Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما: إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي. وقال بعض أصحابه: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني رأيت في منامي بقرا تذبح، فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولتها هزيمة ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة" وكان يعجبه أن يدخلوا عليه بالمدينة فيقاتلوا في الأزقة فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا. فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من حبهم للقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل" . وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس فراح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، بعدما صلى بأصحابه الجمعة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، فكان من حرب أحد ما كان، فذلك قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك} أي: واذكر إذا غدوت من أهلك {تبوئ المؤمنين} أي: تنزل المؤمنين {مقاعد للقتال} أي: مواطن، ومواضع للقتال، يقال: بوأت القوم إذا وطنتهم وتبؤوا هم إذا تواطنوا قال الله تعالى: " ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق " (يونس -93) وقال " أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا " (يونس -87) وقيل تتخذ معسكرا، {والله سميع عليم} {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون } {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} أي: تجبنا وتضعفا وتتخلفا والطائفتان بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، ودنا جناحي العسكر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلا فلما بلغوا الشوط انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاث مائة وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم بالله في نبيكم وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا فذكرهم الله عظيم نعمته فقال عز وجل {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} ناصرهما وحافظهما. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل، 68/أأنا محمد بن يوسف عن ابن عيينة عن عمرو عن جابر قال: نزلت هذه الآية فينا {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} بنو سلمة وبنو حارثة، وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: {والله وليهما} . {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين }
قوله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر} وبدر موضع بين مكة والمدينة وهو اسم لموضع، وعليه الأكثرون وقيل: اسم لبئر هناك، وقيل: كانت بدر بئرا لرجل يقال له بدر، قاله الشعبي وأنكر الآخرون عليه. يذكر الله تعالى في هذه الآية منته عليهم بالنصرة يوم بدر، {وأنتم أذلة} جمع: ذليل وأراد به قلة العدد فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فنصرهم الله مع قلة عددهم، {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم} اختلفوا في هذه الآية فقال قتادة: كان هذا يوم بدر أمدهم الله تعالى بألف من الملائكة كما قال: " فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة " (الأنفال -9) ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا {بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} فصبروا يوم بدر فاتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد قال الحسن: وهؤلاء الخمسة آلاف ردء المؤمنين إلى يوم القيامة. وقال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عددا ومددا. قال محمد بن إسحاق: لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي وفتى شاب يتنبل له كلما فني النبل أتاه به فنثره فقال ارم أبا إسحاق مرتين، فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل يعرف. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، أنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد . ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال أخبرنا محمد بن بشر وأبو أسامة، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سعد يعني ابن أبي وقاص قال: "رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأبتهما قبل ولا بعد" يعني: جبريل وميكائيل . وقال الشعبي: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر: أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: {ألن يكفيكم أن يمدكم} إلى قوله {مسومين} فبلغ كرزا الهزيمة فرجع فلم يأتهم ولم يمدهم فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف، وكانوا قد أمدوا بألف. وقال الآخرون: إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته واتقوا محارمه: أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها فلم يصبروا إلا في يوم الأحزاب، فأمدهم الله حتى حاصروا قريظة والنضير، قال عبد الله بن أبي أوفى: كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله فلم يفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبريل عليه السلام، فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله، ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة، ففتح لنا فتحا يسيرا. وقال الضحاك وعكرمة: كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا فلم يصبروا فلم يمدوا به .
قوله تعالى: {أن يمدكم ربكم} والإمداد: إعانة الجيش بالجيش، وقيل: ما كان على جهة القوة والإعانة يقال فيه: أمده إمدادا وما كان على جهة الزيادة يقال: مده مدا، ومنه قوله تعالى: " والبحر يمده " (لقمان -27) وقيل: المد في الشر والإمداد في الخير، يدل عليه قوله تعالى: " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " (البقرة -15) " ونمد له من العذاب مدا " (مريم -79) وقال في الخير: {أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} وقال: " وأمددناكم بأموال وبنين " (الإسراء -26) . قوله تعالى: {بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} قرأ ابن عامر بتشديد الزاي على التكثير لقوله تعالى: " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " (سورة الأنعام -111) وقرأ الآخرون بالتخفيف دليله قوله تعالى: " لولا أنزل علينا الملائكة " (الفرقان -21) وقوله: " وأنزل جنودا لم تروها " (التوبة -26) . ثم قال: {بلى} نمدكم {إن تصبروا} لعدوكم {وتتقوا} أي: مخالفة نبيكم {ويأتوكم} يعني المشركين {من فورهم هذا} قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والحسن وأكثر المفسرين: من وجههم هذا، وقال مجاهد والضحاك: من غضبهم هذا، لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر، {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} لم يرد خمسة آلاف سوى ما ذكر من ثلاثة آلاف بل أراد معهم وقوله {مسومين} أي: معلمين قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو وقرأ الآخرون بفتحها فمن كسر الواو فأراد أنهم سوموا خيلهم ومن فتحها أراد به أنفسهم، والتسويم: الإعلام من السومة وهي العلامة. واختلفوا في تلك العلامة فقال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم: كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم، (وقال هشام بن عروة والكلبي: عمائم صفر مرخاة على أكتافهم) وقال الضحاك وقتادة: كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: "تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم" . {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم } قوله تعالي (وما جعله الله) يعني هذا الوعد والمدد، (إلا بشرى لكم) أي: بشارة لتستبشروا به (ولتطمئن) ولتسكن (قلوبكم به) فلا تجزعوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) يعني: لا تحيلوا بالنصر على الملائكة والجند، فإن النصر من الله تعالى فاستعينوا به وتوكلوا عليه، لأن العز والحكم له. قوله تعالى: {ليقطع طرفا من الذين كفروا} يقول: لقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفا أي: لكي يهلك طائفة من الذين كفروا وقال السدي: معناه ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون ومن حمل الآية على حرب أحد فقد قتل منهم يومئذ ستة عشر وكانت النصرة للمسلمين حتى خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فانقلب عليهم، {أو يكبتهم} قال الكلبي: يهزمهم وقال يمان: يصرعهم لوجوههم، قال السدي: يلعنهم، وقال أبو عبيدة: يهلكهم، وقيل: يحزنهم، والمكبوت: الحزين وقيل أصله: يكبدهم أي: يصيب الحزن والغيظ 68/ب أكبادهم، والتاء والدال يتعاقبان كما يقال سبت رأسه وسبده: إذا حلقه، وقيل: يكبتهم بالخيبة، {فينقلبوا خائبين} ينالوا شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم. قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} الآية، اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال قوم: نزلت
في أهل بئر معونة، وهم سبعون رجلا من القراء، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم أميرهم المنذر بن عمرو، فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا، وقنت شهرا في الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء} أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} . وقال قوم: نزلت يوم أحد، أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا [رأس] نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى [الله عز وجل] فأنزل الله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: "اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم} فأسلموا وحسن إسلامهم . وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يوم أحد ما بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم بالاستئصال فنزلت هذه الآية وذلك لعلمه فيهم بأن كثيرا منهم يسلمون. فقوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} أي: ليس إليك، فاللام بمعنى "إلى" كقوله تعالى: " ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان " (سورة آل عمران -193) أي: إلى الإيمان: قوله تعالى: {أو يتوب عليهم} (قال بعضهم: معناه حتى يتوب عليهم) أو: إلى أن يتوب عليهم، وقيل: هو نسق على قوله "ليقطع طرفا" وقوله: {ليس لك من الأمر شيء} اعتراض بين نظم الكلام ونظم الآية ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء، بل الأمر أمري في ذلك كله. ثم قال: {ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم} {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين } {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} أراد به ما كانوا يفعلونه عند حلول أجل الدين من زيادة المال وتأخير الطلب، {واتقوا الله} في أمر الربا فلا تأكلوه، {لعلكم تفلحون} ثم خوفهم فقال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون } {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين } {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} لكي ترحموا. {وسارعوا} قرأ أهل المدينة والشام سارعوا بلا واو، {إلى مغفرة من ربكم} أي بادروا وسابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى الإسلام، وروي عنه: إلى التوبة، وبه قال عكرمة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إلى أداء الفرائض، وقال أبو العالية: إلى الهجرة، وقال الضحاك: إلى الجهاد، وقال مقاتل: إلى الأعمال الصالحة. روي عن أنس بن مالك أنها التكبيرة الأولى. {وجنة} أي وإلى جنة {عرضها السماوات والأرض} أي: عرضها كعرض السموات والأرض، كما قال في سورة الحديد: " وجنة عرضها كعرض السماء والأرض " (سورة الحديد -21) أي: سعتها، وإنما ذكر العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه يقول: هذه صفة عرضها فكيف طولها؟ قال الزهري: إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذا على التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير، معناه: كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله تعالى: " خالدين فيها ما دامت السموات والأرض " (سورة هود -107) يعني: عند ظنكم وإلا فهما زائلتان، وروي عن طارق بن شهاب أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه رضي الله عنهم وقالوا: أرأيتم قوله {وجنة عرضها السماوات والأرض} فأين النار؟ فقال عمر: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة ومعناه أنه حيث يشاء الله. فإن قيل: قد قال الله تعالى: " وفي السماء رزقكم وما توعدون " (سورة الذاريات -22) وأراد بالذي وعدنا: الجنة فإذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون عرضها السموات والأرض؟ وقيل: إن باب الجنة في السماء وعرضها السموات والأرض كما أخبر، وسئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن الجنة: أفي السماء أم في الأرض؟ فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش. وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السموات السبع وأن جهنم تحت الأرضين السبع {أعدت للمتقين} {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } {الذين ينفقون في السراء والضراء} أي: في اليسر والعسر فأول ما ذكر من أخلاقهم الموجبة للجنة ذكر السخاوة وقد جاء في الحديث. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عمرو الفراتي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إسماعيل العنبري، أخبرنا أبو عبد الله بن حازم البغوي بمكة، أخبرنا أبو صالح بن أيوب الهاشمي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا سعيد بن محمد، عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من عابد بخيل" . {والكاظمين الغيظ} أي: الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، والكظم: حبس الشيء عند امتلائه 69/أوكظم الغيظ أن يمتلئ غيظا فيرده في جوفه ولا يظهره. ومنه قوله تعالى: " إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين " (سورة غافر -18) أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عمرو الفراتي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الإسفرايني، أخبرنا أبو عبد الله بن محمد زكريا العلاني، أخبرنا روح بن عبد المؤمن، أخبرنا أبو عبد الرحمن المقري أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء ". . {والعافين عن الناس} قال الكلبي عن المملوكين سوء الأدب، وقال زيد بن أسلم ومقاتل: عمن ظلمهم وأساء إليهم. {والله يحب المحسنين} . {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} الآية قال ابن مسعود: قال المؤمنون: يا
رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أنفك وأذنك، افعل كذا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال عطاء: نزلت في نبهان التمار وكنيته أبو معبد أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية . وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله فاشترى لهم اللحم ذات يوم فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها وقبل يدها، ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا. فقال الأنصاري: هلكت: وذكر له القصة فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي مالا يغار للمقيم، ثم أتيا عمر رضي الله عنه فقال مثل ذلك، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية {والذين إذا فعلوا فاحشة} يعني: قبيحة خارجة عما أذن الله تعالى له فيه، وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد قال جابر: الفاحشة الزنا. {أو ظلموا أنفسهم} ما دون الزنا من القبلة والمعانقة والنظر واللمس. وقال مقاتل والكلبي: الفاحشة ما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل أو ظلموا أنفسهم بالمعصية. وقيل: فعلوا فاحشة الكبائر، أو ظلموا أنفسهم بالصغائر. وقيل: فعلوا فاحشة فعلا أو ظلموا أنفسهم قولا. {ذكروا الله} أي: ذكروا وعيد الله، وأن الله سائلهم، وقال مقاتل بن حيان: ذكروا الله باللسان عند الذنوب. {فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} أي: وهل يغفر الذنوب إلا الله. {ولم يصروا على ما فعلوا} أي: لم يقيموا ولم يثبتوا عليه ولكن تابوا وأنابوا واستغفروا، وأصل الإصرار: الثبات على الشيء وقال الحسن: إتيان العبد ذنبا عمدا إصرار حتى يتوب. وقال السدي: الإصرار: السكوت وترك الاستغفار. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أنا يحيى بن يحيى، أنا عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن عثمان بن واقد العمري، عن أبي نصيرة، قال: لقيت مولى لأبي بكر رضي الله عنه فقلت له: أسمعت من أبي بكر شيئا؟ قال: نعم سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة" . {وهم يعلمون} قال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي: وهم يعلمون أنها معصية، وقيل: وهم يعلمون أن الإصرار ضار، وقال الضحاك: وهم يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنوب، وقال الحسين بن الفضل وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنوب، وقيل: وهم يعلمون أن الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثرت وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم. {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين } {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين}
ثواب المطيعين. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أنا حميد بن زنجويه، أنا عفان بن مسلم، أنا أبو عوانة، أنا عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة الأسدي، عن أسماء بن الحكم الفزاري، قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله يقول: "ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له" ورواه أبو عيسى عن قتيبة عن أبي عوانة وزاد: ثم قرأ: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} الآية . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر الرياني، أنا حميد بن زنجويه، أنا هشام بن عبد الملك، أخبرنا همام، عن إسحاق، عن عبد الله بن أبي طلحة، قال: كان قاض بالمدينة يقال له عبد الرحمن بن أبي عمرة فسمعته يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن عبدا أذنب ذنبا فقال: أي رب أذنبت ذنبا فاغفره لي قال: فقال ربه عز وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له فمكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبا آخر فقال: رب أذنبت ذنبا فاغفره لي فقال ربه عز وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر الرياني، أنا حميد بن زنجويه، أخبرنا النعمان السدوسي، أخبرنا المهدي بن ميمون، أخبرنا غيلان بن جرير، عن شهر بن حوشب عن معدي كرب عن أبي ذر 69/ب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: "قال يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك، ابن آدم إنك إن تلقاني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئا، ابن آدم إنك إن تذنب حتى تبلغ ذنوبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني الشرفي، أنا أبو الأزهر، أحمد بن الأزهر أخبرنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثني أبي عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: " من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا" قال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية {والذين إذا فعلوا فاحشة} إلى آخرها. {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن} قال عطاء: شرائع، وقال الكلبي: مضت لكل أمة سنة ومنهاج إذا اتبعوها رضي الله عنهم، وقال مجاهد: قد خلت من قبلكم سنن بالهلاك فيمن كذب قبلكم، وقيل: سنن أي: أمم والسنة: الأمة قال الشاعر: ما عاين الناس من فضل كفضلكم ... ولا رأوا مثلكم في سالف السنن وقيل معناه: أهل السنن، والسنة هي: الطريقة المتبعة في الخير والشر، يقال: سن فلان سنة حسنة وسنة سيئة إذا عمل عملا اقتدي به من خير وشر. ومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني سنن فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة، بإمهالي واستدراجي إياهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لإهلاكهم، وإدالة أنبيائي عليهم. {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي: آخر أمر المكذبين، وهذا في حرب أحد، يقول الله عز وجل: فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأوليائه وإهلاك أعدائه.
{هذا} أي: هذا القرآن، {بيان للناس} عامة، {وهدى} من الضلالة، {وموعظة للمتقين} خاصة. {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين } قوله تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} هذا حث لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد، زيادة على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أحد يقول الله تعالى: ولا تهنوا أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة منهم: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وقتل من الأنصار سبعون رجلا. {ولا تحزنوا} فإنكم {أنتم الأعلون} أي تكون لكم العاقبة بالنصرة والظفر، {إن كنتم مؤمنين} يعني: إذ كنتم مؤمنين: أي: لأنكم مؤمنون، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب فأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله تعالى: {وأنتم الأعلون} وقال الكلبي: نزلت هذه الآية بعد يوم أحد حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم ما أصابهم من الجراح فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، دليله قوله تعالى: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم " (النساء -104) . {إن يمسسكم قرح} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " قرح " بضم القاف حيث جاء، وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان معناهما واحد كالجهد والجهد وقال الفراء القرح بالفتح: الجراحة وبالضم: ألم الجراحة هذا خطاب مع المسلمين حيث انصرفوا من أحد مع الكآبة والحزن، يقول الله تعالى: {إن يمسسكم قرح} يوم أحد، {فقد مس القوم قرح مثله} يوم بدر، {وتلك الأيام نداولها بين الناس} فيوم لهم ويوم عليهم أديل المسلمون على المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمسا وسبعين. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمرو بن خالد، أنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير، فقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يتشددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين. فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث مرات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: اعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبوه"؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل" قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تجيبوه"؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم" وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي حديثه قال أبو سفيان: يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" . قال الزجاج: الدولة تكون للمسلمين على الكفار، لقوله تعالى: {وإن جندنا لهم الغالبون} وكانت 70/أيوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {وليعلم الله الذين آمنوا} يعني: إنما كانت هذه المداولة ليعلم أي (أي: ليرى الله) الذين آمنوا فيميز المؤمن من المنافق، {ويتخذ منكم شهداء} يكرم أقواما بالشهادة، {والله لا يحب الظالمين} {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين } {وليمحص الله الذين آمنوا} أي: يطهرهم من الذنوب، {ويمحق الكافرين} يفنيهم ويهلكهم معناه: أنهم إن قتلوكم فهو تطهير لكم، وإن قتلتموهم فهو محقهم واستئصالهم. {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين } {أم حسبتم} أحسبتم؟ {أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله} [أي: ولم يعلم الله] {الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه} وذلك أن قوما من المسلمين تمنوا يوما كيوم بدر ليقاتلوا ويستشهدوا فأراهم الله يوم أحد وقوله {تمنون الموت} أي: سبب الموت وهو الجهاد من قبل أن تلقوه، {فقد رأيتموه} يعني: أسبابه. فإن قيل: ما معنى قوله {وأنتم تنظرون} بعد قوله: {فقد رأيتموه} قيل: ذكره تأكيدا وقيل: الرؤية قد تكون بمعنى العلم، فقال: {وأنتم تنظرون} ليعلم أن المراد بالرؤية النظر، وقيل: وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} قال أصحاب المغازي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد في سبعمائة رجل، وجعل عبد الله بن جبير وهو أخو خوات بن جبير على الرجالة وكانوا خمسين رجلا وقال: أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، فإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن بالدفوف ويقلن الأشعار فقاتلوا حتى حميت الحرب فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا فقال من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى يثخن، فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع" ففلق به هام المشركين وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم.
وروينا عن البراء بن عازب قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم. وقال الزبير بن العوام: فرأيت هندا وصواحباتها هاربات مصعدات في الجبل، باديات خدامهن ما دون أخذهن شيء فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب. فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة يعلوها، وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوجب طلحة" ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، وأعطتها وحشيا وبقرت عن كبدة حمزة ولاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، وأقبل عبد الله بن قمئة يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فذب مصعب بن عمير -وهو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم -عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى المشركين وقال: إني قتلت محمدا وصاح صارخ ألا إن محمدا قد قتل، ويقال: إن ذلك الصارخ كان إبليس، فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: "إلي عباد الله {إلي عباد الله} فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته، وقال له: ارم فداك أبي وأمي، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديدا النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر بجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة، وكان إذا رمى أشرف النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست حين وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حين وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها، فعادت كأحسن ما كانت. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو يقول: لا نجوت إن نجوت فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: دعوه حتى إذا دنا منه وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه فخدشه خدشة فتدهدأ عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور، ويقول: قتلني محمد، فأخذه أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس قال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم، أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يوما حتى مات بموضع يقال له سرف. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن علي، أنا أبو عاصم، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اشتد غضب الله على من قتله نبي 70/ب واشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قالوا: وفشا في الناس أن محمدا قد قتل فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمدا قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وموتوا على ما مات عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المنافقين، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك، قال عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفرار فقالوا: يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين فأنزل الله تعالى هذه الآية {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد، لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكامل والتحميد فوق الحمد، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال، وأكرم الله نبيه وصفيه باسمين مشتقين من اسمه جل جلاله (محمد وأحمد) وفيه يقول حسان بن ثابت: ألم تر أن الله أرسل عبده ببرهانه والله أعلى وأمجد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد قوله تعالى: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} رجعتم إلى دينكم الأول، {ومن ينقلب علىعقبيه} فيرتد عن دينه، {فلن يضر الله شيئا} بارتداده وإنما يضر نفسه، {وسيجزي الله الشاكرين} {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين } {وما كان لنفس أن تموت} قال الأخفش: اللام في {لنفس} منقولة تقديره: وما كانت نفس لتموت، {إلا بإذن الله} بقضاء الله وقدره، وقيل: بعلمه وقيل: بأمره، {كتابا مؤجلا} أي: كتب لكل نفس أجلا لا يقدر أحد على تغييره وتأخيره، ونصب الكتاب على المصدر، أي: كتب كتابا، {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} يعني: من يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله، يريد نؤته منها ما نشاء بما قدرناه له كما قال: " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد " (سورة الإسراء -18) نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة، {ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} أي أراد بعمله الآخرة، قيل: أراد الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا. {وسنجزي الشاكرين} أي: المؤمنين المطيعين. أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم عبد الصمد الهاشمي، أنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن بن المقرئ، أنا أبي، أنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له" .
أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن علي بن توبة الزراد، أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس بن محمد الجرجاني، وأبو أحمد محمد بن أحمد المعلم الهروي، قالا أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني، أخبرنا أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي، أخبرنا حيان بن موسى وعبد الله بن أسماء ابن أخي جويرية بن أسماء، قال أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" . {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين } قوله تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} قرأ ابن كثير " وكائن " بالمد والهمزة على وزن فاعل وتليين الهمزة أبو جعفر، وقرأ الآخرون " وكأين " بالهمز والتشديد على وزن كعين، ومعناه: وكم، وهي كاف التشبيه ضمت إلى أي الاستفهامية، ولم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ويقف بعض القراء على " وكأي " بلا نون والأكثرون على الوقوف بالنون قوله {قاتل} قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة بضم القاف وقرأ الآخرون {قاتل} فمن قرأ {قاتل} فلقوله: {فما وهنوا} ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعدما قتلوا لقول سعيد بن جبير: ما سمعنا أن نبيا قتل في القتال ولأن {قاتل} أعم. قال أبو عبيد: إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم، فكان {قاتل} أعم. ومن قرأ "قتل") فله ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون القتل راجعا إلى النبي وحده، فيكون تمام الكلام عند قوله " قتل " ويكون في الآية إضمار معناه: ومعه ربيون كثير، كما يقال: قتل فلان معه جيش كثير أي: ومعه. والوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين ويكون المراد: بعض من معه، تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله {فما وهنوا} راجعا إلى الباقين. والوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير. وقوله {ربيون كثير} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: جموع كثيرة، وقال ابن مسعود: الربيون الألوف، وقال الكلبي الربية الواحدة: عشرة آلاف، وقال الضحاك: الربية الواحدة: ألف، وقال الحسن: فقهاء علماء وقيل: هم الأتباع والربانيون الولاة، والربيون الرعية، وقيل: منسوب إلى الرب وهم الذين يعبدون الرب، {فما وهنوا} أي: فما جبنوا، {لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا} عن الجهاد بما نالهم من ألم الجراح وقتل الأصحاب. {وما استكانوا} قال مقاتل: وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم وقال السدي: وما ذلوأ 71/أقال عطاء وما تضرعوا وقال أبو العالية: وما جبنوا ولكنهم صبروا على أمر ربهم وطاعة نبيهم وجهاد عدوهم، {والله يحب الصابرين} {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين } قوله تعالى: {وما كان قولهم} نصب على خبر كان والاسم في أن قالوا، ومعناه: وما كان قولهم عند قتل نبيهم، {إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} أي: الصغائر، {وإسرافنا في أمرنا} أي: الكبائر، {وثبت أقدامنا} كي لا تزول، {وانصرنا على القوم الكافرين} يقول فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد. {فآتاهم الله ثواب الدنيا} النصرة والغنيمة، {وحسن ثواب الآخرة} الأجر والجنة، {والله يحب المحسنين} قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} يعني: اليهود والنصارى وقال علي رضي الله عنه يعني: المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم. {يردوكم على أعقابكم} يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله، {فتنقلبوا خاسرين} مغبونين.
ثم قال: {بل الله مولاكم} ناصركم وحافظكم على دينكم، {وهو خير الناصرين} {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين } {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} وذلك أن أبا سفيان والمشركين لما ارتحلوا يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى إذا بلغوا بعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم فلما عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به. سنلقي أي: سنقذف في قلوب الذين كفروا الرعب الخوف وقرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب {الرعب} بضم العين وقرأ الآخرون بسكونها، {بما أشركوا باللهما لم ينزل به سلطانا} حجة وبرهانا، {ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين} مقام الكافرين. قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده} قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد وقد أصابهم ما أصابهم، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا؟ وقد وعدنا الله النصر فأنزل الله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده} بالنصر والظفر وذلك أن النصر والظفر كان للمسلمين في الابتداء، {إذ تحسونهم بإذنه} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين، وهو جبل عن يساره وأقام عليه الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وأقبل المشركون فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل والمسلمون يضربونهم بالسيوف، حتى ولوا هاربين فذلك قوله تعالى {إذ تحسونهم بإذنه} أي تقتلونهم قتلا ذريعا بقضاء الله. قال أبو عبيدة: الحس: هو الاستئصال بالقتل. {حتى إذا فشلتم} أي: إن جبنتم وقيل: معناه فلما فشلتم، {وتنازعتم في الأمر وعصيتم} والواو زائدة في {وتنازعتم} يعني: حتى إذا فشلتم تنازعتم، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم ومعنى التنازع الاختلاف. وكان اختلافهم أن الرماة اختلفوا حين انهزم المشركون فقال بعضهم: انهزم القوم فما مقامنا؟ وأقبلوا على الغنيمة وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة. فلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه، وأقبلوا على المسلمين وحالت الريح فصارت دبورا بعد ما كانت صبا وانتقضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من الدهش، ونادى إبليس أن محمدا قد قتل وكان ذلك سبب الهزيمة للمسلمين. قوله تعالى: {وعصيتم} يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم وخالفتم أمره، {من بعدما أراكم} الله {ما تحبون} يا معشر المسلمين من الظفر والغنيمة، {منكم من يريد الدنيا} يعني: الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب، {ومنكم من يريد الآخرة} يعني: الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير حتى قتلوا قال عبد الله بن مسعود: ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الآية {ثم صرفكم عنهم} أي: ردكم عنهم بالهزيمة، {ليبتليكم} ليمتحنكم وقيل: لينزل البلاء عليكم {ولقد عفا عنكم} يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، {والله ذو فضل على المؤمنين} {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون }
{إذ تصعدون} يعني: ولقد عفا عنكم إذ تصعدون هاربين، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة {تصعدون} بفتح التاء والعين والقراءة المعروفة بضم التاء وكسر العين. والإصعاد: السير في مستوى الأرض والصعود: الارتفاع على الجبال والسطوح، قال أبو حاتم: يقال أصعدت إذا مضيت حيال وجهك وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره، وقال المبرد: أصعد إذا أبعد في الذهاب، وكلتا القراءتين صواب فقد كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد وقال المفضل: صعد وأصعد وصعد بمعنى واحد. {ولا تلوون على أحد} أي: لا تعرجون ولا تقيمون على أحد ولا يلتفت بعضكم إلى بعض، {والرسول يدعوكم في أخراكم} أي: في آخركم ومن ورائكم إلي عباد الله فأنا رسول الله من يكر فله الجنة ، {فأثابكم} فجازاكم جعل الإثابة بمعنى العقاب، وأصلها في الحسنات لأنه وضعها موضع الثواب كقوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} جعل البشارة في العذاب ومعناه: جعل مكان الثواب الذي كنتم ترجون {غما بغم} وقيل: الباء بمعنى على أي: غما على غم وقيل: غما متصلا بغم فالغم الأول: ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والغم الثاني: ما نالهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح، والغم الثاني: ما سمعوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فأنساهم الغم الأول. وقيل: الغم الأول: إشراف خالد بن الوليد عليهم بخيل المشركين، والغم الثاني: حين أشرف عليهم أبو سفيان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه وأراد أن يرميه، فقال أنا رسول الله ففرحوا حين وجدوأ 71/ب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر المسلمون إليهم أهمهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لهم أن يعلونا اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم. وقيل: إنهم غموا الرسول بمخالفة أمره، فجازاهم الله بذلك الغم غم القتل والهزيمة. قوله تعالى: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} من الفتح والغنيمة، {ولا ما أصابكم} أي: ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة، {والله خبير بما تعملون} {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات } {ثم أنزل عليكم} يا معشر المسلمين، {من بعد الغم أمنة نعاسا} يعني: أمنا والأمن الأمنة بمعنى واحد وقيل: الأمن يكون مع زوال سبب الخوف والأمنة مع بقاء سبب الخوف وكان سبب الخوف هنا قائما، {نعاسا} بدل من الأمنة {يغشى طائفة منكم} قرأ حمزة والكسائي " تغشى " بالتاء ردا إلى الأمنة وقرأ الآخرون بالياء ردا على النعاس. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم وإنما ينعس من يأمن، والخائف لا ينام. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن، أنا حسين بن محمد، أخبرنا شيبان عن قتادة أخبرنا أنس أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد قال: فجعل سيفي يسقط من يدي فآخذه ويسقط وآخذه" . وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس .
وقال عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الحرب، أرسل الله علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم، يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا فذلك قوله تعالى: {يغشى طائفة منكم} يعني: المؤمنين، {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} يعني: المنافقين: قيل: أراد الله به تمييز المنافقين من المؤمنين فأوقع النعاس على المؤمنين حتى أمنوا ولم يوقع على المنافقين فبقوا في الخوف وقد أهمتهم أنفسهم أي: حملتهم على الهم يقال: أمر مهم. {يظنون بالله غير الحق} أي: لا ينصر محمدا، وقيل: ظنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، {ظن الجاهلية} أي: كظن أهل الجاهلية والشرك، {يقولون هل لنا} ما لنا لفظه استفهام ومعناه: حجد، {من الأمر من شيء} يعني: النصر، {قل إن الأمر كله لله} قرأ أهل البصرة برفع اللام على الابتداء وخبره في {لله} وقرأ الآخرون بالنصب على البدل وقيل: على النعت. {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا} وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم يقتل رؤساؤنا، وقيل: لو كنا على الحق ما قتلنا هاهنا. قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يعني: التكذيب بالقدر وهو قولهم {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا} {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب} قضي، {عليهم القتل إلى مضاجعهم} مصارعهم، {وليبتلي الله} وليمتحن الله، {ما في صدوركم وليمحص} يخرج ويظهر {ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} بما في القلوب من خير وشر. {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم } {إن الذين تولوا منكم} أي انهزموا، {منكم} يا معشر المسلمين، {يوم التقى الجمعان} جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلا ستة من المهاجرين: وهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم. قوله تعالى: {إنما استزلهم الشيطان} أي: طلب زلتهم كما يقال: استعجلت فلانا إذا طلبت عجلته وقيل: حملهم على الزلة وهي الخطيئة وقيل: أزل واستزل بمعنى واحد، {ببعض ما كسبوا} أي: بشؤم ذنوبهم، قال بعضهم: بتركهم المركز، وقال الحسن: ما كسبوا هو قبولهم من الشيطان ما وسوس إليهم من الهزيمة، {ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون } {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين } {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} يعني: المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، {وقالوا لإخوانهم} في النفاق والكفر وقيل: في النسب، {إذا ضربوا في الأرض} أي: سافروا فيها لتجارة أو غيرها، {أو كانوا غزى} أي: غزاة جمع غاز فقتلوا، {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك} يعني: قولهم وظنهم، {حسرة} غما {في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " يعملون " بالياء وقرأ الآخرون بالتاء.
{ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم} قرأ نافع وحمزة والكسائي " متم " بكسر الميم وقرأ الآخرون بالضم فمن ضمه فهو من مات يموت كقولك: من قال يقول قلت بضم القاف ومن كسره فهو من مات يمات كقولك من خاف يخاف: خفت، {لمغفرة من الله} في العاقبة، {ورحمة خير مما يجمعون} من الغنائم قراءة العامة، "تجمعون") بالتاء لقوله {ولئن قتلتم} وقرأ حفص عن عاصم {يجمعون} بالياء يعني: خير مما يجمع الناس. {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون} في العاقبة. قوله تعالى: {فبما رحمة من الله} أي: فبرحمة من الله و" ما ") صلة كقوله {فبما نقضهم} {لنت لهم} أي: سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك ولم تسرع إليهم فيما كان منهم يوم أحد، {ولو كنت فظا} يعني: جافيا سيء الخلق قليل الاحتمال، {غليظ القلب} قال الكلبي: فظا في القول غليظ القلب في الفعل، {لانفضوا من حولك} أي: لنفروا وتفرقوا عنك، يقال: فضضتهم فانفضوا أي فرقتهم فتفرقوا {فاعف عنهم} تجاوز عنهم ما أتوا يوم أحد، {واستغفر لهم} حتى أشفعك فيهم، {وشاورهم في الأمر} أي: استخرج آراءهم واعلم ما عندهم من قول العرب: شرت الدابة وشورتها إذا استخرجت جريها وشرت العسل وأشرته إذا أخذته من موضعه واستخرجته. واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبوا وكرهوا. فقال بعضهم: هو خاص في المعنى أي: وشاروهم فيما ليس عندك فيه من الله تعالى عهد، قال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكايد الحرب عند الغزو. وقال مقاتل وقتادة: أمر الله تعالى بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم، فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم. وقال الحسن: قد علم الله عز وجل 72/أأنه ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده. أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي: أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم بن علي الصالحاني، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، أخبرنا علي بن العباس المقانعي أخبرنا أحمد بن ما هان، أخبرني أبي، أخبرنا طلحة بن زيد، عن عقيل عن الزهري عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم" . قوله تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} لا على مشاورتهم أي: قم بأمر الله وثق به واستعنه، {إن الله يحب المتوكلين} . {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون } {إن ينصركم الله} يعنكم الله ويمنعكم من عدوكم، {فلا غالب لكم} مثل يوم بدر، {وإن يخذلكم} يترككم فلم ينصركم كما كان بأحد والخذلان: القعود عن النصرة والإسلام للهلكة، {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} أي: من بعد خذلانه، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} قيل: التوكل أن لا تعصي الله من أجل رزقك وقيل: أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير الله ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك شاهدا غيره. أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع البزار ببغداد، أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد الهيثم الأنباري، أخبرنا محمد بن أبي العوام أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا هشام بن حسان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدخل سبعون ألفا من أمتي الجنة بغير حساب" قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: "هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" فقال عكاشة بن محصن: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: "أنت منهم" ثم قام آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "سبقك بها عكاشة" .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن المبارك، عن حياة بن شريح، حدثني بكر بن عمرو، عن عبد الله بن هبيرة، أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا" . {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } قوله عز وجل: {وما كان لنبي أن يغل} الآية روى عكرمة ومقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "لم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري"؟ قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال قتادة: ذكر لنا أنها نزلت في طائفة غلت من أصحابه. . وقيل: إن الأقوياء ألحوا عليه يسألونه من المغنم، فأنزل الله تعالى: {وما كان لنبي أن يغل} فيعطي قوما ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بينهم بالسوية . وقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذا في الوحي، يقول: ما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة. قوله تعالى: {وما كان لنبي أن يغل} قرأ ابن كثير وأهل البصرة وعاصم "يغل") بفتح الياء وضم الغين معناه: أن يخون والمراد منه الأمة وقيل: اللام فيه منقولة معناه: ما كان النبي ليغل وقيل: معناه ما كان يظن به ذلك ولا يليق به، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الغين، وله وجهان أحدهما: أن يكون من الغلول أيضا أي: ما كان لنبي أن يخان يعني: أن تخونه أمته والوجه الآخر: أن يكون من الإغلال، معناه: ما كان لنبي أن يخون أي ينسب إلى الخيانة. {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} قال الكلبي: يمثل له ذلك الشيء في النار ثم يقال له: انزل فخذه فينزل فيحمله على ظهره فإذا بلغ موضعه وقع في النار ثم يكلف أن ينزل إليه، فيخرجه ففعل ذلك به. أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث مولى بن مطيع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، قال فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى وكان رفاعة بن زيد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له مدعم قال فخرجنا حتى إذا كنا بوادي القرى فبينما مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فأصابه فقتله فقال الناس: هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه نارا" فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شراك من نار أو شراكان من نار" .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حيان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني، قال: توفي رجل يوم خيبر فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا على صاحبكم" فتغيرت وجوه الناس لذلك فزعم زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن صاحبكم قد غل في سبيل الله" قال: ففتحنا متاعه فوجدنا خرزات من خرزات اليهود يساوين درهمين . أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب المروزي، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: "ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في بيت أمه أو في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا فوالذي نفسي بيده لا يأخذ 72/ب أحد منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها تيعر" ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه ثم قال: "اللهم هل بلغت" . وروى قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: "لا تصيبن شيئا بغير إذني فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة" . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه" . وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه" . قوله تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون } {أفمن اتبع رضوان الله} وترك الغلول، {كمن باء بسخط من الله} فعل، {ومأواه جهنم وبئس المصير} {هم درجات عند الله} يعني: ذو درجات عند الله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني من اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند الله فلمن اتبع رضوان الله الثواب العظيم، ولمن باء بسخط من الله العذاب الأليم. {والله بصير بما يعملون} {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير } {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} قيل: أراد به العرب لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وله فيهم نسب إلا بني تعلبة دليله قوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} وقال الآخرون: أراد به جميع المؤمنين ومعنى قوله تعالى: {من أنفسهم} أي: بالإيمان والشفقة لا بالنسب ودليله قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} {يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} وقد كانوا، {من قبل} أي: من قبل بعثه {لفي ضلال مبين}
{أولما} أي: حين {أصابتكم مصيبة} بأحد، {قد أصبتم مثليها} يوم بدر وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين وقتل المسلمون منهم ببدر سبعين وأسروا سبعين، {قلتم أنى هذا} من أين لنا هذا القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا؟ {قل هو من عند أنفسكم} روى عبيدة السلماني عن علي رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا بل نأخذ فداءهم فنقوى بها على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم [فقتل منهم يوم أحد] سبعون عدد أسارى أهل بدر فهذا معنى قوله تعالى: {قل هو من عند أنفسكم} أي: بأخذكم الفداء واختياركم القتل، {إن الله على كل شيء قدير} {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} بأحد من القتل والجرح والهزيمة، {فبإذن الله} أي: بقضائه وقدره، {وليعلم المؤمنين} أي: ليميز وقيل ليرى. {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله} أي: لأجل دين الله وطاعته، {أو ادفعوا} عن أهلكم وحريمكم، وقال السدي: أي كثروا سواد المسلمين ورابطوا إن لم تقاتلوا يكون ذلك دفعا وقمعا للعدو، {قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} وهم عبد الله بن أبي وأصحابه الذين انصرفوا عن أحد وكانوا ثلاثمائة قال الله تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب} أي: إلى الكفر يومئذ أقرب {منهم للإيمان} (أي: إلى الإيمان) ، {يقولون بأفواههم} يعني: كلمة الإيمان {ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} {الذين قالوا لإخوانهم} في النسب لا في الدين وهم شهداء أحد {وقعدوا} يعني: قعد هؤلاء القائلون عن الجهاد {لو أطاعونا} وانصرفوا عن محمد صلى الله عليه وسلم وقعدوا في بيوتهم {ما قتلوا قل} يا محمد، {فادرءوا} فادفعوا، {عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} إن الحذر لا يغني عن القدر. قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} الآية قيل: نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين. وقال الآخرون: نزلت في شهداء أحد وكانوا سبعين رجلا أربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شماس وعبد الله بن جحش وسائرهم من الأنصار . أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد، أنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبد الله (هو بن مسعود) رضي الله عنهما عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} الآية قال أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم كطير خضر" ويروى "في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة في أيها شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: سلوني ما شئتم فقالوا: يا رب كيف نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا؟ فلما رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا شيئا قالوا: إنا نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا" .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا عبد الله بن حامد أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، أنا جيعوية أنا صالح بن محمد، أنا سليمان بن عمرو، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح من الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلما رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم ورأوا ما أعد الله لهم من الكرامة قالوا: ياليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا كي يرغبوا في الجهاد ولا يتكلوا عنه فقال الله عز وجل أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} إلى قوله {لا يضيع أجر المؤمنين} " . سمعت عبد الواحد بن أحمد المليحي، قال: سمعت الحسن بن أحمد القتيبي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن يوسف قال: سمعت محمد بن إسماعيل البكري، قال: سمعت يحيى بن حبيب بن عربي قال: سمعت موسى بن إبراهيم قال: سمعت طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: "يا جابر ما لي أراك منكسرا"؟ قلت يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالا ودينا قال: "أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك"؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: 73/أ "ما كلم الله تعالى أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه أحيا أباك فكلمه كفاحا قال: يا عبدي تمن علي أعطك قال: يا رب أحيني فأقتل فيك الثانية، قال الرب تبارك وتعالى: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون فأنزلت فيهم {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} . أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن الطيسفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر، أنا حميد عن أنس رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يموت له عند الله خير يحب أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى" . وقال قوم: نزلت هذه الآية في شهداء بئر معونة وكان سبب ذلك على ما روى محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن حميد الطويل عن أنس بن مالك وغيرهم من أهل العلم قال: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، ملاعب الأسنة وكان سيد بني عامر بن صعصعة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأهدى إليه هدية فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها وقال لا أقبل هدية مشرك، فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك؟ ثم عرض عليه الإسلام وأخبره بما له فيه وما أعد الله للمؤمنين وقرأ عليه القرآن فلم يسلم، ولم يبعد وقال: يا محمد إن الذي تدعو إليه حسن جميل فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فيدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أخشى عليهم أهل نجد". فقال أبو البراء: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلا من خيار المسلمين منهم