Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)
شيخ طائفة الفقراء بالشرقية كان من أرباب الأحوال، والمكاشفات، وكان رضي الله عنه يتكلم على سائر أقطار الأرض كأنه تربى فيها، ورأيته مرة وهو لابس بشتا من ليف، وعمامته ليف، ولما ضعف ولده أحمد، وأشرف على الموت، وحضر عزرائيل لقبض روحه قال له: الشيخ ارجع إلى ربك فراجعه، فإن الأمر نسخ فرجع عزرائيل، وشفي أحمد من تلك الضعفة، وعاش بعدها ثلاثين عاما، وكان رضي الله عنه يقول: للعصا التي كانت معه كوني إنسانا فتكون إنسانا، ويرسلها تقضى الحوائج ثم تعود كما كانت، وكراماته كثيرة، وكان رضي الله عنه يخرج من بلده شربين كل ليلة من المغرب لا يرجع إلى الفجر لا يعلمون إلى أين يذهب، وكان الأمير قرقماش، وغيره من الأمراء يعتقدونه اعتقادا زائدا، وعمر له زاوية عظيمه، ولم تكمل، وكان من طريقته أنه يأمر مريديه بالشحاتة على الأبواب دائما في بلده، ويتعممون بشراميط البرد السود، والحمر والحبال وكان الشيخ محمد بن عنان، وغيره ينكرون عليه لعدم صلاته مع الجماعة، ويقول: نحن ما نعرف طريقا تقرب إلى الله تعالى إلا ما درج عليه الصحابة، والتابعون، وكان يقبض من الهواء كل شيء يحتاجون إليه للبيت، وغيره ويعطيه لهم، وأخبر بدخول ابن عثمان السلطان سليم قبل دخوله بسنتين، وكان يقول: أتوكم محلقين اللحاء، فكان الناس يضحكون عليه لقوة التمكين الذي كانت الجراكسة عليه، فما كان أحد يظن انقراضهم في مدة يسيرة. مات رحمه الله تعالى قبل العشرين، والتسعمائة ودفن بزاويته سربين، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه. ومنهم الشيخ علي الدويب رحمه الله تعالى آمين بنواحي البحر الصغير: كان رضي الله عنه من الملامتية الأكابر، وأرسل لي السلام مرات، ولم أجتمع به إلا في النوم، ذلك أني سمعت قائلا يقول لا إله إلا الله على الدويب قطب الشرقية، وما كنت سمعت اسمه فسأله جماعة الشيخ محمد بن عثمان فأخبروني به، وقالوا له: موجود، وهو شيخ لشيخ محمد العدل الطناحي، وكان يلبس عمامة الجمالين ونعلهم، وعمر أكثر من مائة سنة رضي الله عنه، وكان مقيما في البرية لا يدخل بلده إلا ليلا، ويخرج قبل الفجر، وكان رضي الله عنه يمشي على الماء في البحر، وما رآه أحد قط نزل في مركب، وجاء إلى مصر أقام بها عشرين سنة، وكان لم يزل واقفا تجاه المارستان بين القصرين من الفجر إلى صلاة العشاء، وهو متلثم وبيده عصا من شوم ثم تحول إلى الريف وظهرت له كرامات خارقة للعادة وكان رضي الله عنه يقول: فلان مات في الهند أو في الشام أو في الحجاز فبعد مدة يأتي الخبر كما قال: الشيخ، ولما مات رأوا في داره نحو المائة ألف دينار، وما علموا أصل ذلك، فإنه كان متجردا من الدنيا، فأخذها السلطان. مات رحمه الله بالقباب بالشرقية، ودفن في داره رحمه الله سنة سبع، وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ أحمد السطيحة رحمه الله تعالى
كان من الرجال الراسخين صحبته عشرين سنة، وأقام عندي أياما، وليالي، وأن رضي الله عنه يقول: ما أحببت أحدا في عمري قدرك، وكان رضي الله عنه على قدم الشيخ أحمد الفرغل رضي الله عنه في لبسه كل جمعة مركوبا جديدا يقطعه مع أنه سطيحة لا يتحرك، وكان رضي الله عنه يتكلم في الخواطر، ويقضي حوائج الناس عند الأمراء، وولاة الأمور، وطريقه مخلاة بلا معارض، ووقعت له كرامات كثيرة: منها أن أم زوجته تسللت عليه ليلة فرأته قد انتصب قائما سليما من الكساح كأحسن الشباب، فلما شعر بها زجرها، فخرست وتكسحت وعميت إلى أن ماتت، وكان رضي الله عنه لم يزل في عصمته أربع نساء، وكانت كفه ألين من العجين خفي الصوت لا يتكلم إلا همسا كثير المباسطة خفيف الذات، ولما وردت عليه من بلد سيدي أحمد البدوي قال: كم نفر معك فقلت: سبعة قال: قل: بيت الوالي ثم ضيفنا ضيافة كثيرة تلك الليلة، وكان على زاويته الوارد كثيرا يعشي، ويعلق على البهائم، وله زرع كثير، والناس تقصده بالهدايا من سائر البلاد، وكان يحضنه خادمه على الفرس كالطفل، وله طرطور جلد طويل، وله زناق من تحت ذقنه، ويلبس الجبب الحمر، وكانت آثار الولاية لائحة عليه إذا رآه الإنسان لا يكاد يفارقه، وحاكي إنسان به، وعمل له طرطورا، وركب على فرس في حجر خادم، فانكسرت ركبته فصاح اذهبوا بي إلى الشيخ أحمد السطيحة قأتوه به فضحك الشيخ عليه، وقال: تزاحمني على الكساح تب إلى الله، ورقبتك تطيب فتاب واستغفر، فأخذ الشيخ زيتا، وبصق فيه، وقال: ادهنوا به رقبته فدهنوها فطابت، وكانت، وارمة مثل الخلاية فصارت تنقص إلى أن زال الورم، وقلع الطرطور، وصار يخدم الشيخ إلى أن مات، وكان من بلد تسمى بطا، وكان ببولاق فنزل في مركب ليسافر، وكان الريس لا يعرفه، فطلعه هو، وجماعته فلما أن طلع الشيخ انخرقت المركب، وغرقت بجانب البر، فأخذوا بخاطر الشيخ، فقال: الشيخ للريس سد خرق مركبك فإننا لم نعد ننزل معك، ومن مناقبه رضي الله عنه أن بعض الفلاحين سخر بطرطوره، وأكل شوك اللحلاح، فوقفت شوكة في حلقه فمات في الحال، وخطب مرة بنتا بكرا فأبت، وقالت: أنا ضاقت علي الدنيا حتى أتزوج بسطيحة فلحقها الفالج فلم ينتفع بها أحد إلى أن ماتت، وطلبته بنت بنفسها فقال لها: البنات يا امرأة المكسح، وعايروها فدخل بها الشيخ، وأزال بكارتها، وساح الدم حتى ملأ ثيابها ووضعوا ثوبها بالدم على رمح في الدار لينظره الناس، ومن كراماته أنه شفع عند أمير من الأمراء كان نازلا بمنف فقبل شفاعته. فلما خرج من عنده رجع، وحبس الرجل ثانيا، فطلعت في رقبته غدة فخنقته فمات في يومه، ومن كراماته أن امرأة تكسحت، وعجز الأطباء عن دوائها مدة أربع سنين فدخل الشيخ لها، وبصق في شيء من الزيت، وقال: ادهنوا بدنها فدهنوها في حضرة الشيخ فبرئت وحضر مجلس سماع في ناحية دسوق فطعنه فقير عجمي تحت بزه فقال: طعنني العجمي ثم قال يا رب خذ لي حقي فأصبح العجمي مشنوقا على حائط لا يدرون من شنقه، ومن كراماته أنه وقف على باب زاويتي مرة، وهو في شفاعة عند الباشا فقال: يكون خاطركم معنا في هذه الشفاعة، فأخذتني حالة فرأيت نفسي واقفا على باب الكعبة فقال: يا هو أبعدت عنا، وكان رضي الله عنه يعرف سريان القلوب وكان رضي الله عنه صائم الدهر، وتوفي سنة اثنتين، وأربعين وتسعمائة ودفن بزاويته بشبرا قبالة الغربية وقبره ظاهر يزار، وكان يدعو عليها بالخراب، وعلى أهلها الذين كانوا ينكرون عليه فوقع بينهم القتل وخربوا، وهي خراب إلى وقتنا هذا فقلت له: الفقير يعمر بلده، وإلا يخربها فقال: هؤلاء منافقون وفي حصادهم مصلحة للدين فنسأل الله أن يحفظنا من الشيطان، والحمد الله وحده. ومنهم الشيخ بهاء الدين المجذوب رضي الله عنه
المدفون بالقرب من باب الشعرية بزاويته، كان رضي الله عنه من أكابر العارفين، وكان كشفه لا يخطئ، وكان رضي الله عنه أولا خطيبا في جامع الميداني، وكان أحد شهود القاضي، فحضر يوما عقد زواج فسمع قائلا يقول: هاتوا لنا رجال الشهود، فخرج هائما على وجهه، فمكث ثلاثة أيام في الجبل المقطم لا يأكل، ولا يشرب ثم ثقل عليه الحال فخرج بالكلية، وكان رضي الله عنه يحفظ البهجة فكان لا تزال تسمعه يقرأ فيها، وذلك أن كل حالة أخذ العبد عليها يستمر فيها، ولو خرج عنها يرجع إليها سريعا حتى إن من المجاذيب من تراه مقبوضا على الدوام لكونه جذب على حالة قبض، ومنهم من تراه مبسوطا، وهكذا، وكان الشيخ فرج المجذوب رضي الله عنه لم يزل يقول: عندك رزقة فيها خراج ودجاج، وفلاحون لكونه جذب وقت اشتغاله بذلك، وزمن المجذوب من حين يجذب إلى أن يموت زمن فرد لا يدري بمرور زمان عليه، ورأيت ابن البجائي رضي الله عنه لم يزل يقول: الفاعل مرفوع، والمخفوض مجرور، وهكذا لأنه جذب، وهو يقرأ في النحو، ورأيت القاضي ابن عبد الكافي رضي الله عنه لما جذب لم يزل يقول: وهو في بيت الخلاء، وغيره، ولا حق، ولا استحقاق، ولا دعوى، ولا طلب، ولا غير ذلك، ومن وقائعه رضي الله عنه أننا حضرنا يوما معه وليمة فنظر للفقهاء في الليل، وزعق فيهم، وقال: لهم: كفرتم بكلام الله ثم حذفهم بقلة من الماء كانت بجانبه فصعدت إلى نحو السقف ثم نزلت فقال: فقيه منهم كسر القلة فقال: له كذبت فوقعت على الأرض صحيحة كما كانت، فبعد خمس عشرة سنة رأى الفقيه فقال له: أهلا بشاهد الزور الذي يشهد أن القلة انكسرت، ومكاشفاته مشهورة بين الأكابر بمصر من المباشرين وعامة الناس. مات رحمه الله سنة نيف وعشرين وتسعمائة رضي الله عنه وأرضاه آمين. ومنهم الشيخ عبد القادر الدشطوطي رضي الله عنه ورحمه كان من أكابر الأولياء رضي الله عنه صحبته، نحو عشرين سنة، وحصل لي منه نفحات وجدت بركتها وكان صاحيا، وهيئته هيئة المجاذيب رضي الله تعالى عنه، وكان مكشوف الرأس حافيا، ولما كف صار يتعمم بجبة حمراء، وعليه جبة أخرى فإذا اتسخت تعمم بالآخرى، واجتمعت به في أول يوم من رمضان سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، وكنت دون البلوغ، فقال: اسمع من هذه الكلمات، واحفظها تجد بركتها إذا كبرت فقلت له: نعم فقال يقول: الله عز وجل يا عبدي لو سقت إليك ذخائر الكونين فملت بقلبك إليها طرفة عين فأنت مشغول عنا لابنا فحفظتها فهذه بركتها. وقال لي: أمورا أخر لم يأذن لي في إفشائها، وكان يسمى بين الأولياء صاحب مصر، وقالوا: إنه ما رؤى قط في معدية إنما كانوا يرونه في مصر، والجيزة، وحج رضي الله عنه ماشيا حافيا، وأخبرني الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري رحمه الله أنه لما وصل إلى المدينة المشرفة وضع خده على عتبة باب السلام، ونام مدة الإقامة حتى رجع الحج، ولم يدخل الحرم، وعمر عدة جوامع في مصر، وقراها، وكان رضي الله عنه له القبول التام عند الخاص، والعام وكان السلطان قايبتاي يمبرغ وجهه على أقدامه.
ومن مناقبه أنهم زوروا عليه برجل كان يشبهه، فأجلسوه في تربة مهجورة في القرافة ليلا، وراحوا إلى السلطان، وقالوا له: إن سيدي عبد القادر الدشطوشي يطلبك في بالقرافة ليلا فنزل إليه، وصار يقبل أقدامه فقال: الرجل المزور عليه الفقراء محتاجون لعشرة آلاف دينار فقال: السلطان بسم الله فمضى ثم أرسلها له فبلغ السلطان أنهم زوروا عليه، فأرسل خلف المزور فضربه إلى أن مات، وكان من شأنه التطور، وحلف اثنان أن الشيخ نام عند كل منهما إلى الصباح في ليلة واحدة في مكانين، فأفتى شيخ الإسلام الشيخ جلال الدين السيوطي بعدم وقوع الطلاق، وأخبرني الأمير يوسف بن أبي أصبغ قال: لما أراد السلطان قايتباي أن يسافر إلى بحر الفرات استأذن الشيخ عبد القادر الدشطوطي في السفر، فأذن له قال: الأمير يوسف فكنا طول الطريق ننظره يمشي أمامنا، فإذا أراد السلطان ينزل إليه يختفي، فلما دخلنا حلب وجدنا الشيخ رضي الله عنه ضعيفا بالبطن في زاوية بحلب مدة خمس شهور، فتحيرنا في أمره رضي الله عنه، ودخلت، وأنا شاب أعزب. فقال لي: تزوج، واتكل على الله خذ بنت الشيخ محمد بن عنان فإنها صبية هائلة، فقلت ما معي شيء من الدنيا فقال: بلى قل: معي أشر في قل: اثنان قل: ثلاثة معي قل: أربعة قل: خمسة، وكان لي عند شخص بنواحي المنزلة ذلك القدر فحسبه الشيخ، وكنت أنا ناسيه ثم أذن الظهر فتغطى الشيخ بالملاية، وغاب ساعة ثم تحرك ثم قال: الناس معذورون يقولون عبد القادر ما يصلي والله ما أظن أني تركت الصلاة منذ جذبت، ولكن لنا أماكن نصلي فيها فقلت: للشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه فقال: صدق له أماكن إنه يصلي في الجامع الأبيض برملة لد، وسمعته مرة يقول كل من قال: السعادة بيد أحد غير الله كذب، وإني كنت جهدان في الدنيا يضرب بي المثل فحصل لي جاذب إلهي، وصرت أغيب اليومين، والثلاثة ثم أفيق أجد الناس حولي، وهم متعجبون من أمري ثم صرت أغيب العشرة أيام، والشهر لا آكل، ولا أشرب فقلت: اللهم إن كان هذا وارد منك فاقطع علائقي من الدنيا فمات الأولاد، ووالدتهم، والبهائم، ولم يبق أحد دون أهل البلد، فخرجت سائحا إلى وقتي هذا فهل كان ذلك في قدرة العبد. قلت له لا، وسمعته يقول: للشيخ جلال الدين البكري: يا جلال الدين وقفنا هذا كله للفقراء، والمساكين، والمتكشفين الركب، وكأني بك، وقد جاءوا إليك بسياق فلان، وفلان اجعل لهذا وظيفة فتخرب المكان، وكان رضي الله عنه عالما بأحوال الزمان، وما الناس عليه، وكان رضي الله عنه أكثر ما ينام عند شخص نصراني في باب البحر فيلومه الناس، فيقول: هذا مسلم، ومن بركته أسلم النصراني على يديه، وحسن إسلامه، وسمعته يقول: وقد سأله الشيخ شمس الدين البهنسي عن جماعة في مصر من الفقراء الذين في عصره فقال: يا ولدي هؤلاء بعيدون عن الطريق والله ما يذوقون قشر الطريق فضلا عن لبها، ولما دنت وفاته أكثر من البكاء، والتضرع وكان يقول: للبناء الذي يبنى في القبة عجل في البناء، فان الوقت قد قرب فمات، وبقي منها يوم فكملت بعده، ودفن في قبره وأوصي أن لا يدفن عليه أحد، وأوصى أن يعمل فوقه، وجانبه مجاديل حجر حتى لا تسع أحدا يدفن معه. مات سنة نيف وثلاثين وتسعمائة وصلى عليه ملك الأمراء خير بك، وجميع الأمراء، وأكابر مصر، وكراماته مشهورة في مصر، والبلاد التي كان يمر فيها رضي الله عنه. ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي حسن العراقي رحمه الله تعالى
المدفون بالكوم خارج باب الشعرية رضي الله عنه بالقرب من بركة الرطلي، وجامع البشيري ترددت إليه مع سيدي أبي العباس الحريثي، وقال أريد أن أحكي لك حكايتي من مبتدأ أمري إلى وقتي هذا كأنك كنت رفيقي من الصغر، فقلت له: نعم فقال كنت شابا من دمشق، وكنت صانعا، وكنا نجتمع يوما في الجمعة على اللهو واللعب، والخمر، فجاءني التنبيه من الله تعالى يوما ألهذا خلقت؟ فتركت ما فيهم فيه، وهربت منهم فتبعوا ورائي فلم يدركوني، فدخلت جامع بني أمية، فوجدت شخصا يتكلم على الكرسي في شأن المهدي عليه السلام، فاشتقت إلى لقائه فصرت لا أسجد سجدة إلا وسألت الله تعالى أن يجمعني عليه فبينما أنا ليلة بعد صلاة المغرب أصلي صلاة السنة، وإذا بشخص جلس خلفي، وحسس على كتفي، وقال لي: قد استجاب الله تعالى دعاءك يا ولدي مالك أنا المهدي فقلت تذهب معي إلى الدار، فقال نعم، فذهب معي، فقال: أخل لي مكانا أنفرد فيه فأخليت له مكانا فأقام عندي سبعة أيام بلياليها، ولقنني الذكر، وقال أعلمك ورعي تدوم عليه إن شاء الله تعالى تصوم يوما، وتفطر يوما، وتصلي كل ليلة خمسمائة ركعة، فقلت: نعم فكنت أصلي خلفه كل ليلة خمسمائة ركعة وكنت شابا أمرد حسن الصورة فكان يقول: لا تجلس قط إلا ورائي فكنت أفعل، وكانت عمامته كعمامة العجم، وعليه جبة من وبر الجمال فلما انقضت السبعة أيام خرج، فودعته، وقال لي: يا حسن ما وقع لي قط مع أحد ما وقع معك فدم علي، ورعك حتى تعجز، فإنك ستعمر عمرا طويلا انتهى كلام المهدي. قال: فعمري الآن مائة وسبعة وعشرون سنة قال: فلما فارقني المهدي عليه السلام خرجت سائحا فرحت إلى أرض الهند، والسند والصين، ورجعت إلى بلاد العجم، والروم، والمغرب ثم رجعت إلى مصر بعد خمسين سنة سياحة فلما أردت الدخول إلى مصر منعوني من ذلك، وكان المشار إليه فيها سيدي مدين المتبولي رضي الله عنه فأرسل يقول لي: أقم في القرافة فأقمت في قبة مهجورة عشر سنين تخدمني الدنيا في صورة عجوز تأتيني كل يوم برغيفين وإناء فيه طعام فلا كلمتها، ولا كلمتني قط ثم سألت في الدخول فأذنوا لي أن أسكن في بركة القرع فأقمت فيها سنين عديدة في حارة. ثم جاء الشيخ عبد القادر الدشطوطي رضي الله عنه يريد أن يبني له جامعا هناك فصار يقاتلني، ويقول: اخرج من هذه الحارة فقلت له يوما مالك، ولي أنا مالي أحد يعتقدني من الأمراء، ولا من غيرهم فما لك ولي فلم يزل بي حتى خرجت إلى هذا الكوم فيه سبع سنين فبينما أنا ذات يوم جالس هنا إذ طلع على الدشطوطي، فقال: انزل من هذا الكوم، فقلت: لا أنزل، فخرجت النفس مني، ومنه فدعا علي بالكساح، فتكسحت، ودعوت عليه بالعمى فعمي فهو كالطوبة الآن هناك، وأنا رمة في هذا الموضع وأنا أوصيك يا عبد الوهاب أنك لا تصادم أحدا قط بنفس، وإن صدمك فلا تصادمه، وإن قال لك: اخرج من زاويتك أو دارك، فاخرج، وأجرك على الله، وكان رضي الله عنه إذا جاءه شخص بجوخة أو ثوب صوف يأخذ السكين، ويشرحها سيورا سيورا ثم يخيطها بخيط دارج، ومسلة، ويقول: إن نفسي تميل إلى الأشياء الجديدة، فإذا قطعتها لم يبق عندها ميل. توفي رضي الله عنه سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، ودفن في القبة التي في الكوم المتقدم ذكره رضي الله عنه. ومنهم سيدي إبراهيم بن عصيفير رضي الله تعالى عنه آمين
كان خطه الذي يمشي فيه من باب الشعرية إلى قنطرة الموسكي إلى جامع الغمري، وكان كثير الكشف، وله وقائع مشهورة، وكان أصله من البحر الصغير، وظهرت له الكرامات، وهو صغير: منها أنه كان ينام في الغيط، ويأتي البلد، وهو راكب الذئب أو الضبع، ومنها أنه كان يمشي على الماء لا يحتاج إلى مركب، وكان بوله كاللبن الحليب أبيض، وكان يغلب عليه الحال فيخاصم ذباب وجهه، وكان يتشوش من قول المؤذن الله أكبر فيرجمه، ويقول: عليك يا كلب نحن كفرنا يا مسلمين حتى تكبروا علينا وما ضبطت عليه قط كشفا أخرم فيه، وليلة أحرقت منارة المدرسة التي هي مسكننا بين السورين أخذ من إنسان نصفين وأعطاهما للسقاء، وقال: كب هذه الراوية على هذا الحريق فصبه على الأرض تجاه المدرسة، فقال: الناس للسقاء اللهم إن هذا مجذوب ما عليه حرج تصب الماء على الأرض خسارة، فطلع الوقاد تلك الليلة، فأوقد المنارة، ورشق الجنيب في حائطها، وكانت خشبا، ونزل، ونسيه فاحترقت تلك الليلة، ووقعت الثلاثة أدوار كأن إنسانا نزعها، وحملها، ووضعها على الأرض ممدودة في الشارع لم تصب أحدا من الجيران، وكان رضي الله عنه يقول: جاكم ابن عثمان جاكم ابن عثمان فكان غز الغوري يسخرون به. وكان رضي الله عنه كثير الشطح، وكان أكثر نومه في الكنيسة، ويقول النصارى لا يسرقون النعال في الكنيسة بخلاف المسلمين، وكان رضي الله عنه يقول: أنا ما عندي من يصوم حقيقة إلا من لا يأكل اللحم الضاني أيام الصوم كالنصارى، وأما المسلمون الذين يأكلون اللحم الضاني، والدجاج أيام الصوم فصومهم عندي باطل، وكان رضي الله عنه يقول: لخادمه أوصيك أن لا تفعل الخير في هذا الزمان فينقلب عليك بالشر، وجرب أنت نفسك، ولما سافر الأمير جانم إلى الروم شاوره، فقال: تروح وتجيء سالما ففارقه، وراح للشيخ محيسن فقال له: إن رحت شنقوك، وإن قعدت قطعوا رقبتك فرجع إلى الشيخ ابن عصيفير فقال: تروح وتجيء سالما، وكان الأمر كذلك فراح تلك السفرة، وجاء سالما ثم ضرب عنقه بعد ذلك، فصدق الشيخان. ولما سافر ابن موسى المحتسب بلاد العصاة أرسل إلى عياله بقمقم ماء ورد، وقال: صبوه على كفنه، وهو على المغتسل فجاء الخبر بأنهم قتلوه، وأتوا به في سحلية فصبوه عليه كما قال: الشيخ، وكان شخص يؤذيه في الحارة فدعا عليه ببلاء لا يخرج من بدنه إلى أن يموت فتورمت رجلاه، ونتفخا وخرج منهما الصديد، وترك الصلاة حتى الجمعة، والجماعة وصار لا يستنجي قط، فإذا غسلوا ثوبه يجدوا فيه العذرة كثوب الأطفال وقال له: شخص مرة ادع لي يا سيدي فقال الله: يبليك بالعمى في حارة اليهود فعمي كما قال: في حارتهم، وقال له: شخص ومعه بنية حاملها ادع لينيتي هذه فقال: الله يعدمك حسها فماتت بعد يومين، وكان يفرش تحته في مخزنه التبن ليلا، ونهارا، وقبل ذلك كان يفرش زبل الخيل، وكان إذا مرت عليه جنازة، وأهلها يبكو يمشي أمامها معهم، ويقول زلابية هريسة زلابية هريسة، وأحواله غريبة، وكان يحبني وكنت في بركته، وتحت نظره إلى أن مات سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة ودفن بزاويته بخط بين السورين تجاه زاوية الشيخ أبي الحمائل رضي الله عنه. ومنهم سيدي الشيخ شهاب الدين الطويل النشيلي رضي الله تعالى عنه
كان من أولاد سيدي خليل النشيلي أحد أصحاب سيدي أبي العباس المرسي رضي الله عنه، ورأيته، وهو في أوائل الجذب، والحروز معلقة على رأسه، وكان أهله يعتقدون أنه من الجان، ولم أزل أوده، ويودني إلى أن مات، وأول ما لقيته، وأنا شاب أمرد، وقال لي: أهلا يا ابن الشوني أيش حال أبوك، وكنت لا أعرف قط الشوني فبعد عشر سنين حصل لي الاجتماع بالشوني فأخبرته، بقول: الشيخ شهاب الدين فقال: صدق أنت ولدي، وإن شاء الله تعالى يحصل لك على يدينا خير، وكان رضي الله عنه يأتيني، وأنا في مدرسة أم خوند ساكن فيقول: أقل لي بيضا قريصات، فأفعل له ذلك، فيأكل البيض أولا ثم الخبز ثانيا وحده، وكان رضي الله عنه إذا راق يتكلم بكلام حلو محشو أدبا، ومكث مولى من أصحاب النوبة بمصر سبع سنين ثم عزل، وكان يحب دخول الحمام لم يزل يدخلها حتى مات فيها، وكان ينادي خادمه، وهو في الصلاة فإن لم يجئه مشى إليه، وصكه ومشى به، وقال: كم أقول لك لا تعد تصلي هذه الصلاة المشئومة، فلا يستطيع أحد أن يخلصه منه، وكان يضرب الإنسان على وجهه، ولقيه مرة إنسان طالع من جامع الغمري، وهو جنب فلطمه علم وجهه، وقال: ارجع اغتسل، وجاءه شخص فعل فاحشة في عبده يطلب منه الدعاء، فأخذ خشبة، وضربه بها نحو مائة ضربة، وقال: يا كلب تفعل في العبد الفاحشة فانفضح ذلك الشخص. مات رضي الله عنه، ودفن بزاويته بمصر العتيقة سنة نيف وأربعين وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه من الأولياء الأكابر، وكان سيدي على الخواص رضي الله عنه يقول: ما رأيت قط أحدا من أرباب الأحوال دخل مصر إلا، ونقص حاله إلا الشيخ عبد الرحمن المجذوب، وكان مقطوع الذكر قطعة بنفسه أوائل جذبه، وكان جالسا على الرمل صيفا، وشتاء، وإذا جاع أو عطش يقول أطعموه، وأسقوه، وكان ثلاثة أشهر يتكلم وثلاثة أشهر يسكت، وكان يتكلم بالسرياني، وأخبرني سيدي على الخواص رضي الله عنه قال: ما مثلت نفسي إذا دخلت عند الشيخ عبد الرحمن رضي الله عنه إلا كالقط تجاه السبع، وكان يرسل لي السلام، ويخبر خادمه بوقائعي بالليل واحدة واحدة، فيخبرني بها فأتعجب من قوة اطلاعه، وحصل لي مرة وارد طغت على فيه نار فنزعت ثيابي، ومررت عليه في زقاق سويقة اللبن قبيل العشاء فصار يقول: لخادمه اذهب بهذه البردة والحق بها عبد الوهاب غطه بها، فما أخبرني الخادم إلا بعد أيام، وقال: قال لنا: في الوقت الفلاني كذا وكذا فقلت: هذا مجذوب، واستبعدنا كونك تثعري رضي الله عنه، وكان مقعدا نحو نيف، وعشرين سنة أقعده الفقراء، وكان يخبر عن سائر الأقطار الأرض، وعن أقواتهم وأحوالهم رضي الله عنه. مات رضي الله عنه سنة أربع، وأربعين، وتسعمائة، ودفن بالقرب من جامع الملك الظاهر بالحسينية، وقبره ظاهر بالحسينية يزار في زاويته رضي الله عنه. ومنهم سيدي محمد الرويجل العريان رضي الله عنه كان رضي الله تعالى عنه من أرباب الكشف التام رأيته مرة من بعيد نحو مائة قصبة فقال لي رفيقي هل يحس بأحد إذا ضربه فلما وصلنا إليه قال: لرفيقي تضربني على أيش، وكان يدخل ينام في كنون الطباخ، وأخبرني سيدي الشيخ شهاب الدين الرملي الشافعي رضي الله عنه قال: أصل ما حصل لي من العلم، والفتوى ببركة دعاء الشيخ محمد الرويجل. مات رضي الله عنه سنة ثلاث، وعشرين، وتسعمائة مقتولا قتله عسكر ابن عثمان حين دخل مصر، وأخبرني عن قطع رقبته يوم موته وصار يقول: أيش عمل الرويجل يقطعون رقبته ووقف على شباك سيدي محمد بن عنان، وصار يقول: يا سيدي أيش عمل الرويجل يقطعون رقبته رضي الله عنه. ومنهم سيدي حبيب المجذوب رضي الله تعالى عنه
كان سيدي على الخواص رضي الله عنه يقول: حبيب حية رقطاء خلقه الله تعالى أذى صرفا، وكان إذا رآه يقول: اللهم اكفنا السوء وكان مبتلي بالإنكار عليه بمزح معه الصغار، وغيرهم ويعطيهم، وليس له كرامة إلا في أذى الناس فلا تحكي عنه شيئا، وكان كلما نظر إلي إذا مررت عليه يحصل عندي قبض عظيم، ولم أزل ذلك النهار جميعه في تكدير فلما مات قال: سيدي على الخواص رضي الله عنه الحمد لله على ذلك، ودفن رحمه الله تعالى بالكوم بالقرب من بركة القرع خارج باب الشعرية رضي الله عنه. ومنهم سيدي فرج المجذوب رضي الله تعالى عنه كان له الكرامات الظاهرة، ووقع لي معه كرامات، وكان يطلب الفلوس من الناس، فإذا اجتمعت أعطاها للمحاويج والأرامل، وكثيرا ما يدفنها في جوار حائط، ويذهب، ويخليها فيأخذها الناس، وأخبرني سيدي جمال الدين ابن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رضي الله عنه قال: خرجت إلى الحمام فرآني الشيخ، فرج رضي الله عنه فقال: هات نصفا فأعطيته فقال: هات آخر فأعطيته، فلم يزل كذلك إلى تسعة، وثلاثين نصفا فقال: هات آخر فقلت له: بقي نصف للحمام فقال: كتبت لك وصولا على شموال اليهودي، وفارقته فلما رجعت من الحمام جاءني يهودي بتسعة وثلاثين دينارا فقال: إن والدك أقرضني أربعين دينارا، وما بيني، وبينه إلا الله ولكن ما قدرت إلا على تسعة وثلاثين فاقبضها إلي، ووقائعه كثيرة، وانقطع آخر عمره في المارستان حتى مات، ودفن عند الشيخ شهاب الدين المجذوب بباب الشعرية رضي الله عنه. ومنهم سيدي إبراهيم المجذوب رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه كل فلوس حصلها يعطيها للمطبلين، ويقول: طبلوا لي زمروا لي، ولم يزل يقول: يا إبراهيم روح للنوبة قال سيدي: على الخواص رضي الله عنه إنه كان من أصحاب النوبة، وكان سيدي على الخواص رضي الله عنه إذا حصل له ضرورة يرسل يعلمه بها فتقضي، وكان كل قميص لبسه يخيطيه، ويحزقه على رقبته، فإن ضيقه جدا حتى ينخنق حصل للناس شد عظيمة، وإن وسعه حصل للناس الفرج، صحبته نحو سبع سنين وكان كلما رآني تبسم، وكان شهرته الشيخ إبراهيم النوبة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ أحمد المجذوب المشهور بحب رمانتي رحمه الله تعالى كان رضي الله عنه لا يلبس إلا الحرير على بدنه وكان قمعه طول ذراع، ونصف، وكان رضي الله عنه يقف على الدكان ويصيح يا مالي، ومال السلطان عند صاحب هذا الدكان فلا يزال كذلك إلى أن يأخذ ما يطلبه منه ثم يدفنه تحت جدار، ويذهب، وكانت له كرامات كثيرة. مات رضي الله عنه سنة نيف، وعشرين وتسعمائة، ودفن بباب اللوق رضي الله عنه. ومنهم الشيخ إبراهيم العريان رضي الله تعالى عنه، ورحمه كان رضي الله عنه إذا دخل بلدا سلم على أهلها كبارا، وصغارا بأسمائهم حتى كأنه تربى بينهم، وكان رضي الله عنه يطلع المنبر ويخطب عريانا فيقول: السلطان، ودمياط باب اللوق بين القصرين، وجامع طيلون الحمد لله رب العالمين فيحصل للناس بسط عظيم، وكان رضي الله عنه إذا صحا يتكلم بكلام حلو حتى يكاد الإنسان لا يفارقه، طلع لنا مرارا عديدة في الزاوية وسلم علي باسمي، واسم أبي، وأمي ثم قال: للذي بجنبه أيش اسم هذا، وكان يخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول: هذه ضرطة فلان، ويحلف على ذلك، فيخجل ذلك الكبير منه مات رضي الله عنه سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ محيسن البرلسي رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه من أصحاب الكشف التام، وكان يربط عنده عنزا وديكا بحبل، والنار موقدة عنده في أغلب أوقاته صيفا، وشتاء، وكان سيدي على الخواص رضي الله عنه إذا شك في نزول بلاء على أهل مصر يقول: اذهبوا للشيخ محيسن فانظروا النار التي عنده هل هي موقودة أو مطفية فإن كانت مطفية حصل في مصر رخاء، ونعمة وكان الناس في غاية الراحة فأوقد الشيخ محيسن رضي الله عنه النار فقال: الشيخ الله لا يبشره بخير فأصبح الناس في شدة عظيمة في مسكنهم لبلاد الهند، وحصل لهم غاية الضيق، وكنت عنده مرة فجاء إنسان ومزح معه، وكان في رجله أكلة من أصحاب النوبة لم تزل تدود إلى أن مات فقال له: ذلك الإنسان الذي جعل في هذه الرجل الأكلة قادر أن يجعلها في الآخرى فقال: ما يستحق ذلك إلا الذي زنى بامرأة جاره فخجل ذلك الإنسان، فقلت له: مالك؟ فقال: هذا وقع لي، وأنا شاب في نواحي دمياط من منذ خمسين سنة فقتل: الذي يطلع على هذا تمزح معه؟ فقال: والله ما علم بهذه الواقعة أحد إلا الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يحبني ويرسل يخبرني بالوقائع التي تحصل لي في البيت واحدة واحدة، وكان رضي الله عنه إذا رأى صغيرا من الريف في بولاق يريد أبوه أن يعلمه القرآن يقول له: اذهب إلى زاوية عبد الوهاب، فأرسل لي كذا، وكذا ولدا وحصل لهم الخير، ووقع مني مرة سوء أدب فأرسل أعلمني به، وهو في الرميلة، وذلك أن الأمير جانم كان مطلوبا إلى استنبول فكتبت له كتابا إلى أصحاب النوبة بنواحي العجم، والروم بالوصية به، وطواه ووضعه في رأسه، وخرج، فأرسل لي في الحال يقول: الناس في عينيك كالقش ما بقي أحد في البلد له شوارب إلا أنت تكاتب أصحاب النوبة بغير إذن من أصحاب البلد، فاستغفرت في نفسي فأرسل يقول لي: إذا سألت أحد في شيء يتعلق بالولاة بمصر شاور بقلبك أصحاب النوبة بها إعطاء لحقهم من الأدب معهم ثم افعل بعد ذلك ما تريد لا حرج لأنهم لا يحبون من يقل أدبه معهم. مات رضي الله عنه، ودفن بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه في تربة البارزي في سنة نيف، وأربعين وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ أبو الخير الكليباتي رضي الله عنه كان رضي الله عنه من الأولياء المعتقدين، وله المكاشفات العظيمة مع أهل مصر، وأهل عصره، وكانت الكلاب التي تسير معه من الجن، وكانوا يقضون حوائج الناس، ويأمر صاحب الحاجة أن يشتري للكلب منهم إذا ذهب معه لقضاء حاجته رطل لحم، وكان أغلب أوقاته واضعا وجهه في حلق الخلاء في ميضأة جامع الحاكم، ويدخل الجامع بالكلاب، فأنكر عليه بعض القضاة، فقال: هؤلاء لا يحكمون باطلا، ولا يشهدون زورا فرمى القاضي بالزور، وجرسوه على ثور بكرش على رأسه، ولم يزل ممقوتا إلى أن مات، وكان رجلا قصيرا في يده عصا فيها حلق، وشخاشيخ، وكان يعرج دعا لي مرة بأن الله يصبرني على البلوى، وحصل لي ببركته بعض ذلك. مات رضي الله عنه سنة عشر وتسعمائة، ودفن بالقرب من جامع الحاكم في المكان الذي كان يجلس فيه أوقاتا رضي الله عنه. ومنهم سيدي عمر البجائي المغربي رضي الله تعالى عنه
دخل مصر في أيام السلطان الغوري، وكان له القبول التام عند الأكابر، وغيرهم، وكان رضي الله عنه بخبر بالوقائع الآتية في مستقبل الزمان للولاة فيقع كما أخبر لا يخطئ، وسكن في جامع آل ملك بالحسينية ثم انتقل إلى جامع محمود فنازعه أهل القرافة، فرجع إلى قبة المارستان بخط بين القصرين، فلم يزل بها إلى أن مات، وكان وجهه كأنه قنديل ينور، وهو رجل طويل ليس على رأسه عمامة إنما يتطرح بملاية على عرقية، وكان الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه يحبه محبة شديدة رضي الله عنه مات رضي الله عنه في سنة عشرين، وتسعمائة ودفن بالقرافة في حوش عبد الله بن وهب بالقرب من القاضي بكار وصلى عليه الملأ من الناس، وحصل لي منه دعوات مباركات وجدت أثرها رضي الله عنه. ومنهم سيدي سعود المجذوب رضي الله عنه بسويقة العزى بالقرب من مدرسة السلطان حسن، كان رضي الله عنه من أهل الكشف التام، وكان له كلب قدر الحمام لم يزل واضعا بوزه على كتفه، وكان يرسل لي السلام مرات، وترددت إليه كثيرا، فكنت كلما أزور القرافة أطلع له، وله وقائع مشهورة في أهل حارته. مات رضي الله عنه سنة إحدى، وأربعين وتسعمائة، ودفن بزاويته، وله قبة خضراء بناها له الباشا سليمان رحمه الله. ومنهم سيدي سويدان المدفون بالخانكة رضي الله تعالى عنه، ورحمه أقام في مدرسة ابن الزين في رصيف بولاق سنين عديدة فلازمناه ملازمة طويلة، وكان مكشوف الرأس له شعر طويل ملبد، وكان له كل سنة جوخة حمراء بندقي على خوند امرأة السلطان يلبسونها له، ويأخذ النقباء العتيقة ووقع له، وقائع، وكرامات، وكان فمه لم يزل فيه نحو الخمسين حبة من الحمص ليلا ونهارا يقال إنها حملات الناس، وكان لا يفهم عنه إلا الفقراء الصادقون فإن كلامه كله إشارات. مات رضي الله عنه سنة تسع عشرة، وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم سيدي بركات الخياط رضي الله عنه كان رضي الله عنه من الملامتية، وهو شيخ أخي أفضل الدين، وشيخ الشيخ رمضان الصائغ الذي بنى له الزاوية، وكان رضي الله عنه يلبس الشاش المخطط كعمامة النصارى، فيقول له: الناس حشاك يا نصراني، وكان يخيط المضربات المثمنة، وكان رضي الله عنه يقول: لمن يخيط له هات معك فوطة، وإلا يتسخ قماشك من ثيابي، وكان دكانه منتنا قذرا لأن كل كلب وجده ميتا أو قطا أو خروفا يأتي به، فيضعه داخل الدكان، فكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده، وكان سيدي الشيخ نور الدين المرصفي رضي الله عنه، وغيره يرسلون له الحملات. فيضعون له الحجر على حانوته فيعلم بالحاجة فيقضيها، ويقول: الاسم لطوبى، والفعايل لأمشير نحن نتعب، وهؤلاء يأخذون الهدايا منهم، وأخبرني الشيخ عبد الواحد رضي الله عنه أحد جماعة سيدي أبي السعود الجارحي رضي الله عنه قال: مدحته للشيخ جمال الدين الصائغ مفتي الجامع الأزهر، وجماعة فقالوا امضوا بنا نزوره، وكان يوم جمعة فسلم المؤذن على المنارة فقالوا له: نصلي الجعة فقال: مالي عادة بذلك فأنكروا عليه فقال: نصلي اليوم لأجلكم، فخرج إلى جامع المارداني فوجد في الطريق مسقاة الكلاب فتطهر منها ثم وقع في مشخة حمير ففارقوه، وصاروا يوبخون الشيخ عبد الواحد الذي جاء بهم إلى هذا الرجل، وصار الشيخ بركات يوبخ عبد الواحد، ويقول: أيش هؤلاء الحجارة الذين أتيت بهم لا يعود لك بالعادة أبدا والله يا ولدي مسقاة الكلاب إنما هي مثال مطعمهم، ومشربهم، وكذلك مشخة الحمير إنما هي صورة اعتقادهم النجس، وأخبرني سيدي أفضل الدين رحمه الله تعالى قال: فبينما نحن يوما خارج باب زويلة بالقرب من بيت الوالي، وإذا هو بشخص تاجر مغربي راكب بغلة فمسكه الشيخ رضي الله عنه، وقال: هذا سرق بيتي فدخلوا به بيت الوالي فقال: للوالي يا سيدي اضربه مقارع وكسارات، وإن مات أنا أزن ديته فلما فرغ الوالي من عقابه نظر إلى وجه التاجر، وقال: للوالي أنا غلطت هذا ما هو الذي أخذ حوائجي، فضرب الوالي الشيخ بعصاه، فخرج، ورقد على بابه، وقال: والله يا زربون ما أفارق هذه العتبة حتى أعزلك، فقام فجاء الفاصد بعزله من السلطان في الحال، وكان رضي الله عنه إذا قدموا له لحم الضاني، واشتهى لحم حمام ينقلب في الحال حماما وله وقائع مشهورة. مات رضي الله عنه سنة دخول ابن عثمان مصر سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ودفن بالقرب من حوض الصارم بالحسينية، رضي الله عنه.
ومنهم سيدي علي الشونوزي رضي الله تعالى عنه ورحمه أجل أصحاب الشيخ شعبان البلقمطري بدمنهور البحيرة، كان رضي الله عنه ظريفا نظيفا لطيفا، والغالب عليه الاستغراق، وكان أكثر أوقاته ماشيا في مصر، وبولاق، والقرافة، وغيرها، وعليه ثياب حسنة كلبس القاضي، وكانت له الموشحات النفيسة في التوحيد صحبته نحو عشر سنين، وقال لي: أنا كيلاني زماني، وكان يرى ذلك من باب التحدث بالنعم. مات رضي الله عنه، ودفن بالقرافة عند الشيخ محمد الغربي الشاذلي رضي الله عنه سنة نيف وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه. وأخبرتني زوجته قالت بينما نحن يوما في جوف الليل وإذا بشخص نازل من الهواء فأشار إليه الشيخ رضي الله عنه بيده فلصق بالدور قاعة فقال فتوة ارجع، وتعال من الباب فقال باسم الله. ثم قال هذا الدشطوطي رضي الله عنه. ومنهم سيدي أحمد الزواوي أخو الشونوزي في الطريق رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه على قدم عظيم وكان ورده في اليوم، والليلة عشرين ألف تسبيحة وأربعين ألف صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولما سافر الغوري لقتال ابن عثمان جاء إلى القاهرة، وقال: جئت لأرد ابن عثمان عن دخول مصر فعارضه الأولياء فلحقته البطن فأشرف على الموت فحملوه إلى بلده فمات في الطريق، وكانت له كرامات في الطريق اجتمعت به مرات عديدة، ودعا لي بدعوات، وأرشدني إلى ورد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. مات رضي الله عنه سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم سيدي أحمد البهلول رضي الله تعالى عنه ورحمه ثالث من قبله الطريق على الشيخ شعبان، وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه كلما مر عليه يقف يقرأ الفاتحة، وكان يعظمه كثيرا، وهو الذي أشار علي بالزواج في أول أمري فقال: زوجتك زينب بنت الشيخ خليل القصبي وأقبضت عنك المهر ثلاثين دينارا، وأعطيتك البيت، وأخدمتك أخوتها الثلاثة، ففارقته فجاءني والد الصبية، وخطبني بنفسه، ووجدت اسمها زينب، ولها ثلاثة أخوة، ووجدت البيت مقفلا على اسمها كما قال رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يقول لا تدفعوني إلا خارج باب القرافة في الشارع ولا تجعلوا لقبري شاهدا ودعوا البهائم، والبغال تمشي علي. واحذروا أن تجعلوا على قبري تابوتا أو سترا يبقي كل من مر علني يدق تابوتي يمنعني أن أستريح في القبر فقالوا له قد عملنا لك قبرا في جامع بطيخة فقال إن قدرتم أن تحملوني ففعلوا فعجزوا أن يحركوا النعش إلى ناحية جامع بطيخة فلما حملوه لناحية القرافة خف عليهم رضي الله عنه مات رضي الله عنه سنة ثمان وعشرين وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم سيدي الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري رضي الله عنه كان رضي الله عنه من الراسخين في العلم، وانتهت إليه الرئاسة في علو السند بالكتب الستة وغيرها، وكان يقرأ السبع وله صوت بالمحراب لم يسمع السامعون في عصره مثله، ولما دخل السلطان ابن عثمان فريد أيام الغوري مصر طلبوا له إماما يخطب به فأجمع رأي أهل مصر كاملا على الشيخ أمين الدين رضي الله عنه فصار يؤم به إلى أن سافر إلى الروم. وكان رضي الله عنه ينزل من بيته يتوضأ، ويصلي ما شاء الله تعالى أن يصلي ثم يصعد الكرسي فيقرأ في المصحف قبل الفجر نحو سبعة عشر حزبا سرا فإذا أذن للصبح قرأ جهرا
قراءة تكاد تأخذ القلوب من أماكنها فمر نصراني من مباشري الديوان يوما في السحر فرق قلبه فطلع، وأسلم على يد الشيخ رضي الله عنه، وهو يقرأ على الكرسي، وصار يبكي، وحسن إسلامه، ورأيته يصلي خلفه إلى أن مات، كان الناس يأتون إلى الصلاة خلفه من بولاق، ومن نواحي الجامع الأزهر في صلاة الصبح لحسن صوته، وخشوعه، وكثرة بكائه حتى يبكي غالب الناس خلفه، وكان سيدي أبو العباس الغمري رضي الله عنه يقول الجامع جثة، والشيخ أمين الدين رضي الله عنه روحها، ومصداق ذلك أن الناس كانوا يخرجون من الجامع في مثل خروج الحج فلم يبق في الجامع إلا هو فكأن الجامع لم يخرج منه أحد، وكان رضي الله عنه إذا سافر صار الجامع كأنه ما فيه أحد. ومما وقع لي معه أنني كنت أقابل معه في شرح البخاري في جزاء الصيد فذكر جزاء التيتل فقلت ما هو التيتل فقال هذا لوقت تنظره فخرج التيتل من المحراب فوقف على كتفي فرأيته دون الحمار، وفوق تيس المعز، وله لحية صغيرة فقال ها هو ثم دخل الحائط فقبلت رجله فقال اكتم حتى أموت، ورأيته بعد موته بسنتين فروى لي حديثا سنده بالسرياني، ومتنه بالعربي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أدمن النوم بعد صلاة الصبح ابتلاه الله تعالى بوجع الجنب " وفي رواية " ابتلاه الله في جنبه بالبعج "، ومكث رضي الله عنه سبعا وخمسين سنة إماما لم يدخل وقت واحد عليه، وهو على غير، وضوء، وليلة مات كان مريضا فزحف إلى ميضأة الجامع فوقع بثيابه فيها فطلع، والناس يحاذونه فصلى بالناس المغرب وثيابه تخر ماء وبقي معه العزم إلى أن مات، وكان يلبس الثياب الزرق، والجبب السود، ويتعمم بالقطن غير المقصور، وكان رضي الله عنه يتفقد الأرامل، والمساكين، والعميان، ويتعب لهم في حوائجهم، ويجمع لهم الزكوات، ويفرقها عليهم، ولا يأخذ لنفسه شيئا، وكان يعطي ذلك سرا، وما علم الناس بذلك إلا بعد موته. مات رضي الله عنه في سنة تسع وعشرين وتسعمائة، ودفن بتربته خارج باب النصر. لقرب من سيدي إبراهيم الجعبري رضي الله عنهما. ومنهم سيدي أبو الحسن الغمري رحمه الله تعالى ابن سيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنهما: كان رضي الله عنه من الصفاء، والصلاح على جانب عظيم، وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يقول فرعان فاقا أصلهما في الكرم، والحياء أبو الحسن، وعبد الحليم بن مصلح، وكان من أخلاقه رضي الله عنه أنه يخدم في البيت مع الخادم ويغسل الأواني، ويوقد تحت الدست، ويقرص العجين، ويكنس البيت، وكان رضي الله عنه لا يجالس أحدا إلا وقت الصلاة أو الذكر أو تلاوة القرآن أو لما لا بد منه من المصالح، وكان يستحي أن يركب في مصر حمارا أو غيره، وكان إذا ركب إلى بولاق أو مصر يركب في الغلس، ويقصد المواضع الخالية ذهابا، وإيابا، ويقول لا أستطيع أن أركب فوق رءوس الناس أبدا، وكان رضي الله عنه إذا دعي إلى وليمة، وحضر يصير يعرق ويمسح العرق حياء من الناس، وكنا إذا سافرنا معه إلى ميت غمر أو إلى المحلة لا يأكل في المركب ولا يشرب حياء من الناس، ويقول لا يخرج لي بول، وأحد ينظر إلي، ولو على بعد، وكان لا ينام مع أحد في فراش، ولا بحضرة أحد لا في ليل ولا في نهار، ويقول أخاف أن يخرج مني ريح، وأنا نائم، صحبته نحو ثلاثين سنة إلى أن مات ما رأيته تغير علي يوما واحد فلما انتقلت من جامعه صار يتردد إلي فأكاد أن أذوب من الخجل من مشيه إلي، ويقول أنا أشتاق إليك. مات رضي الله عنه سنة تسع وثلاثين وتسعمائة، ودفن عند والده بالجامع بما المحروسة رضي الله عنهما. ومنهم سيدي الشيخ عبيد البلقيني رضي الله تعالى عنه
صحبته نحو عشر سنين، وكان رضي الله عنه من أرباب الأحوال، والكشف إذا أخبر عن شيء يأتي كفلق الصبح، وكان السلطان قايتباي ينزل لزيارته في بلقين فلما اتتقل إلى القاهرة كان يتردد إليه، وكذلك السلطان قانصوه الغوري، وكان رضي الله عنه إذا سمع كلام سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه أو غيره يقوم كالجمل الهائج لا يستطيع أحد أن يقعده حتى يقعد بنفسه، وكان جمالي المقام يلبس النفيس، ويأكل اللذيذ، وليس للدنيا عنده قدر فكان يخلع الجوجة، والصوف النفيس يعطيه للسائل، وحصل له جذب في أول عمره فمكث نحو الخمس عشرة سنة بلباس جلده مكشوف الرأس، والبدن لا يلتفت لتدبير بدنه حتى صار الدود يتساقط من تحت قلنسوته من محل الزيق، ولم يزل أثره ظاهرا في ناحية قفاه رضي الله تعالى عنه وعمر زمانا. ومات سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته التي أنشأها بالقرب من الجامع الأزهر المشهور بالحلاوية رضي الله عنه. ومنهم سيدي الشيخ يوسف الحريثي رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه على قدم عظيم في اتباع السنة، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، وكان يميل إلى إخفاء العبادات جهده، وأخبرني رضي الله عنه قال: لما تزوجت أم أبي العباس مكثت أقرأ في حضنها كل ليلة ختما مدة عشر سنين ما أظن أنها شعرت بي ليلة واحدة وأخبرني رضي الله عنه ليلة توفي فقال قد خرجت في الدنيا، وما عرفت أن أتوضأ فقلت كيف قال سألت عدة من العلماء والحفاظ عن كيفية تخليل اللحية في الوضوء فما منهم أحد عرف كيف كان صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته، وكان رضي الله عنه يقول أنا أحب في مصر ثلاثة عبد الرحمن الأجهوري المالكي، ويوسف البشلاوي وعبد الوهاب، وكان رضي الله عنه يكره لولده أبي العباس رضي الله عنه تلقينه للناس الذكر ويقول يا ولدي أيش بلانا بهذه الطريق، وكان على هضم النفس دائما مات رضي الله عنه سنة أربع وعشرين وتسعمائة ودفن بجامع البشير رضي الله عنه. ومنهم الشيخ عبد الرزاق الترابي رضي الله عنه ورحمه أحد أصحاب سيدي علي النبتيتي الضرير رضي الله عنه كان رضي الله عنه على قدم عظيم من العبادة، والتقشف، واعتقده الناس بعد موت سيدي علي رضي الله عنه ثم انتقل إلى ناحية الجيزة، وأقبل الناس عليه، وصنف رسائل في الطريق، وكان له النظم الرائق في أحوال القوم، وطلع رضي الله عنه لنائب مصر في شفاعة فأغلظ عليه فأقسم إنه لا ينزل من جامع القلعة إلا إن مات خير بك فطلعت فيه جمرة فمات في اليوم الثالث فنزل الشيخ. مات رضي الله عنه سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، ودفن بساقية مكة بالجيزة، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه. ومنهم الشيخ مخلص رضي الله تعالى عنه ورحمه أحد أصحاب سيدي الشيخ أبي الخير بن نصر ببلاد الغربية، كان رحمه الله تعالى من الفقراء الصادقين، وكان سيدي الشيخ محمد الشناوي رضي الله عنه يعظمه، ويوقره اجتمعت به مرات عديدة، وحصل لي منه نفحات، وجدت بركتها، وكان على هدى الفقراء الأول من كثرة الصوم، وتلاوة القرآن، والإعراض عن الدنيا، وأهلها. مات رضي الله عنه سنة أربعين وتسعمائة، ودفن بابشيه الملق، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه آمين. ومنهم الشيخ صدر الدين البكري رضي الله تعالى عنه أحد أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه والشيخ أبي العباس الغمري رضي الله عنه، كان رضي الله عنه ذا سمت حسن قليل الكلام لا يكاد ينطق بكلمة إلا بعد تثبت، صحبته نحو عشر سنين، وحصل لي منه نفحة. وجدت بركتها. ولما حج رضي الله عنه، وزار النبي صلى الله عليه وسلم سمع رد السلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم. مات رضي الله عنه سنة ثمان عشرة، وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم سيدي الشيخ دمرداش المحمدي رضي الله عنه
أحد جماعة سيدي عمر رويشين بمدينة توريز العجم رضي الله عنه، كان رحمه الله على قدم السلف الصالح من الأكل من عمل يده والتصدق بما فضل، وعمل الغيط المجاور لزاويته خارج مصر، والحسينية فأقام هو وزوجته في خص يغرسون فيه خمس سنين، وقال لي: ما أكلت منه، ولا واحدة لأنني زرعته على اسم الفقراء، والمساكين وابن السبيل، والسائلين، ونمت عنده ليالي فكنت لا أراه ينام من الليل إلا يسيرا ثم يقوم يتوضأ ويصلي ثم يتلو القرآن فربما يقرأ الختم كاملا قبل الفجر، وليس في مصر ثمرة أحلى من ثمرة غيطه وقسم وقفه ثلاثة أثلاث ثلث يرد على مصالح الغيط، وثلث للذرية، وثلث للفقراء القاطنين بزاويته ورتب عليهم كل يوم ختما يتناوبونه، ويهدون ذلك في صحائف سيدي الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله عنه، وكان أمره كله جدا. مات رضي الله عنه سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته رضي الله عنه. ومنهم الشيخ إبراهيم أخوه في الطريق رضي الله تعالى عنه كانت له المجاهدات فوق الحد اجتمعت به أنا وسيدي أبو العباس الحريثي رضي الله عنه مرارا كثيرة، ورأيناه على قدم عظيم إلا أنه أمي أغلف اللسان يكاد يفصح عن المقصود، وأعطى القبول التام في دولة ابن عثمان، وأقبل عليه العسكر إقبالا زائدا، وأرادوا نفيه لذلك فجمع نفسه، وعمر له قبة وزاوية خارج باب زويلة، ودفن فيها وجعل في الخلاوي المحيطة بقبته قبورا بعدد أصحابها على طريقة مشايخ العجم، وكان يقبل علي إقبالا زائدا لكن يقول أنتم مشايخ الخير فكان لا يعجبه إلا المجاهدات من غير تخلل راحة. مات رحمه الله سنة أربعين، وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ مرشد رضي الله عنه كان رضي الله عنه قادري الخرقة، وكان يطوي الأيام، والليالي، وأخبرني أنه مكث نحو أربعين سنة يأكل كل يوم زبيبة واحدة حتى لصق بطنه على ظهره رضي الله عنه، وكان يحبك الشدود، وغيرها، ويتقوت بذلك اجتمعت به كثيرا، وأخبرني بأمره من مبدئه إلى ذلك الوقت، ونبهني على أمور في الباطن كنت مخلابها، وحصل لي منه مدد واجتمع عليه آخر عمره طائفة السودان من الفقراء، واعتقدوه اعتقادا زائدا مات رضي الله عنه سنة نيف وأربعين وتسعمائة، ودفن بباب الوزير بالقرب من قلعة الجبل، وله من العمر نحو المائة رحمه الله تعالى. ومنهم الشيخ ناصر الدين أبو العمائم الزفتاوي رضي الله تعالى عنه أقام بالنجارية وبني بها زاوية، وبستانا ومات بها، وكان عبدا صالحا أحمدي الخرقة، وكان بينه، وبين سيدي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه ود، وإخاء، وكان رضي الله عنه يتعمم بنحو ثلاث برد صوف، وأكثر، وكان لسانه لهجا بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن صحبته نحو خمس سنين، وحصل لي منه نفحات، ودعا لي بدعوات منها قوله اللهم اجعل أخي هذا من الذين لا يرضون بسواك. مات رحمه الله تعالى بالنجارية سنة تسع عشرة وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ شرف الدين الصعيدي رضي الله عنه كان رضي الله عنه صاحب كشف واجتهاد، وقيام، وصيام وطي، وكان يطوي الأربعين يوما، وأكثر، وامتحنه السلطان الغوري، وحبسه في بيت أربعين يوما مقفلا عليه الباب ثم فتحه فوجده قائما يصلي. صحبته نحو ثلاث سنين آخر عمره ثم مات، ودفن بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه في تربة شرف الدين الصغير رضي الله عنه. ومنهم سيدي الشيخ أبو القاسم المغربي الفاسي القصري رضي الله عنه قدم مصر سنة سبع عشرة، وتسعمائة حاجا فصحبته إلى أن سافر ثم رجع من الحج فصحبته إلى أن سافر إلى المغرب فلما وصل إلى فاس أرسل لي كذا، وكذا كتابا مشتملا على آداب، وإرشادات، وكان رضي الله عنه ذا خلق حسن، وكرم، وحلم لم يزل متبسما منشرحا، وجاء مصر في نحو خمسمائة مريد حج بهم، وكان دأبه الجهاد طول عمره إلى أن مات رحمه الله تعالى. ومنهم سيدي علي البلبلي رضي الله تعالى عنه
وبلبل قبيلة من عرب المغرب كان رضي الله عنه ذا سمت حسن، وخلق حسن لم يزل يسافر الحجاز، والقدس، واليمن إلى أن مات في الحجاز وكان يقيم إذا جاء مصر في الجامع الأزهر، وهو الذي قال لي جميع ما يقدم إليك من المأكل مائدة الله تعالى فكل منها بالتعظيم لمن قدمها، وميزان الشريعة بيدك من حيث الورع، ولا تتركها تهلك وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يحبه حبا شديدا. وكذلك الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه، وغيرهما، وكان رحمه الله على قدم من الزهد، والورع، ودخل عليه مرة الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه فرآه مريضا قد أشرف على التلف فرقد الشيخ محمد مكانه فقام سيدي علي نشطا في الحال كأن لم يكن به مرض، ومكث سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه مريضا نحو أربعين يوما رحمه الله تعالى. ومنهم الشيخ إبراهيم أبو لحاف المجذوب رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه من أوسع الناس خلقا لا يكاد أحد قط يغضبه، ولو فعل معه ما فعل، وكان أولا مقيما في برج من أبراج قلعة الجبل نحو عشرين سنة فلما قرب زوال دولة الجراكسة أرسل يقول للغوري تحول، وأعط مفاتيح القلعة لأصحابها فلم يلق إليه بالا، وقال هذا مجذوب فنزل إلى مصر، وزالت دولة الجراكسة ولم يزل في مصر إلى أن مات، ودفن في قنطرة السد بالقرب من مصر العتيق في الحوش الذي هناك، وكان يقيم عندي الشهر، وأكثر فكنت أراه لا ينام شيئا من الليل إلا قبيل الفجر، وكان رضي الله عنه يقول: طول ليله الله الله لله لا يفتر، وكان حافيا مكشوف الرأس ملتحقا بملاءة حمراء، وبيده عصا غليظ لم تزل في حضنه، ويقول احتاج الزمان إلى هذا، ولما مددت للتسويط في أيام السلطان أحمد بسبب شخص من أكابر الدولة قيل إنه مخبأ عندي، وقف عند رأسي، وقال: لا تخف ما عليك باس غدا تقضي الحاجة أذان الظهر فلما كان الغد خرج السلطان أحمد هاربا من القتل أذان الظهر كما قال، وكنت لم أزل أسمعه يقول هذه الكلمات سبحان من خلق الخلق احتياط علم خبر فقط رحمة الله تعالى عليه. ومنهم الشيخ محمد بن زرعة رضي الله تعالى عنه كان رضي، الله عنه مقيما بمصر بقنطرة قديدار، وكان رضي الله عنه يتكلم ثلاثة أيام، ويسكت ثلاثة أيام زرته مرات، ودعا لي بدعوات منها الله يجعلك من رءوس حزب محمد صلى الله عليه وسلم، قال: بعضهم، وكان سيدي عبد القادر الدشطوطي رضي الله تعالى عنه من سعاة محمد بن زرعة إذا جالت روحه في الأرض. مات رحمه الله سنة أربع عشرة، وتسعمائة، ودفن بالشباك الذي كان يقعد فيه في بيته رضي الله عنه. ومنهم سيدي علي وحيش من مجاذيب النجارية رضي الله عنه كان رضي الله عنه من أعيان المجاذيب أرباب الأحوال، وكان يأتي مصر، والمحلة، وغيرهما من البلاد، وله كرامات، وخوارق، واجتمعت به يوما، في خط بين القصرين فقال لي، وديني للزلباني فوديته له فدعا لي، وقال الله يصبرك على ما بين يديك من البلوى، وأخبرني الشيخ محمد الطنيخي رحمه الله تعالى قال: كان الشيخ: وحيش رضي الله عنه يقيم عندنا في المحلة في خان بنات الخطا وكان كل من خرج يقول: له قف حتى أشفع فيك عند الله قبل أن تخرج فيشفع فيه، وكان يحبس بعضهم اليوم، واليومين، ولا يمكنه أن يخرج حتى يجاب في شفاعته، وقال يوما لبنات الخطا اخرجوا فإن الخان رائح يطبق عليكم فما سمع منهن إلا واحدة فخرجت ووقع على الباقي فمتن كلهن، وكان إذ رأى شيخ بلد أو غيره ينزله من على الحمارة، ويقول له أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها فإن أبي شيخ البلد تسمر في
الأرض لا يستطيع يمشي خطوة، وإن سمع حصل له خجل عظيم، والناس يمرون عليه، وكان له أحوال غريبة، وقد أخبرت عنه سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه فقال هؤلاء يحيلون للناس هذه الأفعال، وليس لها حقيقة. مات رحمه الله تعالى بالنجارية سنة سبع عشرة وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم سيدي الشريف المجذوب رضي الله تعالى عنه، ورحمه كان رضي الله عنه ساكنا تجاه المجانين بالمارستان المنصوري، وكان له كشف، ومثاقلات للناس الذين ينكرون عليه، وكان رضي الله عنه يأكل في نهار رمضان، ويقول أنا معتوق أعتقني ربي، وكان كل من أنكر عليه يعطبه في الحال، وأرسل لي مرة رغيفا مع إنسان، وقال قل له يأكل هذا الرغيف، وطوى فيه مرض سبعة، وخمسين يوما فلم يأكله فأكله القاصد فمرض سبعة، وخمسين يوما فقال للقاصد لا تخف إن شاء الله تعالى أصطاده في مرة أخرى فلم يقدر له ذلك، وكان رضي الله عنه يتظاهر يبلع الحشيش فوجدوها يوما حلاوة، وكان قد أعطاه الله تعالى التمييز بين الأشقياء، والسعداء في هذه الدار، وكان أصله جمالا عند بعض الأمراء ثم حصل له الجذب، وكان سيدي على الخواص رضي الله عنه جاءه الشريف ورد عنه الطعنة، وقال لم يجئني أحد في مصر غير الشريف فكان لا ينساها له ثم إنهم طعنوه مرة أخرى فأصابته، وذلك أن الشفاعات كثرت على سيدي علي الخواص رضي الله عنه أيام السلطان ابن عثمان وكان أصحاب النوبة بمصر عجما فكانوا لم يزالوا يعارضونه، ويعارضهم فطعنوه بخنجر في مشعره ولم يزل به إلى أن مات بعد ثلاثين يوما رضي الله عنه. ومنهم سيدي علي الدميري المجذوب رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه جالسا ليلا، ونهارا، على دكان يباع الرقاق تجاه حمام المارستان، وكان رضي الله عنه لا يتكلم إلا نادرا، وكان مكشوف الرأس ملفوفا في بردة كلما تتقطع يبدلونها له بأخرى أقام على هذه الحالة نحو عشرين سنة وكان كلما رآني تبسم. مات رضي الله عنه سنة خمس، وعشرين وتسعمائة، ودفن بالمسجد الذي بقرب باب النصر اليشبكي، وقبره ظاهر يزار رضي الله عنه. ومنهم شيخي، وأستاذي سيدي علي الخواص البرلسي رضي الله تعالى عنه ورحمه كان رضي الله عنه أميا لا يكتب، ولا يقرأ، وكان رضي الله عنه يتكلم على معاني القرآن العظيم، والسنة المشرفة كلاما نفيسا تحير فيه العلماء، وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو، والإثبات فكان إذا قال قولا لا بد أن يقع على الصفة التي قال، وكنت أرسل له الناس يشاورونه عن أحوالهم فما كان قط يحوجهم إلى كلام بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتى لأجلها قبل أن يتكلم فيقول: طلق مثلا أو شارك أو فارق أو اصبر أو سافر أو لا تسافر فيتحير الشخص، ويقول من أعلم هذا بأمري، وكان له طب غريب يداوي به أهل الاستسقاء، والجذام، والفالج، والأمراض المزمنة فكل شيء أشار باستعماله يكون الشفاء فيه. وسمعت سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يقول: الشيخ علي البرلسي أعطي التصريف في ثلاثة أرباع مصر، وقراها وسمعته يقول: مرة أخرى لا يقدر أحد من أرباب الأحوال أن يدخل مصر إلا بإذن الشيخ علي الخواص رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يعرف أصحاب النوبة في سائر أقطار الأرض، ويعرف من تولى منهم ساعة، ولايته ومن عزل ساعة عزله ولم أر هذا القدم لأحد غيره من مشايخ مصر إلى، وقتي هذا، وكان له اطلاع عظيم على قلوب الفقراء فكان يقول: فلان اليوم زاد فتوحه بهذا كذا دقيقة، وفلان نقص اليوم كذا كذا، وفلان فتح عليه بفتوح يدوم إلى آخر عمره، وفلان يدوم فتحه سنة أو شهرا أو جمعة فيكون الأمر كما قال. ومر عليه فقير فتح عليه بفتوح عظيم فنظر إليه، وقال هذا فتوجه يزول عن قريب فمر على ذلك الفقير شخص من أرباب الأحوال فازدراه، ونقصه بكلمات فراح ذلك الشخص إلى ذلك الفقير، ودار له نعله فسلبه ذلك الفتوح فقال: له الشيخ يا ولدي قلة الأدب لا يمكث معها فتوح، ولم يزل مسلوبا إلى أن مات، وكان رضي الله عنه يعظم أرباب الحرف النافعة في الدنيا كالسقاء، والزبال، والطباخ، والفيخراني ومقدم الوالي، ومقدم أمير الحاج، والمعداوي، والطوافين على رءوسهم بالبضائع، ويدعو لهم، ويكرمهم وكان رضي الله عنه يعظم العلماء، وأركان الدولة، ويقوم لهم، ويقبل أيديهم، ويقول: هذا أدبنا معهم في هذه الدار، وسيعلمنا الله تعالى الأدب معهم إذا، وصلنا إلى دار الآخرة، وكان إذا علم من أحد من أرباب الدولة أو غيرهم أنه قاصد السلام عليه يذهب إليه
قبل أن يأتي، ويقول كل خطوة يمشيها الناس إلى الفقير تنقصه من مقامه درجة فقيل له فكيف تذهب أنت إليهم فقال: أنا أذهب، وأسأل الله تعالى: لهم أن لا ينقص درجتهم فإن أجري على الله تعالى لا عليهم، وكان رضي الله عنه أولا طوافا يبيع الصابون، والجميز، والعجوة، وكل ما وجد ثم فتح دكان زياتة سين عديدة ثم صار يضفر الخوص إلى أن مات، وكان لا يأكل شيئا من طعام الظلمة، وأعوانهم، ولا يتصرف في شيء من دراهمهم في مصالح نفسه أو عياله إنما يضعه عنده للنساء الأرامل، والشيوخ، والعميان، والعاجزين عن الكسب، ومن ارتكبتهم الديون فيعطيهم من ذلك ما قسم، وورمت عيناه مرة، ورما شديدا، وهو يضفر الخوص فأتاه شخص من أصحابنا بدراهم، وقال يا سيدي أنفقها، واسترح حتى تطيب عيناك فردها، وقال: والله أنا في هذا الحال، ولا تطيب نفسي بكسب نفسي فكيف بكسب غيري. وكان رضي الله عنه يعامل الخلق على حسب ما في قلوبهم لا على حسب ما في، وجوههم. ومر عليه مرة شخص من الفقراء، والنور يخفق من وجهه فنظر إليه الشيخ فقال: اللهم اكفنا السوء إن الله إذا أراد بعبد خيرا جعل نوره في قلبه وظاهر جسده كآحاد الناس، وإذا أراد به سوءا أظهر ما في قلبه على وجهه وجعل قلبه مظلما، وكان رضي الله عنه يكنس المساجد، وينظف بيوت الأخلية، ويحمل الكناسة تارة، ويخرجها إلى الكوم احتسابا لوجه الله تعالى كل يوم جمعة، وكان يكنس المقياس في كل سنة ثاني يوم نزول النقطة، وينفق على أصحابه ذلك اليوم نفقة عظيمة يقبض من عبه الدراهم، ويعطيها كل من رآه من المستحقين، ويزن عنهم كراء المعدية، وهم نحو مائة نفس ثم يفرق السكر، والخشكنان على أهل المقياس، وجيرانه ثم ينزل فيكشف رأسه، ويتوضأ من المقياس، ويصير يبكي، ويتضرع ويرتعد كالقصبة في الريح ثم يطلع يصلي ركعتين، ويأمر كل واحد من أصحابه أن ينزل ثم يكنس السلم بمشط من حديد، ويخرج الطين الذي فيه بنفسه لا يمكن أحدا يساعده فيه. وكان يقال إن خدمة النيل كانت عليه، وأمر طلوع النيل، ونزوله ورى البلاد، وختام الزرع كل ذلك كان بتوجهه فيه إلى الله تعالى، وكان أولياء عصره تقر له بذلك. ولما دخل ابن عثمان مصر أرسل له فقيرا ينظركم معه من أصحاب النوبة فذهب، ورجع فقال معه سبعة فقال، والله مغفر يرجع إلى بلاده سالما، وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه إذا جاءه أهل الحوائج الشديدة كشخص رسم السلطان بشنقه أو مسكه الوالي بزغل أو حرام أو نحو ذلك يرسل صاحب الحاجة للشيخ علي رضي الله عنه، ويقول نحن ما معنا تصريف في هذا البلد فتقضي الحاجة. وجاءته امرأة مرة، وأنا قاعد فقالت يا سيدي نزلوا بولدي يشنفونه على قنطرة الحاجب فقال اذهبوا بسرعة للشيخ علي البرلسي رضي الله عنه فذهبت إليه أمه فقال: روحي معه، وإن شاء الله تعالى يلحقه القاصد من السلطان قبل الشنق فهو طالع قنطرة الحاجب للشنق، وإذا بالشفاعة جاءت فأطلق، ورأى الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه ليلة بلاء عظيما نازلا على مصر فأرسل للشيخ علي فقال الله لا يبشره بخير، ولكن توافى البركة فجاء جان بلاط المؤتمر محتسب مصر فأخذ الشيخ عليا من الدكان، وضربه مقارع، وخزمه في كتفه، وأنفه، ودار به مصر وبولاق فلما صلى الشيخ محمد رضي الله عنه الظهر، ورأى البلاء ارتفع قال روحوا انظروا أيش جرى للشيخ علي فراحوا فوجدوه على تلك الحال فردوا على الشيخ محمد رضي الله عنه الخبر فقال الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يتحمل عنها البلايا، والمحن ثم خر ساجدا لله عز وجل، وكان إذا وقع نوء أيام زهر الفواكه لا ينام تلك الليلة، وهو يتضرع، ويبكي، ويسأل الله تعالى في رفعه، وكان رضي الله عنه يملأ أوعية الكلاب دائما في حاراته، وغيرها، وكان لا يراه أحد قط يصلي الظهر في جماعة، ولا غيرها بل كان يرد باب حانوته، وقت الأذان فيغيب ساعة ثم يخرج فصادفوه في الجامع الأبيض برملة لد في صلاة الظهر، وأخبر الخادم أنه دائما يصلي الظهر عندهم، وكانت مدة صحبتي له عشر سنين فكأنها كانت ساعة، وله كلام نفيس رقمنا غالبه في كتابنا المسمى بالجواهر، والدرر كل جواب منه يعجز عنه فحول العلماء حتى تعجب من كتب عليه من العلماء كسيدي الشيخ شهاب الدين الفتوحي الحنبلي رضي الله عنه، وسيدي الشيخ شهاب الدين بن الشلبي الحنفي رضي الله عنه، وسيدي الشيخ ناصر الدين اللقاني المالكي رضي الله عنه، والشيخ شهاب الدين الرملي الشافعي رضي الله عنه، وغيرهم وقال الشيخ شهاب الدين الفتوحي رضي الله عنه لي سبعون سنة أخدم العلم فما أظن قط أنه خطر على بالي لا السؤال، ولا الجواب من هذا الكتاب
يعني الجواهر، والدرر، وكان له جبة، واحدة، وشاش صغير على زنط يغسل العمامة، والجبة في السنة مرة واحدة بالملح، ويقول: نوفر الصابون لغيرنا من الفقراء، وكان إذا اشتهت نفسه الدسم أخذ عظم الأذناب من قاعة العظام، وصلقها ثم قطف الدهن وكب ماءها ثم طبخ به القمح، والرز هذا كان لحمه، ويقول: الأذناب لا تصيبها العيون، ولا أحد ينظر إليها، وكان رضي الله عنه يقول: لا يسمى عالما عندنا إلا من كان علمه غير مستفاد من نقل أو صدر بأن يكون خضري المقام، وأما غير هذا فإنما هو حاك لعلم غيره فقط فله أجر من حمل العلم حتى أداه لا أجر العالم، والله لا يضيع أجر المحسنين ثم قال من أراد أن يعرف
مرتبته في العلم يقينا لا شك فيه فليرد كل قول حفظه إلى قائله، وينظر بعد ذلك إلى علمه فما وجده معه فهو علمه، وأظن أن لا يبقى معه إلا شيء يسير لا يسمى به عالما، وكان يقول: لا يصير الرجل عندنا مصمودا من أهل الطريق إلا إن كان عالما بالشريعة المطهرة جملها، ومبينها ناسخها، ومنسوخها خاصها، وعامها، ومن جهل حكما واحدا منها سقط عن درجة الرجال فقلت له إن غالب مسلكي هذا الزمان على هذا ساقطون عن درجة الرجال فقال نعم إن هؤلاء يرشدون الناس إلى بعض أمور دينهم، وأما المسلك فهو من لو انفرد في جميع الوجود لكفى الناس كلهم من العلم في سائر ما يطلبونه، وكان رضي الله عنه يقول: في معنى قول الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه حين رأى رب العزة جل جلاله في منامه فقال: يا رب بم يتقرب إليك المتقربون؟ قال يا أحمد بتلاوة كلامي قال يا رب بفهم أم بغير فهم؟ قال يا أحمد بفهم، وبغير فهم المراد بفهم ما يتعلق بعلماء الشريعة، وبغير فهم ما يتعلق بعلماء الحقيقة فإن العلماء ما لهم آلة لفهم كلام الله تعالى إلا بالفكر والنظر وأما العارفون فطريقهم إلى فهمه الكشف، والتعريف الإلهي وذلك لا يحتاج إلى تفهم فقيل له فما تقول: فيمن يقرؤه من العوام من غير فهم فقال: قد صح أن له بكل حرف عشر حسنات، فتحت قوله، وبغير فهم مسألتان، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا حفت العناية الإلهية عبدا صار كل ذرة من عمره تقاوم ألف سنة من عمر غيره، وإذا تخلفت العناية عن عبد صار كل ألف ذرة من عمره لا تساوي ذرة من عمر غيره، وكان يقول: ونحن في سنة إحدى وأربعين وتسعمائة جميع أبواب الأولياء قد تزحزحت للغلق، وما بقي الآن مفتوحا إلا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلوا كل ضرورة حصلت لكم به صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: لا يكمل الفقير في باب الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصير مشهودا له في كل عمل مشروع ويستأذنه في جميع أموره من أكل، ولبس، وجماع، ودخول، وخروج فمن فعل ذلك فقد شارك الصحابة في معنى الصحبة، وكان رضي الله عنه يقول: لو شهد المعتزل عن الناس أن الناس خير منه ما اعتزل عنهم بل كان يطلب الخلطة بهم، ويتعلم من أخلاقهم، وكان يقول: في قولهم بئس الفقير بباب الأمير هذا في حق من يأتي الأمير يسأله الدنيا فإن كان لشفاعة، ونحوها فنعم الفقير بباب الأمير وكان يقول: من أدب الزائر أن لا يشغل المزور عن الله تعالى بدخوله عليه إما لقوة حال المزور، وإما أن يكون، وقت فراغ. قلت، ويقاس على ذلك تعطيله عن الحرفة التي تكفه عن سؤال الناس، وكان رضي الله عنه يقول: أيضا من أدب الزائر أن لا يزور أحدا إلا إن كان يعرف من نفسه القدرة على كتمان ما يرى في المزور من العيوب، وإلا فترك الزيارة أولى، وكان رضي الله عنه يقول: سمعت سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يقول: زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول شجرة الحنظل فكلما ازداد ريا ازداد مرارة، وكان رضي الله عنه يقول: في معنى حديث " إن الله يكره الحبر السمين " أي لأن المراد بالحبر العالم، وسمنه يدل على قلة، ورعه، وعمله بعلمه. فلو تورع لم يجد شيئا في عصره يسمن به، وكان رضي الله عنه يقول: الراسخ في العلم واقف، ولو لم يرسخ لدام ترقيه " وما يذكر إلا أولوا الألباب " " البقرة: 269 ".
مرتبته في العلم يقينا لا شك فيه فليرد كل قول حفظه إلى قائله، وينظر بعد ذلك إلى علمه فما وجده معه فهو علمه، وأظن أن لا يبقى معه إلا شيء يسير لا يسمى به عالما، وكان يقول: لا يصير الرجل عندنا مصمودا من أهل الطريق إلا إن كان عالما بالشريعة المطهرة جملها، ومبينها ناسخها، ومنسوخها خاصها، وعامها، ومن جهل حكما واحدا منها سقط عن درجة الرجال فقلت له إن غالب مسلكي هذا الزمان على هذا ساقطون عن درجة الرجال فقال نعم إن هؤلاء يرشدون الناس إلى بعض أمور دينهم، وأما المسلك فهو من لو انفرد في جميع الوجود لكفى الناس كلهم من العلم في سائر ما يطلبونه، وكان رضي الله عنه يقول: في معنى قول الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه حين رأى رب العزة جل جلاله في منامه فقال: يا رب بم يتقرب إليك المتقربون؟ قال يا أحمد بتلاوة كلامي قال يا رب بفهم أم بغير فهم؟ قال يا أحمد بفهم، وبغير فهم المراد بفهم ما يتعلق بعلماء الشريعة، وبغير فهم ما يتعلق بعلماء الحقيقة فإن العلماء ما لهم آلة لفهم كلام الله تعالى إلا بالفكر والنظر وأما العارفون فطريقهم إلى فهمه الكشف، والتعريف الإلهي وذلك لا يحتاج إلى تفهم فقيل له فما تقول: فيمن يقرؤه من العوام من غير فهم فقال: قد صح أن له بكل حرف عشر حسنات، فتحت قوله، وبغير فهم مسألتان، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا حفت العناية الإلهية عبدا صار كل ذرة من عمره تقاوم ألف سنة من عمر غيره، وإذا تخلفت العناية عن عبد صار كل ألف ذرة من عمره لا تساوي ذرة من عمر غيره، وكان يقول: ونحن في سنة إحدى وأربعين وتسعمائة جميع أبواب الأولياء قد تزحزحت للغلق، وما بقي الآن مفتوحا إلا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلوا كل ضرورة حصلت لكم به صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: لا يكمل الفقير في باب الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصير مشهودا له في كل عمل مشروع ويستأذنه في جميع أموره من أكل، ولبس، وجماع، ودخول، وخروج فمن فعل ذلك فقد شارك الصحابة في معنى الصحبة، وكان رضي الله عنه يقول: لو شهد المعتزل عن الناس أن الناس خير منه ما اعتزل عنهم بل كان يطلب الخلطة بهم، ويتعلم من أخلاقهم، وكان يقول: في قولهم بئس الفقير بباب الأمير هذا في حق من يأتي الأمير يسأله الدنيا فإن كان لشفاعة، ونحوها فنعم الفقير بباب الأمير وكان يقول: من أدب الزائر أن لا يشغل المزور عن الله تعالى بدخوله عليه إما لقوة حال المزور، وإما أن يكون، وقت فراغ. قلت، ويقاس على ذلك تعطيله عن الحرفة التي تكفه عن سؤال الناس، وكان رضي الله عنه يقول: أيضا من أدب الزائر أن لا يزور أحدا إلا إن كان يعرف من نفسه القدرة على كتمان ما يرى في المزور من العيوب، وإلا فترك الزيارة أولى، وكان رضي الله عنه يقول: سمعت سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يقول: زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول شجرة الحنظل فكلما ازداد ريا ازداد مرارة، وكان رضي الله عنه يقول: في معنى حديث " إن الله يكره الحبر السمين " أي لأن المراد بالحبر العالم، وسمنه يدل على قلة، ورعه، وعمله بعلمه. فلو تورع لم يجد شيئا في عصره يسمن به، وكان رضي الله عنه يقول: الراسخ في العلم واقف، ولو لم يرسخ لدام ترقيه " وما يذكر إلا أولوا الألباب " " البقرة: 269 ".