İbn Cevzî — Sıfatü's-Safve
عن صالح بن رستم قال: قال أبو قلابة: إذا أحدث الله عز وجل لك علما فأحدث له عبادة ولا يكن همك ما يحدث به الناس. قال: وقال لي: الزم سوقك فإن الغنى من العافية. حميد الطويل، عن أبي قلابة قال: إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك، فإن لم تجد له عذرا فقل في نفسك: لعل لأخي عذرا لا أعلمه. عثمان بن الهيثم قال: كان رجل بالبصرة من بني سعد، وكان قائدا من قواد عبيد الله بن زياد فسقط على السطح فانكسرت رجلاه. فدخل عليه أبو قلابة يعوده فقال له: أرجو أن تكون لك خيرة. فقال له: يا أبا قلابة وأي خير في كسر رجلي جميعا؟ فقال: ما ستر الله عليك أكثر. فلما كان بعد ثلاث ورد عليه كتاب ابن زياد أن يخرج فيقاتل الحسين. فقال للرسول: قد أصابني ما ترى فما كان إلا سبعا حتى وافى الخبر بقتل الحسين. فقال الرجل: رحم الله أبا قلابة لقد صدق، إنه كان خيرة لي. عن أيوب قال: مرض أبو قلابة بالشام، فأتاه عمر بن عبد العزيز يعوده فقال: يا أبا قلابة تشدد لا تشمت بنا المنافقون. أسند أبو قلابة عن أنس وغيره من الصحابة. ومات بالشام سنة أربع أو خمس ومائة. 503- مسلم بن يسار يكنى أبا عبد الله. مولى طلحة بن عبيد الله التيمي. كذا قال ابن سعد. وقال البخاري ومسلم بن الحجاج هو مولى بني أمية. وقال أبو بكر الخطيب: مولى عثمان بن عفان. ميمون بن جابان قال: ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتا في صلاته قط، خفيفة ولا طويلة. لقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدته وإنه لفي المسجد في صلاة فما التفت. عبد الجبار بن النضر السلمي قال: حدثني رجل من آل محمد بن سيرين قال: رأيت مسلم بن يسار رفع رأسه من السجود في المسجد الجامع فنظرت إلى موضع سجوده كأنه قد صب فيه الماء من كثرة دموعه. جعفر بن حيان قال: ذكر لمسلم بن يسار قلة التفاته في الصلاة فقال: وما يدريكم أين قلبي؟. عن ابن شوذب قال: كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في صلاته في بيته: تحدثوا فلست أسمع حديثكم. عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: كان مسلم إذا دخل المنزل سكت أهل البيت فلا يسمع لهم كلام، وإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا. ابن عون قال: رأيت مسلم بن يسار يصلي كأنه وتد لا يميل على قدم مرة ولا على قدم مرة ولا يتحرك له ثوب ولا يتروح على رجل. عن حبيب بن الشهيد أن مسلم بن يسار كان قائما يصلي فوقع حريق إلى جنبه فما شعر به حتى طفئت النار. عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم بن يسار قال: حدثني أبي قال: رأيت مسلما وهو ساجد، وهو يقول في سجوده: متى ألقاك وأنت عني راض؟ ويذهب في الدعاء ثم يقول: متى ألقاك وأنت عني راض. عن ابن عون قال: كان مسلم بن يسار إذا كان في غير صلاة كأنه في صلاة. ابن المبارك قال: قال مسلم بن يسار لأصحابه يوم التروية: هل لكم في الحج؟ فقالوا خرف الشيخ. وعلى ذلك لنطيعه. قال: من أراد ذلك فليخرج فخرجوا إلى الجبان برواحلهم فقال: خلوا أزمتها. فأصبحوا وهم ينظرون إلى جبال تهامة. سليمان بن المغيرة قال: جاء مسلم بن يسار إلى دجلة وهي تقذف بالزبد، فمشى على الماء ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل تفقدون شيئا؟. لقي مسلم بن يسار جماعة من الصحابة. وتوفي في سنة مائة أو إحدى ومائة في خلافة عمر بن عبد العزيز.
مالك بن دينار قال: رأيت أبا عبد الله مسلم بن يسار في منامي بعد موته بسنة؛ فسلمت عليه فلم يرد السلام فقلت: ما يمنعك أن ترد علي السلام؟ فقال: أنا ميت فكيف أرد عليك السلام؟ قال: قلت له فماذا لقيت بعد الموت؟ قال: فدمعت عينا مالك عند ذلك وقال: لقيت والله أهوالا عظاما شدادا. قال فقلت: فما كان بعد ذلك؟ قال: وما تراه يكون من الكريم؟ قبل منا الحسنات وعفا لنا عن السيئات وضمن عنا التبعات. قال: ثم شهق مالك شهقة خر مغشيا عليه. قال: فلبث بعد ذلك أياما مريضا من غشيته ثم مات فيرون أنه انصدع قلبه فمات رحمه الله. 504- محمد بن سيرين يكنى أبا بكر، مولى أنس بن مالك. كاتبه أنس. وقال ابن عائشة: كان سيرين من أهل جرجرايا وكان يعمل قدور النحاس، فجاء إلى عين التمر يعمل بها فسباه خالد بن الوليد. عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك قال: هذه مكاتبة سيرين عندنا: هذا ما كاتب عليه أنس بن مالك فتاه شيرون على كذا وكذا ألفا، وعلى غلامين يعملان عليه. بكار بن محمد قال: حدثني أبي أن أم محمد بن سيرين صفية مولاة أبي بكر بن أبي قحافة طيبها ثلاث من أزواج رسول الله ودعوته لها، وحضر إملاكها ثمانية عشر بدريا منهم أبي بن كعب يدعو، وهم يؤمنون. قال بكار: وأنبأ ابن عون قال: كان محمد بن سيرين إذا حدث كأنه يتقي شيئا، كأنه يحذر شيئا. جرير بن حازم قال: سمعت محمد بن سيرين يحدث رجلا فقال: ما رأيت الرجل الأسود، ثم قال: أستغفر الله ما أراني إلا قد اغتبت الرجل. عن ابن عون قال: كانوا إذا ذكروا عند محمد رجلا بسيئة ذكره محمد بأحسن ما يعلم. طوق بن وهب قال: دخلت على محمد بن سيرين وقد اشتكيت. فقال: كأني أراك شاكيا. قلت: أجل. قال: اذهب إلى فلان الطبيب فاستوصفه، ثم قال: اذهب إلى فلان فإنه أطب منه. ثم قال: أستغفر الله أراني قد اغتبته. عاصم الأحول قال: سمعت مورقا العجلي يقول: ما رأيت رجلا أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد ابن سيرين. قال: وقال أبو قلابة: اصرفوه حيث شئتم فلتجدنه أشدكم ورعا وأملككم لنفسه. عن أيوب قال: قال أبو قلابة: وأينا يطيق ما يطيق محمد بن سيرين؟ يركب مثل حد السنان. أبو عوانة قال: رأيت محمد بن سيرين يمر في السوق فيكبر الناس. قال خلف: كان محمد بن سيرين قد أعطي هديا وسمتا وخشوعا فكان الناس إذا رأوه ذكروا الله. بسطام بن مسلم قال: كان محمد بن سيرين إذا مشى معه رجل قام وقال: ألك حاجة؟ فإن كان له حاجة قضاها. فإن عاد يمشي معه قام فقال له: ألك حاجة؟. عن عاصم قال: لم يكن ابن سيرين يترك أحدا يمشي معه. حماد عن حبيب عن ابن سيرين قال: إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه يأمره وينهاه. ابن عون قال: سمعت محمدا يقول في شيء راجعته فيه: إني لم أقل لك ليس به بأس، إنما قلت لك لا أعلم به بأسا. الأشعث قال: كان محمد بن سيرين إذا سئل عن شيء من الفقه، الحلال والحرام، تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان. عن هشام قال: أوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين. فقيل له في ذلك، وكان محبوسا. فقال: أنا محبوس. قالوا: قد استأذن الأمير فأذن لك في ذلك. قال: فإن الأمير لم يحبسني إنما حبسني الذي له الحق. فأذن له صاحب الحق فخرج فغسله. عن رجاء بن أبي سلمة قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: أما ابن سيرين فإنه لم يعرض له أمران في دينه إلا أخذ بأوثقهما. عن هشام، عن ابن سيرين أنه اشترى بيعا فأشرف فيه على ثمانين ألفا فعرض في قلبه منه شيء فتركه. قال هشام: والله ما هو بربا. عن السري بن يحيى قال: لقد ترك ابن سيرين ربح أربعين ألفا في شيء دخله.
قال سري: فسمعت سليمان التيمي يقول: لقد تركه في شيء ما يختلف فيه أحد من العلماء. سعيد بن عامر قال: سمعت هشام بن حسان يقول: ترك محمد بن سيرين أربعين ألف درهم في شيء ما ترون به اليوم بأسا. هشام بن حسان يذكره قال: كان ابن سيرين إذا دعي إلى وليمة أو إلى عرس يدخل منزله فيقول: اسقوني شربة سويق. فيقال له: يا أبا بكر أنت تذهب إلى الوليمة أو العرس تشرب سويقا؟ فيقول: إني أكره أن أحمل حد جوعي على طعام الناس. عن ابن شوذب قال: كان ابن سيرين يصوم يوما ويفطر يوما. وكان اليوم الذي يفطر فيه يتغدى ولا يتعشى، ثم يتسحر ويصبح صائما. موسى بن المغيرة قال: رأيت محمد بن سيرين يدخل السوق نصف النهار يكبر ويسبح ويذكر الهل عز وجل. فقال له رجل: يا أبا بكر في هذه الساعة؟ قال: إنها ساعة غفلة. روى هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين قالت: كان محمد إذا دخل على أمه لم يكلمها بلسانه كله تخشعا لها. عن ابن عون قال: دخل رجل على محمد وهو عند أمه فقال: ما شأن محمد؟ يشتكي شيئا؟ قالوا: لا ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه. عن الربيع، عن ابن سيرين قال: ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم وتكتم خيره. عن ابن عون قال: أرسل ابن هبيرة إلى ابن سيرين فأتاه فقال له: كيف تركت أهل مصرك؟ قال تركتهم والظلم فيهم فاش. قال ابن عون: كان محمد يرى أنها شهادة يسأل عنها فكره أن يكتمها. عن جعفر بن مرزوق قال: بعث ابن هبيرة إلى ابن سيرين والحسن والشعبي، قال: فدخلوا عليه فقال لابن سيرين: يا أبا بكر ماذا رأيت منذ قربت من بابنا؟ قال رأيت ظلما فاشيا. قال: فغمزه ابن أخيه بمنكبه، فالتفت إليه ابن سيرين فقال ابن سيرين: إنك لست تسأل إنما أسأل أنا. فأرسل إلى الحسن بأربعة آلاف، وإلى ابن سيرين بثلاث آلاف، وإلى الشعبي بألفين. فأما ابن سيرين فلم يأخذها. عن جعفر بن أبي الصلت قال: قلت لمحمد بن سيرين: ما منعك أن تقبل من ابن هبيرة؟ قال: فقال لي: يا أبا عبد الله، أو يا هذا، إنما أعطاني على خير كان يظنه بي، ولئن كنت كما ظن بي فما ينبغي لي أن أقبل، وإن لم أكن كما ظن فبالحري أن لا يجوز لي أن أقبل. عن ابن عون قال: كان لابن سيرين منازل لا يكريها إلا من أهل الذمة. فقيل له في ذلك فقال: إذا جاء رأس الشهر رعته وأكره أن أروع مسلما. عن عبيد الله بن السري قال: قال ابن سيرين: إني لأعرف الذنب الذي حمل به علي الدين ما هو. قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مفلس. فحدثت به أبا سليمان الداراني فقال: قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبك فليس ندري من أين نؤتى؟. عن عاصم الأحول قال: كان عامة كلام ابن سيرين: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده. عن هشام بن حسان قال: ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في جوف الليل وهو يصلي. عن أنس بن سيرين قال: كان لمحمد بن سيرين سبعة أوراد يقرؤها بالليل، فإذا فاته منها شيء قرأه من النهار. عن هشام قال: كان ابن سيرين يحيي الليل في رمضان. عن دهير قال: كان ابن سيرين إذا ذكر الموت مات كل عضو منه على حدته. مهدي قال: كنا نجلس إلى محمد فيحدثنا ونحدثه ويكثر غلينا ونكثر إليه فإذا ذكر الموت تغير لونه واصفر وأنكرناه وكأنه ليس بالذي كان. عن ابن عون أن محمد بن سيرين كان إذا نام وجه نفسه. أبي قال: كان الرجل إذا سال ابن سيرين عن الرؤيا قال: اتق الله عز وجل في اليقظة ولا يضرك ما رأيت في المنام، بشر بن عمر قال: حدثتنا أم عباد، امرأة هشام بن حسان، قالت: نزلنا مع محمد ابن سيرين في الدار، فكنا نسمع بكاءه بالليل وضحكه بالنهار.
الصقر، يعني ابن حبيب، قال: مر ابن سيرين برآس قد خرج رأسا فغشي عليه. عن حبيب بن الشهيد قال: كنت أنا وأيوب السختياني عند عمر بن دينار فحلف ما رأى أحدا أفضل من طاوس. فقال أيوب: لو رأى ابن سيرين لم يحلف. أسند محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد، وعمران ابن حصين، وجندب. وأنس، وأبي هريرة، وأبي بكرة في آخرين. قال علي بن المديني: لم يحفظ عن زيد بن ثابت شيئا إلا أنه سمع كلامه. وتوفي فس سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم، وهو ابن نيف وثمانين سنة. 505- بكر بن عبد الله المزني عن كنانة بن جبل قال: قال بكر بن عبد الله: إذا رأيت من هو أكبر منك فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيرا فقل: هذا ذنب أحدثته. عن صالح المري قال: وقف مطرف بن عبد الله بن الشخير، وبكر بن عبد الله المزني بعرفة فقال مطرف: اللهم لا تردهم اليوم من أجلي. وقال بكر: ما أشرفه من مقام وأرجاء لأجله لولا أني فيهم. عن معاوية بن عبد الكريم، عن بكر بن عبد الله قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا بلغ المبلغ فمشى في الناس تظله غمامة. قال: فمر رجل قد أظلته غمامة على رجل فأعظمه لما رآه لما آتاه الله عز وجل. قال: فاحتقره صاحب الغمامة، أو قال كلمة نحوها، فأمرت أن تتحول من رأسه إلى رأس الذي عظم أمر الله عز وجل. عن حميد قال: كان بكر مجاب الدعوة. عن إبراهيم بن عيسى قال: قال بكر بن عبد الله المزني: من مثلك يا ابن آدم؟ خلي بينك وبين المحراب والماء. كلما شئت دخلت على الله عز وجل ليس بينك وبينه ترجمان. عن حصين عن بكر بن عبد الله المزني قال: لا يكون العبد تقيا حتى يكون تقي الطمع، تقي الغضب. المفضل بن غسان عن أبيه قال: قال بكر بن عبد الله: إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به. مسمع بن عاصم قال: حدثني رجل من آل عاصم الجحدري قال: رأيت عاصما الجحدري بعد موته بسنتين فقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى. فقلت: أين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا وتفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فنتلاقى في أخباركم، قال: قلت أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح. أسند بكر عن ابن عمر، وجابر، وأنس، وعبد الله بن مغفل، ومعقل بن يسار، وغيرهم. وتوفي في سنة ثمان، ويقال: سنة ست ومائة. 506- مورق بن المشمرج العجلي يكنى أبا المعتمر. عن هشام عن مورق قال: ما تكلمت بشيء من الغضب فندمت عليه في الرضا. عن حفصة بنت سيرين قالت: كان مورق العجلي يأتينا. فسألته عن أهله وولده فقال: هم والله متوافرون. فقلت: رحمك الله لم تقول هذا؟ قال: إني والله أخشى أن يحبسوني على هلكة. وكان يقول: ما في الأرض نفس في موتها لي أجر إلا وددت أنها قد ماتت. المعلى بن زياد قال: قال مورق العجلي: ما من أمر يبلغني أحب إلي من موت أحب أهلي إلي. عن قتادة أن مورقا قال: ما وجدت للمؤمن مثلا إلا مثل رجل في البحر على خشبة فهو يدعو: يا رب يا رب، لعل الله عز وجل أن ينجيه. المعلى بن زياد القردوسي قال: قال مورق العجلي: أمر أنا في طلبه منذ عشرين سنة هم أقدر عليه ولست بتارك طلبه أبدا، قالوا: وما هو يا أبا المعتمر؟ قال: الصمت عما لا يعنيني. عن جميل بن مرة قال: مستنا حاجة شديدة، وكان مورق العجلي يأتينا بالصرة فيقول: أمسكوا هذه لي عندكم. ثم يمضي غير بعيد فيقول: إن احتجتم إليها فأنفقوها.
جعفر قال: أنبأنا بعض أصحابنا قال: كان مورق يتجر فيصيب المال فلا يأتي عليه جمعة وعنده منه شيء، يلقى الأخ فيعطيه أربعمائة، خمسمائة، ثلثمائة فيقول: ضعها عندك حتى نحتاج إليها. قال: ثم يلقاه بعد ذلك فيقول الأخ: لا حاجة لي فيها. فيقول: إنا والله ما نحن بآخذيها أبدا فشأنك بها. عن عاصم أن مورقا العجلي كان يجد نفقته تحت رأسه. أسند مورق عن أبي ذر وسلمان وغيرهما وتوفي في ولاية عمر بن هبيرة على العراق. 507- غزوان بن غزوان الرقاشي وقيل غزوان بن زيد عن الحسن قال: قال غزوان بن زيد الرقاشي: لله علي أن لا يراني الله ضاحكا حتى أعلم أي الدارين داري؟. قال الحسن: فعزم غزوان أن يفعل، فوالله ما رئي ضاحكا حتى لحق بالله عز وجل. عثمان بن عبد الحميد الرقاشي قال: سمعت مشايخنا يذكرون أن غزوان لم يضحك منذ أربعين سنة. وكان غزوان يغزو فإذا أقبلت الرفاق راجعين تستقبلهم أمه فتقول لهم: أما تعرفون غزوان؟ فيقولون: ويحك يا عجوز ذاك سيد القوم. عبد الواحد بن زيد قال: كان أصحاب غزوان يقولون له: ما يمنعك من مجالسة إخوانك؟ فيبكي عند ذلك ويقول: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي. عن هارون بن رئاب أن غزوان كان في بعض مغازيهم فتكشفت جارية فنظر إليها غزوان فرفع يده فلطم عينه حتى نفرت وقال: إنك للحاظة إلى ما يضرك. 508- مذعور قال: قال مطرف بن عبد الله: إن كان من هذه الأمة أحد ممتحن القلب فإن مذعورا ممتحن القلب. قال سليمان: وأنبأ قتادة قال: قال مطرف إن كان مذعور ليزورنا فيفرح به أهلنا. قال سليمان وأنبأ غيلان بن جرير، قال: قال مطرف ما تحب اثنان في الله إلا كان أشدهما حبا لصاحبه أفضلهما، وأنا لمذعور أشد حبا وهو أفضل مني، فكيف هذا قال: فلما أمر بالرهط أن يخرجوا إلى الشام أمر مذعور فيهم. قال فلقيني وأخذ بلجام دابتي فجعلت كلما أردت أن أنصرف يحبسني. فقلت: إن المكان بعيد. فجعل يحبسني فقلت: أنشدك الله إلا تركتني فلم تحبسني؟ فلما ناشدته قال كليمة يخفيها جهده مني: اللهم فيك، فعرفت أنه أشد حبا لي مني له. 509- العلاء بن زياد بن مطر العدوي عن أوفى بن دلهم قال: كان للعلاء بن زياد مال ورقيق فأعتق بعضهم وباع بعضهم وأمسك غلاما أو اثنين يأكل غلتهما فتعبد فكان يأكل كل يوم رغيفين، وترك مجالسة الناس فلم يكن يجالس أحدا، يصلي في جماعة ثم يرجع إلى أهله ويجمع ثم يرجع إلى أهله، ويشيع الجنازة ويعود المرضى، ثم يرجع إلى أهله فطفئ فبلغ ذلك إخوانه فاجتمعوا فأتاه أنس بن مالك والحسن والناس وقالوا: رحمك الله أهلكت نفسك لا يسعك هذا. فكلموه وهو ساكت، حتى إذا فرغوا من كلامهم قال: إنما أتذلل لله عز وجل لعله يرحمني. عن حميد بن هلال قال: دخلت مع الحسن على العلاء بن زياد العدوي نعوده وقد سله الحزن، وكانت له أخت يقال لها شادة تندف تحته القطن غدوة وعشية. فقال له الحسن: كيف أنت يا علاء؟ فقال: واحزناه على الحزن. فقال الحسن: قوموا، فإلى هذا والله انتهى استقلال الحزن. هشام بن زياد، أخو العلاء بن زياد، قال: كان العلاء بن زياد يحيي كل ليلة جمعو. قال: وجد ليلة فترة فقال لامرأته أسماء: إني أجد فترة فإذا مضى كذا وكذا، فأيقظيني. قالت: نعم. فأتاه آت في منامه فأخذ بناصيته فقال: يا بن زياد قم فاذكر الله عز وجل يذكرك. قال: فقام فما زالت تلك الشعرات التي أخذ بها منه قائمة حتى مات. قتادة، عن العلاء بن زياد قال: إنما نحن قوم وضعنا أنفسنا في النار، فإن شاء الله أن يخرجنا منها أخرجنا.
عن قتادة قال: حدثنا العلاء بن زياد أن رجلا كان يرائي بعمله فجعل يشمر ثيابه ويرفع صوته إذا قرأ فجعل لا يأتي على أحد إلا سبه ولعنه. ثم رزقه الله تعالى يقينا بعد ذلك فخفض من صوته وجل صلاته فيما بينه وبين ربه عز وجل، فجعل لا يأتي بعد ذلك على أحد إلا دعا له بخير. عن قتادة قال: كان العلاء بن زياد يقول: لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه عز وجل فأقاله فليعمل بطاعة الله عز وجل. عن قتادة قال: كان زياد بن مطر العدوي قد بكى حتى عمي، وبكى ابنه العلاء بن زياد بعده حتى عشي بصره، وكان إذا أراد أن يتكلم أو يقرأ أجهشه البكاء. جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يسأل هشام بن حسان العدوي عن هذا الحديث، فحدثناه يومئذ قال: تجهز رجل من أهل الشام وهو يريد الحج فنام فأتاه آت في منامه فقال له: ائت العراق، ثم ائت البصرة، ثم ائت بني عدي فأت العلاء بن زياد فإنه رجل ربعة أقصم الثنية بسام فبشره بالجنة. قال فقال: رؤيا ليست بشيء. قال: حتى إذا كانت الليلة الثانية رقد فأتاه آت فقال: ألا فأتي العراق؟ ثم تأتي البصرة ثم تأتي بني عدي فتلقى العلاء بن زياد؟ رجل ربعة أقصم الثنية بسام فبشره بالجنة، قال: فأصبح فأعد جهازه إلى العراق فلما خرج من البيوت إذا الذي أتاه في منامه يسير بين يديه يراه ما سار فإذا نزل فقده فلم يزل يراه حتى دخل الكوفة ثم فقده، قال: فتجهز من الكوفة فخرج فرآه يسير بين يديه حتى قدم البصرة فأتى بني عدي فوقف على باب العلاء فسلم، قال هشام: فخرجت إليه فقال لي: أنت العلاء بن زياد؟ قلت: لا، إنزل رحمك الله فتضع رحلك ومتاعك، قال: لا. أين العلاء بن زياد؟ قال: قلت: هو في المسجد. قال: وكان العلاء يجلس في المسجد يدعو بدعوات ويتحدث، قال هشام: فأتيت العلاء فخفف من حديثه وصلى ركعتين ثم جاء فلما رآه العلاء تبسم فبدت ثنيته فقال: هذا والله صاحبي. قال: فقال العلاء: هلا حططت رحل الرجل؟ ألا أنزلته؟ قلت: قد قلت له فأبى. فقال العلاء: انزل رحمك الله. قال: فقال أخلني. قال لدخل العلاء منزله وقال: يا أسماء تحولي إلى البيت الآخر. قال: فتحولت ودخل الرجل فبشره برؤياه ثم خرج فركب وقام العلاء فأغلق بابه فبكى ثلاثة أيام، أو قال سبعة أيام، لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا ولا يفتح بابه. قال هشام: فسمعته يقول في خلال بكائه: أنا أنا؟ قال: فكنا نهابه أن نفتح بابه، وخشيت أن يموت. فأتيت الحسن فذكرت ذلك له وقلت: لا أراه إلا ميتا لا يأكل ولا يشرب باكيا، فجاء الحسن حتى ضرب عليه بابه وقال: افتح يا أخي. قال: فلما سمع كلام الحسن قام ففتح بابه وبه من الضر شيء الله به عليم. فكلمه الحسن ثم قال: رحمك الله ومن أهل الجنة إن شاء الله. أفقاتل نفسك أنت؟. قال هشام: حدثنا العلاء، أخي، لي وللحسن بالرؤيا وقال: لا تحدثوا بها ما كنت حيا. أسند العلاء عن عمران بن حصين وأبي هريرة، وأرسل عن معاذ بن جبل وأبي ذر وعبادة بن الصامت وتوفي في ولاية الحجاج على العراق. 510- معاوية بن قرة بن إياس يكنى أبا إياس عن تمام بن نجيح، عن معاوية بن قرة قال: أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئا مما أنتم عليه إلا الأذان. روح قال: أنبأ الحجاج بن الأسود أن معاوية بن قرة قال: من يدلني على بكاء بالليل بسام بالنهار. عون بن موسى قال: حدثنا معاوية بن قرة قال: كنا عند الحسن فتذاكرنا أي العمل أفضل؟ فكلهم اتفقوا على قيام الليل فقلت أنا: ترك المحارم فانتبه لها الحسن فقال: تم الأمر، تم الأمر.
عن عبد الله بن ميمون البصري قال: سمعت معاوية بن قرة يقول: إن الله عز وجل يرزق العبد رزق شهر في يوم واحد فإن أصلحه أصلح الله على يديه وعاش هو وعياله بقية شهرهم بخير، وإن هو أفسده أفسد الله تعالى على يديه وعاش هو وعياله بقية شهرهم بشر. مسلم قال: لقيني معاوية بن قرة وأنا جاء من الكلأ فقال لي: ما صنعت؟ فقلت: اشتريت لأهلي كذا وكذا. قال: وأصبت من حلال؟ قلت: نعم. قال: لأن أغدو فيما غدوت به أحب إلي من أن أقوم الليل وأصوم النهار. عن خليد بن دعلج قال: سمعت معاوية بن قرة يقول: إن القوم ليحجون ويعتمرون ويجاهدون ويصلون ويصومون، وما يعطون يوم القيامة إلا على قدر عقولهم. أسند معاوية عن أبيه، وعن أنس بن مالك: ومعقل بن يسار، وابن عباس. 511- أبو الجوزاء أوس بن خالد الربعي هشام قال: حدثني أبي عن أبي الجوزاء قال: صحبت ابن عباس ثنتي عشرة سنة ما بقي من القرآن آية إلا سألته عنها. وفي رواية: جاورت ابن عباس ثنتي عشرة سنة في داره. سليمان الربعي قال: كان أبو الجوزاء يواصل في الصوم بين سبعة أيام ثم يقبض على ذراع الشاب فيكاد يحطمها. أسند أبو الجوزاء عن ابن عباس وعائشة وغيرهما. وخرج مع ابن الأشعث فقتل أيام الجماجم في ثلاث وثمانين. 512- طلق بن حبيب العنزي عن الحجاج بن زيد قال: كان طلق بن حبيب يقول: إني لأحب أن أقوم لله حتى أشتكي ظهري. فيقوم فيبتدئ بالقرآن حتى يبلغ "الحجر" ثم يركع. روى طلق عن ابن عباس وجابر بن عبد الله. ومن الطبقة الثالثة من أهل البصرة: 513- قتادة بن دعامة السدوسي يكنى أبا الخطاب. معمر قال: سمعت قتادة يقول: ما سمعت أذناي شيئا قط إلا وعاه قلبي. سلام بن أبي مطيع، عن قتادة أنه كان يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة. عن مطر، عن قتادة قال: من يتق الله يكن الله معه، ومن يكن الله عز وجل معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل. سعيد بن بشير، عن قتادة قال: إن في الجنة كوى إلى النار فيطلع أهل الجنة من تلك الكوى إلى النار فيقولون: ما بال الأشقياء؟ وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم! فقالوا: إنا كنا نأمركم ولا نأتمر، وننهاكم ولا ننتهي. شهاب بن خراش، عن قتادة قال: باب من العلم، يحفظه الرجل يطلب به صلاح نفسه وصلاح الناس، أفضل من عبادة حول كامل. أسند قتادة عن أنس وعبد الله بن سرجس وحنظلة الكاتب وأبي الطفيل في آخرين. وكان يرسل الحديث عن الشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي وأبي قلابة ولم يسمع منهم. وتوفي سنة سبع عشرة ومائة. 514- حميد بن هلال العدوي يكنى أبا نصر عن قتادة قال: كان حميد بن هلال من العلماء الفقهاء، ولم يكن يذاكر ولا يسأل؛ إنما كان يعتذر في مكان. موسى بن إسماعيل قال: سمعت أبا هلال يقول: سمعت قتادة يقول: ما كان بالمصرين أعلم من حميد ما أستثني الحسن ولا محمدا. عن الجلد بن أيوب عن حميد بن هلال قال: ذكر لنا أن الرجل إذا دخل الجنة فصور صورة أهل الجنة وألبس لباسهم وحلي حلاهم ورأى أزواجه وخدمه ومساكنه في الجنة يأخذه سوار فرح، لو كان ينبغي أن يموت لمات فرحا. فيقال له: أرأيت سوار فرحتك هذه؟ فإنها قائمة لك أبدا. ثابت بم مسلم البناني ... 515- ثابت بن مسلم البناني يكنى أبا محمد عن بكر بن عبد الله قال: من سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ثابت البناني، فما أدركنا الذي هو أعبد منه، تراه في يوم معمعاني بعيد ما بين الطرفين يظل صائما ويراوح ما بين جبينه وقدمه. عمرو بن محمد بن أبي رزين قال: قال ثابت البناني: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة.
سلام بن مسكين قال: أنبأ ثابت قال: ما دعا الله عز وجل المؤمن بدعوة إلا وكل بحاجته جبرائيل عليه السلام فيقول: لا تعجل بإجابته فإني أحب أن أسمع صوت عبدي المؤمن، وإن الفاجر يدعو الله عز وجل فيوكل جبرائيل بحاجته فيقول: يا جبرائيل أعجل إجابة دعوته فإني أحب أن لا أسمع صوت عبدي الفاجر. جعفر قال: أنبأ ثابت البناني عن رجل من العباد أنه قال يوما لإخوانه: إني لأعلم متى يذكرني ربي عز وجل. قال: ففزعوا من ذلك فقالوا: تعلم حين يذكرك ربك؟ قال: نعم. قالوا: متى؟ قال: إذا ذكرته ذكرني. قال: وإني لأعلم حين يستجيب لي ربي عز وجل. قال: فعجبوا من قوله، قالوا: تعلم حين يستجيب لك ربك؟ قال: نعم. قالوا: وكيف تعلم ذلك؟ قال: إذا وجل قلبي واقشعر جلدي وفاضت عيني وفتح لي في الدعاء فثم أعلم أن قد استجيب لي. سهل بن أسلم قال: كان ثابت البناني يصلي كل ليلة ثلاث مائة ركعة، فإذا أصبح ضمرت قدماه فيأخذهما بيده فيعصرهما ثم يقول: مضى العابدون وقطع بي والهفاه. عن شعبة قال: كان ثابت البناني يقرأ القرآن في كل يوم وليلة ويصوم الدهر. جعفر بن سليمان قال: حدثنا ثابت البناني قال: كان رجل من العباد يقول: إذا أنا نمت ثم استيقظت ثم أردت أن أعود إلى النوم فلا أنام الله عيني إذا. قال جعفر: كنا نراه يعني نفسه. حميد قال: كنا نأتي أنس بن مالك ومعنا ثابت، فكلما مر بمسجد صلى فيه فكنا نأتي أنسا فيقول: أين ثابت؟ أين ثابت؟ إن ثابتا دويبة أحبها. قال عبد الله: وحدثني أبي قال: بلغني أن أنسا قال لثابت: ما أشبه عينك بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فما زال يبكي حتى عمشت عيناه. جعفر بن سليمان قال: اشتكى ثابت البناني عينه فقال له الطبيب: اضمن لي خصلة تبرأ عينك قال: وما هي؟ قال: لا تبك قال: وما خير في عين لا تبكي؟ حماد بن زيد قال: رأيت ثابتا البناني يبكي حتى تختلف أضلاعه. عن هشام قال: ما رأيت قط أصبر على طول المقام والسهر من ثابت البناني، صحبناه مرة إلى مكة فكنا إن نزلنا ليلا فهو قائم يصلي وإلا فمتى شئت أن تراه أو تحس به مستيقظا ونحن نسير إما باكيا وإما تاليا. مبارك بن فضالة قال: كان ثابت البناني يقوم الليل ويصوم النهار. وكان يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل. جعفر قال: سمعت ثابتا يقول: ما تركت في المسجد الجامع سارية إلا وقد ختمت القرآن عندها وبكيت عندها. جعفر قال: أخبرنا محمد بن ثابت البناني قال: ذهبت ألقن أبي وهو في الموت فقلت: يا أبت قل لا إله إلا الله فقال: يا بني خل عني فإني في وردي السادس أو السابع. شبان بن جسر عن أبيه قال: أنا، والله الذي لا إله إلا هو، أدخلت ثابتا البناني لحده ومعي حميد الطويل أو رجل غيره، شك محمد، قال: فلما سوينا عليه اللبن سقطت لبنة فإذا أنا به يصلي في قبره. فقلت للذي معي: ألا ترى؟ قال: اسكت فلما سوينا عليه وفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها: ما كان عمل ثابت؟ قالت: وما رأيتم؟ فأخبرناها. قالت: كان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السحر قال في دعائه: اللهم إن كنت أعطيت أحدا من خلقك الصلاة في قبره فأعطنيها. فما كان الله عز وجل ليرد ذلك الدعاء. إبراهيم بن الضمة المهلبي قال: حدثني الذين كانوا يمرون بالجص بالأسحار قالوا: كنا إذا مررنا بجنبات قبر ثابت سمعنا قراءة القرآن. أسند ثابت عن ابن عمرو وابن الزبير وشداد وأنس في آخرين. وتوفي في ولاية خالد بن عبد الله على العراق. 516- إياس بن معاوية بن قرة المزني يكنى أبا واثلة. كان قاضيا على البصرة غزير العقل والدين. داود بن أبي هند قال: قال إياس بن معاوية: كل رجل لا يعرف عيبه فهو أحمق. قالوا: يا أبا واثلة ما عيبك؟ قال: كثرة الكلام.
عن أبي إسحاق بن حفص بن نوح قال: قيل لإياس بن معاوية: فيك أربع خصال: دمامة، وكثرة كلام، وإعجاب بنفسك، وتعجيل بالقضاء. قال: أما الدمامة فالأمر فيها إلى غيري، وأما كثرة الكلام فبصواب أتكلم أم بخطأ؟ قالوا: بصواب. قال: فالإكثار من الصواب أمثل، وأما إعجابي بنفي أفيعجبكم ما ترون مني؟ قالوا: نعم. قال: فإني أحق أن أعجب بنفسي وأما قولكم إنك تعجل بالقضاء فكم هذه؟ وأشار بيده خمسة فقالوا: خمسة. فقال: أعجلتم ألا قلتم واحدا واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة؟ قالوا: ما نعد شيئا قد عرفناه. قال: فما أحبس شيئا قد تبين لي فيه الحكم. سمع إياس من أبيه وأنس بن مالك وابن المسيب وغيرهم. 517- أبو عمران عبد الملك. ابن حبيب الجوني. جعفر بن سليمان الضيعي قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول في قصصه: لا يغرنكم م نربكم عز وجل طول النسيئة وحسن الطلب فإن أخذه أليم شديد، حتى متى تبقى وجوه أولياء الله بين أطباق التراب؟ وإنما هم محتبسون ببقية آجالكم أيتها الأمة حتى يبعثهم الله عز وجل إلى جنته وثوابه. قال جعفر: وسمعت أبا عمران الجوني يقول: وعظ موسى عليه السلام قومه فشق رجل منهم قميصه، فأوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: قل لصاحب القميص لا يشق قميصه ولكن ليشرح لي عن قلبه. جعفر قال: أنبأ أبو عمران الجوني قال: تصعد الملائكة بالأعمال فينادي الملك: ألق تلك الصحيفة: ألق تلك الصحيفة، قال: فتقول الملائكة: ربنا قالوا خيرا وحفظناه عليهم. فيقول تبارك وتعالى: لم يرد به وجهي قال: وينادي الملك: اكتب لفلان كذا وكذا مرتين فيقول: يا رب إنه لم يعمله. فيقول جل وعز إنه نواه نواه. الحارث بن سعيد قال: كان أبو عمران الجوني إذا سمع الأذان تغير لونه وفاضت عيناه. عن خشيش أبي محرز قال: قال أبو عمران الجوني وهبك تنجو بعد كم تنجو. أسند أبو عمران عن أنس بن مالك وجندب بن عبد الله وعائذ بن عمرو وأبي برزة في آخرين. 518- بديل بن ميسرة العقيلي مالك بن ضيغم قال: سمعت بشر بن منصور يقول: بكى بديل العقيلي حتى قرحت مآقيه. فكان يعاتب في ذلك فيقول: إنما أبكي خوفا من طول العطش يوم القيامة. السري بن يحيى عن بديل العقيلي قال: من أراد بعلمه وجه الله عز وجل أقبل الله عليه بوجهه وأقبل بقلوب العباد إليه ومن عمل لغير الله عز وجل أقبل الله عنه وجهه وصرف قلوب العباد عنه. عن الوليد بن هشام عن بديل العقيلي قال: الصيام معقل العابدين. سيار قال: قال مهيد بن ميمون: رأيت ليلة مات بديل العقيلي قائلا يقول: ألا إن بديلا أصبح من سكان الجنة. أسند بديل عن أنس وغيره، وتوفي سنة ثلاثين ومائة. 519- أبو ريحانة عبد الله بن مطر روى عن ابن عمر وسفينة عن فروة الأعمى مولى سعد بن أبي أمية المقري قال: ركب أبو ريحانة البحر وكان يخيط فيه بإبرة معه فسقطت إبرته في البحر فقال: عزمت عليك يا رب إلا رددت علي إبرتي. فظهرت حتى أخذها. قال: واشتد عليهم البحر ذات يوم وهاج فقال: اسكن أيها البحر فإنما أنت عبد حبشي. فسكت حتى صار كالزيت. 520- محمد بن واسع بن جابر يكنى أبا عبد الله شبابة قال: أخبرني موسى بن بشار قال: صحبت محمد بن واسع من مكة إلى البصرة فكان يصلي الليل أجمع، يصلي في المحمل جالسا يومئ برأسه إيماء وكان يأمر الحادي يكون خلفه ويرفع صوته حتى لا يفطن له وكان ربما عرس من لاليل فينزل فيصلي فإذا أصبح أيقظ أصحابه. عبد الملك بن قريب قال: حدثني نسيب لهشام القردوسي قال: قال رجل: دخلنا على محمد بن واسع فقالت علجة في داره فذكرت كلمات بالأعجمية معناها: هذا رجل إذا جاء الليل لو كان قتل أهل الدنيا ما زاد.
عبد الواحد بن زيد قال: شهدت حوشبا جاء إلى مالك بن دينار فقال: يا أبا يحيى رأيت البارحة كأن مناديا يقول: يا أيها الناس، الرحيل الرحيل. فما رأيت أحدا يرتحل إلا محمد بن واسع. قال: فصاح لمالك صيحة وخر مغشيا عليه. قال مضر: كان الحسن يسمي محمد بن واسع زين القرآن. مخلد قال: كان محمد بن واسع مع قتيبة بن مسلم في جيش، وكان صاحب خراسان، وكانت الترك خرجت إليهم فبعث إلى المسجد ينظر من فيه؟ فقيل له ليس فيه إلا محمد بن واسع رافعا إصبعه، فقال قتيبة: إصبعه تلك أحب إلي من ثلاثين ألف عنان. جعفر قال: كنت إذا وجدت من قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع حسبت أن وجهه وجه ثكلى. علي بن بزيع الهلالي قال: قال مطر الوراق: ما اشتهيت أن أبكي قط حتى أشتفي إلا نظرت إلى وجه محمد ابن واسع، وكنت إذا نظرت إلى وجهه كأنه ثكل عشرة من الحزن. عن ابن شوذب قال: كان إذا قيل: من أفشل أهل البصرة؟ قالوا: محمد بن واسع، ولم يكن يرى كثير عبادة وكان يلبس قميصا وساجا وكان له علية فإذا كان الليل دخل ثم أغلقها عليه. عن يونس قال: سمعت محمد بن واسع يقول: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني، من نتن ريحي. الحارث بن نبهان قال: سمعت ابن واسع يقول: واصحاباه، ذهب أصحابي. فقلت: يرحمك الله أليس قد نشأ شباب يصومون النهار ويقومون الليل ويجاهدون في سبيل الله عز وجل؟ قال: بلى ولكن أخ، وتفل، أفسدهم العجب. عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق علي منها فقال: تدري ما لله علي في هذه القرحة من نعمة؟ قال: فسكت. فقال: حيث لم يجعلها على حدقتي ولا على طرف لساني ولا على طرف ذكري. قال: فهانت علي قرحته. عن ابن شوذب قال: قسم أمير البصرة على أهل البصرة، فبعث إلى مالك بن دينار فقبل وأتاه محمد بن واسع فقال: يا مالك قبلت جوائز السلطان قال: فقال: يا أبا بكر سل جلسائي، فقالوا: يا أبا بكر اشتري بها رقابا فأعتقهم، فقال له محمد بن واسع: أنشدك الله أقلبك الساعة له على ما كان قبل أن يجيزك؟ قال: اللهم لا، قال: ترى أي شيئ دخل عليك؟ فقال مالك لجلسائه: إنما مالك حمار، إنما يعبد الله مثل محمد بن واسع. عن ليث بن أبي سليم عن محمد بن واسع قال: إذا أقبل العبد بقلبه إلى الله عز وجل أقبل الله عز وجل إليه بقلوب المؤمنين. سليمان التيمي: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله عز وجل بمثل صحيفته إلا محمد بن واسع. حماد بن زيد قال: دخلنا على محمد بن واسع نعوده في مرضه فجاء يحيى البكاء يستأذن فقالوا: يحيى البكاء فقال: إن شر أيامكم يوم نسبتم إلي البكاء. عمران بن خالد قال: سمعت محمد بن واسع يقول: إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم. إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض قال: قال مالك بن دينار: إني لأغبط الرجل يكون عيشه كفافا فيقنع به فقال محمد بن واسع: أغبط والله عندي من ذلك أن يصبح جائعا ويمسي جائعا وهو عن الله عز وجل راض. محمد بن عبد الله الزراد قال: رأى محمد بن واسع ابنا له وهو يخطر بيده. فقال: ويحك تعال، تدري من أنت؟ أمك اشتريتها بمائتي درهم، وأبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثله تمشي هذه المشية؟. محمد بن مهزم قال: كان محمد بن واسع يصوم الدهر ويخفي ذلك. حيان بن يسار قال: قال محمد بن واسع: اللهم إن كان أخلق وجهي كثرة ذنوبي فهبني لمن أحببت من خلقك.
ابن سلام قال: قال محمد بن واسع: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: صاحب إذا اعوججت قومني، وصلاة في جماعة يحمل عني سهوها وأفوز بفضلها وقوت من الدنيا ليس لأحد فيه منة ولا لله عز وجل فيه تبعة. زياد بن الربيع، عن أبيه قال: رأيت محمد بن واسع بسوق مرو يعرض حمارا له على البيع. فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لك ما بعته. قاسم الخواص قال: قال محمد بن واسع لرجل: أبكاك قط سابق علم الله عز وجل فيك. أبو عامر قال: حدثني صاحب لنا قال: لما ثقل محمد بن واسع كثر الناس عليه في العيادة. قال: فدخلت فإذا قوم قيام وآخرون قعود. فأقبل علي فقال: أخبرني ما يغني هؤلاء عني إذا أخذ بناصيتي وقدمي غدا وألقيت في النار؟ ثم تلا هذه الآية: {يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام} . يونس بن عبيد قال: دخلنا على محمد بن واسع نعوده فقال: ما يغني عني ما يقول الناس إذا أخذ بيدي ورجلي فألقيت في النار؟. عن حزم قال: قال محمد بن واسع وهو في الموت: يا إخوتاه تدرون أي يذهب بي؟ يذهب بي - والله الذي لا إله إلا هو - إلى النار أو يعفو عني. محمد بن عبد الله، مولى الثقفيين، قال: دخلنا على محمد بن واسع وهو يقضي. فقال: يا إخوتي يا إخوتاه هبوني وإياكم سألنا الله الرجعة فأعطاكموها ومنعنيها فلا تخسروا أنفسكم. أسند محمد بن واسع عن أنس بن مالك، وروى عن جماعة من كبار التابعين كالحسن وابن سيرين. وتوفي بعد الحسن بعشر سنين كأنه مات سنة عشرين ومائة. 521- فرقد بن يعقوب السبخي يكنى أبا يعقوب. الهيثم بن معاوية قال: حدثني شيخ لي قال: اجتمع عباد من أهل الكوفة فقالوا: تحدروا بنا إلى البصرة فننظر إلى عبادتهم. فقال بعضهم لبعض: اغدوا بنا إلى فرقد السبخي فدخلوا عليه فحدثهم ساعة ثم قالوا: يا أبا يعقوب، الغداء. قال: إنما طولت حديثي لتجوعوا فتأكلوا ما عندي أنزلوا تلك القفة فأخرجوا منها كسر خبز شعير أسود فقالوا له: ملح يا أبا يعقوب. فقال: قد طرحنا في العجين ملحا مرة لم تعنوني أن أطلب لكم؟. عن جعفر بن سليمان قال: قال فرقد السبخي: إن ملوك بني إسرائيل كانوا يقتلون قراءهم على الدين وإن ملوككم إنما يقتلونكم على الدنيا فدعوهم والدنيا. جعفر قال: سمعت فرقدا السبخي يقول: قرأت في التوراة: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه عز وجل، ومن جالس غنيا فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، ومن أصابته مصيبة فشكا إلى الناس فإنما يشكو ربه عز وجل. عن عبد الواحد بن زيد قال: سمعت فرقدا السبخي يقول: ما انتهيت من نومي إلا خفت أن أكون قد مسخت. جعفر قال: سمعت فرقدا السبخي يقول: اتخذوا الدنيا ظئرا واتخذوا الآخرة أما. ألم تروا إلى الصبي يلقي نفسه على الظئر فإذا ترعرع وعرف والدته ترك ظئره وألقى نفسه على والدته؟ وإن الآخرة والدتكم يوشك أن تجركم. عن ابن شوذب قال: سمعت فرقدا يقول: إنكم لبستم ثياب الفراغ قبل العمل، ألم تروا إلى الفاعل إذا عمل كيف يلبس أدنى ثيابه، فإذا فرغ اغتسل ولبس ثوبين تقيين؟ وأنتم تلبسون ثياب الفراغ قبل العمل. أسند فرقد عن أنس بن مالك وسمع من جماعة من كبار التابعين: كسعيد بن جبير ومرة وإبراهيم النخعي وأبي الشعثاء. وشغله التعبد عن حفظ الحديث فلذلك يعرض النقلة عن حديثه ومات في أيام الطاعون بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومائة. 522- مالك بن دينار يكنى أبا يحيى مولى لامرأة بني سامة بن لؤي. كان يكتب المصاحف. جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: ما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله تعالى.
قال: وسمعته يقول: يا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع لامؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، وقد ينزل الغيث من السماء إلى الأرض فيصيب الحش فيكون فيه الحبة فلا يمنعها نتن موضعها أن تهتز وتخضر وتحسن، فيا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ أين أصحاب سورة أين أصحاب سورتين؟ ماذا عملتم فيهما؟. قال: وسمعته يقول: يا هؤلاء، جهالكم كثير لولا ذلك للبست المسوح، يا هؤلاء لا تجعلوا بطونكم جربا للشيطان يوعي فيها إبليس ما شاء. يوسف بن عطية الصفار، عن مالك بن دينار قال: من دخل بيتي فأخذ منه شيئا فهو له حلال، أما أنا فلا أحتاج إلى قفل ولا إلى مفتاح. وكان يأخذ الحصاة من المسجد ويقول: لوددت أن هذه أجزأتني في الدنيا ما عشت، لا أزيد على مصها من الطعام ولا الشراب. وكان يقول: لو صلح لي أن آكل الرماد لأكلته، ولو صلح لي أن أعمد إلى بوري فأقطعه بقطعتين فأتزر بقطعة وأرتدي بقطعة لفعلت. جعفر بن سليمان قال: قال مالك بن دينار: لقد هممت أن آمر إذا مت أن أغل فأدفع إلى ربي مغلولا كما يدفع الآبق إلى مولاه. جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: ينطلق أحدكم فيتزوج ديباجة الحرم، يعني أجمل الناس، أو ينطلق إلى جارية قد سمنها أبوها كأنها زبدة، فيتزوجها فتأخذ بقلبه فيقول لها: أي شيء تريدين؟ فتقول: خمار خز، وأي شيء تريدين؟ فتقول كذا وكذا. قال مالك: فتمرط والله دين ذلك القارئ ويدع أن يتزوجها يتيمة ضعيفة فيكسوها فيؤجر ويدهنها فيؤجر. قال: وسمعت مالكا يقول: كان حبر من أحبار بني إسرائيل قال: فرأى بعض بنيه يوما غمز النساء، فقال: مهلا يا بني. قال: فسقط من سريره، فانقطع نخاعه فأسقطت امرأته وقتل بنوه في الجيش، وأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن أخبر فلانا الحبر أني لا أخرج من صلبك صديقا أبدا ما كان غضبك لي إلا أن قلت: مهلا يا بني مهلا. رياح بن عمرو القيسي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: ما من أعمال البر شيء إلا دونه عقبة فإن صبر صاحبها أفضت به إلى روح، وإن جزع رجع. عثمان بن إبراهيم قال: سمعت مالك بن دينار يقول لرجل من أصحابه: إني لأشتهي رغيفا بلبن رائب. قال: فانطلق فجاء به قال: فجعله على الرغيف. فجعل مالك يقلبه وينظر إليه ثم قال: اشتهيتك منذ أربعين سنة فغلبتك حتى كان اليوم، وتريد أن تغلبني؟ إليك عني وأبى أن يأكله. مسلم قال: قال مالك بن دينار: منذ عرفت الناس لم أفرح بمدحهم. ولم أكره مذمتهم. قيل: ولم ذاك؟ قال: لأن حامدهم مفرط وذامهم مفرط. سلام بن أبي مطيع قال: دخلنا على مالك بن دينار ليلا وهو في بيت بغير سراج وفي يده رغيف يكدمه. فقلنا له: أبا يحيى ألا سراج؟ ألا شيء تضع عليه خبزك؟ فقال: دعوني فوالله إني لنادم على ما مضى. أبو حفص عمر بن أحمد قال: قال مالك بن دينار: مثل قراء هذا الزمان كمثل رجل نصب فخا ونصب فيه برة فجاء عصفور فقال: ما غيبك في التراب؟ قال: التواضع. قال: لأي شيء انحنيت؟ قال: من طول العبادة. قال: فما هذه البرة المنصوبة فيك؟ قال: أعددتها للصائمين. فقال: نعم الجار أنت. فلما كان عند المغرب دنا العصفور ليأخذها فخنقه الفخ. فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في العباد اليوم. جعفر بن سليمان قال: مر والي البصرة بمالك بن دينار يرفل فصاح به مالك: أقل من مشيتك هذه فهم خدمه به. فقال: دعوه، ما أراك تعرفني. فقال له مالك: ومن أعرف بك مني، أما أولك فنطفة مذرة وأما آخرك فجيفة قذرة، ثم أنت بين ذلك تحمل العذرة. فنكس الوالي رأسه ومشى. عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار أنه كان يرى يوم التروية بالبصرة ويوم عرفة بعرفات.
عون بن الحكم عن أبيه عن مالك بن دينار قال: قدمت من سفر لي فلما صرت بالجسر قام العشار فقال لا يخرجن من السفينة ولا يقوم أحد من مكانه. فأخذت ثوبي فوضعته على عنقي ثم وثبت فإذا أنا على الأرض. فقال لي: ما أخرجك؟ قلت: ليس معي شيء. قال: اذهب. فقلت في نفسي: هكذا أمر الآخرة. محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: سمعت أبي يقول: سمعت مالك بن دينار يقول: عجبا لمن يعلم أن الموت مصيره والقبر مورده كيف تقر بالدنيا عينه؟ وكيف يطيب فيها عيشه؟ قال: ثم يبكي مالك حتى يسقط مغشيا عليه. أبو سمير عن مالك قال: إن لكل شيء لقاحا وإن الحزن لقاح العمل الصالح، إنه لا يصبر أحد على هذا الأمر إلا بحزن، فوالله ما اجتمعا في قلب عبد قط: حزن بالآخرة وفرح بالدنيا، إن أحدهما ليطرد صاحبه. عن جعفر بن سليمان قال: قال مالك بن دينار: إذا ذكر الصالحون فأف لي وتف. سعيد بن عصام قال: سمعت مالك بن دينار يقول: كان الأبرار يتواصون بثلاث: بسجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة. أبو الحسن البصري قال: دخل مالك بن دينار على رجل محبوس قد أخذ بخراج خرج عليه وقيد. فقال: يا أبا يحيى أما ترى ما أنا فيه من هذه القيود؟ فرفع مالك رأسه فإذا سلة قال: لمن هذه السلة؟ قال: لي. قال: فمر بها فلتنزل، فأنزلت فوضعت بين يديه فإذا دجاج وأخبصة فقال: هذه وضعت القيود في رجلك لا هم وقام عنه. قال: وكان مالك بن دينار يطوف بالبصرة في الأسواق فينظر إلى أشياء يشتهيها فيرجع فيقول لنفسه: أبشري فوالله ما حرمتك ما رأيت إلا لكرامتك علي. جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إن البدن إذا سقم لا ينجع فيه طعام ولا شراب ولا نوم ولا راحة، وكذلك القلب إذا علق حب الدنيا لم ينجع فيه المواعظ. وسمعته يقول: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك وبقدر ما تحزن للآخرة فكذلك يخرج هم الدنيا من قلبك. عن جعفر بن سليمان قال: جاء محمد بن واسع إلى مالك بن دينار فقال: يا أبا يحيى إن كنت من أهل الجنة فطوبى لك. فقال: ينبغي لنا إذا ذكرنا الجنة أن نخزى. عبد العزيز بن سلمان العابد قال: انطلقت أنا وعبد الواحد بن زيد إلى مالك بن دينار فوجدناه قد قام من مجلسه فدخل منزله وأغلق عليه باب الحجرة فجلسنا ننتظره ليخرج أو لنسمع له حركة فنستأذن عليه. فجعل يترنم بشيء لم نفهمه. ثم بكى حتى جعلنا نأوي له من شدة بكائه. ثم جعل يشهق وتنفس حتى غشي عليه. قال: فقال لي عبد الواحد: انطلق ليس لنا مع هذا اليوم عمل، هذا رجل مشغول بنفسه. الحارث بن سعيد قال: كنا عند مالك بن دينار وعندنا قارئ يقرأ: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} الزلزلة فجعل مالك ينتفض وأهل المجلس يبكون ويصرخون حتى انتهى إلى هذه الآية: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} الزلزلة قال: فجعل مالك، والله، يبكي ويشهق حتى غشي عليه فحمل بين القوم صريعا. عبد الله بن مرزوق قال: بلغني أن مالك بن دينار دخل المقابر ذات يوم فإذا رجل يدفن، فجاء حتى وقف على القبر فجعل ينظر إلى الرجل وهو يدفن فجعل يقول: مالك، غدا هكذا يصير وليس له شيء يتوسده في قبره. فلم يزل يقول: غدا مالك هكذا يصير، حتى خر مغشيا عليه في جوف القبر فحملوه فانطلقوا به إلى منزله مغشيا عليه. مسمع بن عاصم قال: قال مالك بن دينار، ورأى إنسانا يضحك، فقال: ما أحب أن قلبي فرغ لمثل هذا وأن لي ما حوت البصرة من الأموال والعقد. عبد الله العبدي قال: حدثنا جعفر عن مالك قال: إن في بعض الكتب أن الله عز وجل يقول: إن أهون ما أنا صانع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة ذكري من قلبه.
عبد الملك بن قريب قال: حدثني رجل صالح من أهل البصرة قال: وقع حريق في بيت مالك بن دينار فأخذ المصحف وأخذ القطيفة فأخرجهما. فقيل له: يا أبا يحيى، البيت. فقال: ما فيه إلا السندانة ما أبالي أن يحترق. قال الدورقي، وذكر عبد الله بن المبارك، قال: وقع حريق بالبصرة فأخذ مالك بن دينار بطرف كسائه وقال هلك أصحاب الأثقال. مجالد بن عبيد الله قال: حدثني عمر عن مالك بن دينار أنه كان يقول: إن الله عز وجل إذا أحب عبدا انتقصه من دنياه وكف عنه ضيعته، ويقول: لا تبرح من بين يدي قال: فهو متفرغ لخدمة ربه عز وجل، وإذا أبغض عبدا دفع في نحره شيئا من الدنيا ويقول: اعزب من بين يدي فلا أراك بين يدي فتراه معلق القلب بأرض كذا وبتجارة كذا. الحسين بن زياد قال: سمعت منيعا يقول: مر تاجر بعشار فحبسوا عليه سفينته فجاء إلى مالك بن دينار فذكر ذلك له، قال: فقام مالك فمشى إلى العشار فلما رأوه قالوا: يا أبا يحيى ألا تبعث إلينا حاجتك؟ قال: حاجتي أن تخلوا سفينة هذا الرجل. قالوا: قد فعلنا. قال: وكان عندهم كوز يجعلون فيه ما يأخذون من الناس من الدراهم قالوا: ادع الله لنا يا أبا يحيى. قال: قولوا للكوز يدعو لكم، كيف أدعو لكم وألف يدعون عليكم؟ أترى يستجاب لواحد ولا يستجاب لألف؟. محمد بن عبد الله، عن أبي قدامة الحارث بن عبيد قال: سمعت مالكا يقول: لو أن القوم كلفوا الصحف لأقلوا المنطق. السري بن يحيى، عن مالك بن دينار قال: والله لو وقف ملك بباب المسجد وقال: يخرج شر من في المسجد، لبادرتكم إليه. رياح بن عمرو القيسي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: دخل علي جابر بن زيد وأنا أكتب فقال: يا مالك ما لك عمل إلا هذا؟ تنقل كتاب الله عز وجل من ورقة إلى ورقة؟ هذا والله الكسب الحلال. جعفر بن سليمان قال: سمعت المغيرة بن حبيب أبا صالح ختن مالك بن دينار يقول: قلت لنفي: يموت مالك بن دينار وأنا معه في الدار لا أدري ما عمله؟ قال: فصليت معه العشاء الآخر ثم جئت فلبست قطيفة في أطول ما يكون من الليل. قال: وجاءه مالك فدخل فقرب رغيفه فأكل ثم قام إلى الصلاة فاستفتح، ثم أخذ بلحيته فجعل يقول: يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار. قال: فوالله ما زال كذلك حتى غلبتني عيني، ثم انتبهت فإذا هو قائم على تلك الحال يقدم رجلا ويؤخر رجلا ويقول: يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار. فما زال كذلك حتى طلع الفجر. فقلت في نفسي: والله لئن خرج مالك بن دينار فرآني لا تبلني عنده بالة أبدا. فجئت إلى المنزل وتركته. جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة، وكفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا ويقع بالصالحين. سلم الخواص قال: قال مالك بن دينار: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها. قالوا: وما هو؟ قال: معرفة الله عز وجل. قطر بن حماد بن واقد قال: أنبأ أبي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: قولوا لمن لم يكن صادقا لا يتعنى. جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب كما أن البيت إذا لم يسكن خرب. جعفر قال: سمعت مالكا يقول: اتقوا السحارة، اتقوا السحارة، فإنها تسحر قلوب العلماء. قال: وسمعته يقول: لو أعلم أن قلبي يصلح على كناسة لذهبت حتى أجلس عليها. وسمعته يقول: وددت أن الله عز وجل أذن لي يوم القيامة إذا وقفت بين يديه أن أسجد سجدة فأعلم أنه قد رضي عني، ثم يقول لي: يا مالك كن ترابا. وسمعته يقول: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا.
وسمعته يقول: إنك إذا طلبت العلم لتعمل به كسرك العلم وإذا طلبته لغير العمل به لم يزدك إلا فخرا. قال: وكانت الغيوم تجيء وتذهب ولا تمطر فيقول مالك: أنتم تستبطئون وإنما أستبطئ الحجارة، إن لم تمطر حجارة فنحن بخير. جعفر قال: أنبأ مالك بن دينار قال: لما وقعت الفتنة أتيت الحسن ثلاثة أيام أسأله: يا أبا سعيد ما تأمرني، فلا يجيبني. قال: فقلت يا أبا سعيد أتيتك ثلاثة أيام أسألك وأنت معلمي فلا تجيبني، فوالله لقد هممت أن آخذ الأرض بقدمي وأشرب من أفواه الأنهار وآكل من بقل البرية حتى يحكم الله عز وجل بين عباده. قال: فأرسل الحسن عينيه باكيا ثم قال: يا مالك ومن يطيق ما تطيق، ولكنا والله ما نطيق هذا. قال جعفر: وكنت عند مالك بن دينار فجاء هشام بن حسان، وكان يأتيه هشام ابن حسان وسعيد بن أبي عروبة وحوشب يطلبون قلوبهم، فجاء هشام فقال: أين أبو يحيى؟ قلنا: عند البقال. قال: قوموا بنا إليه. قال: فحانت منه نظرة إلى هشام فقال: يا هشام إني أعطي هذا البقال كل شهر درهما ودانقين فآخذ منه كل شهر ستين رغيفا كل ليلة رغيفين فإذا أصبتهما سخنا فهو أدمهما، يا هشام إني قرأت في زبور داود: إلهي رأيت همومي وأنت من فوق العلى، فانظر ما همومك يا هشام. عن السري بن يحيى عن مالك بن دينار قال: أخذ السبع صبيا لامرأة فتصدقت بلقمة. فألقاه، فنوديت: لقمة بلقمة. جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: إن الله جعل الدنيا دار مفر والآخرة دار مقر فخذوا لمقركم وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، ففي الدنيا حييتم ولغيرها خلقتم؛ إنما مثل الدنيا كالسم أكله من لا يعرفه واجتنبه من عرفه ومثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل يحذرها ذوو العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم. الحارث بن نبهان قال: قدمت من مكة فأهديت إلى مالك بن دينار ركوة. قال: فكانت عنده فجئت يوما فجلست في مجلسه. فلما قضاه قال لي: يا حارث تعال خذ الركوة، فقد شغلت علي قلبي. فقلت: يا أبا يحيى إنما اشتريتها لك تتوضأ فيها وتشرب. فقال: يا حارث إني إذا دخلت المسجد جاءني الشيطان فقال لي: يا مالك إن الركوة قد سرقت فقد شغلت علي قلبي. جعفر قال: قلنا لمالك بن دينار، ألا تدعو قارئا؟ قال: إن الثكلى لا تحتاج إلى نائحة. فقلنا له ألا تستقي؟ فقال: أنتم تستبطئون المطر لكني أستبطئ الحجارة. جعفر قال: رأيت مالك بن دينار يتقنع بعباء، أو قال بكساء، ثم يقول: إله مالك، قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار فأي الدارين دار مالك وأي الرجلين مالك؟ ثم يبكي، وسمعته يقول: لو استطعت أن لا أنام لم أنم مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعوانا لفرقتهم ينادون في منار الدنيا كلها يا أيها الناس النار النار. وسمعته يقول: لو كان لأحد أن يتمنى لتمنيت أن يكون لي في الآخرة خص من قصب فأروى من الماء وأنجو من النار. وسمعته يقول للمغيرة بن حبيب، وكان ختنه: يا مغيرة كل أخ وجليس وصاحب لا تستفيد منه في دينك خيرا فانبذ عنك صحبته. وسمعته يقول: يا إخوتاه بحق أقول لكم: لولا البول ما خرجت من المسجد. وسمعته يقول: إنما العالم الذي إذا أتيته في بيته فلم تجده قص عليك بيته: رأيت حصيرة للصلاة، ومصحفه ومطهرته في جانب البيت، ترى أثر الآخرة. وسمعته يقول: إن الأبرار لتغلي قلوبهم بأعمال البر، وإن الفجار تغلي قلوبهم بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله. وسمعته يقول: إن الصديقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة. وسمعته يقول: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب. وسمعته يقول: إن لله تعالى عقوبات فتعاهدوهن من أنفسكم في القلوب والأبدان وضنك في المعيشة ووهن في العبادة وسخطة في الرزق.
جعفر عن مالك بن دينار قال: خرج سليمان بن داود عليه السلام في موكبه فمر ببلبل على غصن شوك يصفر ويضرب بذنبه فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه يقول: قد أصبت اليوم نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. فضيل بن عياض قال: رأى مالك بن دينار رجلا يسيء صلاته فقال: ما أرحمني لعياله. فقيل له: يسيء هذا صلاته وترحم عياله؟ قال: إنه كبيرهم ومنه يتعلمون. الحسن بن عمرو قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: قال رجل لمالك بن دينار: يا مرائي، قال: متى عرفت اسمي؟ ما عرف اسمي غيرك. الحسين بن علي الحلواني قال: دخل اللصوص إلى بيت مالك بن دينار فلم يجدوا في البيت شيئا فأرادوا الخروج من داره فقال مالك: ما عليكم لو صليتم ركعتين. حزم القطيعي قال: دخلنا على مالك بن دينار في مرضه الذي مات فيه وهو يكيد بنفسه فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لبطن ولا لفرج. أبو عيسى قال: دخلنا على مالك بن دينار عند الموت فجعل يقول: لمثل هذا اليوم كان دؤوب أبي يحيى. عمارة بن زاذان قال: أن مالك بن دينار لما حضره الموت قال: لولا أني أكره أن أصنع شيئا لم يصنعه أحد كان قبلي لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن يقيدوني وأن يجمعوا يدي إلى عنقي فينطلقوا بي على تلك الحال حتى أدفن كما يصنع بالعبد الآبق. وقال غير أحمد بن محمد: فإذا سألني ربي تعالى أي رب لم أرض لك نفسي طرفة عين قط. حصين بن القاسم قال: قلت لعبد الواحد بن زيد ما كان سبب موت مالك بن دينار؟ قال: أنا كنت سببه، سألته عن رؤيا رأى فيها مسلم بن يسار فقصها علي فانتفضت فجعل يشهق ويضطرب حتى ظننت أن كبده قد تقطعت في جوفه ثم هدأ فحملناه إلى بيته فلم يزل مريضا يعوده إخوانه حتى مات منها. فهذا كان سبب موته. أسند مالك بن دينار عن أنس بن مالك وعن جماعة من كبار التابعين: كالحسن وابن سيرين والقاسم بن محمد وسالم بن عبيد الله. وتوفي قبل الطاعون بيسير. وكان الطاعون سنة إحدى وثلاثون ومائة. 523- هارون بن رئاب يكنى أبا الحسن بن عيينة قال: كان هارون بن رئاب يخفي الزهد، وكان يلبس الصوف تحت ثيابه. سفيان بن عيينة قال: رأيت هارون بن رئاب وكأن النور على وجهه. عن ابن شوذب قال: كنت إذا رأيت هارون بن رئاب فكأنما أقلع عن البكاء. أسند هارون عن أنس وغيره. 524- يزيد بن أبان الرقاشي عن أشعث بن سوار قال: دخلت على يزيد الرقاشي فقال: دخلت على يزيد الرقاشي فقال: يا أشعث تعال نبكي على الماء البارد في يوم الظمأ. قال: وجعل يقول: سبقني العابدون وقطع بي والهفاه. وقد صام اثنتين وأربعين سنة. عن هشام قال: قال لي ثابت البناني: ما رأيت أحدا أصبر على طول القيام والسهر من يزيد بن أبان. عن عبد الخالق بن موسى اللقيطي قال: جوع يزيد نفسه لله عز وجل ستين عاما حتى ذبل جسمه ونهك بدنه وتغير لونه. وكان يقول: غلبني بطني فما أقدر له على حيلة. عن أبي إسحاق الخميسي قال: كان يقول في قصصه: ويحك يا يزيد من يترضى عنك ربك؟ ومن يصوم لك أو يصلي لك؟ ثم يقول: يا معشر من القبر بيته والموت موعده ألا تبكون؟ قال: فبكى حتى سقطت أشفار عينيه. زهير السلولي قال: كان يزيد الرقاشي قد بكى حتى تناثرت أشفاره وأحرقت الدموع مجاريها من وجهه. سلمة بن سعيد قال: قالوا ليزيد الرقاشي: أما تسأم من كثرة البكاء؟ فبكى وقال: والله لوددت أن أبكي بعد الدموع الدماء وبعد الدماء الصديد. وكان يقول: ابك يا يزيد على نفسك قبل حين البكاء. يا يزيد من يصلي لك بعدك؟ أو من يصوم؟ يا يزيد من يضرع لك إلى ربك بعدك ومن يدعو؟ وكان يقول: يا إخوتاه ابكوا فإن لم تجدوا بكاء فارحموا كل بكاء.
أبو محمد علي بن الحسن قال: قيل لابن يزيد الرقاشي: أكان أبوك يتمثل من الشعر شيئا؟ قال: كان يتمثل: إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل أسند يزيد عن أنس بن مالك، وروى عن الحسن وغيره إلا أن التعبد شغله عن حفظ الحديث فأعرضت النقلة عما يروي. 525- الأسود بن كلثوم عن حميد بن هلال قال: كان منا رجل يقال له الأسود بن كلثوم. وكان إذا مشى لا يجاوز بصره قدميه، فكان يمر بالنسوة، وفي الجدر يومئذ قصر، ولعل إحداهن أن تكون واضعة ثوبها أو خمارها، فإذا رأينه راعهن. ثم يقلن: كلا إنه الأسود بن كلثوم. فلما قرب غازيا قال: إن نفسي هذه تزعم في الرخاء أنها تحب لقاءك، فإن كانت صادقة فارزقها ذلك، وإن كانت كارهة فاحملها عليه وإن كرهت، وأطعم لحمي سباعا وطيرا. فانطلق في خيل فدخلوا حائط فنذر بهم العدو فجاءوا فأخذوا بثلمة الحائط، فنزل الأسود عن فرسه فضربها حتى عادت فخرج وأتى الماء فتوضأ ثم صلى. قال: يقول العجم: هكذا استسلام العرب إذا استسلموا ثم تقدم فقاتل حتى قتل. قال: فمر عظم الجيش بعد ذلك بذلك الحائط فقيل لأخيه لو دخلت فنظرت ما بقي من عظام أخيك ولحمه قال: لا، دعا أخي بدعاء فاستجيب له فلست أعرض في شيء من ذلك. ومن الطبقة الرابعة 526- أيوب بن أبي تميمة السختياني يكنى أبا بكر، مولى لعنزة، واسم أبي تميمة كيسان. حماد بن زيد قال: قال أيوب: عن قوما يريدون أن يرتفعوا فيأبى الله إلا أن يضعهم وآخرين يريدون أن يتواضعوا ويأبى الله إلا أن يرفعهم. قال: وكان النساك يومئذ يشمرون ثيابهم وكان أيوب لا يفعل. حماد بن زيد قال: كنت أمشي مع أيوب فيأخذ في طرق - إني لأعجب له كيف يهتدي لها - فرارا من الناس أن يقال هذا أيوب. ميمون الغزال قال: كنا عند الحسن فجاء أيوب فسلم عليه فلما مضى، وكان حيث لا يسمع، قال الحسن: هذا سيد الفتيان. وفي رواية أخرى: قال الحسن: أيوب سيد شباب أهل البصرة. حجاج قال: سمعت شعبة يقول: ربما ذهبت مع أيوب في الحاجة أمشي معه فلا يدعني، فيخرج ههنا وههنا لكي لا يفطن له. وقال شعبة: قال أيوب: ذكرت وما أحب أن أذكر. الحميدي قال: لقي سفيان بن عيينة ستة وثمانين من التابعين، وكان يقول: ما رأيت مثل أيوب. سلام بن أبي مطيع قال: كان أيوب يقوم الليل يخفي ذلك فإذا كان قبيل الصبح رفع صوته كأنه إنما قام تلك الساعة. عن وهيب بن خالد قال: قال أيوب السختياني: إذا ذكر الصالحون كنت منهم بمعزل. بشر بن منصور قال: كنا عند أيوب فلغطنا وتكلمنا. فقال لنا أيوب: كفوا، لو أردت أن أخبركم بكل شيء تكلمت به اليوم لفعلت. عن معمر قال: كان في قميص أيوب بعض التذييل فقيل له، فقال: الشهرة اليوم في التشمير. صالح بن أبي الأخضر قال: قلت لأيوب: أوصني، قال: أقل الكلام. عبد الله بن بشر قال: إن الرجل ربما جلس إلى أيوب السختياني فيكون لما يرى منه أشد اتباعا منه لو سمع حديثه. حماد بن زيد قال: لو رأيتم أيوب ثم استسقاكم شربة من ماء على النسك لما سقيتموه، له شعر وافر وشارب وافر وقميص جيد هروي يشم الأرض، وقلنسوة جيدة وطيلسان جيد ورداء عدني. حماد بن زيد قال: سمعت أيوب يقول: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. عبيد الله بن شميط قال: سمعت أيوب السختياني يقول: لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: بالعفة عما في أيدي الناس والتجاوز عما يكون منهم. عن المبارك بن إسماعيل قال: آذى رجل أيوب السختياني وأصحابه أذى شديدا. فلما تفرقوا قال أيوب: إني لأرحمه أنا نفارقه وخلقه معه.
حماد قال: رأيت أيوب لا ينصرف عن سوقه إلا معه شيء يحمله لعياله حتى رأيت قارورة الدهن بيده يحملها. فقلت له في ذلك فقال: إني سمعت الحسن يقول: إن المؤمن أخذ عن الله عز وجل أدبا حسنا فإذا أوسع عليه أوسع وإذا أمسك عنه أمسك. حماد بن زيد قال: ما رأيت رجلا قط أشد تبسما في وجوه الرجال من أيوب. إسحاق بن محمد قال: سمعت مالك بن أنس يقول: كنا ندخل على أيوب السختياني فإذا ذكرنا له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى حتى نرحمه. عن هشام بن حسان قال: حج أيوب السختياني أربعين حجة. عبد الواحد بن زيد قال: كنت مع أيوب على جراء فعطشت عطشا شديدا حتى رأى ذلك في وجهي فقال: ما الذي أرى بك؟ قلت: العطش، قد خفت على نفسي: قال تستر علي؟ قلت: نعم. فاستحلفني فحلفت له أن لا أخبر عنه ما دام حيا. قال: فغمز برجله على حراء فنبع الماء فشربت حتى رويت وحملت معي من الماء. قال: فما حدثت به أحدا حتى مات. عن أبي بكر بن الفضل قال: سمعت أيوب يقول: والله ما صدق عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه. عن سلام بن أبي مطيع قال: قال رجل من أهل الأهواء لأيوب: ألا أكلمك بكلمة؟ قال: لا، ولا نصف كلمة. عن هشام بن حسان عن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا زاد من الله عز وجل بعدا. محمد بن عمر الباهلي قال: سمعت ابن عيينة يقول: قال أيوب: إنه ليبلغني موت الرجل من أهل السنة فكأنما يسقط عضو من أعضائي. حماد بن زيد قال: كان أيوب ربما حدث بالحديث فيرق فيلتفت فيمتخط ويقول: ما أشد الزكام. الحسن بن عمرو قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: دخل بديل على أيوب السختياني، أظنه قال: يعوده وقد مد على فراشه سبنية حمراء يدفع بها الرثاء، فقال له بديل: ما هذا؟ فقال أيوب: هذا خير من هذا الصوف الذي عليك. يحيى العبدي قال: سمعت حماد بن زيد يقول: كان أيوب يطلب العلم حتى مات. أسند أيوب عن أنس بن مالك وعمرو بن سلمة الجرمي وروى عن أبي عثمان النهدي وأبي رجاء العطاردي وأبي العالية والحسن وابن سيرين وأبي قلابة. وتوفي في الطاعون بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومائة. حنبل قال: سمعت سليمان بن حرب يقول: مات أيوب وهو ابن ثلاث وستين. 527- يحيى بن سليم أبو مسلم البكاء. ويقال يحيى بن مسلم. عن معاذ بن زياد قال: كان يحيى بن مسلم البكاء قد اعتم بعمامة فأدارها على حلقه وجعل لها طرفين. فكان يبكي حتى يبل هذا الطرف ثم يبكي حتى يبل الطرف الآخر، ثم يحلها من رأسه ويبكي وينتحب حتى يبل العمامة بأسرها ثم يبكي وينتحب حتى يبل أردانه. 528- سليمان بن طرخان التيمي يكنى أبا المعتمر. محمد بن سعد قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: ليس سليمان بتيمي ولكنه مري ومنزله في التيم فنسب إليهم. وكان من العباد المجتهدين يصلي الغداة بوضوء العشاء الآخرة. وكان هو وابنه المعتمر يدوران بالليل في المساجد فيصليان مرة في هذا المسجد ومرة في هذا حتى يصبحا. حنبل قال: أنبأنا علي يعني ابن المديني قال: سمعت يحيى يعني ابن سعيد، وذكرنا التيمي، فقال: ما جلست إلى رجل أخوف لله منه. محمد بن عبد الأعلى قال: سمعت معتمر بن سليمان التيمي يقول: لولا أنك من أهلي ما حدثتك عن أبي بهذا، مكث أبي أربعين سنة يصوم يوما ويفطر يوما ويصلي الصبح بوضوء العشاء وربما أحدث الوضوء من غير نوم. الهيثم أبو علي المفلوج قال: صلى سليمان التيمي الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة.
حماد بن سلمة قال: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله عز وجل فيها إلا وجدناه مطيعا فإن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليا، فإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئا أو عائدا مريضا أو مشيعا لجنازة أو قاعدا يسبح في المسجد. قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله عز وجل. قال السراج: وسمعت سوار بن عبد الله يقول: سمعت المعتمر يقول: مات صاحب لي كان يطلب الحديث فجزعت عليه فرآى أبي جزعي عليه فقال: يا معتمر كان صاحبك هذا على السنة؟ قلت: نعم. قال: فلا تجزع عليه ولا تحزن عليه. أسود بن سالم قال: سمعت معتمر بن سليمان التيمي قال: سقط بيت لنا كان أبي يكون فيه فضرب فسطاطا فكان فيه حتى مات. فقيل له: لو بنيته. فقال: الأمر أعجل من ذاك، غدا الموت. عن يحيى بن سعيد القطان قال: مكث سليمان التيمي في قبة لبود ثلاثين سنة أو نحوا من ثلاثين. محمد بن عبد الله الأنصاري قال: كان التيمي عامة زمانه يصلي العشاء والصبح بوضوء واحد وليس وقت صلاة إلا وهو يصلي، وكان يسبح بعد العصر إلى المغرب، ويصوم الدهر. أبو علي البصري عن معمر، مؤذن التيمي، قال: صلى إلى جنبي سليمان التيمي العشاء الآخرة وسمعته يقرأ: {تبارك الذي بيده الملك} الملك: 1 قال: فلما أتى على هذه الآية: {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا} الملك: 27 جعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا. قال: فخرجت وتركته. قال: وعدت لأذان الفجر فإذا هو في مقامه. قال: فتسمعت فإذا هو لم يجزها وهو يقول: {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا} . الفضيل بن عياض قال: قيل لسليمان التيمي أنت أنت من مثلك؟ قال: لا تقولوا هكذا لا أدري ما يبدو لي من ربي عز وجل؟ سمعت الله تعالى يقول: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} الزمر. عن إبراهيم بن إسماعيل قال: كان بين سليمان التيمي وبين رجل شيء فنازعه، فتناول الرجل سليمان فغمز بطنه فجفت يد الرجل. الأصمعي عن معتمر عن أبيه قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه مذلته. ضمرة قال: السري بن يحيى حدثناه قال: قدح سليمان التيمي عينه قال: فنهاه الطبيب أن يمس ماء قال: فمس فرجه قال: وكان يرى الوضوء من مس الفرج. قال: فنزع القطنة عن عينه وتوضأ وأعاد القطنة على حالها. قال: فجاء الطبيب فنظر فلم ير شيئا ينكر. قال: انظر هل ترى شيئا؟ قال: ما أرى شيئا أنكره. قال: فإني قد توضأت. قال: فإن الله قد رزقك العافية. سوار بن عبد الله قال: سمعت المعتمر يقول: قال لي أبي حين حضره الموت: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله عز وجل وأنا حسن الظن به. عن رقبة قال: رأيت رب العزة في المنام فقال: وعزتي لأكرمن مثوى سليمان، يعني التيمي. وبلغنا من طريق آخر عن رقبة أنه قال: رأيت رب العزة تبارك وتعالى في النوم فقال: يا رقبة وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي فإنه صلى أربعين سنة على ظهر العتمة، قال: فجئت إلى سليمان فحدثته فقال: أنت رأيت هذا؟ قلت: نعم، قال: لأحدثنك بمائة حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جئتني به من البشارة. قال: فلما كان بعد مديدة مات فرأيته مات في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدناني وقربني وغلفني بيده وقال: هكذا أفعل بأبناء ثلاث وثمانين. أسند سليمان التيمي عن أنس بن مالك وعن أبي مالك النهدي وأبي مجلز والحسن وابن سيرين وأبي العالية في آخرين وتوفي بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائة. 529- داود بن أبي هند يكنى أبا بكر، مولى لآل الأعلم القشيريين وكان يفتي في زمان الحسن. واسم أبي هند: دينار. عن عمرو بن علي قال: سمعت ابن أبي عدي يقول: صام داود أربعين سنة لا يعلم به أهله. وكان خزازا يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدق به في الطريق ويرجع عشيا فيفطر معهم.
سفيان قال: سمعت داود بن أبي هند يقول: أصابني يعني الطاعون فأغمي علي فكأن اثنين أتياني فغمز أحدهما عكدة لساني وغمز الآخر أخمص قدمي فقال: أي شيء تجد؟ فقال: تسبيحا وتكبيرا وشيئا من خطو إلى المسجد وشيئا من قراءة القرآن. قال: ولم أكن أخذت القرآن حينئذ، وكنت أذهب في الحاجة فأقول: لو ذكرت الله حتى آتي حاجتي فعوفيت فأقبلت على القرآن فتعلمته. أسند داود عن أنس بن مالك، وروى عن كبار التابعين كسعيد بن المسيب وابي عثمان النهدي وأبي العالية والحسن وغيرهم، وتوفي في سنة تسع وثلاثين ومائة. 530- عاصم بن سليمان الأحول يكنى أبا عبد الرحمن مولى لبني تميم كان قاضيا بالمدائن في خلافة أبي جعفر، وكان على الحسبة في المكاييل والموازين بالكوفة. محمد بن عباد قال: حدثني أبي قال: ربما رئي عاصم الأحول وهو صائم ثم يفطر فإذا صلى العشاء تنحى فصلى فلا يزال يصلي الفجر لا يضع جنبه. أسند عاصم عن أنس بن مالك وعبد الله بن سرجس، وروى عن أبي عثمان النهدي وابن سيرين وغيرهما، وتوفي سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة. 531- يونس بن عبيد يكنى أبا عبد الله. مولى لعبد القيس. رسته قال: سمعت زهيرا يقول: كان يونس بن عبيد خزازا فجاء رجل يطلب ثوبا فقال لغلامه: انشر الرزمة. فنشر الغلام الرزمة وضرب بيده عليها وقال: صلى الله على محمد. ارفعه ارفعه، وأبى أن يبيعه مخافة أن يكون مدحه. مؤمل بن إسماعيل قال: جاء رجل من أهل الشام إلى سوق الخزازين فقال مطرف: بأربعمائة. فقال يونس بن عبيد: عندنا بمائتين. فنادى مند بالصلاة فانطلق يونس إلى بني قشير ليصلي بهم. فجاء وقد باع ابن أخيه المطرف من الشامي بأربعمائة. فقال يونس: ما هذه الدراهم؟ قال: ذلك المطرف بعناه من هذا الرجل. قال يونس: يا عبد الله المطرف الذي عرضت عليك بمائتي درهم، فإن شئت فخذه وخذ مائتين، وإن شئت فدعه. قال: من أنت؟ قال: رجل من المسلمين. قال: بل أسألك بالله من أنت وما اسمك؟ قال: يونس بن عبيد. قال: فوالله إنا لنكون في نحر العدو فإذا اشتد الأمر علينا قلنا: اللهم رب يونس فرج عنا. أو شبيه هذا. فقال يونس: سبحان الله سبحان الله. بشر بن المفضل قال: جاءت امرأة بمطرف خز إلى يونس بن عبيد فألقته إليه تعرضه عليه في السوق. فنظر إليه فقال لها: بكم؟ قالت: بستين درهما. قال: فألقاه إلى جار له: كيف تراه بعشرين ومائة؟ قال: أرى ذلك ثمنه أو نحوا من ثمنه. قال: فقال لها: اذهبي فاستأمري أهلك في بيعه بخمس وعشرين ومائة. قالت: قد أمروني أن أبيعه بستين. قال: ارجعي إليهم فاستأمريهم. أسماء بن عبيد قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: ليس شيء أعز من شيئين: درهم طيب ورجل يعمل على سنة. قال: وسمعت يونس يقول: إنما هما درهمان، درهم أمسكت عنه حتى طال لك فأخذته، ودرهم وجب لله وجل عليك فيه حق فأديته. جعفر بن برقان قال: بلغني عن يونس بن عبيد فضل وصلاح فكتبت إليه: يا أخي بلغني عنك فضل وصلاح فأحببت أن أكتب إليك، فاكتب إلي بما أنت عليه. فكتب إلي: أتاني كتابك تسألني أن أكتب إليك بما أنا عليه، وأخبرك أني عرضت على نفسي أن تحب للناس ما تحب لها وأن تكره لهم ما تكره لها فإذا هي من ذلك بعيد ثم عرضت عليها مرة أخرى ترك ذكرهم إلا من خير فوجدت الصوم في اليوم الحار الشديد الحر بالهواجر بالبصرة أيسر عليها من ترك ذكرهم، هذا أمري - يا أخي - والسلام. عن سلام بن أبي مطيع أو غيره قال: ما كان يونس بأكثرهم صلاة ولا صوما ولكن لا والله ما حضر حق من حقوق الله عز وجل إلا وهو متهيئ له. إسحاق بن إبراهيم قال: نظر يونس بن عبيد إلى قدميه عند موته فبكى فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: قدماي لم تغبرا في سبيل الله عز وجل.