İbn Cevzî — Sıfatü's-Safve
عجب وهذا من أعجب أمرك. كيف آتي بيت المقدس ولم تسم لي أحدا ولم تصف لي موضعا، ولا أدري إلى من أدفعه؟ قال: وخلف قدحا وجرابه ذلك وعصا كان يتوكأ عليها، قال: وكفناه في ثوبي إحرامه ولففنا العباء فوق ذلك. قال: فلما انقضى الحج قلت: والله لأنطلقن حتى أتيت بيت المقدس، فدخلت المسجد، وثم حلق قوم فقراء مساكين. قال؛ فبينا أنا أدور لأتصفح الناس، لا أدري عمن أسأل، إذ ناداني رجل من بعض تلك الحلق باسمي: يا فلان. فالتفت إليه فإذا شيخ كأنه صاحبي قال: هات ميراث فلان. قال: فدفعت إليه العصا والقدح والجراب ثم وليت قال: فوالله ما خرجت من المسجد حتى قلت لنفسي: تضرب من مكة إلى بيت المقدس وقد رأيت من الشيخ الأول ما رأيت، ورأيت من هذا الشيخ الثاني ما رأيت، ولا تسأل هؤلاء القوم أي شيء قصتهم وتسألهم عن أمرهم ومن هم؟ قال: فرجعت ومن رأيي أن لا أفارق هذا الشيخ الآخر حتى يموت أو أموت. قال: فجعلت أدور الحلق وأجهد على أن أعرفه أو أقع عليه فلم أقع عليه. قال: وجعلت أسأل عنه، وأقمت أياما ببيت المقدس أطلبه وأسأل عنه، فلم أجد أحدا يدلني عليه. فرجعت منصرفا إلى العراق. 948- عابد آخر محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال: كنت أمشي في طريق مكة إذ رأيت رجلا مغربيا على بغل، وبين يديه مناد ينادي: من أصاب هميانا له ألف دينار قال: وإذا إنسان أعرج عليه أطمار رثة خلقان يقول للمغربي: أي شيء علامة الهميان؟ قال: كذا وكذا. وفيه بضائع لقوم وأنا أعطي من مالي ألف دينار. فقال الفقير: من يقرأ الكتابة؟ قال ابن عسكر: فقلت: أنا. فقال: إعدلوا بنا ناحية من الطريق. فعدلنا فأخرج الهميان فجعل المغربي يقول: حبتان لفلانة ابنة فلان بخمسمائة دينار، وحبة لفلانة بمائة دينار وجعل يعدد فإذا هو كما قال: فحل المغربي هميانة وقال: خذ ألف الدينار التي وعدت على وجادة الهميان. فقال الأعرج: لو كانت قيمة الهميان الذي أعطيتك عندي بعرتين ما كنت تراه، فكيف آخذ منك ألف دينار على ما هذا قيمته؟ وقام ومضى ولم يأخذ منه شيئا. 949- عابد آخر أبو الحسن اللؤلؤي، وكان خيرا فاضلا قال: كنت في البحر فانكسر المركب وغرق كل ما فيه، وكان في وطائي لؤلؤ قيمته أربعة آلاف دينار. وقربت أيام الحج وخفت الفوات، فلما سلم الله عز وجل روحي ونجاني مشيت، فقال لي جماعة كانوا في المركب: لو توقفت عسى يجيء من يخرج شيئا فيخرج لك من رحلك شيئا. فقلت: قد علم الله عز وجل ما م رمني، وكان في وطائي شيء قيمته أربعة آلاف دينار وما كنت بالذي أوثره على وقفة بعرفة. فقالوا: وما الذي ورثك هذه المنزلة؟ فقلت: أنا رجل مولع بالحج، أطلب الربح والثواب، حججت في بعض السنين وعطشت عطشا شديدا فأجلست عديلي في وسط المحمل، ونزلت أطلب الماء والناس معطشون أيضا. فلم أزل أسأل رجلا رجلا ومجمعا مجمعا: أمعكم ماء؟ والناس شرع واحد حتى صرت في ساقة القافلة بميل أو ميلين فمررت بمصنع مصهرج وإذا رجل فقير جالس في أرض المصنع وقد غرز عصاه في أرض المصنع، والماء ينبع من موضع العصا وهو يشرب فنزلت إليه وشربت حتى رويت وجئت إلى القافلة والناس قد نزلوا، فأخرجت قربة ومضيت فملأتها ورجعت. فلما رآني الناس والقربة على كتفي مملوءة فكأنه نودي فيهم أن الماء وراءكم فتبادروا إليه بالقرب. فلما روي الناس عن آخرهم وسارت القافلة جئت لأنظر فإذا البركة ملأى تلتطم بأمواجها والناس يرمون الدلاء ويرتجزون عليه فموسم يحضره مثل هؤلاء، يقولون: اللهم اغفر لمن حضر الموقف ولجماعة المسلمين أوثر عليه أربعة آلاف دينار؟ لا والله ولا الدنيا بأسرها وترك اللؤلؤ وجميع ما فيه، قال الشيخ: فبلغني أن قيمة ما كان غرق له خمسون ألف دينار. 950- عابد آخر لقي بين الثعلبية والخزيمية.
إبراهيم بن المهلب، أبو الأشهب السائح، قال: رأيت بين الثعلبية والخزيمية غلاما قائما يصلي عند بعض الأميال. قد انقطع عن الناس. فانتظرته حتى قطع صلاته ثم قلت له: ما معك مؤنس؟ قال: بلى. قلت: وأين هو؟ قال: أمامي وخلفي ومعي وعن يميني وعن شمالي وفوقي. فعلمت أن عنده معرفة. قلت: أما معك زاد؟ قال: بلى. قلت: وأين هو؟ قال: الإخلاص لله عز وجل، والتوحيد والإقرار بنبيه صلى الله عليه وسلم وإيمان صادق، وتوكل واثق. قلت: هل لك في مرافقتي؟ قال: الرفيق يشغل عن الله عز وجل ولا أحب أن أرافق أحدا فأشتغل به عنه طرفة عين فيقطعني عن بعض ما أنا عليه. قلت: أما تستوحش في هذه البرية وحدك؟ قال: إن الأنس بالله عز وجل قطع عني كل وحشة حتى لو كنت بين السباع ما خفتها ولا استوحشت منها. قلت: فمن أين تأكل؟ فقال: الذي غذاني في ظلم الأحشاء والأرحام صغيرا قد تكفل برزقي كبيرا. قلت: ففي أي وقت تجيئك الأسباب؟ قال: لي حد معلوم ووقت مفهوم إذا احتجت إلى الطعام أصبته في أي موضع كنت، وقد علم ما يصلحني وهو غير غافل عني. قلت: ألك حاجة؟ قال: نعم. قلت: وما هي؟ قال: إن رأيتني فلا تكلمني ولا تعلم أحدا أنك تعرفني. قلت: لك ذلك، فهل حاجة غيرها؟ قال: نعم. قلت: وما هي؟ قال: إن استطعت أن لا تنساني في دعائك عند الشدائد إذا نزلت بك فافعل، قلت: كيف يدعو مثلي لمثلك وأنت أفضل مني خوفا وتوكلا؟ قال: لا تقل هذا إنك قد صليت لله عز وجل وصمت قبلي ولك حق الإسلام والمعرفة الإيمان. قلت: فإن لي أيضا حاجة. قال: وما هي؟ قلت: ادع الله لي. فقال: حجب الله طرفك عن كل معصية، وألهم قلبك الفكر فيما يرضيه حتى لا يكون لك هم إلا هو. قلت: يا حبيبي متى ألقاك؟ وأين أطلبك؟ فقال: أما في الدنيا فلا تحدث نفسك بلقائي فيها وأما الآخرة فإنها مجمع المتقين فإياك أن تخالف الله فيما أمرك وندبك إليه، وإن كنت تبتغي لقائي فاطلبني مع الناظرين إلى الله تبارك وتعالى في زمرتهم. قلت: وكيف علمت ذاك؟ قال: بغض طرفي له عن كل محرم، واجتنابي فيه كل منكر ومأثم، وقد سألته أن يجعل جنتي النظر إليه. ثم صاح وأقبل يسعى حتى غاب عن بصري. 951- عابد آخر صالح بن عبد الكريم قال: رأيت غلاما أسودا في طريق مكة عند ميل يصلي فقلت له: عبد أنت؟ قال: نعم. قلت: فعليك ضريبة؟ قال: نعم. قلت: أفلا أكلم مولاك أن يضع عنك؟ قال: وما الدنيا كلها فأجزع من ذلها؟ قال: فاشتريته وأعتقته. فقعد يبكي وقال لي أعتقتني؟ قلت: نعم. قال: أعتقك الله يوم القيامة. وقعد يبكي ويقول: اشتد علي الأمر. فناولته دنانير فأبى أن يأخذها. قال: فحججت بعد ذلك بأربع سنين فسألت عنه فقالوا: غاب عنا فمذ غاب قحطنا وصار إلى جدة. 952- عابد آخر جعفر الخلدي قال: حججت سنة من السنين فصحبني بعض الصوفية، وكان ممن يشار إليه بالعلم والمعرفة. فأضافنا الطريق إلى جبل، وكنا جماعة فاستسقيناه ماء ولم يكن في القرب ماء، فأخذ ركوة وأومأ بها إلى الجبل فسمعت خرير الماء يأذني حتى امتلأت الركوة فسقى الجماعة. وكانت عيني إلى الموضع فلا أرى للماء أثرا ولا شقا في الجبل. قال أبي: فسألت جعفرا عن هذا فقال: كرامة الله عز وجل لأوليائه. 953- عابد آخر محمد بن المبارك الصوري قال: خرجنا حجاجا فإذا نحن بشاب ليس معه زاد ولا راحلة. فقلت: حبيبي، في مثل هذا الطريق بلا زاد ولا راحلة. فقلت: حبيبي، في مثل هذا الطريق بلا زاد ولا راحلة؟ فقال لي: تحسن تقرأ؟ قلت: نعم. فقرأت: بسم الله الرحمن الرحيم {كهيعص} مريم فشهق شهقة خر مغشيا عليه، ثم أفاق فقال: ويحك تدري ما قرأت؟ كاف من كاف، وهاء من هاد، وعين من عليم، وصاد من صادق، فإذا كان معي كاف وهاد وعليم وصادق ما أصنع بزاد وراحلة؟ ثم ولى وهو يقول:
يا طالب العلم ها هنا وهنا ومعدن العلم بين جنبيكا إن كنت ترجو الجنان تسكنها فمثل العرض نصب عينيكا إن كنت ترجو الحسان تخطبها فأسبل الدمع فوق خديكا وقم إذا قام كل مجتهد وادعه كيما يقول لبيكا 954- عابد آخر وبالإسناد قال عمر بن بحر: وسمعت أبا الفيض يقول: كنت في تيه بني إسرائيل أريد الحج فرأيت غلاما أمرد على المحجة يؤم البيت العتيق بلا زاد ولا راحلة. فقلت لرفيقي: إن كان مع هذا الغلام يقين وإلا هلك. فلحقته فقلت: يا فتى. فقال: لبيك. فقلت: في مثل هذا الموضع، في هذا الوقت، بلا زاد ولا راحلة؟ قال: فنظر إلي ثم قال: يا شيخ ارفع رأسك، انظر هل ترى غيره؟ فقلت: يا حبيبي اذهب إلى حيث شئت. 955- عابد آخر قال ذو النون: حججت سنة إلى بيت الله الحرام فضللت عن الطريق ولم يكن معي ماء ولا زاد فأشرفت على الهلكة، فلاحت لي أشجار كثيرة ومحراب، فطرحت نفسي في ظل شجرة. فلما غربت الشمس إذا أنا بشاب متغير اللون نحيل يؤم المحراب، فركل برجله ربوة من الأرض فظهرت عين تبض بماء عذب. فشرب وتوضأ وقام في محرابه فقمت إلى العين فشربت ماء عذبا وتوضأت وقمت أصلي بصلاته، حتى برق عمود الصبح، فلما رأى الصبح وثب قائما على قدميه ونادى بأعلى صوته: ذهب الليل بما فيه، وأقبل النهار بدواهيه ولم أقض من خدمتك وطرا، آه، خسر من أتعب، لغيرك بدنه، وألجأ إلى سواك هممه. فلما أراد أن يمضي ناديته: بالذي منحك لذيذ الرغب وأذهب عنك ملال التعب إلا خفضت لي جناح الرحمة فإني غريب أريد البيت الحرام وقد ضللت. فقال: يا بطال وهل قطع بوفده دون البلوغ إليه؟ ثم قال: اتبعني فرأيت الأرض تطوى من تحت أرجلنا حتى رأيت المحجة وسمعت ضجة فقال: ها قومك. ثم أنشأ يقول: من عامل الله بتقواه وكان في الخلوة يرعاه سقاه كأسا من صفا حبه يسلبه لذة دنياه فأبعد الخلق وأقصاهم وانفرد العبد بمولاه ومن المصطفين الذين لقوا عند الإحرام: 956- عابد عبد الله بن الجلاء قال: كنت بذي الحليفة وأنا أريد الحج والناس يحرمون، فرأيت شابا قد صب عليه الماء يريد الإحرام وأنا أنظر إليه. فقال: يا رب أريد أن أقول: لبيك اللهم لبيك، وأخشى أن تجيبني لا لبيك ولا سعديك. وبقي يردد هذا القول مرارا كثيرا وأنا أتسمع عليه. فلما أكثر قلت له: ليس لك بد من الإحرام فقل فقال: يا شيخ أخشى إن قلت لبيك اللهم لبيك أجابني بلا لبيك ولا سعديك. فقلت له: أحسن ظنك وقل معي: لبيك اللهم لبيك. فقال: لبيك اللهم. وطولها، وخرجت نفسه مع قوله اللهم، فسقط ميتا. ذكر المصطفين من العباد الذين لقوا بعرفة: 957- عابدان عن ثابت البناني قال: إنا لوقوف بجبل عرفة فإذا شابان عليهما العباء القطواني، نادى أحدهما صاحبه: يا حبيب، فأجابه الآخر: لبيك أيها المحب. قال ترى الذي تحاببنا فيه وتواددنا فيه معذبنا غدا في القيامة: قال: فسمعنا مناديا، سمعته الآذان ولم تره الأعين، يقول: لا، ليس بفاعل. 958- عابد آخر يحيى بن كامل القرشي قال: أخبرني سفيان الثوري قال: سمعت أعرابيا وهو متعلق بعرفة، وهو يقول: إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني، وقد خلقتني ضعيفا؟ من أولى بالعفو عني منك وعلمك في سابق، وأمرك بي محيط؟ أطعتك بإذنك والمنة لك علي، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي، وبفقري إليك وغناك عني أن تغفر لي وترحمني، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني، ولم أسيء حتى قضيت علي. اللهم إنا أطعناك بنعمتك في أحب الأشياء إليك. شهادة أن لا إله إلا الله ولم نعصك في أبغض الأشياء إليك، الشرك بك، فاغفر لي ما بينهما، اللهم سري إليك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا صببت علي الهموم لجأت إليك استجارة بك، علما بأن أزمة الأمور بيدك وأن مصدرها عن قضائك. 959- عابد آخر
أحمد بن أبي الحواري قال: دخلت على أبي سليمان الداراني فقال لي: يا أحمد، لي أيام ما بكيت. فقلت له: حدثني محمود بن خلف أنه رأى رجلا عشية عرفة على رأس جبل، فلما دنا الانصراف سمعه يقول: الأمان الأمان قد دنا الانصراف، ليت شعري ما صنعت في حاجة المساكين؟ قال: فبكى حتى جعلت الدموع تثب من عينيه ولا تسيل على خده. 960- عابد آخر أبو الأديان قال: ما رأيت خائفا إلا رجلا واحدا: كنت بالموقف فرأيت شابا مطرقا منذ وقف الناس إلى أن سقط القرض فقلت: يا هذا ابسط يديك بالدعاء. فقال لي: ثم وحشة. قلت له: فهذا يوم العفو عن الذنوب. قال: فبسط يده، ففي بسط يده وقع ميتا. 961- عابدة لقيت بعرفة عبد الله بن داود الواسطي قال: بينا أنا واقف بعرفات إذ أنا بامرأة وهي تقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فما له من هاد. فقلت: امرأة ضالة. فنزلت عن بعيري وقلت لها: يا هذه ما قصتك؟ فقالت: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} [الإسراء] فقلت في نفسي: حرورية لا ترى كلامنا: فقلت لها: من أين أنت؟ فقرأت: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} الإسراء: 1. فأركبتها بعيري وقفلت بها أريد رحال المقدسيين. فلما توسطت قلت لها: يا هذه لمن أصوت؟ فقرأت: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} ص: 26، {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} مريم: 7. {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} مريم: 12. فناديت: يا زكريا، يا يحيى، يا داود. فخرج غلي ثلاثة فتيان من بين الرجال فقالوا: أمنا ورب الكعبة ضلت منذ ثلاث، وأنزلوها وأكرموني. فقلت لهم: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: ما تكلمت، منذ ثلاثين سنة مخافة أن تزل. قلت: هذه امرأة صالحة المقصد إلا أنها لقلة علمها لم تدر أن هذا الفعل منهي عنه لأنها استعملت القرآن فيما لم يوضع له. قال ابن عقيل: لا يجوز أن يجعل القرآن بدلا من الكلام لأنه استعمال له في غير ما وضع له، كما لو أراد استعمال المصحف في الوزن به أو توسده. قال: ويكره الصمت إلى الليل لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صمت يوم إلى الليل. ذكر المصطفين من عباد لقوا في الطواف: 962- عابد قاسم بن عثمان يقول: رأيت في الطواف رجلا لا يزيد على قوله: إلهي قضيت حوائج المحتاجين وحاجتي لم تقض، فقلت له: ما لك لا تزيد على هذا الكلام؟ فقال: أحدثك، كنا سبعة أنفس من بلدان شتى، ترافقنا وغزونا أرض العدو. فاستؤسرنا كلنا. فاعتزل بنا بطريق إلى موضع ليضرب رقابنا، فنظرت إلى السماء فإذا سبعة أبواب مفتوحة في السماء، عليها سبع جوار من الحور العين، على كل باب جارية. فقدم رجل منا فضربت عنقه. فرأيت جارية في يدها منديل قد هبطت إلى الأرض حتى ضربت أعناق الستة وبقيت أنا وبقي باب واحد فلما قدمت لتضرب رقبتي استوهبني بعض رجاله فوهبني له. فسمعتها هي تقول: أي شيء فاتك يا محروم؟ وأغلقت الباب. فأنا يا أخي متحسر على ما فاتني. قال قاسم الجوعي: أراه أفضلهم لأنه رأى ما لم يروا وترك يعمل على الشوق. 963- عابد آخر عمار بن عثمان قال: سمعت هدابا يقول: رأيت رجلا يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول في بكائه: تمن على ذي العرش ما شئت إنه غني كريم لا يخيب سائلا قال: ثم شهق شهقة حتى ظننت أن نفسه ستخرج. قال: فقلت له: ما شأنك رحمك الله؟ قال أعظم الشأن شأني، إني ندبت إلى أمر فقصرت عنه. قال: ثم غشي عليه. 964- عابد آخر
عن محمد بن صالح قال: بينا أنا في الطواف إذ نظرت إلى أعرابي بدوي متعلق بأستار الكعبة، وقد شخص بصره نحو السماء، وهو يقول: يا خير من وفد الأنام إليه، ذهبت أيامي، وضعفت قوتي، وقد وردت إلى بيتك المعظم المكرم بذنوب كثيرة لا تسعها الأرض ولا تغسلها البحار، مستجيرا بعفوك منها، وحططت رحلي بفنائك، وأنفقت مالي في رضاك، فماذا الذي يكون من جزائك يا مولاي؟ ثم أقبل على الناس بوجهه فقال: يا معشر الناس ادعوا لمن وكزته الخطايا وغمرته البلايا. ارحموا أسير ضر وغريب فاقة. سألتكم بالذي عمتكم الرغبة إليه، إلا سألتم الله تعالى أن يهب لي جرمي ويغفر لي ذنوبي. ثم عاود فتعلق بأستار الكعبة وقال: إلهي وسيدي، عظيم الذنب مكروب، وعن صالح الأعمال مردود، وقد أصبحت ذا فاقة إلى رحمتك يا مولاي. قال محمد بن صالح: ثم رأيته بعرفات وقد وضع يساره على أم رأسه يصرخ ويبكي ويشهق ويقول: إلهي وسيدي ومولاي أضحكت الأرض بالزهر، وأمطرت السماء بالرحمة، والذي أعطيت الموحدين إن نفسي لواثقة لي ولهم منك بالرضا، وكيف لا يكون كذلك، وأنت حبيب من تحبب إليك، وقرة عين من لاذ بك وانقطع إليك؟ يا مولاي حقا حقا أقول؛ لقد أمرت بمكارم الأخلاق فاجعل وفودي إليك عتق رقبتي من النار. 965- عابد آخر إبراهيم الخواص قال: رأيت شابا في الطواف متزرا بعباءة، متشحا بأخرى كثير الطواف والصلاة. فوقع في قلبي محبته ففتح علي بأربعمائة درهم فجئت بها إليه وهو جالس خلف المقام فوضعتها على طرف عبائه وقلت له: يا أخي اصرف هذه القطيعات في بعض حوائجك. فقام وبددها في الحصا وقال: يا إبراهيم اشتريت هذه الجلسة من الله تعالى بسبعين ألف دينار عين، تريد أن تخدعني عن الله عز وجل بهذا الوسخ؟ قال إبراهيم: فما رأيت أعز منه وهو ينظر، وأذل مني وأنا أجمعها من بين الحصى. ثم قام وذهب. 966- عابد آخر أبو عبد الله بن طاهر قال: رأيت في الطواف شيخا أعجميا والناس يتضرعون ويدعون وهو ساكت. فقلت له: ألا تدعو؟ فمد يده ورفع بها شيبته قال: يا خداه شيخ، ولم يزد على ذلك. ومن عقلاء المجانين الذين لقوا في الطواف: 967- ولهان المجنون أبو عبد الله المغربي قال: كنت في الطواف فرأيت ولهان المجنون وهو يقول: حبك قتلني، وشوقك أيقظني، والاتصال بك أسقمني، فعدمت قلبا يحب غيرك وثكلت خواطر أنست بسواك. ذكر المصطفيات من عابدات رئين في الطواف 968- عابدة مالك بن دينار قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بجويرية متعبدة، فإذا هي تقول: يا رب كم شهوة قد ذهبت لذتها وبقيت تبعتها، يا رب ما كان لك عقوبة ولا أدب إلا النار. قال: فوالله ما زال ذلك مقامها حتى طلع الفجر. قال مالك، فوضعت يدي على رأسي ثم صرخت وجعلت أقول: ثكلت مالكا أمه وعدمته، جويرية منذ الليلة قد بطلته. 969- عابدة أخرى عن محمد بن يزيد بن حبيش قال: قال وهيب بن الورد: بينما امرأة في الطواف ذات يوم وهي تقول: يا رب ذهبت اللذات وبقيت التبعات، يا رب سبحانك، وعزتك إنك لأرحم الراحمين: يا رب مالك عقوبة إلا النار. فقالت صاحبة لها كانت معها: يا أخية دخلت بيت ربك اليوم؟ قالت: والله ما أرى هاتين القدمين، وأشارت إلى قدميها، أهلا للطواف حول بيت ربي، فكيف أراهما أهلا أطأ بهما بيت ربي؟ وقد علمت حيث مشتا وإلى أين مشتا؟ 970- عابدة أخرى عن الحسن قال: رأيت بدوية دخلت الطواف فقالت: يا حسن الصحبة، جئتك من بعيد، أقبلت أسألك سترك الذي لا تخرقه الرماح ولا تزيله الرياح. 971- عابدة أخرى عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: دخل قوم حجاج ومعهم امرأة تقول: أين بيت ربي؟ فيقولون: الساعة ترينه. فلما رأوه قالوا: هذا بيت ربك أما ترينه؟ فخرجت تشتد وتقول: بيت ربي بيت ربي حتى وضعت جبهتها على البيت. فوالله ما رفعت إلا ميتة. 972- عابدة أخرى
إبراهيم بن مسلم المخزومي قال: وقفت امرأة متعبدة في جوف الليل فتعلقت بأستار الكعبة: ثم بكت وقالت: يا كريم الصحبة، ويا حسن المعونة، أتيتك من شقة بعيدة متعرضة لمعروفك الذي وسع خلقك، فأنلني من معروفك معروفا تغنيني به عن معروف من سواك يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة. قال: ثم صرخت صرخة سقطت لوجهها فحملت مغشيا عليها. 973- عابدة أخرى عن سعيد الأزرق الباهلي أنه قال: دخلت الطواف ليلا، فبينا أنا أطوف وإذا بامرأة في الحجر ملتزمة للبيت قد علا نشيجها، فدنوت منها وهي تقول: يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الأوهام والظنون، ولا تغيره الحوادث ولا يصفه الواصفون، يا عالما بمثاقيل الجبال ومكاييل البحار وعدد قطر الأمطار، وورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار، لا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا جبل ما في وعر، ولا بحر ما في قعره، أسألك أن تجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك، وخير ساعاتي مفارقة الأحياء من دار الفناء إلى دار البقاء التي تكرم فيها من أحببت من أوليائك، وتهين فيها من أبغضت من أعدائك أسألك إلهي عافية جامعة لخير الدنيا والآخرة منا منك علي وتطولا يا ذا الجلال والإكرام. ثم صرخت وغشي عليها. 974- عابدة أخرى محمد بن زيد قال: سمعت ذا النون يقول: خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام فبينا أنا في الطواف إذ أنا بشخص متعلق بأستار الكعبة يبكي ويقول في بكائه: كتمت بلائي من غيرك، وبحت بسري إليك، واشتغلت بك عمن سواك، عجبت لمن عرفك كيف يسلو عنك؟ ولمن ذاق حبك كيف يصبر عنك؟ ثم أقبل على نفسه فقال: أمهلك فما ارعويت، وستر عليك فما استحييت، وسلبك حلاوة المناجاة فما باليت، ثم قال: عزيزي ما لي إذا قمت بين يديك ألقيت علي النعاس ومنعتني حلاوة الخدمة؟ لم قرة عيني لمه؟ ثم أنشأ يقول: روعت قلبي بالفراق فلم أجد شيئا أمر من الفراق وأوجعا حسب الفراق بأن يفرق بيننا ولطالما قد كنت منه مفزعا قال: فلم أتمالك أن أتيت الكعبة مستخفيا فلما أحس بي تجلل بخمار كان عليه ثم قال: يا ذا النون غض بصرك فإني حرام. فعلمت أنها امرأة فقلت: والله قد شغلني قولك عن كثير مما كنت فيه. فقالت: ولم عافاك الله؟ أما علمت أن لله عبادا لا يشغلهم سواه ولا يميلون إلى ذكر غيره؟. 975- عابدة أخرى عن ذي النون المصري قال: كنت في الطواف فسمعت صوتا حزينا وإذا بجارية متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول: أنت تدري يا حبيبي من حبيبي أنت تدري ونحول الجسم والدمع يبوحان بسري يا عزيزي قد كتمت الحب حتى ضاق صدري قال ذو النون: فشجاني ما سمعت حتى انتحبت وبكيت. ثم قالت: إلهي وسيدي ومولاي، بحبك لي إلا ما غفرت لي. قال: فتعاظمني ذلك وقلت: يا جارية أما يكفيك أن تقولي: بحبي لك، حتى تقولي بحبك لي؟ فقالت: إليك عني يا ذا النون، أما علمت أن لله عز وجل قوما يحبهم قبل أن يحبوه؟ أما سمعت الله عز وجل يقول: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} المائدة: 54. فسبقت محبته لهم قبل محبتهم له؟ فقلت: من أين علمت أني ذو النون؟ فقالت: يا بطال جالت القلوب في ميدان الأسرار فعرفتك. ثم قالت: انظر من خلفك. فأدرت وجهي، فلا أدري السماء اقتلعتها أم الأرض ابتلعتها. 976- عابدة أخرى أبو عبد الملك قال: رأيت امرأة متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول: اللهم إني أستعديك على نفسي. 977- عابدة أخرى
أبو الأشهب السائح قال: بينا أنا في الطواف إذا بجويرية قد تعلقت بأستار الكعبة وهي تقول: يا وحشتي بعد الإنس، ويا ذلي بعد العز، ويا فقري بعد الغنى. فقلت لها: ما لك؟ أذهب لك مال أو أصبت بمصيبة؟ قالت: لا ولكن كان لي قلب ففقدته، قلت: هذه مصيبتك؟ قالت: وأي مصيبة أعظم من فقد القلوب وانقطاعها عن المحبوب؟ فقلت لها: إن حسن صوتك قد عطل على من سمع الكلام الطواف. فقالت: يا شيخ، البيت بيتك أم بيته؟ قلت: بل بيته. قالت: فالحرم حرمك أم حرمه؟ فقلت: بل حرمه، قالت: فدعنا نتدلل عليه على قدر ما استزارنا إليه. ثم قالت: بحبك لي إلا رددت علي قلبي. قال: فقلت من أين تعلمين أنه يحبك؟ فقالت: جيش من أجلي الجيوش وأنفق الأموال وأخرجني من دار الشرك وأدخلني في التوحيد، وعرفني نفسه بعد جهلي إياه، فهل هذا إلا لعناية، قلت: كيف حبك له؟ قالت: أعظم شيء وأجله، قلت: وتعرفين الحب؟ قالت: فإذا جهلت فأي شيء أعرف؟ إنه الحلو المجتنى ما اقتصر، فإذا أفرط عاد خبلا قاتلا، أو فسادا معطلا، وهو شجرة غرسها كريه ومجناها لذيذ. ثم ولت. وأنشأت تقول: وذي قلق لا يعرف الصبر والعزا له مقلة عبرى أضر بها البكا وجسم نحيل من شجى لاعج الهوى فمن ذا يداوي المستهام من الضنا ولا سيما والحب صعب مرامه إذا عطفت منه العواطف بالفنا 978- عابدة أخرى الجنيد قال: حججت على الوحدة فجاورت بمكة، فكنت إذا جن الليل دخلت الطواف. فإذا أنا بجارية تطوف وتقول: أبى الحب أن يخفى وكم قد كتمته فأصبح عنيد قد أناخ وطنبا إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره وإن رمت قربا من حبيبي تقربا ويبدو فأفنى ثم أحيا به له ويسعدني حتى ألذ وأطربا قال: فقلت لها: يا جارية أما تتقين الله تعالى في مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام؟ فالتفتت إلي وقالت: يا جنيد: لولا التقى لم ترني أهجر طيب الوسن إن التقى شردني كما ترى عن وطني أفر من وجدي به فحبه هيمني ثم قالت: يا جنيد تطوف بالبيت أم برب البيت؟ فقلت: أطوف بالبيت. فرفعت رأسها إلى السماء وقالت: سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار. ثم أنشأت تقول: يطوفون بالأحجار يبغون قربة إليك وهم أقسى قلوبا من الصخر وتاهوا فلم يدروا من التيه من هم وخلوا محل القرب في باطن الفكر فلو أخلصوا في الود غابت صفاتهم وقامت صفات الود للحق بالذكر قال الجنيد: فغشي علي من قولها. فلما أفقت لم أرها. ومن المصطفين الذين لقوا عند المقام: 979- عابد أيوب بن محمد اليمامي قال: حدثني أبو عبد الرحمن العجلي أنه رأى رجلا قائما خلف المقام يصلي. فافتتح القرآن فلم يزل يقرأ حتى أتى على آخر القرآن ونودي النداء الأول فجلس فسلم ثم قام فركع ركعة، قال: حسبتها وتره. ثم قال وهو يرى أنه لا يسمعه أحد: عند ورود المنهل يغبط الركب الدلجة. قال: ثم تنحى من مكانه فاختلط بالناس. ومن المصطفين الذين لقوا بين مكة والمدينة: 980- عابد الخلدي قال: حج عبد الله الأقطعع على فرد قدم. قال: فلما بلغت بين المسجدين وقع في سري أنه لم يحج مثلي فإذا أنا بمقعد يحبو فوقفت عليه أعجب منه. فقال لي: ما لك تتعجب من قوي يحمل ضعيفا. ذكر المصطفين ممن لقي في طريق الغزاة 981- عابد
عبد الله بن قيس، أبو أمية الغفاري قال: كنا في غزاة لنا فحضر عدوهم، فصيح في الناس فهم يثوبون إلى مصافهم، إذا رجل أمامي رأس فرسي عند عجز فرسه، وهو يخاطب نفسه ويقول: أي نفس ألم أشهد مشهد كذا وكذا؟ فقلت لي: أهلك وعيالك، فأطعتك ورجعت؟ ألم أشهد مشهد كذا وكذا فقلت أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت؟ والله لأعرضنك اليوم على الله، أخذك أو تركك. فقلت: لأرمقنه اليوم. فرمقته فحمل الناس على عدوهم فكان في أوائلهم، ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا فكان في حماتكم ثم إن الناس حملوا فكان في أوائلهم، ثم حمل العدو وانكشف الناس فكان في حماتهم. قال: فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعا. فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة. 982- عابد آخر عن شقيق قال: خرجنا في غزاة لنا في ليلة مخوفة، فإذا رجل نائم فأيقظناه، فقلنا: تنام في مثل هذا المكان؟ فرفع رأسه فقال: إني لأستحيي من ذي العرش أن يعلم أني أخاف شيئا دونه، ثم ضرب برأسه فنام. 983- عابد آخر أبو غالب قال: صحبنا شيخ في بعض المغازي، فكان يحيي الليل حيث كان على ظهر دابته أو على الأرض وكان إذا نظر إلى الفجر قد لمع ضوؤه نادى: يا إخوتاه عند بلوغ الماء يفرح الواردون بتعجيل الرواح، هنالك تنقطع كل همة. 984- عابد آخر اسمه سعيد عباس بن يوسف قال: قال ميسرة الخادم: غزونا في بعض الغزوات فصادفنا العدو، فإذا بفتى إلى جانبي مقنع في الحديد، فحمل على الميمنة حتى ثناها، وحمل على الميسرة حتى ثناها، وحمل على القلب حتى ثناه. ثم أنشأ يقول: أحسن بمولاك سعيد ظنا هذا الذي كنت له تمنى تنح يا حور الجنان عنا ما لك قاتلنا ولا قتلنا لكن إلى سيدنا اشتقنا قد علم السر وما أعلنا قال: فحمل فقاتل فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى مصافه فتكالب عليه العدو فإذا به قد حمل على الناس وأنشأ يقول: قد كنت أرجو، ورجائي لم يخب أن لا يضيع اليوم كدي والتعب يا من ملا تلك القصور باللعب لولاك ما طابت ولا طاب الطرب فحمل فقتل منهم عددا ثم رجع إلى مصافه فتكالب عليه العدو فحمل الثالثة وأنشأ يقول: يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي ما لك قاتلنا فكفي واربعي ثم ارجعي إلى الجنان فأسرعي لا تطمعي، لا تطمعي، لا تطمعي قال: فحمل فقاتل حتى قتل. ذكر المصطفين من عباد لقوا في طريق سفر وطريق سياحة 985- عابد عن ابن جابر أن أبا عبد رب كان أكثر أهل دمشق مالا، فخرج إلى أذربيجان في تجارة فأمسى إلى جانب مرعى ونهر فنزل به، قال أبو عبد رب: فسمعت صوتا يكثر حمد الله في ناحية فاتبعته فرأيت رجلا في حفير من الأرض ملفوفا في حصير فسلمت عليه وقلت: من أنت يا عبد الله؟ قال: رجل من المسلمين. قلت: وما حالك هذه؟ قال: حال نعمة يجب علي حمد الله عز وجل فيها، قال: قلت: وكيف وإنما أنت في حصير؟ قال: ومالي لا أحمد الله أن خلقني فأحسن خلقي، وجعل مولدي ومنشئي في الإسلام، وألبسني العافية في أركاني وستر علي ما أكره نشره؟ فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه قلت: رحمك الله إن رأيت أن تقوم معي إلى المنزل فإنا نزول على النهر ها هنا. قال: ولمه؟ قال: قلت: لتصيب من الطعام، ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير. قال: فأبى. قال الوليد: فحسبت أنه قال: إن لي في أكل العشب كفاية، قال أبو عبد رب: فأردته أن يتبعني فأبى وقال: ما لي به من حاجة. فانصرفت وقد تقاصرت إلي نفسي. فذكر أنه رجع من تجارته وتصدق بماله. 986- عابد آخر
ذو النون قال: رأيت رجلا في البرية يمشي حافيا وهو يقول: المحب مجروح الفؤاد لا راحة له. فسلمت عليه فقال: وعليك السلام يا ذا النون. فقلت: عرفتني قبل هذا؟ قال: لا. قلت، فمن أين لك هذه الفراسة؟ فقال: ممن يملكها. ليست مني، هو الذي نور قلبي بالفراسة حتى عرفني إياك من غير معرفة سبقت لي، يا ذا النون قلبي عليل وجسمي مشغول، وأنا سائح في البرية أسير فيها منذ عشرين سنة ما أعرف بيتا، ولا يكنني سقف يسترني من الشمس إذا كظت، ويحفظني من الرياح إذا هبت، فصف لي بعض ما أنا فيه إن كنت وصافا. فقلت: القلب إذا كان عليلا جالت الأحزان والأسقام فيه، ليس للقلب مع ذلك دواء. فصرخ صرخة ثم قال: ما لي وللشكوى؟ ثم قال: ما صحبت صاحبا منذ صحبته. أصحبك اليوم. فقلت: قم بنا. فقمنا جميعا نسير بلا زاد، فلما أوغلنا في البرية وطوينا ثلاثا قال لي: قد جعت؟ قلت: نعم، قال: فأقسم عليه حتى يطعمك. قلت: لا، والذي فلق الحبة وبرا النسمة لا سألته شيئا، إن شاء أطعم وإن شاء ترك. فتبسم وقال: إمض الآن، فلقد أفيض علينا من أطايب الأطعمة ولذيذ الأشربة حتى دخلنا مكة سالمين. ثم فارقني وفارقته. فكان ذو النون كلما ذكره بكى وتأسف على صحبته. 987- عابد آخر ذو النون قال: بينا أنا سائر في بعض الطرق فإذا فتى حسن الوجه، أثر التهجد بين عينيه. فقلت: حبيبي من أين قدمت؟ فقال: من عنده. فقلت: وإلى أين؟ فقال: إلى عنده. قال: فعرضت عليه النفقة فنظر إلي مغضبا ثم ولى وأنشأ يقول: وكافر بالله أمواله تزداد أضعافا على كفره ومؤمن ليس له درهم يزداد إيمانا على فقره لا خير فيمن لم يكن عاقلا يمد رجليه على قدره 988- عابد آخر عن طاهر المقدسي قال: خرجت من عسقلان أريد غزة في طلب البدلاء، فإذا أنا فتى عليه أطمار رثة مارا على ساحل البحر. قال: فكأني لم أعبأ به. فالتفت إلي فقال: لا تنب عني بأن ترى خلقي فإنما الدر داخل الصدف علمي جديد وملبسي خلق ومنتهى اللبس منتهى الصلف 989- عابد آخر محمد بن الحسين الآجري قال: حدثني بعض أصحابنا عن أبي الفضل الشكلي قال: رأيت شابا في بعض الطريق، وعليه خلق فكأني لم أحفل به، فالتفت إلي ثم قال: لا تنب عني بأن ترى خلقي فإنما الدر داخل الصدف علمي جديد وملبسي خلق ومنتهى اللبس منتهى الصلف قال: فجعلت ألوذ به وأنست به. 990- عابد آخر بلغنا عن محمد بن رافع قال: أقبلت من بعض بلاد الشام فبينا أنا في بعض الطريق رأيت فتى عليه جبة من صوف، وبيده ركوة، فقلت: أين تريد؟ فقال: لا أدري. قلت: فمن أين جئت؟ قال: لا أدري، فظننته موسوسا فقلت: من خلقك؟ فاصفر حتى خلته صبغ بالزعفران، ثم قال: خلقني من لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فقلت: رحمك الله أنا من إخوانك وممن يأنس إلى أمثالك فلا تنقبض مني. فقال: كيف لا؟ إني والله أود لو جاز لي ترك الجماعات حتى أنفرد في شاهق منيف صعب المرتقى، أو في غار
موحش لعلي أجد قلبي ساعة يسلو عن الدنيا وأهلها. فقلت: وما جنت عليك الدنيا حتى استحقت هذا البغض منك؟ فقال: جناياتها العمى عن جناياتها. فقلت: هل من دواء أتعالج به من هذا العمى الذي قد حجب عني ما يراد بي؟ قال: ما أراك تقدر على العلاج فاستعمل من الدواء أيسره. قلت: صف لي دواء لطيفا. قال: فما داؤك؟ قلت: حب الدنيا. فتبسم وقال: أي قرحة أعظم من هذه؟ ولكن اشرب السموم الطرية والمكاره الصعبة. قلت: ثم ماذا؟ قال: مر الصبر الذي لا جزع فيه والتعب الذي لا راحة فيه، قلت: ثم ماذا؟ قال السلو عما تريد والصبر عما تحب، فإن أردت فاستعمل هذا وإلا فتأخر واحذر الفتن كأنها قطع الليل المظلم. قلت: فدلني على عمل يقرب إلى الله عز وجل. فقال: يا أخي قد نظرت في جميع العبادات فلم أر أنفع من الفرار من الناس وترك مخالطتهم، يا أخي رأيت القلوب عشرة أجزاء، فتسعة مع الناس وجزء مع الدنيا. فمن قوي على الانفراد حاز تسعة أجزاء من القلب. ثم غاب عني فلم أره. ذكر المصطفيات من عابدات لقين في طريق السياحة 991- عابدة ذو النون المصري قال: بينا أنا سائر في البادية إذ رأيت امرأة متعبدة، فلما أن دنت مني سلمت علي فرددت عليها السلام، فقالت: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند حكيم لا يوجد مثله، فصاحت وقالت: ويحك كيف فارقته وهو أنيس الغرباء؟ فأوجع قلبي كلامها فبكيت، فقالت لي: مم بكاؤك؟ قلت: وقع الدواء على الداء، فأسرع في نجاحه، قالت: فإن كنت صادقا فلم بكيت؟ قلت: والصادق لا يبكي؟ قالت: لا، لأن البكاء راحة القلب وهذا نقص عند ذوي العقول يا بطال، قلت: علميني شيئا ينفعني الله به. قالت: ويحك ما أفادك الحكيم من الفوائد ما تستغني به عن طلب الزوائد؟ فقلت: إن رأيت أن تعلميني شيئا فعلت، فقالت: اخدم مولاك شوقا إلى لقائه. فإن له يوما يتجلى فيه لأوليائه وإنه تعالى سقاهم في الدنيا من محبته كأسا لا يظمئون بعدها أبدا، ثم أقبلت تبكي وتقول: سيدي إلى كم تدعني في دار لا أجد فيها من يساعدني على بلائي؟ ثم مضت وهي تقول: إذا كان داء العبد حب مليكه فمن دونه يرجو طبيبا مداويا؟ قلت: وقد رويت لنا هذه الحكاية بألفاظ أخر: أنبأ عبد الرحمن بن محمد القزاز قال: أنبأ أحمد بن علي بن ثابت قال: أنبأ القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد البجلي قال: أنبأ جعفر بن محمد الخلدي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال: سمعت ذا النون المصري قال: بينا أنا في بعض مسيري لقيتني امرأة فقالت لي: من أين أقبلت؟ قلت: رجل غريب. فقالت لي: ويحك وهل توجد مع الله أحزان الغربة وهو مؤنس الغرباء ومعين الضعفاء؟ فبكيت، فقالت لي: ما يبكيك؟ قلت: وقع الدواء علي داء قد قرح فأسرع في نجاحه، قالت: إن كنت صادقا فلم بكيت؟ قلت: والصادق لا يبكي؟ قالت: لا، قلت: ولم؟ قالت: إن البكاء راحة القلب وملجأ يلجأ إليه، وما كتم القلب شيئا أحق من الشهيق والزفير، فإذا أسبلت الدمعة استراح القلب، وهذا ضعف عند الأولياء يا بطال، فبقيت متعجبا من كلامها، فقالت لي: ما لك؟ قلت: تعجبا من هذا الكلام. قالت: وقد أنسيت القرحة التي سألت عنها؟ قلت: لا، علميني شيئا ينفعني الله به. قالت: وما أفاد الحكيم في مقامك هذا من الفوائد ما تستغني به عن طلب الزوائد؟ قلت لا، ما أنا بمستغن عن طلب الزوائد. قالت: صدقت، أحبب ربك واشتق إليه فإن له يوما يتجلى فيه على كرسي كرامته لأوليائه وأحبائه فيذيقهم من محبته كأسا لا يظمئون بعدها أبدا. قال: ثم أخذت في البكاء والزفير والشهيق وهي تقول: سيدي إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها أحدا يسعدني على البكاء أيام حياتي، ثم تركتني ومضت. 992- عابدة أخرى
ذو النون قال رأيت امرأة بنحو أرض البجة. قال: فناديتها. فقالت: وما للرجال أن يكلموا النساء؟ لولا ضعف عقلك لرميتك بشيء، فقلت لها: بالله كيف تعرفين الزيادة؟ قالت: بتفقد الأحوال انصرف. قال: فما ناطقتها بعد ذلك. 993- عابدة أخرى ذو النون بن إبراهيم قال: كنت في تيه بني إسرائيل ومعي صاحب لي، فرأيت امرأة عليها مدرعة من شعر وخمار من صوف، وفي كفها عكاز من حديد فقلت: السلام عليك ورحمة الله. فقالت: وعليك السلام، ما للرجال وخطاب النساء عافاك الله؟ فقلت: أخوك ذو النون المصري. فقالت: مرحبا حياك الله بالسلام. قلت: ما تصنعين ها هنا؟ قالت: كلما أتيت إلى بلدة يعصى فيها الحبيب ضاق علي ذلك البلد، فأنا أطلب بقعة طاهرة أخر عليها ساجدة أناجيه بقلب ذاب من شدة الشوق إلى لقائه. فقلت: ما سمعت أحدا يذكر الحبيب أحسن من ذكرك، فأي شيء المحبة؟ قالت: سبحان الله أنت الحكيم الواعظ وتسألني؟ أول المحبة يبعث على الكد الدائم، حتى إذا وصلت أرواحهم إلى أعلى الصفا جرعهم من محبته لذيذ الكؤوس، ثم صرخت وخرت مغشيا عليها فأفاقت وهي تقول: أحبك حبين حب الرضا وحب لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الرضا فذكر شغلت به عن سواكا وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراكا فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا 994- عابدة أخرى ذو النون المصري قال: بينا أنا أسير في جبال أنطاكية فإذا أنا بجارية كأنها مجنونة وعليها جبة من صوف، فسلمت عليها فردت علي السلام، ثم قالت: ألست ذا النون المصري؟ قلت: عافاك الله كيف عرفتني؟ فقالت: عرفتك بمعرفة حب الحبيب، ثم قالت: أسألك عن مسألة، قلت: سلي، فقالت: أي شيء السخاء؟ قلت: البذل والعطاء. قالت: هذا سخاء في الدنيا فما السخاء في الدين؟ قلت: المسارعة إلى طاعة الله تعالى. قالت: فإذا سارعت إلى طاعة الله فهو أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد منه شيئا، ويحك يا ذا النون إني أريد أن أطلب منه شهوة منذ عشرين سنة، فأستحيي منه مخافة أن أكون كأجير السوء، إذا عمل طلب الأجر، ولكن اعمل تعظيما لهيبته وعز جلاله ومرت وتركتني. 995- عابدة أخرى ذو النون المصري قال بينما أنا أسير في تيه بني إسرائيل إذا أنا بجارية سوداء قد استلبها الوله من حب الرحمن، شاخصة ببصرها نحو السماء. فقلت: السلام عليك يا أختاه فقالت: وعليك السلام يا ذا النون. فقلت لها: من أين عرفتني يا جارية؟ فقالت: يا بطال إن الله عز وجل خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثم أدارها حول العرش، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فعرفت روحي روحك في ذلك الجولان. قلت: إني لأراك حكيمة، علميني شيئا مما علمك الله عز وجل، فقالت: يا أبا الفيض ضع على جوارحك ميزان القسط حتى يذوب كل ما كان لغير الله، ويبقى القلب مصفى ليس فيه غير الرب عز وجل، فبعد ذلك يقيمك لي الباب ويوليك ولاية جديدة ويأمر الخزان لك بالطاعة. فقلت: يا أختاه زيديني، فقالت: يا أبا الفيض خذ من نفسك لنفسك وأطع الله عز وجل إذا خلوت يجيبك إذا دعوت. ذكر المصطفين من عباد لم يعرفوا باسم ولا مكان 996- عابد عن شقيق قال: كنت في زرع لي إذ أقبلت سحابة ترهيأ قال: فسمعت فيها صوتا: أمطري زرع فلان قال: فأتيت الرجل فسألته: ما تصنع بزرعك؟ قال: أبذر ثلثه، وآكل ثلثه، وأتصدق بثلثه. 997- عابد آخر مضر القاري قال: كان رجل من العباد قلما ينام من الليل قال: فغلبته عينه ذات ليلة فنام عن جزئه، فرأى فيما يرى النائم كأن جارية وقفت عليه، كأن وجهها القمر المستتم قال ومعها رق فيه كتاب. فقالت: أتقرأ أيها الشيخ؟ قلت: نعم. قالت: فاقرأ هذا الكتاب. قال فأخذته من يدها ففتحته فإذا فيه مكتوب: ألهتك لذة نومة عن خير عيش مع الخيرات في غرف الجنان تعيش مخلدا لا موت فيها وتنعم في الجنان مع الحسان
تيقظ من منامك إن خيرا من النوم التهجد بالقرآن قال: فوالله ما ذكرتها قط إلا ذهب عني النوم. 998- عابد آخر عن البختري بن حارثة قال: دخلت على عابد مرة فإذا بين يديه نار قدأججها وهو يعاتب نفسه. فلم يزل يعاتبها حتى مات. 999- عابد آخر عن رياح القيسي قال: كان عندنا رجل يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة حتى أعقد من رجليه. وكان يصلي جالسا ألف ركعة فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة ويقول: عجبت للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبهم بذكر سواك. 1000- عابد آخر عن ميمون بن سياه قال: كنت أنا وخالد الربعي ونفر من أصحابنا نذكر الله، فوقف علينا رجل أسود فقال: هل ذكرتم الموت فيما كنتم فيه؟ قلنا: إنا لنذكره كثيرا وما ذكرناه يومنا هذا، قال: فبكى وقال: لقد أغفلتم ما لا يغفلكم، ونسيتم ما تحصى عليكم الأنفاس لقدومه عليكم. قال: ثم مال ليسقط وسانده رجل من القوم فخرجت نفسه وإنا لننظر إليه. قال: فنظرنا لم نجد أحدا يعرفه. قال: فغسلناه وحنطناه وكفناه ودفناه. 1001- عابد آخر أسلم بن عبد الملك، وكان شيئا عجيبا، قال: صحب رجل رجلا شهرين فلم يره نائماص بليل ولا نهار، فقال له: ما لي لا أراك تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي، ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في غيرها. 1002- عابد آخر عبد الله بن داود قال: حدثني رجل منذ خمسين سنة أو نحو خمسين سنة قال: كان مملوك لامرأة فكان يصلي الليل كله، فقالت له: ليس تدعنا ننام الليل؟ فقال لها: لك النهار ولي الليل، إذا ذكرت النار طار نومي، وإذا ذكرت الجنة طال حزني. 1003- عابد آخر شعيب بن حرب قال: صحبني رجلان في سفينة فأخذ أحدهما حبة من حنطة فألقاها في فيه، فقال له صاحبه: مه أي شيء صنعت؟ قال: سهوت. قال: لأن تأكلني السباع أحب إلي من أن أصحب رجلا يسهو عن الله عز وجل. قال: ثم قال: يا ملاح قرب. قال: فخرج. قال شعيب: فسمعنا زئير الأسد من الغيضة فما ندري ما حال الرجل. قال شعيب: فالتفت إلي صاحبه فقال: إن هذا صاحبي منذ أربعين سنة أو نيف وأربعين سنة ما رأى علي زلة قبلها. 1004- عابد آخر عن أيوب الحمال قال: كان فتى ينتحل التوكل، وكان عزيزا عند الأخذ من الناس، وكان إذا احتاج إلى قوته وجده موضوعا. فقيل له: احذر لا يكون الشيطان يخدعك. فقال: أنا إلى الله تعالى ناظر ومنه آخذ ما رزقني، فإن كان عدوي قد سخر لي فلا فرج الله عنه، وأي شيء أحسن مني؟ يخدمني عدوي وأنا أسكن إلى الله عز وجل لا إليه. 1005- عابد آخر قال ممشاد الدينوري: رأيت في بعض أسفاري شيخا توسمت فيه الخير. فقلت له: يا سيدي كلمة تزودني بها. قال: همتك فاحفظها فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال. 1006- عابد آخر حيدرة بن عبيد قال: دخلنا على رجل من العباد نعوده فقلنا له: كيف تجدك؟ فقال: ذنوب كثيرة ونفس ضعيفة وحسنات قليلة وسفرة طويلة وغاية مهولة، قال: فقلنا: ما معك من الزاد لما ذكرت؟ قال: معي الأمل في السيد الكريم. ثم قال: اللهم لا تقطع يمؤملك في تلك الغمرات، وارحمه في تلك الحيرة والحسرات إذا انخلعت القلوب يوم الندامات. وجعل يتشهد حتى مات. 1007- عابد آخر
عن أبي عبد الله الدينوري أنه كان يوما جالسا فدخل عليه فقير عليه آثار الضر، قال: فطالبتني نفسي أن أجيئه بشيء، فهممت أن أرهن نعلي فمنعتني نفسي وقالت: كيف تتم لك طهارة مع الحفا؟ فقلت: أرهن ركوتي. فمنعتني أيضا وقالت: بأي شيء تتوضأ، فهممت أن أرهن منديلي فمنعتني وقالت: تبقى مكشوف الرأس. فقلت وما في ذلك؟ وجعلت أراجعها في ذلك؟ فقام الفقير فشد وسطه وأخذ عصاه بيده ثم التفت إلي وقال: يا خسيس احفظ منديلك فإني خارج، فاعتقدت مع الله عز وجل أني لا آكل الخبز حتى ألقاه. فقيل: إنه أقام ثلاثين سنة لم يأكل الخبز. ذكر المصطفيات من العابدات اللواتي لم يعرفن باسم ولا مكان 1008- عابدة عن الوليد بن مسلم قال: كانت امرأة من التابعين تقول: اللهم أقبل بما أدبر من قلبي، وافتحخ ما أقفل منه حتى تجعله هشا مرتاحا لذكرك. 1009- عابدة أخرى وبالإسناد: حدثنا أبو بكر القرشي قال: حدثنا الحارث بن محمد التيميمي قال: حدثنا علي بن محمد القرشي، عن جويرية ابن أسماء أن إخوة ثلاثة من بني قطيعة شهدوا يوم تستر فاستشهدوا. فخرجت أمهم يوما إلى السوق لبعض شأنها فتلقاها رجل قد حضر أمر تستر فعرفته فسألته عن بنيها فقال: استشهدوا. فقالت: أمقبلين أم مدبرين؟ فقال: مقبلين. فقالت: الحمد لله نالوا الفوز وحاطوا الذمار، بنفسي هم وأبي وأمي. 1010- عابدة أخرى عن القاسم بن معن أنه أتته امرأة فقالت: أنا امرأة فلان ما أتيك حتى خفت أن يضيق علي أن لا آتيك، فقال القاسم لبعض أصحابه: بقي من ذلك المال شيء؟ قال: مائتي درهم. قال: ادفعه إليها، فأخذته وانصرفت، وقال له: إذا جاءني شيء فأذكرنيها. قال: فجاءه مال ففرقه فذكرها وقد بقي منه سبعمائة درهم. فقال: اذهب به إليها وسل عنها أهل المسجد الذي خلف منزلها والمسجد الذي دونه، ففعل فأخبر بعفاف عنها وعن بنات لها. قال: فأتيتها فقلت: رسول القاسم بن معن. فقالت: مرحبا بالقاسم وبرسوله. حاجتك قلت: هذه السبعمائة درهم أرسل بها إليك القاسم. فقالت: أقرئه السلام وقله له: قد أخذنا تلك المائتين فنحن نغزل منها ونبيع وقد عشنا بها واستغنينا فلا حاجة لنا في هذه. فأتيت القاسم فأخبرته فقال: ويحك ألا سيبتها في باب الدار؟ وقال بيده هكذا. ثم حول وجهه إلى القبلة وقال: اللهم إن بلوتني بخلف فاجعله هكذا. 1011- عابدة أخرى أبو جعفر السائح قال: بلغنا عن امرأة متعبدة كانت تصلي الضحى مائة ركعة كل يوم، وكانت تقرأ {قل هو الله أحد} بالنهار عشرة آلاف مرة. وكانت تصلي بالليل لا تستريح. وكانت تقول لزوجها: قم ويحك إلى متى تنام؟ قم يا غافل قم يا بطال، إلى متى أنت في غفلتك؟ أقسمت عليك أن لا تكسب معيشتك إلا من حلال، أقسمت عليك أن لا تدخل النار من أجلي، بر أمك، صلا رحمك، لا تقطعهم فيقطع الله بك. 1012- عابدة أخرى الحسين بن جعفر قال: سمعت أبي قال: صليت العيد في الجبان ثم تفردت، فإذا أنا بعجوز رافعة يديها وهي تقول: انصرف الناس ولم أشعر قلبي اليأس يا صاحب الصدقة، ها أناذه منصرفة فليت شعري ما زودتني، رب ارحم ضعفي وكبر سني، خرجت أرجوك فلا تخيب ظني بك. وهي تبكي فما انتفعت بنفسي يومي كله. 1013- عابدة أخرى
أبو عياش القطان بلغنا أنه كان ملك كثير المال وكانت له ابنة لم يكن له ولد غيرها، وكان يحبها حبا شديدا. وكان يلهيها بصنوف اللهو. فمكث كذلك زمانا، وكان إلى جانب الملك عابد، فبينا هو ليلة يقرأ إذ رفع صوته وهو يقول {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} التحريم: 6 فسمعت الجارية قراءته فقالت لجواريها: كفوا. فلم يكفوا وجعل العابد يردد الآية والجارية تقول لهم: كفوا. فلم يكفوا. فوضعت يدها في جبيها فشقت ثيابها فانطلقوا إلى أبيها فأخبروه بالقصة. فأقبل إليها فقال: يا حبيبتي ما حالك منذ الليلة؟ ما يبكيك؟ وضمها إليه. فقالت: أسألك بالله يا أبه، لله عز وجل دار فيها نار وقودها الناس والحجارة؟ قال: نعم. قالت: وما يمنعك يا أبه أن تخبرني؟ والله لا أكلت طيبا ولا نمت على لين حتى أعلم أين منزلي في الجنة أو النار؟ 1014- عابدة أخرى سعيد أبو عثمان، ثقة من أهل العلم، قال: نظر رجل إلى امرأة فقال: ما رأيت مثل هذا الحسن وهذه النضارة، وما ذاك إلا من قلة الحزن. فقالت: يا عبد الله، والله إني ليذبحني الحزن ما يشركني فيه أحد. قال: وكيف؟ قالت: ذبح زوجي شاة مضحيا، ولي صبيان يلعبان، فقال أكبرهما للأصغر: أريك كيف صنع أبي بالشاة؟ فعلقه فذبحه فما شعرنا به إلا متشحطا، فلما استعلت الضجة هرب الغلام ناحية الجبل فرهقه ذئب، فأكله، ونحن لا نعلم، وابتعه أبوه يطلبه فمات عطشا، فأفردني الدهر، قال: فكيف صبرك؟ قالت: لو رأيت في الجزع مدركا ما اخترت عليه. 1015- عابدة أخرى أبو بكر بن عبيد قال: حدثني عبيد الله بن محمد أنه سمع امرأة من المتعبدات تقول وبكت: والله لقد سئمت من الحياة حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقا إلى الله وحبا للقائه. قال: قلت لها: أفعلى ثقة أنت من عملك؟ قالت: لا والله، ولكن لحبي إياه وحسن ظني به، أفتراه يعذبني وأنا أحبه؟ 1016- عابدة أخرى عن الحسن بن جعفر أنه سمع أباه يقول: مررت بدار فإذا أنا بعجوز مكفوفة تبكي وتقول: يا حليم تقرب الناس إليك بالأعمال يدعونك بها، فكيف أدعوك بالذنوب ولا عمل أرضاه؟ يا رب هب لي من حلمك ما تكفيني به وتنجيني من عذابك. قال: فوقفت عليها فوعظتها وقلت: هل لك ولد؟ قالت: لا. قلت: من معك في دارك؟ قالت: سبحان الله. معي من أناجيه، فهل علي وحشة معه وهو أنيسي؟ قال: فأبكتني، فقلت لها: ما معاشك؟ قالت: دع عنك ما لا تحتاج إليه بلغت السن فما أحوجني إليك ولا إلى غيرك، أما تقرأ القرآن: {والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين} الشعراء فقلت: إيذني لي في زيارتك. فقالت: أعزم عليك إن فعلت أو ذكرت لي اسما. ثم أجافت الباب. 1017- عابدة أخرى عن العباس بن سهم أن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهي تعجن، فرفعت يدها من العجين وقالت: هذا طعام قد صار لنا فيه شركاء. 1018- عابدة أخرى وبالإسناد عن ابن روح عن بعض أهل العلم أن امرأة أتاها نعي زوجها والسراج يقد فأطفأت السراج وقالت: هذا زيت قد صار لنا فيه شريك. 1019- عابدة أخرى عبد الملك بن شبيب، عن رجل من ولد عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: دخلت على امرأة وأنا أقرأ سورة هود، فقالت لي: يا عبد الرحمن هكذا تقرأ سورة هود؟ والله إني فيها منذ ستة أشهر وما فرغت من قراءتها. 1020- عابدة أخرى أبو الوليد القاضي قال: سمعت امرأة تقول: فقدتك من قلب أصبحت قاسيا ولعظمة الله ناسيا كيف تقر عيني وقد أخبرني أن قاسي القلب مني بعيد؟ 1021- عابدة أخرى
سري السقطي قال: بلغني أن امرأة كانت إذا قامت من الليل قالت: اللهم إن إبليس عبد من عبيدك، ناصيته بيدك، يراني من حيث لا أراه، وأنت تراه من حيث لا يراك، اللهم إنك تقدر على أمره كله، وهو لا يقدر من أمرك على شيء، اللهم إن أرادني بشر فأرده، وإن كادني فكده، أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره. ثم بكت حتى ذهبت إحدى عينيها، فقيل لها: اتقي الله لا تذهب الأخرى. فقالت: إن كانت عيني من عيون أهل الجنة فسيبدلني بها ما هو أحسن منها، وإن كانت من عيون أهل النار فأبعدهما الله تعالى. 1022- عابدة أخرى عن بكر بن عبد الله المزني قال: كانت امرأة متعبدة، فكانت إذا أمست قالت: يا نفس، الليلة ليتلك لا ليلة لك غيرها، فاجتهدي. فإذا أصبحت قالت: يا نفس اليوم يومك لا يوم لك غيره فاجتهدي. ذكر المصطفيات من بنيات صغار تكلمن بكلام العابدات الكبار 1023- صبية زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده أسلم، قال: بينا أنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يعس المدينة إذ عيي فاتكأ إلى جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء. فقالت لها: يا أماه أو ما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى أن لا يشاب اللبن بالماء. فقالت لها: يا بنية قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء. 1024- صبية أخرى عفان بن مسلم قال: قال لي حماد بن سلمة: ألح علينا المطر سنة من السنين وفي جواري امرأة من المتعبدات لها بنات أيتام، فوكف السقف عليهم، فسمعتها تقول: يا رفيق ارفق بي. فسكن المطر فأخذت صرة فيها دنانير وقرعت بابها. فقالت: اللهم اجعله حماد بن سلمة. قلت: أنا حماد بن سلمة، وأخرجت الدنانير وقلت لها: انتفعي بهذه، فإذا صبية عليها مدرعة من صوف تستبين خروقها قد خرجت علي وقالت: ألا تسكت يا حماد؟ تعترض بيننا وبين ربنا؟ ثم قالت: يا أماه قد علمنا أنا لما شكونا مولانا أنه سيبعث إلينا بالدنيا ليطردنا عن بابه. ثم ألصقت خدها على التراب وقالت: أما أنا وعزتك لا زايلت بابك وإن طردتني، ثم قالت: يا حماد رد دنانيرك عافاك الله إلى الموضع الذي أخرجتها منه فإنا رفعنا حوائجنا إلى من يقبل الودائع ولا يبخس العاملين. 1025- صبية أخرى بشر بن الحارث يقول: أتيت باب المعافي بن عمران فدققت الباب فقيل: من ذا؟ فقلت: بشر الحافي، فقالت له بنية له من داخل: لو اشتريت نعلا بدانقين ذهب عنك هذا الاسم. 1026- صبية أخرى عبد الله بن محمد بن وهب قال: كان ليحيى بن معاذ ابنة صغيرة السن جدا، فطلبت من أبيها شيئا فقال لها: يا بنتي اطلبي ذاك من الله. فقالت: يا باه أوما أستحيي من الله أن أتقدم إليه في شيء يؤكل؟ 1027- صبية أخرى أبو العباس بن مسروق قال: كنت باليمن فرأيت صيادا يصطاد السمك على بعض السواحل، وإلى جنبه ابنة له. فكلما اصطاد سمكة فتركها في دوخلة معه ردت الصبية السمكة إلى الماء، فالتفت الرجل فلم ير شيئا، فقال لابنته: أي شيء عملت بالسمك؟ فقالت: يا أبي أليس سمعتك تروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقع سمكة في شبكة إلا إذا غفلت عن ذكر الله عز وجل" فلم أحب أن نأكل شيئا غفل عن ذكر الله تعالى. فبكى الرجل ورمى الصنارة. 1028- صبية أخرى بلغنا أن أمير بلدة حاتم الأصم اجتاز على باب حاتم فاستسقى ماء فلما شرب رمى إليهم شيئا من المال، فوافقه أصحابه، ففرح أهل الدار سوى بنية صغيرة فإنها بكت. فقيل لها: ما يبكيك؟ قالت: مخلوق نظر إلينا فاستغنينا فكيف لو نظر إلينا الخالق سبحانه وتعالى؟ 1029- صبية أخرى
خزيمة أبو محمد قال: قال بنات رجل لأبيهن: يا أبه لا تطعمنا إلا الحلال فإن الصبر على الجوع أيسر من الصبر على النار. فبلغ ذلك سفيان الثوري فقال: ما لهن رحمهن الله؟ 1030- ذكر المصطفين من عباد الجن سهل بن عبد الله قال: كنت ناحية ديار عاد إذ رأيت مدينة من حجر منقور، في وسطها قصر من حجارة، منقورة سقوفه وأبوابه تأويه الجن، فدخلت معتبرا فإذا شيخ عظيم الخلق يصلي نحو الكعبة وعليه جبة صوف فيها طراوة، فلم أتعجب من عظم خلقه كتعجبي من طراوة جبته، فسلمت عليه فرد علي السلام وقال: يا سهل إن الأبدان لا تخلق الثياب وإنما تخلقها روائح الذنوب ومطاعم السحت، وإن هذه الجبة علي منذ سبعمائة سنة بها لقيت عيسى بن مريم ومحمدا صلى الله عليه وسلم فآمنت به. فقلت له: من أنت؟ قال: أنا الذي نزلت فيك: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} الجن: 1. سلمة بن شبيب قال: عزمت على النقلة إلى مكة فبعت داري، فلما فرغتها وسلمتها وقفت على بابها فقلت: يا أهل الدار جاورناكم فأحسنتم جوارنا جزاكم الله خيرا، وقد بعنا الدار ونحن على النقلة إلى مكة فعليكم السلام ورحمة الله. قال: فأجابني من الدار مجيب فقال: وأنتم جزاكم الله خيرا ما رأينا منكم إلا خيرا ونحن على النقلة أيضا، فإن الذي اشترى الدار رافضي يشتم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. سري بن إسماعيل يذكر عن يزيد الرقاشي أن صفوان بن محرز المازني كان إذا قام إلى تهجده من الليل قام معه سكان داره من الجن، فصلوا بصلاته واستمعوا لقراءته. قال السري فقلت ليزيد: وأنى علم؟ قال: كان إذا قام سمع لهم ضجة فاستوحش لذلك فنودي: لا ترع أبا عبد الله فإنما نحن إخوانك نقوم للتهجد كما تقوم فنصلي بصلاتك، قال: فكأنه أنس بعد ذلك إلى حركتهم. يحيى بن عبد الرحمن العصري قال: حدثتني امرأة خليد عن خليد قال: كنت قائما أصلي فقرأت هذه الآية {كل نفس ذائقة الموت} [الأنبياء: 35] فرددتها مرارا، فناداني مناد من ناحية البيت: كم تردد هذه الآية؟ فلقد قتلت بها أربعة نفر من الجن لم يرفعوا رؤوسهم إلى السماء حتى ماتوا من تردادك هذه الآية. قالت: فوله خليد بعد ذلك ولها شديدا. وأنكرناه حتى كأنه ليس الذي كان. مهدي بن ميمون قال: كان واصل مولى أبي عيينة جارا لي، وكان يسكن في غرفة، فكنت أسمع قراءته من الليل، وكان لا ينام من الليل إلا يسيرا، قال: فغاب غيبة إلى مكة وكنت أسمع القراءة من غرفته على نحو من صوته كأني لا أنكر من الصوت شيئا. قال: وباب الغرفة مغلق، فلم يلبث أن قدم من سفره فذكرت له ذلك، فقال: وما أنكرت من ذلك؟ هؤلاء سكان الدار يصلون بصلاتنا ويسمعون لقراءتنا. قال: قلت: أفتراهم؟ قال لا. ولكني أحس بهم وأسمع تأمينهم عند الدعاء، وربما غلب علي النوم فيوقظوني. قال القرشي: وحدثني خلف قال: كان فتى من أهل الكوفة متعبدا يقال له عرفجة، وكان يحيي الليل صلاة. قال: فاستزاره بعض إخوانه ذات ليلة فاستأذن أمه في زيارته فأذنت له: قالت العجوز: فلما كان الليل إذا أنا في منامي برجال قد وقفوا علي فقالوا: يا أم عرفجة! لم أذنت لإمامنا الليلة؟ أبو عمران التمار قال: غدوت يوما قبل الفجر إلى مسجد الحسن الحفري فإذا باب المسجد مغلق، وإذا الحسن جالس يدعو، وإذا ضجة في المسجد وجماعة يؤمنون على دعائه، فجلست على باب المسجد حتى فرغ من دعائه ثم قام فأذن وفتح باب المسجد فدخلت فلم أجد في المسجد أحدا، فلما أصبح وتفرق من عنده قلت له: يا أبا سعيد إني والله رأيت عجبا، قال: وما رأيت؟ فأخبرته بالذي رأيت وسمعت. فقال: أولئك جن من أهل نصيبين يجيئون يشهدون معي ختم القرآن كل ليلة جمعة ثم ينصرفون.
محمد بن عبد العزيز بن سلمان العابد قال: كان أبي إذا قام من الليل يتهجد سمعت في الدار جلبة شديدة واستسقاء للماء كثيرا. قال: فنرى أن الجن كانوا يتيقظون لتهجده فيصلون معه. سري السقطي قال: بدوت يوما من الأيام وأنا حدث فطاب وقتي وجن علي الليل وأنا بفناء جبل لا أنيس به فناداني مناد من جوف الجبل: لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فوت المحبوب. قال: فتعجبت وقلت جني يناديني أم إنسي؟ قال: بل جني مؤمن بالله عز وجل ومعي إخواني، قال: قلت فهل عندهم ما عندك؟ قال: نعم وزيادة. قال: فناداني الثاني منهم: لا تذهب من البدن الفترة إلا بدوام الغربة، قال: فقلت في نفسي: ما أبلغ كلامهم. فناداني الثالث منهم: من أنس به في الظلام لا يبقى له اهتمام. قال: فصعقت، فما أفقت إلا برائحة الطيب فإذا أترجة على صدري فشممتها فأفقت فقلت: وصية يرحمكم الله جميعا؟ فقالوا جميعا أبى الله أن تحيا به إلا قلوب المتقين، فمن طمع في غير ذلك فقد طمع في غير مطمع، ومن تبع طبيبا مريضا دامت علته، وودعوني ومضوا وقد أتى علي حين ولا أزال أرى بركة كلامهم موجودة في خاطري. وبلغني عن أبي الفتح محمد بن محمد الخزيمي قال: قال أبو علي الدقاق: كنت بنيسابور مقيما للوعظ فظهر بي رمد فاشتقت إلى أولادي فرأيت ليلة من الليالي في المنام كأن شخصا دخل علي فقال: أيها الشيخ ما يمكنك الرجوع بهذه السرعة فإن جماعة من شباب الجن يحضرون مجلسك ويستمعون منك، وهم بعد في بدو الإرادة فما لم ينتهوا إلى إرادتهم لا يمكنك أن تفارقهم فلعل الله عز وجل أن يحييهم فأصبحت وكأنه ما بعيني رمد. 1031- ومن متعبدات الجن صالح بن عبد الكريم قال: كنت أحب أن ألقى شيئا من الجن فأكلمه، فرأيت امرأة فتعلقت بها فقلت: عظيني. قالت: اكتب: تقول غزالة: اشتغل بأولى الأمور بك ولا تغفل عن ساعة إن فاتتك لم تدركها. آخر كتاب صفة الصفوة، والحمد لله وحده، وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه. كتبه لنفسه، ثم لمن شاء الله يعده، فقير رحمة ربه إبراهيم بن يحيى بن حسن بن طرخان بن تميم العسقلاني الخبيلي، عفا الله عنهم بكرمه، في مدة آخرها يوم الخميس بين الصلاتين بالقاهرة المحروسة بالوراقين، الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من سنة سبع وسبعين وستمائة، أحسن الله خاتمتها. والحمد لله وحده، وسلام على عباده الذين اصطفى.
End of available text.