İbn Abbâd er-Rundî — Gaysü'l-Mevâhib (Şerhu'l-Hikemi'l-Atâiyye)
(4 ) أخرجه البخاري في ( الصحيح 9 / 147 ) » ومسلم في ( صحيح مسلم 2061 و 2068 ) » وأحمد بن حنبل في ( المسند 3 / 210 ٠» 277 ) و ( بغوي 1 / 126 ) » والسهمي في ( 4 008 « 323 » وفي حديت أبئ هريرة وأبي سعيد يشهدان به على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما جلس قوم مسلمون مجلسا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده » « 1 » . قال يحيى بن معاذ » رضي الله عنه : « يا غفول يا جهول لو سمعت صرير القلم حين يجري في اللوح المحفوظ بذكرك لمتّ طربا » . 4 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( رب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده » ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده » و رب عمر قليلة آماده كثيرة إمداده. فمن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة و لا تلحقه الإشارة ). الإمدادات الإلهية التي يمدّ الحقّ تعالى بها عباده المؤمنين زيادة في إيمانهم » وتقوية لإيقانهم لا أثر فيها لطول العمر ولا قصره ء فلا تنقص بذلك ولا تزيد به » ولا تقل ولا تكثر » وإنما ترد عليهم من خزائن الفضل والكرم بحسب قوة استعدادهم وكمال قابليتهم » ويختلف هذا باختلاف تراكيب خلقهم ومجبول فطرهم » ولا مدخل للزمان في هذا إلا بالعرض ؛ وبهذا فضلت هذه الأمة تعالى عنه : قد غبطت بني إسرائيل . قال : بأي شيء ؟ قلت : بثمان مائة سنة حتى يصيروا كالشنان البالية » وكالحنايا « 2 » » وكالأوتار . كل لك رك حك نر ل و نيه 1ن لقا أن بيد 1 و لا راز يريد منا إلا صدق النية فيما عنده » هذا إذا صدق في عشرة أيام نال ما نال ذلك في عمره . » . من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة . البركة في العمر أن يرزق العبد من الفطنة « 3 » ما يحمله على اغتنام أوقاته » وانتهاز فرصة إمكانه خشية فواته » فيبادر إلى الأعمال القلبية والبدنية » ويستفرغ في ذلك مجهوده - عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 4 / 388 ٠ 5 / 22 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 5 »؛» 1136 ٠ ) 5845 ٠ والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار ( 4 / 450 ) » وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 6 / 2327 ) » وابن حجر في ( فتح الباري 11 / 209 ) » وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن 2 و 3 ) » وأخرجه صاحب ( الإتحافات السنية 70 » 76 » 8 ) » والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 2264 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 10١ 31٠5 /277 ) ء وابن كثير في ( التفسير 1 / 313 ٠» 2 / 3 ) وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 9 / 27 ) . (1 ) أخرجه ابن ماجة ( أدب » 53 ) . 0109 5200 » 324 « بالكلية » وفي أثناء ذلك يصل إليه من المنح الإلهية » ويشرق عليه من الأنوار الربانية ما تعجز العبارة عنه » ولا تنتهي الإشارة إليه » وكل ذلك في عمر قصير وزمن يسير » فيرتفع له في شهر - مثلا - ما لا يرتفع لغيره في ألف شهر » بمنزلة ليلة القدر العمل فيها لمن صادفها خير من العمل في ألف شهر . قال بعض العلماء : « كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر » .
كان سيدي أبو العباس المرسي » رضي الله عنه يقول : « أوقاتنا والحمد للَّه » كلّها ليلة القدرء فهذا هو البركة في العمر لا تطويله وزيادة مدته » . وقيل هذا المعنى في تأويل ما روى في الخبر : « البرّ يزيد في العمر » « 1 » . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (الخذلان كل الخذلان في أن تتفرغ من الشواغل ثم لا ت تتوجه إليه » وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه) . 2 أن تصدّك العوائق والشواغل عن التوجّه إلى اللَّه تعالى والرحيل إليه » بل الواجب عليك أن تبادر إلى ذلك وترمي بالعوائق والشواغل خلف ظهرك . وقد قيل : « سيروا إلى الله » عزّ وجل » عرجا ومكاسير » ولا تنتظروا الصحّة ؛ فإن انتظار الصحة بطالة » قال اللَّه تعالى :انْفِرُوا خفافاً وَيِقالَا[ التوبة : 41 ] . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس ] فإن زالت شواغلك » وقلّت عوائقك » ثم قعدت عن التوجه والرحيل فهذا هو الخذلان كل الخذلان » أعاذنا الله منه . قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « فراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة » فإذا كفر عبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى وانجرٌ في قياد الشهوات شْوّش الله عليه نعمة قلبة » وسلبه ما كان يجد من صفاء لبْه . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : ( الفكرة سير القلوب في ميادين الأغيارء و الفكرة سراج القلب, فإذا ذهبت فلا إضاءة له ). الفكرة سيرة القلب في ميادين الأغيار . الفكرة التي ألزمها العبد وحضّ عليها هي : سير القلب في ميادين الأغيار فقط » وهي : مخلوقات الله ومكتوعاتة وأما الفكرة في ذات الله تعالى فلا سبيل إليها » يعتبر المتفكرون في آياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته 501 502 » 325 « روى عن ابن عباس رضي الله عنهما : « أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبصر قوما فقال : مالكاة فقالوا : نتفكّر في الخالق . قال : تفكّروا في خلقه ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره » «1». قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه : « التفٌر نعت كل طالب » وثمرته : الوصول بشرط العلم ؛ فإذا سلم الفكر من الشوائب ورّد صاحبه على مناهل التحقيق » ثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا » وقلّة وفائها لطلابها ؟ ؛ فيزدادون بالفكر زهدا فيها » وفكر العابدين في جميل الثواب ؛ فيزدادون نشاطا عليه ورغبة فيه » وفكر العارفين فى الآلاء والنعماء ؛ فيزدادون محبة للخالق سبحانه وتعالى » . ْ وقال الجنيد » رضي الله تعالى عنه : « أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد » . وفي بعض النسخ : الفكرة : سير القلب في ميادين الاعتبار » ومعناه ظاهر . الفكرة سراج القلب فإذا ذهبت فلا إضاءة له . القلب الخالي من الفكرة خال من النور » مظلم بوجود الجهل والغرور » وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها في ميادين الفكرة ] . 227 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الفكرة فكرتان : فكرة تصديق وإيمان » وفكرة شهود وعيان ؛ فالأولى لأرباب الاعتبار . والثانية لأرباب الشهود والاستبصار ). تقدّم الآن أنّ الفكرة سير القلب في ميادين الأغيار » وسيره على وجهين : صعود . ونزول ؛ فالصعود لأرباب الاعتبار » وهي فكرة ناشئة عن التصديق والإيمان . وهذا للسالكين » وهو حال ترقيهم » وهو نعت المستدلين بالآثار على المؤثر » والنزول لأرباب الشهود والاستبصار » وفكرتهم فكرة ناشئة عن الشهود والعيان .
وهذا للمجذوبين وهو حال تدليهم » وهو وصف المستدلين بالمؤثر على الآثار ء وقد تقدّم هذا المعنى عند ذكر المجذوب والسالك . وقال رضي الله عنه ؛ مما كتب به لبعض إخوانه : ا ع كر + و0 ار داسو ىالا واوا مستقرّه » وذكر 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة لمتقين 1 / 162 ) » والسيوطي في ( الدرر المنثور / 110 ) والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 410 ) . بن[ قم 503 5204 » 326 « وقد أتى - رحمه الله تعالى - في ذلك بعبارات صحيحة فصيحة » واستعارات حسنة مليحة » على طريقة وعظية , إذا سمعها السامع طرب لها قلبه » وهام فيها عقله ولبّه » وما ذاك ؛ إِلّا لما علق بها من أنوار قلب المتكلم » وقد قال فيما تقدّم : ( كلّ كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز . ) أما بعد : فإن البدايات مجلات النهايات . المجلات : محل التجلّي والظهور ؛ فالسالك في ابتداء سلوكه يتجلّى له أمر نهايته . وإن من كانت باللّه بدايته كانت إليه نهايته . هذا بيان ما ذكره » ومعنى كون بدايته بالله أن تكون مجاهداته ومكابداته « 1 » وأنواع رياضته مصحوبة بالاستعانة بالله تعالى والاعتماد عليه » والانقطاع إليه » فبذلك يصح له وينفذ في توجهه وسلوكه » كما تقدّم عند قوله : ( ما توقف مطلب أنت طالبه بربك ) . وحعقى كون انتياتة إلى الل أن تكشق له اقفر اد الله قفال بالقرومية : و تو كدة بالديدو ملة :. وآنة الأول والآخر والظاهر والباظن انكشافا يظهر لهد يه غدمية ذاته وكلاشيه + وتدكدكه واكمخلاله » قال الله تعالى :بل نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْباطِلٍ فَيَدْمَعُْةُ فإذا هُوَ زاهِقٌ [ الأنبياء : 18 ] . فإذا صحت للمريد تلك البداية بما ذكرناه وصل إلى هذه النهاية . ل 1 والمشتغل به هو الذي أحببته وسارعت إليه » والمشتغل عنه هو المؤثر عليه . المشتغل به » أيها المريد السالك ٠ إنما هو عملك على التقرّب من ربّك عر وجل » والتوسّل إليه ذلك الشغل ؛ بل تكون به قرير العين . والمشتغل عنه : إنما هو متابعة حظوظك العاجلة » ومراداتك الزائلة » وهو الذي يستحق الإيثار عليه ؛ إذ هو فان » مضمحل ؛ لا حقيقة له » فلتطب عنه نفسا » ولا تعمل فيه عقلا ولا حسًا . وهذا الكلام تهييج للسالك » وإنعاش لقوّته » وإنهاض لهمّته » قال الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن الحتكلى »رح اد عله ٠ سفعت عيد انه بن إنسحاق لعافتي ينول :ها انتفعت إلا تدهاء ركلا بمكة » مررت إلى المسجد الحرام بالسحر فإذا رجل يسفٌ ) 1 ( المكابدة : كابد الأمر مكابدة : قاسى شدته وعانى مشقته . 505 » 327 « التراب » فقلت : مجهود أو مجنون ؟ ! ثم قلت له : يا هذا » أتسفّ التراب ؟ ! قال : فقال لي : أو تراب هو ء ثم ناولني . قال : فما شككت أنه سويق أو قند « 1 » أنا أشكَ أيّهما . قال : فقلت : ولي لله » وجثوت « 2 » على ركبتي وقلت : ادع الله لي . فقال لي : عرّفك الله قدر ما تطلب حتى يهون عليك ما تترك » . وإن من أيقن أن الله يطلبه صدق الطلب إليه » ومن علم أن الأمور بيد الله انجمع بالتوكل عليه . العبد مطلوب لربّه » عز وجل » بإقامة وظائف العبودية له » وذلك بما اختصه به » عز وجل » من العقل والفهم » وما رزقه من المعرفة والعلم . وثمرة ذلك الطلب عائدة إلى العبد » فلم لا يصدق العبد في طلبه واجتهاده إذا أيقن بذلك ؟
والأمور كلها بيد الله تعالى » ومن ذلك : سعيه » وكدحه ء فلم لا يتوكل عليه في ذلك فيجتمع همه ويتيسّر أمره ؟ إذا علم بذلك فالقسم الأؤل قيام بمقتضى الشريعة » والقسم الثاني وفاء بحق الحقيقة . وأنه لا بد لبناء هذا الوجود من أن تنهدم دعائمه وأن تسلب كرائمه . ذكر هذا المعنى تسلية للعبد عمًا يفوته في حال سلوكه من حظوظه وشهواته ؛ لأنه إذا علم أن هذه الأشياء لا بد أن تزال عنه » ولو بعد حين وكلّ ما هو آت قريب » لم يغتبط بما يكون مآل أمره إلى ذلك » ويكون طيب النفس بتركه » وتهديم الدعائم وسلب الكرائم من الاستعارات البديعة . فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى قد أشرق نوره وظهرت تباشيره . فرح العبد بالأشياء الفانية هو موجب للزيادة في همّه وغمّه إذا فقدها . قال سيدي سهل بن عبد الله » رضي الله عنه : « من فرح بغير مفروح به استجلب حزنا لا انقضاء له » , وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : ( ليقلَ ما تفرح به يقل ما تحزن عليه ) » فالعاقل لا يفرح بذلك ؛ ولا يحبه » بل يكرهه ويبغضه . وإنما يكون فرحه بالأمور الباقية التي لا تفنى » قد أشرق نور ذلك في قلبه » وظهرت تباشيره على وجهه . وإشراق النور » وظهور التباشير نتائج تحققه في مقام الزهد . فصدف عن هذا الدار مغضيا « 3 » وأعرض عنها موليا (1 ) القند : عصارة قصب السكر إذا جمد . 9 الففحية: الكذدة و السنتكة] 506 507 « 328 » سكنا , فلما كان العبد على هذا الوصف صدف عن هذه الدار الدنيوية » أي : مال عنها مغضيا جفنه عن أقذائها من غير مبالاة بذلك معرضا عنها بوجه قلبه » قد ولّاها دبره من غير التفات إليها . وهذا مبالغة في نبذها واطراحها » فلم يتوطنها بظاهره على سبيل التمتع بها والاستبشار » ولم يساكنها بباطنه على جهة المحبّة لها والإيثار » بل نزلها منزلة السجن والمضيق » ووطن نفسه فيها على تحمّل ما يطيق وما لا يطيق . 3ك على تكققة راز هذ فى الأمرر القائية الك فى يفيفلة 33 فلما وفلل إلن ذلك حصل له من طهارة قلبه » وصفاء لبه ما حمله على التعلق بمولاه الباقي الدائم فجعل دنياه مخَيرآ يعبره إليه كما سيقوله المؤلف الآن . بل أنهض الهمة فيها إلى الله تعالى » وسار فيها مستعينا به في القدوم عليه . هذا ابتداء سفره بقلبه إلى الحضرة العلية » وبدأ بإنهاض الهمّة إلى ربّه » والاستعانة به في القدوم عليه » وهو أساس أمره كما تقدّم . قال الشاعر : إذا لم يعنك الله فيما تريده فليس لمخلوق إليه سبيل وإن هو لم يرشدك في كل مسلك ظللت ولو أن السّماك « 1 » دليل قال أبو محمد الجريري » رضي الله تعالى عنه : « من توم أن عملا من أعماله يوصّله إلى مأموله الأعلى أو الأدنى فقد ضلّ عن طريقه ؛ لآن النبي صَلَى الله غليه وسلم قال > < لن ينجي أحدا منكم عمله » << 2 » فما لآ ينجي من المخوف كيف يوصل إلى المأمول ؟ ومن صم اعتماده على فضل الله فذلك الذي يرجى له الوصول » . فما زالت مطية عزمه لا يقر قرارها » دائما تسيارها إلى أن أناخت بحظيرة القدس وبساط الأنس مهن المنائفة و لمر احية و المكاليية و السكانة ار المت هدو التشالكية ١ مهدا كا الحصد امعتن قلوبهم إليها يأوون » وفيها يسكنون . هذه استعارات مليحة استعملها في سفر القلب إلى حضرة الربٌ . وقد تقذم معنى ذلك عند قوله : ( لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) .
وحضرة القدس » وبساط الأنس هما موضع محط الرحال » وبلوغ الأوطار والآمال » من قبل أن السالك تمحى عنه رسوم بشريته » وتبطل أحكام إنيّته » وتنكشف له (1 ) السّماك : السماكان : نجمان نيران » يقال لأحدهما : السماك الرامح وللآخر السماك الاعرن:. (2 ) أخرجه البخاري ( رقاق » 18 ) » ومسلم ( منافقين » 71 ) » والدارمي ( رقاق » 24 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 451 » 482 » 488 ١» 514 ٠ 503 » 495 ٠» 537 : 3 ؛ 362 ) . 508 509 » 329 « إذذاك أوصاف معروفة كرأي العين » ويكون سره مع الله تعالى بلا أين » فلما وصل إلى هذه الحضرة العلية » ونال هذه المنقبة السنية » قوبل بأنواع من الكرامات والألطاف ٠ وفنون من تحف السادات والأشراف » وهى معانى هذه الألطاف الستة التى ذكرها المؤلف » رحمه الله تعالى » ولا تعرف إلا بالذوق ٠ وكذلك التفرقة بين معانيها . . فحينئذ ألقى السائرون عصا سيرهم » وحمدوا عاقبة أمرهم » وصارت حضرة محبوبهم معشش قلوبهم » ومستوطنهم في ذهابهم وإيابهم » إلى ظلها يأوون إذا صلي غيرهم بنيران هواه » وفي دار المقامة يسكنون حين يزعج سواهم عن متعة دنياه » وهاهنا حصل لهم التحقق بمقام الفناء والمحو . وهذا هو انتهاء سفرهم بمعنى الصعود والترقي . فإذا نزلوا إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ فبالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين ٠ فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة » ولا إلى الحظوظ بالشهوة والمتعة » بل دخلوا في ذلك بالله » ولنه ومن ابن واإلى امه هذا هو سفر التدلي والنزول » وبه يتحققون بمقام البقاء والصحو ء فإذا نزلوا من سدرة منتهاهم « 1 » إلى سماء الحقوق » وهي حقوق الله عليهم مما أمرهم به أو نهاهم عنه » ليقوموا بذلك فعلا أو تركا ء أو إلى أرض الحظوظ » وهي : حظوظ نفوسهم التي تلابسهم » ويحصل لهم الارتفاع بها » فإنما يكون نزولهم إلى ذلك بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين . ومعنى ذلك : أن يدخلوا في الأشياء بمراد الله تعالى » لا بمراد أنفسهم » ويجدون الإذن من الله تعالى لهم بما يشرق في قلوبهم من النور الذي يجعله الله علما على ذلك . وقد ذكره سيدي أبو الحسن في بعض كلامه » قال رضي الله عنه : « ومعنى الإذن للوليّ : نور ينبسط على القلب يخلقه الله فيه وعليه » فيمتد ذلك النور على الشيء الذي يريده فيدركه نور مع نور + أو ظَلمَِة تحت ذلك الثور ينبئك أن تأخذ إن شفت٠ أو تتزرك٠ أو تختار © أو تدير © أو تعطى , أو تمنع ٠ أو تقوم ٠ أو تجلس » أو تسافر » أو تقيم » هذا باب المباح المأذون فيه بالتخيير ٠ فإذا قارنه القول تأكّد الفعل المباح بمراد الله تعالى ؛ فإن قارنته نيّة صحيحة لفعل بر زال عنه حكم المباح وصار مندوبا .
وإن ظهرت الظلمة تحت النور الممتد من القلب » فلا يخلو أن يلوح عليه لائح الغضب بانقباض القلب » فاحذر ذلك وتجنبه ؛ فإنه المحظور أو يكاد » ولا تقطع بذلك إلا ببينة من كتاب الله تعالى ؛ أو سنّة أو إجماع » أو خلاف لمقلّد قلّدته » كمالك 510 » 330 « والشافعي أو غيرهما من العلماء الراسخين » فاحكم إذن على أصل صحيح وإن تكن الظلمة شبه غيّم لا يتصدّع معه القلب » ولا يتفزع به الذهن فتباعد عنه ؛ فإنه يكاد يكون مكروها ء ولا تحكم بعقلك ورأيك ؛ فقد ضلّ من هاهنا خلق كثير » ولا تفت أحدا إن استفتاك , وأعط الورع حقّه :ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ به عِلّمٌّ [ الإسراء : 36 1 » فإن تأذبت هاهنا فعن قريب تأتيك البيّنة من ربّك والشاهد يتلوها منه » . انتهى كلام سيدي أبي الحسن » وهو مناسب لما ذكره المؤلف , إلا أنّ ما فيه من التفصيل لم يتعرض له المؤلف » بل بقي الأمر في ذلك مجملا » كما تراه وتقديره : « فإذا نزلوا إلى الحقوق واستعملوا فيها لم ينزلوا إليها بسوء أدب ولا غفلة » وهو أن شياو اتسين نامل الشييع ٠ ار يظليوا دراب عبيا دن جمدت رإن انز ايا لل الحكر طلم ينزلوا إليها بشهوة غالبة قاهرة لهم » ولا منفعة يقصدون إلى نيلها في دنياهم » بل دخلوا في ذلك بالله مستعينين » ولله عابدين » ومن الله آخذين , وإلى الله متوسّلين » قد تولى الله تعالى إدخالهم في الأشياء وإخراجهم منها » وأوجدهم ذلك » وعزل عنهم ملكية نفوسهم لهم » وصاروا أحرارا كراما . وقل ربٌ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ؛ ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني » واستسلامي وانقيادي إليك إذا أخرجتني . المدخل ؛ والمخرج : الإدخال والإخراج » وقد عبّر بهاتين العبارتين عن السفرين المذكورين ؛ فالمدخل : هو سفر الترقي ؛ لآنه دخول على الله عز وجل في حالة فنائه عن رؤية غيره . والمخرج : هو سفر التدلي ؛ لأنه خروج إلى الخليفة لفائدتي الإرشاد والهداية في حالة بقائه بربّه اهدي ار وإنما طلب هذا ليحصل له به ذهابه عن رؤية نفسه في النسبة والوقوف مع الحظ ؛ ففي المدخل يشاهد حول الله تعالى وقوّته » فينتفي عنه بذلك النسبة إلى نفسه » وفي المخرج يستسلم لربّه وينقاد إليه فينتفي عنه بذلك مراعاة حظه . شهود نفسي » ويغنيني عن دائرة حسي . طلب من الله تعالى النصرة له ليستقيم أمره . وطلب منه النصرة به ليكمل حاله » فالنصرة له هي باذك ار باك اللدا شوو لكي ١ ناب نكر نسي علي فطع جات النسر نهر دواعي الهوى والحس . 511 « 331 » والنصرة به هي مقتضى حال أرباب النهايات من المحققين ؛ لأن بذلك يحصل لهم مرتبة الأمانة ومقام الإرشاد والهداية . وكلُ واحد من القسمين نصرة على شهود النفس » وفناء عن دائرة الحس . وإخراج النصرة عليه من السؤال والطلب ؛ لأن ذلك من الخذلان وعدم التوفيق وهو غلبة أحكام نفسه وبقاؤه مع دائرة حسه . وقال رضي الله تعالى عنه مما كتب به لبعض إخوانه : إن كانت عين القلب تنظر أن الله واحد في منته » فالشريعة تقتضي أنه لا بد من شكر خليقته . إذا أوصل الحق تعالى إليك نعمة على يد إنسان » سواء كانت دينية أو دنيوية . فعليك في ذلك وظيفتان : إحداهها : أن قتنية انفر اد الله تعالى يذلك قلا تَرين التحمة إلا مند واحذه » وترى من سواه » معن أجراها على يديه » مقهورا مجبورا على ذلك , مسلّطا عليه الدواعي والبواعث حتى لم يجد انفكاكا عنه » وهذا هو حق التوحيد .
والثانية : أن تشكر من وصلت إليك على يده بأن تدعو له وتثنى عليه امتثالا لأمر الله تعالى ؛ وعملا بما جاءت به الشريعة » قال الله تعالى :أن اشكْر لِي وَلِوالِدَيْكَ[َ لقمان : 14 ] . وفي حديث النعمان بن بشير » رضي الله عنه » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير » ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله » « 1 » ) . وفي حديث أسامة بن زيد » رضي الله تعالى عنه » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أشكر الناس لله أشكرهم للناس » « 2». ولأن الله تعالى اختصّه بأن أقامه في ذلك وأهّله له . ومن أسمائه تعالى « الشكور » ؛ فليتخلّق العبد بذلك . وهذا هو حقٌ الشرع . [ وأن الناس في ذلك على ثلاثة أقسام : غافل منهمك في غفلته ل غافل منهمك في غفلته قويت دائرة حسه وانطمست حضرة قدسه ء فنظر الإحسان من المخلوقين ولم يشهده من رب العالمين : إما (1 ) أخرجه أبو داود ( أدب » 11 ) » والترمذي ( برّء 35 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 258 » ١ 388 ١» 303 » 5 461 » 492 »؛ 3 ١ 5 ١ 375 ١ 278 ١ 4 ١» 74 ١» 32 ١» 211 : 6. 02 (2 ) أخرجة احمد بن حنبل ( 15 212 ). 512 513 » 332 « اعتقادا فشركه جلي » وإما استنادا فشركه خفي . هذا هو بيان أحوال الناس بالنسبة إلى مشاهدة التوحيد » ورؤية الوسائط والعبيد . فبدأ بذكر عامة الناس » وهم الغافلون المنهمكون في غفلتهم » أصحاب الظواهر والرسوم الذين قويت دائرة حسّهم فقيّدتهم » ووقفوا معها » وانطمست حضرة قدسهم فأبعدتهم ولم يجلوا بها دعرو دعا د محري لحتو لود ركطدرا لج له لا ا ل 1711 ٠. . 4 واستوجهوا كر ونقمت ١ أحدهما : أن يعتقدوا ذلك بقلوبهم أنه منهم ومن قبلهم . وهذا هو الشّرك الجليّ الذي يخرج صاحبه من دائرة الإسلام ويوقعه في الكفر » والعياذ بالله . والثاني : أن يحصل ذلك منهم استنادا » إي اعتمادا » على غير الله » وسكونا إلى سواه » مع سلامة عقدهم وصدورهم . وهذا هو الشرك الخفي الذي يخرج صاحبه عن حقائق الإيمان ويدخله أبواب النفاق . ونعوذ بالله من الشرك جليّه وخفيّه . [ وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق . . . الخ ] وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق » وفنى عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب غريق الأنوار مطموس الآثار قد غلب سكره على صحوه » وجمعه على فرقه » وفناؤه على بقائه ؛ وغيبته على حضوره . هذا هو حال الخاصة من أرباب الحقائق » وهم الذين غابوا عن [ شهود ] الخلق بشهود الملك الحق » فلم يقع لهم شعور بهم ء ولا التفات إليهم » وفنوا عن الأسباب برؤية مسبب الأسباب » فلم يروا لها فعلا ولا جعلا » فهم مواجهون بحقيقة الحق ظاهر عليهم سناها » أي نورها وضياؤها » ملكو افيف لفن قن سوا على هذاه أي : وصلوا إلى غايتها ومنتهاها , إِلّا أنهم غرقوا في بحار أنوار التوحيد » مطموس عليهم آثار الوسايط والعبيد » أي : مغلق عليهم رؤية ذلك والشعور به قد غلب سكرهم » وهو : عدم إحساسهم بالأغيار » على صحوهم » وهو : وجود إحساسهم بها » وجمعهم » وهو ثبوت وجود الحق فردا » على فرقهم وهو ثبوت وجود الخلق » وفناؤهم » وهو : استهلاكهم في شهود الحق على بقائهم وهو شعورهم بالحلق » وغيبتهم وهو ذهاب أحوال الخلق عن نظرهم على حضورهم مع الخلق .
ومعاني هذه الألفاظ » كما تراها » متقاربة » وهي ألفاظ تداولها الصوفية المحققون بينهم وعبّروا بها في كتبهم » ووضعوها على معان اختصوا بفهمها ؛ ليتعرّف بعضهم من 514 515 » 333 « بعض ما يتخاطبون به » ولهم ألفاظ كثيرة غيرها » وكأن المؤلف رحمه الله تعالى أردا أن لا يخلو فرقه يحجبه عن جمعه » ولا فناؤه يصده عن بقائه » ولا بقاؤه يصده عن فنائه » يعطي كل ذي اك قلط رارق اراي دق كد هذا هو حال خاصة الخاصة الذين حازوا رتب الأكملية ؛ وهم قوم شربوا كؤوس التوحيد فازداد صحوهم » وغابوا عن الأغيار فازداد حضورهم ؛ وقد ملكوا الأحوال » وتمكنوا في مقامات الرجال » فلم يغلبهم محو عن طيّ ؛ ولم يحجبهم شيء عن شيء بل وفوا حقوق جميع المراتب » وأعطوها مالها من قسط واجب » وذلك لاتساع نظرهم ؛ ونفوذ بصرهم » وهذه هي صفة الصدّيق » رضي الله تعالى عنه في القصة الذي يذكرها الآن . [ وقد قال أبو بكر الصديق . . . الخ ] وقد قال أبو بكر الصديق » رضي الله تعالى عنه » لعائشة » رضي الله تعالى عنها » لما نزلت براءتها من الإفك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة » أشكري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : واللّه لا أشكر إلا الله دلها أبو بكر رضي الله تعالى عنه على المقام الأكمل . مقام البقاء المقتضى لإثبات الآثار وقد قال الله تعالدآن اشكُر لِي وَلِوالِدَيْكَ [ لقمان : 14 ] وقال صلى الله عليه وسلم + :زر لا يشكر الله من لا يشكر الناس ©» << 1 #6 وكانت هي في ذلك الوقت مصطلمة عن شاهدها غائبة عن الآثار فلم تشهد إلا الواحد القهار هذا مثال هذين القسمين » وقد أشبع المؤلف - رحمه الله تعالى - الكلام فيه . والمعنى في ذلك بيّن » لا حاجة بنا إلى مزيد من تنبيه عليه إِلّا قوله ( وكانت في ذلك الوقت مصطلمة ) أي : منقطعة عن شاهدها » وهو حكم بشريتها متوفاة عن إحساسها بالكلية ؛ والاصطلام نعت الحيرة » ومحل القهر وصفة الدهشة . وفي قوله ( وكانت هي في ذلك الوقت ) إشعار بأن ذلك لم يكن حالا لازما لها في جميع أوقاتها بل كان ذلك في وقت مخصوص » وواقعة مخصوصة » وذلك صحيح ؛ إذ حالها رضي الله عنها » هو حال الكمال في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم » وبعد وفاته كنحو حال أبيها ؛ رضي الله عنهما ؛ وذلك معلوم من أخبارها وسيرها رضي الله تعالى عنها . قال رضي الله عنه لما سئل عن قوله صلوات الله عليه وسلامه : « وجعلت قرّة عيني في 5166 517 » 334 « إنّ قرة « 1 » العين بالشهود على قدر المعرفة بالمشهود فالرسول صلوات الله عليه وسلامه ليس معرفة غيره كمعرفته فليس قرّة عين كفرته . ا وإنما قلنا إن قرة عينه في صلاته بشهوده جلال مشهوده ؛ لأنه قد أشار إلى ذلك بقوله « في الصلاة » ولم يقل بالصلاة ؛ إذ هو صلوات الله عليه وسلامه لا تقرّ عينه بغير ربه وكيف وهو يدل على هذا المقام ويأمر به من سواه ؛ بقوله صلوات الله عليه وسلامه « اعبد الله كأنك تراه » « 2 » ومحال أن يراه ويشهد معه سواه . فإن قال قائل : قد تكون قرّة العين بالصلاة » لأنها فضل من الله » وبارزة من عين منَة الله فكيف لا يفرح بها » وكيف لا تكون قرة العين بها وقد قال سبحانه : قل بِفَضْل الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فلَيَفْرَحُوا . . . ؟
[ يونس : 58 ] اعد ان الام إرياك إل 127 فبذلك فافرح يا محمد » قل لهم فليفرحوا بالإحسان والتفضل وليكن فرحك أنت بالمتفضّل » كما قال في الآية الأخرى :كل الله ثم ذَرْهُمْ في حَوْصَنَهمْ يَلَعَيُونَ [ الأنعام كام الصلاة هي أجل ما يتحف الله به عباده » ويهديه إليهم » وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما أوتي عبد في الدنيا خيرا من أن يؤذن له في ركعتين يصليهما » « 3 » ففيها ما يحصل لهم الخلوة معه » والانفراد والمجالسة له » والانقطاع إليه » وفيها يرتفع عن قلوبهم الحجب والأستار » ويتجلى فيها حقائق الأسرار » وتشرق فيها شوارق الأنوار » وفيها تكون المناجاة والمصافاة كما تقدم » وهي صلة بين العبد وبين ربه عز وجل » قال محمد بن علي الترمذي » رحمه الله : « الصلاة ؛ عماد الدين » وأول شيء فرضه الله على المسلمين ؛ وفي الصلاة إقبال اللّه على العبد ليقبلوا إليه في صورة العبيد تذللا وتسليما » وتبتلا » وتخضعا وترغيبا وتملقا » فالوقوف تذلل » والتكبير تسليم » والثناء والتلاوة تبتل » والركوع تخضع . والسجود تخشع » والجلوس ترعّب ٠ والتشهد تملق » فأقبل العبيد إلى الله بهذه الصورة ليقبل الله عليهم بالترحم والتعطف والتقبل والتكرم والتقرب فليس شيء من أمر الدين أعظم من هذه ؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الصلاة عماد الدين » « 4 » وقال في حديث آخر : « الخلاة فون :»4 رز 5 » وقال زر لا يزال اشامقيلا يوحهه (1 ) القرّة : ما قرت به العين » يقال : هو قرة العين لما يرضي ويسر . (2 ) أخرجه البخاري ( إيمان » 37 ) » ومسلم ( إيمان » 1 » 5 » 7 ) » وأبو داود ( سنة » 16 ) والترمذي ( إيمان » 4 ) » والنسائي ( إيمان 5 ٠ ) 6 ٠ وابن ماجة ( مقدمة » 9 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 107 ١» 132 ). ( 3 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير» 8 / 177 ) . أخرجه ابن حجر في ( الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف » 4 ) » والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة » 104 ) . ( 5 ) أخرجه مسلم ( طهارة ٠ ) 1 ٠ والترمذي ( دعوات » 85 ) » والنسائي ( زكاة » 1 ) » وابن ماجة ( طهارة » - 518 59 » 335 « على العبد ما دام في صلاته » وإن الله لينصب إلى أحدكم وجهه ما دام مقبلا عليه » « 1 » ولأجل هذه الفوائد كانت الصلاة ة مفزع ذوي الفاقات والضرورات من أرباب القلوب » فيغنيهم وجودها عن كل مرغوب ويتسلون بها عن كل محبوب » قال لله تعالى : وَأَمّرْ أَهْلَكَ بالصّلاةٍ وَاصْطْبِرُ عَلَيْها لا نَسْتَلكَ رزقاً [طه : 132 ] . فواجب إذن أن تكون قرّة أعين عباد اللّه فيها وبها . وقرة العين عبارة عن الرّوح والراحة وكمال النعيم واللذة التي تحصل من غاية الموافقة والملائمة » إلا أنها تختلف باختلاف أحوال الناس في مراتبهم ومقاماتهم فمن عظمت منزلته » وعلت مرتبته كانت ملاءمته وموافقته في شهود التوحيد وكمال التجريد المشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم « أن تعبد الله كأنك تراه » « 2 » إذ محال أن يراه ويشهد معه سواه » كما قال المؤلف رحمه الله تعالى .
وفيما روي عن عبد الله بن عمر » رضي الله عنهما » في قوله لعروة بن الزبير » رضي الله عنهما : « إنا كنا نتراءى الله بين أعيننا » وكان هذا لما خطب إليه عروة بن الزبير ابنته وهو في الطواف « 3 » . فلم يكلمه ابن عمر » ولم يرجع إليه بشيء » ثم اعتذر له بعد ذلك بهذا الكلاة فضاحت هذه الحال تكون قرة عيده في الصبلاة لا يها » لما تتصدمنه من التجلى الثام , والشهود الحقيقي . ومن كانت منزلته دون ذلك كانت ملاءمته وموافقته في شهود النعم ووجود الفضل والكرم » وكانت قرة عينه بها » لا فيها ؛الأنها فل من انه » وياز زة عن هنة انه كننا قال المؤ لقكاار كيه فلا شك أن معنى قرة العين في الوجه الأول ٠ وبه أنسب وأليق » لأن صاحبه فان عن نفسه » باق بريه ؛ وين كان على هذا ا اي ل ل ل ا ومن زالت سلطنته عنه في صلاته لم يحتج إلى مدافعته ومراجعته » وكانت صلاته ملزومة ا وعند فقدان العبد لحديث نفسه » ووسوسة عدوه يحصل له غاية النعيم واللذة » ويتحقق في حقه معنى قرة العين بخلاف الوجه الآخر ؛ فإن صاحبه لم يغن عن نفسه » فضلا عن أن يرتقى إلى درجة البقاء بربه » - 5 ) » ( زهد ء 22 ) » والدارمي ( وضوء » 2 ) » وأحمد بن حنبل ( 5 » 342 ٠ 344 ) . (1 ) أخرجه أبو داود ( صلاة » 161 ) » والنسائي ( سهو ؛ 10 ) » والدارمي ( صلاة » 134 ) » وأحمد بن حنبل ( 5 » 172 ) . (2 ) مر ذكره. الطواف : ( شرعا ) الدوران حول الكعبة . 5220 521 « 336 » لي مانن لحر م 37 رزو ا و ين نعيمه » وتتكدر لذته » فيضعف معنى قرة العين في حقه قال الشيخ العارف أبو محمد عبد العزيز المهدوي » رضي الله تعالى عنه : « وقرة العين لا تكون لمجاهد » ولا لمن يدفع الشيطان عنه » بل هي لمن استراح من المجاهدة والدفع » . ولما كانت منزلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عند ربه » عز وجل » أشرف المنازل » ومرتبته في المعرفة به أرفع الرتب بحيث لا يتصور أن يشاركه في ذلك غيره أو يحل به سواه كانت قرة عينه فى كبلدنه على حيرت ذلك : فمن قال إن ذلك خاص به لانفراده بالمرتبة العليا والخاصية الكبرى فقوله صحيح » وعليه يدل ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » « 1 » بعد قوله : « إنما حبب إلى من الدنيا الطيب والنساء » « 2 » ولا شك أن حبه لهذين الأمرين ليس على قياس حب غيره لهما » وإنما ذلك لوجود الخاصية التى اقتضت منه ذلك », ألا ترى أنه أبيح له ما لم يبح لغيره من عدد الحرائر . ْ وأمن لأجل ذلك من وقوع مفسدة التباغض والتشاجر بسبب اجتماع الضرائر » واستعماله صلى لله عليه وسلم الطيب وحبّه له إنما هو للقائه الملائكة التي تناجيه » وإلا فهو في ذاته غنى عن الطبب و استعمالفة: كما قال انس بن مالك رك الل عنة ؛ روما مسك حريرا ولا ديياا الرن من كنك رسول الله طق الله ليه ويام رلا شمفها ررائحة قط مفكا و لا هنيرا اطيف فن رافحة ركرل الله هنل الله عليه وسلم » « 3 » . فإذا كانت حاله في هذين الأمرين على ما ذكرناه مع أنه لم يذكر فيهما سوى لفظ « الحب » وهما من لذات الدنيا فكيف يكون حاله في الأمر الثالث مع أنه عبر فيه بقرة العين وهي غاية المحبة » وهو من أعمال الآخرة .
وقيل معنى قوله « من الدنيا » أي : « في الدنيا » ومن قال إن لغيره منه شربا ونصيبا على المعنى الذي يليق بهذا الخير فلذو له وحة ء وكواتب المؤافة ربحمه الله تقال محتمل لينين الوجهين : والله أعلم يما أراد منهم أو من خيرهما . فصل [ الناس في ورود المنن على ثلاثة أقسام : 5220 الخ ] روفاك الع ام شين ال قصال مقن ما كنت لكر الخوانة فرح بالمنن لا من حيث مهديها ومنشئها ولكن بوجود متعته فيها فهذا من الغافلين » مر ذكره. ' (2 ) أخرجه النسائي ( عشرة النساء » 1 ) » وأحمد بن حنبل ( 3 ٠» 199 ٠ 128 ٠ 285 ) . 02 (3 ) أخرجه البخاري ( صوم ٠ 53 ) » ( مناقب » 23 ) » ومسلم ( فضائل ؛ 82 ) ؛ والدارمي ( مقدمة » 10 ) . 223 « 339 » يصدق عليه قوله تعالى 'حَتّى إذا فَرِحُوا بما أوتُوا أَحَدْناهُمْ بَعْتَةَ [ الأنعام : 44 ]. وفرح بالمنن من حيث إنه شهدها منة ممن أرسلها ونعمة ممن أوصلها يصدق عليه قوله تعالى :قل بِفَضْل الله وَبِرَحْمَتِهِ فبذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَحجْمَعْونَ [ يونس : 58 ]: وفرح بالله ما شغله من المنن ظاهر متعتها ولا باطن منتها ؛ بل شغله النظر إلى الله عما سواه والجمع عليه فلا يشهد إلا إياه يصدق عليه قوله تعالى :فل انه كك درك في حوره يلعون [ الأنعام 91 ] . تضمن هذا الفصل بيان ما يحمد من أحوال الناس » وما يذم عند ورود النعم عليهم وحصول الأرج إك ذاك لهم برسي عليه ها يكون . من ذلك شكرا لها » وها الا يدون . وقد قسمهم المؤلف ثلاثة أقسام » وجعلهم طرفين وواسطة » ؛ قسم في غاية الدناءة والخسة » وهم الذين فرحوا بالنعم » من حيث إِنّ فيها قضاء أوطار نفوسهم » ونيل أغراضهم » والتمتع بشهواتهم ولذاتهم » فأحوال هؤلاء مذمومة جدا أشبه شيء بهم الأنعام والبهائم . وهذه أحوال أهل الطرد والبعد والاستدراج والمكر حسبما أشار إليه في الآية الكريمة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا القسم . وهذا الأحوال بعيدة من الشكر منافية له . وقسم في غاية الشرف والجلالة » وهم الذين فرحوا بالمنعم فقط » ولم يلتفتوا إلى ظواهر النعم » لأجل أنّ فيها متعتهم ولذاتهم ولا إلى بواطنها من كونها دلائل على عناية الله تعالى بهم » حيث مإ بهاطيمم 00 ظ فاحوال هؤلاء محمودة جدا » لانهم غابوا عن الاغيار العدمية » وتحققوا بحقائق الوحدانية » كما أشار إليه في الآية الكريمة ألتي ذكرها المولف:رحمه الله تعالى في :هذا القسم » وحال هؤلاء هي الشكن الحقبني الخال الخالي من المزج رالشوت:» لأنَ المشاهد للمنعم فإن عن حظوظ نفسه » فهو يرى الأشياء كلها نعما » فلا تفرقة عنده بين وجود ولا عدم ولا عطاء ولا منع ولا يخاف عليه من التغير والانقلاب لتغير الأفعال والأسباب ها يناف حلى سرية نا حقو قال أبو محمد الجريري » رضي الله تعالى عنه : « من رأى النعم ولم ير المنعم فقد حجب عن الشكر » ومن رأى المنعم بغيبة النعم فقد شكر » . وقال الشيخ أبو محمد عبد العزيز المهدوي » رضي الله تعالى عنه : « كل من لم يشاهد المنعم في النعمة كانت النعمة في حقه استدراجا » لأنه يؤديه إلى أن يسكن إليها فإذا نزعت منه لزمه أن يتغير عليها » . 24 » 338 « ومنهم من حصل له نصيب من الشرف والجلالة وحظ من الدناءة والرذالة » وهم الذين فرحوا بالنعم » لكونها منة من الله تعالى عليهم ؛ فمن حيث شهودهم للمنة من ربهم شرفوا وجلت أقدارهم » وكانت أحوالهم محمودة » وهي شكر منهم لائق بهم .
ومن حيث نظرهم لأنفسهم وبقاؤهم مع حظوظهم كان لهم نصيب من الدناءة والخسة فانحطوا بيدا" الوضيفة عرو دهز اقب الأعلين: تارتفو مالر حيفت الول هن الهو ناسين ففوطيو هنا خوطب به عامة المؤمنين وأواسطهم في الآية الكريمة التي ذكرها المؤلف رحمه اله تعالى في هذا القسم . وقد ضرب الإمام أبو حامد الغزالي » رضي اله تعالى عنه » في كتاب « الشكر » لهذه الأقسام الثلاثئة مثلا » فقال : « الملك الذي يريد الخروج إلى سفر فأنعم بفرس على إنسان يتصور أن يفرح المنعم عليه بالفرس من ثلاثة أوجه : أحدها : إن يفرح بالفرس من حيث إنه فرس »٠ وأنه مال ينتفع به » وأنه مركوب يوافق غرضه » وأنه جواد نفيس ٠ وهذا فرح من لاحظ له في الملك . بل غرضه في الفرس فقط » ولو وجده في صحراء فأخذه لكان فرحه به مثل هذا الفرح . الوجه الثاني : أن يفرح به » لا من حيث إنه فرس ٠ بل من جهة ما يستدل به على عناية الملك به وشفقته عليه » واهتمامه بجانبه » حتى لو وجد هذا الفرس في صحراء » أو أعطاه له غير الملك لكان لا يفرح به أصلا لاستغنائه عن الفرس أصلا » ولاستحقاره له بالإضافة إلى مطلوبه من نيل المحل في قلب الملك . بخدمته رتبة القرب منه » ويرتقى إلى درجة الوزارة من حيث إنه ليس يقنع بأن يكون محله في قلب الملك محل من يعطيه فرسا ويعتني به هذا القدر من العناية » بل هو طالب لأن لا ينعم الملك بشيء من ماله على أحد إلا بواسطته » ثم إنه ليس يريد من الوزارة الوزارة نفسها » بل ( يريد ) مشاهدة الملك » والقرب منه » حتى لو خير بين القرب دون الوزارة » وبين الوزارة دون القرب لأختار القرف فهذه ثلاث درجات : فالأولى لا يدخل فيها معنى الشكر أصلا » لأن نظر صاحبها مقصور على الفرس ٠ ففرحه بالفرس لا بالمعطي » وهذه حال كل من فرح بنعمة من حيث إنها لذيذة وموافقة لغرضه » فهو بعيد عن معنى الشكر . والثاني داخل في معنى الشكر من حيث أنه فرح بالمنعم » ولكن لا من حيث ذاته » بل من حيث معرفة عنايته التي تستحثه على الإنعام في المستقبل وهذه حال الصالحين 525 » 339 « الذين يعبدون الله تعالى ويشكرونه خوفا من عقابه ورجاء لثوابه . وإنما الشكر التام في الفرح 1 الثالث : وهو أن يكون فرح العبد بنعم الله عز وجل من حيث إنه يقدر بها على التوصل إلى القرب منه والنزول في جواره والنظر إلى وجهه على الدوام » فهذه هي المرتبة العليا . وأماراته : أن لا يفرح من الدنيا إلا بما هو مزرعة للآخرة » ويعينه عليها » ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر الله تعالى » وتصده عن سبيله ؛ لأنه ليس يريد النعمة لأنها لذيذة » كما لم يرد صاحب الفرس [ الفرس] ؛ لأنه جواد ومهملج « 1 » بل من حيث إنه يحمله في صحبة الملك حتى تدوم مشاهدته له وقربه منه » ولذلك قال الشبلي » رضي الله عنه : « الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة » » ولذلك قال الخواص رضي الله عنه : « شكر العامة على المطعم والملبس والمشرب . وشكر الخاصة على واردات القلوب » .
وهذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت عنده اللذات في البطن والفرج ومدركات الحواس من الألوان والأصوات » وخلا عن لذة القلب » فإن القلب لا يلتذ فى حالة الصحة إلا بذكر الله تعالى ومعرفته ولقائه » وإنما يلتذ بغيره إذا مرض بسوء العادات كما يلتذ بعض الناس بأكل الطين » وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة ويستحلى الأشياء المرة » كما قيل :ومن يك ذا فم مرّ مريض يجد مرًا به الماء الزّلالا « 2 »فإذن هذا هو شرط الفرح بنعمة الله عر وجل » فإن لم تكن له إيل فمعزى فإن لم يكن هذا فالدرجة الثانية . أما الأولى فخارجة عن كل حساب » فكل من فرق بين من يريد الملك للفرس ومن يريد الفرس للملك » وكم من فرق بين من يريد الله عز وجل لينعم عليه » وبين من يريد نعم الله تعالى ليصل بها إليه » انتهى كلام الإمام أبي حامد الغزالي وهو في غاية البيان والوضوح » وهو كالتفسير لما ذكره العؤلته ريحهه الله تعالى ؛ بو لدلك او رده قاهنا يكماله ,وف أوحى انه تعالى إلى 'ذاود علية السلا يا داود قل للصديقين بي فليفرحوا » وبذكري فليتنعموا . بهذا تحققت صديقيتهم » وعلا ارتفاع رتبتهم على من دونهم . قيل : إن عتبة الغلام دخل في بعض الأيام على رابعة العدوية » رضي الله عنها » وعليه قميص جديد وهو ) هملج الجواد : مشى مشية حسنة في سرعة وبخترة . ) الزلال من الماء أو الشراب : العذب البارد الصافي السهل المرور في الحلق . حد دوم سا سا 526 » 340 « كدر را » في مشيته بخلاف ما سبق من عادته » فقالت له : يا عتبة . ما هذا التيه « 2 » والعجب الذي لم أره في شمائلك قبل اليوم ؟ فقال : يا رابعة » ومن أولى بهذا التيه مني وقد وقال بعضهم : كنت مسافرا إلى مكة » فبينما أنا أمشي إذ رأيت شيخا بيده مصحف وهو ينظر فيه قوم تخللهم زهو بسيّدهم والعبد يزهو على مقدار مولاه تاهو برؤيته عما سواه له يا حسن رؤيتهم في حسن ما تاهوا ويجوز أن يكون المراد بقوله : ( وبذكري فليتنغمو ) أي : بذكري إِيَاهم في الأزل حيث لا وجود ا ل ا لصيس 7 واللّه تعالى يجعل فرحنا وإياكم به » وبالرضا منه » وأن يجعلنا من أهل الفهم عنه » وأن لا يجعلنا من الغافلين » وأن يسلك بنا مسالك المتقين بمنه وكرمه . هذا دعاء حسن موافق لمعنى ما تقدم » وهو بيّن لا يحتاج إلى تبيين ولا تنبيه عليه ؛ فاللّه تعالى يحقق لنا ذلك بفضله وإحسانه إنه أرحم الراحمين . الفصل الأول [ المناجاة العطائية ] ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 1 - إلهي أنا الفقير في غناي ١ فكيف لا أكون فقيرا في فقري ؟ إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولا في جهلي ؟ ومن ثمّ كان ما ذكره المؤلف - رحمه الله تعالى - من كونه : فقيرا في غناه » وجاهلا في علمه صبحيحا مستقيما » وكانه قفد - رصي اله عنه - بهذا الاعتراف بدوام الاضطرازاء ولروم الفاقة والافتقار » وأنه لا استغناء له عن مولاه عزّ وجل ولا ينفك من 527 » 341 « الاحتياج إليه والتعلّق به » والسؤال والطلب منه في كل حال من أحواله » كما قال بعضهم : إني إليك مدى الأنفاس محتاج لو كان في مفرقي الإكليل والتّاج وهذا منه دليل على تحققه في مقام العبودية التي اقتضتها عظمة الربوبية . وتقديمه لهذه المعاني بين يدي دعائه ومناجاته في غاية الحسن .
قال سيدي أبو الحسن رضي الله عنه : « ما طلبت من الله شيا إلا وقدّمت إساءتي أمامي » يريد رضي الله عنه : لا يطلب من الله شيئا بوصف يستحق به العطاء » بل لا يكون طلبه وجود فضله إلا بفضله . وقال أبو عثمان » رضي الله تعالى عنه » في قوله تعالى :ادْعُوا رَبَّكُمْ نَضَرٌ عا وَخْفْيَةَ [ الأعراف 6٠قة] التضرّع في الدعاء : أن لا تقدّم إليه أفعاللك وصلواتك وصيامك وقيامك وقراءتك ثم تدعو على أثره » إنما التضرّع أن تقدّم إليه افتقارك وعجزك وضرورتك وفاقتك وقلة حيلتك ثم تدعو بلا علاقة ولا سبب فيرفع دعاؤك . وقال الواسطي . رضي الله تعالى عنه : « تضرّعا » بذلَ العبودية وخلع الاستطالة » . وقال سهل بن عبد الله » رضي الله عنه : « ما أظهر عبد فقره إلى الله تعالى في وقت الدعاء في شيء يحل به إِلّا قال الله لملائكته : « لولا أنه لا يحتمل كلامي لأجبته : لبيك » . 528 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 4 - إلهي وصفت نفسك باللطف والرأفة بي قبل وجود ضعفي أفتمنعني منهما بعد وجود اللطف والرأفة « 1 » وصفان لله عزّ وجل اتصف بهما في الأزل قبل وجود ضعف العبد وفاقته وحاجته . وهما مقتضيان لوجود آثارهما فيما لا يزال بعد وجود ذات العبد وصفاته . هي إسباغ نعمه عليه » وإيصال أفضاله إليه فكيف يتصوّر إذ ذاك منعه إيَاهما . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 5 - إلهي : إن ظهرت المحاسن مني فبفضلك ولك المنة عليّ » وإن ظهرت المساوىء فبعدلك ولك الحجة علي . ظهور المحاسن على العبد وهي أنواع الطاعات والحسنات والصفات المحمودات فضل من الله تعالى والمنة له عليه لعدم استحقاقه لذلك . وظهور المساوىء منه » وهي : ضروب المعاصي ء والسيئات » والأوصاف المذمومات عدل من الله تعالى ؛ إذ له أن يفعل ما يشاء بعبده والحجة له عليه » لأنه ربّ وهو عبد . ومناجاة العبد لمولاه بهذا الكلام من أحسن المناجاة » وهي مقتضية لوجود إسعافه له » وموالاة الطافه عليه ؟ لما فيها من الثناء على الله تعالى على بتساط قريه وذكر صفاته العلية ». و التعلق بها » والاعتراف له بالنعم الظاهرة والباطنة » ولما فيها أيضا من رؤية ضعف النفس » والإقرار عليها بالنقص والقصور ء وإنزالها منزلتها من الذلّة والمهانة . وقد قال بعضهم : تعلّق شاب بأستار الكعبة وقال : ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 6 - إلهي ء لا لك شريك فيؤتى » ولا وزير لك فيرشى ء إن أطعتك فبفضلك ولك المنّة عليّ وإن عصيتك فبعدلك ولك الحجة علي . من النار » . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 7 - إلهي . كيف تكلني إلى نفسي وقد توكلت عليك . وكيف أضام وأنت الناصر لي » أم كيف الوكيل » والناصر » والحفيّ : أسماء لله عزّ وجل » وهي مقتضية لوجود آثارها من وجود الكفاية و المشعلة وو العلفن يقاية المفكيون واليقية > نكيف يتضور اننكاك ذلك عن العيد عند وهو د كاهد: ؛ كما تقدّم في اللطف والرأفة . 252289 (1 ) الرأفة : أرقّ الرحمة . ومن الله : دفع السوء . 5130 » 343 « صمضصس ص الشورى : 19 ] . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 8 - إلهى أنا أتوسل إليك بفقري إليك. وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك؟ أم كيف أشكو إليك حالي وهو لا يخفى عليك؟ أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز إليك؟ أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك؟ أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت وإليك؟ ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك .
التوسّل : التقرّب » والوسيلة : ما يتقرب به » وأعظم وسائل العبد إلى مولاه » هو تحققه بما توجبه عبوديته » وهو : فقره إليه في كل حال من أحواله » فلا يرى لنفسه حسنة يقتضى بها ثوابا »ولا يدلى بحجة يستدفع بها عن نفسه عقابا قال أبو زيد » رضي الله تعالى عنه : « نوديت في سرّي » فقيل لي : خزائننا مملوءة من الخدمة ٠ فإن أردتنا فعليك بالألة والافتفار . وسئل أبو حفص رضي الله عنه : « بماذا يقدم الفقير على ربّه ؟ فقال : وما للفقير أن يقدم به على ربه سوى فقره » . وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك . بين المتوسل به والمتوسّل إليه نسبة تامة ووصلة حقيقية » وهي التي اقتضت له وجود التوسّل » لا نسبة ولا صلة بين الفقر الذي هو نعت العبد وبين الربّ الذي له الغنى الأكبر . وأيضا ء توسّل العبد بفقره يقتضى شهوده له » واعتداده به » واعتماده عليه » ورؤية العبد لأحواله وسكونه إليه علة فيها », الأحوال المغلوالة لآ تلق بالحضتر : الالهية »'و يا صل الى الله قال 6 بمعنى أنه لا يرضاها ولا يقبلها » فالفقر لا يصح التوسل به من هذا الوجه أيضا ء وإلى هذا المعنى يشير ما يحكى عن سيدي أبي الحسن الشاذلي حين دخل على شيخه أبي محمد عبد السلام رضي الله تعالى عنهما » فقال له : يا أبا الحسن » بماذا تلقى الله تعالى ؟ قال له : بفقري قال له الشيخ » واللَّه » لئن لقيت الله بفقرك لتلقينه بالصنم الأعظم » ولا تصح حقيقة الفقر إلا بالغيبة عن الفقر ء وإلا كنت غنيا بفقرك » انتهى فإذن لا وسيلة إلى الله بسواه . أم كيف أشكو إليك حالي وهي لا تخفى عليك . شكوى الحال لا تصح إلا لمن هي غاتبة عنه » وهو غير عالم بها , واللّه تعالى لا يخفى عليه شيء » وقد قال إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : « حسبي من سؤالي علمه بحالي » . أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز إليك . 531 الترجمة بالمقال » هي : التعبير باللسان عما في الضمير ليقع التفهيم بذلك للمترجم له ء والله تعالى هو الذي أنطق اللسان » وأطلقه بذلك » فالترجمة من الله تعالى برزت وإليه 532 « 344 » ا والعبد لا مدخل له في ذلك فكيف ينسب إليه الترجمة ؟ ونسبة ذلك إلى الله تعالى دليل على إحاطة علمه بأحوال العبد » فكيف يصح في حقه معنى الترجمة ؟ أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك الآمال الواقدة إلى اله تعاك لا يكييها من قل أتها قارة إليهاء ومتعلقة ناه ومنقطعة عمَا سوامء واللّه سبحانه وتعالى كريم جواد متفضّل » منعم » فليثق العبد بذلك » وليكن على يقين منه » وإن لم يسأل ولم يطلب . أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت وإليك . ون فحقر بالمعرفة رأى أحواله كلّها حسنة » لوجود قيامها باللّه ورجوع أمرها إليه . وهذه كلها أنواع من التعجب عجب بها المؤلف رحمه الله تعالى نفسه من نفسه فيما هو بصدده من سؤاله وطلبه بسبب ترقيه في المعرفة التي أوجبت له رؤية نقصه وتصوره في أحواله الأولى ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 9 - إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي , وما أرحمك بي مع قبيح فعلي . بالنعم فقط . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 00 - إلهي ما أقربك مني وما أبعدني عنك , وما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك.
شهود المؤلف رحمه الله تعالى شدّة قرب الله تعالى منه لما رأى من بعد الأغيار عنه » ودفعها له إليه » كما سيأتي في قوله : ( قد دفعتني العوالم إليك ) وشهوده لبعده من الله عر وجلّ من حيث أقيم في الطلب له » والطلب للشيء دليل على فقد الطالب له وبعده عنه . فالمشاهدة الأولى أوجبت له ملازمة باب مولاه » وانقطاع طمعه عن كلّ ما سواه . والمشاهدة الثانية أوجبت له التلطّف في سؤاله « التقريب » والاستغناء عن طلب « القرب » . ومن دعاء سيّدي أبي العبّاس المرسي » رضي الله تعالى عنه : « يا قريب ٠» أنت القريب وأنا البعيد » قربك آايسني من غيرك وبعدي منك ردني للطلب لك ؛. فكن لي بفضلك حتى تمحو طلبي بطلبك » يا قوي » يا عزيز » . إلهي ما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك . الرأفة أشدّ من الرحمة » ولمّا شاهد رأفة ربّه به غاب بهذا الشهود عن رؤية نفسه وصفتها ؛ فلذلك لم يظهر له سبب لوجود حجابه عنه . 5033 ُ « 345 » ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 1- إلهي , قد علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أنّ مرادك مني أن تتعرف إليىّ في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء . كأنٌ المؤلق وبحمه الله تعالى يقل : اختلاف الآثار علي » وتنقلات الأطوار بى » من : الصحة » و شرك وو لشي د اقفر ع لع وا ل سج اسن عا ا شط 20 الخداعة » ور العصهان 10 الففة وعظمتك » وجمالك » وكمالك وجلالك » بحيث لا يتصوّر مني جهل بما أنا فيه قابل لمعرفته من حميع ذلك ؛ ولو كان الأمر على خلاف هذا والرمتني خالة واحدة ارتضيها لننسى ؛ واحدارها + لكانت معرفتي ناقصة » ومشاهدتي قاصرة » فأنا الآن أتقلب في جنة معجّلة أتبوّأ منها حيث أشاء » فقد استغرقني ما أنا فيه من عظيم النوال » وشغلني ذلك عن الدعاء والسؤال . وطلب الكون على ما أرتضيه من الأحوال » فلك الحمد على نعمك الباطنة » والظاهرة » والخفيّة والجليّة . قال بعضهم : « في الدنيا جنة معجّلة من دخلها لم يشتق إلى جنة الآخرة » ولا إلى شيء » ولم يستوحش من شيء » قيل : وما هي ؟ قال : معرفة الله تعالى . وقال مالك بن دينار ؛ رضي الله تعالى عنه : « خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا أطيب الأشياء ! إقيل : وما هو ؟ قال : المعرفة . ثم قال : إنّ عرفان ذا الجلال لعز وضياء » وبهجة وسرور وعلى العارفين أيضا بهاء وعليهم من المحبّة نور فهنيئا لمن عرفك إلهي هو واللّه دهره مسرور وقد روي أنه رؤي صورة حكيمين من الحكماء المتعبّدين في مسجد ٠ وفي يد أحدهما رقعة فيها مكتوب : « إذا أحسنت كلّ شيء فلا تظنّ أنّك أحسنت شيئا حتى تعرف الله عز وجل » وفي يد الآخر « كنت قبل أن أعرف الله عر وجل أشرب وأظمأ حتى إذا عرفته رويت بلا شرب » قال في « التنوير » بعد كلام ذكره . ( وإنما قلنا إن الحالة زائلة عنك لا محالة ؛ فإنّ مراده أن ينقلك في الأطوار ٠» ويخالف عليك الآثاو ؟ ليشيرن ف اليك فى كن جالة خاصة ينتكرت خاصضن ٠» فإذا أردث أن يديمك على حالة واحدة فد اريت أن يسلك يك حين القدال : فكأنه يقول لك : لا تطلب مني أن أقيمك في حالة واحدة .
لأني لا أفعل ذلك معك » أتريد أن تبقي ريوينتي معطلة الآثار » ٍ ولكن سلني أن أشعرك لطفي حيثما أردتك » وحيثما أقمتك حتى تكون بي » ولي » قال الله سبحانه وتعالى يسْتَلْهُ مَنْ فِي السّماوات وَالْأَرْضٍ كُلَ يَوْمِ هُوَ فِي شَأَنِ [ الرحمن : 29 ]. أي : يمنع ويعطي » ويضع 534 » 346 « ويعلي » ويقبض ويبسط ء ويعز ويذل . . إلى غير ذلك من مختلف آثاره » فكأنه سبحانه وتعالى يفول لك. : يا عيدي » لا تأس على شيء ما دمث لك ؛ ولا تفرح بشيء وأنا لست لكاء فأنا المعّض لك عمًا سواي وما سواي لا يغنيك عني » ولا تكن ممن يعبدني بالعلل فتكون من عبيد الحروف » بل أعبدني لي » فإني بكمال الغنى موصوف . , وبدوام الأفضال معروف » قال الله عر وجل :وين الناس مَن بعك الله على حرفب فإن أصاة حَزِرٌ اطمان يه و إن أصايكة ذلك ْلَب عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُنْيا [ الحج : 11 ] » لأن الذي طلبه عزلناه عنه » فما دام له » وهو ما طلبنا حتى نكون له » ومن عبده لما سواه فهو عبد ما سواه » ومن عبده لأجل جوده ونعمائه فهو عبد جوده ونعمائه » لأنَ من أحبٌ شيئا فهو عبد ما أحيّه » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تعس عبد الدينار » تعس عبد الدرهم » تعس عبد الخميصة تعس وانتكس » وإذا شيك فلا انتقش » « 1 » . فكن عبد الله في كل شيء » عطاء ومنعا » وعرًا وذلا » وغنى وفقرا » وقبضا وبسطا » وفقدا ووجدا » وشدّة ورجاء » وفناء وبقاء » إلى غير ذلك من مختلفات الآثار وتنقلات الأغيار «« انتهى كلامه رحمه الله تعالى . وقد أحسن فيه غاية الإحسان كله » فجزاه اللّه تعالى خيرا . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 2 - إلهي كلما أخرسني لؤمي . أنطقني كرمك . وكلما آيستني أوصافي أطعمتني منتك . لؤم العبد » ومخالفته » وعصيانه يخرس لسانه عن السؤال والطلب . وكرم المولى » وفضله » وإحسانه ينطقه بذلك . وأوصاف العبد الذميمة التي اقتضتها طبيعته وجبلّته تؤيسه من حصول الاستقامة على طريق الحق » ومنن الله تعالى التي شملت البرّ والفاجر تطعمه في ذلك . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 3 - إلهي من كانت محاسنه مساوىء فكيف لا تكون مساويه مساوي ومن كانت حقائقه دعاوي فكيف لا تكون دعاويه دعاوي . هذا مثال ما تقدم » من : أن الكمال المنسوب إلى العبد نقصان على التحقيق » فما ظنك بنقصانه . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 4 - إلهي : حكمك النافذ ومشيئتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالا » ولا لذي حال حالا . شهود هذا المعنى يوجب للعبد مقام الخوف والتحوّق فيه » فإذا كان ذا قول سديد (1 ) أخرجه البخاري ( جهاد ء 70 ) » ( رقاق » 10 ) » وابن ماجة ( زهد » 8 ) . 536 « 347 » حك حي د يج يذاه ملك . رم يقار بها هلك لتقو بحكم الحق تعالى وغهر مشيتتة . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 5 - إلهي : كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك . بل أقالني منها - 0 الطاعة : صفة ظاهر العبد . والحالة : صفة باطنه . وبناؤه للطاعة » هو : إقامتها على الوجه المأمور به من الوفاء بجميع أركانها وشرائطها » وما يتعلّق بها من حقوق وآداب . وتشييده للحالة » هو : تزيينها وتطهيرها وصيانتها عمًا يكدّر صفاءها » ويكسف ضياءها .
وكأنه لمّا فعل هذين الأمرين رأى أنه تحصّن بحصن حصين » وآوى إلى ركن متين » لكن لما شاهد عدل الله تعالى هدم عليه ذلك ؛ لأن مقتضاه أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد » ولا يبالي بأعمال العاملين . فلمًا شاهد فخله وكرمه أقاله من ذلك يأن جعل له من التعلق به رالا عتماة عليه يدلا منه واعوكا عنه . ونعم البدل والعوض » فسبحان المتفضّل المنان . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 6 - إلهي : أنت تعلم وإن لم تدم الطاعة مني فعلا جزما فقد دامت محبة وعزما . جعل عزمه على الطاعة ومحبته لها - وإن لم يدم عليها فعلا - إحدى وسائله » وذلك صحيح . وكم من شخص قد طرد وأبعد لم يكن عنده عزم ولا فعل جزم . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 7 - إلهي : كيف أعزم وأنت القاهر . وكيف لا أعزم وأنت الآمر . استبعد من نفسه وقوع العزم منه » وجعل مستند ذلك شهود القهر ؛ لأن من شهد قهره بطل عزمه ؛ لأنه الغالب » واستبعد أيضا عدم العزم » وجعل مستند ذلك شهود الأمر ؛ لأن من شهد أمره بادر إلى امتثاله » وتحرّز من إغفاله وإهماله . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 8 - إلهي : ترددي في الآثار يوجب بعد المزار » فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك . شكى إلى مولاه عز وجل طول تردده في الآثار » وهي : الأكوان » وأخبر أنه يوجب له بعد المزار » وهو البعد عن شهود التوحيد وكمال المعرفة » وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : 1 لا ترحل من كون إلى كون ] . ثم سأله وطلب منه أن يختصر له طريق سلوكه » ويقرّبه عليه » ويجمعه من مفترقات الآثار بخدمة تظهر فيها عبوديته ويصل بها إلى مولاه من غير تردّد ولا طول . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 9 - إلهي : كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك . أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ؟ 537 530 « 348 » متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك . ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك. هذا تقبيح لأحوال المستدلين على ربّهم » وهم أصحاب النظر والاستدلال بالنسبة إلى أهل المقام الآخر » وهم أرباب الشهود والعيان . قال أبو بكر محمد بن علي الكتانيّ » رضي الله تعالى عنه : « وجود العطاء من الحق شهود الخلق بالحق ؛ لآن الحق دليل على كل شيء » ولا يكون شيء دونه دليلا عليه » . قال في « لطائف المنن » : « وأرباب الدليل والبرهان عوام عند أهل الشهود والعيان » قدّسوا الحقّ في ظهوره أن يحتاج إلى دليل عليه » وكيف يحتاج إلى دليل من نصب الدليل » وكيف يكون معرفا به وهو المعرّف له » . قال الشيخ أبو الحسن » رضي الله تعالى عنه : « كيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف أم كيف يعرف بشيء من سبق وجوده وجود كل شيء » . وقال مريد لشيخه : يا أستاذ » أين الله ؟ فقال له روح ! ات ب ان د 1 . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ شتان بين من يستدلٌ به ومن يستدل عليه ] .
ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 0 - إلهي : عميت عين لا تراك عليها رقيبا » وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك الرقيب : الحفيظ ؛ فمن رأى الل تعالى رقيبا عليه يعلم جميع أحواله ولا يخفى عليه منها شيء امته من » ههه يراه على كا بكر هد ينه وقد قيل : « إذا عصيت مولاك فاعصه بموضع لا يراك » . 5 ومن لم يكن على هذا الوصف وغفل عن نظر الله تعالى إليه عميت عين بصيرته » فبارز الله تعالى بأنواع القبائح والفضائح من غير اكتراث ولا مبالاة . وقد سئل بعضهم : « بم يستعين الرجل على حفظ بصره من المحظورات ؟ قال : بعلمه بأن رؤية الحقّ سبحانه له تسبق نظره إلى تلك المحظورات » وقال الله عز وجل :وما تَكُونُ فِي شأَنِ وَما تَثْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلِ إِلّا كُنّا عَلَْكُمْ شهوداً إذ تُفِيضُونَ فيه [ يونس 00 قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « خوفهم بما عرّفهم من اطلاعه عليهم في جميع أحوالهم » ورؤيته لما يسلفونه من فنون أعمالهم » والعلم بأنه يراهم يوجب استحياءهم منه » . 5239 540 » 349 « هذا هو حال العرافية ؛ 3العند إذا علم يان :فولاء يراه استحيا كله ؛وترك متابيعة هرا ل يحوم حول ما نهاه عنه . وفي حديث عبادة بن الصامت « 1 » » رضي الله تعالى عنه » قال :كال سول الماضاى اه عليه وسلم : : 2 لحن ا الماك ل اسرئنة حر كر « « 2 ». كنك اله تعاك العيده كو > رحمته له وثناكه علية و إصياته إليه:, وحبٌ العبد لربّه عزّ وجل : طاعته » وموافقة أمره » وتعظيمه » والحبّ المضاف إلى الكاف في قوله : « من حبك » يحتمل أن يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول . والظاهر كونه مضافا إلى الفاعل ؛ لأنه أبلغ وأمدح » ولأن محبة الله لعبده أصل محبة العبد له » الى عه قال الله تعالى :يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُونَة. ل ل اك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام : « يا عبدي » أنا لك محبّ » فبحقّي عليك كن لي محبّا » . حكى عن بعضهم أنه قال : « اشتريت جارية فسمعتها في شطر الليل « 3 » » وهي تقول : الع ١ تحك ياي 1ك خرت لي فقلك ليا لا طول لمكا )ولك قر ل ب يهنن إياك . فقالت : يا سيدي » بمحبّته إياي » من عليّ بالإسلام » وأيقظني لعبادته » وكثير من عباده نيام » . قال زيد بن أسلم « 4 » » رضي الله عنه : « إن الله عرّ وجل ليحبّ العبد حتى يبلغ من (1 ) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي ( 38 ق ه - 34 ه - 586 - 654 م ) أبو الوليد » صحابي من الموصوفين بالورع #“شهد العقية »وكان أحد النقباء » وبدرا وسائر المشاهد » ثم حضر فتح مصر »ء وهو أول من ولي القضاء بفلسطين » ومات بالرملة أو ببيت المقدس روى 181 حديثا . ( الأعلام 3 / 258 ) . ( 2 ) أخرجه المتقي الهندي في ( كنز العمال » 66 ) . ( 3 ) شطر الليل : منتصف الليل . ( 4 ) زيد بن أسلم العدوي العمري ( توفي 136 ه - 753 م ) مولاهم » أبو أسامة أو أبو عبد الله » فقيه مفسر من أهل المدينة » كان مع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته » واستقدمه الوليد بن يزيد في جماعة - 541 2س5] « 350 » حبه له أن يقول له : اصنع ما شئت فقد غفرت لك » « 1 » .
ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 1 - إلهي : أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليها بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها مصون السرّ عن النظر إليها » ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها إنك على كل شيء قدير . سا ام ا ا 0 إليها على حالة شريفة مضادّة للحالة التي كان عليها قبل السلوك » وهو كونه مكسوًا بكسوة الأنوار » وهي أنور اليقين » ومؤيدا بهداية الاستبصار » وهي العلم الراسخ خ المتين . فإذا رجع العبد إلى الآثار على هذا الأسلوب والمعيار لم تؤثر فيه ولم تأخذ منه لكمال حريته عنها . وكان رجوعه إلى مولاه في مآل أمره في مثل دخوله فيها عليه في ابتداء أمر سلوكه مصون السر عن النظر إليها بعين الاستحسان » مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها في نوال أو إحسان . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : : [ فأن نزلوا إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ . . . إلخ ] . الفصل الثاني [ المناجاة العطائية ] ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 2 - ألهي : هذا ذلي ظاهر بين يد يك وهذا حالي لا يخفى عليك . أطلب الوصول إليك وبك أستدل عليك ولا بغيرك فاهدني بنورك إليك وأقمني بصدق العبودية بين يديك هذا تطارح منه على مولاه » ومبالغة في بث شكواه » وتلطف في سؤال رحماه . ويمثل هذا يرجى إجاية الدعاء »واستحفاق جرزيل العطاء. . وف قالوا : أيواب الملوك لا تفرع بالأيدي ٠ بل بنفس المحتاج . وقال بعضهم : قلت للنهرجوري : أجد في قلبي قسوة » وقد شاورت فلانا فأشار عليّ بالصوم » فلم تزل » وشاورت آخر فأشار عليّ بالسهر » فلم تزل » تفال النورجوري ٠ رحىي الله غنه : خلطا بك احضر الملترم إذا نام الذاس و تضرع ٠ وقل. : تحيّرت في أمري فخذ بيدي » ففعل » فزالت القسوة . وقال الشاعر : وما رست الدخوق مومس ++ كلات مكلة الغيد الاليل وأغضيت الجفون على قذاها وصنت النفس عن قال وقيل - من فقهاء المدينة إلى دمشق » مستفتيا في أمر » وكان ثقة كثير الحديث » له حلقة في المسجد النبوي » وله كتاب في ( التفسير ) رواه عنه ولده عبد الرحمن » ( الأعلام 3 / 56 » وتذكرة الحفاظ 1 / 124 » وتهذيب الكمال 6 / 425 ) . 543 (1 ) أخرجه مسلم ( توبة » 29 ) وأحمد بن حنبل ( 2 » 492 ) . 54 » 351 « وذل العبد للمولى غناه وغايته إلى العزٍّ الطويل فذل العبد لمولاه غاية العز والفخر . وقال ذو النون المصري » رضي الله عنه : « ما أعز الله عبدا بعز هو أعرّ له من أن يدله على ذل نفسه » وما أذلَ الله عبدا هو أذل له من أن يحجبه عن ذل نفسه » ينك ا طلك الورصون امقر هذه صفة العارفين المحققين : لا يسبق نظرهم إلا إلى الله » ولا يطلبون إلا منه » ولا يكون مطلبهم إلا الوضيون إليه لا غير . وبك أستدل عليك . أي : لا بغيرك ؛ لأنك الظاهر قبل وجود كل شيء ظاهر » بل بظهورك خفيت المظاهر . وَقيل لتعح العارفين : «ر يع عرفت ريك ؟ فال : عرفت ربي دربي ؛ ولولا ردي ما عرفت ردي 4 وقال أبو القاسم النصراباذي » رضي الله عنه : « الأشياء أدلة منه » ولا دليل عليه سواه » . رقال أحمة بن ابى الحواري + رضي الله عذه : "زر لا دليل على الله سواه »او إنما العلم يطلت لآداب الخدمة » . فاهدني بنورك إليك . وهو نور الإيمان واليقين . وأقمني بصدق العبودية بين يديك .