Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)
ذهب جماعة من المعتزلة إلى أن الأفعال قبل ورود الشرع على الإباحة وقال بعضهم على الحظر وقال بعضهم على الوقف ولعلهم أرادوا بذلك فيما لا يقضي العقل فيه بتحسين ولا تقبيح ضرورة أو نظرا كما فصلناه من مذهبهم وهذه المذاهب كلها باطلة أما إبطال مذهب الإباحة فهو أنا نقول المباح يستدعي مبيحا كما يستدعي العلم والذكر ذاكرا وعالما والمبيح هو الله تعالى إذا خير بين الفعل والترك بخطابه فإذا لم يكن خطاب لم يكن تخيير فلم تكن إباحة وإن عنوا بكونه مباحا أنه لا حرج في فعله ولا تركه فقد أصابوا في المعنى وأخطأوا في اللفظ فإن فعل البهيمة والصبي والمجنون لا يوصف بكونه مباحا وإن لم يكن في فعلهم وتركهم حرج والأفعال في حق الله تعالى أعني ما يصدر من الله لا توصف بأنها مباحة ولا حرج عليه في تركها لكنه انتفى التخيير من المخير انتفت الإباحة فإن استجرأ مستجرىء على إطلاق اسم المباح على أفعال الله تعالى ولم يرد به إلا نفي الحرج فقد أصاب في المعنى وإن كان لفظه مستكرها فإن قيل العقل هو المبيح لأنه خير بين فعله وتركه إذ حرم القبيح وأوجب الحسن وخير فيما ليس بحسن ولا قبيح قلنا تحسين العقل وتقبيحه قد أبطلناه وهذا مبني عليه فيبطل ثم تسمية العقل مبيحا مجاز كتسميته موجبا فإن العقل يعرف الترجيح ويعرف انتفاء الترجيح ويكون معنى وجوبه رجحان فعله على تركه والعقل يعرف ذلك ومعنى كونه مباحا انتفاء الترجيح والعقل معرف لا مبيح فإنه ليس بمرجح ولا مسو لكنه معرف للرجحان والاستواء ثم نقول بم تنكرون على أصحاب الوقف إذا أنكروا استواء الفعل والترك وقالوا ما من فعل مما لا يحسنه العقل ولا يقبحه إلا ويجوز أن يرد الشرع بإيجابه فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي لأجله يكون لطفا ناهيا عن الفحشاء داعيا إلى العبادة ولذلك أوجبه الله تعالى والعقل لا يستقل بدركه ويجوز أن يرد الشرع بتحريمه فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي يدعو بسببه إلى الفحشاء لا يدركه العقل وقد استأثر الله بعلمه هذا مذهبهم ثم يقولون بم تنكرون على أصحاب الحظر إذ قالوا لا نسلم استواء الفعل وتركه فإن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح والله تعالى هو المالك ولم يأذن فإن قيل لو كان قبيحا لنهى عنه وورد السمع به فعدم ورود السمع دليل على انتفاء قبحه قلنا لو كان حسنا لأذن فيه وورد السمع به فعدم ورود السمع به دليل على انتفاء حسنه فإن قيل إذا أعلمنا الله تعالى أنه نافع ولا ضرر فيه فقد أذن فيه قلنا فإعلام المالك إيانا أن طعامه نافع لا ضرر فيه ينبغي أن يكون أذنا فإن قيل المالك منا يتضرر والله لا يتضرر فالتصرف في مخلوقاته بالإضافة إليه يجري مجرى التصرف في مرآة الإنسان بالنظر فيها وفي حائطه بالاستظلال به وفي سراجه بالاستضاءة به قلنا لو كان قبح التصرف في ملك الغير لتضرره لا لعدم أذنه لقبح وإن أذن إذا كان متضررا كيف ومنع المالك من المرآة والظل والاستضاءة بالسراج قبيح وقد منع الله عباده من جملة من المأكولات ولم يقبح فإن كان ذلك لضرر العبد فما من فعل إلا ويتصور أن يكون فيه ضرر خفي لا يدركه العقل ويرد التوقيف بالنهي عنه ثم نقول قولكم أنه إذا كان لا يتضرر الباري بتصرفنا فيباح فلم قلتم ذلك فإن نقل مرآة الغير من موضع إلى موضع وإن كان لا يتضرر به صاحبها يحرم وإنما يباح النظر لأن النظر ليس تصرفا في المرآة كما أن النظر إلى الله تعالى وإلى السماء ليس تصرفا في المنظور فيه ولا في الاستظلال تصرف في الحائط ولا في الاستضاءة تصرف في السراج فلو تصرف في نفس هذه الأشياء ربما يقضي بتحريمه إلا إذا دل السمع على جوازه فإن قيل خلق الله تعالى الطعوم فيها والذوق دليل على أنه أراد انتفاعنا بها فقد كان قادرا على خلقها عارية عن الطعوم قلنا الأشعرية وأكثر المعتزلة مطبقون على استحالة خلوها عن الأعراض التي هي قابلة لها فلا يستقيم ذلك وإن سلم فلعله خلقها لا لينتفع بها أحد بل خلق العالم بأسره لا لعلة أو لعله خلقها ليدرك ثواب اجتنابها مع الشهوة كما يثاب على ترك القبائح المشتهاة
وأما مذهب أصحاب الحظر فأظهر بطلانا إذ لا يعرف حظرها بضرورة العقل ولا بدليله ومعنى الحظر ترجيح جانب الترك على جانب الفعل لتعلق ضرر بجانب الفعل فمن أين يعلم ذلك ولم يرد سمع والعقل لا يقضي به بل ربما يتضرر بترك اللذات عاجلا فكيف يصير تركها أولى من فعلها وقولهم إنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو قبيح فاسد لأنا لا نسلم قبح ذلك لولا تحريم الشرع ونهيه ولو حكم فيه العادة فذلك يقبح في حق من تضرر بالتصرف في ملكه بل القبيح المنع مما لا ضرر فيه ثم قد بينا أن حقيقة درك القبح ترجع إلى مخالفة الغرض وأن ذلك لا حقيقة له وأما مذهب الوقف إن أرادوا به أن الحكم موقوف على ورود السمع ولا حكم في الحال فصحيح إذ معنى الحكم الخطاب ولا خطاب قبل ورود السمع وإن أريد به أنا نتوقف فلا ندري أنها محظورة أو مباحة فهو خطأ لأنا ندري أنه لا حظر إذ معنى الحظر قول الله تعالى لا تفعلوه ولا إباحة إذ معنى الإباحة قوله إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه ولم يرد شيء من ذلك الفن الثاني في أقسام الأحكام ويشتمل على تمهيد ومسائل خمس عشرة أما التمهيد فإن أقسام الأحكام الثابتة لأفعال المكلفين خمسة الواجب والمحظور والمباح والمندوب والمكروه ووجه هذه القسمة أن خطاب الشرع إما أن يرد باقتضاء الفعل أو اقتضاء الترك أو التخيير بين الفعل والترك فإن ورد باقتضاء الفعل فهو أمر فإما أن يقترن به الإشعار بعقاب على الترك فيكون واجبا ولا يقترن فيكون ندبا والذي ورد باقتضاء الترك فإن أشعر بالعقاب على الفعل فحظر وإلا فكراهية وإن ورد بالتخيير فهو مباح ولا بد من ذكر حد كل واحد على الرسم فأما حد الواجب فقد ذكرنا طرفا منه في مقدمة الكتاب ونذكر الآن ما قيل فيه فقال قوم إنه الذي يعاقب على تركه فاعترض عليه بأن الواجب قد يعفي عن العقوبة على تركه ولا يخرج عن كونه واجبا لأن الوجوب ناجز والعقاب منتظر وقيل ما توعد بالعقاب على تركه فاعترض عليه بأنه لو توعد لوجب تحقيق الوعيد فإن كلام الله تعالى صدق ويتصور أن يعفي عنه ولا يعاقب وقيل ما يخاف العقاب على تركه وذلك يبطل بالمشكوك في تحريمه ووجوبه فإنه ليس بواجب ويخاف العقاب على تركه وقال القاضي أبو بكر رحمه الله الأولى في حده أن يقال هو الذي يذم تاركه ويلام شرعا بوجه ما لأن الذم أمر ناجز والعقوبة مشكوك فيها وقوله بوجه ما قصد أن يشمل الواجب المخير فإنه يلام على تركه مع بدله والواجب الموسع فإنه يلام على تركه مع ترك العزم على امتثاله فإن قيل فهل من فرق بين الواجب والفرض قلنا لا فرق عندنا بينهما بل هما من الألفاظ المترادفة كالحتم واللازم وأصحاب أبي حنيفة اصطلحوا على تخصيص اسم الفرض بما يقطع بوجوبه وتخصيص اسم الواجب بما لا يدرك إلا ظنا ونحن لا ننكر انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعاني وقد قال القاضي لو أوجب الله علينا شيئا ولم يتوعد بعقاب على تركه لوجب فالوجوب إنما هو بإيجابه لا بالعقاب وهذا فيه نظر لأن ما استوى فعله وتركه في حقنا فلا معنى لوصفه بالوجوب إذ لا نعقل وجوبا إلا بأن يترجح فعله على تركه بالإضافة إلى أغراضنا فإذا انتفى الترجيح فلا معنى للوجوب أصلا وإذا عرفت حد الواجب فالمحظور في مقابلته ولا يخفى حده
وأما حد المباح فقد قيل فيه ما كان تركه وفعله سيين ويبطل بفعل الطفل والمجنون والبهيمة ويبطل بفعل الله تعالى وكثير من أفعاله يساوي الترك في حقنا وهما في حق الله تعالى أبدا سيان وكذلك الأفعال قبل ورود الشرع تساوي الترك ولايسمى شيء من ذلك مباحا بل حده أنه الذي ورد الإذن من الله تعالى بفعله وتركه غير مقرون بذم فاعله ومدحه ولا بذم تاركه ومدحه ويمكن أن يحد بأنه الذي عرف الشرع أنه لا ضرر عليه في تركه ولا فعله ولا نفع من حيث فعله وتركه احترازا عما إذا ترك المباح بمعصية فإنه يتضرر لا من حيث ترك المباح بل من يحث ارتكاب المعصية وأما حد الندب فقيل فيه إنه الذي فعله خير من تركه من غير ذم يلحق بتركه ويرد عليه الأكل قبل ورود الشرع فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة وبقاء الحياة وقالت القدرية هو الذي إذا فعله فاعله استحق المدح ولا يستحق الذم بتركه ويرد عليه فعل الله تعالى فإنه لا يسمى ندبا مع أنه يمدح على كل فعل ولا يذم فالأصح في حده أنه المأمور به الذي لا يلحق الذم بتركه من حيث هو ترك له من غير حاجة إلى بدل احترازا عن الواجب المخير والموسع وأما المكروه فهو لفظ مشترك في عرف الفقهاء بين معاني أحدها المحظور فكثيرا ما يقولالشافعي رحمه الله وأكره كذا وهو يريد التحريم الثاني ما نهي عنه نهي تنزيه وهو الذي أشعر بأن تركه خير من فعله وإن لم يكن عليه عقاب كما أن الندب هو الذي أشعر بأن فعله خير من تركه الثالث ترك ما هو الأولى وإن لم ينه عنه كترك صلاة الضحى مثلا لا لنهي ورد عنه ولكن لكثرة فضله وثوابه قيل فيه إنه مكروه تركه الرابع ما وقعت الريبة والشبهة في تحريمه كلحم السبع وقليل النبيذ وهذا فيه نظر لأن من أداه اجتهاده إلى تحريمه فهو عليه حرام ومن أداه اجتهاده إلى حله فلا معنى للكراهية فيه إلا إذا كان من شبهة الخصم حزازة في نفسه ووقع في قلبه فقد قال صلى الله عليه وسلم الإثم حزاز القلب فلا يقبح إطلاق لفظ الكراهة لما فيه من خوف التحريم وإن كان غالب الظن الحل ويتجه هذا على مذهب من يقول المصيب واحد فأما من صوب كل مجتهد فالحل عنده مقطوع به إذا غلب على ظنه الحل وإذا فرغنا من تمهيد الأقسام فلنذكر المسائل المتشعبة عنها مسألة ( أصناف الواجب ) الواجب ينقسم إلى معين وإلى مبهم بين أقسام محصورة ويسمى واجبا مخيرا كخصلة من خصال الكفارة فإن الواجب من جملتها واحد لا بعينه وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا لا معنى للإيجاب مع التخيير فإنهما متناقضان ونحن ندعي أن ذلك جائز عقلا وواقع شرعا أما دليل جوازه عقلا فهو أن السيد إذا قال لعبده أوجبت عليك خياطة هذا القميص أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم أيهما فعلت اكتفيت به وأثبتك عليه وإن تركت الجميع عاقبتك ولست أوجب الجميع وإنما أوجب واحدا لا بعينه أي واحد أردت فهذا كلام معقول ولا يمكن أن يقال أنه لم يوجب عليه شيئا لأنه عرضه للعقاب بترك الجميع فلا ينفك عن الوجوب ولا يمكن أن يقال أوجب الجميع فإنه صرح بنقيضه ولا يمكن أن يقال أوجب واحدا بعينه من الخياطة أو البناء فإنه صرح بالتخيير فلا يبقى إلا أن يقال الواجب واحد لا بعينه
وأما دليل وقوع شرعا فخصال الكفارة بل إيجاب إعتاق الرقبة فإنه بالإضافة إلى أعيان العبيد مخير وكذلك تزويج البكر الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين واجب ولا سبيل إلى إيجاب الجمع وكذلك عقد الإمامة لأحد الإمامين الصالحين للإمامة واجب والجمع محال فإن قيل الواجب جميع خصال الكفارة فلو تركها عوقب على الجميع ولو أتى بجميعها وقع الجميع واجبا ولو أتى بواحد سقط عنه الآخر وقد يسقط الواجب بأسباب دون الأداء وذلك غير محال قلنا هذا لا يطرد في الإمامين والكفؤين فإن الجمع فيه حرام فكيف يكون الكل واجبا ثم هو خلاف الإجماع في خصال الكفارة إذ الأمة مجمعة على أن الجميع غير واجب واحتجوا بأن الخصال الثلاث إن كانت متساوية الصفات عند الله تعالى بالإضافة إلى صلاح العبد فينبغي أن يجب الجميع تسوية بين المتساويات وأن تميز بعضها بوصف يقتضي الإيجاب فينبغي أن يكون هو الواجب ولا يجعل مبهما بغيره كيلا يلتبس بغيره قلنا ومن سلم لكم أن للأفعال أوصافا في ذواتها لأجلها يوجبها الله تعالى بل الإيجاب إليه وله أن يعين واحدة من الثلاث المتساويات فيخصصها بالإيجاب دون غيرها وله أن يوجب واحدا لا بعينه ويجعل مناط التعيين اختيار المكلف لفعله حتى لا يتعذر عليه الامتثال احتجوا بأن الواجب هو الذي يتعلق به الإيجاب وإذا كان الواجب واحدا من الخصال الثلاث علم الله تعالى ما تعلق به الإيجاب فيتميز ذلك في علمه فكان هو الواجب قلنا إذا أوجب واحدا لا بعينه فإنا نعلمه غير معين ولو خاطب السيد عبده بأني أوجبت عليك الخياطة أو البناء فكيف يعلمه الله تعالى ولا يعلمه إلا على ما هو عليه من نعته ونعته أنه غير معين فيعلمه غير معين كما هو عليه وهذا التحقيق وهو أن الواجب ليس له وصف ذاتي من تعلق الإيجاب به وإنما هو إضافة إلى الخطاب والخطاب بحسب النطق والذكر وخلق السواد في أحد الجسمين لا بعينه وخلق العلم في أحد الشخصين لا بعينه غير ممكن فأما ذكر واحد من اثنين لا على التعيين فممكن كمن يقول لزوجتيه إحداكما طالق فالإيجاب قول يتبع النطق فإن قيل الموجب طالب ومطلوبه لا بد أن يتميز عنده قلنا يجوز أن يكون طلبه متعلقا بأحد أمرين كما تقول المرأة زوجني من أحد الخاطبين أيهما كان وأعتق رقبة من هذه الرقاب أيها كانت وبايع أحد هذين الإمامين أيهما كان فيكون المطلوب أحدهما لا بعينه وكل ما تصور طلبه تصور إيجابه فإن قيل أن الله سبحانه يعلم ما سيأتي به المكلف ويتأدى به الواجب فيكون معينا في علم الله تعالى قلنا يعلمه الله تعالى غير معين ثم يعلم أنه يتعين بفعله ما لم يكن متعينا قبل فعله ثم لو أتى بالجميع أو لم يأت بالجميع فكيف يتعين واحد في علم الله تعالى فإن قيل فلم لا يجوز أن يوجب على أحد شخصين لا بعينه ولم قلتم بأن فرض الكفاية على الجميع مع أن الوجوب يسقط بفعل واحد قلنا لأن الوجوب يتحقق بالعقاب ولا يمكن عقاب أحد الشخصين لا بعينه ويجوز أن يقال أنه يعاقب على أحد الفعلين لا بعينه مسألة ( أصناف الواجب من حيث الوقت ) الواجب ينقسم بالإضافة إلى الوقت إلى مضيق وموسع وقال قوم التوسع يناقض الوجوب وهو باطل عقلا وشرعا أما العقل فإن السيد إذا قال لعبده خط هذا الثوب في بياض هذا النهار إما في أوله أو في أوسطه أو في آخره كيفما أردت فمهما فعلت فقد امتثلت إيجابي فهذا معقول ولا يخلو إما أن يقال لم يوجب شيئا أصلا أو أوجب شيئا مضيقا وهما محالان فلم يبق إلا أنه أوجب م 9 وسعا
وأما الشرع فالإجماع منعقد على وجوب الصلاة عند الزوال وأنه مهما صلى كان مؤديا للفرض وممتثلا لأمر الأيجاب مع أنه لا تضييق فإن قيل حقيقة الواجب ما لا يسع تركه بل يعاقب عليه والصلاة والخياطة إن أضيفا إلى آخر الوقت فيعاقب على تركه فيكون وجوبه في آخر الوقت أما قبله فيتخير بين فعله وتركه وفعله خير من تركه وهذا حد الندب قلنا كشف الغطاء عن هذا أن الأقسام في العقل ثلاثة فعل لا عقاب على تركه مطلقا وهو الندب وفعل يعاقب على تركه مطلقا وهو الواجب وفعل يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت ولكن لا يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت وهذا قسم ثالث فيفتقر إلى عبارة ثالثة وحقيقته لا تعدو الندب والوجوب فأولى الألقاب به الواجب الموسع أو الندب الذي لا يسع تركه وقد وجدنا الشرع يسمي هذا القسم واجبا بدليل انعقاد الإجماع على نية الفرض في ابتداء وقت الصلاة وعلى أنه يثاب على فعله ثواب الفرض لا ثواب الندب فإذا الأقسام الثلاثة لا ينكرها العقل والنزاع يرجع إلى اللفظ والذي ذكرناه أولى فإن قيل ليس هذا قسما ثالثا بل هو بالإضافة إلى أول الوقت ندب إذ يجوز تركه وبالإضافة إلى آخر الوقت حتم إذ لا يسع تأخيره عنه وقولكم أنه ينوي الفرض فمسلم لكنه فرض بمعنى أنه يصير فرضا كمعجل الزكاة ينوي فرض الزكاة ويثاب ثواب معجل الفرض لا ثواب الندب ولا ثواب الفرض الذي ليس بمعجل قلنا قولكم أنه بالإضافة إلى أول الوقت يجوز تأخيره فهو ندب خطأ إذ ليس هذا حد الندب بل الندب ما يجوز تركه مطلقا وهذا لا يجوز تركه إلا بشرط وهو الفعل بعده أو العزم على الفعل وما جاز تركه ببدل وشرط فليس بندب بدليل ما لو أمر بالإعتاق فإنه ما من عبد إلا ويجوز له ترك اعتاقه لكن بشرط أن يعتق عبدا آخر وكذلك خصال الكفارة ما من واحدة إلا ويجوز تركها لكن ببدل ولا يكون ندبا بل كما يسمى ذلك واجبا مخيرا يسمى هذا واجبا غير مضيق وإذا كان حظ المعنى منه متفقا عليه وهو الانقسام إلى الأقسام الثلاثة فلا معنى للمناقشة وما جاز تركه بشرط يفارق ما لا يجوز تركه مطلقا وما يجوز تركه مطلقا فهو قسم ثالث وأما ما ذكرتموه من أنه تعجيل للفرض فلذلك سمي فرضا فمخالف للإجماع إذ يجب نية التعجيل في الزكاة وما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت إلا ما نواه في آخره ولم يفرقوا أصلا وهو مقطوع به فإن قيل قد قال قوم يقع نفلا ويسقط الفرض عنده وقال قوم يقع موقوفا فإن بقي بنعت المكلفين إلى آخر الوقت تبين وقوعه فرضا وإن مات أو جن وقع نفلا قلنا لو كان يقع نفلا لجازت بنية النفل بل استحال وجود نية الفرض من العالم بكونه نفلا إذ النية قصد يتبع العلم والوقف باطل إذ الأمة مجمعة على أن من مات في وسط الوقت بعد الفراغ من الصلاة مات مؤديا فرض الله تعالى كما نواه وأداه إذا قال نويت أداء فرض الله تعالى فإن قيل بنيتم كلامكم على أن تركه جائز بشرط وهو العزم على الامتثال أو الفعل وليس كذلك فإن الواجب المخير ما خير فيه بين شيئين كخصال الكفارة وما خير الشرع بين فعل الصلاة والعزم ولأن مجرد قوله صل في هذا الوقت ليس فيه تعرض للعزم فإيجابه زيادة على مقتضى الصيغة ولأنه لو غفل وخلا عن العزم ومات في وسط الوقت لم يكن عاصيا قلنا أما قولكم لو ذهل لا يكون عاصيا فمسلم وسببه أن الغافل لا يكلف أما إذا لم يغفل عن الأمر فلا يلخو عن العزم إلا بضده وهو العزم على الترك مطلقا وذلك حرام وما لا خلاص من الحرام إلا به فهو واجب فهذا الدليل قد دل على وجوبه وإن لم يدل عليه مجرد الصيغة من حيث وضع اللسان ودليل العقل أقوى من دلالة الصيغة فإذا يرجع حاصل الكلام إلى أن الواجب الموسع كالواجب المخير بالإضافة إلى أول الوقت وبالإضافة إلى آخره أيضا فإنه لو أخلي عنه في آخره لم يعص إذا كان قد فعل في أوله
مسألة ( حكم من توفي أثناء وقت الصلاة بعد العزم عليها ) إذا مات في أثناء وقت الصلاة فجأة بعد العزم على الامتثال لا يكون عاصيا وقال بعض من أراد تحقيق معنى الوجوب أنه يعصي وهو خلاف إجماع السلف فإنا نعلم أنهم كانوا لا يؤثمون من مات فجأة بعد انقضاء مقدار أربع ركعات من وقت الزوال أو بعد انقضاء مقدار ركعتين من أول الصبح وكانوا لا ينسبونه إلى تقصير ولا سيما إذا اشتغل بالوضوء أو نهض إلى المسجد فمات في الطريق بل محال أن يعصي وقد جوز له التأخير فمن فعل ما يجوز له كيف يمكن تعصيته فإن قيل جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة قلنا هذا محال فإن العاقبة مستورة عنه فإذا سألنا وقال العاقبة مستورة عني وعلي صوم يوم وأنا أريد أن أؤخره إلى غد فهل يحل لي التأخير مع الجهل بالعاقبة أم أعصي بالتأخير فلا بدل له من جواب فإن قلنا لا يعصي فلم أثم بالموت الذي ليس إليه وإن قلنا يعصي فهو خلاف الإجماع في الواجب الموسع وإن قلنا إن كان في علم الله تعالى أنك تموت قبل الغد فأنت عاص وإن كان في علمه أن تحيا فلك التأخير فيقول وما يدريني ماذا في علم الله فما فتواكم في حق الجاهل فلا بد من الجزم بالتحليل أو التحريم فإن قيل فإن جاز تأخيره أبدا ولا يعصي إذا مات فأي معنى لوجوبه قلنا تحقق الوجوب بأنه لم يجز التأخير إلا بشرط العزم ولا يجوز العزم على التأخير إلا إلى مدة يغلب على ظنه البقاء إليها كتأخيره الصلاة من ساعة إلى ساعة وتأخيره الصوم من يوم إلى يوم مع العزم على التفرغ له في كل وقت وتأخيره الحج من سنة إلى سنة فلو عزم المريض المشرف على الهلاك على التأخير شهرا أو الشيخ الضعيف على التأخير سنين وغالب ظنه أنه لا يعيش إلى تلك المدة عصي بهذا التأخير وإن لم يمت ووفق للعمل لكنه مأخوذ بموجب ظنه كالمعزر إذا ضرب ضربا يهلك أو قاطع سلعة وغالب ظنه الهلاك أثم وإن سلم ولهذا قال أبو حنيفة لا يجوز تأخير الحج لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن وأما تأخير الصوم والزكاة إلى شهر وشهرين فجائز لأنه لا يغلب على الظن الموت إلى تلك المدة و الشافعي رحمع الله يرى البقاى إلى السنة الثانية غالبا على الظن في حق الشاب الصحيح دون الشيخ والمريض ثم المعزر إذا فعل ما غالب ظنه السلامة فهلك ضمن لا لأنه آثم لكن لأنه أخطأ في ظنه والمخطىء ضامن غير آثم مسألة ( ما لا يتم الواجب إلا به ) اختلفوا في أن ما لا يتم الوجب إلا به هل يوصف بالوجوب والتحقيق في هذا أن هذا ينقسم إلى ما ليس إلى المكلف كالقدرة على الفعل وكاليد في الكتابة وكالرجل في المشي فهذا لا يوصف بالوجوب بل عدمه يمنع الإيجاب إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا يطاق وكذلك تكليف حضور الإمام الجمعة وحضور تمام العدد فإنه ليس إليه فلا يوصف بالوجوب بل يسقط بتعذره الواجب وأما ما يتعلق باختيار العبد فينقسم إلى الشرط الشرعي وإلى الحسي فالشرعي كالطهارة في الصلاة يجب وصفها بالوجوب عند وجوب الصلاة فإن إيجاب الصلاة إيجاب لما يصير به الفعل صلاة
وأما الحسي فكالسعي إلى الجمعة وكالمشي إلى الحج وإلى مواضع المناسك فينبغي أن يوصف أيضا بالوجوب إذ أمر البعيد عن البيت بالحج أمر بالمشي إليه لا محالة وكذلك إذا وجب غسل الوجه ولم يمكن إلا بغسل جزء من الرأس وإذا وجب الصوم ولم يمكن إلا بالإمساك جزء من الليل قبل الصبح فيوصف ذلك بالوجوب ونقول ما لا يتصول إلى الواجب إلا به وهو فعل المكلف فهو واجب وهذا أولى من أن نقول يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب إذ قولنا يجب فعل ما ليس بواجب متناقض وقولنا ما ليس بواجب صار واجبا غير متناقض فإنه واجب لكن الأصل وجب بالإيجاب قصدا إليه والوسيلة وجبت بواسطة وجوب المقصود وقد وجب كيفما كان وإن كان علة وجوبه غير علة وجوب المقصود فإن قيل لو كان واجبا لكان مقدرا فما المقدار الذي يجب غسله من الرأس وإمساكنه من الليل قلنا قد وجب التوصل به إلى الواجب وهو غير مقدر بل يجب مسح الرأس ويكفي أقل ما ينطلق عليه الاسم وهو غير مقدر فكذلك الواجب أقل ما يمكن به غسل الوجه وهذا التقدير كاف في الوجوب فإن قيل لو كان واجبا لكان يثاب على فعله ويعاقب على تركه وتارك الوضوء لا يعاقب على ما تركه من غسل الرأس بل من غسل الوجه وتارك الصوم لا يعاقب على ترك الإمساك ليلا قلنا ومن أنبأكم بذلك ومن أين عرفتم أن ثواب البعيد عن البيت لا يزيد على ثواب القريب في الحج وأن من زاد عمله لا يزيد ثوابه وإن كان بطريق التوصل وأما العقاب فهو عقاب على ترك الصوم والوضوء وليس يتوزع على أجزاء الفعل فلا معنى لإضافته إلى التفاصيل فإن قيل لو قدر على الاقتصار على غسل الوجه لم يعاقب قلنا هذا مسلم لأنه إنما يجب على العاجز أما القادر فلا وجوب عليه مسألة ( حكم اختلاط المنكوحة بالأجنبية ) قال قائلون إذا اختلطت منكوحة بأجنبية وجب الكف عنهما لكن الحرام هي الأجنبية والمنكوحة حلال ويجب الكف عنها وهذا متناقض بل ليس الحرمة والحل وصفا ذاتيا لهما بل هو متعلق بالفعل فإذا حرم فعل الوطء فيهما فأي معنى لقولنا وطء المنكوحة حلال ووطء الأجنبية حرام بل هما حرامان إحداهما بعلة الأجنبية والأخرى بعلة الاختلاط بالأجنبية فالاختلاف في العلة لا في الحكم وإنما وقع هذا في الأوهام من حيث ضاهى الوصف بالحل والحرمة الوصف بالعجز والقدرة والسواد والبياض والصفات الحسية وذلك وهم نبهنا عليه إذ ليست الأحكام صفات للأعيان أصلا بل نقول إذا اشتبهت رضيعة بنساء بلدة فنكح واحدة حلت واحتمل أن تكون هي الرضيعة في علم الله تعالى ولا نقول إنها ليست في علم الله تعالى زوجة له إذ لا معنى للزوجة إلا من حل وطؤها بنكاح وهذه قد حل وطؤها فهي حلال عنده وعند الله تعالى ولا نقول هي حرام عند الله تعالى وحلال عنده في ظنه بل إذا ظن الحل فهي حلال عند الله تعالى وسيأتي تحقيق هذا في مسألة تصويب المجتهد أما إذا قال لزوجتيه إحداكما طالق فيحتمل أن يقال يحل وطؤها والطلاق غير واقع لأنه لم يعين له محلا فصار كما إذا باع أحد عبديه ويحتمل أن يقال حرمتا جميعا فإنه لا يشترط تعيين محل الطلاق ثم عليه التعيين وإليه ذهب أكبر الفقهاء والمتبع في ذلك موجب ظن المجتهد أما المصير إلى أن إحداهما محرمة والأخرى منكوحة كما توهموه في اختلاط المنكوحة بالأجنية فلا ينقدح هاهنا لأن ذلك جهل من الآدمي عرض بعد التعيين وأما هنا فليس متعينا في نفسه بل يعلمه الله تعالى مطلقا لإحداهما لا بعينها فإن قيل إذا وجب عليه التعيين فالله تعالى يعلم ما سيعينه فتكون هي المحرمة المطلقة بعينها في علم الله تعالى وإنما هو مشكل علينا قلنا الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فلا يعلم الطلاق الذي لم يعين محله متعينا بل يعلمه قابلا للتعيين إذا عينه المطلق ويعلم أنه سيعين زينب مثلا فيتعين الطلاق بتعيينه إذا عين لا قبله وكذلك نقول في الواجب المخير الله تعالى يعلم ما سيفعله العبد من خلال الكفارة ولا يعلمه واجبا بعينه بل واجبا غير معين في حال ثم يعلم صيرورته متعينا بالتعيين بدليل أنه لو علم أنه يموت قبل التكفير وقبل التعيين فيعلم الوجوب والطلاق على ما هو عليه من عدم التعيين
مسألة ( حكم الواجب غير المعروف ) اختلفوا في الواجب الذي لا يتقدر بحد محدود كمسح الرأس والطمأنينة في الركوع والسجود ومدة القيام إنه إذا زاد على أقل الواجب هل توصف الزيادة بالوجوب فلو مسح جميع الرأس هل يقع فعله بجملته واجبا أو الواجب الأقل والباقي ندب فذهب قوم إلى أن الكل يوصف بالوجوب لأن نسبة الكل إلى الأمر واحد والأمر في نفسه أمر واحد وهو أمر إيجاب ولا يتميز البعض من البعض فالكل امتثال والأولى أن يقال الزيادة على الأقل ندب فإنه لم يجب إلا أقل ما ينطلق عليه الاسم وهذا في الطمأنينة والقيام وما وقع متعاقبا أظهر وكذلك المسح إذا وقع متعاقبا وما وقع من جملته معا وإن كان لا يتميز بعضه من بعض بالإشارة والتعيين فيحتمل أن يقال قدر الأقل منه واجب والباقي ندب وإن لم يتميز بالإشارة المندوب عن الواجب لأن الزيادة على الأقل لا عقاب على تركها مطلقا من غير شرط بدل فلا يتحقق فيه حد الوجوب مسألة ( حقيقة الوجوب والجواز ) الوجوب يباين الجواز والإباحة بحده فلذلك قلنا يقضي بخطأ من ظن أن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز بل الحق أنه إذا نسخ رجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب من تحريم أو إباحة وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن فإن قيل كل واجب فهو جائز وزيادة إذ الجائز ما لا عقاب على فعله والواجب أيضا لا عقاب على فعله وهو معنى الجواز فإذا نسخ الوجوب فكأنه أسقط العقاب على تركه فيبقى سقوط العقاب على فعله وهو معنى الجواز قلنا هذا كقول القائل كل واجب فهو ندب وزيادة فإذا نسخ الوجوب بقي الندب ولا قائل به ولا فرق بين الكلامين وكلاهما وهم بل الواجب لا يتضمن معنى الجواز فإن حقيقة الجواز التخيير بين الفعل والترك والتساوي بينهما بتسوية الشرع وذلك منفي عن الواجب وذكر هذه المسألة ههنا أولى من ذكرها في كتاب النسخ فإنه نظر في حقيقة الوجوب والجواز لا في حقيقة النسخ مسألة ( الجواز ليس فيه أمر ) كما فهمت أن الواجب لا يتضمن الجواز فافهم أن الجائز لا يتضمن الأمر وأن المباح غير مأمور به لتناقض حديهما كما سبق خلافا للبلخي فإنه قال المباح مأمور به لكنه دون الندب كما أن الندب مأمور به لكنه دون الواجب وهذا محال إذ الأمر اقتضاء وطلب والمباح غير مطلوب بل مأذون فيه ومطلق له فإن استعمل لفظ الأمر في الإذن فهو تجوز فإن قيل ترك الحرام واجب والسكون المباح يترك به الحرام من الزنا والسرقة والسكوت المباح أو الكلام المباح يترك به الكفر والكذب وترك الكفر والكذب والزنا مأمور به قلنا قد يترك بالندب حرام فليكن واجبا وقد يترك بالحرام حرام آخر فليكن الشيء الواحد واجبا حراما وهو تناقض ويلزم هذا على مذهب من زعم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده بل يلزم عليه كون الصلاة حراما إذا تحرم بها من ترك الزكاة الواجبة لأنه أحد أضداد الواجب وكل ذلك قياس مذهب هؤلاء لكنهم لم يقولوا به فإن قيل فالمباح هل يدخل تحت التكليف وهل هو من التكاليف قلنا إن كان التكليف عبارة عن طلب ما فيه كلفة فليس ذلك في المباح وإن أريد به ما عرف من جهة الشرع إطلاقه والإذن فيه فهو تكليف وإن أريد به أنه الذي كلف اعتقاد كونه من الشرع فقد كلف ذلك لكن لا بنفس الإباحة بل بأصل الإيمان وقد سماه الأستاذ أبو إسحق رحمه الله تكليفا بهذا التأويل الأخير وهو بعيد مع أنه نزاع في اسم فإن قيل فهل المباح حسن قلنا إن كان الحسن عبارة عما لفاعله أن يفعله فهو حسن وإن كان عبارة عما أمر بتعظيم فاعله والثناء عليه أو وجب اعتقاد استحقاقه للثناء والقبيح ما يجب اعتقاد استحقاق صاحبه للذم أو العقاب فليس المباح بحسن واحترزنا باعتقاد الاستحقاق عن معاصي الأنبياء فقد دل الدليل على وقوعها منهم ولم يأمر بإهانتهم وذمهم لكنا نعتقد استحقاقهم لذلك مع تفضل الله تعالى بإسقاط المستحق من حيث أمرنا بتعظيمهم والثناء عليهم
مسألة ( هل المباح من الشريعة ) المباح من الشرع وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أنه ليس من الشرع إذ معنى المباح رفع الحرج عن الفعل والترك وذلك ثابت قبل السمع فمعنى إباحة الشرع شيئا أنه تركه على ما كان عليه قبل ورود السمع ولم يغير حكمه وكل ما لم يثبت تحريمه ولا وجوبه بقي على النفي الأصلي فعبر عنه بالمباح وهذا له غور وكشف الغطاء عنه أن الأفعال ثلاثة أقسام قسم بقي على الأصل فلم يرد فيه من الشرع تعرض لا بصريح اللفظ ولا بدليل من أدلة السمع فينبغي أن يقال استمر فيه ما كان ولم يتعرض له السمع فليس فيه حكم وقسم صرح الشرع فيه بالتخيير وقال إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه فهذا خطاب والحكم لا معنى له إلا الخطاب ولا سبيل إلى إنكاره وقد ورد وقسم ثالث لم يرد فيه خطاب بالتخيير لكن دل دليل السمع على أنه نفي الحرج عن فعله وتركه فقد عرف بدليل السمع ولولا هذا الدليل لكان يعرف بدليل العقل نفي الحرج عن فاعله وبقاؤه على النفي الأصلي فهذا فيه نظر إذ اجتمع عليه دليل العقل والسمع وفي الطرفين الآخرين أيضا نظر إذ يمكن أن يقال قول الشارع إن شئت فقم وإن شئت فاقعد ليس بتجديد حكم هو تقرير للحكم السابق ومعنى تقريره أنه ليس يغير أمره بل يتركه على ما هو عليه فليس ذلك أمرا حادثا بالشرع فلا يكون شرعيا وأما الطرف الآخر وهو الذي لم يرد فيه خطاب ولا دليل فيمكن أيضا إنكاره بأن يقال قد دل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا طلب ترك فالمكلف فيه مخير وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال فلا يبقى فعل إلا مدلولا عليه من جهة الشرع فتكون إباحته من الشرع وإلا عورض أن الإباحة من جهة الشرع تقرير لا تغيير وليس مع التقرير تجديد أمر بل بيان أنه لم يجدد فيه أمرا بل كف عن التعرض له وسيأتي لهذا تحقيق في مسألة إقامة الدليل على النافي مسألة ( التفريق بين المندوب والمباح المندوب مأمور به ) وإن لم يكن المباح مأمورا به لأن الأمر اقتضاء وطلب والمباح غير مقتضى أما المندوب فإنه مقتضى لكن مع إسقاط الذم عن تاركه والواجب مقتضى لكن مع ذم تاركه إذا تركه مطلقا أو تركه وبدله وقال قوم المندوب غير داخل تحت الأمر وهو فاسد من وجهين أحدهما أنه شاع في لسان العلماء أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب وما شاع أنه ينقسم إلى أمر إباحة وأمر إيجاب مع أن صيغة الأمر قد تطلق لإرادة الإباحة كقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا المائدة 2 فإذا قضيت الصلاة فانتشروا الجمعة 10
الثاني إن فعل المندوب طاعة بالاتفاق وليس طاعة لكونه مرادا إذ الأمر عندنا يفارق الإرادة ولا لكونه موجودا أو حادثا أو لذاته أو نفسه إذ يجري ذلك في المباحات ولا لكونه مثابا عليه فإن المأمور وإن لم يثب ولم يعاقب إذا امتثل كان مطيعا وإنما الثواب للترغيب في الطاعة ولأنه قد يحبط بالكفر ثواب طاعته ولا يخرج عن كونه مطيعا فإن قيل الأمر عبارة عن اقتضاء جازم لا تخيير معه والندب مقرون بتجويز الترك والتخيير فيه وقولكم أنه يسمى مطيعا يقابله أنه لو ترك لا يسمى عاصيا قلنا الندب اقتضاء جازم لا تخيير فيه لأن التخيير عبارة عن التسوية فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير وقد قال تعالى في المحرمات أيضا فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الكهف 29 فلا ينبغي أن يظن أن الأمر اقتضاء جازم بمعنى أن الشرع يطلب منه شيئا لنفسه بل يطلب منه لما فيه من صلاحه والله تعالى يقتضي من عباده ما فيه صلاحهم ولا يرضى الكفر لهم وكذلك يقتضي الندب لنيل الثواب ويقول الفعل والترك سيان بالإضافة إلي أما في حقك فلا مساواة ولا خيرة إذ في تركه ترك صلاحك وثوابك فهو اقتضاء جازم وأما قولهم أنه لا يسمى عاصيا فسببه أن العصيان اسم ذم وقد أسقط الذم عنه نعم يسمى مخالفا وغير ممتثل كما يسمى فاعله موافقا ومطيعا مسألة ( الواجب غير الحرام ) إذا عرفت أن الحرام ضد الواجب لأنه المقتضى تركه والواجب هو المقتضى فعله فلا يخفى عليك أن الشيء الواحد يستحيل أن يكون واجبا حراما طاعة معصية لكن ربما تخفى عليك حقيقة الواحد فالواحد ينقسم إلى واحد بالنوع وإلى واحد بالعدد أما الواحد بالنوع كالسجود مثلا فإنه نوع واحد من الأفعال فيجوز أن ينقسم إلى الواجب والحرام ويكون انقسامه بالأوصاف والإضافات كالسجود لله تعالى والسجود للصنم إذ أحدهما واجب والآخر حرام ولا تناقض وذهب بعض المعتزلة إلى أنه تناقض فإن السجود نوع واحد مأمور به فيستحيل أن ينهى عنه بل الساجد للصنم عاص بقصد تعظيم الصنم لا بنفس الجسود وهذا خطأ فاحش فإنه إذا تغاير متعلق الأمر والنهي لم يتناقض والسجود للصنم غير السجود لله تعالى لأن اختلاف الإضافات والصفات يوجب المغايرة إذ الشيء لا يغاير نفسه والمغايرة تارة تكون باختلاف النوع وتارة باختلاف الوصف وتارة باختلاف الإضافة وقد قال الله تعالى لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله فصلت 37 وليس المأمور به هو المنهي عنه والإجماع منعقد على أن الساجد للشمس عاص بنفس السجود والقصد جميعا فقولهم إن السجود نوع واحد لا يغني مع انقسام هذا النوع إلى أقسام مختلفة المقاصد إذ مقصود بهذا السجود تعظيم الصنم دون تعظيم الله تعالى واختلاف وجوه الفعل كاختلاف نفس الفعل في حصول الغيرية الرافعة للتضاد فإن التضاد إنما يكون بالإضافة إلى واحد ولا وحدة مع المغايرة مسألة ( الواحد بالتعيين )
ما ذكرناه في الواحد بالنوع ظاهر أما الواحد بالتعيين كصلاة زيد في دار مغصوبة من عمرو فحركته في الصلاة فعل واحد بعينه هو مكتسبه ومتعلق قدرته فالذين سلموا في النوع الواحد نازعوا ههنا فقالوا لا تصح هذه الصلاة إذ يؤدي القول بصحتها إلى أن تكون العين الواحدة من الأفعال حراما واجبا وهو متناقض فقيل لهم هذا خلاف إجماع السلف فإنهم ما أمروا الظلمة عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة مع كثرة وقوعها ولا نهوا الظالمين عن الصلاة في الأراضي المغصوبة فأشكل الجواب على القاضي أبي بكر رحمه الله فقال يسقط الوجوب عندها لا بها بدليل الإجماع ولا يقع واجبا لأن الواجب ما يثاب عليه وكيف يثاب على ما يعاقب عليه وفعله واحد وهو كون في الدار المغصوبة وسجوده وركوعه أكوان اختيارية هو معاقب عليها ومنهي عنها وكل من غلب عليه الكلام قطع بهذا نظرا إلى اتحاد أكوانه في كل حالة من أحواله وإن الحادث منه الأكوان لا غيرها وهو معاقب عليها عاص بها فكيف يكون متقربا بما هو معاقب عليه ومطيعا بما هو به عاص وهذا غير مرضي عندنا بل نقول الفعل وإن كان واحدا في نفسه فإذا كان له وجهان متغايران يجوز أن يكون مطلوبا من أحد الوجهين مكروها من الوجه الآخر وإنما المحال أن يطلب من الوجه الذي يكره بعينه وفعله من حيث أنه صلاة مطلوب ومن حيث أنه غصب مكروه والغصب معقول دون الصلاة والصلاة معقولة دون الغصب وقد اجتمع الوجهان في فعل واحد ومتعلق الأمر والنهي الوجهان المتغايران وكذلك يعقل من السيد أن يقول لعبده صل اليوم ألف ركعة وخط هذا الثواب ولا تدخل هذه الدار فإن ارتكبت النهي ضربتك وإن امتثلت الأمر أعتقتك فخاط الثوب في الدار وصلى ألف ركعة في تلك الدار فيحسن من السيد أن يضربه ويعتقه ويقول أطاع بالخياطة والصلاة وعصى بدخول الدار فكذلك فيما نحن فيه من غير فرق فالفعل وإن كان واحدا فقد تضمن تحصيل أمرين مختلفين يطلب أحدهما ويكره الآخر ولو رمى سهما واحدا إلى مسلم بحيث يمرق إلى كافر أو إلى كافر بحيث يمرق إلى مسلم فإنه يثاب ويعاقب ويملك سلب الكافر ويقتل بالمسلم قصاصا لتضمن فعله الواحد أمرين مختلفين فإن قيل ارتكاب المنهى عنه إذا أخل بشرط العبادة أفسدها بالاتفاق ونية التقرب بالصلاة شرط والتقرب بالمعصية محال فكيف ينوي التقرب فالجواب من أوجه الأول إن الإجماع إذا انعقد على صحة هذه الصلاة فليعلم به بالضرورة أن نية التقرب ليس بشرط أو نية التقرب بهذه الصلاة ممكن وأبو هاشم والجبائي ومن خالف في صحة الصلاة مسبوق بإجماع الأمة على ترك تكليف الظلمة قضاء الصلوات مع كثرتهم وكيف ينكر سقوط نية التقرب وقد اختلفوا في اشتراط نية الفرضية ونية الإضافة إلى الله تعالى فقال قوم لا يجب إلا أن ينوي الظهر أو العصر فهو في محل الاجتهاد وقد ذهب قوم إلى أن الصلاة تجب في آخر الوقت والصبي إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ آخره أجزأه ولو بلغ في وسط الوقت مع أنه لا تتحقق الفرضية في حقه فإن قيل من نوى الصلاة فقد تضمنت نيته القربة قلنا إذا صحت الصلاة بالإجماع واستحالت نية التقرب فتلغى تلك النية ويصح أن يقال تعلقت نية التقرب ببعض أجزاء الصلاة من الذكر والقراءة وما لا يزاحم حق المغصوب منه فإن الأكوان هي التي تتناول منافع الدار ثم كيف يستقيم من المعتزلة هذا وعندهم لا يعلم المأمور كونه مأمورا ولا كون العبادة واجبة قبل الفراغ من الامتثال كما سيأتي فكيف ينوي التقرب بالواجب وهو لا يعرف وجوبه الجواب الثاني وهو الأصح أنه ينوي التقرب بالصلاة ويعصي بالغصب وقد بينا انفصال أحدهما عن الآخر ولذلك يجد المصلي من نفسه نية التقرب بالصلاة وإن كان في دار مغصوبة لأنه لو سكن ولم يفعل فعلا لكان غاصبا في حالة النوم وعدم استعمال القدرة وإنما يتقرب بأفعاله وليست تلك الأفعال شرطا لكونه غاصبا فإن قيل هو في حالة القعود والقيام غاصب بفعله ولا فعل له إلا قيامه وقعوده وهو متقرب بفعله فيكون متقربا بعين ما هو عاص به قلنا هو من حيث أنه مستوف منافع الدار غاصب ومن حيث أنه أتى بصورة الصلاة متقرب كما ذكرناه في صورة الخياطة إذ قد يعقل كونه غاصبا ولا يعلم كونه مصليا ويعلم كونه مصليا ولا يعلم كونه غاصبا فهما وجهان مختلفان وإن كان ذات الفعل واحدا
الجواب الثالث هو أنا نقول بم تنكرون على القاضي رحمه الله حيث حكم بأن الفرض يسقط عندها لا بها بدليل الإجماع فسلم أنه معصية ولكن الأمر لا يدل على الأجزاء إذا أتى بالمأمور ولا النهي يدل على عدم الأجزاء بل يؤخذ الأجزاء من دليل آخر كما سيأتي فإن قيل هذه المسألة اجتهادية أم قطعية قلنا هي قطعية والمصيب فيها واحد لأن من صحح أخذ من الإجماع وهو قاطع ومن أبطل أخذ من التضاد الذي بين القربة والمعصية ويدعى كون ذلك محالا بدليل العقل فالمسألة قطعية فإن قيل ادعيتم الإجماع في هذه المسألة وقد ذهب أحمد بن حنبل إلى بطلان هذه الصلاة وبطلان كل عقد منهي عنه حتى البيع في وقت النداء يوم الجمعة فكيف تحتجون عليه بالإجماع قلنا الإجماع حجة عليه إذ علمنا أن الظلمة لم يؤمروا بقضاء الصلوات مع كثرة وقوعها مع أنهم لو أمروا به لانتشر وإذا أنكر هذا فيلزمه ما هو أظهر منه وهو أن لا تحل امرأة لزوجها وفي ذمته دانق ظلم به ولا يصح بيعه ولا صلاته ولا تصرفاته وأنه لا يحصل التحليل بوطء من هذه حاله لأنه عصى بترك رد المظلمة ولم يتركها إلا بتزويجه وبيعه وصلاته وتصرفاته فيؤدي إلى تحريم أكثر النساء وفوات أكثر الأملاك وهو خرق للإجماع قطعا وذلك لا سبيل إليه مسألة ( المكروه غير الواجب ) كما يتضاد الحرام والواجب فيتضاد المكروه والواجب فلا يدخل مكروه تحت الأمر حتى يكون شيء واحد مأمورا به مكروها إلا أن تنصرف الكراهية عن ذات المأمور إلى غيره ككراهية الصلاة في الحمام وأعطان الإبل وبطن الوادي وأمثاله فإن المكروه في بطن الوادي التعرض لخطر السيل وفي الحمام التعرض للرشاش أو لتخبط الشياطين وفي أعطان الإبل التعرض لنفارها وكل ذلك مما يشغل القلب في الصلاة وربما شوش الخشوع بحيث لا ينقدح صرف الكراهة عن المأمور إلى ما هو في جواره وصحبته لكونه خارجا عن ماهيته وشروطه وأركانه فلا يجتمع الأمر والكراهية فقوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق الحج 29 لا يتناول طواف المحدث الذي نهي عنه لأن المنهي عنه لا يكون مأمورا به والمنهي عنه في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة انفصل عن المأمور إذ المأمور به الصلاة والمنهي عنه الغصب وهو في جواره مسألة ( أصناف الترك ذات المتروك ) المتفقون على صحة الصلاة في الدار المغصوبة ينقسم النهي عندهم إلى ما يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه وإلى ما يرجع إلى غيره فلا يضاد وجوبه وإلى ما يرجع إلى وصف المنهي عنه لا إلى أصله وقد اختلفوا في هذا القسم الثالث ومثال القسمين الأولين ظاهر ومثال القسم الثالث أن يوجب الطواف وينهى عن إيقاعه مع الحدث أو يأمر بالصوم وينهى عن إيقاعه في يوم النحر فيقال الصوم من حيث أنه صوم مشروع مطلوب ومن حيث أنه واقع في هذا اليوم غير مشروع والطواف مشروع بقوله تعالى 22 وليطوفوا بالبيت العتيق الحج 29 ولكن وقوعه في حالة الحدث مكروه والبيع من حيث أنه بيع مشروع ولكن من حيث وقوعه مقترنا بشرط فاسد أو زيادة في العوض في الربويات مكروه والطلاق من حيث أنه طلاق مشروع ولكن من حيث وقوعه في الحيض مكروه وحراثة الولد من حيث أنها حراثة مشروعة ولكنها من حيث وقوعها في غير المنكوحة مكروهة والسفر من حيث أنه سفر مشروع ولكن من حيث قصد الأباق به عن السيد غير مشروع فجعلأبو حنيفة هذا قسما ثالثا وزعم أن ذلك يوجب فساد الوصف لا انتفاء الأصل لأنه راجع إلى الوصف لا إلى الأصل والشافعي رحمه الله ألحق هذا بكراهة الأصل ولم يجعله قسما ثالثا وحيث نفذ الطلاق في الحيض صرف النهي عن أصله ووصفه إلى تطويل العدة أو لو حق الندم عند الشك في الولد وأبو حنيفة حيث أبطل صلاة المحدث دون طواف المحدث زعم أن الدليل قد دل على كون الطهارة شرطا في الصلاة فإنه قال عليه الصلاة والسلام لا صلاة إلا بطهور فهو نفي للصلاة لا نهي وفي المسألة نظران أحدهما في موجب مطلق النهي من حيث اللفظ وذلك نظر في مقتضى الصيغة وهو بحث لغوي نذكره في كتاب الأوامر والنواهي
والنظر الثاني نظر في تضاد هذه الأوصاف وما يعقل اجتماعه وما لا يعقل إذا وقع التصريح به من القائل وهو أنه هل يعقل أن يقول السيد لعبده أنا آمرك بالخياطة وأنهاك عنها ولا شك في أن ذلك لا يعقل منه فإنه فيه يكون الشيء الواحد مطلوبا مكروها ويعقل منه أن يقول أنا أطلب منك الخياطة وأكره دخول هذه الدار والكون فيها ولا يتعرض في النهي للخياطة وذلك معقول وإذا خاط في تلك الدار أتى بمطلوبه ومكروهه جميعا وهل يعقل أن يقول أطلب منك الخياطة وأنهاك عن إيقاعها في وقت الزوال فإذا خاط في وقت الزوال فهل جمع بين المكروه والمطلوب أو ما أتى بالمطلوب هذا في محل النظر والصحيح أنه ما أتى بالمطلوب وأن المكروه هي الخياطة الواقعة وقت الزوال لا الوقوع في وقت الزوال مع بقاء الخياطة مطلوبة إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن الواقع فإن قيل فلم صحت الصلاة في أوقات الكراهة ولم صحت الصلاة الواقعة في الأماكن السبعة من بطن الوادي وأعطان الإبل وما الفرق بينهما وبين النهي عن صوم يوم النحر قلنا من صحح هذه الصلوات لزمه صرف النهي عن أصل الصلاة ووصفها إلى غيره وقد اختلفوا في انعقاد الصلاة في الأوقات المكروهة لترددهم في أن النهي نهي عن إيقاع الصلاة من حيث أنه إيقاع صلاة أو من أمر آخر مقترن به وأما صوم يوم النحر فقطع الشافعي رحمه الله ببطلانه لأنه لم يظهر انصراف النهي عن عينه ووصفه ولم يرتض قولهم أنه نهى عنه لما فيه من ترك إجابة الدعوة بالأكل فإن الأكل ضد الصوم فكيف يقال له كل أي أجب الدعوة ولا تأكل أي صم والآن تفصيل هذه المسائل ليس على الأصولي بل هو موكول إلى نظر المجتهدين في الفروع وليس على الأصولي إلا حصر هذه الأقسام الثلاثة وبيان حكمها في التضاد وعدم التضاد وأما النظر في آحاد المسائل أنها من أي قسم هي فإلى المجتهد وقد يعلم ذلك بدليل قاطع وقد يعلم ذلك بظن وليس على الأصولي شيء من ذلك وتمام النظر في هذا ببيان أن النهي المطلق يقتضي من هذه الأقسام أيها وأنه يقتضي كون المنهي عنه مكروها لذاته أو لغيره أو لصفته وسيأتي مسألة ( هل الأمر بشيء ترك لغيره ) اختلفوا في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده وللمسألة طرفان أحدهما يتعلق بالصيغة ولا يستقيم ذلك عند من لا يرى للأمر صيغة ومن رأى ذلك فلا شك في أن قوله قم غير قوله لا تقعد فإنهما صورتان مختلفتان فيجب عليهم الرد إلى المعنى وهو أن قوله قم له مفهومان أحدهما طلب القيام والآخر ترك القعود فهو دال على المعنيين فالمعنيان المفهومان منه متحدان أو أحدهما غير الآخر فيجب الرد إلى المعنى
والطرف الثاني البحث عن المعنى القائم بالنفس وهو أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود أم لا وهذا لا يمكن فرضه في حق الله تعالى فإن كلامه واحد هو أمر ونهي ووعد ووعيد فلا تتطرق الغيرية إليه فليفرض في المخلوق وهو أن طلبه للحركة هل هو بعينه كراهة للسكون وطلب لتركه وقد أطلق المعتزلة أنه ليس الأمر بالشيء نهيا عن ضده واستدل القاضي أبو بكر رحمه الله عليهم بأن قال لا خلاف أن الآمر بالشيء ناه عن ضده فإذا لم يقم دليل على اقتران شيء آخر بأمره دل على أنه ناه بما هو آمر به قال وبهذا علمنا أن الكسون عين ترك الحركة وطلب السكون عين طلب ترك الحركة وشغل الجوهر بحيز انتقل إليه عين تفريغه للحيز المنتقل عنه والقرب من المغرب عين البعد من المشرق فهل فعل واحد بالإضافة إلى المشرق بعد وبالإضافة إلى المغرب قرب وكون واحد بالإضافة إلى خير شغل وبلإضافة إلى آخر تفريغ زكذلك ههنا طلب واحد بالإضافة إلى السكون أمر وإلى الحركة نهي قال والدليل على أنه ليس معه غيره أن ذلك الغير لا يخلو من أن يكون ضدا له أو مثلا أو خلافا ومحال كونه ضدا لأنهما لا يجتمعان وقد اجتمعا ومحال كونه مثلا لتضاد المثلين ومحال كونه خلافا إذ لو كان خلافا لجاز وجود أحدهما دون الآخر أما هذا دون ذاك أو ذاك دون هذا كإرادة الشيء مع العلم به لما اختلفا تصور وجود العلم دون الإرادة وإن لم يتصور وجود الإرادة دون العلم بل كان يتصور وجوده مع ضد الآخر وضد النهي عن الحركة الأمر بها فلنجز أن يكون آمرا بالسكون والحركة معا فيقول تحرك واسكن وقم واقعد وهذا الذي ذكره دليل على المعتزلة حيث منعوا تكليف المحال وإلا فمن يجوز ذلك يجوز أن يقول إجمع بين القيام والقعود ولا نسلم أيضا أن ضرورة كل آمر بالشيء أن يكون ناهيا عن ضده بل يجوز أن يكون آمرا بضده فضلا عن أن يكون لا آمرا ولا ناهيا وعلى الجملة فالذي صح عندنا بالبحث النظري الكلامي تفريعا على إثبات كلام النفس أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده لا بمعنى أنه عينه ولا بمعنى أنه يتضمنه ولا بمعنى أنه يلازمه بل يتصور أن يأمر بالشيء من هو ذاهل عن أضداده فكيف يقوم بذاته قول متعلق بما هو ذاهل عنه وكذلك ينهى عن الشيء ولا يخطر بباله أضداده حتى يكون آمرا بأحد أضداده ولا بعينه فإن أمر ولم يكن ذاهلا عن أضداد المأمور به فلا يقوم بذاته زجر عن أضداده مقصود إلا من حيث يعلم أنه لا يمكن فعل المأمور به إلا بترك أضداده فيكون ترك أضداد المأمور ذريعة بحكم ضرورة الوجود لا بحكم ارتباط الطلب به حتى لو تصور على الاستحالة الجمع بين القيام والقعود إذا قيل له قم فجمع كان ممتثلا لأنه لم يؤمر إلا بإيجاد القيام وقد أوجده ومن ذهب إلى هذا المذهب لزمه فضائح الكعبي من المعتزلة حيث أنكر المباح وقال ما من مباح إلا وهو ترك لحرام فهو واجب ويلزمه وصف الصلاة بأنها حرام إذا ترك بها الزكاة الواجبة على الفور وإن فرق مفرق فقال النهي ليس أمرا بالضد والأمر نهي عن الضد لم يجد إليه سبيلا إلا التحكم المحض فإن قيل فقد قلتم إن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب ولا يتوصل إلى فعل الشيء إلا بترك ضده فليكن واجبا قلنا ونحن نقول ذلك واجب وإنما الخلاف في إيجابه هل هو عين إيجاب المأمور به أو غيره فإذا قيل إغسل الوجه فليس عين هذا إيجابا بالغسل جزء من الرأس ولا قوله صم النهار إيجابا بعينه لإمساك جزء من الليل ولذلك لا يجب أن ينوي إلا صوم النهار ولكن ذلك يجب بدلالة العقل على وجوبه من حيث هو ذريعة إلى المأمور لا أنه عين ذلك الإيجاب فلا منافاة بين الكلامين
الفن الثالث من القطب الأول في أركان الحكم وهي أربعة الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه ونفس الحكم أما نفس الحكم فقد ذكرناه وأنه يرجع إلى الخطاب وهو الركن الأول الركن الثاني الحاكم وهو المخاطب فإن الحكم خطاب وكلام فاعله كل متكلم فلا يشترط في وجود صورة الحكم إلا هذا القدر أما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه ولا مالك إلا الخالق فلا حكم ولا أمر إلا له أما النبي صلى الله عليه وسلم والسلطان والسيد والأب والزوج فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شيء بإيجابهم بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم ولولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا كان للموجب عليه أن يقلب عليه الإيجاب إذ ليس أحدهما أولى من الآخر فإذا الواجب طاعة الله تعالى وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته فإن قيل لا بل من قدر على التوعد بالعقاب وتحقيقه حسا فهو أهل للإيجاب إذ الوجوب إنما يتحقق بالعقاب قلنا قد ذكرنا من مذهب القاضي رحمه الله أن الله تعالى لو أوجب شيئا لوجب وإن لم يتوعد عليه بالعقاب لكن عند البحث عن حقيقة الوجوب لا يتحصل على طائل إذا لم يتعلق به ضرر محذور وإن كان في الدنيا فقد يقدر عليه إلا أن العادة جارية بتخصيص هذا الإسم بالضرر الذي يحذر في الآخرة ولا قدرة عليه إلا لله تعالى فإن أطلق على كل ضرر محذور وإن كان في الدنيا فقد يقدر عليه الآدمي فعند ذلك يجوز أن يكون موجبا لا بمعنى أنا نتحقق قدرته عليه فإنه ربما يعجز عنه قبل تحقيق الوعيد لكن نتوقع قدرته ويحصل به نوع خوف الركن الثالث المحكوم عليه وهو المكلف وشرطه أن يكون عاقلا يفهم الخطاب فلا يصح خطاب الجماد والبهيمة بل خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال وشرط القصد العلم بالمقصود والفهم للتكليف فكل خطاب متضمن للأمر بالفهم فمن لا يفهم كيف يقال له إفهم ومن لا يسمع الصوت كالجماد كيف يكلم وإن سمع الصوت كالبهيمة ولكنه لا يفهم فهو كمن لا يسمع ومن يسمع وقد يفهم فهما ما لكنه لا يعقل ولا يثبت كالمجنون وغير المميز فمخاطبته ممكنة لكن اقتضاء الامتثال منه مع أنه لا يصح منه قصد صحيح غير ممكن فإن قيل فقد وجبت الزكاة والغرامات والنفقات على الصبيان قلنا ليس ذلك من التكليف في شيء إذ يستحيل التكليف بفعل الغير وتجب الدية على العاقلة لا بمعنى أنهم مكلفون بفعل الغير ولكن بمعنى أن فعل الغير سبب لثبوت الغرم في ذمتهم فكذلك الإتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمة الصبيان بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء في الحال وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ وذلك غير محال إنما المحال أن يقال لمن لا يفهم إفهم وأن يخاطب من لا يسمع ولا يعقل وأما أهلية ثبوت الأحكام في الذمة فمستفاد من الإنسانية التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به فهم التكليف في ثاني الحال حتى أن البهيمة لما لم تكن لها أهلية فهم الخطاب بالفعل ولا بالقوة لم تتهيأ لإضافة الحكم إلى ذمتها والشرط لا بد أن يكون حاصلا أو ممكنا أن يحصل على القرب فيقال أنه موجود بالقوة كما أن شرط المالكية الإنسانية وشرط الإنسانية الحياة والنطفة في الرحم قد يثبت لها الملك بالإرث والوصية والحياة غير موجودة بالفعل ولكنها بالقوة إذ مصيرها إلى الحياة فكذلك الصبي مصيره إلى العقل فصلح لإضافة الحكم إلى ذمته ولم يصلح للتكليف في الحال
فإن قيل فالصبي المميز مأمور بالصلاة قلنا مأمور من جهة الولي والولي مأمور من جهة الله تعالى إذ قال عليه السلام مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وذلك لأنه يفهم خطاب الولي ويخاف ضربه فصار أهلا له ولا يفهم خطاب الشارع إذ لا يعرف الشارع ولا يخاف عقابه إذ لا يفهم الآخرة فإن قيل فإذا قارب البلوغ عقل ولم يكلفه الشرع أفيدل ذلك على نقصان عقله قلنا قال القاضي أبو بكر رحمه الله ذلك يدل عليه وليس يتجه ذلك لأن انفصال النطفة منه لا يزيده عقلا لكن حط الخطاب عنه تخفيفا لأن العقل خفي وإنما يظهر فيه على التدريج فلا يمكن الوقوف بغتة على الحد الذي يفهم به خطاب الشرع ويعرف المرسل والرسول والآخرة فنصب الشرع له علامة ظاهرة مسألة ( هل يكلف الغافل والناس ) تكليف الناسي والغافل عما يكلف محال إذ من لا يفهم كيف يقال له إفهم أما ثبوت الأحكام بأفعاله في النوم والغفلة فلا ينكر كلزوم الغرامات وغيرها وكذلك تكليف السكران الذي لا يعقل محال كتكليف الساهي والمجنون والذي يسمع ولا يفهم بل السكران أسوأ حالا من النائم الذي يمكن تنبيهه ومن المجنون الذي يفهم كثيرا من الكلام وأما نفوذ طلاقه ولزوم الغرم فذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب وذلك مما لا ينكر فإن قيل فقد قال الله تعالى في النساء 43 وهذا خطاب للسكران قلنا إذا ثبت بالبرهان استحالة خطابه وجب تأويل الآية ولها تأويلان أحدهما أنه خطاب مع المنتشي الذي ظهر فيه مبادىء النشاط والطرب ولم يزل عقله فإنه قد يستحسن من اللعب والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك ولكنه عاقل وقوله تعالى حتى تعلموا ما تقولون النساء 43 معناه حتى تتبينوا ويتكامل فيكم ثباتكم كما يقال للغضبان إصبر حتى تعلم ما تقول أي حتى يسكن غضبك فيكمل علمك وإن كان أصل عقله باقيا وهذا لأنه لا يشتغل بالصلاة مثل هذا السكران وقد يعسر عليه تصحيح مخارج الحروف وتمام الخشوع الثاني أنه ورد الخطاب به في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر وليس المراد المنع من الصلاة بل المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة كما يقال لا تقرب التهجد وأنت شبعان ومعناه لا تشبع فيثقل عليك التهجد مسألة ( أمر الله تعالى في الأزل ) فإن قال قائل ليس من شرط الأمر عندكم كون المأمور موجودا إذ قضيتم بأن الله تعالى آمر في الأزل لعباده قبل خلقهم فكيف شرطتم كون المكلف سميعا عاقلا والسكران والناسي والصبي والمجنون أقرب إلى التكليف من المعدوم قلنا ينبغي أن يفهم معنى قولنا إن الله تعالى آمر وإن المعدوم مأمور فإنا نعني به أنه مأمور على تقدير الوجود لا أنه مأمور في حالة العدم إذ ذلك محال لكن أثبت الذاهبون إلى إثبات كلام النفس أنه لا يبعد أن يقوم بذات الأب طلب تعلم العلم من الولد الذي سيوجد وإنه لو قدر بقاء ذلك الطلب حتى وجد الولد صار الولد مطالبا بذلك الطلب ومأمورا به فكذلك المعنى القائم بذات الله تعالى الذي هو اقتضاء الطاعة من العباد قديم تعلق بعباده على تقدير وجودهم فإذا وجدوا صاروا مأمورين بذلك الاقتضاء ومثل هذا جار في حق الصبي والمجنون فإن انتظار العقل لا يزيد على انتظار الوجود ولا يسمى هذا المعنى في الأزل خطابا إنما يصير خطابا إذا وجد المأمور وأسمع وهل يسمى أمرا فيه خلاف والصحيح أنه يسمى به إذ يحسن أن يقال فيمن أوصى أولاده بالتصدق بماله أن يقال فلان أمر أولاده بكذا وإن كان بعض أولاده مجتنا في البطن أو معدوما ولا يحسن أن يقال خاطب أولاده إلا إذا حضروا وسمعوا ثم إذا أوصى فنفذوا وصيته يقال قد أطاعوه وامتثلوا أمره مع أن الآمر الآن معدوم والمأمور كان وقت وجود الآمر معدوما وكذلك نحن الآن بطاعتنا ممتثلون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معدوم عن عالمنا هذا وإن كان حيا عند الله تعالى فإذا لم يكن وجود الآمر شرطا لكون المأمور مطيعا ممتثلا فلم يشترط وجود المأمور لكون الأمر أمرا
فإن قيل أفتقولون إن الله تعالى في الأزل آمر للمعدوم على وجه الإلزام قلنا نعم نحن نقول هو آمر لكن على تقدير الوجود كما يقال الوالد موجب وملزم على أولاده التصدق إذا عقلوا وبلغوا فيكون الإلزام والإيجاب حاصلا ولكن بشرط الوجود والقدرة ولو قال لعبده صم غدا فقد أوجب وألزم في الحال صوم الغد ولا يمكن صوم الغد في الوقت بل في الغد وهو موصوف بأنه ملزم وموجب في الحال الركن الرابع المحكوم فيه وهو الفعل إذ لا يدخل تحت التكليف إلا الأفعال الاختيارية وللداخل تحت التكليف شروط الأول صحة حدوثه لاستحالة تعلق الأمر بالقديم والباقي وقلب الأجناس والجمع بين الضدين وسائر المحالات التي لا يجوز التكليف بها عند من يحيل تكليف ما لا يطاق فلا أمر إلا بمعدوم يمكن حدوثه وهل يكون الحادث في أول حال حدوثه مأمورا به كما كان قبل الحدوث أو يخرج عن كونه مأمورا كما في الحالة الثانية من الوجود اختلفوا فيه وفيه بحث كلامي لا يليق بمقاصد أصول الفقه ذكره الثاني جواز كونه مكتسبا للعبد حاصلا باختياره إذ لا يجوز تكليف زيد كتابة عمرو وخياطته وإن كان حدوثه ممكنا فليكن مع كونه ممكنا مقدورا للمخاطب الثالث كونه معلوما للمأمور معلوم التمييز عن غيره حتى يتصور قصده إليه وأن يكون معلوما كونه مأمورا به من جهة الله تعالى حتى يتصور منه قصد الامتثال وهذا يختص بما يجب فيه قصد الطاعة والتقرب فإن قيل فالكافر مأمور بالإيمان بالرسول عليه السلام وهو لا يعلم أنه مأمور به قلنا الشرط لا بد أن يكون معلوما أو في حكم المعلوم بمعنى أن يكون العلم ممكنا بأن تكون الأدلة منصوبة والعقل والتمكن من النظر حاصلا حتى أن ما لا دليل عليه أومن لا عقل له مثل الصبي والمجنون لا يصح في حقه الرابع أن يكون بحيث يصح إرادة إيقاعه طاعة وهو أكثر العبادات ويستثنى من هذا شيئان أحدهما الواجب الأول وهو النظر المعرف للوجوب فإنه لا يمكن قصد إيقاعه طاعة وهو لا يعرف وجوبه إلا بعد الإتيان به والثاني أصل إرادة الطاعة والإخلاص فإنه لو افتقرت إلى إرادة لافتقرت الإرادة إلى إرادة ولتسلسل ويتشعب عن شروط الفعل خمس مسائل مسألة ( هل المكلف به ممكن الحدوث ) ذهب قوم إلى أن كون المكلف به ممكن الحدوث ليس بشرط بل يجوز تكليف ما لا يطاق والأمر بالجمع بين الضدين وقلب الأجناس وإعدام القديم وإيجاد الموجود وهو المنسوب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله وهو لازم على مذهبه من وجهين أحدهما أن القاعدة عنده غير قادر على القيام إلى الصلاة لأن الاستطاعة عنده مع الفعل لا قبله وإنما يكون مأمورا قبله والآخر أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في إيجاد المقدور بل أفعالنا حادثة بقدرة الله تعالى واختراعه فكل عبد هو عنده مأمور بفعل الغير واتدل على هذا بثلاثة أشياء أحدها قوله تعالى ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به البقرة 286 والمحال لا يسأل دفعه فإنه مندفع بذاته وهو ضعيف لأن المراد به ما يشق ويثقل علينا إذ من أتعب بالتكليف بأعمال تكاد تفضي إلى هلاكه لشدتها كقوله اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم فقد يقال حمل ما لا طاقة له به فالظاهر المؤول ضعيف الدلالة في القطعيات
الثاني قولهم أن الله تعالى أخبر أن أبا جهل لا يصدق وقد كلفه الإيمان ومعناه أن يصدق محمدا فيما جاء به ومما جاء به أنه لا يصدقه فكأنه أمره أن يصدقه في أن لا يصدقه وهو محال وهذا ضعيف أيضا لأن أبا جهل أمر بالإيمان بالتوحيد والرسالة والأدلة منصوبة والعقل حاضر إذ لم يكن هو مجنونا فكان الإمكان حاصلا لكن الله تعالى علم أنه يترك ما يقدر عليه حسدا وعنادا فالعلم يتبع المعلوم ولا يغيره فإذا علم كون الشيء مقدورا لشخص وممكنا منه ومتروكا من جهته مع القدرة عليه فلو انقلب محالا لانقلب العلم جهلا ويخرج عن كونه ممكنا مقدورا وكذلك نقول القيامة مقدور عليها من جهة الله تعالى في وقتنا هذا وإن أخبر أنه لا يقيمها ويتركها مع القدرة عليها وخلاف خبره محال إذ يصير وعيده كذبا ولكن هذه استحالة لا ترجع إلى نفس الشيء فلا تؤثر فيه الثالث قولهم لو استحال تكليف المحال لاستحال إما لصيغته أو لمعناه أو لمفسدة تتعلق به أو لأنه يناقض الحكمة ولا يستحيل لصيغته إذ لا يستحيل أن يقول كونوا قردة خاسئين البقرة 65 وأن يقول السيد لعبده الأعمى أبصر وللزمن إمش وأما قيام معناه بنفسه فلا يستحيل أيضا إذ يمكن أن يطلب من عبده كونه في حالة واحدة في مكانين ليحفظ ماله في بلدين ومحال أن يقال أنه ممتنع للمفسدة أو مناقضة الحكمة فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله تعالى محال إذ لا يقبح منه شيء ولا يجب عليه الأصلح ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد والفساد والسفه من المخلوق ممكن فلم يمتنع ذلك مطلقا والمختار استحالة التكليف بالمحال لا لقبحه ولا لمفسدة تنشأ عنه ولا لصيغته إذ يجوز أن ترد صيغته ولكن للتعجيز لا للطلب كقوله تعالى قل كونوا حجارة أو حديدا الإسراء 50 وكقوله كونوا قردة خاسئين البقرة 65 أو لإظهار القدرة كقوله تعالى كن فيكون يس 82 لا بمعنى أنه طلب من المعدوم أن يكون بنفسه ولكن يمتنع لمعناه إذ معنى التكليف طلب ما فيه كلفة والطلب يستدعي مطلوبا وذلك المطلوب ينبغي أن يكون مفهوما للمكلف بالاتفاق فيجوز أن يقول تحرك إذ التحرك مفهوم فلو قال له تحرك فليس بتكليف إذ معناه ليس بمعقول ولا مفهوم ولا له معنى في نفسه فإنه لفظ مهمل فلو كان له معنى في بعض اللغات يعرفه الآمر دون المأمور فلا يكون ذلك تكليفا أيضا لأن التكليف هو الخطاب بما فيه كلفة وما لا يفهمه المخاطب لا يكون خطابا معه وإنما يشترط كونه مفهوما ليتصور منه الطاعة لأن التكليف اقتضاء طاعة فإذا لم يكن في العقل طاعة لم يكن اقتضاء الطاعة متصورا معقولا إذ يستحيل أن يقوم بذات العاقل طلب الخياطة من الشجر لأن الطلب يستدعي مطلوبا معقولا أولا وهذا غير معقول أي لا وجود له في العقل فإن الشيء قبل أن يوجد في نفسه فله وجود في العقل وإنما يتوجه إليه الطلب بعد حصوله في العقل وإحداث القديم غير داخل في العقل فكيف يقوم بذاته طلب إحداث القديم وكذلك سواد الأبيض لا وجود له في العقل وكذلك قيام القاعدة فكيف يقول له قم وأنت قاعد فهذا الطلب يمتنع قيامه بالقلب لعدم المطلوب فإنه كما يشترط في المطلوب أن يكون معدوما في الأعيان يشترط أن يكون موجودا في الأذهان أي في العقل حتى يكون إيجاده في الأعيان على وفقه في الأذهان فيكون طاعة وامتثالا أي احتذاء لمثال ما في نفس الطالب فما لا مثال له في النفس لا مثال له في الوجود فإن قيل فإذا لم يعلم عجز المأمور عن القيام تصور أن يقوم بذاته طلب القيام قلنا ذلك طلب مبني على الجهل وربما يظن الجاهل أن ذلك تكليف فإذا انكشف تبين أنه لم يكن طلبا وهذا لا يتصور من الله تعالى
فإن قيل فإذا لم تؤثر القدرة الحادثة في الإيجاد وكانت مع الفعل كان كل تكليف تكليفا بما لا يطاق قلنا نحن ندرك بالضرورة تفرقه بين أن يقال للقاعد الذي ليس بزمن أدخل البيت وبين أن يقال له إطلع السماء أو يقال له قم مع استدامة القعود أو إقلب السواد حركة والشجرة فرسا إلا أن النظر في أن هذه التفرقة إلى ماذا ترجع ويعلم أنها ترجع إلى تمكن وقدرة بالإضافة إلى أحد هذه الأوامر دون البقية ثم النظر في تفصيل تأثير القدرة وقت حدوث القدرة كيف ما استقر أمره لا يشككنا في هذا ولذلك جاز أن نقول ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به البقرة 286 فإن استوت الأمور كلها فأي معنى لهذا الدعاء وأي معنى لهذه التفرقة الضرورية فغرضنا من هذه المسألة غير موقوف على البحث عن وجه تأثير القدرة ووقتها وعلى الجملة سبب غموض هذا أن التكليف نوع خاص من كلام النفس وفي فهم أصل كلام النفس غموض فالتفريع عليه وتفصيل أقسامه لا محالة يكون أغمض مسألة ( الجمع بين الأضداد ) كما لا يجوز أن يقال إجمع بين الحركة والسكون لا يجوز أن يقال لا تتحرك ولا تسكن لأن الانتهاء عنهما محال كالجمع بينهما فإن قيل فمن توسط مزرعة مغصوبة فيحرم عليه المكث ويحرم عليه الخروج إذ في كل واحد إفساد زرع الغير فهو عاص بهما قلنا حظ الأصولي من هذا أن يعلم أنه لا يقال له لا تمكث ولا تخرج ولا ينهى عن الضدين فإنه محال كما لا يؤمر بجمعهما فإن قيل فما يقال له قلنا يؤمر بالخروج كما يؤمر المولج في الفرج الحرام بالنزع وإن كان به مماسا للفرج الحرام ولكن يقال له إنزع على قصد التوبة لا على قصد الإلتذاذ فكذلك في الخروج من الغصب تقليل الضرر في المكث تكثيره وأهون الضررين يصير واجبا وطاعة بالإضافة إلى أعظمهما كما يصير شرب الخمر واجبا في حق من غص بلقمة وتناول طعام الغير واجبا على المضطر في المخمصة وإفساد مال الغير ليس حراما لعينه ولذلك لو أكره عليه بالقتل وجب أو جاز فإن قيل فلم يجب الضمان بما يفسده في الخروج قلنا الضمان لا يستدعي العدوان إذ يجب على المضطر في المخمصة مع وجوب الإتلاف ويجب على الصبي وعلى من رمى إلى صف الكفار وهو مطيع به فإن قيل فالمضي في الحج الفاسد إن كان حراما للزوم القضاء فلم يجب وإن كان واجبا وطاعة فلم وجب القضاء ولم عصى به قلنا عصى بالوطء المفسد وهو مطيع بإتمام الفاسد والقضاء يجب بأمر مجدد وقد يجب بما هو طاعة إذا تطرق إليه خلل وقد يسقط القضاء بالصلاة في الدار المغصوبة مع أنه عدوان فالقضاء كالضمان فإن قيل فبم تنكرون على أبي هاشم حيث ذهب إلى أنه لو مكث عصى ولو خرج عصى وأنه ألقى بنفسه في هذه الورطة فحكم العصيان ينسحب على فعله قلنا وليس لأحد أن يلقي بنفسه في حال تكلف ما لا يمكن فمن ألقى نفسه من سطح فانكسرت رجله لا يعصى بالصلاة قاعدا وإنما يعصى بكسر الرجل لا بترك الصلاة قائما وقول القائل ينسحب عليه حكم العدوان إن أراد به أنه إنما نهي عنه مع النهي عن ضده فهو محال والعصيان عبارة عن ارتكاب منهي قد نهي عنه فإن لم يكن نهي لم يكن عصيان فكيف يفرض النهي عن شيء وعن ضده أيضا ومن جوز تكليف ما لا يطاق عقلا فإنه يمنعه شرعا لقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة 286 إن قيل فإن رجحتم جانب الخروج لتقليل الضرر فما قولكم فيمن سقط على صدر صبي محفوف بصبيان وقد علم أنه لو مكث قتل من تحته أو انتقل قتل من حواليه ولا ترجيح فكيف السبيل قلنا يحتمل أن يقال إمكث فإن الانتقال فعل مستأنف لا يصح إلا من حي قادر وأما ترك الحركة فلا يحتاج إلى استعمال قدرة ويحتمل أن يقال يتخير إذ لا ترجيح ويحتمل أن يقال لا حكم لله تعالى فيه فيفعل ما يشاء لأن الحكم لا يثبت إلا بنص أو قياس على منصوص ولا نص في هذه المسألة ولا نظير لها في المنصوصات حتى يقاس عليه فبقي على ما كان قبل ورود الشرع ولا يبعد خلو واقعة عن الحكم فكل هذا محتمل وأما تكليف المحال فمحال
مسألة ( المقتضى بالتكليف ) اختلفوا في المقتضى بالتكليف والذي عليه أكثر المتكلمين أن المقتضى به الإقدام أو الكف وكل واحد كسب العبد فالأمر بالصوم أمر بالكف والكف فعل يثاب عليه والمقتضى بالنهي عن الزنا والشرب التلبس بضد من أضداده وهو الترك فيكون مثابا على الترك الذي هو فعله وقال بعض المعتزلة قد يقتضي الكف فيكون فعلا وقد يقتضي أن لا يفعل ولا يقصد التلبس بضده فأنكر الأولون هذا وقالوا المنتهي بالنهي مثاب ولا يثاب إلا على شيء وأن لا يفعل عدم وليس بشيء ولا تتعلق به قدرة إذ القدرة تتعلق بشيء فلا يصح الإعدام بالقدرة وإذا لم يصدر منه شيء فكيف يثاب على لا شيء والصحيح أن الأمر فيه منقسم أما الصوم فالكف فيه مقصود ولذلك تشترط فيه النية وأما الزنا والشرب فقد نهي عن فعلهما فيعاقب فاعلهما ومن لم يصدر منه ذلك فلا يعاقب ولا يثاب إلا إذا قصد كف الشهوة عنهما مع التمكن فهو مثاب على فعله وأما من لم يصدر منه المنهي عن فعله فلا يعاقب عليه ولا يثاب لأنه لم يصدر منه شيء ولا يبعد أن يكون مقصود الشرع أن لا تصدر منه الفواحش ولا يقصد منه التلبس بأضدادها مسألة ( هل المكره مكلف ) فعل المكره يجوز أن يدخل تحت التكليف بخلاف فعل المجنون والبهيمة لأن الخلل تم في المكلف لا في المكلف به فإن شرط تكليف المكلف السماع والفهم وذلك في المجنون والبهيمة معدوم والمكره يفهم وفعله في حيز الإمكان إذ يقدر على تحقيقه وتركه فإن أكره على أن يقتل جاز أن يكلف ترك القتل لأنه قادر عليه وإن كان فيه خوف الهلاك وإن كلف على وفق الإكراه فهو أيضا ممكن بأن يكره بالسيف على قتل حية همت بقتل مسلم إذ يجب قتلها أو أكره الكافر على الإسلام فإذا أسلم نقول قد أدى ما كلف وقالت المعتزلة إن ذلك محال لأنه لا يصح منه إلا فعل ما أكره عليه فلا يبقى له خيرة وهذا محال لأنه قادر على تركه ولذلك يجب عليه ترك ما أكره عليه إذا أكره على قتل مسلم وكذلك لو أكره على قتل حية فيجب قتل الحية وإذا أكره على إراقة الخمر فيجب عليه إراقة الخمر وهذا ظاهر ولكن فيه غور وذلك لأن الامتثال إنما يكون طاعة إذا كان الانبعاث له بباعث الأمر والتكليف دون باعث الإكراه فإن أقدم للخلاص من سيف المكره لا يكون مجيبا داعي الشرع وإن انبعث بداعي الشرع بحيث كان يفعله لولا الإكراه بل كان يفعله لو أكره على تركه فلا يمتنع وقوعه طاعة لكن لا يكون مكرها وإن وجد صورة التخويف فليتنبه لهذه الدقيقة مسألة ( الأمر بالشرط والمشروط ) ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلا حالة الأمر بل يتوجه الأمر بالشرط والمشروط ويكون مأمورا بتقديم الشرط فيجوز أن يخاطب الكفار بفروع الإسلام كما يخاطب المحدث بالصلاة بشرط تقديم الوضوء والملحد بتصديق الرسول بشرط تقديم الإيمان بالمرسل وذهب أصحاب الرأي إلى إنكار ذلك والخلاف إما في الجواز وإما في الوقوع أما الجواز العقلي فواضح إذ لا يمتنع أن يقول الشارع بني الإسلام على خمس وأنتم مأمورون بجميعها وبتقديم الإسلام من جملتها فيكون الإيمان مأمورا به لنفسه ولكونه شرطا لسائر العبادات كما في المحدث والملحد فإن منع مانع الجميع وقال كيف يؤمر بما لا يمكن امتثاله والمحدث لا يقدر على الصلاة فهو مأمور بالوضوء فإذا توضأ توجه عليه حينئذ الأمر بالصلاة قلنا فينبغي أن يقال لو ترك الوضوء والصلاة جميع عمره لا يعاقب على ترك الصلاة لأنه لم يؤمر قط بالصلاة وهذا خلاف الإجماع وينبغي أن لا يصح أمره بعد الوضوء بالصلاة بل بالتكبير فإنه يشترط تقديمه ولا بالتكبير بل بهمزة التكبير أولا ثم بالكاف ثانيا وعلى هذا الترتيب وكذلك السعي إلى الجمعة ينبغي أن لا يتوجه الأمر به إلا بالخطوة الأولى ثم بالثانية