Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

Section V07/P324–V07/P326

قوله: {فآزره} قرأ ابن عامر: "فأزره" بالقصر والباقون بالمد، أي: قواه وأعانه وشد أزره، {فاستغلظ} غلظ ذلك الزرع، {فاستوى} أي تم وتلاحق نباته وقام، {على سوقه} أصوله، {يعجب الزراع} أعجب ذلك زراعه. هذا مثل ضربه الله عز وجل لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل [أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون. قال قتادة: مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنجيل] مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . وقيل: "الزرع" محمد صلى الله عليه وسلم، و"الشطء": أصحابه والمؤمنون. وروي عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: "محمد رسول الله والذين معه": أبو بكر الصديق رضي الله عنه، "أشداء على الكفار" عمر بن الخطاب رضي الله عنه، "رحماء بينهم" عثمان بن عفان رضي الله عنه، "تراهم ركعا سجدا" علي بن أبي طالب رضي الله عنه، "يبتغون فضلا من الله" بقية العشرة المبشرين بالجنة. وقيل: "كمثل زرع" محمد، "أخرج شطأه" أبو بكر "فآزره" عمر "فاستغلظ" عثمان، للإسلام "فاستوى على سوقه" علي بن أبي طالب استقام الإسلام بسيفه، "يعجب الزراع" قال: هم المؤمنون. {ليغيظ بهم الكفار} قول عمر لأهل مكة بعدما أسلم: لا تعبدوا الله سرا بعد اليوم: حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد الشجاعي السرخسي إملاء، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن أحمد القفال، حدثنا أبو أحمد عبد الله بن محمد الفضل السمرقندي، حدثنا شيخي أبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي، حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" . حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن قاسم حدثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي، حدثنا أحمد بن هاشم الأنطاكي، حدثنا قطبة بن العلاء، حدثنا سفيان الثوري، عن خالد الخذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أرحم أمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أبي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" . ورواه معمر عن قتادة مرسلا وفيه: "وأقضاهم علي" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز المختار قال خالد الحذاء، حدثنا عن أبي عثمان قال حدثني عمرو بن العاص 134/أأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب فعد رجالا فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم . أخبرنا أبو منصور عبد الملك وأبو الفتح نصر، ابنا علي بن أحمد بن منصور ومحمد بن الحسين بن شاذويه الطوسي بها قالا حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب، أخبرنا الحسن بن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك الأسدي، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل هو ابن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثنا أبي عن أبيه عن سلمة عن أبي الزعراء عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد عبد الله بن مسعود" .

Section V07/P326–V07/P329

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن أحدا ارتج وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اثبت أحد ما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" . أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي قال: عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق . حدثنا أبو المظفر التميمي، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان، أخبرنا خيثمة بن سليمان، حدثنا محمد بن عيسى بن حيان المدائني، حدثنا محمد بن الفضل بن عطية، عن عبد الله بن مسلم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة" . قوله عز وجل: {ليغيظ بهم الكفار} أي إنما كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين. قال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية . أخبرنا أبو الطيب طاهر بن محمد بن العلاء البغوي، حدثنا أبو معمر الفضل بن إسماعيل بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا جدي أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرني الهيثم بن خلف الدوري، حدثنا المفضل بن غسان بن المفضل العلائي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا عبيدة بن أبي رابطة عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" . حدثنا أبو المظفر بن محمد بن أحمد بن حامد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار بالكوفة، أخبرنا وكيع بن الجراح، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين الزعفراني، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عروة، حدثنا محمد بن الحسين بن محمد بن إشكاب، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي خباب عن أبي سليم الهمداني، عن أبيه، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن سرك أن تكون من أهل الجنة فإن قوما يتنحلون حبك يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، نبزهم الرافضة، فإن أدركتهم فجاهدهم فإنهم مشركون" ، في إسناد هذا الحديث نظر. قول الله عز وجل: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم} قال ابن جرير: يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة، ورد الهاء والميم على معنى الشطء لا على لفظه، ولذلك لم يقل: "منه"، {مغفرة وأجرا عظيما} يعني الجنة. سورة الحجرات مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم }

Section V07/P329–V07/P334

{يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} قرأ يعقوب: "لا تقدموا" بفتح التاء والدال، من التقدم أي لا تتقدموا، وقرأ الآخرون بضم التاء وكسر الدال، من التقديم، وهو لازم بمعنى التقدم، [قال أبو عبيدة] : تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي لا تعجل بالأمر والنهي دونه، والمعنى: بين اليدين الأمام. والقدام: أي لا تقدموا بين يدي أمرهما ونهيهما. واختلفوا في معناه: روى الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى، وهو قول الحسن، أي لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن ناسا ذبحوا قبل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا الذبح . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن يزيد، عن الشعبي، عن البراء قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال: "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن نصلي فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء" . وروى مسروق عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك ، أي: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن موسى، 134/ب حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم، أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع معبد بن زرارة، قال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: "يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" حتى انقضت . ورواه نافع عن ابن أبي مليكة، قال فنزلت: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي" إلى قوله: "أجر عظيم"، وزاد: قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر عن أبيه، يعني أبا بكر . وقال قتادة: نزلت الآية في ناس كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، أو صنع في كذا وكذا، فكره الله ذلك . وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله على لسانه . وقال الضحاك: يعني في القتال وشرائع الدين لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله. {واتقوا الله} في تضييع حقه ومخالفة أمره، {إن الله سميع} لأقوالكم، {عليم} بأفعالكم. {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ولا يرفعوا أصواتهم عنده، ولا ينادونه كما ينادي بعضهم بعضا، {أن تحبط أعمالكم} لئلا تحبط حسناتكم. وقيل: مخافة أن تحبط حسناتكم، {وأنتم لا تشعرون} .

Section V07/P334–V07/P336

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي" الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت أشتكى؟ فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له شكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل هو من أهل الجنة" . وروي أنه لما نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق يبكي، فمر به عاصم بن عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت في، وأنا رفيع الصوت أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغلب ثابتا البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدي علي الضبة بمسمار، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبره فقال له: اذهب فادعه، فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرس، فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فقال: اكسر الضبة فكسرها، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، ولا أرفع صوتي أبدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} . {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم } {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} الآية . قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا، فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب، رأى ثابت من المسلمين بعض الانكسار وانهزمت طائفة منهم، فقال: أف لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا، ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام وأنه قال له: اعلم أن فلانا رجل من المسلمين نزع درعي فذهب بها وهي في ناحية من المعسكر عند فرس يسير في طوله، وقد وضع على درعي برمة، فأت خالد بن الوليد وأخبره حتى يسترد درعي، وأت أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له: إن علي دينا حتى يقضى، وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وصفه له، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا فأجاز أبو بكر وصيته . قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه. قال أبو هريرة وابن عباس: لما نزلت هذه الآية كان أبو بكر لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار

Section V07/P336–V07/P337

وقال ابن الزبير: لما نزلت هذه الآية ما حدث عمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فيسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته، فأنزل الله تعالى: "إن الذين يغضون أصواتهم" ، يخفضون {أصواتهم عند رسول الله} إجلالا له، {أولئك الذين امتحن الله، قلوبهم للتقوى} اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصه، {لهم مغفرة وأجر عظيم} {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم } {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} قرأ العامة بضم الجيم، وقرأ أبو جعفر بفتح الجيم، وهما لغتان، وهي جمع الحجر، والحجر جمع الحجرة فهي جمع الجمع. قال ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني العنبر وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علموا أنه توجه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة بن حصن وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، ووافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا في أهله، فلما رأتهم الذراري أجهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان 135/ألكل امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم [حجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم] ، فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا، حتى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد فادنا عيالنا، فنزل جبريل عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترضون أن يكون بيني وبينكم سبرة بن عمرو، وهو على دينكم؟ فقالوا: نعم، فقال سبرة: أنا لا أحكم بينهم إلا وعمي شاهد، وهو الأعور بن بشامة، فرضوا به، فقال الأعور: أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد رضيت، ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فأنزل الله تعالى: "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون"، وصفهم بالجهل وقلة العقل . {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم} قال مقاتل: لكان خيرا لهم لأنك كنت تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فداء، {والله غفور رحيم} . وقال قتادة: نزلت في ناس من أعراب بني تميم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب . ويروى ذلك عن جابر قال: جاءت بنو تميم فنادوا على الباب: اخرج إلينا يا محمد، فإن مدحنا زين، وذمنا شين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين، فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشعرائنا وخطبائنا لنشاعرك ونفاخرك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا"، فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم: "قم فأجبه"، فأجابه، وقام شاعرهم فذكر أبياتا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: "أجبه" فأجابه. فقام الأقرع بن حابس، فقال: إن محمدا لمؤتى له والله ما أدري هذا الأمر، تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا ثم دنا من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يضرك ما كان قبل هذا" ثم أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وقد كان تخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم لحداثة سنه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم، وأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل فيهم: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم" الآيات الأربع إلى قوله: "غفور رحيم".

Section V07/P337–V07/P339

وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكا نعش في جنابه، فجاؤوا فجعلوا ينادونه، يا محمد يا محمد، فأنزل الله: "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم" . {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} الآية، نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقا، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلناه من حق الله عز وجل، فبدا له الرجوع، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار، ففعل ذلك خالد، ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير، فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق} يعني الوليد بن عقبة {بنبأ} بخبر، {فتبينوا أن تصيبوا} كي لا تصيبوا بالقتل والقتال، {قوما} برآء، {بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} من إصابتكم بالخطأ. {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون } {واعلموا أن فيكم رسول الله} فاتقوا الله أن تقولوا باطلا أو تكذبوه، فإن الله يخبره ويعرفه أحوالكم فتفتضحوا، {لو يطيعكم} أي الرسول، {في كثير من الأمر} مما تخبرونه به فيحكم برأيكم، {لعنتم} لأثمتم وهلكتم، والعنت: الإثم والهلاك. {ولكن الله حبب إليكم الإيمان} فجعله أحب الأديان إليكم، {وزينه} حسنه، {في قلوبكم} حتى اخترتموه، وتطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكره إليكم الكفر والفسوق} قال ابن عباس: يريد الكذب، {والعصيان} جميع معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر، وقال: {أولئك هم الراشدون} المهتدون. {فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } {فضلا} أي كان هذا فضلا {من الله ونعمة والله، عليم حكيم} . قوله عز وجل: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} الآية.

Section V07/P339–V07/P341

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، 135/ب حدثنا مسدد، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يقول: إن أنسا قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فتشاتما، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنها نزلت: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" . ويروى أنها لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاصطلحوا وكف بعضهم عن بعض. وقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذن حقي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف . وقال سفيان عن السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل، وكان بينها وبين زوجها شيء فرقي بها إلى علية وحبسها، فبلغ ذلك قومها فجاؤوا، وجاء قومه فاقتتلوا بالأيدي والنعال، فأنزل الله عز وجل: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" بالدعاء إلى حكم كتاب الله والرضا بما فيه لهما وعليهما {فإن بغت إحداهما} تعدت إحداهما، {على الأخرى} وأبت الإجابة إلى حكم كتاب الله، {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء} ترجع، {إلى أمر الله} في كتابه، {فإن فاءت} رجعت إلى الحق، {فأصلحوا بينهما بالعدل} بحملهما على الإنصاف والرضا بحكم الله، {وأقسطوا} اعدلوا، {إن الله يحب المقسطين} . {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } {إنما المؤمنون إخوة} في الدين والولاية، {فأصلحوا بين أخويكم} إذا اختلفا واقتتلا قرأ يعقوب "بين إخوتكم" بالتاء على الجمع، {واتقوا الله} فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره، {لعلكم ترحمون} . [أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي] ، أخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" . وفي هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين، يدل عليه ما روي عن الحارث الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل-وهو القدوة-في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل وصفين: أمشركون هم؟ فقال: لا من الشرك فروا، فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا . والباغي في الشرع هو الخارج على الإمام العدل، فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة فامتنعوا عن طاعة الإمام العدل بتأويل محتمل، ونصبوا إماما فالحكم فيهم أن يبعث الإمام إليهم ويدعوهم إلى طاعته، فإن أظهروا مظلمة أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة، وأصروا على بغيهم، قاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته، ثم الحكم في قتالهم أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم، ولا يذفف على جريحهم، نادى منادي علي رضي الله عنه يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح .وأتي علي رضي الله عنه يوم صفين بأسير فقال له: لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين. وما أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى في حال القتال من نفس أو مال فلا ضمان عليه.

Section V07/P341–V07/P343

قال ابن شهاب: كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول، وأتلف فيها أموال كثيرة، ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم، وجرى الحكم عليهم، فما علمته اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه. أما من لم يجتمع فيهم هذه الشرائط الثلاث بأن كانوا جماعة قليلين لا منعة لهم، أو لم يكن لهم تأويل، أو لم ينصبوا إماما فلا يتعرض لهم إن لم ينصبوا قتالا ولم يتعرضوا للمسلمين، فإن فعلوا فهم كقطاع الطريق. روي أن عليا رضي الله عنه سمع رجلا يقول في ناحية المسجد: لا حكم إلا لله تعالى، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال . {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } وقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم} الآية، قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته [ركعة من صلاة الفجر] ، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم، فضن كل رجل بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد، فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسا يجلس فيه قام قائما كما هو، فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل، فقال له: تفسح، فقال الرجل: قد أصبت مجلسا فاجلس، فجلس ثابت خلفه مغضبا، فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل، فقال: من هذا؟ قال: أنا فلان، فقال ثابت: ابن فلانة، وذكر 136/أأما له كان يعير بها في الجاهلية، فنكس الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين ذكرناهم، كانوا يستهزؤون بفقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخباب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة، لما رأوا من رثاثة حالهم، فأنزل الله تعالى في الذين آمنوا منهم : {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم} أي رجال من رجال. و"القوم": اسم يجمع الرجال والنساء، وقد يختص بجمع الرجال، {عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن} . روي عن أنس أنها نزلت في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عيرن أم سلمة بالقصر . وعن عكرمة عن ابن عباس: أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب، قال لها النساء: يهودية بنت يهوديين . {ولا تلمزوا أنفسكم} أي لا يعب بعضكم بعضا، ولا يطعن بعضكم على بعض، {ولا تنابزوا بالألقاب} التنابز: التفاعل من النبز، وهو اللقب، وهو أن يدعى الإنسان بغير ما سمي به. قال عكرمة: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق يا منافق يا كافر. وقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يسلم، فيقال له بعد إسلامه يا يهودي يا نصراني، فنهوا عن ذلك . قال عطاء: هو أن تقول لأخيك: يا كلب يا حمار يا خنزير. وروي عن ابن عباس قال: "التنابز بالألقاب": أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف عن عمله.

Section V07/P343–V07/P345

{بئس الاسم الفسوق، بعد الإيمان} . أي بئس الاسم أن يقول: يا يهودي أو يا فاسق بعد ما آمن وتاب، وقيل معناه: إن من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق، وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا اسم الفسوق، {ومن لم يتب} من ذلك، {فأولئك هم، الظالمون} {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم } {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن} قيل: نزلت الآية في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما، ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيئ لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب، فضم سلمان الفارسي إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام فلم يهيئ لهما شيئا، فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟ قال: لا غلبتني عيناي، قالا له: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعاما، فجاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق إلى أسامة بن زيد، وقل له: إن كان عنده فضل من طعام وإدام فليعطك، وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحله، فأتاه فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما وأخبرهما، فقالا كان عند أسامة طعام ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا، فلما رجع قالا لو بعثناك إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان، هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: "مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما"، قالا والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما، قال: بل ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة، فأنزل الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن" ، وأراد: أن يظن بأهل الخير سوءا {إن بعض الظن إثم} قال سفيان الثوري: الظن ظنان: أحدهما إثم، وهو أن تظن وتتكلم به، والآخر ليس بإثم وهو أن تظن ولا تتكلم. {ولا تجسسوا} التجسس: هو البحث عن عيوب الناس، نهى الله تعالى عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم حتى لا يظهر على ما ستره الله منها. أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا" أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن علي بن الحسن الطوسي بها، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا عبد الله بن ناحية، حدثنا يحيى بن أكثم، أخبرنا الفضل بن موسى الشيباني، عن الحسين بن واقد، عن أوفى ابن دلهم، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورات المسلمين، يتتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله". قال: ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم عند الله حرمة منك . وقال زيد بن وهب: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، فإن يظهر لنا شيء نأخذه به {ولا يغتب بعضكم بعضا} يقول: لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوءه مما هو فيه.

Section V07/P345–V07/P346

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، 136/ب وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو الطاهر الحارثي، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فقالوا: لا يأكل حتى يطعم، ولا يرحل حتى يرحل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتبتموه" فقالوا: إنما حدثنا بما فيه، قال: "حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه" . قوله عز وجل: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} قال مجاهد: لما قيل لهم "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا" قالوا: لا قيل: {فكرهتموه} أي فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا. قال الزجاج: تأويله: إن ذكرك من لم يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحم أخيك، وهو ميت لا يحس بذلك. أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا الفريابي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، حدثني صفوان بن عمرو، حدثنا راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم ولحومهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" قال ميمون بن سياه : بينا أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول: كل، قلت: يا عبد الله ولم آكل؟ قال: بما اغتبت عبد فلان، فقلت: والله ما ذكرت فيه خيرا ولا شرا، قال: لكنك استمعت ورضيت به، فكان ميمون لا يغتاب أحدا ولا يدع أحدا يغتاب عنده أحدا . {واتقوا الله إن الله تواب رحيم} . {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} الآية. قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس، وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، يعيره بأمه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من الذاكر فلانة؟ فقال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأحمر وأسود، قال: فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى، فنزلت في ثابت هذه الآية، وفي الذي لم يتفسح: "يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا" (المجادلة-11) . وقال مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا، وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يعيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء، فأتى جبريل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله تعالى هذه الآية وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والإزراء بالفقراء فقال:

Section V07/P346–V07/P348

{يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} يعني آدم وحواء أي إنكم متساوون في النسب. {وجعلناكم شعوبا} جمع شعب بفتح الشين، وهي رؤوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، سموا شعوبا لتشعبهم واجتماعهم، كشعب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعب، أي: جمع، وشعب أي: فرق. {وقبائل} وهي دون الشعوب، واحدتها قبيلة وهي كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدتها عمارة، بفتح العين، وهم كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدتها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش ودون البطون الأفخاذ واحدتها فخذ، وهم كبني هاشم وأمية من بني لؤي، ثم الفصائل، والعشائر واحدتها فصيلة وعشيرة، وليس بعد العشيرة حي يوصف به. وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل. وقال أبو روق: "الشعوب" الذين لا يعتزون إلى أحد، بل ينتسبون إلى المدائن والقرى، "والقبائل": العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. {لتعارفوا} ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده، لا ليتفاخروا. ثم أخبر أن أرفعهم منزلة عند الله أتقاهم فقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} قال قتادة في هذه الآية: إن أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور. أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه، أخبرنا إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عبد بن حميد، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحسب المال، والكرم التقوى" . وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى. أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم، أنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، أخبرنا إبراهيم بن خزيم، حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا الضحاك بن مخلد، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه، فلما خرج لم يجد مناخا، فنزل على أيدي الرجال، ثم قام فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها [بآبائها] ، الناس رجلان بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله ثم تلا "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى"، ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد هو ابن سلام 137/أحدثنا عبدة عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" . أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم }

Section V07/P348–V07/P350

قوله عز وجل: {قالت الأعراب آمنا} الآية، نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة جدبة فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، فأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنون على النبي صلى الله عليه وسلم، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله فيهم هذه الآية . وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا يقولون: آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فأنزل الله عز وجل "قالت الأعراب آمنا" صدقنا. {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي، {ولما يدخل الإيمان، في قلوبكم} فأخبر أن حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيمانا دون التصديق بالقلب والإخلاص. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن غرير الزهري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا جالس فيهم، قال: فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رجلا لم يعطه وهو أعجبهم إلي، فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [فساررته] ، فقلت: مالك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنا، قال: أو مسلما، قال: فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا؟ قال: أو مسلما، قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه" . فالإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان، والأبدان والجنان، كقوله عز وجل لإبراهيم عليه السلام: "أسلم قال أسلمت لرب العالمين" (البقرة-131) ، ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب، وذلك قوله: {ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان، في قلوبكم} . {وإن تطيعوا الله ورسوله} ظاهرا وباطنا سرا وعلانية. قال ابن عباس تخلصوا الإيمان، {لا يلتكم} قرأ أبو عمرو "يألتكم" بالألف لقوله تعالى: "وما ألتناهم" (الطور-21) والآخرون بغير ألف، وهما لغتان، معناهما: لا ينقصكم، يقال: ألت يألت ألتا ولات يليت ليتا إذا نقص، {من أعمالكم شيئا} أي لا ينقص من ثواب أعمالكم شيئا، {إن الله غفور رحيم} . {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون } ثم بين حقيقة الإيمان، فقال: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} لم يشكوا في دينهم، {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} في إيمانهم. فلما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون بالله إنهم مؤمنون صادقون، وعرف الله غير ذلك منهم، فأنزل الله عز وجل: {قل أتعلمون الله بدينكم} ، والتعليم هاهنا بمعنى الإعلام، ولذلك قال: "بدينكم" وأدخل الباء فيه، يقول: أتخبرون الله بدينكم الذي أنتم عليه، {والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم} لا يحتاج إلى إخباركم.

Section V07/P350–V07/P356

{يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم} أي بإسلامكم، {بل الله يمن، عليكم أن هداكم للإيمان} وفي مصحف عبد الله "إذ هداكم للإيمان" {إن كنتم صادقين} إنكم مؤمنون. {إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون} قرأ ابن كثير "يعملون" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء. سورة ق مكية بسم الله الرحمن الرحيم {ق والقرآن المجيد } {ق} [قال ابن عباس: هو قسم، وقيل:] هو اسم للسورة، وقيل هو اسم من أسماء القرآن. وقال القرظي : هو مفتاح اسمه "القدير"، و"القادر" و"القاهر" و"القريب" و"القابض". وقال عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، منه خضرة السماء والسماء مقبية عليه، وعليه كتفاها ، ويقال هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من 137/ب ورائه بمسيرة سنة . وقيل: معناه قضي الأمر، أو قضي ما هو كائن، كما قالوا في حم . {والقرآن المجيد} الشريف الكريم على الله، الكثير الخير. واختلفوا في جواب القسم، فقال أهل الكوفة: جوابه: "بل عجبوا"، وقيل: جوابه محذوف، مجازه: والقرآن المجيد لتبعثن. وقيل: جوابه قوله: "ما يلفظ من قول". وقيل: "قد علمنا " وجوابات القسم سبعة: "إن" الشديدة كقوله: "والفجر-إن ربك لبالمرصاد" (الفجر-14) ، و"ما" النفي كقوله: "والضحى -ما ودعك ربك" (الضحى-1-3) ، و"اللام" المفتوحة كقوله: "فوربك لنسألنهم أجمعين" (الحجر-92) و"إن" الخفيفة كقوله تعالى: "إن كنا لفي ضلال مبين" (الشعراء -38) و"لا" كقوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت" (النحل-38) ، و"قد" كقوله تعالى: "والشمس وضحاها -قد أفلح من زكاها" (الشمس-1-9) . {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج } و"بل" كقوله: "والقرآن المجيد -بل عجبوا". {أن جاءهم منذر} مخوف، {منهم} يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، {فقال الكافرون هذا شيء عجيب} غريب. {أئذا متنا وكنا ترابا} نبعث، ترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه، {ذلك رجع} أي رد إلى الحياة {بعيد} وغير كائن، أي: يبعد أن نبعث بعد الموت. قال الله عز وجل: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي تأكل من لحومهم ودمائهم وعظامهم لا يعزب عن علمه شيء. قال السدي: هو الموت، يقول: قد علمنا من يموت منهم ومن يبقى، {وعندنا كتاب حفيظ} [محفوظ من الشياطين ومن أن يدرس ويتغير وهو اللوح المحفوظ، وقيل: حفيظ] أي: حافظ لعدتهم وأسمائهم. {بل كذبوا بالحق} بالقرآن، {لما جاءهم فهم في أمر مريج} مختلط، قال سعيد بن جبير ومجاهد: ملتبس. قال قتادة في هذه الآية: من ترك الحق مرج عليه أمره والتبس عليه دينه. وقال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم. وذكر الزجاج معنى اختلاط أمرهم، فقال: هو أنهم يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم، مرة شاعر، ومرة ساحر، ومرة معلم، ويقولون للقرآن مرة سحر، ومرة رجز، ومرة مفترى، فكان أمرهم مختلطا ملتبسا عليهم. {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج } ثم دلهم على قدرته، فقال: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها} بغير عمد، {وزيناها} بالكواكب، {وما لها من فروج} شقوق وفتوق وصدوع، واحدها فرج. {والأرض مددناها} بسطناها على وجه الماء، {وألقينا فيها رواسي} جبالا ثوابت، {وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} حسن كريم يبهج به، أي: يسر. {تبصرة} [أي جعلنا ذلك تبصرة] {وذكرى} أي تبصيرا وتذكيرا، {لكل عبد منيب} أي: ليبصر به ويتذكر به.

Section V07/P356–V07/P358

{ونزلنا من السماء ماء مباركا} كثير الخير وفيه حياة كل شيء، وهو المطر، {فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} يعني البر والشعير وسائر الحبوب التي تحصد، فأضاف الحب إلى الحصيد، وهما واحد لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع وربيع الأول. وقيل: "وحب الحصيد" أي: وحب النبت [الحصيد] . {والنخل باسقات} قال مجاهد وعكرمة وقتادة: طوالا يقال: بسقت [النخلة] بسوقا إذا طالت. وقال سعيد بن جبير: مستويات. {لها طلع} ثمر وحمل، سمي بذلك لأنه يطلع، والطلع أول ما يظهر قبل أن ينشق {نضيد} متراكب متراكم منضود بعضه على بعض في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد. {رزقا للعباد} أي جعلناها رزقا للعباد، {وأحيينا به} أي بالمطر، {بلدة ميتا} أنبتنا فيها الكلأ {كذلك الخروج} من القبور. {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد } قوله عز وجل: {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع} وهو تبع الحميري، واسمه أسعد أبو كرب، قال قتادة: ذم الله تعالى قوم تبع ولم يذمه، ذكرنا قصته في سورة الدخان . {كل كذب الرسل} أي: كل من هؤلاء المذكورين كذب الرسل، {فحق وعيد} وجب لهم عذابي. ثم أنزل جوابا لقولهم "ذلك رجع بعيد": {أفعيينا بالخلق الأول} يعني: أعجزنا حين خلقناهم أولا [فنعيا] بالإعادة. وهذا تقرير لهم لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث، ويقال لكل من عجز عن شيء: عيي به. {بل هم في لبس} أي: في شك، {من خلق جديد} وهو البعث. {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} يحدث به قلبه ولا يخفى علينا سرائره وضمائره، {ونحن أقرب إليه} أعلم به، {من حبل الوريد} لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله شيء، و"حبل الوريد": عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم والعلباوين، يتفرق في البدن، والحبل هو الوريد، فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. {إذ يتلقى المتلقيان} أي: يتلقى ويأخذ الملكان الموكلان بالإنسان عمله ومنطقه يحفظانه ويكتبانه، {عن اليمين وعن الشمال} أي أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. {قعيد} أي: قاعد، ولم يقل: قعيدان، لأنه أراد: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، هذا قول أهل البصرة. وقال أهل الكوفة: أراد: قعودا، كالرسول فجعل للاثنين والجمع، كما قال الله تعالى في الاثنين: "فقولا إنا رسول رب العالمين" (الشعراء-16) ، وقيل: أراد بالقعيد الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم. وقال مجاهد: القعيد الرصيد. {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } {ما يلفظ من قول} ما يتكلم من كلام فيلفظه أي: يرميه من فيه، {إلا لديه رقيب} حافظ، {عتيد} حاضر أينما كان. قال 138/أالحسن: إن الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه وعند جماعه. وقال مجاهد: يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه . وقال عكرمة: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه . وقال الضحاك: مجلسهما تحت الضرس على الحنك، ومثله عن الحسن، وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد الدينوري، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا الفضل بن العباس بن مهران، حدثنا طالوت، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا جعفر بن الزبير عن القاسم بن محمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا؛ وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر" .

Section V07/P358–V07/P360

{وجاءت سكرة الموت} غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، {بالحق} أي بحقيقة الموت، وقيل: بالحق من أمر الآخرة حتى يتبينه الإنسان ويراه بالعيان. وقيل: بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة. ويقال لمن جاءته سكرة الموت: {ذلك ما كنت منه تحيد} تميل، قال الحسن: تهرب وقال ابن عباس: تكره، وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا ومحيدا: إذا ملت عنه. {ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } {ونفخ في الصور} يعني نفخة البعث، {ذلك يوم الوعيد} أي: ذلك اليوم يوم الوعيد الذي وعده الله للكفار أن يعذبهم فيه. قال مقاتل: يعني بالوعيد العذاب، أي: يوم وقوع الوعيد. {وجاءت} ذلك اليوم، {كل نفس معها سائق} يسوقها إلى المحشر {وشهيد} يشهد عليها بما عملت، قال الضحاك: السائق من الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل، وهي رواية العوفي عن ابن عباس . وقال الآخرون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله: {لقد كنت في غفلة من هذا} . {لقد كنت في غفلة من هذا} اليوم في الدنيا، {فكشفنا عنك غطاءك} الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك وبصرك، {فبصرك اليوم حديد} نافذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. وروي عن مجاهد قال: يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك. {وقال قرينه} الملك الموكل به، {هذا ما لدي عتيد} معد محضر، وقيل: "ما" بمعنى {من} ، قال مجاهد: يقول هذا الذي وكلتني به من ابن آدم حاضر عندي قد أحضرته وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله عز وجل لقرينه: {ألقيا في جهنم} هذا خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب، تقول: ويحك ويلك ارحلاها وازجراها وخذاها وأطلقاها، للواحد، قال الفراء : وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه وسفره اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم في الشعر للواحد: خليلي. وقال الزجاج: هذا أمر للسائق والشهيد، وقيل: للمتلقيين. {كل كفار عنيد} عاص معرض عن الحق. قال عكرمة ومجاهد: مجانب للحق معاند لله. {مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد } {مناع للخير} أي للزكاة المفروضة وكل حق وجب في ماله، {معتد} ظالم لا يقر بتوحيد الله، {مريب} شاك في التوحيد، ومعناه: داخل في الريب. {الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد} وهو النار. {قال قرينه} يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر: {ربنا ما أطغيته} ما أضللته وما أغويته، {ولكن كان في ضلال بعيد} عن الحق فيتبرأ عنه شيطانه، قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: "قال قرينه" يعني: الملك، قال سعيد بن جبير: يقول الكافر يا رب إن الملك زاد علي في الكتابة، فيقول الملك "ربنا ما أطغيته"، يعني ما زدت عليه وما كتبت إلا ما قال وعمل ، ولكن كان في ضلال بعيد، طويل لا يرجع عنه إلى الحق. {قال} فيقول الله {لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد} في القرآن وأنذرتكم وحذرتكم على لسان الرسول، وقضيت عليكم ما أنا قاض. {ما يبدل القول لدي} لا تبديل لقولي، وهو قوله: "لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" (السجدة-13) ، وقال قوم: معنى قوله: "ما يبدل القول لدي" أي: لا يكذب عندي، ولا يغير القول عن وجهه لأني أعلم الغيب. وهذا قول الكلبي، واختيار الفراء ، لأنه قال: "ما يبدل القول لدي" ولم يقل ما يبدل قولي. {وما أنا بظلام للعبيد} فأعاقبهم بغير جرم.

Section V07/P360–V07/P362

{يوم نقول لجهنم} قرأ نافع وأبو بكر "يقول" بالياء، أي: يقول الله، لقوله: "قال لا تختصموا"، وقرأ الآخرون بالنون، {هل امتلأت} وذلك لما سبق لها من وعده إياها أنه يملؤها من الجنة والناس، وهذا السؤال من الله عز وجل لتصديق خبره وتحقيق وعده، {وتقول} جهنم، {هل من مزيد} قيل: معناه قد امتلأت ولم يبق في موضع لم يمتلىء، فهو استفهام إنكار، هذا قول عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان. وقيل: هذا استفهام بمعنى الاستزادة، وهو قول ابن عباس في رواية أبي صالح، وعلى هذا يكون السؤال بقوله: "هل امتلأت"، قبل دخول جميع أهلها فيها، وروي عن ابن عباس: أن الله تعالى سبقت كلمته "لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" (السجدة-13) ، فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ولا يملؤها شيء، فتقول: ألست قد 138/ب أقسمت لتملأني؟ فيضع قدمه عليها، ثم يقول: هل امتلأت؟ فتقول: قط قط قد امتلأت فليس في مزيد . أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا [أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ] حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب الطوسي، أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال جهنم تقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول قط قط وعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقا فيسكنه فضول الجنة" . {وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ } {وأزلفت الجنة} قربت وأدنيت، {للمتقين} الشرك، {غير بعيد} ينظرون إليها قبل أن يدخلوها. {هذا ما توعدون} قرأ ابن كثير بالياء والآخرون بالتاء، يقال لهم: هذا الذي ترونه ما توعدون على ألسنة الأنبياء عليهم السلام، {لكل أواب} رجاع إلى الطاعة عن المعاصي، قال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال الشعبي ومجاهد: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقال الضحاك: هو التواب. وقال ابن عباس وعطاء: المسبح، من قوله: "يا جبال أوبي معه" (سبأ-10) وقال قتادة: المصلي. {حفيظ} قال ابن عباس: الحافظ لأمر الله، وعنه أيضا: هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر منها. قال قتادة حفيظ لما استودعه الله من حقه. قال الضحاك: الحافظ على نفسه المتعهد لها. قال الشعبي: المراقب. قال سهل بن عبد الله: المحافظ على الطاعات والأوامر. {من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد } {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } {من خشي الرحمن بالغيب} محل "من" جر على نعت الأواب. ومعنى الآية: من خاف الرحمن وأطاعه بالغيب ولم يره. وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الباب. {وجاء بقلب منيب} مخلص مقبل إلى طاعة الله. {ادخلوها} [أي: يقال لأهل هذه الصفة: ادخلوها] أي ادخلوا الجنة {بسلام} بسلامة من العذاب والهموم. وقيل بسلام من الله وملائكته عليهم. وقيل: بسلامة من زوال النعم، {ذلك يوم الخلود} . {لهم ما يشاءون فيها} ، وذلك أنهم يسألون الله تعالى حتى تنتهي مسألتهم فيعطون ما شاؤوا، ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه، وهو قوله: {ولدينا مزيد} ، يعني الزيادة لهم في النعيم ما لم يخطر ببالهم. وقال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله الكريم.

Section V07/P362–V07/P364

قوله عز وجل: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد} ، ضربوا وساروا وتقلبوا وطافوا، وأصله من النقب، وهو الطريق كأنهم سلكوا كل طريق، {هل من محيص} فلم يجدوا محيصا من أمر الله. وقيل: "هل من محيص" مفر من الموت؟ فلم يجدوا [منه مفرا، وهذا إنذار] لأهل مكة وأنهم على مثل سبيلهم لا يجدون مفرا عن الموت يموتون، فيصيرون إلى عذاب الله. {إن في ذلك} ، فيما ذكرت من العبر وإهلاك القرى، {لذكرى} ، تذكرة وعظة، {لمن كان له قلب} قال ابن عباس: أي عقل. قال الفراء : هذا جائز في العربية، تقول: ما لك قلب، وما قلبك معك، أي ما عقلك معك، وقيل: له قلب حاضر مع الله. {أو ألقى السمع} ، استمع القرآن، واستمع ما يقال له، لا يحدث نفسه بغيره، تقول العرب: ألق إلي سمعك، أي استمع، {وهو شهيد} ، أي حاضر القلب ليس بغافل ولا ساه. {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود } قوله عز وجل: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} ، إعياء وتعب. نزلت في اليهود حيث قالوا: يا محمد أخبرنا بما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟ فقال: "خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والمدائن والأنهار والأقوات يوم الأربعاء، والسموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث الساعات الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم"، قالوا: صدقت إن أتممت، قال: وما ذاك؟ قالوا: ثم استراح يوم السبت، واستلقى على العرش، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم . {فاصبر على ما يقولون} ، من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد، وهذا قبل الأمر بقتالهم، {وسبح بحمد ربك} ، أي: صل حمدا لله، {قبل طلوع الشمس} ، يعني: صلاة الصبح، {وقبل الغروب} ، يعني: صلاة العصر. وروي عن ابن عباس قال: "قبل الغروب" الظهر والعصر. {ومن الليل فسبحه} ، يعني: صلاة المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "ومن الليل" أي: صلاة الليل أي وقت صلى. {وأدبار السجود} قرأ أهل الحجاز وحمزة "وإدبار السجود" بكسر الهمزة، مصدر أدبر إدبارا، وقرأ الآخرون بفتحها على جمع الدبر. قال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحسن، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي: "أدبار السجود" الركعتان بعد صلاة المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر. وهي رواية العوفي عن ابن عباس . وروي عنه مرفوعا ، هذا قول أكثر المفسرين. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين أمام الصبح . أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا أبو عوانة عن قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى، عن سعيد بن 139 /أهشام عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" . أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا بدل بن المحبر، حدثنا عبد الملك بن معدان عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما أحصى ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل [صلاة الفجر] : بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد .

Section V07/P364–V07/P371

قال مجاهد: "وأدبار السجود" هو التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات. أخبرنا أبو الحسين طاهر بن الحسين الروقي الطوسي بها، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا مسدد، حدثنا خالد هو ابن عبد الله، حدثنا سهيل عن أبي عبيد عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، فذلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسحاق، أخبرنا يزيد، أخبرنا ورقاء عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم، قال: كيف ذاك؟ قالوا: صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال، قال: "أفلا أخبركم بأمر تدركون به من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله: تسبحون في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدون عشرا، وتكبرون عشرا" . قوله عز وجل: {واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج } {واستمع يوم ينادي المنادي} ، أي: واستمع يا محمد صيحة القيامة والنشور يوم ينادي المنادي، قال مقاتل: يعني إسرافيل ينادي بالحشر يا أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء {من مكان قريب} من صخرة بيت المقدس، وهي وسط الأرض. قال الكلبي: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. {يوم يسمعون الصيحة بالحق} ، وهي الصيحة الأخيرة، {ذلك يوم الخروج} ، من القبور. {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير يوم تشقق الأرض عنهم سراعا} جمع سريع، أي: يخرجون سراعا، {ذلك حشر علينا} ، جمع علينا {يسير} . {نحن أعلم بما يقولون} ، يعني: كفار مكة في تكذيبك، {وما أنت عليهم بجبار} ، بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما بعثت مذكرا، {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} أي: ما أوعدت به من عصاني من العذاب. قال ابن عباس: قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت "فذكر بالقرآن من يخاف وعيد". سورة الذاريات مكية بسم الله الرحمن الرحيم {والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع } {والسماء ذات الحبك } {والذاريات ذروا} يعني: الرياح التي تذرو التراب ذروا، يقال: ذرت الريح التراب وأذرت. {فالحاملات وقرا} يعني: السحاب تحمل ثقلا من الماء. {فالجاريات يسرا} هي السفن تجري في الماء جريا سهلا. {فالمقسمات أمرا} هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به، أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته. ثم ذكر المقسم عليه فقال: {إنما توعدون} من الثواب والعقاب، {لصادق} . {وإن الدين} [الحساب والجزاء] {لواقع} لكائن. ثم ابتدأ قسما آخر فقال: {والسماء ذات الحبك} قال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ذات الخلق الحسن المستوي، يقال للنساج إذا نسج الثوب فأجاد: ما أحسن حبكه! قال سعيد بن جبير: ذات الزينة. قال الحسن: حبكت بالنجوم. قال مجاهد: هي المتقنة البنيان. وقال مقاتل والكلبي والضحاك: ذات الطرائق كحبك الماء إذا ضربته الريح، وحبك الرمل والشعر الجعد، ولكنها لا ترى لبعدها من الناس، وهي جمع حباك وحبيكة، وجواب القسم قوله: {إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون }

Section V07/P371–V07/P372

{إنكم} أي: يا أهل مكة، {لفي قول مختلف} في القرآن وفي محمد صلى الله عليه وسلم، تقولون في القرآن: سحر وكهانة وأساطير الأولين، وفي محمد صلى الله عليه وسلم: ساحر وشاعر ومجنون. وقيل: "لفي قول مختلف" أي: مصدق ومكذب. {يؤفك عنه من أفك} يصرف عن الإيمان به من صرف حتى يكذبه، يعني: من حرمه الله الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. وقيل "عن" بمعنى: من أجل، أي يصرف من أجل هذا القول المختلف أو بسببه عن الإيمان من صرف. وذلك أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان فيقولون: إنه ساحر وكاهن ومجنون، فيصرفونه عن الإيمان، وهذا معنى قول مجاهد. {قتل الخراصون} لعن الكذابون، يقال: تخرص على فلان الباطل، وهم المقتسمون الذين اقتسموا عقاب مكة، واقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم ليصرفوا الناس عن دين الإسلام. وقال مجاهد: هم الكهنة. {الذين هم في غمرة} غفلة وعمى وجهالة، {ساهون} لاهون غافلون عن أمر الآخرة، والسهو: الغفلة عن الشيء، وهو ذهاب القلب عنه. {يسألون أيان يوم الدين} يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء، يعني: يوم القيامة تكذيبا واستهزاء. قال الله عز وجل: {يوم هم} أي يكون هذا الجزاء في يوم هم، {على النار يفتنون} أي: يعذبون ويحرقون بها كما يفتن الذهب بالنار. وقيل: "على" بمعنى الباء أي بالنار، وتقول لهم خزنة النار: {ذوقوا فتنتكم} . {ذوقوا فتنتكم} عذابكم، {هذا الذي كنتم به تستعجلون} في الدنيا تكذيبا به. {إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون } {إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم} أعطاهم، {ربهم} من الخير والكرامة، {إنهم كانوا قبل ذلك} قبل 139/ب دخولهم الجنة، {محسنين} في الدنيا. {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} والهجوع النوم بالليل دون النهار، "وما" صلة، والمعنى: كانوا يهجعون قليلا من الليل، أي يصلون أكثر الليل. وقيل: معناه كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلا وهذا معنى قول سعيد بن جبير عن ابن عباس، يعني: كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئا، إما من أولها أو من أوسطها. قال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء . وقال محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة . قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها . قال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل . ووقف بعضهم على قوله: "قليلا" أي: كانوا من الناس قليلا ثم ابتدأ: "من الليل ما يهجعون"، وجعله جحدا أي: لا ينامون بالليل البتة، بل يقومون للصلاة والعبادة، وهو قول الضحاك ومقاتل. {وبالأسحار هم يستغفرون} قال الحسن: لا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فمدوا إلى السحر، ثم أخذوا بالأسحار في الاستغفار . وقال الكلبي ومجاهد ومقاتل: وبالأسحار يصلون، وذلك أن صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا الملك أنا الملك، من الذي يدعوني فأستجيب له؟ من الذي يسألني فأعطيه؟ من الذي يستغفرني فأغفر له؟ " .

Section V07/P372–V07/P375

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا سليمان بن أبي مسلم عن طاوس سمع ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، [ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن] ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ولا إله غيرك". قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: "ولا حول ولا قوة إلا بالله" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا صدقة، أخبرنا الوليد عن الأوزاعي، حدثني عمير بن هانىء، حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثني عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته". {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } قوله عز وجل: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} السائل: الذي يسأل الناس، والمحروم: الذي ليس له في الغنائم سهم، ولا يجرى عليه من الفيء شيء، هذا قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، قالا [المحروم الذي] ليس له في الإسلام سهم، ومعناه في اللغة: الذي منع الخير والعطاء. وقال قتادة والزهري: "المحروم" المتعفف الذي لا يسأل. وقال زيد بن أسلم: هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته. وهو قول محمد بن كعب القرظي، قال: المحروم صاحب الجائحة ثم قرأ: "إنا لمغرمون بل نحن محرومون" (الواقعة-66-67) . {وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون } {وفي الأرض آيات} عبر، {للموقنين} إذا ساروا فيها من الجبال والبحار والأشجار والثمار وأنواع النبات. {وفي أنفسكم} آيات، إذ كانت نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما إلى أن نفخ فيها الروح. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد اختلاف الألسنة والصور والألوان والطبائع. وقال ابن الزبير: يريد سبيل الغائط والبول يأكل ويشرب من مدخل واحد ويخرج من سبيلين. {أفلا تبصرون} [قال مقاتل] أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث. {وفي السماء رزقكم} قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق، {وما توعدون} قال عطاء: من الثواب والعقاب. وقال مجاهد: من الخير والشر. وقال الضحاك: وما توعدون من الجنة والنار، ثم أقسم بنفسه فقال: {فورب السماء والأرض إنه لحق} أي: ما ذكرت من أمر الرزق لحق، {مثل} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: "مثل" برفع اللام بدلا من "الحق"، وقرأ الآخرون بالنصب أي كمثل، {ما أنكم تنطقون} فتقولون: لا إله إلا الله. وقيل: شبه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نطق الآدمي، كما تقول: إنه لحق كما أنت ها هنا، وإنه لحق كما أنك تتكلم، والمعنى: إنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة. قال بعض الحكماء: يعني: كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره فكذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره.

Questions