Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

Section V01/P101–V01/P102

172 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا وقال 7 206 إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون وهذا يبين أن الوقف التام في قوله في سورة الأنبياء 21 19 وله من في السموات والأرض ههنا ثم يبتدىء ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون فهما جملتان تامتان مستقلتان أي إن له من في السموات ومن في الأرض عبيدا وملكا ثم استأنف جملة أخرى فقال ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته يعني أن الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته يعني لا يأنفون عنها ولا يتعاظمون ولا يستحسرون فيعيون وينقطعون يقال حسر واستحسر أيإذا تعب وأعيا بل عبادتهم وتسبيحهم كالنفس لبني آدم فالأول وصف لعبيد ربوبيته والثاني وصف لعبيد إلهيته وقال تعالى 25 63 77 وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا إلى آخر السورة وقال 76 6 عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا وقال 38 17 واذكروا عبدنا داود وقال 38 41 واذكر عبدنا أيوب وقال 38 45 واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب وقال عن سليمان 38 30 نعم العبد إنه أواب وقال عن المسيح 43 59 إن هو إلا عبد أنعمنا عليه فجعل غايته العبودية لا الإلهية كما يقول أعداؤه النصارى ووصف أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته فقال تعالى 2 25 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا وقال تبارك وتعالى تبارك الذي نزل الفرقان على عبده وقال الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه وفي مقام التحدي بأن ياتوا بمثله وقال وأنه لما قام عبدالله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه وقال سبحان الذي أسرى بعبده ليلا فذكره بالعبودية في مقام الإسراء وفي الصحيح عنه أنه قال لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله / ح / وفي الحديث أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد / ح / وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو قال قرأت في التوراة صفة محمد محمد رسول الله عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر / ح / وجعل الله سبحانه البشارة المطلقة لعباده فقال تعالى فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وجعل الأمن المطلق لهم فقال تعالى يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة وجعل سلطانه على من تولاه وأشرك به فقال إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وقال إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وجعل النبي إحسان العبودية أعلى مراتب الدين وهو الإحسان فقال في حديث جبريل وقد سأله عن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك / ح / فصل في لزوم إياك نعبد لكل عبد إلى الموت قال الله تعالى

Section V01/P102–V01/P105

لرسوله واعبد ربك حتى يأتيك اليقين وقال أهل النار وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين واليقين ههنا هو الموت بإجماع أهل التفسير وفي الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه أن النبي قال أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه أي الموت وما فيه فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لما يسأله الملكان من كان يعبد وما يقول في رسول الله ويلتمسان منه الجواب وعليه عبودية أخرى يوم القيامة يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود فيسجد المؤمنون ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون السجود فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحا مقرونا بأنفاسهم لا يجدون له تعبا ولا نصبا ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله وبرسوله وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله والإنسلاخ من دينه بل كلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم والواجب عليه منها أكبر وأكثر من الواجب على من دونه ولهذا كان الواجب على رسول الله بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم والواجب على أولى العزم أعظم من الواجب على من دونهم والواجب على أولى العلم أعظم من الواجب على من دونهم وكل أحد بحسب مرتبته فصل في إنقسام العبودية إلى عامة وخاصة العبودية نوعان عامة وخاصة فالعبودية العامة عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم فهذه عبودية القهر والملك قال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم وقال تعالى ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء فسماهم عباده مع ضلالهم لكن تسمية مقيدة بالإشارة وأما المطلقة فلم تجيء إلا لأهل النوع الثاني كما سيأتي بيانه إن شاء الله وقال تعالى قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون وقال وما الله يريد ظلما للعباد وقال إن الله قد حكم بين العباد فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة وأما النوع الثاني فعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر قال تعالى يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون وقال فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وقال وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقال تعالى عن إبليس لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فقال تعالى عنهم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان فالخلق كلهم عبيد ربوبيته وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته ولا يجىء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه إما منكرا كقوله إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا والثاني معرفا باللام كقوله وما الله يريد ظلما للعباد إن الله قد حكم بين العباد الثالث مقيدا بالإشارة أو نحوها كقوله أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء الرابع أن يذكروا في عموم عباده فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر كقوله أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون الخامس أن يذكروا موصوفين بفعلهم كقوله قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله وقد يقال إنما سماهم عباده إذ لم يقنطوا من رحمته وأنابوا إليه واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة لأن أصل معنى اللفظة الذل والخضوع يقال طريق معبد إذا كان مذللا بوطء الأقدام وفلان عبده الحب إذا ذلله لكن أولياؤه خضعوا له وذلوا طوعا واختيارا وانقيادا لأمره ونهيه وأعداؤه خضعوا له قهرا ورغما

Section V01/P105–V01/P110

ونظير انقسام العبودية إلى خاصة وعامة انقسام القنوت إلى خاص وعام والسجود كذلك قال تعالى في القنوت الخاص أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه وقال في حق مريم وكانت من القانتين وهو كثير في القرآن وقال في القنوت العام وله من في السموات والأرض كل له قانتون أي خاضعون أذلاء وقال في السجود الخاص إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون وقال إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا وهو كثير في القرآن وقال في السجود العام ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ولهذا كان هذا السجود الكره غير السجود المذكور في قوله ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس فخص بالسجود هنا كثيرا من الناس وعمهم بالسجود في سورة النحل ولله يسجد ما في السموات والأرض من دابة والملائكة وهو سجود الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه تعالى فصل في مراتب إياك نعبد علما وعملا للعبودية مراتب بحسب العلم والعمل فأما مراتبها العلمية فمرتبتان إحداهما العلم بالله والثانية العلم بدينه فأما العلم به سبحانه فخمس مراتب العلم بذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه وتنزيهه عما لا يليق به والعلم بدينه مرتبتان إحداهما دينه الأمري الشرعي وهو الصراط المستقيم الموصل إليه والثانية دينه الجزائي المتضمن ثوابه وعقابه وقد دخل في هذا العلم العلم بملائكته وكتبه ورسله وأما مراتبها العلمية فمرتبتان مرتبة لأصحاب اليمين ومرتبة للسابقين المقربين فأما مرتبة أصحاب اليمين فأداء الواجبات وترك المحرمات مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات وترك بعض المستحبات وأما مرتبة المقربين فالقيام بالواجبات والمندوبات وترك المحرمات والمكروهات زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم متورعين عما يخافون ضرره وخاصتهم قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية فليس في حقهم مباح متساوي الطرفين بل كل أعمالهم راجحة ومن دونهم يترك المباحات مشتغلا عنها بالعبادات وهؤلاء يأتونها طاعات وقربات ولأهل هاتين المرتبتين درجات لا يحصيها إلا الله فصل ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب اللسان والجوارح وعلى كل منها عبودية تخصه والأحكام التي للعبودية خمسة واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح فواجب القلب منه متفق على وجوبه ومختلف فيه فالمتفق على وجوبه كالإخلاص والتوكل والمحبة والصبر والإنابة والخوف والرجاء والتصديق الجازم والنية في العبادة وهذه قدر زائد على الإخلاص فإن الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره ونية العبادة لها مرتبتان إحداهما تمييز العبادة عن العادة والثانية تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض والأقسام الثلاثة واجبة وكذلك الصدق والفرق بينه وبين الإخلاص أن للعبد مطلوبا وطلبا فالإخلاص توحيد مطلوبه والصدق توحيد طلبه فالإخلاص أن لا يكون المطلوب منقسما والصدق أن لا يكون الطلب منقسما فالصدق بذل الجهل والإخلاص إفراد المطلوب واتفقت الأمة على وجوب هذه الأعمال على القلب من حيث الجملة وكذلك النصح في العبودية ومدار الدين عليه وهو بذل الجهد في إيقاع العبودية على الوجه المحبوب للرب المرضي له وأصل هذا واجب وكماله مرتبة المقربين وكذلك كل واحد من هذه الواجبات القلبية له طرفان واجب مستحق وهو مرتبة أصحاب اليمين وكمال مستحب وهو مرتبة المقربين وكذلك الصبر واجب بإتفاق الأمة قال الإمام أحمد ذكر الله الصبر في تسعين موضعا من القرآن أو بضعا وتسعين وله طرفان أيضا واجب مستحق وكمال مستحب وأما المختلف فيه فكالرضا فإن في وجوبه قولين للفقهاء والصوفية والقولان لأصحاب أحمد فمن أوجبه قال السخط حرام ولا خلاص عنه إلا بالرضا ومالا خلاص عن الحرام إلا به فهو واجب واحتجوا بأثر من لم يصبر على بلائي ولم يرض بقضائي فليتخذ ربا سواي

Section V01/P110–V01/P112

ومن قال هو مستحب قال لم يجىء الأمر به في القرآن ولا في السنة بخلاف الصبر فإن الله أمر به في مواضع كثيرة من كتابه وكذلك التوكل قال إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وأمر بالإنابة فقال وأنيبوا إلى ربكم وأمر بالإخلاص كقوله وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وكذلك الخوف كقوله فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وقوله فلا تخشوهم واخشون وقوله وإياي فارهبون وكذلك الصدق قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين وكذلك المحبة وهي أفرض الواجبات إذ هي قلب العبادة المأمور بها ومخها وروحها وأما الرضا فإنما جاء في القرآن مدح أهله والثناء عليهم لا الأمر به قالوا وأما الأثر المذكور فإسرائيلي لا يحتج به قالوا وفي الحديث المعروف عن النبي إن استطعت أن تعمل الرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا وهو في بعض السنن قالوا وأما قولكم لا خلاص عن السخط إلا به فليس بلازم فإن مراتب الناس في المقدور ثلاثة الرضا وهو أعلاها والسخط وهو أسفلها والصبر عليه بدون الرضا به وهو أوسطها فالأولى للمقربين السابقين والثالثة للمقتصدين والثانية للظالمين وكثير من الناس يصبر على المقدور فلا يسخط وهو غير راض به فالرضا أمر آخر وقد أشكل على بعض الناس اجتماع الرضا مع التألم وظن أنهما متباينان وليس كما ظنه فالمريض الشارب للدواء الكريه متألم به راض به والصائم في شهر رمضان في شدة الحر متألم بصومه راض به والبخيل متألم بإخراج زكاة ماله راض بها فالتألم كما لا ينافي الصبر لا ينافي الرضا به وهذا الخلاف بينهم إنما هو في الرضا بقضائه الكوني وأما الرضا به ربا وإلها والرضا بأمره الديني فمتفق على فرضيته بل لا يصير العبد مسلما إلا بهذا الرضا أن يرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ومن هذا أيضا اختلافهم في الخشوع في الصلاة وفيه قولان للفقهاء وهما في مذهب أحمد وغيره وعلى القولين اختلافهم في وجوب الإعادة على من غلب عليه الوسواس في صلاته فأوجبها ابن حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه ولم يوجبها أكثر الفقهاء واحتجوا بأن النبي أمر من سها في صلاته بسجدتي السهو ولم يأمره بالإعادة مع قوله إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيقول اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل أن يدري كم صلى / ح / ولكن لا نزاع أن هذه الصلاة لا يثاب على شيء منها إلا بقدر حضور قلبه وخضوعه كما قال النبي إن العبد لينصرف من الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها ثلثها ربعها حتى بلغ عشرها / ح / وقال ابن عباس رضي الله عنهما ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها / ح / فليست صحيحة باعتبار ترتب كمال مقصودها عليها وإن سميت صحيحه باعتبار أنا لا نأمره بالإعادة ولا ينبغي أن يعلق لفظ الصحة عليها فيقال صلاة صحيحة مع أنه لا يثاب عليها فاعلها والقصد أن هذه الأعمال واجبها ومستحبها هي عبودية القلب فمن عطلها فقد عطل عبودية الملك وإن قام بعبودية رعيته من الجوارح والمقصود أن يكون ملك الأعضاء وهو القلب قائما بعبوديته لله سبحانه هو ورعيته وأما المحرمات التي عليه فالكبر والرياء والعجب والحسد والغفلة والنفاق وهي نوعان كفر ومعصية فالكفر كالشك والنفاق والشرك وتوابعها والمعصية نوعان كبائر وصغائر فالكبائر كالرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله والفرح والسرور بأذى المسلمين والشماتة بمصيبتهم ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله وتمنى زوال ذلك عنهم وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريما من الزنا وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها والتوبة منها وإلا فهو قلب فاسد وإذا فسد القلب فسد البدن وهذه الآفات إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب وترك القيام بها

Section V01/P112–V01/P115

فوظيفة إياك نعبد على القلب قبل الجوارح فإذا جهلها وترك القيام بها امتلأ بأضدادها ولا بد وبحسب قيامه بها يتخلص من أضدادها وهذه الأمور ونحوها قد تكون صغائر في حقه وقد تكون كبائر بحسب قوتها وغلظها وخفتها ودقتها ومن الصغائر أيضا شهوة المحرمات وتمنيها وتفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر بحسب تفاوت درجات المشتهي فشهوة الكفر والشرك كفر وشهوة البدعة فسق وشهوة الكبائر معصية فإن تركها لله مع قدرته عليها أثيب وإن تركها عجزا بعد بذله مقدوره في تحصيلها استحق عقوبة الفاعل لتنزيله منزلته في أحكام الثواب والعقاب وإن لم ينزل منزلته في أحكام الشرع ولهذا قال النبي إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا هذا القاتل يا رسول الله فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه فنزله منزلة القاتل لحرصه على قتل صاحبه في الإثم دون الحكم وله نظائر كثيرة في الثواب والعقاب وقد علم بهذا مستحب القلب ومباحه فصل وأما عبوديات اللسان الخمس فواجبها النطق بالشهادتين وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن وهو ما تتوقف صحة صلاته عليه وتلفظه بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها ورسوله كما أمر بالتسبيح في الركوع والسجود وأمر بقول ربنا ولك الحمد بعد الأعتدال وأمر بالتشهد وأمر بالتكبير ومن واجبه رد السلام وفي ابتدائه قولان ومن واجبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وإرشاد الضال وأداء الشهادة المتعينة وصدق الحديث وأما مستحبه فتلاوة القرآن ودوام ذكر الله والمذاكرة في العلم النافع وتوابع ذلك وأما محرمه فهو النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله كالنطق بالبدع المخالفة لما بعث الله به رسوله والدعاء إليها وتحسينها وتقويتها وكالقذف وسب المسلم وأذاه بكل قول والكذب وشهادة الزور والقول على الله بلا علم وهو أشدها تحريما ومكروهة التكلم بما تركه خير من الكلام به مع عدم العقوبة عليه وقد اختلف السلف هل في حقه كلام مباح متساوي الطرفين على قولين ذكرهما ابن المنذر وغيره أحدهما أنه لا يخلو كل ما يتكلم به إما أن يكون له أو عليه وليس في حقه شيء لا له ولا عليه واحتجوا بالحديث المشهور وهو كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من ذكر الله وما والاه واحتجوا بأنه يكتب كلامه كله ولا يكتب إلا الخير والشر وقالت طائفة بل هذا الكلام مباح لا له ولا عليه كما في حركات الجوارح قالوا لأن كثيرا من الكلام لا يتعلق به أمر ولا نهي وهذا شأن المباح والتحقيق أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين بل إما راجحة وإما مرجوحة لأن للسان شأنا ليس لسائر الجوارح وإذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول اتق الله فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا وأكثر ما يكب الناس على مناخرهم في النار حصائد ألسنتهم وكل ما يتلفظ به اللسان فإما أن يكون مما يرضى الله ورسوله أولا فإن كان كذلك فهو الراجح وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح وهذا بخلاف سائر الجوارح فإن صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوى الطرفين لما له في ذلك من الراحة والمنفعة فأبيح له استعمالها فيما فيه منفعة له ولا مضرة عليه فيه في الآخرة وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به فلا يكون إلا مضرة فتأمله فإن قيل فقد يتحرك بما فيه منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين فيكون حكم حركته حكم ذلك الفعل قيل حركته بها عند الحاجة إليها راجحة وعند عدم الحاجة إليها مرجوحة لا تفيده فتكون عليه لا له فإن قيل فإذا كان الفعل متساوي الطرفين كانت حركة اللسان التي هي الوسيلة إليه كذلك إذ الوسائل تابعة للمقصود في الحكم

Section V01/P115–V01/P118

قيل لا يلزم ذلك فقد يكون الشيء مباحا بل واجبا ووسيلته مكروهة كالوفاء بالطاعة المنذورة هو واجب مع أن وسيلته وهو النذر مكروه منهى عنه وكذلك الحلف المكروه مرجوح مع وجوب الوفاء به أو الكفارة وكذلك سؤال الخلق عند الحاجة مكروه ويباح له الإنتفاع بما أخرجته له المسألة وهذا كثير جدا فقد تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها وما جعلت وسيلة إليه ليس بحرام ولا مكروه فصل وأما العبوديات الخمس على الجوارح فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضا إذ الحواس خمسة وعلى كل حاسة خمس عبوديات فعلى السمع وجوب الإنصات والإستماع لما أوجبه الله ورسوله عليه من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر بها الإمام واستماع الخطبة للجمعة في أصح قولي العلماء ويحرم عليه استماع الكفر والبدع إلا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة من رده أو الشهادة على قائله أو زيادة قوة الإيمان والسنة بمعرفة ضدهما من الكفر والبدعة ونحو ذلك وكإستماع أسرار من يهرب عنك بسره ولا يحب أن يطلعك عليه ما لم يكن متضمنا لحق لله يجب القيام به أو لأذى مسلم يتعين نصحه وتحذيره منه وكذلك استماع أصوات النساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهن إذا لم تدع إليه حاجة من شهادة أو معاملة أو استفتاء أو محاكمة أو مداواة ونحوها وكذلك استماع المعازف وآلات الطرب واللهو كالعود والطنبور واليراع ونحوها ولا يجب عليه سد أذنه إذا سمع الصوت وهو لا يريد استماعه إلا إذا خاف السكون إليه والإنصات فحينئذ يجب لتجنب سماعها وجوب سد الذرائع ونظير هذا المحرم لا يجوز له تعمد شم الطيب وإذا حملت الريح رائحته وألقتها في مشامه لم يجب عليه سد أنفه ونظير هذا نظرة الفجاءة لا تحرم على الناظر وتحرم عليه النظرة الثانية إذا تعمدها وأما السمع المستحب فكاستماع المستحب من العلم وقراءة القرآن وذكر الله واستماع كل ما يحبه الله وليس بفرض والمكروه عكسه وهو استماع كل ما يكره ولا يعاقب عليه والمباح ظاهر وأما النظر الواجب فالنظر في المصحف وكتب العلم عند تعين تعلم الواجب منها والنظر إذا تعين لتمييز الحلال من الحرام في الإعيان التي يأكلها أو ينفقها أو يستمتع بها والأمانات التي يؤديها إلى أربابها ليميز بينها ونحو ذلك والنظر الحرام النظر إلى الأجنبيات بشهوة مطلقا وبغيرها إلا لحاجة كنظر الخاطب والمستام والمعامل والشاهد والحاكم والطبيب وذي المحرم والمستحب النظر في كتب العلم والدين التي يزداد بها الرجل إيمانا وعلما والنظر في المصحف ووجوه العلماء الصالحين والوالدين والنظر في آيات الله المشهودة ليستدل بها على توحيده ومعرفته وحكمته والمكروه فضول النظر الذي لا مصلحة فيه فإن له فضولا كما للسان فضولا وكم قاد فضولها إلى فضول عز التلخص منها وأعيى دواؤها وقال بعض السلف كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام والمباح النظر الذي لا مضرة فيه في العاجل والآجل ولا منفعة ومن النظر الحرام النظر إلى العورات وهي قسمان عورة وراء الثياب وعورة وراء الأبواب ولو نظر في العورة التي وراء الأبواب فرماه صاحب العورة ففقأ عينه لم يكن عليه شيء وذهبت هدرا بنص رسول في الحديث المتفق على صحته وإن ضعفه بعض الفقهاء لكونه لم يبلغه النص أو تأوله وهذا إذا لم يكن للناظر سبب يباح النظر لأجله كعورة له هناك ينظرها أو ريبة هو مأمور أو مأذون له في الإطلاع عليها وأما الذوق الواجب فتناول الطعام والشراب عند الإضطرار إليه وخوف الموت فإن تركه حتى مات مات عاصيا قاتلا لنفسه قال الإمام أحمد وطاووس من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار ومن هذا تناول الدواء إذا تيقن النجاة له من الهلاك على أصح القولين وإن ظن الشفاء به فهل هو مستحب مباح أو الأفضل تركه فيه نزاع معروف بين السلف والخلف والذوق الحرام كذوق الخمر والسموم القاتلة والذوق الممنوع منه للصوم الواجب

Section V01/P118–V01/P120

وأما المكروه فكذوق المشتبهات والأكل فوق الحاجة وذوق الطعام الفجاءة وهو الطعام الذي تفجأ آكله ولم يرد أن يدعوك إليه وكأكل أطعمة المرائين في الولائم والدعوات ونحوها وفي السنن أن رسول الله نهى عن طعام المتبارين وذوق طعام من يطعمك حياء منك لا بطيبة نفس والذوق المستحب أكل ما يعينك على طاعة الله عز وجل مما أذن الله فيه والأكل مع الضيف ليطيب له الأكل فينال منه غرضه والأكل من طعام صاحب الدعوة الواجب إجابتها أو المستحب وقد أوجب بعض الفقهاء الأكل من الوليمة الواجب إجابتها للأمر به عن الشارع والذوق المباح ما لم يكن فيه إثم ولا رجحان وأما تعلق العبوديات الخمس بحاسة الشم فالشم الواجب كل شم تعين طريقا للتمييز بين الحلال والحرام كالشم الذي تعلم به هذه العين هل هي خبيثة أو طيبة وهل هي سم قاتل أو لا مضرة فيه أو يميز به بين ما يملك الإنتفاع به وما لا يملك ومن هذا شم المقوم ورب الخبرة عند الحكم بالتقويم وشم العبيد ونحو ذلك وأما الشم الحرام فالتعمد لشم الطيب في الإحرام وشم الطيب المغصوب والمسروق وتعمد شم الطيب من النساء الأجنبيات خشية الإفتتان بما وراءه وأما الشم المستحب فشم ما يعينك على طاعة الله ويقوي الحواس ويبسط النفس للعلم والعمل ومن هذا هدية الطيب والريحان إذا أهديت لك ففي صحيح مسلم عن النبي من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه طيب الريح خفيف المحمل / ح / والمكروه كشم طيب الظلمة وأصحاب الشبهات ونحو ذلك والمباح مالا منع فيه من الله ولا تبعة ولا فيه مصلحة دينية ولا تعلق له بالشرع وأما تعلق هذه الخمسة بحاسة اللمس فاللمس الواجب كلمس الزوجة حين يجب جماعها والأمة الواجب إعفافها والحرام لمس ما لا يحل من الأجنبيات والمستحب إذا كان فيه غض بصره وكف نفسه عن الحرام وإعفاف أهله والمكروه لمس الزوجة في الإحرام للذة وكذلك في الإعتكاف وفي الصيام إذا لم يأمن على نفسه ومن هذا لمس بدن الميت لغير غاسله لأن بدنه قد صار بمنزلة عورة الحي تكريما له ولهذا يستحب ستره عن العيون وتغسيله في قميصه في أحد القولين ولمس فخذ الرجل إذا قلنا هي عورة والمباح مالم يكن فيه مفسدة ولا مصلحة دينية وهذه المراتب أيضا مرتبة على البطش باليد والمشي بالرجل وأمثلتها لا تخفى فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهله وعياله واجب وفي وجوبه لقضاء دينه خلاف والصحيح وجوبه ليمكنه من أداء دينه ولا يجب لإخراج الزكاة وفي وجوبه لأداء فريضة الحج نظر والأقوى في الدليل وجوبه لدخوله في الإستطاعة وتمكنه بذلك من أداء النسك والمشهور عدم وجوبه ومن البطش الواجب إعانة المضطر ورمي الجمار ومباشرة الوضوء والتيمم والحرام كقتل النفس التي حرم الله قتلها ونهب المال المعصوم وضرب من لا يحل ضربه ونحو ذلك وكأنواع اللعب المحرم بالنص كالنرد أو ما هو أشد تحريما منه عند أهل المدينة كالشطرنج أو مثله عند فقهاء الحديث كأحمد وغيره أو دونه عند بعضهم ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفا أو نسخا إلا مقرونا بردها ونقضها وكتابة الزور والظلم والحكم الجائر والقذف والتشبيب بالنساء الأجانب وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم ولا سيما أن كسبت عليه مالا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون وكذلك كتابة المفتى على الفتوى ما يخالف حكم الله ورسوله إلا أن يكون مجتهدا مخطئا فالإثم موضوع عنه وأما المكروه فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام وكتابة مالا فائدة في كتابته ولا منفعة فيه في الدنيا والآخرة والمستحب كتابة كل ما فيه منفعة في الدين أو مصلحة لمسلم والإحسان بيده بأن يعين صانعا أو يصنع لأخرق أو يفرغ من دلوه في دلو المستسقى أو يحمل له على دابته أو يمسكها حتى يحمل عليها أو يعاونه بيده فيما يحتاج له ونحو ذلك ومنه لمس الركن بيده في الطواف وفي تقبيلها بعد اللمس قولان والمباح مالا مضرة فيه ولا ثواب

Section V01/P120–V01/P123

وأما المشي الواجب فالمشي إلى الجمعات والجماعات في أصح القولين لبضعة وعشرين دليلا مذكورة في غير هذا الموضع والمشي حول البيت للطواف الواجب والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه والمشي إلى حكم الله ورسوله إذا دعي إليه والمشي إلى صلة رحمه وبر والديه والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبه وتعلمه والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضرر والحرام المشي إلى معصية الله وهو من رجل الشيطان قال تعالى وأجلب عليهم بخيلك ورجلك قال مقاتل استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم فكل راكب وماش في معصية الله فهو من جند إبليس وكذلك تتعلق هذه الأحكام الخمس بالركوب أيضا فواجبه في الركوب في الغزو والجهاد الحج الواجب ومستحبه في الركوب المستحب من ذلك ولطلب العلم وصلة الرحم وبر الوالدين وفي الوقوف بعرفة نزاع هل الركوب فيه أفضل أم على الأرض والتحقيق أن الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة من تعليم للمناسك واقتداء به وكان أعون على الدعاء ولم يكن فيه ضرر على الدابة وحرامه الركوب في معصية الله عز وجل ومكروهه الركوب للهو واللعب وكل ما تركه خير من فعله ومباحه الركوب لما لم يتضمن فوت أجر ولا تحصيل وزر فهذه خمسون مرتبة على عشرة أشياء القلب واللسان والسمع والبصر والأنف والفم واليد والرجل والفرج والإستواء على ظهر الدابة فصل في منازل إياك نعبد التي ينتقل فيها القلب منزلة منزلة في حال سيره إلى الله وقد أكثر الناس في صفة المنازل وعددها من جعلها ألفا ومنهم من جعلها مائة ومنهم من زاد ونقص فكل وصفها بحسب سيره وسلوكه وسأذكر فيها أمرا مختصرا جامعا نافعا إن شاء الله تعالى فأول منازل العبودية اليقظة وهي انزعاج القلب لروعة الإنتباه من رقدة الغافلين ولله ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها وخطرها وما أشد إعانتها على السلوك فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح وإلا فهو في سكرات الغفلة فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سبى منها فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبى العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم فأخذ في أهبة السفر فانتقل إلى منزلة العزم وهو العقد الجازم على المسير ومفارقة كل قاطع ومعوق ومرافقة كل معين وموصل وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمه وبحسب قوة عزمه يكون استعداده فإذا استيقظ أوجبت له اليقظة الفكرة وهي تحديق القلب نحو المطلوب الذي قد استعد له مجملا ولما يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه فإذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار وما أعد الله في هذه لأوليائه وفي هذه لأعدائه فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقد نزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم وقد جاء الله وقد نصب كرسيه لفصل القضاء وقد أشرقت الأرض بنوره ووضع الكتاب وجىء بالنبيين والشهداء وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم وتعلق كل غريم بغريمه ولاح الحوض وأكوابه عن كثب وكثر العطاش وقل الوارد ونصب الجسر للعبور ولز الناس إليه وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه والنار يحطم بعضها بعضا تحته والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين فينفتح في قلبه عين يرى بها ذلك ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة انقضائها ف البصيرة نور يقذفه الله في القلب يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأى عين فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم وهذا معنى قول بعض العارفين البصيرة تحقق الإنتفاع بالشيء والتضرر به وقال بعضهم البصيرة ما خلصك من الحيرة إما بإيمان وإما بعيان والبصيرة على ثلاث درجات من استكملها فقد استكمل البصيرة بصيرة في الأسماء والصفات وبصيرة في الأمر والنهي وبصيرة في الوعد والوعيد فالبصيرة في الأسماء والصفات أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله بل تكون الشبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشبه والشكوك في وجود الله فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر

Section V01/P123–V01/P125

وعقد هذا أن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى مستويا على عرشه متكلما بأمره ونهيه بصيرا بحركات العالم علويه وسفليه وأشخاصه وذواته سميعا لأصواتهم رقيبا على ضمائرهم وأسرارهم وأمر الممالك تحت تدبيره نازل من عنده وصاعد إليه وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال منزها عن العيوب والنقائص والمثال هو كما وصف نفسه في كتابه وفوق ما يصفه به خلقه حي لا يموت قيوم لا ينام عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء سميع يسمع ضجيج الأصوات بإختلاف اللغات على تفنن الحاجات تمت كلماته صدقا وعدلا وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبها ومثلا وتعالت ذاته أن تشبه شيئا من الذوات أصلا ووسعت الخليقة أفعاله عدلا وحكمة ورحمة وإحسانا وفضلا له الخلق والأمر وله النعمة والفضل وله الملك والحمد وله الثناء والمجد أول ليس قبله شيء وآخر ليس بعده شيء ظاهر ليس فوقه شيء باطن ليس دونه شيء أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد ولذلك كانت حسنى وصفاته كلها صفات كمال ونعوته كلها نعوت جلال وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل كل شيء من مخلوقاته دال عليه ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا ولا ترك الإنسان سدى عاطلا بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته وأسبغ عليهم نعمه يتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته تعرف إلى عباده بأنواع التعرفات وصرف لهم الآيات ونوع لهم الدلالات ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب ومد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب فأتم عليهم نعمه السابغة وأقام عليهم حجته البالغة أفاض عليهم النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه وتفاوت الناس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف لجهلهم بالنصوص ومعانيها وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم وإذا تأملت حال العامة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتهم أتم بصيرة منهم وأقوى إيمانا وأعظم تسليما للوحي وانقيادا للحق فصل المرتبة الثانية من البصيرة البصيرة في الأمر والنهي وهي تجريده عن المعارضة بتأويل أو تقليد أو هوى فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقى الأحكام من مشكاة النصوص وقد علمت بهذا أهل البصائر من العلماء من غيرهم فصل المرتبة الثالثة البصيرة في الوعد والوعيد وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر عاجلا وآجلا في دار العمل ودار الجزاء وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته وعدله وحكمته فإن الشك في ذلك شك في إلهيته وربوبيته بل شك في وجوده فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة وإرسالها هملا وتركها سدى تعالى الله عن هذا الحسبان علوا كبيرا فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية ولهذا كان الصحيح أن المعاد معلوم بالعقل وإنما اهتدى إلى تفاصيله بالوحي ولهذا يجعل الله سبحانه إنكار المعاد كفرا به سبحانه لأنه إنكار لقدرته ولإلهيته وكلاهما مستلزم للكفر به قال تعالى وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون وفي الآية قولان أحدهما إن تعجب من قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد فعجب قولهم كيف ينكرون هذا وقد خلقوا من تراب ولم يكونوا شيئا والثاني إن تعجب من شركهم مع الله غيره وعدم انقيادهم لتوحيده وعبادته وحده لا شريك له فإنكارهم للبعث وقولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أعجب

Section V01/P125–V01/P128

وعلى التقديرين فإنكار المعاد عجب من الإنسان وهو محض إنكار الرب والكفر به والجحد لإلهيته وقدرته وحكمته وعدله وسلطانه ولصاحب المنازل في البصيرة طريقة أخرى قال البصيرة ما يخلصك من الحيرة وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى أن تعلم أن الخبر القائم بتمهيد الشريعة يصدر عن عين لا يخاف عواقبها فترى من حقه أن تؤديه يقينا وتغضب له غيرة ومعنى كلامه أن ما أخبر به الرسول صادر عن حقيقة صادقة لا يخاف متبعها فيما بعد مكروها بل يكون آمنا من عاقبة اتباعها إذ هي حق ومتبع الحق لا خوف عليه ومن حق ذلك الخبر عليك أن تؤدي ما أمرت به منه من غير شك ولا شكوى والأحوط بك والذي لا تبرأ ذمتك إلا به تناول الأمر بإمتثال صادر عن تصديق محقق لا يصحبه شك وأن تغضب على من خالف ذلك غيرة عليه أن يضيع حقه ويهمل جانبه وإنما كانت الغيرة عند شيخ الإسلام من تمام البصيرة لأنه على قدر المعرفة بالحق ومستحقه ومحبته وإجلاله تكون الغيرة عليه أن يضيع والغضب على من أضاعه فإن ذلك دليل على محبة صاحب الحق وإجلاله وتعظيمه وذلك عين البصيرة فكما أن الشك القادح في كمال الإمتثال معم لعين البصيرة فكذلك عدم الغضب والغيرة على حقوق الله إذا ضيعت ومحارمه إذا انتهكت معم لعين البصيرة قال الدرجة الثانية أن تشهد في هداية الحق وإضلاله إصابة العدل وفي تلوين أقسامه رعاية البر وتعاين في جذبه حبل الوصل يريد رحمه الله بشهود العدل في هدايته من هداه وفي إضلاله من أضله أمرين أحدهما تفرده بالخلق والهدى والضلال والثاني وقوع ذلك منه على وجه الحكمة والعدل لا بالإتفاق ولا بمحض المشيئة المجردة عن وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها بل بحكمة اقتضت هدى من علم أنه يزكو على الهدى ويقبله ويشكره عليه ويثمر عنده فالله أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وهم الذين يعرفون قدر نعمته بالهدى ويشكرونه عليها ويحبونه ويحمدونه على أن جعلهم من أهله فهو سبحانه ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية من هدى وإضلال من أضل ولم يطرد عن بابه ولم يبعد عن جنابه من يليق به التقريب والهدى والإكرام بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد وحكمته وحمده تأبى تقريبه وإكرامه وجعله من أهله وخاصته وأوليائه ولا يبقى إلا أن يقال فلم خلق من هو بهذه المثابة فهذا سؤال جاهل ظالم ضال مفرط في الجهل والظلم والضلال لأن خلق الأضداد والمتقابلات هو من كمال الربوبية كالليل والنهار والحر والبرد واللذة والألم والخير والشر والنعيم والجحيم قوله وفي تلوين أقسامه رعاية البر يريد بتلوين الأقسام اختلافها في الجنس والقدر والصفة من أقسام الأموال والقوى والعلوم والأعمال والصنائع وغيرها قسمها على وجه البر والمصلحة فأعطى كلا منهم ما يصلحه وما هو ألأنفع له برا وإحسانا وقوله وتعاين في جذبه حبل الوصال يريد تعاين في توفيقه لك للطاعة وجذبه إياك من نفسك أنه يريد تقريبك منه فاستعار للتوفيق الخاص الجذب وللتقريب الوصال وأراد بالحبل السبب الموصل لك إليه فأشار بهذا إلى أنك تستدل بتوفيقه لك وجذبك نفسك وجعلك متمسكا بحبله الذي هو عهده ووصيته إلى عباده على تقريبه لك تشاهد ذلك ليكون أقوى في المحبة والشكر وبذل النصيحة في العبودية وهذا كله من تمام البصيرة فمن لا بصيرة له فهو بمعزل عن هذا قال الدرجة الثالثة بصيرة تفجر المعرفة وتثبت الإشارة وتنبت الفراسة يريد بالبصيرة في الكشف والعيان أن تتفجر بها ينابيع المعارف من القلب ولم يقل تفجر العلم لأن المعرفة أخص من العلم عند القوم ونسبتها إلى العلم نسبة الروح إلى الجسد فهي روح العلم ولبه وصدق رحمه الله فإن بهذه البصيرة تتفجر من قلب صاحبها ينابيع من المعارف التي لا تنال بكسب ولا دراسة إن هو إلا فهم يؤتيه الله عبدا في كتابه ودينه على قدر بصيرة قلبه وقوله وتثبت الإشارة

Section V01/P128–V01/P131

يريد بالإشارة ما يشير إليه القوم من الأحوال والمنازلات والأذواق التي ينكرها الأجنبي من السلوك ويثبتها أهل البصائر وكثير من هذه الأمور ترد على السالك فإن كان له بصيرة ثبتت بصيرته ذلك له وحققته عنده وعرفته تفاصيله وإن لم يكن له بصيرة بل كان جاهلا لم يعرف تفصيل ما يرد عليه ولم يهتد لتثبيته قوله وتنبت الفراسة يعني أن البصيرة تنبت في أرض القلب الفراسة الصادقة وهي نور يقذفه الله في القلب يفرق به بين الحق والباطل والصادق والكاذب قال الله تعالى إن في ذلك لآيات للمتوسمين قال مجاهد للمتفرسين وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي أنه قال اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل / ح / ثم قرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين والتوسم تفعل من السيما وهي العلامة فسمى المتفرس متوسما لأنه يستدل بما يشهد على ما غاب فيستدل بالعيان على الإيمان ولهذا خص الله تعالى بالآيات والإنتفاع بها هؤلاء لأنهم يستدلون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به الرسل من الأمر والنهي والثواب والعقاب وقد ألهم الله ذلك لآدم وعلمه إياه حين علمه أسماء كل شيء وبنوه هم نسخته وخلفاؤه فكل قلب فهو قابل لذلك وهو فيه بالقوة وبه تقوم الحجة وتحصل العبرة وتصح الدلالة وبعث الله رسله مذكرين ومنبهين ومكملين لهذا الإستعداد بنور الوحي والإيمان فينضاف ذلك إلى نور الفراسة والإستعداد فيصير نورا على نور فتقوى البصيرة ويعظم النور ويدوم بزيادة مادته ودوامها ولا يزال في تزايد حتى يرى على الوجه والجوارح والكلام والأعمال ومن لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسا دخل قلبه في الغلاف والأكنة فأظلم وعمى عن البصيرة فحجبت عنه حقائق الإيمان فيرى الحق باطلا والباطل حقا والرشد غيا والغي رشدا قال تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون والرين والران هو الحجاب الكثيف المانع للقلب من رؤية الحق والإنقياد له وعلى حسب قوة البصيرة وضعفها تكون الفراسة وهي نوعان فراسة علوية شريفة مختصة بأهل الإيمان وفراسة سفلية دنيئة مشتركة بين المؤمن والكافر وهي فراسة أهل الرياضة والجوع والسهر والخلوة وتجريد البواطن من أنواع الشواغل فهؤلاء لهم فراسة كشف الصور والإخبار ببعض المغيبات السفلية التي لا يتضمن كشفها والإخبار بها كما لا للنفس ولا زكاة ولا إيمانا ولا معرفة وهؤلاء لا تتعدى فراستهم هذه السفليات لأنهم محجوبون عن الحق تعالى فلا تصعد فراستهم إلى التمييز بين أوليائه وأعدائه وطريق هؤلاء وهؤلاء وأما فراسة الصادقين العارفين بالله وأمره فإن همتهم لما تعلقت بمحبة الله ومعرفته وعبوديته ودعوة الخلق إليه على بصيرة كانت فراستهم متصلة بالله متعلقة بنور الوحي مع نور الإيمان فميزت بين ما يحبه الله وما يبغضه من الأعيان والأقوال والأعمال وميزت بين الخبيث والطيب والمحق والمبطل والصادق والكاذب وعرفت مقادير استعداد السالكين إلى الله فحملت كل إنسان على قدر استعداده علما وإرادة وعملا ففراسة هؤلاء دائما حائمة حول كشف طرق الرسول وتعرفها وتخليصها من بين سائر الطرق وبين كشف عيوب النفس وآفات الأعمال العائقة عن سلوك طريق المرسلين فهذا أشرف أنواع البصيرة والفراسة وأنفعها للعبد في معاشه ومعاده فصل فإذا انتبه وأبصر أخذ في القصد وصدق الإرادة وأجمع القصد والنية على سفر الهجرة إلى الله وعلم وتيقن أنه لابد له منه فأخذ في أهبة السفر وتعبئة الزاد ليوم المعاد والتجرد عن عوائق السفر وقطع العلائق التي تمنعه من الخروج وقد قسم صاحب المنازل القصد إلى ثلاثة درجات فقال الدرجة الأولى قصد يبعث على الإرتياض ويخلص من التردد ويدعو إلى مجانبة الأغراض فذكر له ثلاث فوائد أنه يبعث على السلوك بلا توقف ولا تردد ولا علة غير العبودية من رياء أو سمعة أو طلب محمدة أو جاه ومنزلة عند الخلق قال الدرجة الثانية قصد لا يلقى سببا إلا قطعه ولا حائلا إلا منعه ولا تحاملا إلا سهله يعني أنه لا يلق سببا يعوق عن المقصود إلا قطعه ولا حائلا دونه إلا منعه ولا صعوبة إلا سهلها

Section V01/P131–V01/P133

قال الدرجة الثالثة قصد الإستسلام لتهذيب العلم وقصد إجابة داعي الحكم وقصد اقتحام بحر الفناء يريد أنه ينقاد إلى العلم ليتهذب به ويصلح ويقصد إجابة داعي الحكم الديني الأمري كلما دعاه فإن للحكم في كل مسألة من مسائل العلم مناديا ينادي للإيمان بها علما وعملا فيقصد إجابة داعيها ولكن مراده بداعي الحكم الأسرار والحكم الداعية إلى شرع الحكم فإجابتها قدر زائد على مجرد الإمتثال فإنها تدعو إلى المحبة والإجلال والمعرفة والحمد فالأمر يدعو إلى الإمتثال وما تضمنه من الحكم والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبة وقوله وقصد اقتحام بحر الفناء هذا هو الغاية المطلوبة عند القوم وهو عند بعضهم لازم من لوازم الطريق وليس بغاية وعند آخرين عارض من عوارض الطريق وليس بغاية ولا هو لازم لكل سالك وأهل القوة والعزم لا يعرض لهم وحال البقاء أكمل منه ولهذا كان البقاء حال نبينا ليلة الإسراء وقد رأى ما رأى وحال موسى الفناء ولهذا خر صعقا عند تجلي الله للجبل وامرأة العزيز كانت أكمل حبا ليوسف من النسوة ولم يعرض لها ما عرض لهن عند رؤية يوسف لفنائهن وبقائها وسيأتي إن شاء الله تحقيق الكلام فيه فصل فإذا استحكم قصده صار عزما جازما مستلزما للشروع في السفر مقرونا بالتوكل على الله قال تعالى فإذا عزمت فتوكل على الله والعزم هو القصد الجازم المتصل بالفعل ولذلك قيل إنه أول الشروع في الحركة لطلب المقصود وأن التحقيق أن الشروع في الحركة ناشىء عن العزم لا أنه هو نفسه ولكن لما اتصل به من غير فصل ظن أنه هو وحقيقته هو استجماع قوى الإرادة على الفعل والعزم نوعان أحدهما عزم المريد على الدخول في الطريق وهو من البدايات والثاني عزم في حال السير معه وهو أخص من هذا وهو من المقامات وسنذكره في موضعه إن شاء الله وفي هذه المنزلة يحتاج السالك إلى تمييز ما له مما عليه ليستصحب ما له ويؤدى ما عليه وهو المحاسبة وهي قبل التوبة في المرتبة فإنه إذا عرف ما له وما عليه أخذ في أداء ما عليه والخروج منه وهو التوبة وصاحب المنازل قدم التوبة على المحاسبة ووجه هذا أنه رأى التوبة أول منازل السائر بعد يقظته ولا تتم التوبة إلا بالمحاسبة فالمحاسبة تكميل مقام التوبة فالمراد بالمحاسبة الإستمرار على حفظ التوبة حتى لا يخرج عنها وكأنه وفاء بعقد التوبة واعلم أن ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام ويفارقه وينتقل إلى الثاني كمنازل السير الحسي هذا محال ألا ترى أن اليقظة معه في كل مقام لا تفارقه وكذلك البصيرة والإرادة والعزم وكذلك التوبة فإنها كما أنها من أول المقامات فهي آخرها أيضا بل هي في كل مقام مستصحبة ولهذا جعلها الله تعالى آخر مقامات خاصته فقال تعالى في غزوة تبوك وهي آخر الغزوات التي قطعوا فيها الأودية والبدايات والأحوال والنهايات لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم فجعل التوبة أول أمرهم وآخره وقال في سورة أجل رسول الله التي هي آخر سورة أنزلت إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ما صلى صلاة بعد إذ أنزلت عليه هذه السورة إلا قال في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن فالتوبة هي نهاية كل سالك وكل ولي لله وهي الغاية التي يجري إليها العارفون بالله وعبوديته وما ينبغي له قال تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما فجعل سبحانه التوبة غاية كل مؤمن ومؤمنة وكذلك الصبر فإنه لا ينفك عنه في مقام من المقامات وإنما هذا الترتيب ترتيب المشروط المتوقف على شرطه المصاحب له

Section V01/P133–V01/P136

ومثال ذلك أن الرضا مترتب على الصبر لتوقف الرضا عليه واستحالة ثبوته بدونه فإذا قيل إن مقام الرضا أو حاله على الخلاف بينهم هل هو مقام أو حال بعد مقام الصبر لا يعني به أنه يفارق الصبر وينتقل إلى الرضا وإنما يعني أنه لا يحصل له مقام الرضا حتى يتقدم له قبله مقام الصبر فافهم هذا الترتيب في مقامات العبودية وإذا كان كذلك علمت أن القصد والعزم متقدم على سائر المنازل فلا وجه لتأخيره وعلمت بذلك أن المحاسبة متقدمة على التوبة بالرتبة أيضا فإنه إذا حاسب العبد نفسه خرج مما عليه وهي حقيقة التوبة وأن منزلة التوكل قبل منزلة الإنابة لأنه يتوكل في حصولها فالتوكل وسيلة والإنابة غاية وأن مقام التوحيد أولى المقامات أن يبدأ به كما أنه أول دعوة الرسل كلهم قال النبي لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وفي رواية إلى أن يعرفوا الله ولأنه لا يصح مقام من المقامات ولا حال من الأحوال إلا به فلا وجه لجعله آخر المقامات وهو مفتاح دعوة الرسل وأول فرض فرضه الله على العباد وما عدا هذا من الأقوال فخطأ كقول من يقول أول الفروض النظر أو القصد إلى النظر أو المعرفة أو الشك الذي يوجب النظر وكل هذه الأقوال خطأ بل أول الواجبات مفتاح دعوة المرسلين كلهم وهو أول ما دعا إليه فاتحهم نوح فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره وهو أول ما دعا إليه خاتمهم محمد ولأرباب السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها كل يصف منازل سيره وحال سلوكه ولهم اختلاف في بعض منازل السير هل هي من قسم الأحوال والفرق بينهما أن المقامات كسبية والأحوال وهيبة ومنهم من يقول الأحوال من نتائج المقامات والمقامات نتائح الأعمال فكل من كان أصلح عملا كان أعلى مقاما وكل من كان أعلى مقاما كان أعظم حالا فمما اختلفوا فيه الرضا هل هو حال أو مقام فيه خلاف بين الخراسانيين والعراقيين وحكم بينهم بعض الشيوخ فقال إن حصل بكسب فهو مقام وإلا فهو حال والصحيح في هذا أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوها كما يلمع البارق ويلوح عن بعد فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال فإذا تمكنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي مقامات وهي لوامع ولوائح في أولها وأحوال في أوسطها ومقامات في نهاياتها فالذي كان بارقا هو بعينه الحال والذي كان حالا هو بعينه المقام وهذه الأسماء له باعتبار تعلقه بالقلب وظهوره له وثباته فيه وقد ينسلخ السالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب وينزل إلى ما دونه ثم قد يعود إليه وقد لا يعود ومن المقامات ما يكون جامعا لمقامين ومنها ما يكون جامعا لأكثر من ذلك ومنها ما يندرج فيه جميع المقامات فلا يستحق صاحبه اسمه إلا عند استجماع جميع المقامات فيه فالتوبة جامعة لمقام المحاسبة ومقام الخوف لا يتصور وجودها بدونهما والتوكل جامع لمقام التفويض والإستعانة والرضى لا يتصور وجوده بدونها والرجاء جامع لمقام الخوف والإرادة والخوف جامع لمقام الرجاء والإرادة والإنابة جامعة لمقام المحبة والخشية لا يكون العبد منيبا إلا باجتماعهما والإخبات له جامع لمقام المحبة والذل والخضوع لا يكمل أحدها بدون الآخر إخباتا والزهد جامع لمقام الرغبة والرهبة لا يكون زاهدا من لم يرغب فيما يرجو نفعه ويرهب مما يخاف ضرره ومقام المحبة جامع لمقام المعرفة والخوف والرجاء والإرادة فالمحبة معنى يلتئم من هذه الأربعة وبها تحققها ومقام الخشية جامع لمقام المعرفة بالله والمعرفة بحق عبوديته فمتى عرف الله وعرف حقه اشتدت خشيته له كما قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فالعلماء به وبأمره هم أهل خشيته قال النبي أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية / ح / ومقام الهيبة جامع لمقام المحبة والإجلال والتعظيم

Section V01/P136–V01/P138

ومقام الشكر جامع لجميع مقامات الإيمان ولذلك كان أرفعها وأعلاها وهو فوق الرضا وهو يتضمن الصبر من غير عكس ويتضمن التوكل والإنابة والحب والإخبات والخشوع والرجاء فجميع المقامات مندرجة فيه لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له ولهذا كان الإيمان نصفين نصف صبر ونصف شكر والصبر داخل في الشكر فرجع الإيمان كله شكرا والشاكرون هم أقل العباد كما قال تعالى وقليل من عبادي الشكور ومقام الحياء جامع لمقام المعرفة والمراقبة ومقام الأنس جامع لمقام الحب مع القرب فلو كان المحب بعيدا من محبوبة لم يأنس به ولو كان قريبا من رجل ولم يحبه لم يأنس به حتى يجتمع له حبه مع القرب منه ومقام الصدق جامع للإخلاص والعزم فباجتماعهما يصح له مقام الصدق ومقام المراقبة جامع للمعرفة مع الخشية فبحسبهما يصح مقام المراقبة ومقام الطمأنينة جامع للإنابة والتوكل والتفويض والرضى والتسليم فهو معنى ملتئم من هذه الأمور إذا اجتمعت صار صاحبها صاحب طمأنينة وما نقص منها نقص من الطمأنينة وكذلك الرغبة والرهبة كل منهما ملتئم من الرجاء والخوف والرجاء على الرغبة أغلب والخوف على الرهبة أغلب وكل مقام من هذه المقامات فالسالكون بالنسبة إليه نوعان أبرار ومقربون فالأبرار في أذياله والمقربون في ذروة سنامه وهكذا مراتب الإيمان جميعها وكل من النوعين لا يحصى تفاوتهم وتفاضل درجاتهم إلا الله وتقسيمهم ثلاثة أقسام عام وخاص وخاص خاص إنما نشأ من جعل الفناء غاية الطريق وعلم القوم الذي شمروا إليه وسنذكر ما في ذلك وأقسام الفناء محموده ومذمومه فاضله ومفضوله فإن إشارة القوم إليه إن شاء الله ومدارهم عليه على أن الترتيب الذي يشير إليه كل مرتب للمنازل لا يخلو عن تحكم ودعوى من غير مطابقة فإن العبد إذا التزم عقد الإسلام ودخل فيه كله فقد التزم لوازمه الظاهرة والباطنة ومقاماته وأحواله وله في كل عقد من عقوده وواجب من واجباته أحوال ومقامات لايكون موفيا لذلك العقد والواجب إلا بها وكلما وفى واجبا أشرف على واجب آخر بعده وكلما قطع منزلة استقبل أخرى وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أول بداية سيره فينفتح عليه من حال المحبة والرضا والأنس والطمأنينة ما لم يحصل بعد لسالك في نهايته ويحتاج هذا السالك في نهايته إلى أمور من البصيرة والتوبة والمحاسبة أعظم من حاجة صاحب البداية إليها فليس في ذلك ترتيب كلى لازم للسلوك وقد ذكرنا أن التوبة التي جعلوها من أول المقامات هي غاية العارفين ونهاية أولياء الله المقربين ولا ريب أن حاجتهم إلى المحاسبة في نهايتهم فوق حاجتهم إليها في بدايتهم فالأولى الكلام في هذه المقامات على طريقة المتقدمين من أئمة القوم كلاما مطلقا في كل مقام مقام ببيان حقيقته وموجبه وآفته المانعة من حصوله والقاطع عنه وذكر عامه وخاصه فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج فمن تأمله كسهل بن عبدالله التستري وأبي طالب المكي والجنيد بن محمد وأبي عثمان النيسابوري ويحيى بن معاذ الرازي وأرفع من هؤلاء طبقة مثل أبي سليمان الداراني وعون ابن عبدالله الذي كان يقال له حكيم الأمة وأضرابهما فإنهم تكلموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلاما مفصلا جامعا مبينا مطلقا من غير ترتيب ولا حصر للمقامات بعدد معلوم فإنهم كانوا أجل من هذا وهمهم أعلى وأشرف إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة وطهارة القلوب وزكاة النفوس وتصحيح المعاملة ولهذا كلامهم قليل فيه البركة وكلام المتأخرين كثير طويل قليل البركة ولكن لا بد من مخاطبة أهل الزمان باصطلاحهم إذ لا قوة لهم للتشمير إلى تلقي السلوك عن السلف الأول وكلماتهم وهديهم ولو برز لهم هديهم وحالهم لأنكروه ولعدوه سلوكا عاميا وللخاصة سلوك آخر كما يقال ضلال المتكلمين وجهلتهم إن القوم كانوا أسلم وإن طريقنا أعلم كما يقول من لم يقدر قدرهم من المنتسبين إلى الفقه إنهم لم يتفرغوا لإستنباطه وضبط قواعده وأحكامه اشتغالا منهم بغيره والمتأخرون تفرغوا لذلك فهم أفقه

Section V01/P138–V01/P141

فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف وعن عمق علومهم وقلة تكلفهم وكمال بصائرهم وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والإشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها وضبط قواعدها وشد معاقدها وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن و قد جعل الله لكل شيء قدرا فالأولى بنا أن نذكر منازل العبودية الواردة في القرآن والسنة ونشير إلى معرفة حدودها ومراتبها إذ معرفة ذلك من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله وقد وصف الله تعالى من لم يعرفها بالجهل والنفاق فقال تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله فبمعرفة حدودها دراية والقيام بها رعاية يستكمل العبد الإيمان ويكون من أهل إياك نعبد وإياك نستعين ونذكر لها ترتيبا غير مستحق بل مستحسن بحسب ترتيب السيرالحسي ليكون ذلك أقرب إلى تنزيل المعقول منزلة المشهود بالحس فيكون التصديق أتم ومعرفته أكمل وضبطه أسهل فهذه فائدة ضرب الأمثال وهي خاصة العقل ولبه ولهذا أكثر الله تعالى منها في القرآن ونفى عقلها عن غير العلماء فقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون فاعلم أن العبد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة قلبه نائم وطرفه يقظان فصاح به الناصح وأسمعه داعي النجاح وأذن به مؤذن الرحمن حي على الفلاح فأول مراتب هذا النائم اليقظة والإنتباه من النوم وقد ذكرنا أنها إنزعاج القلب لروعة الإنتباه وصاحب المنازل يقول هي القومة لله المذكورة في قوله قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى قال القومة لله هي اليقظة من سنة الغفلة والنهوض عن ورطة الفترة وهي أول ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه وهي على ثلاثة أشياء لحظ القلب إلى النعمة على اليأس من عدها والوقوف على حدها والتفرغ إلى معرفة المنة بها والعلم بالتقصير في حقها وهذا الذي ذكره هو موجب اليقطة وأثرها فإنه إذا نهض من ورطة الغفلة لإستنارة قلبه برؤية نور التنبيه أوجب له ملاحظة نعم الله الباطنة والظاهرة وكلما حدق قلبه وطرفه فيها شاهد عظمتها وكثرتها فيئس من عدها والوقوف على حدها وفرغ قلبه لمشاهدة منة الله عليه بها من غير استحقاق ولا استجلاب لها بثمن فتيقن حينئذ تقصيره في واجبها وهو القيام بشكرها فأوجب له شهود تلك المنة والتقصير نوعين جليلين من العبودية محبة المنعم واللهج بذكره وتذكر الله وخضوعه له وإزراءه على نفسه حيث عجز عن شكر نعمه فصار متحققا ب أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وعلم حينئذ أن هذا الإستغفار حقيق بأن يكون سيد الإستغفار وعلم حينئذ أن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم وعلم أن العبد دائما سائر إلى الله بين مطالعة المنة ومشاهدة التقصير قال الثاني مطالعة الجناية والوقوف على الخطر فيها والتشمير لتداركها والتخلص من رقها وطلب النجاة بتمحيصها فينظر إلى ما سلف منه من الإساءة ويعلم أنه على خطر عظيم فيها وأنه مشرف على الهلاك بمؤاخذة صاحب الحق بموجب حقه وقد ذم الله تعالى في كتابه من نسي ما تقدم يداه فقال ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه فإذا طالع جنايته شمر لإستدراك الفارط بالعلم والعمل وتخلص من رق الجناية بالإستغفار والندم وطلب التمحيص وهو تخليص إيمانه ومعرفته من خبث الجناية كتمحيص الذهب والفضة وهو تخليصهما من خبثهما ولا يمكن دخوله الجنة إلا بعد هذا التمحيص فإنها طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا تقول لهم الملائكة سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقال تعالى الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة فليس في الجنة ذرة خبث

Section V01/P141–V01/P143

وهذا التمحيص يكون في دار الدنيا بأربعة أشياء بالتوبة والإستغفار وعمل الحسنات الماحية والمصائب المكفرة فإن محصته هذه الأربعة وخلصته كان من الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يبشرونهم بالجنة وكان من الذين تتنزل عليهم الملائكة عند الموت أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم وإن لم تف هذه الأربعة بتمحيصه وتخليصه فلم تكن التوبة نصوحا وهي العامة الشاملة الصادقة ولم يكن الإستغفار كاملا تاما وهو المصحوب بمفارقة الذنب والندم عليه وهذا هو الإستغفار النافع لا استغفار من في يده قدح السكر وهو يقول أستغفر الله ثم يرفعه إلى فيه ولم تكن الحسنات في كميتها وكيفيتها وافية بالتكفير ولا المصائب وهذا إما لعظم الجناية وإما لضعف الممحص وإما لهما محص في البرزخ بثلاثة أشياء أحدها صلاة أهل الإيمان الجنازة عليه واستغفارهم له وشفاعتهم فيه الثاني تمحيصه بفتنة القبر وروعة الفتان والعصرة والإنتهار وتوابع ذلك الثالث ما يهدي إخوانه المسلمون إليه من هدايا الأعمال من الصدقة عنه والحج والصيام عنه وقراءة القرآن عنه والصلاة وجعل ثواب ذلك له وقد أجمع الناس على وصول الصدقة والدعاء قال الإمام أحمد لا يختلفون في ذلك وما عداهما فيه إختلاف والأكثرون يقولون بوصول الحج وأبو حنيفة يقول إنما يصل إليه ثواب الإنفاق وأحمد ومن وافقه مذهبهم في ذلك أوسع المذاهب يقولون يصل إليه ثواب جميع القرب بدنيها وماليها والجامع للأمرين واحتجوا بأن النبي قال لمن سأله يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد مماتهما قال نعم فذكر الحديث وقد قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه / ح / فإن لم تف هذه بالتمحيص محص بين يدي ربه في الموقف بأربعة أشياء أهوال القيامة وشدة الموقف وشفاعة الشفعاء وعفو الله عز وجل فإن لم تف هذه الثلاثة بتمحيصه فلا بد له من دخول الكير رحمة في حقه ليتخلص ويتمحص ويتطهر في النار فتكون النار طهرة له وتمحيصا لخبثه ويكون مكثه فيها على حسب كثرة الخبث وقلته وشدته وضعفه وتراكمه فإذا خرج خبثه وصفى ذهبه وصار خالصا طيبا أخرج من النار وأدخل الجنة قال الثالث يعني من مراتب اليقظة الإنتباه لمعرفة الزيادة والنقصان من الأيام والتنصل من تضييعها والنظر إلى الظن بها لتدارك فائتها وتعمير باقيها يعني أنه يعرف ما معه من الزيادة والنقصان فيتدارك ما فاته في بقية عمره التي لاثمن لها ويبخل بساعاته بل بأنفاسه عن ذهابها ضياعا في غير ما يقر به إلى الله فهذا هو حقيقة الخسران المشترك بين الناس مع تفاوتهم في قدره قلة وكثرة فكل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله فهو حسرة على العبد في معاده ووقفة له في طريق سيره أو نكسه إن استمر أو حجاب إن انقطع به قال فأما معرفة النعمة فإنها تصفو بثلاثة أشياء بنور العقل وشيم بروق المنة والإعتبار بأهل البلاء يعني أن حقيقة مشاهدة النعمة يصفو بهذه الثلاثة فهي النور الذي أوجب اليقظة فاستنار القلب به لرؤية التنبه وعلى حسبه قوة وضعفا تصفو له مشاهدة النعمة فإن من لم ير نعمة الله عليه إلا في مأكله وملبسه وعافية بدنه وقيام وجهه بين الناس فليس له نصيب من هذا النور ألبتة فنعمة الله بالإسلام والإيمان وجذب عبده إلى الإقبال عليه والتنعم بذكره والتلذذ بطاعته هو أعظم النعم وهذا إنما يدرك بنور العقل وهداية التوفيق وكذلك شيمه بروق منن الله عليه وهو النظر إليها ومطالعتها من خلال سحب الطبع وظلمات النفس والنظر إلى أهل البلاء وهم أهل الغفلة عن الله والإبتداع في دين الله فهذان الصنفان هم أهل البلاء حقا فإذا رآهم وعلم ما هم عليه عظمت نعمة الله عليه في قلبه وصفت له وعرف قدرها فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء حتى إن من تمام نعيم أهل الجنة رؤية أهل النار وما هم فيه من العذاب

Section V01/P143–V01/P146

قال وأما مطالعة الجناية فإنها تصح بثلاثة أشياء بتعظيم الحق ومعرفة النفس وتصديق الوعيد يعني أن من كملت عظمة الحق تعالى في قلبه عظمت عنده مخالفته لأن مخالفة العظيم ليست كمخالفة من هو دونه ومن عرف قدر نفسه وحقيقتها وفقرها الذاتي إلى مولاها الحق في كل لحظة ونفس وشدة حاجتها إليه عظمت عنده جناية المخالفة لمن هو شديد الضرورة إليه في كل لحظة ونفس وأيضا فإذا عرف حقارتها مع عظم قدر من خالفه عظمت الجناية عنده فشمر في التخلص منها وبحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به يكون تشميره في التخلص من الجناية التي تلحق به ومدار السعادة وقطب رحاها على التصديق بالوعيد فإذا تعطل من قلبه التصديق بالوعيد خرب خرابا لا يرجى معه فلاح ألبتة والله تعالى أخبر أنه إنما تنفع الآيات والنذر لمن صدق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة فهؤلاء هم المقصودون بالإنذار والمنتفعون بالآيات دون من عداهم قال الله تعالى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة وقال إنما أنت منذر من يخشاها وقال فذكر بالقرآن من يخاف وعيد وأخبر تعالى أن أهل النجاة في الدنيا والآخرة هم المصدقون بالوعيد الخائفون منه فقال تعالى ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد قال وأما معرفة الزيادة والنقصان من الأيام فإنها تستقيم بثلاثة أشياء سماع العلم وإجابة داعي الحرمة وصحبة الصالحين وملاك ذلك كله خلع العادات يعني أن السالك على حسب علمه بمراتب الأعمال ونفائس الكسب تكون معرفته بالزيادة والنقصان في حاله وإيمانه وكذلك تفقد إجابة داعي تعظيم حرمات الله من قلبه هل هو سريع الإجابة لها أم هو بطىء عنها فبحسب إجابة الداعي سرعة وإبطاء تكون زيادته ونقصانه وكذلك صحبة أرباب العزائم المشمرين إلى اللحاق بالملأ الأعلى يعرف به ما معه من الزيادة والنقصان والذي يملك به ذلك كله خروجه عن العادات والمألوفات وتوطين النفس على مفارقتها والغربة بين أهل الغفلة والإعراض وما على العبد أضر من ملك العادات له وما عارض الكفار الرسل إلا بالعادات المستقرة الموروثة لهم عن الأسلاف الماضين فمن لم يوطن نفسه على مفارقتها والخروج عنها والإستعداد للمطلوب منه فهو مقطوع وعن فلاحه وفوزه ممنوع ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين فصل فإذا استحكمت يقظته أوجبت له الفكرة وهي كما تقدم تحديق القلب إلى جهة المطلوب التماسا له وصاحب المنازل جعلها بعد البصيرة وقال في حدها هي تلمس البصيرة لإستدراك البغية أي التماس العقل المطلوب بالتفتيش عليه قال وهي ثلاثة أنواع فكرة في عين التوحيد وفكرة في لطائف الصنعة وفكرة في معاني الأعمال والأحوال قلت الفكرة فكرتان فكرة تتعلق بالعلم والمعرفة وفكرة تتعلق بالطلب والإرادة فالتي تتعلق بالعلم والمعرفة فكرة التمييز بين الحق والباطل والثابت والمنفي والتي تتعلق بالطلب والإرادة هي الفكرة التي تميز بين النافع والضار ثم يترتب عليها فكرة أخرى في الطريق إلى حصول ما ينفع فيسلكها والطريق إلى ما يضر فيتركها فهذه ستة أقسام لا سابع لها هي مجال أفكار العقلاء فالفكرة في التوحيد استحضار أدلته وشواهد الدلالة على بطلان الشرك واستحالته وأن الإلهية يستحيل ثبوتها لاثنين كما يستحيل ثبوت الربوبية لاثنين فكذلك من أبطل الباطل عبادة اثنين والتوكل على اثنين بل لا تصح العبادة إلا للإله الحق والرب الحق وهو الله الواحد القهار وقد خبط صاحب المنازل في هذا الموضع وجاء بما يرغب عنه الكمل من سادات السالكين والواصلين إلى الله فقال الفكرة في عين التوحيد اقتحام بحر الجحود وهذا بناء على أصله الذي أصله وانتهى إليه كتابه في أمر الفناء فإنه لما رأى أن الفكرة في عين التوحيد تبعد العبد من التوحيد الصحيح عنده لأن التوحيد الصحيح عنده لا يكون إلا بعد فناء الفكرة والتفكر والفكرة تدل على بقاء رسم لاستلزامها مفكرا وفعلا قائما به والتوحيد التام عنده لا يكون مع بقاء رسم أصلا كانت الفكرة عنده علامة الجحود واقتحاما لبحره وقد صرح بهذا في أبياته في آخر الكتاب ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد

Section V01/P146–V01/P148

توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لأحد ومعنى أبياته ما وحد الله عز وجل أحد حق توحيده الخاص الذي تفنى فيه الرسوم ويضمحل فيه كل حادث ويتلاشى فيه كل مكون فإنه لا يتصور منه التوحيد إلا ببقاء الرسم وهو الموحد وتوحيده القائم به فإذا وحده شهد فعله الحادث ورسمه الحادث وذلك جحود لحقيقة التوحيد الذي تفنى فيه الرسوم وتتلاشى فيه الأكوان فلذلك قال إذ كل من وحده جاحد هذا أحسن ما يحمل عليه كلامه وقد فسره أهل الوحدة بصريح كلامهم في مذهبهم قالوا معنى كل من وحده جاحد أي كل من وحده فقد وصف الموحد بصفة تتضمن جحد حقه الذي هو عدم انحصاره تحت الأوصاف فمن وصفه فقد جحد إطلاقه عن قيود الصفات وقوله توحيد من ينطق عن نعته أي توحيد المحدث له الناطق عن نعته عارية مستردة فإنه الموحد قبل توحيد هذا الناطق وبعد فنائه فتوحيده له عارية أبطلها الواحد الحق بإفنائه كل ما سواه والإتحادي يقول معناه أن الموحد واحد من جميع الوجوه فأبطل ببساطة ذاته تركيب نطق واصفه وأبطل بإطلاقه تقييد نعت موحده وقوله توحيده إياه توحيده يعني أن توحيده الحقيقي هو توحيده لنفسه حيث لا هناك رسم ولا مكون فما وحد الله حقيقة إلا الله والإتحادي يقول ما ثم غير يوحده بل هو الموحد لنفسه بنفسه إذ ليس ثم سوى في الحقيقة قوله ونعت من ينعته لأحد أي نعت الناعت له ميل وخروج عن التوحيد الحقيقي والإلحاد أصله الميل لأنه بنعته له قائم بالرسوم وبقاء الرسوم ينافي توحيده الحقيقي والإتحادي يقول نعت الناعت له شرك لأنه أسند إلى المطلق ما لا يليق به إسناده من التقييد وذلك شرك وإلحاد فرحمة الله على أبي إسماعيل فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد فدخلوا منه وأقسموا بالله جهد أيمانهم إنه لمنهم وما هو منهم وغره سراب الفناء فظن أنه لجة بحر المعرفة وغاية العارفين وبالغ في تحقيقه وإثباته فقاده قسرا إلى ما ترى والفناء الذي يشير إليه القوم ويعملون عليه أن تذهب المحدثات في شهود العبد وتغيب في أفق العدم كما كانت قبل أن توجد ويبقى الحق تعالى كما لم يزل ثم تغيب صورة المشاهد ورسمه أيضا فلا يبقى له صورة ولا رسم ثم يغيب شهوده أيضا فلا يبقى له شهود ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه كما كان الأمر قبل إيجاد المكونات وحقيقته أن يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل قال صاحب المنازل هو اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى فناء المعرفة في المعروف وهو الفناء علما وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا وفناء الطلب في الوجود وهو الفناء حقا الدرجة الثانية فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود المعرفة لإسقاطها وفناء شهود العيان لإسقاطه الدرجة الثالثة الفناء عن شهود الفناء وهو الفناء حقا شائما برق العين راكبا بحر الجمع سالكا سبيل البقاء فنذكر ما في هذا الكلام من حق وباطل ثم نتبعه ذكر أقسام الفناء والفرق بين الفناء المحمود الذي هو فناء خاصة أولياء الله المقربين والفناء المذموم الذي هو فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود وفناء المتوسطين الناقصين عن درجة الكمال بعون الله وحوله وتأييده فقوله الفناء اضمحلال ما دون الحق جحدا لا يريد به أنه يعدم من الوجود بالكلية وإنما يريد اضمحلاله في العلم فيعلم أن ما دونه باطل وأن وجوده بين عدمين وأنه ليس له من ذاته إلا العدم فعدمه بالذات ووجوده بإيجاد الحق له فيفنى في علمه كما كان فانيا في حال عدمه فإذا فنى في علمه ارتقى إلى درجة أخرى فوق ذلك وهي جحد السوى وإنكاره وهذه أبلغ من الأولى لأنها غيبته عن السوى فقد يغيب عنه وهو غير جاحد له وهذه الثانية جحده وإنكاره ومن هاهنا دخل الإتحادي وقال المراد جحد السوى بالكلية وأنه ما ثم غير بوجه ما

Section V01/P148–V01/P151

وحاشا شيخ الإسلام من إلحاد أهل الإتحاد وإن كانت عبارته موهمة بل مفهمة ذلك وإنما أراد بالجحد في الشهود لا في الوجود أي يجحده أن يكون مشهودا فيجحد وجوده الشهودي العلمي لا وجوده العيني الخارجي فهو أولا يغيب عن وجوده الشهودي العلمي ثم ينكر ثانيا وجوده في علمه وهو اضمحلاله جحدا ثم يرتقي من هذه الدرجة إلى درجة أخرى أبلغ منها وهي اضمحلاله في الحقيقة وأنه لا وجود له ألبته وإنما وجوده قائم بوجود الحق فلولا وجود الحق لم يكن هو موجودا ففي الحقيقة الموجود إنما هو الحق وحده والكائنات من أثر وجوده هذا معنى قولهم إنها لا وجود لها ولا أثر لها وإنها معدومة وفانية ومضمحلة والإتحادي يقول إن السالك في أول سلوكه يرى أنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله فهذا توحيد العلم ولا يقدر في طوره الأول على أكثر من ذلك ثم ينتقل عن هذا إلى الدرجة الثانية وهي شهود عود الأفعال إلى الصفات والصفات إلى الذات فعاد الأمر كله إلى الذات فيجحد وجود السوي بالكلية فهذا هو الإضمحلال جحدا ثم يرتقي عن هذه الدرجة إلى ركوب البحر الذي تغرق فيه الأفعال والأسماء والصفات ولا يبقى إلا أمر مطلق لا يتقيد باسم ولا فعل ولا صفة قد اضمحل فيه كل معنى وقيد وصفة ورسم وهذا عندهم غاية السفر الأول فحينئذ يأخذ في السفر الثاني وهو البقاء قوله الدرجة الأولى فناء المعرفة في المعروف يريد اضمحلال معرفته وتلاشيها في معروفه وأن يغيب بمعروفه عن معرفته كما يغيب بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه وبمخوفه عن خوفه وهذا لا ريب في إمكانه ووقوعه فإن القلب إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع لغيره وأنت ترى الرجل يشاهد محبوبه الذي قد استغرق في حبه بحيث تخلل حبه جميع أجزاء قلبه أو يشاهد المخوف الذي امتلأ قلبه بخوفه فتراه دهشا عن شعوره بحبه أو خوفه لإستيلاء سلطان المحبوب أو المخوف على قلبه وعدم اتساعه لشهود غيره ألبتة لكن هذا لنقصه لا لكماله والكمال وراء ذلك فلا أحد أعظم محبة لله عز وجل من الخليلين عليهما الصلاة والسلام وكانت حالهما أكمل من هذه الحال وشهود العبودية أكمل وأتم وأبلغ من الغيبة عنها بشهود المعبود فشهود العبودية والمعبود درجة الكمل والغيبة بأحدهما عن الآخر للناقصين فكما أن الغيبة بالعبادة عن المعبود نقص فكذلك الغيبة بالمعبود عن عبادته نقص حتى إن من العارفين من لا يعتد بهذه العبادة ويرى وجودها عدما هي بمنزلة عبودية النائم وزائل العقل لا يعتد بها ولم يبعد هذا القائل فالحق تعالى مراده من عبده استحضار عبوديته لا الغيبة عنها والعامل على الغيبة عنها عامل على مراده من الله وعلى حظه والتنعم بالفناء في شهوده لا على مراد الله منه وبينهما ما بينهما فكيف يكون قائما بحقيقة العبودية من يقول إياك نعبد ولا شعور له بعبوديته ألبتة بل حقيقة إياك نعبد علما ومعرفة وقصدا وإرادة وعملا وهذا مستحيل في وادي الفناء ومن له ذوق يعرف هذا وهذا قوله وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا لما كان ما قبل هذا فناء العلم في المعلوم والمعرفة في المعروف والعيان فوق العلم والمعرفة إذنسبته إلى العلم كنسبة المرئي إليه كان الفناء في هذه المرتبة فناء عيانه في معاينه ومحو أثره واضمحلال رسمه قوله وفناء الطلب في الموجود وهو الفناء حقا يريد أنه لا يبقى لصاحب هذا العيان طلب لأنه قد ظفر بموجوده ومطلوبه وطلب الموجود محال لأنه إنما يطلب المفقود عن العيان لا الموجود فإذا استقرت في عيانه وشهوده فنى الطلب حقا قوله الدرجة الثانية فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود المعرفة لإسقاطها وفناء شهود العيان لإسقاطه يريد أن الطلب يسقط فيشهد العبد عدمه فهاهنا أمور ثلاثة مترتبة أحدها فناء الطلب وسقوطه ثم شهود سقوطه ثم سقوط شهوده فهذا هو فناء شهود الطلب لإسقاطه

Section V01/P151–V01/P153

وأما فناء شهود المعرفة لإسقاطها فيريد به أن المعرفة تسقطه في شهود العيان إذ هو فوقها وهي تفنى فيه فيشهد سقوطها في العيان ثم يسقط شهود سقوطها وصاحب المنازل يرى أن المعرفة قد يصحبها شيء من حجاب العلم ولا يرتفع ذلك الحجاب إلا بالعيان فحينئذ تفنى في حقه المعارف فيشهد فناءها وسقوطها ولكن عليه بعد بقية لا تزول عنه حتى يسقط شهود فنائها وسقوطها منه فالعارف يخالطه بقية من العلم لا تزول إلا بالمعاينة والمعاين قد يخالطه بقية من المعرفة لا تزول إلا بشهود سقوطها ثم سقوط شهود هذا السقوط وأما فناء شهود العيان لإسقاطه فيعني أن العيان أيضا يسقط فيشهد العبد ساقطا فلا يبقى إلا المعاين وحده قال الإتحادي هذا دليل على أن الشيخ يرى مذهب أهل الوحدة لأن العيان إنما يسقط في مبادى حضرة الجمع لأنه يقتضي ثلاثة أمور معاين ومعاين ومعاينة وحضرة الجمع تنفى التعداد وهذا كذب على شيخ الإسلام وإنما مراده فناء شهود العيان فيفنى عن مشاهدة المعاينة ويغيب بمعاينه عن معاينته لأن مراده انتفاء التعدد والتغاير بين المعاين والمعاين وإنما مراده انتفاء الحاجب عن درجة الشهود لا عن حقيقة الوجود ولكنه باب لإلحاد هؤلاء الملاحدة منه يدخلون وفرق بين إسقاطه الشيء عن درجة الوجود العلمي الشهودي وإسقاطه عن رتبة الوجود الخارجي العيني فشيخ الإسلام بل مشايخ القوم المتكلمين بلسان الفناء هذا مرادهم وأما أهل الوحدة فمرادهم أن حضرة الجمع والوحدة تنفى التعدد والتقييد في الشهود والوجود بحيث يبقى المعروف والمعرفة والعارف من عين واحدة لا بل ذلك هو نفس العين الواحدة وإنما العلم والعقل والمعرفة حجب بعضها أغلظ من بعض ولا يصير السالك عندهم محققا حتى يخرق حجاب العلم والمعرفة والعقل فحينئذ يفضي إلى ما وراء الحجاب من شهود الوحدة المطلقة التي لا تتقيد بقيد ولا تختص بوصف قوله الدرجة الثالثة الفناء عن شهود الفناء أي يشهد فناء كل ما سوى الحق تعالى في وجود الحق ثم يشهد الفناء قد فنى أيضا ثم يفنى عن شهود الفناء فذلك هو الفناء حقا وقوله شائما برق العين يعني ناظرا إلى عين الجمع فإذا شام برقه من بعد انتقل من ذلك إلى ركوب لجة بحر الجمع وركوبه إياها هو فناؤه في جمعه ويعني بالجمع الحقيقة الكونية القدرية التي يجتمع فيها جميع المتفرقات وتشمير القوم إلى شهودها والإستغراق والفناء فيها هو غاية السلوك والمعرفة عندهم وسنذكر إن شاء الله تعالى أن العبد لا يدخل بهذا الفناء والشهود في الإسلام فضلا أن يكون به من المؤمنين فضلا أن يكون به من خاصة أولياء الله المقربين فإن هذا شهود مشترك لأمر أقر به عباد الأصنام وسائر أهل الملل أنه لا خالق إلا الله قال الله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فالإستغراق والفناء في شهود هذا القدر غاية التحقيق لتوحيد الربوبية الذي أقر به المشركون ولم يدخلوا به في الإسلام وإنما الشأن في توحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب وتميز به أولياء الله من أعدائه وهو أن لا يعبد إلا الله ولا يحب سواه ولا يتوكل على غيره والفناء في هذا التوحيد هو فناء خاصة المقربين كما سيأتي إن شاء الله فصل إذا عرفت مراد القوم بالفناء فنذكر أقسامه ومراتبه وممدوحه ومذمومه ومتوسطه فاعلم أن الفناء مصدر فني فناء إذا اضمحل وتلاشى وعدم وقد يطلق على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه كا قال الفقهاء لا يقتل في المعركة شيخ فان وقال تعالى كل من عليها فان أي هالك ذاهب ولكن القوم اصطلحوا على وضع هذه اللفظة لتجريد شهود الحقيقة الكونية والغيبة عن شهود الكائنات وهذا الإسم يطلق على ثلاثة معان الفناء عن وجود السوى والفناء عن شهود السوى والفناء عن إرادة السوى