية ، قال الله تعالى : ({ وألزين جهدوا فينا لنهدينهم شسبلنا) وإذا كان العبذ الضعيف يقوم بما عليه.. فما ظنك بالرب القدير الغني الكريم الرحيم ؟! فإن قلت : فالعمر قصير ، وهلذه عقبات طويلة شديدة، فكيف يبقى العمر حتى تكمل هذه الشرائط، وتقطع هلذه العقباث ؟! فلعمري؛ إن هذذه العقبات طويلة، والشرائط فيها شديدة، وللكن إذا أراد الله تعالى أن يجتبي عبده.. قصر عليه طويلها، وهون عليه شديدها، حتى يقول بعد قطعها: ما أقرب هذه الطريق وأقصرها! وما أهون هذذا الأمر وأيسره ! وفي مثل ذلك قلت أنا عند وقوفي على هلذه الغاية : [من الكامل) علم المحجة واضخ لمريده وأرى القلوب عن المحجة في عمى ولقد عجبث لهالك ونجاته موجودة ولقد عجبت لمن نجا حتى إن منهم من يقطع هذذه العقبات في سبعين سنة، ومنهم من يقطعها في عشرين سنة، ومنهم من يقطغها في عشر سنين، ومنهم من يحصل له في سنة، ومنهم من يقطعها في شهر، بل في جمعة، بل في ساعة، حتى إن منهم من يحصل له في لحظة بتوفيق خاص وعناية سابقة من الله سبحانه. ============================================================ أما تذكر أصحاب الكهف ؟ كانث مدتهم خطرة؛ حيث رأوا التغير في وجه ملكهم دقيانوس فقالوا : رتنارت السملوت والأرض) الآية حصلت لهم المعرفة في تلك اللحظة، وأبصروا ما في هذا الطريق من الحقائق، وقطعوا هلذه الطريق فصاروا مفوضين متوكلين مستقيمين؛ إذ قالوا : ( فأوها إلى الكفف ينشر لكز ريكم من رحمته } الآية. وكل ذلك إنما حصل لهم في مقدار ساعة أو لحظة. أما تذكر سحرة فرعون؟ ما كانث مدتهم إلأ لحظة، حيث رأوا معجزة موسى عليه السلام فقالوا: ءامنا برب اللمين)، فأبصروا الطريق وقطعوه، فصاروا من ساعة إلى ساعة بل أقل من العارفين بالله ، الراضين بقضاء الله تعالى، الصابرين على بلائه ، الشاكرين لآلائه ، المشتاقين إلى لقائه، فنادوا: لاضير إنا إن رينا منقلبون ولقد حكينا أن إبراهيم بن أدهم رحمه الله كان على ما كان عليه من أمر ألدنيا ، فعدل عن ذلك وقصد هذه الطريق ، فلم يكن إلا مقدار مسيره من بلخ الى مرو الروذ حتى صار بحيث أشار إلى رجل سقط من القنطرة في الماء الكثير هنالك : أن قف ، فوقف الرجل مكانه في الهواء فتخلص.
وأن رابعة البصرية كانث أمة كبيرة السن ، يطاف بها في سوق البصرة ، ولا يرغب فيها أحد لكبر سنها، فرحمها بعض الثجار فاشتراها بنحو مثة درهم وأعتقها، فاختارث هذذه الطريق وأقبلت على العبادة ، فما تفت لها سنة حتى زارها زهاد البصرة وقراؤها وعلماؤها لعظم منزلتها. وأما الذي لم تسبق له العناية ، ولم يعامل بالفضل والهداية.. فيوكل إلى نفسه، فرئما يبقى في شعب من عقبة واحدة سبعين سنة ولا يقطعها، وكم يصيخ ويصرخ: ما أظلم هذا الطريق وأشكله، وأعسر هلذا الأمر وأعضله ! فإن الشأن كله إلى أصلي واحد، وذلك تقدير العزيز العليم ، العدل الحكيم: ============================================================ فإن قلت : لم أختص هذا بالتوفيق الخاص وحرم هذا وكلاهما مشتركان في ربقة العبودية ؟ فعند هلذا الشؤال ثنادى من سرادق الجلال : أن الزم الأدب، وأعرف سر الربوبية وحقيقة العبودية ؛ فإنه لا يستل عما يفعل وهم يشتلوب قلث أنا : ومثال هلذا الطريق في الثنيا الصراط في الآخرة؛ في عقباتها ومسافاتها ومقاطعها، واختلاف أحوال الخلائق فيها، فمنهم من يمرؤ عليه كالبرق الخاطف ، ومنهم من يمر عليه كالريح العاصف، وآخر كالفرس الجواد، وآخر كالطائر، وآخر يمشي، وآخر يزحف حتى يصير فحمة، وآخر يسمع حسيسها، وآخريؤخذ بكلاليب فيطرح في جهنم. وكذلك حال هلذا الطريق مع سالكيه في الثنيا ، فهما صراطان : صراط ألدنيا ، وصراط الآخرة، فصراط الآخرة للأنفس ، يرى أهوالها أهل الأبصار، وصراط الذنيا للقلوب ، يرى أهوالها ذوو البصائر والألباب، وإنما أختلفت أحوال السالكين في الآخرة لاختلاف أحوالهم في الدنيا ، فتأمل ذلك حقه ، فهذه هذذه، وبالله التوفيق. فتاق لافي بيان طريق الآخرة وذكر المنح الدنيوية والأخروية المستحقة لملازم الطاعة] ثم أعلم ما هو التحقيق في هلذا الباب ، وهو أنه ليس هلذا الطريق في طوله وقصره مثل المسافات المكانية التي تسلكها الأنفس، فتقطعها بالأقدام ، فيقع قطعها على حسب قوة الأنفس وضعفها، إنما هو طريق روحاني، تسلكه القلوب، فتقطعه بالأفكار على حسب العقائد والبصائر، أصله نور سماوي، ونظر إلهي، يقع في قلب العبد ، ينظر به نظرة فيرى بها أمر الدارين بالحقيقة، يم هذذا النور ربما يطلبه العبد مثآة سنة فلا يجده، ولا يرى أثرا منه، وذلك لخطئه في الطلب ، وتقصيره في الاجتهاد، وجهله بطريق ذلك، وآخر يجده في 274 ============================================================ خمسين، وآخر يجده في عشرين، وآخر في عشر، وآخر في يوم، وآخر في ساعة، وآخر بلحظة، بعناية رب العالمين، وهو تعالى ولي الهداية، للكن العبد مأمور بالاجتهاد، فعليه بما أمر، والأمر مقسوم مقدور، والرث حكم عدل، يفعل ما يشاءآ، ويحكم ما يريد. فإن قلت : فما أعظم هلذا الخطر وأشد هلذا الأمر ! وما أكثر ما يحتاج إليه هلذا العبذ الضعيف ! فكل هلذا العمل والجهد وتحصيل هلذه الشرائط لماذا ؟ فأقول : لعمري؛ إنك لصادق في قولك : إن الأمر شديد، والخطر عظيم، ولذلك قال الله تعالى : لقد خلقا الابسن فى كبو: وقال تعالى : { إنا عرضنا الأمانة على التموت والأرض وآلجبال فأبيب أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسن إنه كان ظلوما جهولا ولذلك قال سيذ المرسلين صلوات الله وسلائه عليه وعليهم : "لو علمتم ما أعلم.. لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا " . وما روي : أن المنادي ينادي من قبل السماء : (ليت الخلق لم يخلقوا ، (22 وليتهم إذخلقوا علموا لماذا خلقوا) : وكذلك يقول السلف رضي الله عنهم : فعن أبي بكر الصديق رضي ألله عنه أنه قال : (وددث أني كنت خضراء تأكلني الدواب) مخافة العذاب . وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع إنسانا يقرأ : هل أت على الا نسكن حين من الدهر لم يكن شيامذكورا فقال : (ليتها تيت) . (4 ============================================================ وقال أبو عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه : (وددت أني كبش لأهلي ، فيتفرق لحمي، ويتحسى مرقي ، ولم أخلق) .
وعن وهب بن منبآه قال : (خلق أبن آدم أحمق ، ولولا حمقه.. ما هنأه (4 عيش) . وعن الفضيل بن عياضي رحمه الله قال : ( إني لا أغبط ملكا مقربا ، ولا نبيا مرسلا، ولا عبدا صالحا، أليس هؤلاء يعاتبون يوم القيامة ؟ إنما أغبط من لم 3 يخلق) . وعن عطاء السليمي رحمه الله أنه قال : ( لو أن نارا أوقدت فقيل : من ألقى نفسه فيها صار لا شيء.. لخشيت أن أموت من الفرح قبل أن أصل إلى النار) . فالأمر إذن - أيها الرجل - شديد كما تقول ، بل هو أشد وأعظم مما تظن وتتوهم، وللكته أمه سبق في العلم القديم ، وتدبير أجراه العزيز العليم؛ فلا حيلة للعبد إلا ببذل المجهود في العبودية، والاعتصام بحبل الله، والابتهال دائما إلى الله تعالى، عسى أن يرحمه فيسلم بفضله. وأما قولك : كل هلذا لماذا ؟ فهذا كلام يدك منك على غفلة عظيمة ، بل الصواب أن تقول : كل هلذا في جنب ما يطلبه العبذ الضعيف ماذا 4 أتدري ما يطلب العبذ الضعيف ؟ أقل ما يطلبه على الجملة شيئان : ============================================================ أحذهما : السلامة في الدارين . والثاني : الملك في الدارين. أما السلامة : فإن الثنيا وفتنتها وآفاتها وغوائلها بحيث لم يسلم منها الملائكة المقربون، فقد سمعت حديث هاروت وماروت ، حتى روي : أنه اذا غرج بروح العبد إلى السماء. . تقول ملائكة السماوات متعخبين : كيف نجا هاذا من دار فسد فيها خيارنا ؟! وإن الآخرة في أهوالها وشدائدها بحيث تصرخ فيها الأنبياء والؤسل عليهم السلام : نفسي نفسي ، لا أسألك اليوم إلأ نفسي ، حتى روي : (أنه لو كان للرجل عمل سبعين نبيا. . لظن أنه لا ينجو) . (4 فمن أراد أن يسلم من فتن هلذه الدنيا ، فيخرج منها بالإسلام سالما لا تصيبه فتنةآ من أهوال هلذه ، فيدخل الجنة سالما لا تصيبه نكبة. . أيكون ذلك أمرا هينا؟1 وأما الملك والكرامة : فإن الملك نفاذ التصؤف والمشيئة ، وإن ذلك بالحقيقة في الدنيا لأولياء الله عز وجل وأصفيائه، الواضين بقضائه، فالبر والبحر والأرض لهم قدم، والحجر والمدر لهم ذهث وفضة ، والجن والإنس والبهائم والطيور لهم مسخرون، لا يشاؤون شيئا إلأ وهو كائن لهم؛ لأنهم لا يشاؤون إلأ ما شاء الله ، وما شاء الله كائن ، ولا يهابون أحدا من الخلق ويهابهم كل الخلق ، ولا يخدمون أحدا إلأ الله ويخدمهم كل من دون الله ، وأنى لملوك الدنيا بعشر معشار هلذه الؤتبة ، بل هم أقل وأذل ؟! وأما ملك الآخرة : فيقول الله تعالى : وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيزا}، وأعظم بما يقول فيه رث العزة : إنه ملك كبير ! وأنت تعلم أن الذنيا بأسرها ============================================================ قليلة ، وأن بقاءها من أولها إلى آخرها لقليل، ونصيب أحدنا من هلذا القليل قليل، ثم الواحد منا قد يبذل ماله وروحه حتى ربما يظفر بقذر قليل من هلذا القليل في بقاء قليل، وإن حصل له ذلك. . فيعذر، بل يغبط . ولا يستكثر ما بذل فيه من المال والتفس، نحو ما ذكر عن أمرىء القيس حيث يقول: [من الطويلا بكل صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا فكيف حال من يطلب الملك الكبير في دار النعيم الخالد المقيم ؟! أيستكثر مع ذلك أن يصلي ركعتين لله تعالى ، أو ينفق درهمين ، أو يسهر ليلتين ؟ كلا ، بل لو كان له ألف ألف نفسي ، وألف ألف روح ، وألف ألف عمر ، كل عمر مثل عمر الدنيا واكثر، فبذل ذلك كله في هذا المطلوب العزيز. . لكان ذلك قليلا ، ولئن ظفر بعده بما طلب. . كان ذلك غنما عظيما، وفضلا من الله الذي أعطاه كبيرا ، فتنبة أيها المسكين من رقدة الغافلين.
ثم إني تأملت ما يعطيه الله تعالى العبد إذا أطاعه، ولزم خدمته، وسلك هذذه الطريق عمره، فوجدتها على الجملة أربعين كرامة وخلعة، عشرون منها في الدنيا، وعشرون في العقبى. أما التي في الدنيا : فالأولى : أن يذكره الله سبحانه ويثني عليه ، وأكرم بعبد يكون رث العالمين يمن عليه في ذكره وثنائه ! والثانية : أن يشكره جل جلاله ويعظمه، ولو شكرك مخلوق ضعيف مثلك وعظمك.. لشرفت به، فكيف بإله الأولين والآخرين ؟! ============================================================ والثالثة : أن يحبه، ولو أحبك رئيس محلة، أو أمير بلدة. . لافتخرت بذلك ، وأنتفعت به في مواطن عزيزة ، فكيف بمحبة رب العالمين ؟! والرابعة : أن يكون له وكيلا يدبر أموره . والخامسة : أن يكون له برزقه كفيلا يوجهه إليه من حال إلى حال، من غير تعب أو وبال. والشادسة : أن يكون له نصيرا يكفيه كل عدو ، ويدفع عنه كل قاصد بسوء. والشابعة : أن يكون له أنيسا، لا يستوحش بحالي، ولا يخاف التغيير والاستبدال. والثامنة : عز النفس ، فلا يلحقه ذل خدمة الدنيا وأهلها ، بل لا يرضى أن تخدمه ملوك الدنيا وجبابرتها. والتاسعة : رفع الهمة ، فيترفع عن التلطخ بأقذار الذنيا وأهلها ، ولا يلتفت إلى زخارفها وملاهيها، ترقع الرجال الألباء عن ملاعب الصبيان والنسوان. والعاشرة : غنى القلب ، فيكون أغنى من كل غني في الذنيا ، لا يزال طيب النفس، فسيح الصدر، لا يفزغه حدث، ولا يهئه عذم . والحادية عشرة : نور القلب، فيهتدي بنور قلبه الى علوم وأسرار وحكم لا يهتدي إلى بعضها غيره إلا بجهد جهيد، وعمر مديه. والثانية عشرة : شرح الصدر، فلا يضيق ذرعا بشيء من محن الدنيا ومصائبها، ومؤن الناس ومكايدهم. والثالثة عشرة : المهابة والموقع في النفوس ، يحترمه الأخيار والأشرار، ويهابه كل فرعون وجبار. والرابعة عشرة : المحبة في القلوب ، يجعل له الرحمان ودا، فترى القلوب كلها مجبولة على حبه، والنفوس كلها بأجمعها مطبوعة على تعظيمه وإكرامه. والخامسة عشرة : البركة العامة في كل شيء ؛ من كلام أو نفسي ، أو فعلي أو 274 ============================================================ ثوب أو مكان، حتى يتبرك بتراب وطئه، وبمكان جلس فيه يوما، وبانسان صحبه أو رآه حينا. والسادسة عشرة : تسخير الأرض من البر والبحر، حتى إن شاء سار في الهواء، أو مشى على الماء ، أو قطع وجه الأرض بأقل من ساعة والسابعة عشرة : تسخير الحيوان من الشباع والوحوش والهوام وغيرها ، فتجيبه الوحوش، وتبصبص له الأسوة : والثامنة عشرة : ملك مفاتيح الأرض ، فحيئما يضرب بيده.. فله كنز إن أراد، وحيثما يضرب برجله. . فله عين ماء إن أحتاج، وأينما نزل.. فله مائدة تحضره إن قصد والتاسعة عشرة : القيادة والوجاهة على باب رب العزة جل جلاله، فيبتغي الخلق الوسيلة إلى الله تعالى بخدمته ، وتستنجع الحاجات من الله تعالى بوجاهته وبركته. والعشرون : إجابة الدعوة من ألله ؛ فلا يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه ، ولا يشفع لأحد إلا شفع ، ولو أقسم على ألله تعالى. . لأبره بما شاء ، حتى إن منهم من لو أشار إلى جبل. . لزال من مكانه ، فلا يحتاج إلى الشؤال باللسان ، ولو خطر بباله شيء.. لحضر، فلا يحتاج إلى الإشارة باليد ، فهاذه كرامات في الدنيا.
وأما التي في العقبى : فالحادية والعشرون : أن يهون الله عليه أولا سكرات الموت ، وهي التي وجلت قلوب الأنبياء صلوات الله وسلائه عليهم منها، حتى سألوا الله تعالى أن يهونها عليهم، حتى إن منهم من يكون الموث عنده مثل شربة الماء الزلال للظمآن ، قال الله تعالى : { الذين تتوفكهم الملكيكة طييين) ============================================================ والثانية والعشرون : التثبيث على المعرفة والإيمان ، وهو الذي منه كل الخوف والفزع ، وعليه كل البكاء والجزع ، قال عز من قائل : يتبت الله الذيبء امثوا بالقول الثايت فيى الحيوة الذنيا وف الآخرة والثالثة والعشرون : إرسال الروح والريحان بالبشرى والأمان ؛ قوله سرر تعالى : ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنشم توعدوب ) ، فلا يخاف مما يقدم عليه في العقبى، ولا يحزن على ما خلفه في الثنيا : والوابعة والعشرون : الخلود في الجنان ، ومجاورة الرحمان : والخامسة والعشرون : الحياة في السر لروحه، فيعرج على ملائكة السماوات بالإكرام والإلطاف والإنعام، ولبدنه في العلانية؛ بتعظيم جنازته، والمزاحمة على الصلاة عليه، والمبادرة إلى تجهيزه، يرجون بذلك أكثر ثواب، ويعدونه أعظم غنم والسادسة والعشرون : الأمان من فتنة سؤال القبر ، وتلقين الصواب فيه، فيأمن من ذلك الهول. والسابعة والعشرون : توسيع القبر وتنويره، فيكون في روضة من رياض الجنة إلى يوم القيامة. والثامنة والعشرون : إيناس روحه ونسمته وإكرامها ، فتجعل في أجواف طير خضر مع الإخوان الصالحين ، فرحين مستبشرين بما آتاهم ألله من فضله. والتاسعة والعشرون : الحشر في العز والكرامة ؛ من خلل وتاج وبراق. والثلاثون : بياض الوجه ونوره ، قال الله تعالى : { وجوه يؤميذ ناضرة إلى رتها ناظرە وقال : وجوه يوميز تسفرة ضاحكة تشتبشرة ============================================================ والحادية والثلاثون : الأمن من أهوال يوم القيامة ، قال الله تعالى : { أم من يأتىء امنايوم القيكمة والثانية والثلاثون : الكتاب باليمين ، ومنهم من كفي الكتاب رأسا : والثالثة والثلاثون : تيسير الحساب ، ومنهم من لا يحاسب أصلا . والرابعة والثلاثون : ثقل الميزان ، ومنهم من لا يوقف للوزن أصلا . والخامسة والثلاثون : ورود الحوض على النبي صلى الله عليه وسلم ، فيشرب شربة لا يظمأ بعدها أبدا : والشادسة والثلاثون : جواز الصراط والنجاة من النار، حتى إن منهم من لا يسمع حسيسها وتخمد له النار. والسابعة والثلاثون : الشفاعة في عرصات القيامة نحوا من شفاعة الأنبياء والوسل. والثامنة والثلاثون : ملك الأبد في الجنة . والتاسعة والثلاثون : الرضوان الأكبر . والأربعون : لقاء رب العالمين إلله الأولين والآخرين بلا كيف جل جلاله. ثم أقول: وإنما عددت ذلك على حسب فهمي ومبلغ علمي في قصوره ونقصه، ومع ذلك فقد أجملت وأوجزت، وذكرث الأصول والجمل، ولو فصلت بعض ذلك.. لما أحتمله الكتاب، الا ترى أني جعلت ملك الأبد خلعة واحدة، ولو فصلتها.. لارتفعت على أربعين خلعة من نوع الحور والقصور واللباس وغير ذلك ، ثم كل نوع يشتمل على تفاصيل لا يحيط بها إلا عالم الغيب والشهادة الذي هو خالقها ومالݣها ؟ وأي مطمع لنا في فعرفة ذلك وربنا سبحانه يقول : { فلا تعلم نفس ما أخفى للم من قرة أعين} الآية ؟! 282 ============================================================ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خلق فيها ما لا عين رأث ، ولا أذن سمعث، ولا خطر على قلب بشر " .
وإن المفسرين يقولون في قوله تعالى : لنفد البحرقبل أن نتفد كلمكث رى} : إن هلذه هي الكلمات التي يقولها الله تعالى لأهل الجنة في الجنة باللطف والإكرام، ومن تكون حاله هلذه. . فأنل يبلغ جزءا من ألف ألف جزء منه وهم بشر؟! أو كيف يحيط به علم مخلوق؟! كلا، بل تقاعدت الهمم، وتقاصرت دونه العقول، وحق أن يكون ذلك كذلك ، وهو عطاءآ العزيز العليم على مقتضى الفضل العظيم، وحسب الجود القديم، ألا لمثل هلذا فليعمل العاملون، وليبذل المجتهدون جهدهم لهلذا المطلوب العظيم ، وليعلموا أن ذلك كله لأقل قليل في جنب ما هم إليه محتاجون، وإئاه يطلبون، وله يتعرضون: وليعلموا أن العبد لا بد له في الجملة من أربعة : العلم، والعمل، والإخلاص، والخوف، فيعلم أولا الطريق ، وإلأ.. فهو أعمى، ثم يعمل بالعلم، وإلا.. فهو محجوب، ثم يخلص العمل، وإلا.. فهو مغبون، ثم لا يزال يخاف ويحذر من الآفات إلى أن يجد الأمان، وإلا.. فهو مغرود . ولقد صدق ذو النون رحمه الله حيث قال : (الخلق كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلأ العاملين ، والعاملون كلهم مغترؤون إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم) . قلت أنا : والعجب كل العجب من أربعة : أحدها: من عاملي غير عالم، أما يهتم بمعرفة ما بين يديه؟ أما يتعرف ما هو مطلع بعد الموت عليه بالنظر في هلذه الدلائل والعبر، والاستماع إلى ============================================================ هلذه الآيات والنذر ، والانزعاج لهلذه الخواطر والهواجس في النفس؟ قال الله تعالى : { أولر ينظروا فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىو) وقال تعالى : { ألا يظن أولكهك أنهم تبعوثون ليقع عظيم) . والثاني : من عالم غير عامل، أما يتذكر ما يعلم يقينا مما بين يديه من الأهوال العظام والعقبات الصعاب، وهلذا هو النبأ العظيم الذي أنتم عنه معرضون؟ والثالث : من عامل غير مخلص ، أما يتأمل قوله تعالى : { فمن كان يرحوا لقاء ريو فليعمل عملا صلحا ولا يشرله بعبادة ريده أحدا}؟ والرابع: من مخلصي غير خائف، أما ينظر إلى معاملاته جل جلاله مع أصفيائه وأولياته وخدمه الدالة بينه وبين خلقه ؟ حتى يقول لأكرم الخلق عليه محمد صلى الله عليه وسلم: ( ولقد أوحى إليك وإلى ألذين من قبلك لين أشركت ليحبطن عملك الآيات ونحوها: حتى كان عليه الصلاة والسلام يقول : 8 شيبتني هود وأخواتها" . ثم جملة الأمر وتفصيله ما قاله رث العالمين في أربع آيات من الكتاب العزيز: قوله عز وجل : { أفحسبتر انما خلقنلكم عبما وانكم إلتنالا ترجعون) 22و4244 ثم قال جل اسمه : ولتنظز نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) وقال جل من قائل : { وألذين جنهدوا فينالنهدينهم شبلنا) ثم أجمل الكل فقال وهو أصدق القائلين : { ومن جلهد فإنما يجلهد لنفسهء إن الله لضفي عن العكلمين) ============================================================ ات- امه ال ونحن نستغفر الله من كل ما زل به القدم ، أو طغى به القلم، ونستغفره من أقاويلنا التي لا توافق أعمالنا، ونستغفره من كل ما آدعيناه وأظهرناه من العلم بدين الله تعالى ، مع التقصير فيه، ونستغفره من كل خطرة دعثنا إلى تصنع وتزين؛ في كتاب سطرناه ، أو كلام نظمناه، أو علم أفدناه ، ونسأله أن يجعلنا وإياكم معشر الإخوان بما علمناه عاملين ، ولوجهه به مريدين، وألا يجعله وبالا علينا ، وأن يضعه في ميزان الصالحات إذا ردث أعمالنا إلينا، إنه جواد كريم. فهذا ما أردنا أن نذكره في شرح كيفية سلوك طريق الآخرة ، وقد وفينا بالمقصود ، والحمذ لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تنزل البركات، وصلى الله على خير مولود دعا إلى أفضل معبود ، محمد النبي المحمود ، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ، والحمد لله رب العالمين ، والعاقبة (1 للمثقين ، آمين آمين آمين . ============================================================
End of available text.