Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

Section V03/P147–V03/P150

{كتب ربكم على نفسه الرحمة} أي: قضى على نفسه الرحمة، {أنه من عمل منكم سوءا بجهالة} قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام فمن جهالته ركب الذنب، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، وقيل: جهالته من حيث أنه آثر المعصية على الطاعة والعاجل القليل على الآجل الكثير، {ثم تاب من بعده} رجع عن ذنبه، {وأصلح} عمله، قيل: أخلص توبته، {فإنه غفور رحيم} قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب " أنه من عمل منكم " " فأنه غفور رحيم " بفتح الألف فيهما بدلا من الرحمة، أي: كتب على نفسه أنه من عمل منكم، ثم جعل الثانية بدلا عن الأولى، كقوله تعالى: "أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون"، (المؤمنون، 35) ، وفتح أهل المدينة الأولى منهما وكسروا الثانية على الاستئناف، وكسرهما الآخرون على الاستئناف. {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين } {وكذلك نفصل الآيات} أي: وهكذا، وقيل: معناه وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وإعلامنا على المشركين كذلك نفصل الآيات، أي: نميز ونبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل، {ولتستبين سبيل المجرمين} أي: طريق المجرمين، وقرأ أهل المدينة "ولتستبين" بالتاء، "سبيل" نصب على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، أي: ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين، يقال: استبنت الشيء وتبينته إذا عرفته، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر "وليستبين" بالياء "سبيل" بالرفع، وقرأ الآخرون {ولتستبين} بالتاء "سبيل" رفع، أي: ليظهر ويتضح السبيل، يذكر ويؤنث، فدليل التذكير قوله تعالى: "وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا" (الأعراف، 146) ، ودليل الثأنيت قوله تعالى: "لم تصدون عن سبيل الله من آمن به تبغونها عوجا" (آل عمران، 99) . قوله عز وجل: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم} في عبادة الأوثان وطرد الفقراء، {قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين} يعني: إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير طريق الهدى. {قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين } {قل إني على بينة} أي: على بيان وبصيرة وبرهان، {من ربي وكذبتم به} أي: ما جئت به، {ما عندي ما تستعجلون به} قيل: أراد به استعجالهم العذاب، كانوا يقولون: "إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة" (الأنفال، 32) الآية، قيل: أراد به القيامة، قال الله تعالى: "يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها" (الشورى، 18) ، {إن الحكم إلا لله يقص الحق} قرأ أهل الحجاز وعاصم يقص بضم القاف والصاد مشددا أي يقول الحق، لأنه في جميع المصاحف بغير ياء، ولأنه قال الحق ولم يقل بالحق، وقرأ الآخرون (يقضي) بسكون القاف والضاد مكسورة، من قضيت، أي: يحكم بالحق بدليل أنه قال: {وهو خير الفاصلين} والفصل يكون في القضاء وإنما حذفوا الياء لاستثقال الألف واللام، كقوله تعالى: (صال الجحيم) ونحوها، ولم يقل بالحق لأن الحق صفة المصدر، كأنه قال: يقضي القضاء الحق. {قل لو أن عندي} وبيدي، {ما تستعجلون به} من العذاب {لقضي الأمر بيني وبينكم} أي: فرغ من العذاب [وأهلكتم] أي: لعجلته حتى أتخلص منكم، {والله أعلم بالظالمين} {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } قوله عز وجل: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} مفاتح الغيب خزائنه، جمع مفتح.

Section V03/P150–V03/P151

واختلفوا في مفاتح الغيب، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا الله تعالى، [ولا يعلم ما في الغد إلا الله عز وجل] ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري 119\أنفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله" . وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب. وقال عطاء: ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. وقيل: انقضاء الآجال، وقيل: أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم، وقيل: هي ما لم يكن بعد أنه يكون أم لا يكون، وما يكون كيف يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف يكون؟ وقال ابن مسعود: "أوتي نبيكم علم كل شيء إلا علم مفاتيح الغيب" . {ويعلم ما في البر والبحر} قال مجاهد: البر: المفاوز والقفار، والبحر: القرى والأمصار، لا يحدث فيهما شيء إلا يعلمه، وقيل: هو البر والبحر المعروف، {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} يريد ساقطة وثابتة، يعني: يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه، وقيل: يعلم كم انقلبت ظهرا لبطن إلى أن سقطت على الأرض، {ولا حبة في ظلمات الأرض} قيل: هو الحب المعروف في بطون الأرض، وقيل: هو تحت الصخرة في أسفل الأرضين، {ولا رطب ولا يابس} قال ابن عباس رضي الله عنهما: الرطب الماء، واليابس البادية، وقال عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت، وقيل: ولا حي ولا ميت، وقيل: هو عبارة عن كل شيء، {إلا في كتاب مبين} يعني أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ. قوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} أي: يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل، {ويعلم ما جرحتم} كسبتم، {بالنهار ثم يبعثكم فيه} أي: يوقظكم في النهار، {ليقضى أجل مسمى} يعني: أجل الحياة إلى الممات، يريد استيفاء العمر على التمام، {ثم إليه مرجعكم} في الآخرة، {ثم ينبئكم} يخبركم، {بما كنتم تعملون} {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين } قوله عز وجل: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة} يعني: الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، وهو جمع حافظ، نظيره "وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين" (الانفطار، 11) ، {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته} قرأ حمزة (توفيه) و (استهويه) بالياء وأمالهما، {رسلنا} يعني: أعوان ملك الموت يقبضونه فيدفعونه إلى ملك الموت فيقبض روحه، كما قال: (قل يتوفاكم ملك الموت) ، وقيل الأعوان يتوفونه بأمر ملك الموت، فكأن ملك الموت توفاه لأنهم يصدرون عن أمره، وقيل: أراد بالرسل ملك الموت وحده، فذكر الواحد بلفظ الجمع، وجاء في الأخبار: أن الله تعالى جعل الدنيا بين يدي ملك الموت كالمائدة الصغيرة فيقبض من هاهنا ومن هاهنا فإذا كثرت الأرواح يدعو الأرواح فتجيب له، {وهم لا يفرطون} لا يقصرون. {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} يعني: الملائكة، وقيل: يعني العباد يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق، فإن قيل الآية في المؤمنين والكفار جميعا وقد قال في آية أخرى: "وأن الكافرين لا مولى لهم" (محمد، 11) ، فكيف وجه الجمع؟ فقيل: المولى في تلك الآية بمعنى الناصر ولا ناصر للكفار، والمولى هاهنا بمعنى الملك الذي يتولى أمورهم، والله عز وجل مالك الكل ومتولي الأمور، وقيل: أراد هنا المؤمنين خاصة يردون إلى مولاهم، والكفار فيه تبع، {ألا له الحكم} أي: القضاء دون خلقه، {وهو أسرع الحاسبين} أي: إذا حاسب فحسابه سريع لأنه لا يحتاج إلى فكرة ورؤية وعقد يد.

Section V03/P151–V03/P153

قوله عز وجل: {قل من ينجيكم} قرأ يعقوب بالتخفيف، وقرأ العامة بالتشديد، {من ظلمات البر والبحر} أي: من شدائدهما وأهوالهما، كانوا إذا سافروا في البر والبحر فضلوا الطريق وخافوا الهلاك، دعوا الله مخلصين له الدين فينجيهم، فذلك قوله تعالى: {تدعونه تضرعا وخفية} أي: علانية وسرا، قرأ أبو بكر عن عاصم " وخفية " بكسر الخاء هاهنا وفي الأعراف، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان، {لئن أنجانا} أي: يقولون لئن أنجيتنا، وقرأ أهل الكوفة: لئن أنجانا الله، {من هذه} يعني: من هذه الظلمات، {لنكونن من الشاكرين} والشكر: هو معرفة النعمة مع القيام بحقها. {قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون } {قل الله ينجيكم منها} قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر " ينجيكم " بالتشديد، مثل قوله تعالى: "قل من ينجيكم" وقرأ الآخرون هذا بالتخفيف، {ومن كل كرب} والكرب غاية الغم الذي يأخذ بالنفس، {ثم أنتم تشركون} يريد أنهم يقرون أن الذي يدعونه عند الشدة هو الذي ينجيهم ثم تشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها لا تضر ولا تنفع. قوله عز وجل: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال الحسن وقتادة: نزلت الآية في أهل الإيمان، وقال قوم نزلت في المشركين. قوله {عذابا من فوقكم} يعني: الصيحة والحجارة والريح والطوفان، كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح، {أو من تحت أرجلكم} يعني: الرجفة والخسف كما فعل بقوم شعيب وقارون. وعن ابن عباس ومجاهد: {عذابا من فوقكم} السلاطين الظلمة، ومن تحت أرجلكم العبيد السوء، وقال الضحاك: {من فوقكم} من قبل كباركم {أو من تحت أرجلكم} أي من أسفل منكم، {أو يلبسكم شيعا} أي: يخلطكم فرقا ويبث فيكم الأهواء المختلفة، {ويذيق بعضكم بأس بعض} يعني: السيوف المختلفة، يقتل بعضكم بعضا. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو النعمان أنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعوذ بوجهك"، قال: {أو من تحت أرجلكم} قال: "أعوذ بوجهك"، قال: {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أهون أو هذا أيسر" . أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا أبو جعفر محمد بن علي دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أنا يعلى بن عبيد الطنافسي أنا عثمان بن حكيم عن عامر بن سعد بن وقاص عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية فدخل فصلى ركعتين وصلينا معه فناجى ربه طويلا ثم قال: سألت ربي ثلاثا: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها" أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دلويه الدقاق ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أن عبد الله بن عمر جاءهم ثم قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد فسأل الله ثلاثا فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة، سأله أن لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك 119/ب وسأله أن لا يجعل بأس بعضهم على بعض، فمنعه ذلك" . قوله عز وجل: {انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون}

Section V03/P153–V03/P155

{وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون } {وكذب به قومك} أي: بالقرآن، وقيل: بالعذاب، {وهو الحق قل لست عليكم بوكيل} برقيب، وقيل: بمسلط ألزمكم الإسلام شئتم أو أبيتم، إنما أنا رسول. {لكل نبأ} خبر من أخبار القرون، {مستقر} حقيقة ومنتهى ينتهي إليه فيتبين صدقه من كذبه وحقه من باطله، إما في الدنيا وإما في الآخرة، {وسوف تعلمون} وقال مقاتل: لكل خبر يخبره الله وقت [وقته] ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير، وقال الكلبي: [لكل] قول وفعل حقيقة، إما في الدنيا وإما في الآخرة وسوف تعلمون ما كان في الدنيا فستعرفونه وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم. قوله عز وجل: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} يعني: في القرآن بالاستهزاء {فأعرض عنهم} فاتركهم [ولا تجالسهم] {حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك} قرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد السين وقرأ الآخرون بسكون النون وتخفيف السين، {الشيطان} نهينا، {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} يعني: إذا جلست معهم ناسيا فقهم من عندهم بعدما تذكرت. {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} روي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدا؟ وفي رواية قال المسلمون: فإنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم، فأنزل الله عز وجل: {وما على الذين يتقون} الخوض، {من حسابهم} أي: من آثام الخائضين {من شيء ولكن ذكرى} أي: ذكروهم وعظوهم بالقرآن، والذكر والذكرى واحد، يريد ذكروهم ذكري، فتكون في محل النصب، {لعلهم يتقون} الخوض إذا وعظتموهم فرخص في مجالستهم على الوعظ لعله يمنعهم من ذلك الخوض، وقيل: لعلهم يستحيون. {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين } قوله عز وجل: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا} يعني: الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزءوا بها وتلاعبوا عند ذكرها، وقيل: إن الله تعالى جعل لكل قوم عيدا فاتخذ كل قوم دينهم -أي: عيدهم -لعبا ولهوا، وعيد المسلمين الصلاة والتكبير وفعل الخير مثل الجمعة والفطر والنحر، {وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به} أي: وعظ بالقرآن، {أن تبسل} أي: لأن لا تبسل، أي: لا تسلم، {نفس} للهلاك، {بما كسبت} قاله مجاهد وعكرمة والسدي، وقال ابن عباس: تهلك، وقال قتادة: أن تحبس، وقال الضحاك: تحرق، وقال ابن زيد: تؤخذ، ومعناه: ذكرهم ليؤمنوا، كيلا تهلك نفس بما كسبت، قال الأخفش: تبسل تجازى، وقيل: تفضح، وقال الفراء: ترتهن، وأصل الإبسال التحريم، والبسل الحرام، ثم جعل نعتا لكل شدة تتقى وتترك، {ليس لها} أي لتلك النفس، {من دون الله ولي} قريب، {ولا شفيع} يشفع في الآخرة، {وإن تعدل كل عدل} أي: تفد كل فداء، {لا يؤخذ منها} {أولئك الذين أبسلوا} أسلموا للهلاك، {بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}

Section V03/P155–V03/P158

{قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا} إن عبدناه، {ولا يضرنا} إن تركناه، يعني: الأصنام ليس إليها نفع ولا ضر، {ونرد على أعقابنا} إلى الشرك [مرتدين] {بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض} ، أي: يكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين، أي: أضلته، {حيران} قال ابن عباس: كالذي استهوته الغيلان في +المهامة فأضلوه فهو حائر بائر، والحيران: المتردد في الأمر، لا يهتدي إلى مخرج منه، {له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا} هذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو إلى الآلهة ولمن يدعو إلى الله تعالى، كمثل رجل في رفقة ضل به الغول عن الطريق يدعوه أصحابه من أهل الرفقة هلم إلى الطريق، ويدعوه الغول [هلم] فيبقى حيران لا يدري أين يذهب، فإن أجاب الغول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الطريق اهتدى . {قل إن هدى الله هو الهدى} يزجر عن عبادة الأصنام، كأنه يقول: لا تفعل ذلك فإن الهدى هدى الله، لا هدى غيره، {وأمرنا لنسلم} أي: أن نسلم، {لرب العالمين} والعرب تقول: أمرتك لتفعل وأن تفعل وبأن تفعل. {وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير } {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} أي: وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى، {وهو الذي إليه تحشرون} أي: تجمعون في الموقف للحساب. {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق} قيل: الباء بمعنى اللام، أي: إظهارا للحق لأنه جعل صنعه دليلا على وحدانيته، {ويوم يقول كن فيكون} قيل: هو راجع إلى السموات والأرض والخلق، بمعنى: القضاء والتقدير، أي كل شيء قضاه وقدره قال له: كن، فيكون. وقيل: يرجع إلى القيامة، يدل على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال: ويوم يقول للخلق: موتوا فيمومون، وقوموا فيقومون، {قوله الحق} أي: الصدق الواقع لا محالة، يريد أن ما وعده حق كائن، {وله الملك يوم ينفخ في الصور} يعني: ملك الملوك يومئذ زائل، كقوله: "مالك يوم الدين"، وكما قال: "والأمر يومئذ لله"، والأمر له في كل وقت، ولكن لا أمر في ذلك اليوم لأحد مع أمر الله، والصور: قرن ينفخ فيه، قال مجاهد: كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وقال أبو عبيدة: الصور هو الصور وهو جمع الصورة، وهو قول الحسن: والأول أصح. والدليل عليه ما أخبرنا محمد بن عبد الله [بن أبي توبة أنا أبو طاهر المحاربي أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا أبو عبد الله] بن محمود أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن سليمان التيمي عن أسلم عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه" . أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا أبو حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه، وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر"؟ فقالوا: يا رسول الله وما تأمرنا؟ قال: "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل" . وقال أبو العلاء عن عطية: متى يؤمر بالنفخ فينفخ. {عالم الغيب والشهادة} يعلم ما غاب عن العباد وما يشاهدونه، لا يغيب عن علمه شيء، {وهو الحكيم الخبير} {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين } قوله عز وجل: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} قرأ يعقوب " آزر " بالرفع، يعني: " آزر " والقراءة المعروفة بالنصب، وهو اسم أعجمي لا ينصرف فينتصب في موضع الخفض.

Section V03/P158–V03/P159

قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي: آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارخ أيضا مثل إسرائيل ويعقوب وكان من كوثى قرية من سواد الكوفة، وقال مقاتل بن حيان وغيره: آزر لقب لأبي إبراهيم، واسمه تارخ 120\أ وقال سليمان التيمي: هو سب وعيب، ومعناه في كلامهم المعوج، وقيل: معناه الشيخ الهم بالفارسية، وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر اسم صنم، فعلى هذا يكون في محل النصب تقديره أتتخذ آزر إلها، قوله {أصناما آلهة} دون الله، {إني أراك وقومك في ضلال مبين} {وكذلك نري إبراهيم} أي: كما أريناه البصيرة في دينه، والحق في خلاف قومه، نريه {ملكوت السماوات والأرض} والملكوت: الملك، زيدت فيه التاء للمبالغة، كالجبروت والرحموت والرهبوت، قال ابن عباس: يعني خلق السموات والأرض، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السموات والأرض، وذلك أنه أقيم على صخر وكشف له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين ونظر إلى مكانه في الجنة، فذلك قوله تعالى: "وآتيناه أجره في الدنيا" يعني: أريناه مكانه في الجنة. وروي عن سلمان رضي الله عنه، ورفعه بعضهم [عن علي رضي الله عنه] لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال له الرب عز وجل: "يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة، فلا تدعون على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خصال إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني، وإما أن يبعث إلي فإن شئت عفوت عنه، وإن شئت عاقبته" وفي رواية: "وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه" . وقال قتادة: ملكوت السموات: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار. {وليكون من الموقنين} عطف على المعنى، ومعناه: نريه ملكوت السموات والأرض، ليستدل به وليكون من الموقنين. {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا} الآية، قال أهل التفسير: ولد إبراهيم عليه السلام في زمن نمرود بن كنعان، وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، يقال: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام. وقال السدي: رأى نمرود في منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء، ففزع من ذلك فزعا شديدا، فدعا السحرة والكهنة فسألهم عن ذلك، فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة، فيكون هلاكك وهلاك ملكك وأهل بيتك على يديه، قالوا: فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشرة رجال رجلا فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها، لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض، فإذا طهرت حال بينهما، فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام . وقال محمد بن إسحاق: بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقرية، فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم عليه السلام، فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت جارية حديثة السن، لم يعرف الحبل في بطنها. وقال السدي: خرج نمرود بالرجال إلى معسكر ونحاهم عن النساء تخوفا من ذلك المولود أن يكون، فمكث بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن عليها أحدا من قومه إلا آزر، فبعث إليه ودعاه وقال له: إن لي حاجة أحببت أن أوصيك بها ولا أبعثك إلا لثقتي بك، فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك، فقال آزر: أنا أشح على ديني من ذلك، فأوصاه بحاجته، فدخل المدينة وقضى حاجته، ثم قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى أم إبراهيم عليه السلام لم يتمالك حتى واقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام.

Section V03/P159–V03/P160

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملته أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان، فلما دنت ولادة أم إبراهيم عليه السلام وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء، فرجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت، وأن الولد في موضع كذا وكذا فانطلق أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر، فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه. وقال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه لتنظر ما فعل فتجده حيا يمص إبهامه. قال أبو روق: وقالت أم إبراهيم ذات يوم لأنظرن إلى أصابعه، فوجدته يمص من أصبع ماء، ومن أصبع لبنا، ومن أصبع عسلا ومن أصبع تمرا، ومن أصبع سمنا. وقال محمد بن إسحاق: كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل؟ فقالت: ولدت غلاما فمات، فصدقها فسكت عنها، وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي الذي ما لي إله غيره، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبا فقال: هذا ربي، ثم أتبعه بصره لينظر إليه حتى غاب، فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين، ثم رأى القمر بازغا قال هذا ربي وأتبعه ببصره حتى غاب، ثم طلعت الشمس هكذا إلى آخره، ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه، وأخبرته بما كانت صنعت في شأنه فسر آزر بذلك وفرح فرحا شديدا. وقيل: إنه كان في السرب سبع سنين، وقيل: ثلاثة عشرة سنة، وقيل: سبعة عشرة سنة، قالوا: فلما شب إبراهيم عليه السلام، وهو في السرب قال لأمه: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ قالت: نمرود، قال: فمن ربه؟ قالت له: اسكت فسكت، ثم رجعت إلى زوجها، فقالت: أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم أخبرته بما قال، فأتاه أبوه آزر، فقال له إبراهيم عليه السلام: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك، قال: ومن رب أمي؟ قال: أنا قال: ومن ربك؟ قال: نمرود قال: فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة وقال له: اسكت فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكبا، قال: هذا ربي. ويقال: إنه قال لأبويه أخرجاني فأخرجاه من السرب وانطلقا به حين غابت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فسأل أباه ما هذه؟ فقال: إبل 120/ب وخيل وغنم، فقال: ما لهذه بد من أن يكون لها رب وخالق، ثم نظر فإذا المشتري قد طلع، ويقال: الزهرة، وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فتأخر طلوع القمر فيها، فرأى الكوكب قبل القمر، فذلك قوله عز وجل: {فلما جن عليه الليل} أي: دخل، يقال: جن الليل وأجن الليل، وجنه الليل، وأجن عليه الليل يجن جنونا وجنانا إذا أظلم وغطى كل شيء، وجنون الليل سواده، {رأى كوكبا} قرأ أبو عمرو (رأى) بفتح الراء وكسر الألف، وبكسرهما ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر، فإن اتصل بكاف أو هاء فتحهما ابن عامر، وإن لقيها ساكن كسر الراء وفتح الهمزة حمزة وأبو بكر، وفتحهما الآخرون. {قال هذا ربي} واختلفوا في قوله ذلك: فأجراه بعضهم على الظاهر، وقالوا: كان إبراهيم عليه السلام مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله تعالى وآتاه رشده فلم يضره ذلك في حال الاستدلال، وأيضا كان ذلك في حال طفوليته قبل قيام الحجة عليه، فلم يكن كفرا .

Section V03/P160–V03/P162

وأنكر الآخرون هذا القول، وقالوا: لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله وطهره وآتاه رشده من قبل وأخبر عنه فقال: "إذ جاء ربه بقلب سليم" (الصافات، 84) وقال: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض"، أفتراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبا قال: هذا ربي معتقدا؟ فهذا ما لا يكون أبدا. ثم قالوا: فيه أربعة أوجه من التأويل: أحدها: أن إبراهيم عليه السلام أراد أن يستدرج القوم بهذا القول ويعرفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، ويرون أن الأمور كلها إليها فأراهم أنه معظم ما عظموه وملتمس الهدى من حيث ما التمسوه، فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما يدعون، ومثل هذا مثل الحواري الذي ورد على قوم يعبدون الصنم، فأظهر تعظيمه فأكرموه حتى صدروا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن دهمهم عدو فشاوروه في أمره، فقال: الرأي أن ندعو هذا الصنم حتى يكشف عنا ما قد أظلنا، فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله فدعوه فصرف عنهم ما كانوا يحذرون، فأسلموا. والوجه الثاني من التأويل: أنه قاله على وجه الاستفهام تقديره: أهذا ربي؟ كقوله تعالى: (أفإن مت فهم الخالدون) (الأنبياء، 34) ؟ أي: أفهم الخالدون؟ وذكره على وجه التوبيخ منكرا لفعلهم، يعني: ومثل هذا يكون ربا، أي: ليس هذا ربي. والوجه الثالث: أنه على وجه الاحتجاج عليهم، يقول: هذا ربي بزعمكم؟ فلما غاب قال: لو كان إلها لما غاب، كما قال: [ذق إنك أنت العزيز الكريم] (الدخان، 49) ، أي: عند نفسك وبزعمك، وكما أخبر عن موسى أنه قال:] (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه) (طه 97) يريد إلهك بزعمك. والوجه الرابع: فيه إضمار وتقديره يقولون هذا ربي، كقوله (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) ، (البقرة، 127) أي: يقولون ربنا تقبل منا. {فلما أفل قال لا أحب الآفلين} وما لا يدوم. {فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } {فلما رأى القمر بازغا} طالعا، {قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي} قيل: لئن لم يثبتني على الهدى، ليس أنه لم يكن مهتديا، والأنبياء لم يزالوا يسألون الله تعالى الثبات على الإيمان، وكان إبراهيم يقول: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} (إبراهيم، 35) ، {لأكونن من القوم الضالين} أي: عن الهدى. {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر} أي: أكبر من الكوكب والقمر، ولم يقل هذه مع أن الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا الطالع، أو رده إلى المعنى، وهو الضياء والنور، لأنه رآه أضوأ من النجوم والقمر، {فلما أفلت} غربت، {قال يا قوم إني بريء مما تشركون} {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون }

Section V03/P162–V03/P164

قوله عز وجل: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني} ولما رجع إبراهيم عليه السلام إلى أبيه، وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين، وضمه آزر إلى نفسه جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فيذهب بها [إبراهيم عليه السلام] وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر [فضرب] فيه رءوسها، وقال: اشربي، استهزاء بقومه، وبما هم فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في قومه [وأهل] قريته، فحاجه أي خاصمه وجادله قومه في دينه، {قال أتحاجوني في الله} قرأ أهل المدينة وابن عامر بتخفيف النون، وقرأ الآخرون بتشديدها إدغاما لإحدى النونين في الأخرى، ومن خفف حذف إحدى النونين تخفيفا يقول: أتجادلونني في توحيد الله، وقد هداني للتوحيد والحق؟ {ولا أخاف ما تشركون به} وذلك أنهم قالوا له: احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بسوء من خبل أو جنون لعيبك إياها، فقال لهم: ولا أخاف ما تشركون به، {إلا أن يشاء ربي شيئا} وليس هذا باستثناء عن الأول بل هو استثناء منقطع، معناه لكن إن يشأ ربي شيئا أي سوء، فيكون ما شاء، {وسع ربي كل شيء علما} أي: أحاط علمه بكل شيء، {أفلا تتذكرون} {وكيف أخاف ما أشركتم} يعني الأصنام، وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا} حجة وبرهانا، وهو القاهر القادر على كل شيء، {فأي الفريقين أحق} أولى، {بالأمن} أنا وأهل ديني أم أنتم؟ {إن كنتم تعلمون} {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين } فقال الله تعالى قاضيا بينهما: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} لم يخلطوا إيمانهم بشرك، {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق ثنا عيسى بن يونس أنا الأعمش أنا إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله فأينا لا يظلم نفسه؟ فقال: ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: "يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" ؟ (لقمان، 13) . قوله عز وجل: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} حتى خصمهم وغلبهم بالحجة، قال مجاهد: هي قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن} وقيل: أراد به الحجاج الذي حاج نمرود على ما سبق في سورة البقرة . {نرفع درجات من نشاء} بالعلم قرأ أهل الكوفة ويعقوب (درجات) بالتنوين هاهنا وفي سورة يوسف، أي: نرفع درجات من نشاء بالعلم والفهم والفضيلة والعقل، كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى وحاج قومه في التوحيد، {إن ربك حكيم عليم} {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا} 121\أووفقنا وأرشدنا. {ونوحا هدينا من قبل} أي: من قبل إبراهيم، {ومن ذريته} أي ومن ذرية نوح عليه السلام، ولم يرد من ذرية إبراهيم لأنه ذكر في جملتهم يونس ولوطا ولم يكونا من ذرية إبراهيم {داود} يعني: داود بن أيشا، {وسليمان} يعني ابنه، {وأيوب} وهو أيوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، {ويوسف} هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، {وموسى} وهو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. {وهارون} هو أخو موسى أكبر منه بسنة، {وكذلك} أي: وكما جزينا إبراهيم على توحيده بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء كذلك، {نجزي المحسنين} على إحسانهم، وليس ذكرهم على ترتيب أزمانهم.

Section V03/P164–V03/P166

{وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } {وزكريا} وهو زكريا بن آذن، {ويحيى} وهو ابنه، {وعيسى} وهو ابن مريم بنت عمران، {وإلياس} اختلفوا فيه، قال ابن مسعود: هو إدريس، وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل، والصحيح أنه غيره، لأن الله تعالى ذكره في ولد نوح، وإدريس جد أبي نوح وهو إلياس ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران {كل من الصالحين} {وإسماعيل} وهو ولد إبراهيم، {واليسع} وهو ابن أخطوب بن العجوز، وقرأ حمزة والكسائي " واليسع " بتشديد اللام وسكون الياء هنا وفي ص {ويونس} وهو يونس بن متى، {ولوطا} وهو لوط بن هاران بن أخي إبراهيم، {وكلا فضلنا على العالمين} أي: عالمي زمانهم. {ومن آبائهم} من فيه للتبعيض، لأن آباء بعضهم كانوا مشركين، {وذرياتهم} أي: ومن ذرياتهم. وأراد به ذرية بعضهم: لأن عيسى ويحيى لم يكن لهما ولد، وكان في ذرية بعضهم من كان كافرا، {وإخوانهم واجتبيناهم} اخترناهم واصطفيناهم، {وهديناهم} أرشدناهم، {إلى صراط مستقيم} {ذلك هدى الله} دين الله، {يهدي به} يرشد به، {من يشاء من عباده ولو أشركوا} أي: هؤلاء الذين سميناهم، {لحبط} لبطل وذهب، {عنهم ما كانوا يعملون} {أولئك الذين آتيناهم الكتاب} أي: الكتب المنزلة عليهم، {والحكم} يعني: العلم والفقه، {والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء} الكفار يعني: أهل مكة، {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} يعني: الأنصار وأهل المدينة، قاله ابن عباس ومجاهد، وقال قتادة: فإن يكفر بها هؤلاء الكفار فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين، يعني: الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله هاهنا، وقال أبو رجاء العطاردي: معناه فإن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء، وهم الملائكة، ليسوا بها بكافرين. {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين } {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } {أولئك الذين هدى الله} أي: هداهم الله، {فبهداهم} فبسنتهم وسيرتهم، {اقتده} الهاء فيها هاء الوقف، وحذف حمزة والكسائي الهاء في الوصل، والباقون بإثباتها وصلا ووقفا، وقرأ ابن عامر: " اقتده " بإشباع الهاء كسرا {قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو} ما هو، {إلا ذكرى} أي: تذكرة وعظة، {للعالمين} قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} أي ما عظموه حق عظمته، وقيل: ما وصفوه حق صفته، {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} قال سعيد بن جبير: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين" وكان حبرا سمينا فغضب، وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء . وقال السدي: نزلت في فنخاص بن عازوراء، وهو قائل هذه المقالة . وفي القصة: أن مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا عليه، وقالوا: أليس أن الله أنزل التوراة على موسى؟ فلم قلت ما أنزل الله على بشر من شيء؟ فقال مالك بن الصيف أغضبني محمد فقلت ذلك، فقالوا له: وأنت إذا غضبت تقول [على الله] غير الحق فنزعوه من الحبرية، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.

Section V03/P166–V03/P168

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزل الله: "وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"، فقال الله تعالى: {قل} لهم، {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} يعني التوراة، {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} أي: تكتبون عنه دفاتر وكتبا مقطعة تبدونها، أي: تبدون ما تحبون وتخفون كثيرا من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو " يجعلونه " " ويبدونها " " ويخفونها "، بالياء جميعا، لقوله تعالى {وما قدروا الله حق قدره} وقرأ الآخرون بالتاء، لقوله تعالى {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} وقوله {وعلمتم ما لم تعلموا} [الأكثرون على أنها خطاب لليهود، يقول: علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا] {أنتم ولا آباؤكم} قال الحسن: جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه ولم ينتفعوا به. وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. {قل الله} هذا راجع إلى قوله {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} فإن أجابوك وإلا فقل أنت: الله، أي: قل أنزله الله، {ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون } {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} أي: القرآن كتاب مبارك أنزلناه {مصدق الذي بين يديه ولتنذر} يا محمد، قرأ أبو بكر عن عاصم " ولينذر " بالياء أي: ولينذر الكتاب، {أم القرى} يعني: مكة سميت أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها، فهي أصل الأرض كلها كالأم أصل النسل، وأراد أهل أم القرى {ومن حولها} أي: أهل الأرض كلها شرقا وغربا {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} بالكتاب، {وهم على صلاتهم} يعني: الصلواات الخمس، {يحافظون} يداومون، يعني: المؤمنين. قوله عز وجل: {ومن أظلم ممن افترى} أي: اختلق {على الله كذبا} فزعم أن الله تعالى بعثه نبيا، {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} قال قتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي، وكان يسجع ويتكهن، فادعى النبوة وزعم أن الله أوحى إليه، وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: أتشهدان أن مسيلمة نبي؟ قالا نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" . أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا نائم إذ أتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبرا علي وأهماني 121/ب فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة" أراد بصاحب صنعاء الأسود العنسي وبصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب. .

Section V03/P168–V03/P170

قوله تعالى: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قيل: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان +إذ أملى عليه: سميعا بصيرا، كتب عليما حكيما، وإذا قال: عليما حكيما، كتب: غفورا رحيما، فلما نزلت: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" (المؤمنون، 12) أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتبها فهكذا نزلت، فشك عبد الله، وقال: لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي كما أوحي إليه، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، ثم رجع عبد الله إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران . وقال ابن عباس: قوله {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} يريد المستهزئين، وهو جواب لقولهم: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} قوله عز وجل: {ولو ترى} يا محمد، {إذ الظالمون في غمرات الموت} سكراته وهي جمع غمرة، وغمرة كل شيء: معظمه، وأصلها: الشيء الذي [يعم] الأشياء فيغطيها، ثم وضعت في موضع الشدائد والمكاره، {والملائكة باسطو أيديهم} بالعذاب والضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم، وقيل بقبض الأرواح، {أخرجوا} أي: يقولون أخرجوا، {أنفسكم} أي: أرواحكم كرها، لأن نفس المؤمن تنشط للقاء ربها، والجواب محذوف، يعني: لو تراهم في هذه الحال لرأيت عجبا، {اليوم تجزون عذاب الهون} أي: الهوان، {بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه. {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون } {ولقد جئتمونا فرادى} هذا خبر من الله أنه يقول للكفار يوم القيامة: ولقد جئتمونا فرادى وحدانا، لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ولا خدم، وفرادى جمع فردان، مثل سكران وسكارى، وكسلان وكسالى، وقرأ الأعرج فردى بغير ألف مثل سكرى، {كما خلقناكم أول مرة} عراة حفاة غرلا {وتركتم} خلفتم {ما خولناكم} أعطيناكم من الأموال والأولاد والخدم، {وراء ظهوركم} خلف ظهوركم في الدنيا، {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده، {لقد تقطع بينكم} قرأ أهل المدينة والكسائي وحفص عن عاصم بنصب النون، أي: لقد تقطع ما بينكم من الوصل، أو تقطع الأمر بينكم. وقرأ الآخرون "بينكم" برفع النون، أي: لقد تقطع [وصلكم] وذلك مثل قوله: "وتقطعت بهم الأسباب" (البقرة، 166) ، أي: الوصلات، والبين من الأضداد يكون وصلا ويكون هجرا، {وضل عنكم ما كنتم تزعمون} {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } قوله عز وجل: {إن الله فالق الحب والنوى} الفلق الشق، قال الحسن وقتادة والسدي: معناه يشق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة فيخرجها منها، والحب جمع الحبة، وهي اسم لجميع البذور والحبوب من البر والشعير والذرة، وكل ما لم يكن له نوى، [وقال الزجاج: يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج منها أوراقا خضرا. وقال مجاهد: يعني الشقين اللذين فيهما، أي: يشق الحب عن النبات ويخرجه منه ويشق النوى عن النخل ويخرجها منه] . والنوى جمع النواة، وهي كل ما لم يكن حبا، كالتمر والمشمش والخوخ ونحوها. وقال الضحاك: فالق الحب والنوى يعني: خالق الحب والنوى، {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون} تصرفون عن الحق. {فالق الإصباح} شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وكاشفه [وهو أول ما يبدو من النهار يريد مبدئ الصبح وموضحه] .

Section V03/P170–V03/P172

وقال الضحاك: خالق النهار، والإصباح مصدر كالإقبال والإدبار، وهو الإضاءة وأراد به الصبح. {وجعل الليل سكنا} يسكن فيه خلقه، وقرأ أهل الكوفة: " وجعل " على الماضي، " الليل " نصب اتباعا للمصحف، وقرأ إبراهيم النخعي {فالق الإصباح} {وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا} أي: جعل الشمس والقمر بحساب معلوم لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما، والحسبان مصدر كالحساب، {ذلك تقدير العزيز العليم} قوله عز وجل: {وهو الذي جعل لكم النجوم} أي خلقها لكم، {لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} والله تعالى خلق النجوم لفوائد: أحدها هذا: وهو أن [راكب البحر] والسائر في القفار يهتدي بها في الليالي إلى مقاصده. والثاني: أنها زينة للسماء كما قال: "ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح" (الملك، 5) . ومنها: رمي الشياطين، كما قال: "وجعلناها رجوما للشياطين"، (الملك، 5) . {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} {وهو الذي أنشأكم} خلقكم وابتدأكم، {من نفس واحدة} يعني: آدم عليه السلام، {فمستقر ومستودع} قرأ ابن كثير وأهل البصرة " فمستقر " بكسر القاف، يعني: فمنكم مستقر ومنكم مستودع، وقرأ الآخرون بفتح القاف، أي: فلكم مستقر ومستودع. واختلفوا في المستقر والمستودع، قال عبد الله بن مسعود: فمستقر في الرحم إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث. وقال سعيد بن جبير وعطاء: فمستقر في أرحام الأمهات ومستودع في أصلاب الآباء، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس هل تزوجت قلت: لا قال: إنه ما كان من مستودع في ظهرك فيستخرجه الله عز وجل. وروي عن أبي أنه قال: مستقر في أصلاب الآباء، ومستودع في أرحام الأمهات. وقيل: مستقر في الرحم ومستودع فوق الأرض، قال الله تعالى: "ونقر في الأرحام ما نشاء" (الحج، 5) . وقال مجاهد: مستقر على ظهر الأرض في الدنيا ومستودع عند الله في الآخرة، ويدل عليه قوله تعالى: "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" (البقرة، 36) . وقال الحسن: المستقر في القبور والمستودع في الدنيا، وكان يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبك. وقيل: المستودع القبر والمستقر الجنة والنار، لقوله عز وجل في صفة الجنة والنار: "حسنت مستقرا" (الفرقان، 76) "وساءت مستقرا" (الفرقان، 66) ، {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به} أي: بالماء، {نبات كل شيء فأخرجنا منه} أي من الماء، وقيل: من النبات، {خضرا} يعني: أخضر، مثل العور والأعور، يعني: ما كان رطبا أخضر مما ينبت من القمح والشعير ونحوهما، {نخرج منه حبا متراكبا} أي متراكما بعضه على بعض 122\أمثل سنابل البر والشعير والأرز وسائر الحبوب، {ومن النخل من طلعها} والطلع أول ما يخرج من ثمر النخل، {قنوان} جمع قنو وهو العذق، مثل صنو وصنوان، ولا نظير لهما في الكلام، {دانية} أي: قريبة المتناول ينالها القائم والقاعد، وقال مجاهد: متدلية، وقال الضحاك: قصار ملتزقة بالأرض، وفيه اختصار معناه: ومن النخل ما قنوانها دانية ومنها ما هي بعيدة، فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لسبقه إلى الأفهام، كقوله تعالى: "سرابيل تقيكم الحر" (النمل، 81) يعني: الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما {وجنات من أعناب} أي: وأخرجنا منه جنات، وقرأ الأعمش عن عاصم " وجنات " بالرفع نسقا على قوله " قنوان " وعامة القراء على خلافه، {والزيتون والرمان} يعني: وشجر الزيتون [وشجر] الرمان، {مشتبها وغير متشابه} قال قتادة: معناه مشتبها ورقها مختلفا ثمرها، لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان، وقيل: مشتبه في المنظر مختلف في الطعم، {انظروا إلى ثمره} قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم، هذا وما بعده وفي "يس" على جمع

Section V03/P172–V03/P174

الثمار، وقرأ الآخرون [بفتحهما] على جمع الثمرة، مثل: بقرة وبقر، {إذا أثمر وينعه} ونضجه وإدراكه، {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل } قوله عز وجل: {وجعلوا لله شركاء الجن} يعني: الكافرين جعلوا لله الجن شركاء، {وخلقهم} يعني: وهو خلق الجن. قال الكلبي: نزلت في الزنادقة، أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق، فقالوا: [الله خالق] النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب، وهذا كقوله: "وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا"، (الصافات، 158) وإبليس من الجنة، {وخرقوا} قرأ أهل المدينة "وخرقوا"، بتشديد الراء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: اختلقوا {له بنين وبنات بغير علم} وذلك مثل قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وقول كفار العرب الملائكة بنات الله، ثم نزه نفسه فقال: {سبحانه وتعالى عما يصفون} {بديع السماوات والأرض} أي: مبدعهما لا على مثال سبق، {أنى يكون له ولد} أي: كيف يكون له ولد؟ {ولم تكن له صاحبة} زوجة، {وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه} فأطيعوه، {وهو على كل شيء وكيل} بالحفظ له وبالتدبير فيه، {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} الآية، يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله عز وجل عيانا. ومذهب أهل السنة: إثبات رؤية الله عز وجل عيانا جاء به القرآن والسنة، قال الله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، (القيامة، 23) ، وقال: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" (المطففين، 15) ، قال مالك رضي الله عنه: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة" (يونس، 26) ، وفسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي أنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم عيانا" . {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } وأما قوله: {لا تدركه الأبصار} علم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو: الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به، والرؤية: المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى "فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال: كلا" (سورة الشعراء، 61) ، وقال "لا تخاف دركا ولا تخشى" (سورة طه، 77) ، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، فالله عز وجل يجوز أن يرى من غير إدراك وإحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به، قال الله تعالى: (ولا يحيطون به علما) ، (سورة طه، 110) ، فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار، وقال عطاء: كلت أبصار المخلوقبن عن الإحاطة به، وقال ابن عباس ومقاتل: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يرى في الآخرة، قوله تعالى: {وهو يدرك الأبصار} لا يخفى عليه شيء ولا يفوته، {وهو اللطيف الخبير} قال ابن عباس رضي الله عنهما: اللطيف بأوليائه [الخبير بهم، وقال الأزهري: معنى {اللطيف} ] الرفيق بعباده، وقيل: اللطيف الموصل الشيء باللين والرفق، وقيل: اللطيف الذي ينسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا، وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء. قوله عز وجل: {قد جاءكم بصائر من ربكم} يعني الحجج البينة التي تبصرون بها الهدى

Section V03/P174–V03/P175

من الضلالة والحق من الباطل، {فمن أبصر فلنفسه} أي: فمن عرفها وآمن بها فلنفسه عمل، ونفعه له، {ومن عمي فعليها} أي: من عمي عنها فلم يعرفها ولم يصدقها فعليها، أي: فبنفسه ضر، ووبال العمى عليه، {وما أنا عليكم بحفيظ} برقيب أحصي عليكم أعمالكم، إنما أنا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم. {وكذلك نصرف الآيات} نفصلها ونبينها في كل وجه، {وليقولوا} قيل: معناه لئلا يقولوا، {درست} وقيل: هذه اللام لام العاقبة أي عاقبة أمرهم أن يقولوا: درست، أي: قرأت على غيرك، وقيل: قرأت كتب أهل الكتاب، كقوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) ، (القصص، 8) ، ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لذلك، ولكن أراد أن عاقبة أمرهم أن كان عدوا لهم. قال ابن عباس: وليقولوا يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست، أي: تعلمت من يسار وجبر، كانا عبدين من سبي الروم، ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله، من قولهم: درست الكتاب أدرس درسا ودراسة. وقال الفراء: يقولون تعلمت من اليهود، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "دارست" بالألف، [أي: قارأت أهل الكتاب من المدارسة بين اثنين، تقول:] قرأت عليهم وقرأوا عليك. وقرأ ابن عامر ويعقوب: "درست" بفتح السين وسكون التاء، أي: هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة، قد درست وانمحت، من قولهم: درس الأثر يدرس دروسا. {ولنبينه لقوم يعلمون} قال ابن عباس: يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد، وقيل: يعني أن تصريف الآيات ليشقى به قوم ويسعد به قوم آخرون، فمن قال درست فهو شقي ومن تبين له الحق فهو سعيد. {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } {اتبع ما أوحي إليك من ربك} يعني: القرآن اعمل به، {لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين} فلا تجادلهم. {ولو شاء الله ما أشركوا} أي: لو شاء لجعلهم مؤمنين، {وما جعلناك عليهم حفيظا} رقيبا قال عطاء: وما جعلناك عليهم حفيظا تمنعهم مني، أي: لم تبعث لتحفظ المشركين عن العذاب إنما بعثت مبلغا. {وما أنت عليهم بوكيل} قوله عز وجل: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} الآية 122/ب قال ابن عباس: لما نزلت "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" (الأنبياء، 98) قال المشركون: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله تعالى أن يسبوا أوثانهم. وقال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة.

Section V03/P175–V03/P177

وقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة [بن أبي معيط وعمرو بن العاص، والأسود بن] البختري إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد آذانا وآلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعنه وإلهه، فدعاه فقال: هؤلاء قومك يقولون نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، فقد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟ " قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها، فما هي؟ قال: "قولوا لا إله إلا الله" فأبوا ونفروا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي، فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك، فأنزل الله عز وجل: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} يعني الأوثان، {فيسبوا الله عدوا} أي: اعتداء وظلما، {بغير علم} وقرأ يعقوب " عدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لا تسبوا ربكم"، فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم. فظاهر الآية، وإن كان نهيا عن سب الأصنام، فحقيقته النهي عن سب الله، لأنه سبب لذلك. {كذلك زينا لكل أمة عملهم} [أي: كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، كذلك زينا لكل أمة عملهم] من الخير والشر والطاعة والمعصية، {ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم} ويجازيهم، {بما كانوا يعملون} {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } قوله عز وجل: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} الآية. قال محمد بن كعب القرظي والكلبي: قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء تحبون؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا أو ابعث لنا بعض أمواتنا حتى نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل، أو أرنا الملائكة يشهدون لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين، وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يجعل الصفا ذهبا فجاءه جبريل عليه السلام، فقال له: اختر ما شئت إن شئت أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل يتوب تائبهم، فأنزل الله عز وجل: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} أي: حلفوا بالله جهد أيمانهم، أي: بجهد أيمانهم، يعني أوكد ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها. قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله، فهو جهد يمينه. {لئن جاءتهم آية} كما جاءت من قبلهم من الأمم، {ليؤمنن بها قل} يا محمد، {إنما الآيات عند الله} والله قادر على إنزالها، {وما يشعركم} وما يدريكم. واختلفوا في المخاطبين بقوله {وما يشعركم} فقال بعضهم: الخطاب للمشركين الذين أقسموا. وقال بعضهم: الخطاب للمؤمنين. وقوله تعالى: {أنها إذا جاءت لا يؤمنون} قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر عن عاصم

Section V03/P177–V03/P178

" إنها " بكسر الألف على الابتداء، وقالوا: تم الكلام عند قوله {وما يشعركم} فمن جعل الخطاب للمشركين قال: معناه: وما يشعركم أيها [المشركون] أنها لو جاءت آمنتم؟ ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه: وما يشعركم أيها المؤمنون أنها لو جاءت آمنوا؟ لأن المسلمين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله حتى يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا فخاطبهم بقوله: {وما يشعركم} ثم ابتدأ فقال جل ذكره: {أنها إذا جاءت لا يؤمنون} وهذا في قوم مخصوصين [حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون] ، وقرأ الآخرون: "أنها" بفتح الألف وجعلوا الخطاب للمؤمنين، واختلفوا في قوله: {لا يؤمنون} فقال الكسائي: {لا} صلة، ومعنى الآية: وما يشعركم أيها المؤمنون أن الآيات إذا جاءت المشركين يؤمنون؟ كقوله تعالى "وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون" (الأنبياء، 95) ، أي: يرجعون وقيل: إنها بمعنى لعل، وكذلك هو في قراءة أبي، تقول العرب: اذهب إلى السوق أنك تشتري شيئا، أي: لعلك، وقال عدي بن زيد: أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد أي: لعل منيتي، وقيل: فيه حذف وتقديره: وما يشعركم أنها إذا جاءت [يؤمنون أو لا يؤمنون؟ وقرأ ابن عامر وحمزة " لا تؤمنون " بالتاء على الخطاب للكفار واعتبروا بقراءة أبي: إذا جاءتكم] لا تؤمنون، وقرأ الآخرون بالياء على الخبر، دليلها قراءة الأعمش: أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون. {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون } {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال ابن عباس: يعني ونحول بينهم وبين الإيمان، فلو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا به أول مرة، أي: كما لم يؤمنوا بما قبلها من الآيات من انشقاق القمر وغيره، وقيل: كما لم يؤمنوا به أول مرة، يعني معجزات موسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام، كقوله تعالى (أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل) ، (القصص، 48) ، وفي الآية محذوف تقديره فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المرة الأولى دار الدنيا، يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم، كما قال: "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه" (الأنعام، 28) {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} قال عطاء: نخذلهم وندعهم في ضلالتهم يتمادون. {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة} فرأوهم عيانا، {وكلمهم الموتى} بإحيائنا إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا، {وحشرنا} وجمعنا، {عليهم كل شيء قبلا} قرأ أهل المدينة وابن عامر " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء، أي معاينة، وقرأ الآخرون بضم القاف والباء، هو جمع قبيل، وهو الكفيل، مثل رغيف ورغف، وقضيب وقضب 123\أأي: ضمناء وكفلاء، وقيل: هو جمع قبيل وهو القبيلة، أي: فوجا فوجا، وقيل: هو بمعنى المقابلة والمواجهة، من قولهم: أتيتك قبلا لا دبرا إذا أتاه من قبل وجهه، {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} ذلك، {ولكن أكثرهم يجهلون} {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون }

Section V03/P178–V03/P180

{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا} أي: أعداء فيه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني كما ابتليناك بهؤلاء القوم، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء، ثم فسرهم فقال: {شياطين الإنس والجن} قال عكرمة والضحاك والسدي والكلبي: معناه شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وليس للإنس شياطين، وذلك أن إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الإنس وفريقا منهم إلى الجن، وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه، وهم الذين يلتقون في كل حين، فيقول [شيطان] الإنس [لشيطان] الجن: أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله، وتقول شياطين الجن لشياطين الإنس كذلك، فذلك وحي بعضهم إلى بعض. قال قتادة ومجاهد والحسن: إن من الإنس شياطين كما أن من الجن شياطين، والشيطان: العاتي المتمرد من كل شيء، قالوا: إن الشيطان إذا أعياه المؤمن وعجز من إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه، يدل عليه ما روي عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس"؟ فقلت: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن" . وقال مالك بن دينار: إن شياطين الإنس أشد علي من شياطين الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا. قوله تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض} أي: يلقي، {زخرف القول} وهو قول مموه مزين بالباطل لا معنى تحته، {غرورا} يعني: لهؤلاء الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم، يغرونهم غرورا، والغرور: القول الباطل، {ولو شاء ربك ما فعلوه} أي: ما ألقاه الشيطان من الوسوسة [في القلوب] {فذرهم وما يفترون} {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: تميل إليه، والصغو: الميل، يقال: صغو فلان معك، أي: ميله، والفعل منه: صغى يصغي، صغا، وصغى يصغى، ويصغو صغوا، والهاء في "إليه" راجعة إلى زخرف القول: {وليرضوه وليقترفوا} ليكتسبوا، {ما هم مقترفون} يقال: اقترف فلان مالا إذا اكتسبه، وقال تعالى: (ومن يقترف حسنة) (الشورى، 23) ، وقال الزجاج: أي ليعملوا من الذنوب ما هم عاملون. {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } قوله عز وجل: {أفغير الله} فيه إضمار أي: قل لهم يا محمد أفغير الله، {أبتغي} أطلب {حكما} قاضيا بيني وبينكم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حكما فأجابهم به، {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} مبينا فيه أمره ونهيه، يعني: القرآن، وقيل: مفصلا أي خمسا خمسا وعشرا وعشرا، كما قال: (لنثبت به فؤادك) (الفرقان، 32) ، {والذين آتيناهم الكتاب} يعني: علماء اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب، وقال عطاء: هم رءوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالكتاب هو القرآن، {يعلمون أنه منزل} يعني: القرآن، قرأ ابن عامر [وحفص] " منزل " بالتشديد من التنزيل لأنه أنزل نجوما متفرقة، وقرأ الآخرون بالتخفيف من الإنزال، لقوله تعالى: "وهو الذي أنزل إليكم الكتاب"، {من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين} من الشاكين أنهم يعلمون ذلك. قوله عز وجل: {وتمت كلمة ربك} قرأ أهل الكوفة ويعقوب " كلمة " على التوحيد، وقرأ الآخرون (كلمات) بالجمع، وأراد بالكلمات أمره ونهيه ووعده ووعيده، {صدقا وعدلا} أي: صدقا في الوعد والوعيد، وعدلا في الأمر والنهي، قال قتادة ومقاتل: صادقا فيما وعد وعدلا فيما حكم، {لا مبدل لكلماته} قال ابن عباس: لا راد لقضائه ولا مغير لحكمه ولا خلف لوعده، {وهو السميع العليم} قيل: أراد بالكلمات القرآن لا مبدل له، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون.

Section V03/P180–V03/P182

{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} عن دين الله، وذلك أن أكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة، وقيل: أراد أنهم جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة، وقالوا: أتأكلون ما تقتلون ولا تأكلون ما قتله الله عز وجل؟ فقال: {وإن تطع أكثر من في الأرض} أي: وإن تطعهم في أكل الميتة يضلوك عن سبيل الله، {إن يتبعون إلا الظن} يريد أن دينهم الذي هم عليه ظن [وهوى] لم يأخذوه عن بصيرة، {وإن هم إلا يخرصون} يكذبون. {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} قيل: موضع "من" نصب بنزع حرف الصفة، أي: بمن يضل، وقال الزجاج: موضعه رفع بالابتداء، ولفظها لفظ الاستفهام، والمعنى: إن ربك هو أعلم أي الناس من يضل عن سبيله، {وهو أعلم بالمهتدين} أخبر أنه أعلم بالفريقين الضالين والمعتدين فيجازي كلا بما يستحقه. {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين } قوله عز وجل: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} أي: كلوا مما ذبح على اسم الله، {إن كنتم بآياته مؤمنين} وذلك أنهم كانوا يحرمون أصنافا من النعم ويحلون الأموات، فقيل لهم: أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله. ثم قال: {وما لكم} يعني: أي شيء لكم، {ألا تأكلوا} وما يمنعكم من أن تأكلوا {مما ذكر اسم الله عليه} من الذبائح، {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} قرأ أهل المدينة ويعقوب وحفص " فصل " و" حرم " بالفتح فيهما أي فصل الله ما حرمه عليكم، لقوله {اسم الله} وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بضم الفاء والحاء وكسر الصاد والراء على غير تسمية الفاعل، لقوله {ذكر} وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " فصل " بالفتح و" حرم " بالضم، وأراد بتفصيل المحرمات ما ذكر في قوله تعالى "حرمت عليكم الميتة والدم" (المائدة، 3) ، {إلا ما اضطررتم إليه} من هذه الأشياء فإنه حلال لكم عند الاضطرار، {وإن كثيرا ليضلون} قرأ أهل الكوفة بضم الياء وكذلك قوله (ليضلوا) في سورة يونس، لقوله تعالى: (يضلوك عن سبيل الله) ، وقيل: أراد به عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين الذين اتخذوا البحائر والسوائب، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله: {من يضل} {بأهوائهم بغير علم} حين امتنعوا من أكل ما ذكر اسم الله عليه ودعوا إلى أكل الميتة 123/ب {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} الذين يجاوزون الحلال إلى الحرام. {وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} يعني: الذنوب كلها لأنها لا تخلو من هذين الوجهين، قال قتادة: علانيته وسره، وقال مجاهد: ظاهر الإثم ما يعمله بالجوارح من الذنوب، وباطنه ما ينويه ويقصده بقلبه كالمصر على الذنب القاصد له. وقال الكلبي: ظاهره الزنا وباطنه المخالة، وأكثر المفسرين على أن ظاهر الإثم الإعلان بالزنا، وهم أصحاب الروايات، وباطنه الاستسرار به، وذلك أن العرب كانوا يحبون الزنا فكان الشريف منهم يتشرف، فيسر به، وغير الشريف لا يبالي به فيظهره، فحرمهما الله عز وجل، وقال سعيد بن جبير: ظاهر الإثم نكاح المحارم وباطنه الزنا. وقال ابن زيد: ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في [الطواف] والباطن الزنا، وروى حبان عن الكلبي: ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهارا عراة، وباطنه طواف النساء بالليل عراة، {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون} في الآخرة، {بما كانوا يقترفون} [يكتسبون في الدنيا] . قوله عز وجل: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال ابن عباس رضي الله عنهما: الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها. وقال عطاء: الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام.

Section V03/P182–V03/P184

واختلف أهل العلم في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها: فذهب قوم إلى تحريمها سواء ترك التسمية عامدا أو ناسيا، وهو قول ابن سيرين والشعبي، واحتجوا بظاهر هذه الآية. وذهب قوم إلى تحليلها، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول مالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين. وذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامدا لا يحل، وإن تركها ناسيا يحل، حكى الخرقي من أصحاب أحمد: أن هذا مذهبه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي. من أباحها قال: المراد من الآية الميتات أو ما ذبح على غير اسم الله بدليل أنه قال: {وإنه لفسق} والفسق في ذكر اسم غير الله كما قال في آخر السورة {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم} إلى قوله {أو فسقا أهل لغير الله به} واحتج من أباحها بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا أبو خالد الأحمر قال سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قالوا: يا رسول الله إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتونا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: اذكروا أنتم اسم الله وكلوا" . ولو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا من أكلها كالشك في أصل [الذبح] . قوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} أراد أن الشياطين ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم، وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: الله قتلها، قالوا: أفتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله هذه الآية، {وإن أطعتموهم} في أكل الميتة، {إنكم لمشركون} قال الزجاج: وفيه دليل على أن من أحل شيئا مما حرم الله أو حرم ما أحل الله فهو مشرك. {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } قوله عز وجل: {أومن كان ميتا فأحييناه} قرأ نافع " ميتا " و (لحم أخيه ميتا) (الحجرات، 12) و (الأرض الميتة أحييناها) (سورة يس، 33) بالتشديد فيهن، والآخرون بالتخفيف {فأحييناه} أي: كان ضالا فهديناه، كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان، {وجعلنا له نورا} يستضيء به، {يمشي به في الناس} على قصد السبيل، قيل: النور هو الإسلام، لقوله تعالى "يخرجهم من الظلمات إلى النور" (البقرة، 257) ، وقال قتادة: هو كتاب الله بينة من الله مع المؤمن، بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي، {كمن مثله في الظلمات} المثل صلة، أي: كمن هو في الظلمات، {ليس بخارج منها} يعني: من ظلمة الكفر. قيل: نزلت هذه الآية في رجلين بأعيانهما، ثم اختلفوا فيهما، قال ابن عباس: جعلنا له نورا، يريد حمزة بن عبد المطلب، كمن مثله في الظلمات يريد أبا جهل بن هشام، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، وحمزة لم يؤمن بعد، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه، ويقول: يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به؟ سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فأنزل الله هذه الآية . وقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل . وقال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل . {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} من الكفر والمعصية، قال ابن عباس: يريد زين لهم الشيطان عبادة الأصنام.

Questions