Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

Section V06/P225–V06/P228

{من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون} . قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن} أي: أنزل عليك القرآن على قول أكثر المفسرين وقال عطاء: أوجب عليك العمل بالقرآن، {لرادك إلى معاد} إلى مكة، وهو رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو قول مجاهد. قال القتيبي: معاد الرجل: بلده، لأنه ينصرف ثم يعود إلى بلده ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار مهاجرا إلى المدينة سار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن ورجع إلى الطريق نزل الجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها، فأتاه جبريل عليه السلام وقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ قال: نعم، قال: فإن الله تعالى يقول: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} ، وهذه الآية نزلت بالجحفة ليست بمكية ولا مدنية . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: "لرادك إلى معاد" إلى الموت . وقال الزهري وعكرمة: إلى القيامة . وقيل: إلى الجنة . {قل ربي أعلم من جاء بالهدى} [أي: يعلم من جاء بالهدى] ، وهذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لفي ضلال، فقال الله عز وجل: قل لهم ربي أعلم من جاء بالهدى، يعني نفسه، {ومن هو في ضلال مبين} يعني المشركين، ومعناه: أعلم بالفريقين. {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين } قوله تعالى: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب} أي: يوحى إليك القرآن، {إلا رحمة من ربك} قال الفراء: هذا من الاستثناء المنقطع، معناه: لكن ربك رحمك فأعطاك القرآن، {فلا تكونن ظهيرا للكافرين} أي: معينا لهم على دينهم. قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكر الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه. {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } {ولا يصدنك عن آيات الله} يعني القرآن، {بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك} إلى معرفته وتوحيده، {ولا تكونن من المشركين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: الخطاب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم. {ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه} أي: إلا هو، وقيل: إلا ملكه، قال أبو العالية: إلا ما أريد به وجهه، {له الحكم} أي: فصل القضاء، {وإليه ترجعون} تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. سورة العنكبوت مكية بسم الله الرحمن الرحيم {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } {الم أحسب الناس} [أظن الناس] ، {أن يتركوا} بغير اختبار ولا ابتلاء، {أن يقولوا} [أي: بأن يقولوا] ، {آمنا وهم لا يفتنون} لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم؟ كلا لنختبرنهم ليبين المخلص من المنافق والصادق من الكاذب. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الشعبي: نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لا يقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله هاتين الآيتين .

Section V06/P228–V06/P233

وكان ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد بالناس الذين آمنوا بمكة: سلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وغيرهم. وقال ابن جريج: نزلت في عمار بن ياسر، كان يعذب في الله عز وجل . وقال مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة"، فجزع أبواه وامرأته فأنزل الله فيهم هذه الآية . وقيل: "وهم لا يفتنون" بالأوامر والنواهي، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان، ثم فرض عليهم الصلاة، والزكاة، وسائر الشرائع، فشق على بعضهم، فأنزل الله هذه الآية، ثم عزاهم فقال: {ولقد فتنا الذين من قبلهم} {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } {ولقد فتنا الذين من قبلهم} يعني الأنبياء والمؤمنين، فمنهم من نشر بالمنشار ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب 66/ب، {فليعلمن الله الذين صدقوا} في قولهم آمنا، {وليعلمن الكاذبين} والله أعلم بهم قبل الاختبار. ومعنى الآية: فليظهرن الله الصادقين من الكاذبين حتى يوجد معلومه، وقال مقاتل: فليرين الله. وقيل: ليميزن الله كقوله: "ليميز الله الخبيث من الطيب" (الأنفال-38) . {أم حسب الذين يعملون السيئات} يعني الشرك، {أن يسبقونا} يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدر على الانتقام منهم، {ساء ما يحكمون} بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك. {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين } {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } {من كان يرجو لقاء الله} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: من كان يطمع في ثواب الله، {فإن أجل الله لآت} يعني: ما وعد الله من الثواب والعقاب. وقال مقاتل: يعني: يوم القيامة لكائن. ومعنى الآية: أن من يخشى الله أو يأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كما قال: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا" الآية (الكهف-110) ، {وهو السميع العليم} {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} له ثوابه، و"الجهاد": هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس. {إن الله لغني عن العالمين} عن أعمالهم وعباداتهم. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم} لنبطلنها، يعني: حتى تصبر بمنزلة ما لم يعمل، والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، {ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} أي: بأحسن أعمالهم وهو الطاعة، وقيل: نعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" (الأنعام-160) . قوله عز وجل: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} أي: برا بهما وعطفا عليهما، معناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان (الآية 15) ، والأحقاف (الآية 15) في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه -وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري، وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس -لما أسلم، وكان من السابقين الأولين، وكان بارا بأمه، قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمه. ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب [ولم

Section V06/P233–V06/P235

تستظل] ، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوما آخر لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالبر بوالديه والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما في الشرك، فذلك قوله عز وجل: {وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} . وجاء في الحديث: "لا طاعة لمخلوق في معصية الله" . ثم أوعد بالمصير إليه فقال: {إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} في زمرة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء، وقيل: في مدخل الصالحين، وهو الجنة. قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله} أصابه بلاء من الناس افتتن، {جعل فتنة الناس كعذاب الله} أي: جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة، أي: جزع من عذاب الناس ولم يصبر عليه، فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، هذا قول السدي وابن زيد، قالا هو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين وكفر. {ولئن جاء نصر من ربك} أي: فتح ودولة للمؤمنين، {ليقولن} يعني: هؤلاء المنافقين للمؤمنين: {إنا كنا معكم} على عدوكم وكنا مسلمين وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا، فكذبهم الله وقال: {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} من الإيمان والنفاق. {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون } {وليعلمن الله الذين آمنوا} صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء، {وليعلمن المنافقين} بترك الإسلام عند نزول البلاء. واختلفوا في نزول هذه الآية، قال مجاهد: نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا . وقال عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في الذين أخرجهم المشركون إلى بدر ، وهم الذين نزلت فيهم: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" (النساء-97) . وقال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة . وقال الشعبي: هذه الآيات العشر من أول السورة إلى هاهنا مدنية، وباقي السور مكية . {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا} قال مجاهد: هذا من قول كفار مكة لمن آمن منهم. وقال الكلبي ومقاتل: قاله أو سفيان لمن آمن من قريش، "اتبعوا سبيلنا": ديننا وملة آبائنا، ونحن الكفلاء بكل تبعة من الله تصيبكم، فذلك قوله: {ولنحمل خطاياكم} أوزاركم، قال الفراء: لفظه أمر، ومعناه جزاء مجازه: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، كقوله: "فليقله اليم بالساحل" (طه-39) . وقيل: هو جزم على الأمر، كأنهم أمروا أنفسهم بذلك، فأكذبهم الله عز وجل فقال: {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون} فيما قالوا من حمل خطاياهم. {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون } {فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون } {وليحملن أثقالهم} أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم، {وأثقالا مع أثقالهم} أي: أوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله مع أوزارهم. نظيره قوله عز وجل: "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم" (النحل-25) . {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} سؤال توبيخ وتقريع.

Section V06/P235–V06/P237

قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان} فغرقوا، {وهم ظالمون} قال ابن عباس: مشركون. {فأنجيناه وأصحاب السفينة} يعني من الغرق، {وجعلناها} يعني السفينة {آية} أي: عبرة، {للعالمين} فإنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة. وقيل: جعلنا عقوبتهم للغرق عبرة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: 67/أبعث نوح لأربعين سنة، وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا، وكان عمره ألفا وخمسين سنة. قوله عز وجل: {وإبراهيم} أي: وأرسلنا إبراهيم، {إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه} أطيعوا الله وخافوه، {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} {إنما تعبدون من دون الله أوثانا} أصناما، {وتخلقون إفكا} تقولون كذبا، قال مجاهد: تصنعون أصناما بأيدكم فتسمونها آلهة، {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا} لا يقدرون أن يرزقوكم، {فابتغوا} فاطلبوا، {عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} مثل عاد وثمود وغيرهم فأهلكوا، {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق} كيف يخلقهم ابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة {ثم يعيده} في الآخرة عند البعث {إن ذلك على الله يسير} {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} فانظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم، {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} أي: ثم الله الذي خلقها ينشئها نشأة ثانية بعد الموت، فكما لم يتعذر عليه إحداثها مبدءا لا يتعذر عليه إنشاؤها معيدا. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: {النشأة} بفتح الشين ممدودة حيث وقعت، وقرأ الآخرون بسكون الشين مقصورة نظيرها الرأفة والرآفة. {إن الله على كل شيء قدير} {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون} تردون. {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} فإن قيل: ما وجه قوله: "ولا في السماء" والخطاب مع الآدميين وهم ليسوا في السماء؟. قال الفراء: معناه ولا من في السماء بمعجز، كقول حسان بن ثابت: فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء أراد: من يمدحه ومن ينصره، فأضمر "من"، يريد: لا يعجزه أهل الأرض في الأرض، ولا أهل السماء في السماء. وقال قطرب: معناه وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها، كقول الرجل: ما يفوتني فلان هاهنا ولا بالبصرة، أي: ولا بالبصرة لو كان بها، {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} أي: من ولي يمنعكم مني ولا نصير ينصركم من عذابي. {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم } {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم } {والذين كفروا بآيات الله ولقائه} بالقرآن وبالبعث، {أولئك يئسوا من رحمتي} جنتي، {أولئك لهم عذاب أليم} فهذه الآيات في تذكير أهل مكة وتحذيرهم، وهي معترضة في قصة إبراهيم، فقال جل ذكره: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار} {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار} وجعلها عليه بردا وسلاما، {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} يصدقون.

Section V06/P237–V06/P240

{وقال} يعني إبراهيم لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم} قرأ ابن كثير، والكسائي، وأبو عمرو، ويعقوب: "مودة" رفعا بلا تنوين، "بينكم" خفضا بالإضافة على معنى: إن الذين اتخذتم من دون الله أوثانا هي مودة بينكم، {في الحياة الدنيا} ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة. ونصب حمزة، وحفص: "مودة" من غير تنوين على الإضافة بوقوع الاتخاذ عليها. وقرأ الآخرون "مودة" منصوبة منونة "بينكم" بالنصب، معناه: إنكم إنما اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا تتواردون على عبادتها وتتواصلون عليها في الدنيا. {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} تتبرأ الأوثان من عابديها، وتتبرأ القادة من الأتباع، وتلعن القادة، {ومأواكم} جميعا العابدون والمعبودون، {النار وما لكم من ناصرين} {فآمن له لوط} يعني: صدقه، وهو أول من صدق إبراهيم وكان ابن أخيه، {وقال} يعني إبراهيم، {إني مهاجر إلى ربي} فهاجر من كوثى، وهو من سواد الكوفة، إلى حران ثم إلى الشام، ومعه لوط وامرأته سارة، وهو أول من هاجر، قال مقاتل: هاجر إبراهيم عليه السلام وهو ابن خمس وسبعين سنة، {إنه هو العزيز الحكيم} {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} يقال: إن الله لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من نسله، {وآتيناه أجره في الدنيا} وهو الثناء الحسن فكل أهل الأديان يتولونه، وقال السدي: هو الولد الصالح، وقيل: هو أنه رأى مكانه في الجنة، {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} أي: في زمرة الصالحين. قال ابن عباس: مثل آدم ونوح. قوله تعالى: {ولوطا إذ قال لقومه إنكم} قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: "أئنكم" بالاستفهام، وقرأ الباقون بلا استفهام، واتفقوا على استفهام الثانية، {لتأتون الفاحشة} وهي إتيان الرجال، {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} {أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل} وذلك أنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فترك الناس الممر بهم. وقيل: تقطعون سبيل النسل بإيثار الرجال على النساء، {وتأتون في ناديكم المنكر} النادي، والندى، والمنتدى: مجلس القوم ومتحدثهم. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو العباس بن سهل بن محمد المروزي، أخبرنا جدي لأمي أبو الحسن المحمودي، أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، أن بشر بن معاذ حدثهم: أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن أبي صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب [عن أم هانئ] قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وتأتون في ناديكم المنكر} قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتونه؟ قال: "كانوا يحذفون أهل الطرق ويسخرون بهم" . ويروى أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعة فيه حصى فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به. وقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه 67/ب ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاض بذلك. وقال القاسم بن محمد: كانوا يتضارطون في مجالسهم . وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضا في مجالسهم . وعن عبد الله بن سلام قال: كان يبزق بعضهم على بعض. وعن مكحول قال: كان من أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإزار، والصفير، والحذف، واللواطية ، {فما كان جواب قومه} لما أنكر عليهم لوط ما يأتونه من القبائح، {إلا أن قالوا} له استهزاء: {ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} أن العذاب نازل بنا، فعند ذلك. {قال رب انصرني على القوم المفسدين } {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين }

Section V06/P240–V06/P242

{قال} لوط: {رب انصرني على القوم المفسدين} بتحقيق قولي في العذاب. {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} من الله بإسحاق ويعقوب، {قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية} يعني قوم لوط، والقرية سدوم، {إن أهلها كانوا ظالمين} {قال} إبراهيم للرسل: {إن فيها لوطا قالوا} يعني: قالت الملائكة {نحن أعلم بمن فيها لننجينه} قرأ حمزة والكسائي ويعقوب:" {لننجينه} بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، {وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} أي: الباقين في العذاب. {ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } {ولما أن جاءت رسلنا لوطا} ظن أنهم من الإنس، {سيء بهم وضاق بهم} بمجيئهم {ذرعا وقالوا لا تخف} قومك علينا، {ولا تحزن} بإهلاكنا إياهم، {إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين} قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، ويعقوب: "منجوك" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد. {إنا منزلون} قرأ ابن عامر بالتشديد، وقرأ الآخرون بالتخفيف، {على أهل هذه القرية رجزا} عذابا، {من السماء} قال مقاتل: الخسف والحصب، {بما كانوا يفسقون} {ولقد تركنا منها} من قريات لوط، {آية بينة} عبرة ظاهرة، {لقوم يعقلون} يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض . {وإلى مدين أخاهم شعيبا} أي: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا، {فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر} أي: واخشوا، {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين } {وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } {وعاد وثمود} أي: وأهلكنا عادا وثمودا، {وقد تبين لكم} يا أهل مكة، {من مساكنهم} منازلهم بالحجر واليمن، {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل} عن سبيل الحق {وكانوا مستبصرين} قال مقاتل، والكلبي، وقتادة: كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم، يحسبون أنهم على هدى، وهم على الباطل ، والمعنى: أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين. قال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر . {وقارون وفرعون وهامان} أي: أهلكنا هؤلاء، {ولقد جاءهم موسى بالبينات} بالدلالات، {فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} أي: فائتين من عذابنا. {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} قوم لوط، و"الحاصب": الريح التي تحمل الحصباء، وهي الحصاه الصغار، {ومنهم من أخذته الصيحة} يعني ثمود، {ومنهم من خسفنا به الأرض} يعني قارون وأصحابه، {ومنهم من أغرقنا} يعني: قوم نوح، وفرعون وقومه، {وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} . {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} يعني: الأصنام، يرجون نصرها ونفعها، {كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} لنفسها تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف والوهاء، لا يدفع عنها حرا ولا بردا، وكذلك الأوثان لا تمللك لعباديها نفعا ولا ضرا. {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} {إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم} قرأ أهل البصرة، وعاصم: "يدعون" بالياء لذكر الأمم قبلها، وقرأ الآخرون بالتاء.

Section V06/P242–V06/P245

{وتلك الأمثال} الأشباه والمثل: كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول، يريد: أمثال القرآن التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة، {نضربها} نبينها، {للناس} قال مقاتل: لكفار مكة، {وما يعقلها إلا العالمون} أي: ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، أخبرنا ابن برزة، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، أخبرنا داود بن المحبر، أخبرنا عباد بن كثير، عن ابن جريج عن عطاء وأبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} قال: "العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه" . {خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } قوله عز وجل: {خلق الله السموات والأرض بالحق} أي: للحق وإظهار للحق، {إن في ذلك} في خلقها، {لآية} لدلالة {للمؤمنين} على قدرته وتوحيده. {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} يعني القرآن، {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} الفحشاء: ما قبح من الأعمال، والمنكر: ما لا يعرف في الشرع. قال ابن مسعود، وابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا . وقال الحسن، وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه . وروي عن أنس قال: كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات الخمس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه، فوصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاله فقال: "إن صلاته تنهاه يوما" فلم يلبث أن تاب وحسن حاله . وقال ابن عون: معنى الآية أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها . وقيل: أراد بالصلاة القرآن، كما قال تعالى: "ولا تجهر بصلاتك" (الإسراء-110) ، أي: بقراءتك، وأراد 68/أأنه يقرأ القرآن في الصلاة، فالقرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن رجلا يقرأ القرآن الليل كله فإذا أصبح سرق، قال: "ستنهاه قراءته" . وفي رواية قيل: يا رسول الله إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال: "إن صلاته لتردعه" . قوله عز وجل: {ولذكر الله أكبر} أي: ذكر الله أفضل الطاعات. أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان البردعي، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، أخبرنا هارون بن معروف أبو علي الضرير، أخبرنا أنس بن عياض، حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش، عن أبي تجربة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وأن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم"؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "ذكر الله" .

Section V06/P245–V06/P247

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا أبو الأسود، أخبرنا ابن لهيعة عن دراج، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي، العباد أفضل، درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا" قالوا: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله؟ فقال: "لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر أو يختضب دما، لكان الذاكر الله كثيرا أفضل منه درجة" . وروينا أن أعرابيا قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله" . أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج القشيري، أخبرنا أمية بن بسطام العيشي، أخبرنا يزيد، يعني: (ابن زريع) ، أخبرنا روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: "سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون"، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" . أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت الأغر قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده" . وقال قوم: معنى قوله: "ولذكر الله أكبر" أي: ذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. ويروى ذلك عن ابن عباس ، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير ، ويروى ذلك مرفوعا عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عطاء في قوله: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر"، قال: ولذكر الله أكبر من أن تبقى معه معصية. {والله يعلم ما تصنعون} قال عطاء: يريد لا يخفى عليه شيء. {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } قوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب} لا تخاصموهم، {إلا بالتي هي أحسن} أي: بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه وأراد من قبل الجزية منهم، {إلا الذين ظلموا منهم} أي: أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم، لأن جميعهم ظالم بالكفر. وقال سعيد بن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له. قال قتادة ومقاتل: صارت منسوخة بقوله: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله" (التوبة-29) . {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} يريد إذا أخبركم واحد منهم من قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عليه، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم.

Section V06/P247–V06/P249

{وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم" . أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، أخبرنا عبد الرازق، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرنا ابن أبي نملة الأنصاري أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبره: أنه بينا هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من اليهود ومر بجنازة، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أعلم"، فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوه وإن كان حقا لم تكذبوه" . {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون } قوله تعالى: {وكذلك} أي: كما أنزلنا إليهم الكتب، {أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به} يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، {ومن هؤلاء} يعني: أهل مكة، {من يؤمن به} وهم مؤمنوا أهل مكة {وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} 68/ب، وذلك أن اليهود عرفوا أن محمدا نبي، والقرآن حق، فجحدوا. قال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة. {وما كنت تتلو} يا محمد، {من قبله من كتاب} قبل ما أنزل إليك الكتاب، {ولا تخطه بيمينك} ولا تكتبه، أي: لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي، {إذا لارتاب المبطلون} يعني لو كنت تكتب أو تقرأ الكتب قبل الوحي لشك المبطلون المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنه يقرؤه من كتب الأولين وينسخه منها، قاله قتادة. وقال مقاتل: "المبطلون" هم اليهود، ومعناه: إذا لشكوا فيك واتهموك، وقالوا إن الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت . {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون } {بل هو آيات بينات} قال الحسن: يعني القرآن آيات بينات، {في صدور الذين أوتوا العلم} يعني المؤمنين الذين حملوا القرآن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما، وقتادة: بل هو -يعني محمدا صلى الله عليه وسلم-ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم ، {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه} كما أنزل على الأنبياء من قبل، قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: "آية" على التوحيد، وقرأ الآخرون: "آيات من ربه" لقوله عز وجل: {قل إنما الآيات عند الله} القادر على إرسالها إذا شاء أرسلها، {وإنما أنا نذير مبين} أنذر أهل المعصية بالنار، وليس إنزال الآيات بيدي. {أولم يكفهم} هذا الجواب لقوله: "لولا أنزل عليه آيات من ربه" قال: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} [يعني: أولم يكفهم من الآيات القرآن يتلى عليهم] ، {إن في ذلك} في إنزال القرآن، {لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} أي: تذكيرا وعظة لمن آمن وعمل به.

Section V06/P249–V06/P252

{قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} أني رسوله وهذا القرآن كتابه، {يعلم ما في السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل} قال ابن عباس: بغير الله. وقال مقاتل: بعبادة الشيطان، {وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } {ويستعجلونك بالعذاب} نزلت في النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا حجارة من السماء {ولولا أجل مسمى} قال ابن عباس: ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة كما قال: "بل الساعة موعدهم" (القمر-46) ، وقال الضحاك: مدة أعمارهم، لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب، وقيل: يوم بدر، {لجاءهم العذاب وليأتينهم} يعني: العذاب وقيل الأجل، {بغتة وهم لا يشعرون} بإتيانه. {يستعجلونك بالعذاب} أعاده تأكيدا، {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} جامعة لهم لا يبقى أحد منهم إلا بدخلها. {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم} يعني: إذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم، كما قال: "لهم من جنهم مهاد ومن فوقهم غواش" (الأعراف-41) ، {ويقول ذوقوا} قرأ نافع، وأهل الكوفة: "ويقول" بالياء، أي: ويقول لهم الموكل بعذابهم: ذوقوا، وقرأ الآخرون بالنون؛ لأنه لما كان بأمره نسب إليه، {ما كنتم تعملون} أي: جزاء ما كنتم تعملون. {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} قال مقاتل والكلبي: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة، إن أرضي -يعني المدينة-واسعة آمنة . قال مجاهد: إن أرضي المدينة واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها . وقال سعيد بن جبير: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا فإن أرضي واسعة. وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة . وقيل: نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى، إن هاجرنا، من الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج. وقال مطرف بن عبد الله: "أرضي واسعة" أي: رزقي لكم واسع فاخرجوا . {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم } {كل نفس ذائقة الموت} خوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة، أي: كل واحد ميت أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت، {ثم إلينا ترجعون} فنجزيكم بأعمالكم، وقرأ أبو بكر: "يرجعون بالياء". {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم} قرأ حمزة، والكسائي: بالثاء ساكنة من غير همز، يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته: إذا أنزلته منزلا يقيم فيه. وقرأ الآخرون بالباء وفتحها وتشديد الواو وهمزة بعدها، أي: لننزلنهم، {من الجنة غرفا} علالي، {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين} {الذين صبروا} على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم، {وعلى ربهم يتوكلون} يعتمدون. {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وقد آذاهم المشركون: "هاجروا إلى المدينة"، فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ولا مال، فمن يطعمنا بها ويسقينا؟ فأنزل الله: {وكأين من دابة} ذات حاجة إلى غذاء، {لا تحمل رزقها} أي: لا ترفع رزقها معها ولا تدخر شيئا لغد مثل البهائم والطير، {الله، يرزقها وإياكم} حيث كنتم، {وهو السميع العليم} السميع لأقوالكم: لا نجد ما ننفق بالمدينة، العليم بما في قلوبكم. وقال سفيان عن علي بن الأقمر: وكأين من دابة لا تحمل رزقها، قال: لا تدخر شيئا لغد. قال سفيان: ليس شيء من خلق الله يخبأ إلا الإنسان والفأرة والنملة .

Section V06/P252–V06/P255

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الثقفي، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، أخبرنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا إسماعيل بن زرارة الرقي، أخبرنا أبو العطوف الجراح بن منهال، عن الزهري، عن عطاء بن أبي 69/أرباح، عن ابن عمر قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [حائطا من حوائط الأنصار، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم] يلقط الرطب بيده ويأكل، فقال: كل يا ابن عمر، قلت: لا أشتهيها يا رسول الله، قال: لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أطعم طعاما ولم أجده، فقلت إنا لله، الله المستعان، قال: يا ابن عمر لو سألت ربي لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر أضعافا مضاعفة، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما فكيف بك يا ابن عمر إذا عمرت وبقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة ويضعف اليقين، فنزلت {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} الآية. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس السراج، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان لا يدخر شيئا لغد . وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا" . أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه، أخبرنا أبو نصر بن حمدويه المطوعي، أخبرنا أبو الموجه محمد بن عمرو، أخبرنا عبدان، عن أبي حمزة، عن إسماعيل هو ابن أبي خالد، عن رجلين أحدهما زبيد اليامي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيها الناس ليس من شيء يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم إلى النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين قد نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته" وقال هشيم عن إسماعيل عن زبيد عمن أخبره عن ابن مسعود. {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون } قوله تعالى: {ولئن سألتهم} يعني كفار مكة، {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} . {الله، يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم} . {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله} على أن الفاعل لهذه الأشياء هو الله، {بل أكثرهم لا يعقلون} وقيل: قل الحمد لله على إقراراهم لزوم الحجة عليهم، {بل أكثرهم لا يعقلون} ينكرون التوحيد مع إقرارهم بأنه الخالق لهذه الأشياء. {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون } قوله تعالى: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب} اللهو هو: الاستمتاع بلذات الدنيا، واللعب: العبث، سميت بهما لأنها فانية. {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} أي: الحياة الدائمة الباقية، و"الحيوان": بمعنى الحياة، أي: فيها الحياة الدائمة، {لو كانوا يعلمون} فناء الدنيا وبقاء الآخرة.

Section V06/P255–V06/P257

قوله تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك} وخافوا الغرق، {دعوا الله مخلصين له الدين} وتركوا الأصنام، {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} هذا إخبار عن عنادهم وأنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله عز وجل وحده، فإذا زالت عادوا إلى كفرهم. قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب يا رب. {ليكفروا بما آتيناهم} هذا لام الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، كقوله: "اعملوا ما شئتم" (فصلت-40) ، أي: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم، {وليتمتعوا} قرأ حمزة، والكسائي: ساكنة اللام، وقرأ الباقون بكسرها نسقا على قوله: "ليكفروا"، {فسوف يعلمون} وقيل: من كسر اللام جعلها لام كي وكذلك في ليكفروا، والمعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به في العالجة من غير نصيب في الآخرة. {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} يعني العرب، يسبي بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون، {أفبالباطل} بالأصنام والشيطان، {يؤمنون وبنعمة الله} بمحمد والإسلام، {يكفرون} {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} فزعم أن لله شريكا وأنه أمر بالفواحش، {أو كذب بالحق} بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، {لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} استفهام بمعنى التقرير، معناه: أما لهذا الكافر المكذب مأوى في جهنم. {والذين جاهدوا فينا} الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا، {لنهدينهم سبلنا} لنثبتنهم على ما قاتلوا عليه. وقيل: لنزيدنهم هدى كما قال: "ويزيد الله الذين اهتدوا هدى" (مريم-76) ، وقيل: لنوقفنهم لإصابة الطريق المستقيمة، والطريق المستقيمة هي التي يوصل بها إلى رضا الله عز وجل. قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله قال: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات. قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. {وإن الله لمع المحسنين} بالنصر والمعونة في دنياهم وبالثواب والمغفرة في عقباهم. سورة الروم مكية بسم الله الرحمن الرحيم {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون } {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} سبب نزول هذه الآية على -ما ذكره المفسرون:-أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم، لأن أهل فارس كانوا مجوسا أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس، لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليها 69/ب رجلا يقال له شهريراز، وبعث قيصر جيشا إلى فارس واستعمل عليهم رجل يدعى يحفس، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمون بمكة، فشق عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار، فقال: فرحتم بظهور إخوانكم، فلا تفرحوا فوالله ليظهرن على فارس [على ما] أخبرنا بذلك نبينا، فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال: كذبت، فقال: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه -والمناحبة: المراهنة-على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت ففعلوا وجعلوا الأجل ثلاث سنين فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، وذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاثة إلى التسع، فزايده في الخطر وماده في الأجل، فخرج

Section V06/P257–V06/P260

أبو بكر ولقي أبيا، فقال: لعلك ندمت؟ قال: لا فتعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص [ومائة قلوص] إلى تسع سنين، وقيل إلى سبع سنين، قال قد فعلت: فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه فلزمه، وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلا فكفل له ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى حد أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه، فقال: لا والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلا فأعطاه كفيلا. ثم خرج إلى أحد ثم رجع أبي بن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم. وقيل: كان يوم بدر. قال الشعبي: لم تمض تلك المدة التي عقدوا المناحبة بين أهل مكة، وفيها صاحب، قمارهم أبي بن خلف، والمسلمون وصاحب قمارهم أبو بكر، وذلك قبل تحريم القمار، حتى غلبت الروم فارس وربطوا خيولهم بالمدائن وبنو الرومية فقمر أبو بكر أبيا وأخذ مال الخطر من ورثته، وجاء به يحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تصدق به". وكان سبب غلبة الروم فارسا -على ما قاله عكرمة وغيره-: أن شهريراز بعدما غلبت الروم لم يزل يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرخان جالس ذات يوم يشرب فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى، فكتب إلى شهريراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان، إن له نكاية وصوتا في العدو، فلا تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفا منه، فعجل برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدا إلى أهل فارس أني قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان الملك، ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة أمره فيها بقتل شهريراز، وقال: إذا ولى فرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه، فلما قرأ شهريراز الكتاب قال: سمعا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان ودفع إليه الصحيفة، فقال: ائتوني بشهريراز، فقدمه ليضرب عنقه، فقال: لا تعجل علي حتى أكتب وصيتي. قال: نعم، فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت تريد أن تقتلني بكتاب واحد؟ فرد الملك إلى أخيه، وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد، ولا تبلغها الصحف، فالقني، ولا تلقني إلا في خمسين روميا، فإني ألقاك في خمسين فارسيا. فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلا ثم بسط لهما فالتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، ومع كل واحد منهما سكين، فدعوا بترجمان بينهما، فقال شهريراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني، فقد خلعناه جميعا فنحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا، فقتلا الترجمان معا بسكينهما، فأديلت الروم على فارس عند ذلك، فاتبعوهم يقتلونهم، ومات كسرى وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ففرح ومن معه ، فذلك قوله عز وجل: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} أي: أقرب أرض الشام إلى أرض فارس، قال عكرمة: هي أذرعات وكسكر، وقال مجاهد: أرض الجزيرة. وقال مقاتل: الأردن وفلسطين. {وهم من بعد غلبهم} أي: الروم من بعد غلبة فارس إياهم، والغلب والغلبة لغتان، {سيغلبون} فارسا. {في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم }

Section V06/P260–V06/P262

{في بضع سنين} والبضع ما بين الثلاث إلى السبع، [وقيل: ما بين الثلاثة إلى التسع] وقيل: ما دون العشرة. وقرأ عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، والحسن، وعيسى بن عمر: "غلبت" بفتح الغين واللام، "سيغلبون" بضم الياء وبفتح اللام. وقالوا: نزلت حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن غلبة الروم فارسا. ومعنى الآية: الم غلبت الروم فارسا في أدنى الأرض إليكم، وهم من بعد غلبهم سيغلبهم، يغلبهم المسلمون في بضع سنين. وعند انقضاء هذه المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم . والأول أصح، وهو قول أكثر المفسرين. {لله الأمر من قبل ومن بعد} أي: من قبل دولة الروم على فارس ومن بعدها، فأي الفريقين كان لهم الغلبة فهو بأمر الله 70/أوقضائه وقدره. {ويومئذ يفرح المؤمنون} {بنصر الله} الروم على فارس. قال السدي: فرح النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك، {ينصر من يشاء وهو العزيز} الغالب، {الرحيم} بالمؤمنين. {وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } {وعد الله} نصب على المصدر، أي: وعد الله وعدا بظهور الروم على فارس، {لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} يعني: أمر معاشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يبنون ويعيشون، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطئ وهو لا يحسن يصلي {وهم عن الآخرة هم غافلون} ساهون عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها. {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي: للحق، وقيل: لإقامة الحق، {وأجل مسمى} أي: لوقت معلوم إذ انتهت إليه فنيت، وهو القيامة، {وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون} {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} أولم يسافروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم فيعتبروا {كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض} حرثوها وقلبوها للزراعة، {وعمروها أكثر مما عمروها} [أي: أكثر مما عمرها] أهل مكة، قيل: قال ذلك لأنه لم يكن لأهل مكة حرث، {وجاءتهم رسلهم بالبينات} فلم يؤمنوا فأهلكهم الله، {فما كان الله ليظلمهم} بنقص حقوقهم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ببخس حقوقهم. {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون }

Section V06/P262–V06/P264

{ثم كان عاقبة الذين أساءوا} أي: أساؤوا العمل، {السوأى} يعني: الخلة التي تسوؤهم وهي النار، وقيل: "السوأى" اسم لجهنم، كما أن "الحسنى" اسم للجنة ، {أن كذبوا} أي: لأن كذبوا. وقيل تفسير "السوأى" ما بعده، وهو قوله: "أن كذبوا" يعني: ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب حملهم تلك السيئات على أن كذبوا، {أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون} قرأ أهل الحجاز والبصرة: "عاقبة" بالرفع، أي: ثم كان آخر أمرهم السوء، وقرأ الآخرون بالنصب على خبر كان، تقديره: ثم كان السوأى عاقبة الذين أساءوا. قوله تعالى: {الله يبدأ الخلق ثم يعيده} أي: يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء، ولم يقل: يعيدهم، رده إلى الخلق، {ثم إليه ترجعون} فيجزيهم بأعمالهم. قرأ أبو عمرو، وأبو بكر: "يرجعون" بالياء، والآخرون بالتاء. {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} قال قتادة، والكلبي: ييأس المشركون من كل خير. وقال الفراء: ينقطع كلامهم وحجتهم . وقال مجاهد: يفتضحون. {ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين} جاحدين متبرئين يتبرءون منها وتتبرأ منهم. {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} أي: يتميز أهل الجنة من أهل النار. وقال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار فلا يجتمعون أبدا. {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون } {وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون } {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة} وهي البستان الذي في غاية النضارة، {يحبرون} قال ابن عباس: يكرمون. وقال مجاهد وقتادة: ينعمون. وقال أبو عبيدة: يسرون. و"الحبرة": السرور. وقيل: "الحبرة" في اللغة: كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين. وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: "تحبرون" هو السماع في الجنة . وقال الأوزاعي: إذا أخذ في السماع لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت، وقال: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم. {وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي: البعث يوم القيامة، {فأولئك في العذاب محضرون} قوله تعالى: {فسبحان الله} أي: سبحوا الله، ومعناه: صلوا لله، {حين تمسون} أي: تدخلون في المساء، وهو صلاة المغرب والعشاء، {وحين تصبحون} أي: تدخلون في الصباح، وهو صلاة الصبح. {وله الحمد في السموات والأرض} قال ابن عباس: يحمده أهل السموات والأرض ويصلون له، {وعشيا} أي: صلوا لله عشيا، يعني صلاة العصر، {وحين تظهرون} تدخلون في الظهيرة، وهو صلاة الظهر. قال نافع بن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وقرأ هاتين الآيتين، وقال: جمعت الآية الصلوات الخمس ومواقيتها . أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال: سبحان الله وبحمده في كل يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" . أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، حدثنا السري، بن خزيمة الأبيوردي، حدثنا المعلى بن سعد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد" .

Section V06/P264–V06/P266

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا محمد بن فضيل، أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا علي بن المديني، أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة قال: سمعت كريبا أبا رشدين 70/ب يحدث عن ابن عباس، عن جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات غداة من عندها، وكان اسمها برة فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماها جويرية، وكره أن يقال خرج من عند برة، فخرج وهي في المسجد ، ورجع بعدما تعالى النهار، فقال: ما زلت في مجلسك هذا منذ خرجت، بعد؟ قالت: نعم، فقال: "لقد قلت، بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بكلماتك لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" . {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون } قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون} قرأ حمزة والكسائي: "تخرجون" بفتح التاء وضم الراء، وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الراء. {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } {ومن آياته أن خلقكم من تراب} أي: خلق أصلكم يعني آدم من تراب، {ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} تنبسطون في الأرض. {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} قيل: من جنسكم من بني آدم. وقيل: خلق حواء من ضلع آدم ، {لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} جعل بين الزوجين المودة والرحمة فهما يتوادان ويتراحمان، وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما، {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} في عظمة الله وقدرته. {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم} يعني: اختلاف اللغات من العربية والعجمية وغيرهما، {وألوانكم} أبيض وأسود وأحمر، وأنتم ولد رجل واحد وامرأة واحدة، {إن في ذلك لآيات للعالمين} قرأ حفص: {للعالمين} بكسر اللام. {ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} أي: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، أي: تصرفكم في طلب المعيشة، {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} سماع تدبر واعتبار. {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون وله من في السموات والأرض كل له قانتون وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } {ومن آياته يريكم البرق خوفا} للمسافر من الصواعق، {وطمعا} للمقيم في المطر. {وينزل من السماء ماء فيحيي به} يعني بالمطر {الأرض بعد موتها} أي: بعد يبسها

Section V06/P266–V06/P268

وجدوبتها، {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} قال ابن مسعود: قامتا على غير عمد بأمره. وقيل: يدوم قيامها بأمره {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض} قال ابن عباس: من القبور، {إذا أنتم تخرجون} منها، وأكثر العلماء على أن معنى الآية: ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض. {وله من في السموات والأرض كل له قانتون} مطيعون، قال الكلبي: هذا خاص لمن كان منهم مطيعا. وعن ابن عباس: كل له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة . {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} يخلقهم أولا ثم يعيدهم بعد الموت للبعث، {وهو أهون عليه} قال الربيع بن خيثم، والحسن، وقتادة، والكلبي: أي: هو هين عليه وما شيء عليه بعزيز، وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وقد يجيء أفعل بمعنى الفاعل كقول الفرزدق؟ إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول أي: عزيزة طويلة. وقال مجاهد وعكرمة: "وهو أهون عليه": أي: أيسر ، ووجهه أنه على طريق ضرب المثل، أي: هو أهون عليه على ما يقع في عقولكم، فإن الذي يقع في عقول الناس أن الإعادة تكون أهون من الإنشاء، أي: الابتداء. وقيل: هو أهون عليه عندكم وقيل: هو أهون عليه، أي: على الخلق، يقومون بصيحة واحدة، فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفا، ثم علقا ثم مضغا إلى أن يصيروا رجالا ونساء، وهذا معنى رواية ابن حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس . {وله المثل الأعلى} أي: الصفة العليا {في السموات والأرض} قال ابن عباس: هي أنه ليس كمثله شيء. وقال قتادة: هي أنه لا إله إلا هو ، {وهو العزيز} في ملكه، {الحكيم} في خلقه. {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون } {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} أي: بين لكم شبها بحالكم وذلك المثل من أنفسكم ثم بين المثل فقال: {هل لكم من ما ملكت أيمانكم} أي: عبيدكم وإمائكم، {من شركاء في ما رزقناكم} من المال، {فأنتم} وهم {فيه سواء} أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم؛ {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} أي: تخافون أن يشاركوكم في أموالكم ويقاسموكم كما يخاف الحر شريكه الحر في المال يكون بينهما أن ينفرد فيه بأمر دونه، وكما يخاف الرجل شريكه في الميراث، وهو يحب أن ينفرد به. قال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا فإذا لم تخافوا هذا من ماليككم ولم ترضوا ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها شركائي وهم عبيدي؟ . ومعنى قوله: "أنفسكم"، أي: أمثالكم من الأحرار كقوله: "ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا" (النور-12) ، أي: بأمثالهم. {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم. {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }

Section V06/P268–V06/P270

{بل اتبع الذين ظلموا} أشركوا بالله، {أهواءهم} في الشرك، {بغير علم} جهلا بما يجب عليهم، {فمن يهدي من أضل الله} [أي: أضله الله] {وما لهم من ناصرين} مانعين يمنعونهم من عذاب الله عز وجل. قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين} أي: أخلص دينك لله، قاله سعيد بن جبير، وإقامة الوجه: إقامة الدين، وقال غيره: سدد عملك. والوجه ما يتوجه إليه الإنسان، ودينه وعمله مما يتوجه إليه لتسديده ، {حنيفا} مائلا مستقيما عليه، {فطرة الله} دين الله، وهو نصب على الإغراء، أي: إلزم فطرة الله، {التي فطر الناس عليها} أي: خلق الناس عليها، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين أن المراد بالفطرة: الدين، وهو الإسلام . وذهب قوم إلى أن الآية خاصة في المؤمنين. وهم الذين فطرهم الله على الإسلام: أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يولد يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟، قالوا 71/أيا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" . ورواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة من غير ذكر من يموت وهو صغير، وزاد: ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} . قوله: "من يولد يولد على الفطرة" يعني على العهد الذي أخذ الله عليهم بقوله: "ألست، بربكم قالوا بلى" (الأعراف-172) ، وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار، وهو الحنفية التي وقعت الخلقة عليها وإن عبد غيره، قال تعالى: "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله" (الزخرف-87) ، وقالوا: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" (الزمر-3) ، ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة والفعل، ألا ترى أنه يقول: "فأبواه يهودانه"؟ فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" . ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي، وحماد بن سلمة . وحكي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: معنى الحديث إن كل مولود يولد على فطرته، أي: على خلقته التي جبل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو الشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين، فيحملانه -لشقائه-على اعتقاد دينهما . وقيل: معناه أن كل مولود يولد في مبدأ الخلقة [على الفطرة أي على الجبلة السليمة] والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها، لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من آفات النشوء والتقليد، فلو سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره ... ثم يتمثل بأولاد اليهود والنصارى واتباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك على الفطرة السليمة والمحجة المستقيمة. ذكر أبو سليمان الخطابي هذه المعاني في كتابه . قوله: {لا تبديل لخلق الله} فمن حمل الفطرة على الدين قال: معناه لا تبديل لدين الله، وهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تبدلوا دين الله. قال مجاهد، وإبراهيم: معنى الآية الزموا فطرة الله، أي دين الله، واتبعوه ولا تبدلوا التوحيد بالشرك {ذلك الدين القيم} المستقيم، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقيل: لا تبديل لخلق الله أي: ما جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاء لا يتبدل، فلا يصير السعيد شقيا ولا الشقي سعيدا. وقال عكرمة ومجاهد: معناه تحريم إخصاء البهائم . {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون }

Section V06/P270–V06/P272

{وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } {منيبين إليه} أي: فأقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه لأن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم يدخل معه فيها الأمة، كما قال: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء" (الطلاق-1) ، {منيبين إليه} أي: راجعين إليه بالتوبة مقبلين إليه بالطاعة، {واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} أي: صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى . وقيل: هم أهل البدع من هذه الأمة ، {كل حزب بما لديهم فرحون} أي: راضون بما عندهم. قوله تعالى: {وإذا مس الناس ضر} قحط وشدة، {دعوا ربهم منيبين إليه} مقبلين إليه بالدعاء، {ثم إذا أذاقهم منه رحمة} خصبا ونعمة {إذا فريق منهم بربهم يشركون} {ليكفروا بما آتيناهم} ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب تهديد فقال: {فتمتعوا فسوف تعلمون} حالكم في الآخرة. {أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون } {أم أنزلنا عليهم سلطانا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: حجة وعذرا. وقال قتادة: كتابا، {فهو يتكلم} ينطق، {بما كانوا به يشركون} أي: ينطق بشركهم ويأمرهم به. {وإذا أذقنا الناس رحمة} أي: الخصب وكثرة المطر، {فرحوا بها} يعني فرح البطر {وإن تصبهم سيئة} أي: الجدب وقلة المطر ويقال: الخوف والبلاء {بما قدمت أيديهم} السيئات، {إذا هم يقنطون} ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر الله عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة. {أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} قوله تعالى: {فآت ذا القربى حقه} البر والصلة، {والمسكين} وحقه أن يتصدق عليه، {وابن السبيل} يعني: المسافر، وقيل: هو الضعيف، {ذلك خير للذين يريدون وجه الله} يطلبون ثواب الله بما يعملون، {وأولئك هم المفلحون} قوله عز وجل: {وما آتيتم من ربا} قرأ ابن كثير: "أتيتم" مقصورا، وقرأ الآخرون بالمد، أي: أعطيتم، ومن قصر فمعناه: ما جئتم من ربا، ومجيئوهم ذلك على وجه الإعطاء كما تقول: أتيت خطئا، وأتيت صوابا، فهو يؤول في معنى إلى قول من مد. {ليربو في أموال الناس} قرأ أهل المدينة، ويعقوب: "لتربوا" بالتاء وضمها وسكون الواو على الخطاب، أي: لتربوا أنتم وتصيروا ذوي زيادة من أموال الناس، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها، ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا لقوله: {فلا يربو عند الله} في أموال الناس، أي: في اختطاف أموال الناس واجتذابها. واختلفوا في معنى الآية، فقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاوس، وقتادة، والضحاك، وأكثر المفسرين: هو الرجل يعطي غيره العطية ليثيب أكثر منها فهذا جائز حلال، ولكن لا يثاب عليه في القيامة، وهو معنى قوله عز وجل: "فلا يربوا عند الله"، وكان هذا حراما على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لقوله تعالى: "ولا تمنن تستكثر" (المدثر-6) ، أي: لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت . وقال النخعي: هو الرجل يعطي صديقه أو قريبه ليكثر ماله ولا يريد به وجه الله . وقال الشعبي: هو الرجل يلتزق بالرجل فيخدمه ويسافر معه فيجعل له ربح ماله التماس عونه، لا لوجه الله، فلا يربوا عند الله لأنه لم يرد به وجه الله تعالى . {وما آتيتم من زكاة} أعطيتم من صدقة {تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} يضاعف لهم الثواب فيعطون بالحسنة عشر أمثالها 71/ب فالمضعف ذو الأضعاف من الحسنات، تقول العرب: القوم مهزولون ومسمونون: إذا هزلت أو سمنت إبلهم .

Section V06/P272–V06/P275

{الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون } {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون} . {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون } قوله عز وجل: {ظهر الفساد في البر والبحر} يعني: قحط المطر وقلة النبات، وأراد بالبر البوادي والمفاوز، وبالبحر المدائن والقرى التي هي على المياه الجارية. قال عكرمة: العرب تسمي المصر بحرا، تقول: أجدب البر وانقطعت مادة البحر ، {بما كسبت أيدي الناس} أي: بشؤم ذنوبهم، وقال عطية وغيره: "البر" ظهر الأرض من الأمصار وغيرها، و"البحر" هو البحر المعروف، وقلة المطر كما تؤثر البر تؤثر في البحر فتخلوا أجواف الأصداف لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه البحر ويفتح فاه فما يقع في فيه من المطر صار لؤلؤا. وقال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: الفساد في البر: قتل أحدا بني آدم أخاه، وفي البحر: غصب الملك الجائر السفينة. قال الضحاك: كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن، آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة، وكان ماء البحر عذبا وكان لا يقصد الأسد، البقر والغنم، فلما قتل قابيل وهابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحا زعافا وقصد الحيوان بعضها بعضا قال قتادة: هذا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم امتلأت الأرض ظلما وضلالة، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رجع راجعون من الناس بما كسبت أيدي الناس من المعاصي، يعني كفار مكة . {ليذيقهم بعض الذي عملوا} أي: عقوبة بعض الذي عملوا من الذنوب، {لعلهم يرجعون} عن الكفر وأعمالهم الخبيثة. {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين } {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية، {كان أكثرهم مشركين} أي: كانوا مشركين، فأهلكوا بكفرهم. {فأقم وجهك للدين القيم} المستقيم وهو دين الإسلام {من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} يعني: يوم القيامة، لا يقدر أحد على رده من الله، {يومئذ يصدعون} أي: يتقرفون فريق في الجنة وفريق في السعير. {من كفر فعليه كفره} أي: وبال كفره، {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} يوطئون المضاجع ويسوونها في القبور. {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم، {إنه لا يحب الكافرين} قوله عز وجل: {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات} تبشر بالمطر، {وليذيقكم من رحمته} نعمة، المطر وهي الخصب، {ولتجري الفلك بأمره} بهذه الرياح، {بأمره ولتبتغوا من فضله} لتطلبوا من رزقه بالتجارة في البحر، {ولعلكم تشكرون} رب هذه النعم. قوله تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات} بالدلالات الواضحات على صدقهم، {فانتقمنا من الذين أجرموا} عذبنا الذين كذبوهم، {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} وإنجاؤهم من العذاب، ففي هذا تبشير للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر في العاقبة والنصر على الأعداء. قال الحسن: أنجاهم مع الرسل من عذاب الأمم.

Questions