Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

Section V02/P366–V02/P368

وأما أن يغنيه صدق إرادته عن علم الحلال والحرام وأحكام الأمر والنهي ومعرفة العبادات وشروطها وواجباتها ومبطلاتها وعن علم أحكام الله ورسوله على ظاهره وباطنه : فقد أعاذ الله من هو دون الجنيد من ذلك فضلا عن سيد الطائفة وإمامها وإنما يقول ذلك قطاع الطريق وزنادقة الصوفية وملاحدتهم الذين لا يرون اتباع الرسول شرطا في الطريق وأيضا فإن المريد الصادق : يفتح الله على قلبه وينوره بنور من عنده مضاف إلى ا معه من نور العلم يعرف به كثيرا من أمر دينه فيستغني به عن كثير من علم الناس فإن العلم نور وقلب الصادق ممتلىء بنور الصدق ومعه نور الإيمان والنور يهدي إلى النور والجنيد أخبر بهذا عن حاله وهذا أمر جزئي ليس على عمومه بل صدقه يغنيه عن كثير من العلم وأما عن جملة العلم : فكلام أبي القاسم الثابت عنه في ضرورة الصادق إلى العلم وأنه لا يفلح من لم يكن له علم وأن طريق القوم مقيدة بالعلم وأنه لا يحل لأحد أن يتكلم في الطريق إلا بالعلم فمشهور معروف قد ذكرنا فيما مضى طرفا منه كقوله : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة وأيضا فإن علم العلماء الذين أشار إليهم : هو ما فهموه واستنبطوه من القرآن والسنة والمريد الصادق : هو الذي قرأ القرآن وحفظ السنة والله يرزقه ببركة صدقه ونور قلبه فهما في كتابه وسنة رسوله يفنيه عن تقليد فهم غيره وأما قوله يعني الجنيد إذا أراد الله بالمريد خيرا : أوقعه على الصوفية ومنعه صحبة القراء فالقراء في لسانهم : هم أهل التنسك والتعبد سواء كانوا يقرءون القرآن أم لا فالقارىء عندهم : هو الكثير التعبد والتنسك الذي قد قصر همته على ظاهر العبادة دون أرواح المعارف ودون حقائق الإيمان وروح المحبة وأعمال القلوب فهمتهم كلها إلى العبادة ولا خبر عندهم مما عند أهل التصوف وأرباب القلوب وأهل المعارف ولهذا قال من قال : طريقنا تفت لا تقسر فسير هؤلاء : بالقلوب والأرواح وسير أولئك : بمجرد القوالب والأشباح وبين أرواح هؤلاء وقلوبهم وأرواح هؤلاء وقلوبهم : نوع تناكر وتنافر ولا يقدر أحدهم على صحبة النوع الآخر إلا على نوع إغضاء وتحميل للطبيعة ما تأباه وهو من جنس ما بينهم وبين ظاهرية الفقهاء من التنافر ويسمونهم : أصحاب الرسوم ويسمون أولئك : القراء والطائفتان عندهم : أهل ظواهر لا أرباب حقائق هؤلاء مع رسوم العلم وهؤلاء مع رسوم العبادة ثم إنهم في أنفسهم فريقان : صوفية وفقراء وهم متنازعون في ترجيح الصوفية على الفقراء أو بالعكس أو هما سواء على ثلاثة أقوال فطائفة رجحت الصوفي منهم كثير من أهل العراق وعلى هذا صاحب العوارف وجعلوا نهاية الفقير : بداية الصوفي وطائفة رجحت الفقير وجعلوا الفقر لب التصوف وثمرته وهم كثير من أهل خراسان وطائفة ثالثة قالوا : الفقر والتصوف شيء واحد وهؤلاء هم أهل الشام ولا يستقيم الحكم بين هؤلاء وهؤلاء حتى تتبين حقيقة الفقر والتصوف وحينئذ يعلم : هل هما حقيقة واحدة أو حقيقتان ويعلم راجحهما من مرجوحهما وسترى ذلك مبينا إن شاء الله في منزلتي الفقر والتصوف إذا انتهينا إليهما إن ساعد الله ومن بفضله وتوفيقه فلا حول ولا قوة إلا بالله وبه المستعان وعليه التكلان وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والمقصود : أن المراتب عندهم ثلاثة : مرتبة التقوى وهي مرتبة التعبد والتنسك ومرتبة التصوف وهي مرتبة التفتي بكل خلق حسن والخروج من كل خلق ذميم ومرتبة الفقر وهي مرتبة التجرد وقطع كل علاقة تحول بين القلب وبين الله تعالى فهذه مراتب طلاب الآخرة ومن عداهم : فمع القاعدين المتخلفين فأشار أبو القاسم الجنيد إلى أن المريد لله بصدق إذا أراد الله به خيرا : أوقعه على طائفة الصوفية يهذبون أخلاقه ويدلونه على تزكية نفسه وإزالة أخلاقها الذميمة والاستبدال بالأخلاق الحميدة ويعرفونه منازل الطريق ومفازاتها وقواطعها وآفاتها

Section V02/P368–V02/P371

وأما القراء : فيدقونه بالعبادة من الصوم والصلاة دقا ولا يذيقونه شيئا من حلاوة أعمال القلوب وتهذيب النفوس إذ ليس ذلك طريقهم ولهذا بينهم وبين أرباب التصوف نوع تنافر كما تقدم والبصير الصادق : يضرب في كل غنيمة بسهم ويعاشر كل طائفة على أحسن ما معها ولا يتحيز إلى طائفة وينأى عن الأخرى بالكلية : أن لا يكون معها شيء من الحق فهذه طريقة الصادقين ودعوى الجاهلية كامنة في النفوس ولا أعني بذلك أصغريهم ولكني أريد به الدوينا سمع النبي في بعض غزواته قائلا يقول : يا للمهاجرين وآخر يقول : يا للأنصار فقال : ما بال دعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم هذا وهما اسمان شريفان سماهم الله بهما في كتابه فنهاهم عن ذلك وأرشدهم إلى أن يتداعوا ب المسلمين و المؤمنين و عباد الله وهي الدعوى الجامعة بخلاف المفرقة ك الفلانية و الفلانية فالله المستعان وقال لأبي ذر : إنك امروء فيك جاهلية فقال : على كبر السن مني يا رسول الله قال : نعم فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ولا يذوق العبد حلاوة الإيمان وطعم الصدق واليقين حتى تخرج الجاهلية كلها من قلبه والله لو تحقق الناس في هذا الزمان ذلك من قلب رجل لرموه عن قوس واحدة وقالوا : هذا مبتدع ومن دعاة البدع فإلى الله المشتكى وهو المسئول الصبر والثبات فلابد من لقائه وقد خاب من افترى [ طه : 61 ] وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ الشعراء : 227 ] فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : باب الإرادة : قال الله تعالى قل كل يعمل على شاكلته [ الإسراء : 84 ] في تصديره الباب بهذه الآية دلالة على عظم قدره وجلالة محله من هذا العلم فإن معنى الآية : كل يعمل على ما يشاكله ويناسبه ويليق به فالفاجر يعمل على ما يليق به وكذلك الكافر والمنافق ومريد الدنيا وجيفتها : عامل على ما يناسبه ولا يليق به سواه ومحب الصور : عامل على ما يناسبه ويليق به فكل امرىء يهفو إلى ما يحبه وكل امرىء يصبو إلى ما يناسبه فالمريد الصادق المحب لله : يعمل ما هو اللائق به والمناسب له فهو يعمل على شاكلة إرادته وما هو الأليق به والأنسب لها قال : الإرادة : من قوانين هذا العلم وجوامع أبنيته وهي الإجابة لدواعي الحقيقة طوعا أو كرها يريد : أن هذا العلم مبني على الإرادة فهي أساسه ومجمع بنائه وهو مشتمل على تفاصيل أحكام الإرادة وهي حركة القلب ولهذا سمي علم الباطن كما أن علم الفقه يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح ولهذا سموه علم الظاهر فهاتان حركتان اختياريتان وللعبد حركة طبيعية اضطرارية فالعلم المشتمل على تفاصيلها وأحكامها : هو علم الطب فهذه العلوم الثلاثة : هي الكفيلة بمعرفة حركات النفس والقلب وحركات اللسان والجوارح وحركات الطبيعة فالطبيب : ينظر في تلك الحركات من جهة تأثر البدن عنها صحة واعتلالا وفي لوازم ذلك ومتعلقاته والفقيه : ينظر في تلك الحركات من جهة موافقتها لأمر الشرع ونهيه وإذنه وكراهته ومتعلقات ذلك والصوفي : ينظر في تلك الحركات من جهة كونها موصلة له إلى مراده أو قاطعة عنه ومفسدة لقلبه أو مصححة له وأما قوله : وهي الإجابة لداعي الحقيقة ف الإجابة هي الانقياد والإذعان و الحقيقة عندهم : مشاهدة الربوبية و الشريعة التزام العبودية فالشريعة : أن تعبده والحقيقة : أن تشهده فالشريعة : قيامك بأمره والحقيقة : شهودك لوصفه وداعي الحقيقة : هو صحة المعرفة فإن من عرف الله أحبه ولا بد ولابد في هذه الإجابة من ثلاثة أشياء : نفس مستعدة قابلة لا تعوز إلا الداعي ودعوة مستمعة وتخلية الطريق من المانع فما انقطع من انقطع إلا من جهة من هذه الجهات الثلاث

Section V02/P371–V02/P374

وقوله : طوعا أو كرها يشير إلى المجذوب المختطف من نفسه والسالك إرادة واختيارا ومجاهدة قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : ذهاب عن العادات بصحة العلم والتعلق بأنفاس السالكين مع صدق القصد وخلع كل شاغل من الإخوان ومشتت من الأوطان هذا يوافق من حد الإرادة بأنها : مخالفة العادة وهي ترك عوائد النفس وشهواتها ورعوناتها وبطالاتها ولا يمكن ذلك إلا بهذه الأشياء التي أشار إليها وهي : صحبة العلم ومعانقته فإنه النور الذي يعرف العبد مواقع ما ينبغي إيثار طلبه وما ينبغي إيثار تركه فمن لم يصحبه العلم : لم تصح له إرادة باتفاق كلمة الصادقين ولا عبرة بقطاع الطريق وقال بعضهم : متى رأيت الصوفي والفقير يقدح في العلم فاتهمه على الإسلام ومنها : التعلق بأنفاس السالكين ولا ريب أن كل من تعلق بأنفاس قوم انخرط في مسلكهم ودخل في جماعتهم وقال : أنفاس السالكين ولم يقل : أنفاس العابدين فإن العابدين من شأنهم القيام بالأعمال وشأن السالكين مراعاة الأحوال وقوله : مع صدق القصد يكون بأمرين أحدهما : توحيده والثاني : توحيد المقصود فلا يقع في قصدك قسمة ولا في مقصودك وقوله : وخلع كل شاغل من الإخوان : ومشتت من الأوطان يشير إلى ترك الموانع والقواطع العائقة عن السلوك : من صحبة الأغيار والتعلق بالأوطان التي ألف فيها البطالة والنذالة فليس على المريد الصادق أضر من عشرائه ووطنه القاطعين له عن سيره إلى الله تعالى فليغترب عنهم بجهده والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : تقطع بصحبة الحال وترويح الأنس والسير بين القبض والبسط أي ينقطع إلى صحبة الحال وهو الوارد الذي يرد على القلب من تأثيره بالمعاملة السالب لوصف الكسل والفتور الجالب له إلى مرافقة الرفيق الأعلى الذين أنعم الله عليهم فينتقل من مقام العلم إلى مقام الكشف ومن مقام رسوم الأعمال إلى مقام حقائقها وأذواقها ومواجيدها وأحوالها فيترقى من الإسلام إلى الإيمان ومن الإيمان إلى الإحسان وأما ترويح الأنس الذي أشار إليه : فإن السالك في أول الأمر يجد تعب التكاليف ومشقة العمل لعدم أنس قلبه بمعبوده فإذا حصل للقلب روح الأنس زالت عنه تلك التكاليف والمشاق فصارت قرة عين له وقوة ولذة فتصير الصلاة قرة عينه بعد أن كانت عملا عليه ويستريح بها بعد أن كان يطلب الراحة منها فله ميراث من قوله أرحنا بالصلاة يا بلال وجعلت قرة عيني في الصلاة بحسب إرادته ومحبته وأنسه بالله سبحانه وتعالى ووحشته مما سواه وأما السير بين القبض والبسط ف القبض و البسط حالتان تعرضان لكل سالك يتولدان من الخوف تارة والرجاء تارة فيقبضه الخوف ويبسطه الرجاء ويتولدان من الوفاء تارة والجفاء تارة فوفاؤه : يورثه البسط ورجاؤه يورثه القبض ويتولدان من التفرقة تارة والجمعية تارة فتفرقته تورثه القبض وجمعيته تورثه البسط ويتولدان من أحكام الوارد تارة فوارد يورث قبضا ووارد يورث بسطا وقد يهجم على قلب السالك قبض لا يدري ما سببه وبسط لا يدري ما سببه وحكم صاحب هذا القبض : أمران الأول : التوبة والاستغفار لأن ذلك القبض نتيجة جناية أو جفوة ولا يشعر بها والثاني : الاستسلام حتى يمضي عنه ذلك الوقت ولا يتكلف دفعه ولا يستقبل وقته مغالبة وقهرا ولا يطلب طلوع الفجر في وسط الليل وليرقد حتى يمضي عامة الليل ويحين طلوع الفجر وانقشاع ظلمة الليل بل يصبر حتى يهجم عليه الملك فالله يقبض ويبسط وكذلك إذا هجم عليه وارد البسط : فليحذر كل الحذر من الحركة والاهتزاز وليحرزه بالسكون والانكماش فالعاقل يقف على البساط ويحذر من الانبساط وهذا شأن عقلاء أهل الدنيا ورؤسائهم : إذا ما ورد عليهم ما يسرهم ويبسطهم ويهيج أفراحهم قابلوه بالسكون والثبات والاستقرار حتى كأنه لم يهجم عليهم وقال كعب بن زهير في مدح المهاجرين : ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا قال : الدرجة الثالثة : ذهول مع صحبة الاستقامة وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب

Section V02/P374–V02/P376

الذهول ههنا : الغيبة في المشاهدة بالحال الغالب المذهل لصاحبه عن التفاته إلى غيره وهذا إنما ينفع إذا كان مصحوبا بالإستقامة وهي حفظ حدود العلم والوقوف معها وعدم إضاعتها وإلا فأحسن أحوال هذا الذاهل : أن يكون كالمجنون الذي رفع عنه القلم فلا يقتدى به ولا يعاقب على تركه الاستقامة وأما إن كان سبب الذهول المخرج عن الإستقامة باستدعائه وتكلفه وإرادته : فهو عاص مفرط مضيع لأمر الله له حكم أمثاله من المفرطين وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : متى كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا وقوله : وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب يريد به : ملازمته رعاية حقوق الله مع التأدب بآدابه فلا يخرجه ذهول عن استقامته ولا عن رعاية حقوق سيده ولا عن الوقوف بالأدب بين يديه والله المستعان فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الأدب قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة [ التحريم : 6 ] قال ابن عباس وغيره : أدبوهم وعلموهم وهذه اللفظة مؤذنة بالاجتماع فالأدب : اجتماع خصال الخير في العبد ومنه المأدبة وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس وعلم الأدب : هو علم إصلاح اللسان والخطاب وإصابة مواقعه وتحسين ألفاظه وصيانته عن الخطاء والخلل وهو شعبة من الأدب العام والله أعلم فصل و الأدب ثلاثة أنواع : أدب مع الله سبحانه وأدب مع رسوله وشرعه وأدب مع خلقه فالأدب مع الله ثلاثة أنواع أحدها : صيانة معاملته : أن يشوبها بنقيصة الثاني : صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره الثالث : صيانة إرادته أن تتعلق بما يمقتك عليه قال أبو علي الدقاق : العبد يصل بطاعة الله إلى الجنة ويصل بأدبه في طاعته إلى الله وقال : رأيت من أراد أن يمد يده في الصلاة إلى أنفه فقبض على يده وقال ابن عطاء : الأدب الوقوف مع المستحسنات فقيل له : وما معناه فقال : أن تعامله سبحانه بالأدب سرا وعلنا ثم أنشد إذا نطقت جاءت بكل ملاحة وإن سكتت جاءت بكل مليح وقال أبو علي : من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل وقال يحيى بن معاذ : إذا ترك العارف أدبه مع معروفه فقد هلك مع الهالكين وقال أبو علي : ترك الأدب يوجب الطرد فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب وقال يحيى بن معاذ : من تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله وقال ابن المبارك : نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم وسئل الحسن البصري رحمه الله عن أنفع الأدب فقال : التفقه في الدين والزهد في الدنيا والمعرفة بما لله عليك وقال سهل : القوم استعانوا بالله على مراد الله وصبروا لله على آداب الله وقال ابن المبارك : طلبنا الأدب حين فاتنا المؤدبون وقال : الأدب للعارف كالتوبة للمستأنف وقال أبو حفص لما قال له الجنيد : لقد أدبت أصحابك أدب السلاطين فقال : حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن فالأدب مع الله حسن الصحبة معه بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء كحال مجالس الملوك ومصاحبهم وقال أبو نصر السراج : الناس في الأدب على ثلاث طبقات : أما أهل الدنيا : فأكبر آدابهم : في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار الملوك وأشعار العرب وأما أهل الدين : فأكثر آدابهم : في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات

Section V02/P376–V02/P378

وأما أهل الخصوصية : فأكبر آدابهم : في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء بالعهود وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب وقال سهل : من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بالإخلاص وقال عبدالله بن المبارك : قد أكثر الناس القول في الأدب ونحن نقول : إنه معرفة النفس ورعوناتها وتجنب تلك الرعونات وقال الشبلي : الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب وقال بعضهم : الحق سبحانه يقول : من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي : ألزمته الأدب ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي : ألزمته العطب فاختر الأدب أو العطب ويشهد لهذا : أنه سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته ساخ الجبل وتدكدك ولم يثبت على عظمة الذات وقال أبو عثمان : إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب وقال النوري رحمه الله : من لم يتأدب للوقت فوقته مقت وقال ذو النون : إذا خرج المريد عن استعمال الأدب : فإنه يرجع من حيث جاء وتأمل أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله وخطابهم وسؤالهم كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به قال المسيح عليه السلام : إن كنت قلته فقد علمته [ المائدة : 116 ] ولم يقل : لم أقله وفرق بين الجوابين في حقيقة الأدب ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره فقال : تعلم ما في نفسي ثم برأ نفسه عن علمه بغيب ربه وما يختص به سبحانه فقال : ولا أعلم ما في نفسك ثم أثنى على ربه ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها فقال : إنك أنت علام الغيوب ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره ربه به وهو محض التوحيد فقال : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به : أن اعبدوا الله ربي وربكم [ المائدة : 117 ] ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم وأنه بعد وفاته لا اطلاع له عليهم وأن الله عز وجل وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم فقال وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيني كنت أنت الرقيب عليهم [ المائدة : 117 ] ثم وصفه بأن شهادته سبحانه فوق كل شهادة وأعم فقال : وأنت على كل شيء شهيد ثم قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك [ المائدة : 118 ] وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام أي شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدا لغيرك فإذا عذبتهم مع كونهم عبيدك فلولا أنهم عبيد سوء من أبخس العبيد وأعتاهم على سيدهم وأعصاهم له : لم تعذبهم لأن قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده ورحمته فلماذا يعذب أرحم الراحمين وأجود الأجودين وأعظم المحسنين إحسانا عبيده لولا فرط عتوهم وإباؤهم عن طاعته وكمال استحقاقهم للعذاب وقد تقدم قوله : إنك أنت علام الغيوب [ المائدة : 116 ] أي هم عبادك وأنت أعلم بسرهم وعلانيتهم فإذا عذبتهم : عذبتهم على علم منك بما تعذبهم عليه فهم عبادك وأنت أعلم بما جنوه واكتسبوه فليس في هذا استعطاف لهم كما يظنه الجهال ولا تفويض إلى محض المشيئة والملك المجرد عن الحكمة كما تظنه القدرية وإنما هو إقرار واعتراف وثناء عليه سبحانه بحكمته وعدله وكمال علمه بحالهم واستحقاقهم للعذاب ثم قال : وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [ المائدة : 118 ] ولم يقل الغفور الرحيم وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى فإنه قاله في وقت غضب الرب عليهم والأمر بهم إلى النار فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة بل مقام براءة منهم فلو قال : فإنك أنت الغفور الرحيم لأشعر باستعطافه ربه على أعدائه الذين قد اشتد غضبه عليهم فالمقام مقام موافقة للرب في غضبه على من غضب الرب عليهم فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة المتضمنتين لكمال القدرة وكمال العلم

Section V02/P378–V02/P380

والمعنى : إن غفرت لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم ليست عن عجز عن الانتقام منهم ولا عن خفاء عليك بمقدار جرائمهم وهذا لأن العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه ولجهله بمقدار إساءته إليه والكمال : هو مغفرة القادر العالم وهو العزيز الحكيم وكان ذكر هاتين الصفتين في هذا المقام عين الأدب في الخطاب وفي بعض الآثار : حملة العرش أربعة : اثنان يقولان : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان يقولان : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ولهذا يقترن كل من هاتين الصفتين بالأخرى كقوله : والله عليم حليم وقوله : وكان الله عفوا قديرا وكذلك قول إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين [ الشعراء : 7880 ] ولم يقل وإذا أمرضني حفظا للأدب مع الله وكذلك قول الخضر عليه السلام في السفينة : فأردت أن أعيبها [ الكهف : 79 ] ولم يقل فأراد ربك أن أعيبها وقال في الغلامين : فأراد ربك أن يبلغا أشدهما [ الكهف : 82 ] وكذلك قول مؤمني الجن : وأنا لا ندري : أشر أريد بمن في الأرض [ الجن : 10 ] ولم يقولوا : أراده ربهم ثم قالوا : أم أراد بهم ربهم رشدا وألطف من هذا قول موسى عليه السلام : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير [ القصص : 24 ] ولم يقل أطعمني وقول آدم عليه السلام : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [ الأعراف : 23 ] ولم يقل : رب قدرت علي وقضيت علي وقول أيوب عليه السلام : مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [ الأنبياء : 83 ] ولم يقل فعافني واشفني وقول يوسف لأبيه وإخوته : هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذا أخرجني من السجن [ يوسف : 100 ] ولم يقل : أخرجني من الجب حفظا للأدب مع إخوته وتفتيا عليهم : أن لا يخجلهم بما جرى في الجب وقال : وجاء بكم من البدو ولم يقل : رفع عنكم جهد الجوع والحاجة أدبا معهم وأضاف ما جرى إلى السبب ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه فقال : من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخوتي فأعطى الفتوة والكرم والأدب حقه ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ومن هذا أمر النبي الرجل : أن يستر عورته وإن كان خاليا لا يراه أحد أدبا مع الله على حسب القرب منه وتعظيمه وإجلاله وشدة الحياء منه ومعرفة وقاره وقال بعضهم : الزم الأدب ظاهرا وباطنا فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهرا وما أساء أحد الأدب باطنا إلا عوقب باطنا وقال عبدالله بن المبارك رحمه الله : من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة وقيل : الأدب في العمل علامة قبول العمل وحقيقة الأدب استعمال الخلق الجميل ولهذا كان الأدب : استخراج ما في الطبيعة من الكمال من القوة إلى الفعل

Section V02/P380–V02/P382

فإن لله سبحانه هيأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهلية والاستعداد التي جعلها فيه كامنة كالنار في الزناد فألهمه ومكنه وعرفه وأرشده وأرسل إليه رسله وأنزل إليه كتبه لاستخراج تلك القوة التي أهله بها لكماله إلى الفعلقال الله تعالى : ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها [ الشمس : 710 ] فعبر عن خلق النفس بالتسوية والدالة على الاعتدال والتمام ثم أخبر عن قبولها للفجور والتقوى وأن ذلك نالها منه امتحانا واختبارا ثم خص بالفلاح من زكاها فنماها وعلاها ورفعها بآدابه التي أدب بها رسله وأنبياءه وأولياءه وهي التقوى ثم حكم بالشقاء على من دساها فأخفاها وحقرها وصغرها وقمعها بالفجور والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وجرت عادة القوم : أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيه حين أراه ما أراه : ما زاغ البصر وما طغى [ النجم : 17 ] وأبو القاسم القشيري صدر باب الأدب بهذه الآية وكذلك غيره وكأنهم نظروا إلى قول من قال من أهل التفسير : إن هذا وصف لأدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا ولا تجاوز ما رآه وهذا كمال الأدب والإخلال به : أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله أو يتطلع أمام المنظور فالالتفات زيغ والتطلع إلى ما أمام المنظور : طغيان ومجاوزة فكمال إقبال الناظر على المنظور : أن لا يصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة ولا يتجاوزه هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وفي هذه الآية أسرار عجيبة وهي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر : تواطأ هناك بصره وبصيرته وتوافقا وتصادقا فيما شاهده بصره فالبصيرة مواطئة له وما شاهدته بصيرته فهو أيضا حق مشهود بالبصر فتواطأ في حقة مشهد البصر والبصيرة ولهذا قال سبحانه وتعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى [ النجم : 1112 ] أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره ولهذا قرأها أبو جعفر ما كذب الفؤاد ما رأى بتشديد الذال أي لم يكذب الفؤاد البصر بل صدقه وواطأه لصحة الفؤاد والبصر أو استقامة البصيرة والبصر وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقا وقرأ الجمهور ما كذب الفؤاد بالتخفيف وهو متعد و ما رأى مفعوله : أي ما كذب قلبه ما رأته عيناه بل واطأه ووافقه فلمواطأة قلبه لقالبه وظاهره لباطنه وبصره لبصيرته : لم يكذب الفؤاد البصر ولم يتجاوز البصر حده فيطغى ولم يمل عن المرئي فيزيغ بل اعتدل البصر نحو المرئي ما جاوزه ولا مال عنه كما اعتدل القلب في الإقبال على الله والإعراض عما سواه فإنه أقبل على الله بكليته وللقلب زيغ وطغيان كما للبصر زيغ وطغيان وكلاهما منتف عن قلبه وبصره فلم يزغ قلبه التفاتا عن الله إلى غيره ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه

Section V02/P382–V02/P384

وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام عال رفيع : أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه ألا ترى إلى موسى لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة : طلبت نفسه الرؤية ونبينا لما أقيم في ذلك المقام وفاه حقه : فلم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه ألبتة ولأجل هذا ما عاقه عائق ولا وقف به مراد حتى جاوز السموات السبع حتى عاتب موسى ربه فيه وقال : يقول بنو إسرائيل : إني كريم الخلق على الله وهذا قد جاوزني وخلفني علوا فلو أنه وحده ولكن معه كل أمته وفي رواية للبخاري : فلما جاوزته بكى قيل : ما يبكيك قال : أبكي أن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ثم جاوزه علوا فلم تعقه إرادة ولم تقف به دون كمال العبودية همة ولهذا كان مركوبه في مسراه يسبق خطوه الطرف فيضع قدمه عند منتهى طرفه مشاكلا لحال راكبه وبعد شأوه الذي سبق به العالم أجمع في سيره فكان قدم البراق لا يختلف عن موضع نظره كما كان قدمه لا يتأخر عن محل معرفته فلم يزل في خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه وتكميل مراتب عبوديته له حتى خرق حجب السموات وجاوز السبع الطباق وجاور سدرة المنتهى ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين فانصبت إليه هناك أقسام القرب انصبابا وانقشعت عنه سحائب الحجب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا وأقيم مقاما غبطه به الأنبياء والمرسلون فإذا كان في المعاد أقيم مقاما من القرب ثانيا يغبطه به الأولون والآخرون واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله ما زاغ البصر عنه وما طغى فأقامه في هذا العالم على أقوم صراط من الحق والهدى وأقسم بكلامه على ذلك في الذكر الحكيم فقال تعالى : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم [ يس : 14 ] فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط يسأله السلامة لأتباعه وأهل سنته حتى يجوزونه إلى جنات النعيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل و الأدب هو الدين كله فإن ستر العورة من الأدب والوضوء وغسل الجنابة من الأدب والتطهر من الخبث من الأدب حتى يقف بين يدي الله طاهرا ولهذا كانوا يستحبون أن يتجمل الرجل في صلاته للوقوف بين يدي ربه وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : أمر الله بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة وهو أخذ الزينة فقال تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد [ الأعراف : 31 ] فعلق الأمر بأخذ الزينة لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له : أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة وكان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال وكان يلبسها وقت الصلاة ويقول : ربي أحق من تجملت له في صلاتي ومعلوم : أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده لا سيما إذا وقف بين يديه فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرا وباطنا ومن الأدب : نهى النبي المصلي : أن يرفع بصره إلى السماء فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : هذا من كمال أدب الصلاة : أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقا خافضا طرفه إلى الأرض ولا يرفع بصره إلى فوق قال : والجهمية لما لم يفقهوا هذا الأدب ولا عرفوه ظنوا أن هذا دليل أن الله ليس فوق سمواته على عرشه كما أخبر به عن نفسه واتفقت عليه رسله وجميع أهل السنة

Section V02/P384–V02/P387

قال : وهذا من جهلهم بل هذا دليل لمن عقل عن الرسول على نقيض قولهم إذ من الأدب مع الملوك : أن الواقف بين أيديهم يطرق إلى الأرض ولا يرفع بصره إليهم فما الظن بملك الملوك سبحانه وسمعته يقول في نهيه عن قراءة القرآن في الركوع والسجود : إن القرآن هو أشرف الكلام وهو كلام الله وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد فمن الأدب مع كلام الله : أن لا يقرأ في هاتين الحالتين ويكون حال القيام والانتصاب أولى به ومن الأدب مع الله : أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء الحاجة كما ثبت عن النبي في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم والصحيح : أن هذا الأدب : يعم الفضاء والبنيان كما ذكرنا في غير هذا الموضع ومن الأدب مع الله في الوقوف بين يديه في الصلاة : وضع اليمنى على اليسرى حال قيام القراءة ففي الموطأ لمالك عن سهل بن سعد : أنه من السنة و : كان الناس يؤمرون به ولا ريب أنه من أدب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء فعظيم العظماء أحق به ومنها : السكون في الصلاة وهو الدوام الذي قال الله تعالى فيه : الذين هم على صلاتهم دائمون [ المعارج : 23 ] قال عبدالله بن المبارك عن ابن لهيعة : حدثني يزيد بن أبي حبيب : أن أبا الخير أخبره قال : سألنا عقبة بن عامر عن قوله تعالى : الذين هم على صلاتهم دائمون أهم الذين يصلون دائما قال : لا ولكنه إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه قلت : هما أمران الدوام عليها والمداومة عليها فهذا الدوام والمداومة في قوله تعالى : والذين هم على صلاتهم يحافظون [ المعارج : 34 ] وفسر الدوام بسكون الأطراف والطمأنينة وأدبه في استماع القراءة : أن يلقي السمع وهو شهيد وأدبه في الركوع : أن يستوي ويعظم الله تعالى حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه ويتضاءل ويتصاغر في نفسه حتى يكون أقل من الهباء والمقصود : أن الأدب مع الله تبارك وتعالى : هو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهرا وباطنا ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء : معرفته بأسمائه وصفاته ومعرفته بدينه وشرعه وما يحب وما يكره ونفس مستعدة قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علما وعملا وحالا والله المستعان فصل وأما الأدب مع الرسول : فالقرآن مملوء به فرأس الأدب معه : كمال التسليم له والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه معقولا أو يحمله شبهة أو شكا أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما وحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما : توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرسول فلا يحاكم إلى غيره ولا يرضى بحكم غيره ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره وإلا فإن طلب السلامة : أعرض عن أمره وخبره وفوضه إليهم وإلا حرفه عن مواضعه وسمى تحريفه : تأويلا وحملا فقال : نؤوله ونحمله فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بهذه الحال ولقد خاطبت يوما بعض أكابر هؤلاء فقلت له : سألتك بالله لو قدر أن الرسول حي بين أظهرنا وقد واجهنا بكلامه وبخطابه : أكان فرضا علينا أن نتبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه أم لا نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم فقال : بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه فقلت : فما الذي نسخ هذا الفرض عنا وبأي شيء نسخ فوضع إصبعه على فيه وبقي باهتا متحيرا وما نطق بكلمة

Section V02/P387–V02/P389

هذا أدب الخواص معه لا مخالفة أمره والشرك به ورفع الأصوات وإزعاج الأعضاء بالصلاة عليه والتسليم وعزل كلامه عن اليقين وأن يستفاد منه معرفة الله أو يتلقى منه أحكامه بل المعول في باب معرفة الله : على العقول المنهوكة المتحيرة المتناقضة وفي الأحكام : على تقليد الرجال وآرائها والقرآن والسنة إنما نقرؤهما تبركا لا أنا نتلقى منهما أصول الدين ولا فروعه ومن طلب ذلك ورامه عاديناه وسعينا في قطع دابره واستئصال شأفته بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون [ المؤمنون : 6374 والناصح لنفسه العامل على نجاتها : يتدبر هذه الآيات حق تدبرها ويتأملها حق تأملها وينزلها على الواقع : فيرى العجب ولا يظنها اختصت بقوم كانوا فبانوا فالحديث لك واسمعي يا جارة والله المستعان ومن الأدب مع الرسول : أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله [ الحجرات : 1 ] وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ينسخ فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم قال مجاهد رحمه الله : لا تفتاتوا على رسول الله وقال أبو عبيدة : تقول العرب : لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب أي لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه وقال غيره : لا تأمروا حتى يأمر ولا تنهوا حتى ينهى ومن الأدب معه : أن لا ترفع الأصوات فوق صوته فإنه سبب لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به أترى ذلك موجبا لقبول الأعمال ورفع الصوت فوق صوته موجبا لحبوطها ومن الأدب معه : أن لا يجعل دعاءه كدعاء غيره قال تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا [ النور : 63 ] وفيه قولان للمفسرين أحدهما : أنكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا بل قولوا : يا رسول الله يا نبي الله فعلى هذا : المصدر مضاف إلى المفعول أي دعاءكم الرسول الثاني : أن المعنى لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضا إن شاء أجاب وإن شاء ترك بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من أجابته ولم يسعكم التخلف عنها ألبتة فعلى هذا : المصدر مضاف إلى الفاعل أي دعاؤه إياكم ومن الأدب معه : أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط لم يذهب أحد منهم مذهبا في حاجته حتى يستأذنه كما قال تعالى : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه [ النور : 62 ] فإذا كان هذا مذهبا مقيدابحاجة عارضة لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين : أصوله وفروعه دقيقه وجلبله هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ النحل : 43 ] [ الأنبياء : 7 ]

Section V02/P389–V02/P392

ومن الأدب معه : أن لا يستشكل قوله بل تستشكل الآراء لقوله ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا نعم هو مجهول وعن الصواب معزول ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد فكل هذا من قلة الأدب معه وهو عين الجرأة فصل وأما الأدب مع الخلق : فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم فلكل مرتبة أدب والمراتب فيها أدب خاص فمع الوالدين : أدب خاص وللأب منهما : أدب هو أخص به ومع العالم : أدب آخر ومع السلطان أدب يليق به وله مع الأقران أدب يليق بهم ومع الأجانب أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه ومع الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته ولكل حال أدب : فللأ كل آداب وللشرب آداب وللركوب والدخول والخروج والسفر والإقامة والنوم آداب وللبول آداب وللكلام آداب وللسكوت والاستماع آداب وأدب المرء : عنوان سعادته وفلاحه وقلة أدبه : عنوان شقاوته وبواره فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب فانظر إلى الأدب مع الوالدين : كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة والإخلال به مع الأم تأويلا وإقبالا على الصلاة كيف امتحن صاحبه بهدم صومعته وضرب الناس له ورميه بالفاحشة وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر : كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان وانظر قلة أدب عوف مع خالد : كيف حرمه السلب بعد أن برد بيديه وانظر أدب الصديق رضي الله عنه مع النبي في الصلاة : أن يتقدم بين يديه فقال : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله كيف أورثه مقامه والإمامة بالأمة بعده فكان ذلك التأخر إلى خلفه وقد أومأ إليه أن : اثبت مكانك جمزا وسعيا إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي والله أعلم فصل قال صاحب المنازل الأدب : حفظ الحد بين الغلو والجفاء بمعرفة ضرر العدوان هذا من أحسن الحدود فإن الانحراف إلى أحد طرفي الغلو والجفاء : هو قلة الأدب والأدب : الوقوف في الوسط بين الطرفين فلا يقصر بحدود الشرع عن تمامها ولا يتجاوز بها ما جعلت حدودا له فكلاهما عدوان والله لا يحب المعتدين والعدوان : هو سوء الأدب وقال بعض السلف : دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه فإضاعة الأدب بالجفاء : كمن لم يكمل أعضاء الوضوء ولم يوف الصلاة آدابها التي سنها رسول الله وفعلها وهي قريب من مائة أدب : ما بين واجب ومستحب وإضاعته بالغلو : كالوسوسة في عقد النية ورفع الصوت بها والجهر بالأذكار والدعوات التي شرعت سرا وتطويل ما السنة تخفيفه وحذفه كالتشهد الأول والسلام الذي حذفه سنة وزيادة التطويل على ما فعله رسول الله لا على ما يظنه سراق الصلاة والنقارون لها ويشتهونه فإن النبي لم يكن ليأمر بأمر ويخالفه وقد صانه الله من ذلك وكان يأمرهم بالتخفيف ويؤمهم بالصافات ويأمرهم بالتخفيف وتقام صلاة الظهر فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ويأتي أهله ويتوضأ ويدرك رسول الله في الركعة الأولى فهذا هو التخفيف الذي أمر به لا نقر الصلاة وسرقها فإن ذلك اختصار بل اقتصار على ما يقع عليه الاسم ويسمى به مصليا وهو كأكل المضطر في المخمصة ما يسد به رمقه : فليته شبع على القول الآخر وهو كجائع قدم إليه طعام لذيذ جدا فأكل منه لقمة أو لقمتين فماذا يغنيان عنه ولكن لو أحس بجوعه لما قام من الطعام حتى يشبع منه وهو يقدر على ذلك لكن القلب شبعان من شيء آخر

Section V02/P392–V02/P394

ومثال هذا التوسط في حق الأنبياء عليهم السلام : أن لا يغلو فيهم كما غلت النصارى في المسيح ولا يجفو عنهم كما جفت اليهود فالنصاري عبدوهم واليهود قتلوهم وكذبوهم والأمة الوسط : آمنوا بهم وعزروهم ونصروهم واتبعوا ما جاءوا به ومثال ذلك في حقوق الخلق : أن لا يفرط في القيام بحقوقهم ولا يستغرق فيها بحيث يشتغل بها عن حقوق الله أو عن تكميلها أو عن مصلحة دينه وقلبه وأن لا يجفو عنها حتى يعطلها بالكلية فإن الطرفين من العدوان الضار وعلى هذا الحد فحقيقة الأدب : هي العدل والله أعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : منع الخوف : أن لا يتعدى إلى اليأس وحبس الرجاء : أن يخرج إلى الأمن وضبط السرور : أن يضاهىء الجرأة يريد : أنه لا يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط واليأس من رحمة الله فإن هذا الخوف مذموم وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : حد الخوف ما حجزك عن معاصي الله فما زاد على ذلك : فهو غير محتاج إليه وهذا الخوف الموقع في الإياس : إساءة أدب على رحمة الله تعالى التي سبقت غضبه وجهل بها وأما حبس الرجاء : أن يخرج إلى الأمن فهو أن لا يبلغ به الرجاء إلى حد يأمن معه العقوبة فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وهذا إغراق في الطرف الآخر بل حد الرجاء : ما طيب لك العبادة وحملك على السير فهو بمنزلة الرياح التي تسير السفينة فإذا انقطعت وقفت السفينة وإذا زادت ألقتها إلى المهالك وإذا كانت بقدر : أوصلتها إلى البغية وأما ضبط السرور : أن يخرج إلى مشابهة الجرأة فلا يقدر عليه إلا الأقوياء أرباب العزائم الذين لا تستفزهم السراء فتغلب شكرهم ولا تضعفهم الضراء فتغلب صبرهم كما قيل : لا تغلب السراء منهم شكرهم كلا ولا الضراء صبر الصابر والنفس قرينة الشيطان ومصاحبته وتشبهه في صفاته ومواهب الرب تبارك وتعالى تنزل على القلب والروح فالنفس تسترق السمع فإذا نزلت على القلب تلك المواهب : وثبت لتأخذ قسطها منها وتصيره من عدتها وحواصلها فالمسترسل معها الجاهل بها : يدعها تستوفي ذلك فبينا هو في موهبة القلب والروح وعدة وقوة له إذ صار ذلك كله من حاصل النفس وآلتها وعددها فصالت به وطغت لأنها رأت غناها به والإنسان يطغى أن رآه استغنى بالمال فكيف بما هو أعظم خطرا وأجل قدرا من المال بما لا نسبة بينهما : من علم أو حال أو معرفة أو كشف فإذا صار ذلك من حاصلها : انحرف العبد به ولابد إلى طرف مذموم من جرأة أو شطح أو إدلال ونحو ذلك فوالله كم ههنا من قتيل وسليب وجريح يقول : من أين أتيت ومن أين دهيت ومن أين أصبت وأقل ما يعاقب به من الحرمان بذلك : أن يغلق عنه باب المزيد ولهذا كان العارفون وأرباب البصائر : إذا نالوا شيئا من ذلك انحرفوا إلى طرف الذل والانكسار ومطالعة عيوب النفس واستدعوا حارس الخوف وحافظوا على الرباط بملازمة الثغر بين القلب وبين النفس ونظروا إلى أقرب الخلق من الله وأكرمهم عليه وأدناهم منه وسيلة وأعظمهم عنده جاها وقد دخل مكة يوم الفتح وذقنه تمس قربوس سرجه : انخفاضا وانكسارا وتواضعا لربه تعالى في مثل تلك الحال التي عادة النفوس البشرية فيها : أن يملكها سرورها وفرحها بالنصر والظفر والتأييد ويرفعها إلى عنان السماء فالرجل : من صان فتحه ونصيبه من الله وواره عن استراق نفسه وبخل عليها به والعاجز : من جاد لها به فيا له من جود ما أقبحه وسماحة ما أسفه صاحبها والله المستعان فصل قال : الدرجة الثانية : الخروج عن الخوف إلى ميدان القبض والصعود من الرجاء إلى ميدان البسط ثم الترقي من السرور إلى ميدان المشاهدة ذكر في الدرجة الأولى : كيف يحفظ الحد بين المقامات حتى لا يتعدى إلى غلو أو جفاء وذلك سوء أدب

Section V02/P394–V02/P397

فذكر مع الخوف : أن يخرجه إلى اليأس ومع الرجاء : أن يخرجه إلى الأمن ومع السرور : أن يخرجه إلى الجرأة ثم ذكر في هذه الدرجة : أدب الترقي من هذه الثلاثة إلى ما يحفظه عليها ولا يضيعها بالكلية كما أن في الدرجة الأولى : لا يبالغ به بل يكون خروجه من الخوف إلى القبض يعني لا يزايل الخوف بالكلية فإن قبضه لا يؤيسه ولا يقنطه ولا يحمله على مخالفة ولا بطالة وكذلك رجاؤه لا يقعد به عن ميدان البسط بل يكون بين القبض والبسط وهذه حال الكمل وهي السير بين القبض والبسط وسروره : لا يقعد به عن ترقيه إلى ميدان مشاهدته بل يرقى بسروره إلى المشاهدة ويرجع من رجائه إلى البسط ومن خوفه إلى القبض ومقصوده : أن ينتقل من أشباح هذه الأحوال إلى أرواحها فإن الخوف شبح والقبض روحه والرجاء شبح والبسط روحه والسرور شبح والمشاهدة روحه فيكون حظه من هذه الثلاثة : أرواحها وحقائقها لا صورها ورسومها فصل قال : الدرجة الثالثة : معرفة الأدب ثم الفناء عن التأدب بتأديب الحق ثم الخلاص من شهود أعباء الأدب قوله : معرفة الأدب يعني لابد من الاطلاع على حقيقته في كل درجة وإنما يكون ذلك في الدرجة الثالثة فإنه يشرف منها على الأدب في الدرجتين الأوليين فإذا عرفه وصار له حالا فإنه ينبغي له أن يفنى عنه بأن يغلب عليه شهود من أقامه فيه فينسبه إليه تعالى دون نفسه ويفنى عن رؤية نفسه وقيامها بالأدب بشهود الفضل لمن أقامها فيه ومنته فهذا هو الفناء عن التأدب بتأديب الحق قوله : ثم الخلاص من شهود أعباء الأدب يعني : أنه يفنى عن مشاهدة الأدب بالكلية لاستغراقه في شهود الحقيقة في حضرة الجمع التي غيبته عن الأدب ففناؤه عن الأدب فيها : هو الأدب حقيقة فيستريح حينئذ من كلفة حمل أعباء الأدب وأثقاله لأن استغراقه في شهود الحقيقة لم يبق عليه شيئا من أعباء الأدب والله سبحانه وتعالى أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة اليقين وهو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد وبه تفاضل العارفون وفيه تنافس المتنافسون وإليه شمر العاملون وعمل القوم إنما كان عليه وإشاراتهم كلها إليه وإذا تزوج الصبر باليقين : ولد بينهما حصول الإمامة في الدين قال الله تعالى وبقوله يهتدي المهتدون : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [ السجدة : 24 ] وخص سبحانه أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين فقال وهو أصدق القائلين : وفي الأرض آيات للموقنين [ الذرايات : 20 ] وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين فقال : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون [ البقرة : 45 ] وأخبر عن أهل النار : بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين فقال تعالى : وإذا قيل : إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم : ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [ الجاثية : 32 ] ف اليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال القلوب التي هي من أعمال الجوارح وهو حقيقة الصديقية وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره وروى خالد بن يزيد عن السفيانين عن التيمي عن خيثمة عن عبدالله بن مسعود عن النبي قال : لا ترضين أحدا بسخط الله ولا تحمدن أحدا على فضل الله ولا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله فإن ما رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهية كاره وإن الله بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضى واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط واليقين قرين التوكل ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين

Section V02/P397–V02/P399

والصواب : أن التوكل ثمرته ونتيجته ولهذا حسن اقتران الهدى به قال الله تعالى : فتوكل على الله إنك على الحق المبين [ النمل : 79 ] فالحق : هو اليقين وقالت رسل الله : وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا [ إبراهيم : 12 ] ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وهم وغم فامتلأ محبة لله وخوفا منه ورضي به وشكراله وتوكلاعليه وإنابة إليه فهو مادة جميع المقامات والحامل لها واختلف فيه : هل هو كسبي أو موهبي فقيل : هو العلم المستودع في القلوب يشير إلى أنه غير كسبي وقال سهل : اليقين من زيادة الإيمان ولا ريب أن الإيمان كسبي والتحقيق : أنه كسبي باعتبار أسبابه موهبي باعتبار نفسه وذاته قال سهل : ابتداؤه المكاشفة كما قال بعض السلف : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ثم المعاينة والمشاهدة وقال ابن خفيف : هو تحقق الأسرار بأحكام المغيبات وقال أبو بكر بن طاهر : العلم تعارضه الشكوك واليقين لا شك فيه وعند القوم : اليقين لا يساكن قلبا فيه سكون إلى غير الله وقال ذو النون : اليقين يدعو إلى قصر الأمل وقصر الأمل يدعو إلى الزهد والزهد يورث الحكمة وهي تورث النظر في العواقب قال : وثلاثة من أعلام اليقين : قلة مخالطة الناس في العشرة وترك المدح لهم في العطية والتنزه عن ذمهم عند المنع وثلاثة من أعلامه أيضا : النظر إلى الله في كل شيء والرجوع إليه في كل أمر والاستعانة به في كل حال وقال الجنيد : اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير في القلب وقال ابن عطاء : على قدر قربهم من التقوى أدركوا من اليقين وأصل التقوى مباينة النهي وهو مباينة النفس فعلى قدر مفارقتهم النفس : وصلوا إلى اليقين وقيل : اليقين هو المكاشفة وهو على ثلاثة أوجه : مكاشفة في الأخبار ومكاشفة بإظهار القدرة ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان ومراد القوم بالمكاشفة : ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين فلا يبقى معه شك ولا ريب أصلا وهذا نهاية الإيمان وهو مقام الإحسان وقد يريدون بها أمرا آخر وهو ما يراه أحدهم في برزخ بين النوم واليقظة عند أوائل تجرد الروح عن البدن ومن أشار منهم إلى غير هذين : فقد غلط ولبس عليه وقال السري : اليقين سكونك عند جولان الموارد في صدرك لتيقنك أن حركتك فيها لا تنفعك ولا ترد عنك مقضيا وقال أبو بكر الوراق : اليقين ملاك القلب وبه كمال الإيمان وباليقين عرف الله وبالعقل عقل عن الله وقال الجنيد : قد مشى رجال باليقين على الماء ومات بالعطش من هو أفضل منهم يقينا وقد اختلف في تفضيل اليقين على الحضور والحضور على اليقين فقيل : الحضور أفضل لأنه وطنات واليقين خطرات وبعضهم رجح اليقين وقال : هو غاية الإيمان والأول : رأى أن اليقين ابتداء الحضور فكأنه جعل اليقين ابتداء والحضور دواما وهذا الخلاف لا يتبين فإن اليقين لا ينفك عن الحضور ولا الحضور عن اليقين بل في اليقين من زيادة الإيمان ومعرفة تفاصيله وشعبه وتنزيلها منازلها : ما ليس في الحضور فهو أكمل منه من هذا الوجه وفي الحضور من الجمعية وعدم التفرقة والدخول في الفناء : ما قد ينفك عنه اليقين فاليقين أخص بالمعرفة والحضور أخص بالإرادة والله أعلم

Section V02/P399–V02/P401

وقال النهرجوري : إذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة والرخاء عنده مصيبة وقال أبو بكر الوراق : اليقين على ثلاثة أوجه : يقين خبر ويقين دلالة ويقين مشاهدة يريد بيقين الخبر : سكون القلب إلى خبر المخبر ووتوثقة به وبيقين الدلالة : ما هو فوقه : وهو أن يقيم له مع وثوقه بصدقه الأدلة الدالة على ما أخبر به وهذا كعامة أخبار الإيمان والتوحيد والقرآن فإنه سبحانه مع كونه أصدق الصادقين يقيم لعباده الأدلة والأمثال والبراهين على صدق أخباره فيحصل لهم اليقين من الوجهين : من جهة الخبر ومن جهة الدليل فيرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة وهي يقين المكاشفة بحيث يصبر المخبر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب : كنسبة المرئي إلى العين وهذا أعلى أنواع المكاشفة وهي التي أشار إليها عامر بن عبد قيس في قوله : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا وليس هذا من كلام رسول الله ولا من قول علي كما يظنه من لا علم له بالمنقولات وقال بعضهم : رأيت الجنة والنار حقيقة قيل له : وكيف قال : رأيتهما بعيني رسول الله ورؤيتي لهما بعينيه : آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني فإن بصري قد يطغى ويزيغ بخلاف بصره و اليقين يحمله على الأهوال وركوب الأخطار وهو يأمر بالتقدم دائما فإن لم يقارنه العلم : حمل على المعاطب و العلم يأمر بالتأخر والإحجام فإن لم يصحبه اليقين قعد بصاحبه عن المكاسب والغنائم والله أعلم فصل قال صاحب المنازل رحمه الله اليقين : مركب الآخذ في هذا الطريق وهو غاية درجات العامة وقيل : أول خطوة للخاصة لما كان اليقين هو الذي يحمل السائر إلى الله كما قال أبو سعيد الخراز : العلم ما استعملك واليقين ما حملك سماه مركبا يركبه السائر إلى الله فإنه لولا اليقين ما سار ركب إلى الله ولا ثبت لأحد قدم في السلوك إلا به وإنما جعله آخر درجات العامة : لأنهم إليه ينتهون ثم حكى قول من قال : إنه أول خطوة للخاصة يعني : أنه ليس بمقام لهم وإنما هو مبدأ لسلوكهم فمنه يبتدئون سلوكهم وسيرهم وهذا لأن الخاصة عنده سائرون إلى عين الجمع والفناء في شهود الحقيقة لا تقف بهم دونها همة ولا يعرجون دونها على رسم فكل ما دونها فهو عندهم من مشاهد العامة ومنازلهم ومقاماتهم حتى المحبة وحسبك بجعل اليقين نهاية للعامة وبداية لهم قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : علم اليقين وهو قبول ما ظهر من الحق وقبول ما غاب للحق والوقوف على ما قام بالحق ذكر الشيخ رحمه الله في هذه الدرجة ثلاثة أشياء هي متعلق اليقين وأركانه الأولى : قبول ما ظهر من الحق تعالى والذي ظهر منه سبحانه : أوامره ونواهيه وشرعه ودينه الذي ظهر لنا منه على ألسنة رسله فنتلقاه بالقبول والانقياد والاذعان والتسليم للربوبية والدخول تحت رقع العبودية الثاني : قبول ما غاب للحق وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحق سبحانه على لسان رسله من أمور المعاد وتفصيله والجنة والنار وما قبل ذلك : من الصراط والميزان والحساب وما قبل ذلك : من تشقق السماء وانفطارها وانتثار الكواكب ونسف الجبال وطي العالم وما قبل ذلك : من أمور البرزخ ونعيمه وعذابه فقبول هذا كله إيمانا وتصديقا وإيقانا هو اليقين بحيث لا يخالج القلب فيه شبهة ولا شك ولا تناس ولا غفلة عنه فإنه إن لم يهلك يقينه أفسده وأضعفه الثالث : الوقوف عل ما قام بالحق سبحانه من أسمائه وصفاته وأفعاله وهو علم التوحيد الذي أساسه : إثبات الأسماء والصفات وضده : التعطيل والنفي والتجهم فهذا التوحيد يقابله التعطيل

Section V02/P401–V02/P404

وأما التوحيد القصدي الإرادي الذي هو إخلاص العمل لله وعبادته وحده : فيقابله الشرك والتعطيل شر من الشرك فإن المعطل جاحد للذات أو لكمالها وهو جحد لحقيقة الإلهية فإن ذاتا لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ولا ترضى ولا تغضب ولا تفعل شيئا وليست داخل العالم ولا خارجه ولا متصلة بالعالم ولا منفصلة ولا مجانية له ولا مباينة له ولا مجاورة ولا مجاوزة ولا فوق العرش ولا تحت العرش ولا خلفه ولا أمامه ولا عن يمينه ولا عن يساره : سواء هي والعدم والمشرك مقر بالله وصفاته لكن عبد معه غيره فهو خير من المعطل للذات والصفات فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحق من أسمائه وصفاته ونعوت كماله وتوحيده وهذه الثلاثة أشرف علوم الخلائق : علم الأمر والنهي وعلم الأسماء والصفات والتوحيد وعلم المعاد واليوم الآخر والله أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : عين اليقين وهو المغني بالاستدلال عن الاستدلال وعن الخبر بالعيان وخرق الشهود حجاب العلم الفرق بين علم اليقين وعين اليقين : كالفرق بين الخبر الصادق والعيان وحق اليقين : فوق هذا وقد مثلت المراتب الثلاثة بمن أخبرك : أن عنده عسلا وأنت لا تشك في صدقه ثم أراك إياه فازددت يقينا ثم ذقت منه فالأول : علم اليقين والثاني : عين اليقين والثالث : حق اليقين فعلمنا الآن بالجنة والنار : علم يقين فإذا أزلفت الجنة في الموقف للمتقين وشاهدها الخلائق وبرزت الجحيم للغاوين وعاينها الخلائق فذلك : عين اليقين فإذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار : فذلك حينئذ حق اليقين قوله : هو المغني بالاستدلال عن الاستدلال يريد بالاستدلال : الإدراك والشهود يعني صاحبه قد استغنى به عن طلب الدليل فإنه إنما يطلب الدليل ليحصل له العلم بالمدلول فإذا كان المدلول مشاهدا له وقد أدركه بكشفه فأي حاجة به إلى الاستدلال وهذا معنى الاستغناء عن الخبر بالعيان وأما قوله : وخرق الشهود حجاب العلم فيريد به : أن المعارف التي تحصل لصاحب هذه الدرجة : هي من الشهود الخارق لحجاب العلم فإن العلم حجاب عن الشهود ففي هذه الدرجة يرتفع الحجاب ويفضي إلى المعلوم بحيث يكافح بصيرته وقلبه مكافحة فصل قال : الدرجة الثالثة : حق اليقين وهو إسفار صبح الكشف ثم الخلاص من كلفة اليقين ثم الفناء في حق اليقين اعلم أن هذه الدرجة لا تنال في هذا العالم إلا للرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فإن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى بعينه الجنة والنار وموسى عليه السلام سمع كلام الله منه إليه بلا واسطة وكلمه تكليما وتجلى للجبل وموسى ينظر فجعله دكا هشيما نعم يحصل لنا حق اليقين من مرتبة وهي ذوق ما أخبر به الرسول من حقائق الإيمان المتعلقة بالقلوب وأعمالها فإن القلب إذا باشرها وذاقها صارت في حقه حق يقين وأما في أمور الآخرة والمعاد ورؤية الله جهرة عيانا وسماع كلامه حقيقة بلا واسطة فحظ المؤمن منه في هذه الدار : الإيمان وعلم اليقين وحق اليقين : يتأخر إلى وقت اللقاء ولكن لما كان السالك عنده ينتهي إلى الفناء ويتحقق شهود الحقيقة ويصل إلى عين الجمع قال : حق اليقين : هو إسفار صبح الكشف يعنى : تحققه وثبوته وغلبة نوره على ظلمة ليل الحجاب فينتقل من طور العلم إلى الاستغراق في الشهود بالفناء عن الرسم بالكلية وقوله : ثم الخلاص من كلفة اليقين يعني : أن اليقين له حقوق يجب على صاحبه أن يؤديها ويقوم بها ويتحمل كلفها ومشاقها فأذا فني في التوحيد حصل له أمور أخرى رفيعة عالية جدا يصير فيها محمولا بعد أن كان حاملا وطائرا بعذ أن كان سائرا فتزول عنه كلفة حمل تلك الحقوق بل يبقى له كالنفس وكالماء للسمك وهذا أمر التحكم فيه إلى الذوق والإحساس فلا تسرع إلى إنكاره

Section V02/P404–V02/P407

وتأمل حال ذلك الصحابي الذي أخذ تمراته وقعد يأكلها على حاجة وجوع وفاقة إليها فلما عاين سوق الشهادة قد قامت ألقى قوته من يده وقال : إنها لحياة طويلة إن بقيت حتى آكل هذه التمرات وألقاها من يده وقاتل حتى قتل وكذلك أحوال الصحابة رضي الله عنهم كانت مطابقة لما أشار إليه ولكن بقيت نكتة عظيمة وهي موضع السجدة وهي أن فناءهم لم يكن في توحيد الربوبية وشهود الحقيقة التي يشير إليها أرباب الفناء بل في توحيد الإلهية ففنوا بحبه تعالى عن حب ما سواه وبمراده منهم عن مرادهم وحظوظهم فلم يكونوا عاملين على فناء ولا إلا استغراق في الشهود بحيث يفنون به عن مراد محبوبهم منهم بل قد فنوا بمراده عن مرادهم فهم أهل بقاء في فناء وفرق في جمع وكثرة في وحدة وحقيقة كونية في حقيقة دينية هم القوم لا قوم إلا هم ولولاهم ما اهتدينا السبيلا فنسبة أحوال من بعدهم الصحيحة الكاملة إلى أحوالهم : كنسبة ما يرشح من الظرف والقربة إلى ما في داخلها وأما الطريق المنحرفة الفاسدة : فسبيل غير سبيلهم والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الأنس بالله قال صاحب المنارل رحمه الله : وهو روح القرب ولهذا صدر منزلته بقوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان [ البقرة : 186 فاستحضار القلب هذا البر والإحسان واللطف : يوجب قربه من الرب سبحانه وتعالى وقربه منه يوجب له الأنس و الأنس ثمرة الطاعة والمحبة فكل مطيع مستأنس وكل عاص مستوحش كما قيل : فإن كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبة قال صاحب المنازل رحمه الله وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الأنس بالشواهد وهو استحلاء الذكر والتغذى بالسماع والوقوف على الإشارات هذه اللفطه يجرونها في كلامهم أعني لفظة الشواهد ومرادهم بها : أمران أحدهما : شواهد الحقيقة وهي ما يقوم بقلب العبد حتى كأنه يشاهده ويبصره لغلبته عليه فكل ما يستولي على قلب صاحبه ذكره فإنه شاهده فمنهم من يكون شاهده العمل ومنهم من يكون شاهده الذكر ومنهم من يكون شاهده المحبة ومنهم من يكون شاهده الخوف فالمريد : يأنس بشاهده ويستوحش لفقده والثاني : شاهد الحال وهو الأثر الذي يقوم به ويظهر عليه من عمله وسلوكه وحاله فإن شاهده لابد أن يظهر عليه ومراد صاحب المنازل : الشاهد الأول الذي يأنس به المريد وهو الحامل له على استحلاء الذكر طلبا لظفره بحصول المذكور فهو يستأنس بالذكر طلبا لاستئناسه بالمذكور ويتغذى بالسماع كما يتغذى الجسم بالطعام والشراب فإن كان محبا صادقا طالبا لله عاملا على مرضاته : كان غذاؤه بالسماع القرآني الذي كان غذاء سادات العارفين من هذه الأمة وأبرها قلوبا وأصحها أحوالا وهم الصحابة رضي الله عنهم وإن كان منحرفا فاسد الحال ملبوسا عليه مغرورا مخدوعا : كان غذاؤه بالسماع الشيطاني الذي هو قرآن الشيطان المشتمل على محاب النفوس ولذاتها وحظوظها وأصحابه : أبعد الخلق من الله وأغلظهم عنه حجابا وإن كثرت إشاراتهم إليه وهذا السماع القرآني سماع أهل المعرفة بالله والاستقامة على صراطه المستقيم ويحصل للأذهان الصافية منه معان وإشارات ومعارف وعلوم تتغذى بها القلوب المشرقة بنور الأنس فتجد بها ولها لذة روحانية يصل نعيمها إلى القلوب ولأرواح وربما فاض حتى وصل إلى الأجسام فيجد من اللذة مالم يعهد مثله من اللذات الحسية وللتغذي بالسماع سر لطيف نذكره للطف موضعه وهو الذي أوقع كثيرا من السالكين في إيثار سماع الأبيات لما رأى فيه من غذاء القلب وقوته نعيمه فلو جئته بألف آية وألف خبر لما أعطاك شطرا من إصغائه وكان ذلك عنده أعظم من الظواهر التي يعارض بها الفلاسفة وأرباب الكلام

Section V02/P407–V02/P409

اعلم أن الله عز وجل جعل للقلوب نوعين من الغذاء : نوعا من الطعام والشراب الحسي وللقلب منه خلاصته وصفوه ولكل عضو منه بحسب استعداده وقبوله والثاني : غذاء روحاني معنوي خارج عن الطعام والشراب : من السرور والفرح والابتهاج واللذة والعلوم والمعارف وبهذا الغذاء كان سماويا علويا وبالغذاء المشترك كان أرضيا سفليا وقوامه بهذين الغذاءين وله ارتباط بكل واحدة من الحواس الخمس وغذاء يصل إليه منها فله ارتباط بحاسة اللمس ويصل إليه منها غذاء وكذلك حاسة الشم وكذلك حاسة الذوق وكذلك ارتباط بحاستي السمع والبصر : أشد من ارتباطه بغيرهما ووصول الغذاء منهما إليه أكمل وأقوى من سائر الحواس وانفعاله عنهما أشد من انفعاله عن غيرهما ولهذا تجد في القرآن اقترانه بهما أكثر من اقترانه بغيرهما بل لا يكاد يقرن إلا بهما أو بأحدهما قال الله تعالى : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون [ النحل : 78 ] وقال تعالى : ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [ الأحقاف : 26 ] وقال تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون [ الأعراف : 179 ] وقال تعالى في صفة الكفار : صم بكم عمي فهم لا يعقلون [ البقرة : 171 ] وقال تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [ الحج : 46 ] وهذا كثير جدا في القرآن لأن تأثره بما يراه ويسمعه : أعظم من تأثره بما يلمسه ويذوقه ويشمه ولأن هذه الثلاثة : هي طرق العلم وهي : السمع والبصر والعقل وتعلق القلب بالسمع وارتباطه به : أشد من تعلقه بالبصر وارتباطه به ولهذا يتأثر بما يسمعه من الملذوذات أعظم مما يتأثر بما يراه من المستحسنات وكذلك في المكروهات سماعا ورؤية ولهذا كان الصحيح من القولين : أن حاسة السمع أفضل من حاسة البصر لشدة تعلقها بالقلب وعظم حاجته إليها وتوقف كماله عليها ووصول العلوم إليه بها وتوقف الهدى على سلامتها ورجحت طائفة حاسة البصر لكمال مدركها وامتناع الكذب فيه وزوال الريب والشك به ولأنه عين اليقين وغاية مدرك حاسة السمع علم اليقين وعين اليقين أفضل وأكمل من علم اليقين ولأن متعلقها رؤية وجه الرب عز وجل في دار النعيم ولا شيء أعلى وأجل من هذا التعلق وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكما حسنا فقال : المدرك بحاسة السمع أعم وأشمل والمدرك بحاسة البصر : أتم وأكمل فللسمع العموم والشمول والإحاطة بالموجود والمعدوم والحاضر والغائب والحسي والمعنوي وللبصر : التمام والكمال وإذا عرف هذا فهذه الحواس الخمس لها أشباح وأرواح وأرواحها حظ القلب ونصيبه منها

Section V02/P409–V02/P411

فمن الناس : من ليس لقلبه منها نصيب إلا كنصيب الحيوانات البهيمية منها فهو بمنزلتها وبينه وبينها أول درجة الإنسانية ولهذا شبه الله سبحانه أولئك بالأنعام بل جعلهم أضل فقال تعالى : أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا [ الفرقان : 44 ] ولهذا نفى الله عن الكفار السمع والبصر والعقول إما لعدم انتفاعهم بها فنزلت منزلة المعدوم وإما لأن النفي توجه إلى أسماع قلوبهم وأبصارها وإدراكها ولهذا يظهر لهم ذلك عند انكشاف حقائق الأمور كقول أصحاب السعير : لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [ الملك : 10 ] ومنه في أحد التأويلين قوله تعالى وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [ الأعراف : 198 ] فإنهم كانوا ينظرون إلى صورة النبي بالحواس الظاهرة ولا يبصرون صورة نبوته ومعناها بالحاسة الباطنة التي هي بصر القلب والقول الثاني : أن الضمير عائد على الأصنام ثم فيه قولان أحدهما : أنه على التشبيه أي كأنهم ينظرون إليك ولا أبصار لهم يرونك بها والثاني : المراد به المقابلة تقول العرب : داري تنظر دارك أي تقابلها وكذلك السمع ثابت لهم وبه قامت الحجة عليهم ومنتف عنهم وهو سمع القلب فإنهم كانوا يسمعون القرآن من حيث السمع الحسي المشترك كالغنم التي لا تسمع إلا نعيق الراعي بها دعاء ونداء ولم يسمعوه بالروح الحقيقي الذي هو روح حاسة السمع التي هي حظ القلب فلو سمعوه من هذه الجهة : لحصلت لهم الحياة الطيبة التي منشؤها من السماع المتصل أثره بالقلب ولزال عنهم الصمم والبكم ولأنقذوا نفوسهم من السعير بمفارقة من عدم السمع والعقل فحصول السمع الحقيقي : مبدأ لظهور آثار الحياة الطيبة التي هي أكمل أنواع الحياة في هذا العالم فإن بها يحصل غذاء القلب ويعتدل فتتم قوته وحياته وسروره ونعيمه وبهجته وإذا فقد غذاءه الصالح : احتاج إلى أن يعتاض عنه بغذاء قبيح خبيث وإذا فسد غذاؤه وخبث : ونقص من حياته وقوته وسروره ونعيمه بحسب ما فسد من غذائه كالبدن إذا فسد غذاؤه نقص فلما كان تعلق السمع الظاهر الحسي بالقلب أشد والمسافة بينهما أقرب من المسافة بين البصر وبينه ولذلك يؤدي آثار ما يتعلق بالسمع الظاهر إلى القلب أسرع مما يؤدي إليه آثار البصر الظاهر ولهذا ربما غشي على الإنسان إذا سمع كلاما يسره أو يسؤه أو صوتا لذيذا طيبا مطربا مناسبا ولا يكاد يحصل له ذلك من رؤية الأشياء المستحسنة بالبصر الظاهر وقد يكون هذا المسموع شديد التأثير في القلب ولا يشعر به صاحبه لاشتغاله بغيره ولمباينة ظاهره لباطنه ذلك الوقت فإذا حصل له نوع تجرد ورياضة : ظهرت قوة ذلك التأثير والتأثر فكلما تجردت الروح والقلب وانقطعتا عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع أوفى وتأثرهما به أقوى فإن كان المسموع معنى شريفا بصوت لذيذ : حصل للقلب حظه ونصيبه من إدراك المعنى وابتهج به أتم ابتهاج على حسب إدراكه له وللروح حظها ونصيبها من لذة الصوت ونغمته وحسنه فابتهجت به فتضاعف اللذة ويتم الابتهاج ويحصل الارتياح حتى ربما فاض على البدن والجوارح وعلى الجليس وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم ولا يحصل إلا عند سماع كلام الله فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة وباشر القلب روح المعنى وأقبل بكليته على المسموع فألقى السمع وهو شهيد وساعده طيب صوت القارىء : كاد القلب يفارق هذا العالم ويلج عالما آخر ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره ألبتة وذلك رقيقة من حال أهل الجنة في الجنة فيا له من غذاء ما أصلحه وما أنفعه وحرام على قلب قد ترب على غذاء السماع الشيطاني : أن يجد شيئا من ذلك في سماع القرآن بل إن حصل له نوع لذة فهو من قبل الصوت المشترك لا من قبل المعنى الخاص وليس في نعيم أهل الجنة أعلى من رؤيتهم وجه الله محبوبهم سبحانه وتعالى عيانا وسماع كلامه منه

Section V02/P411–V02/P414

وذكر عبدالله بن الإمام أحمد في كتاب السنة أثرا لا يحضرني الآن : هل هو موقوف أو مرفوع : إذا سمع الناس القرآن يوم القيامة من الرحمن عز وجل فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك وإذا امتلأ القلب بشيء وارتفعت المباينة الشديدة بين الظاهر والباطن : أدت الأذن إلى القلب من المسموع ما يناسبه وإن لم يدل عليه ذلك المسموع ولا قصده المتكلم ولا يختص ذلك بالكلام الدال على معنى بل قد يقع في الأصوات المجردة قال القشيري : سمعت أبا عبدالله السلمي يقول : دخلت على أبي عثمان المغربي ورجل يستقي الماء من البئر على بكرة فقال : يا أبا عبدالرحمن أتدري إيش تقول هذه البكرة فقلت : لا فقال تقول : الله الله ومثل ذلك كثير كما سمع أبو سليمان الدمشقي من المنادي : يا سعتر بري : اسع تر بري وهذا السماع الروحاني تبع لحقيقة القلب ومادته منه فالاتحاد به يظن به السامع : أنه أدرك ذلك المعنى لا محالة من الصوت الخارجي وسبب ذلك اتحاد السمع بالقلب وأكمل السماع : سماع من يسمع بالله ما هو مسموع من الله وهو كلامه وهو سماع المحبين المحبوبين كما في الحديث الذي في صحيح البخاري عن رسول الله فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال : ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي والقلب يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة فإذا امتلأ من محبة الله وسمع كلام محبوبه أي بمصاحبته وحضوره في قلبه فله من سماعه هذا شأن ولغيره شأن آخر والله أعلم فصل والثاني على ثلاثة أقسام : أحدها : من اتصف قلبه بصفات نفسه بحيث صار قلبه نفسا محضة فغلبت عليه آفات الشهوات ودعوات الهوى فهذا حظه من السماع : كحظ البهائم لا يسمع إلا دعاء ونداء والفرق الذي بينها وبينه : غير طائل القسم الثاني : من اتصفت نفسه بصفات قلبه فصارت نفسه قلبا محضا فغلبت عليه المعرفة والمحبة والعقل واللب وعشق صفات الكمال فاستنارت نفسه بنور القلب واطمأنت إلى ربها وقرت عينها بعبوديته وصار نعيمها في حبه وقربه فهذا حظه من السماع مثل أو قريب من حظ الملائكة وسماعه غذاء قلبه وروحه وقرة عينه ونعيمه من الدنيا ورياضه التي يسرح فيها وحياته التي بها قوامه وإلى هذا المعنى قصد أرباب سماع القصائد والأبيات ولكن أخطأوا الطريق وأخذوا عن الدرب شمالا ووراء القسم الثالث : من له منزلة بين منزلتين وقلبه باق على فطرته الأولى ولكن ما تصرف في نفسه تصرفا أحالها إليه وأزال به رسومها وجلا عنه ظلمتها ولا قويت النفس على القلب بإحالته إليها وتصرفت فيه تصرفا أزالت عنه نوره وصحته وفطرته فبين القلب والنفس منازلات ووقائع والحرب بينهما دول وسجال تدال النفس عليه تارة ويدال عليها تارة فهذا حظه من السماع : حظ بين الحظين ونصيبه منه بين النصيبين فإن صادفه وقت دولة القلب : كان حظه منه قويا وإن صادفه وقت دولة النفس : كان ضعيفا ومن ههنا يقع التفاوت من الناس في الفقه عن الله والفهم عنه والابتهاج والنعيم بسماع كلامه وصاحب هذه الحال في حال سماعه يشتغل القلب بالحرب بينه وبين النفس فيفوته من روح المسموع ونعيمه ولذته بحسب اشتغاله عنه بالمحاربة ولا سبيل له إلى حصول ذلك بتمامه حتى تضع الحرب أوزارها وربما صادفه في حال السماع وارد حق أو الظفر بمعنى بديع لا يقدر فكره على صيده كل وقت فيغيب به ويستغرق فيه عما يأتي بعده فيعجز عن صيد تلك المعانيويدهشه ازدحامها فيبقى قلبه باهتا كما يحكى أن بعض العرب : أرسل صائدا له على صيد فخرج الصيد عليه من أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله فوقف باهتا ينظر يمينا وشمالا ولم يصطد شيئا فقال