Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)
فقد اتفق أهل اللغة على أن فهم ما فوق التأفيف من الضرب والشتم وما وراء الفتيل والذرة من المقدار الكثير أسبق إلى الفهم منه من نفس الذرة والفتيل والتأفيف ومن قال إن هذا معلوم بالقياس فإن أراد به أن المسكوت عنه عرف بالمنطوق فهو حق وإن أراد به أن يحتاج فيه إلى تأمل أو يتطرق إليه احتمال فهو غلط وأما الذي لا يستقل إلا بقرينة فكقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير البقرة 237 وقوله ثلاثة قروء البقرة 228 وكل لفظ مشترك ومبهم وكقوله رأيت أسدا وحمارا وثورا إذا أراد شجاعا وبليدا فإنه لا يستقل بالدلالة على مقصوده إلا بقرينة وأما الذي يستقل من وجه دون وجه فكقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده الأنعام 141 وكقوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 التوبة فإن الإيتاء ويوم الحصاد معلوم ومقدار ما يؤتى غير معلوم والقتال وأهل الكتاب معلوم وقدر الجزية مجهول فخرج من هذا أن اللفظ المفيد بالإضافة إلى مدلوله إما أن لا يتطرق إليه احتمال فيسمى نصا أو يتعارض فيه الاحتمالات من غير ترجيح فيسمى مجملا ومبهما أو يترجح أحد احتمالاته على الآخر فيسمى بالإضافة إلى الاحتمال الأرجح ظاهرا وبالإضافة إلى الاحتمال البعيد مؤولا فاللفظ المفيد إذا ما نص أو ظاهر أو مجمل الفصل السادس في طريق فهم المراد من الخطاب اعلم أن الكلام إما أن يسمعه نبي أو ملك من الله تعالى أو يسمعه نبي أو ولي من ملك أو تسمعه الأمة من النبي فإن سمعه ملك أو نبي من الله تعالى فلا يكون حرفا ولا صوتا ولا لغة موضوعة حتى يعرف معناه بسبب تقدم المعرفة بالمواضعة لكن يعرف المراد منه بأن يخلق الله تعالى في السامع علما ضروريا بثلاثة أمور بالمتكلم وبأن ما سمعه من كلامه وبمراده من كلامه فهذه ثلاثة أمور لا بد وأن تكون معلومة والقدرة الأزلية ليست قاصرة عن اضطرار الملك والنبي إلى العلم بذلك ولا متكلم إلا وهو محتاج إلى نصب علامة لتعريف ما في ضميره إلا الله تعالى فإنه قادر على اختراع علم ضروري به من غير نصب علامة وكما أن كلامه ليس من جنس كلام البشر فسمعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سمع الأصوات ولذلك يعسر علينا تفهم كيفية سماع موسى كلام الله تعالى الذي ليس بحرف ولا صوت كما يعسر على الأكمة تفهم كيفية إدراك البصير للألوان والأشكال أما سماع النبي من الملك فيحتمل أن يكون بحرف وصوت دال على معنى كلام الله فيكون المسموع الأصوات الحادثة التي هي فعل الملك دون نفس الكلام ولا يكون هذا إسماعا لكلام الله بغير واسطة وإن كان يطلق عليه اسم سماع كلام الله تعالى كما يقال فلان سمع شعر المتنبي وكلامه وإن سمعه من غيره وسمع صوت غيره وكما قال تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله التوبة 6 وكذلك سماع الأمة من الرسول صلى الله عليه وسلم كسماع الرسول من الملك ويكون طريق فهم المراد تقدم المعرفة بوضع اللغة التي بها المخاطبة ثم إن كان نصا لا يحتمل كفى معرفة اللغة وإن تطرق إليه الاحتمال فلا يعرف المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرينة إلى اللفظ والقرينة إما لفظ مكشوف كقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده الأنعام 141 والحق هو العشر وإما إحالة على دليل العقل كقوله تعالى وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون الزمر 67 وقوله عليه السلام قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن
وإما قرائن أحوال من إشارات ورموز وحركات وسوابق ولواحق لا تدخل تحت الحصر والتخمين يختص بدركها المشاهد لها فينقلها المشاهدون من الصحابة إلى التابعين بألفاظ صريحة أو مع قرائن من ذلك الجنس أو من جنس آخر حتى توجب علما ضروريا بفهم المراد أو توجب ظنا وكل ما ليس عبارة موضوعة في اللغة فتتعين فيه القرائن وعند منكري صيغة العموم والأمر يتعين تعريف الأمر والاستغراق بالقرائن فإن قوله تعالى فاقتلوا المشركين التوبة 5 وإن أكده بقوله كلهم وجميعهم فيحتمل الخصوص عندهم كقوله تعالى ولله الأحقاف 25 72 وأوتيت من كل شيء النمل 23 فإنه أريد به البعض وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى الفصل السابع في الحقيقة والمجاز اعلم أن اسم الحقيقة مشترك إذ قد يراد به ذات الشيء وحده ويراد به حقيقة الكلام ولكن إذا استعمل في الألفاظ أريد به ما استعمل في موضوعه والمجاز ما استعمله العرب في غير موضوعه وهو ثلاثة أنواع الأول ما استعير للشيء بسببه المشابهة في خاصية مشهورة كقولهم للشجاع أسد وللبليد حمار فلو سمي الأبخر أسدا لم يجز لأن البخر ليس مشهورا في حق الأسد الثاني الزيادة كقوله تعالى ليس كمثله شيء الشورى 11 فإن الكاف وضعت للإفادة فإذا استعملت على وجه لا يفيد كان على خلاف الوضع الثالث النقصان الذي لا يبطل التفهيم كقوله عز وجل واسأل القرية يوسف 82 والمعنى واسأل أهل القرية وهذا النقصان اعتادته العرب فهو توسع وتجوز وقد يعرف المجاز بإحدى علامات أربع الأولى أن الحقيقة جارية على العموم في نظائره إذ قولنا عالم لما عني به ذو علم صدق على كل ذي علم وقوله واسأل القرية يصح في بعض الجمادات لإرادة صاحب القرية ولا يقال سل البساط والكوز وإن كان قد يقال سل الطلل والربع لقربه من المجاز المستعمل الثانية أن يعرف بامتناع الاشتقاق عليه إذ الأمر إذا استعمل في حقيقته اشتق منه اسم الآمر وإذا استعمل في الشأن مجازا لم يشتق منه آمر والشأن هو المراد بقوله تعالى وما أمر فرعون برشيد هود 97 وبقوله تعالى إذا جاء أمرنا هود 40 الثالثة أن تختلف صيغة الجمع على الاسم فيعلم أنه مجاز في أحدهما إذ الأمر الحقيقي يجمع على أوامر وإذا أريد به الشأن يجمع على أمور الرابعة أن الحقيقي إذا كان له تعلق بالغير فإذا استعمل فيما لا تعلق له به لم يكن له متعلق كالقدرة إذا أريد بها الصفة كان لها مقدور وإن أريد بها المقدور كالنبات الحسن العجيب إذ يقال انظر إلى قدرة الله تعالى أي إلى عجائب مقدوراته لم يكن له متعلق إذ النبات لا مقدور له واعلم أن كل مجاز فله حقيقة وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز بل ضربان من الأسماء لا يدخلهما المجاز الأول أسماء الأعلام نحو زيد وعمرو لأنها أسام وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق في الصفات نعم الموضوع للصفات قد يجعل علما فيكون مجازا كالأسود بن الحرث إذ لا يراد به الدلالة على الصفة مع أنه وضع له فهو مجاز أما إذا قال قرأت المزني وسيبويه وهو يريد كتابيهما فليس ذلك إلا كقوله تعالى واسأل القرية يوسف 82 فهو على طريق حذف اسم الكتاب معناه قرأت كتاب المزني فيكون في الكلام مجاز بالمعنى الثالث المذكور للمجاز الثاني الأسماء التي لا أعم منها ولا أبعد كالمعلوم والمجهول والمدلول والمذكور إذ لا شيء إلا وهو حقيقة فيه فكيف يكون مجازا عن شيء هذا تمام المقدمة ولنشتغل بالمقاصد وهي كيفية اقتباس الأحكام من الصيغ والألفاظ المنطوق بها وهي أربعة أقسام القسم الأول من الفن الأول من مقاصد القطب الثالث في المجمل والمبين اعلم أن اللفظ إما أن يتعين معناه بحيث لا يحتمل غيره فيسمى مبينا ونصا وإما أن يتردد بين معنيين فصاعدا من غير ترجيح فيسمى مجملا وإما أن يظهر في أحدهما ولا يظهر في الثاني فيسمى ظاهرا والمجمل هو اللفظ الصالح لأحد معنيين الذي لا يتعين معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال وينكشف ذلك بمسائل
مسألة ( كيفية معرفة المجمل ) قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم النساء 23 و حرمت عليكم الميتة المائدة 3 ليس بمجمل وقال قوم من القدرية هو مجمل لأن الأعيان لا تتصف بالتحريم وإنما يحرم فعل ما يتعلق بالعين وليس يدري ما ذلك الفعل فيحرم من الميتة مسها أو أكلها أو النظر إليها أو بيعها والانتفاع بها فهو مجمل والأم يحرم منها النظر أو المضاجعة أو الوطء فلا يدري أيه ولا بد من تقدير فعل وتلك الأفعال كثيرة وليس بعضها أولى من بعض وهذا فاسد إذ عرف الاستعمال كالوضع ولذلك قسمنا الأسماء إلى عرفية ووضعية وقدمنا بيانها ومن أنس بتعارف أهل اللغة واطلع على عرفهم علم أنهم لا يستريبون في أن من قال حرمت عليك الطعام والشراب أنه يريد الأكل دون النظر والمس وإذا قال حرمت عليك هذا الثوب أنه يريد اللبس وإذا قال حرمت عليك النساء أنه يريد الوقاع وهذا صريح عندهم مقطوع به فكيف يكون مجملا والصريح تارة يكون بعرف الاستعمال وتارة بالوضع وكل ذلك واحد في نفي الأجمال وقال قوم هو من قبيل المحذوف كقوله تعالى واسأل القرية أي أهل القرية ( يوسف 82 ) وكذلك قوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام أي أكل البهيمة أحل لكم صيد البحر المائدة 96 وهذا إن أراد به إلحاقه بالمجمل فهو خطأ وإن أراد به حصول الفهم به مع كونه محذوفا فهو صحيح وإن أراد به إلحاقه بالمجاز فيلزمه تسمية الأسماء العربية مجازا مسألة ( رفع الخطأ والنسيان ) قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان يقتضي بالوضع نفي نفس الخطأ والنسيان وليس كذلك وكلامه صلى الله عليه وسلم يجل عن الخلف فالمراد به رفع حكمه لا على الإطلاق بل الحكم الذي عرف بعرف الاستعمال قبل ورود الشرع إرادته بهذا اللفظ فقد كان يفهم قبل الشرع من قول القائل لغيره رفعت عنك الخطأ والنسيان إذ يفهم منه رفع حكمه لا على الإطلاق وهو المؤاخذة بالذم والعقوبة فكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم نص صريح فيه وليس بعام في جميع أحكامه من الضمان ولزوم القضاء وغيره ولا هو مجمل بين المؤاخذة التي ترجع إلى الذم ناجزا أو إلى العقاب آجلا وبين الغرم والقضاء لأنه لا صيغة لعمومه حتى يجعل عاما في كل حكم كما لم يجعل قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم النساء 23 عاما في كل فعل مع أنه لا بد من إضمار فعل فالحكم هاهنا لا بد من إضماره لإضافة الرفع إليه كالفعل ثم ينزل على ما يقتضيه عرف الاستعمال وهو الذم والعقاب هاهنا والوطء ثم فإن قيل فالضمان أيضا عقاب فليرتفع قلنا الضمان قد يجب امتحانا ليثاب عليه لا للانتقام ولذلك يجب على الصبي والمجنون وعلى العاقلة بسبب الغير ويجب حيث يجب الإتلاف كالمضطر في المخمصة وقد يجب عقابا كما يجب على المعتمد لقتل الصيد ليذوق وبال أمره وإن وجب على المخطىء بالقتل امتحانا فغاية ما يلزم أن يقال ينتفي به كل ضمان هو بطريق العقاب لأنه مؤاخذة وانتقام بخلاف ما هو بطريق الجبران والامتحان والمقصود أن من ظن أن هذا اللفظ خاص أو عام لجميع أحكام الخطأ أو مجمل متردد فقد غلط فيه فإن قيل فلو ورد في موضع لا عرف فيه يدرك به خصوص معناه فهل يجعل نفيا لأثره بالكلية حتى يقوم مقام العموم أو يجعل مجملا قلنا هو مجمل يحتمل نفي الأثر مطلقا ونفي آحاد الآثار ويصلح أن يراد به الجميع ولا يترجح أحد الاحتمالات وهذا عند من لا يقول بصيغة العموم ظاهر أما من يقول بها فيتبع فيه الصيغة ولا صيغة للمضمرات وهذا قد أضمر فيه الأثر فعلى ماذا يعول في التعميم فإن قيل هو نفي فيقتضي وضعه نفي الأثر والمؤثر جميعا فإن تعذر نفي المؤثر بقرينة الحس فالتعذر مقصور عليه فيبقى الأثر منفيا قلنا ليس قوله لا صيام ولا عمل ولا خطأ ولا نسيان أو رفع الخطأ والنسيان عاما في نفي المؤثر والأثر حتى إذا تعذر في المؤثر بقي في الأثر بل هو لنفي المؤثر فقط والأثر ينتفي ضرورة بانتفاء المؤثر لا بحكم عموم اللفظ وشموله له فإذا تعذر حمله على المؤثر صار مجازا إما عن جميع الآثار أو عن بعض الآثار ولا تترجح الجملة على البعض ولا أحد الأبعاض على غيره
مسألة ( نفي الكمال أو الصحة في اللفظ الشرعي ) في قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بطهور ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ولا نكاح إلا بولي ولا نكاح إلا بشهود ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد فإن هذا نفي لما ليس منفيا بصورته فإن صورة النكاح والصوم والصلاة موجودة كالخطأ والنسيان وقالت المعتزلة هو مجمل لتردده بين نفي الصورة والحكم وهو أيضا فاسد بل فساده في هذه الصورة أظهر فإن الخطأ والنسيان ليس اسما شرعيا والصلاة والصوم والوضوء والنكاح ألفاظ تصرف الشرع فيها فهي شرعية وعرف الشرع في تنزيل الأسامي الشرعية على مقاصده كعرف اللغة على ما قدمنا وجه تصرف الشرع في هذه الألفاظ فلا يشك في أن الشرع ليس يقصد بكلامه نفي الصورة فيكون خلفا بل يريد نفي الوضوء والصوم والنكاح الشرعي فعرف الشرع يزيل هذا الاحتمال فكأنه صرح بنفي نفس الصلاة الشرعية والنكاح الشرعي فإن قيل فيحتمل نفي الصحة ونفي الكمال أي لا صلاة كاملة ولا صوم فاضلا ولا نكاح مؤكدا ثابتا فهل هو محتمل بينهما قلنا ذهب القاضي إلى أنه مردد بين نفي الكمال والصحة إذ لا بد من إضمار الصحة أو الكمال وليس أحدهما بأولى من الآخر والمختار أنه ظاهر في نفي الصحة محتمل لنفي الكمال على سبيل التأويل لأن الوضوء والصوم صارا عبارة عن الشرعي وقوله لا صيام صريح في نفي الصوم ومهما حصل الصوم الشرعي وإن لم يكن فاضلا كاملا كان ذلك على خلاف مقتضى النفي فإن قيل فقوله صلى الله عليه وسلم لا عمل إلا بنية من قبيل قوله لا صلاة أو من قبيل قوله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان قلنا الخطأ والنسيان ليسا من الأسماء الشرعية والصوم والصلاة من الأسماء الشرعية وأما العمل فليس للشرع فيه تصرف وكيفما كان فقوله صلى الله عليه وسلم لا عمل إلا بنية وقوله إنما الأعمال بالنيات يقتضي عرف الاستعمال نفي جدواه وفائدته كما يقتضي عرف الشرع نفي الصحة في الصوم والصلاة فليس هذا من المجملات بل من المألوف في عرف الاستعمال قولهم لا علم إلا ما نفع ولا كلام إلا ما أفاد ولا حكم إلا لله ولا طاعة إلا له ولا عمل إلا ما نفع وأجدى وكل ذلك نفي لما لا ينتفي وهو صدق لأن المراد منه نفي مقاصده دقيقة القاضي رحمه الله إنما لزمه جعل اللفظ مجملا بالإضافة إلى الصحة والكمال من حيث أنه نفى الأسماء الشرعية وأنكر أن يكون للشرع فيها عرف يخالف الوضع فلزمه إضمار شيء في قوله عليه السلام لا صيام أي لا صيام مجزئا صحيحا أو لا صيام فاضلا كاملا ولم يكن أحد الإضمارين بأولى من الآخر وأما نحن إذا اعترفنا بعرف الشرع في هذه الألفاظ صار هذا النفي راجعا إلى نفس الصوم كقوله لا رجل في البلد فإنه يرجع إلى نفي الرجل ولا ينصرف إلى الكمال إلا بقرينة الاحتمال مسألة ( معنى المجمل ) إذا أمكن حمل لفظ الشارع على ما يفيد معنيين وحمله على ما يفيد معنى واحدا وهو مردد بينهما فهو مجمل وقال بعض الأصوليين يترجح حمله على ما يفيد معنيين كما لو دار بين ما يفيد وما لا يفيد يتعين حمله على المفيد لأن المعنى الثاني مما قصر اللفظ عن إفادته إذا حمل على الوجه الآخر فحمله على الوجه المفيد بالإضافة إليه أولى وهذا فاسد لأن حمله على غير المفيد يجعل الكلام عبثا ولغوا يجل عنه منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم أما المفيد لمعنى واحد فليس بلغو وكلماته التي أفادت معنى واحدا لعلها أغلب وأكثر مما يفيد معنيين فلا معنى لهذا الترجيح مسألة ( الأحكام المتعددة في اللفظ )
ما أمكن حمله على حكم متعدد فليس بأولى مما يحمل اللفظ فيه على التقرير على الحكم الأصلي والحكم العقلي والاسم اللغوي لأن كل واحد محتمل وليس حمل الكلام عليه ردا له إلى العبث وقال قوم حمله على الحكم الشرعي الذي هو فائدة خاصة بالشرع أولى وهو ضعيف إذ لم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق بالحكم العقلي ولا بالاسم اللغوي ولا بالحكم الأصلي فهذا ترجيح بالتحكم مثاله قوله صلى الله عليه وسلم الاثنان فما فوقهما جماعة فإنه يحتمل أن يكون المراد به أنه يسمى جماعة ويحتمل أن يكون المراد به انعقاد الجماعة أو حصول فضيلتها ومثاله أيضا قوله صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة إذ يحتمل أن يكون المراد به الافتقار إلى الطهارة أي هو كالصلاة حكما ويحتمل أن فيه دعاء كما في الصلاة ويحتمل أنه يسمى صلاة شرعا وإن كان لا يسمى في اللغة صلاة فهو مجمل بين هذه الجهات ولا ترجيح مسألة ( دوران الاسم بين المعنى اللغوي والشرعي ) إذا دار الاسم بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي كالصوم والصلاة قال القاضي هو مجمل لأن الرسول عليه السلام يناطق العرب بلغتهم كما يناطقهم بعرف شرعه ولعل هذا منه تفريع على مذهب من يثبت الأسامي الشرعية وإلا فهو منكر للأسامي الشرعية وهذا فيه نظر لأن غالب عادة الشارع استعمال هذه الأسامي على عرف الشرع لبيان الأحكام الشرعية وإن كان أيضا كثيرا ما يطلق على الوضع اللغوي كقوله صلى الله عليه وسلم دعي الصلاة أيام أقرائك ومن باع حرا أو من باع خمرا فحكمه كذا وإن كانت الصلاة في حالة الحيض وبيع الخمر والحر لا يتصور إلا بموجب الوضع فأما الشرعي فلا ومثال هذه المسألة قوله صلى الله عليه وسلم حيث لم يقدم إليه غداء إني إذا أصوم فإنه إن حمل على الصوم الشرعي دل على جواز النية نهارا وإن حمل على الإمساك لم يدل وقوله صلى الله عليه وسلم لا تصوموا يوم النحر إن حمل على الإمساك الشرعي دل على انعقاده إذ لولا إمكانه لما قيل له لا تفعل إذ لا يقال للأعمى لا تبصر وإن حمل على الصوم الحسي لم ينشأ منه دليل على الانعقاد وقد قال الشافعي لو حلف أن لا يبيع الخمر لا يحنث ببيعه لأن البيع الشرعي لا يتصور فيه وقال المزني يحنث لأن القرينة تدل على أنه أراد البيع اللغوي والمختار عندنا أن ما ورد في الأثبات والأمر فهو للمعنى الشرعي وما ورد في النهي كقوله دعي الصلاة فهو مجمل مسألة ( تعارض الحقيقة والمجاز أيهما يقدم ) إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز فاللفظ للحقيقة إلى أن يدل الدليل أنه أراد المجاز ولا يكون مجملا كقوله رأيت اليوم حمارا واستقبلني في الطريق أسد فلا يحمل على البليد والشجاع إلا بقرينة زائدة فإن لم تظهر فاللفظ للبهيمة والسبع ولو جعلنا كل لفظ أمكن أن يتجوز به مجملا تعذرت الاستفادة من أكثر الألفاظ فإن المجاز إنما يصار إليه لعارض وهذا في مجاز لم يغلب بالعرف بحيث صار الوضع كالمتروك مثل الغائط والعذرة فإنه لو قال رأيت اليوم عذرة أو غائطا لم يفهم منه المطمئن من الأرض وفناء الدار لأنه صار كالمتروك بعرف الاستعمال والمعنى العرفي كالمعنى الوضعي في تردد اللفظ بينهما وليس المجاز كالحقيقي لكن المجاز إذا صار عرفيا كان الحكم للعرف خاتمة جامعة إعلم أن الإجمال تارة يكون في لفظ مفرد وتارة يكون في لفظ مركب وتارة في نظم الكلام والتصريف وحروف النسق ومواضع الوقف والابتداء
أما اللفظ المفرد فقد يصلح لمعان مختلفة كالعين للشمس والذهب والعضو الباصر والميزان وقد يصلح لمتضادين كالقرء للطهر والحيض والناهل للعطشان والريان وقد يصلح لمتشابهين بوجه ما كالنور للعقل ونور الشمس وقد يصلح لمتماثلين كالجسم للسماء والأرض والرجل لزيد وعمرو وقد يكون موضوعا لهما من غير تقديم وتأخير وقد يكون مستعارا لأحدهما من الآخر كقولك الأرض أم البشر فإن الأم وضع اسما للوالدة أولا وكذلك اسم المنافق والكافر والفاسق والصوم والصلاة فإنه نقل في الشرع إلى معان ولم يترك المعنى الوضعي أيضا أما الاشتراك مع التركيب فكقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير البقرة 237 فإن جميع هذه الألفاظ مرددة بين الزوج والولي وأما الذي بحسب التصريف فكالمختار للفاعل والمفعول وأما الذي بحسب نسق الكلام فكقولك كل ما علمه الحكيم فهو كما علمه فإن قولك فهو كما علمه متردد بين أن يرجع إلى كل ما وبين أن يرجع إلى الحكم حتى يقول والحكيم يعلم الحجر فهو إذا كالحجر وقد يكون بحسب الوقف والابتداء فإن الوقف على السموات في قوله تعالى ما الأنعام 3 ) له معنى يخالف الوقف على الأرض والابتداء بقوله يعلم سركم وجهركم وقوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم آل عمران 7 من غير وقف يخالف الوقف على قوله إلا الله وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء ولذلك قد يصدق قولك الخمسة زوج وفرد أي هو اثنان وثلاثة ويصدق قولك الإنسان حيوان وجسم لأنه حيوان وجسم أيضا ولا يصدق قولك الإنسان حيوان وجسم ولا قولك الخمسة زوج وفرد لأن الإنسان ليس بحيوان وجسم وليست الخمسة زوجا وفرد أيضا وذلك لأن الواو يحتمل جمع الأجزاء وجمع الصفات وكذلك تقول زيد طبيب بصير يصدق وإن كان جاهلا ضعيف المعرفة بالطب ولكن بصير بالخياطة فيتردد البصير بين أن يراد به البصير في الطب أو يراد وصف زائد في نفسه فهذه أمثلة مواضع الإحمال وقد تم القول في المجمل وفي مقابلته المبين فلنتكلم في البيان وحكمه وحده القول في البيان والمبين إعلم أنه جرت عادة الأصوليين برسم كتاب في البيان وليس النظر فيه مما يستوجب أن يسمى كتابا فالخطب فيه يسير والأمر فيه قريب ورأيت أولى المواضع به أن يذكر عقيب المجمل فإنه المفتقر إلى البيان والنظر فيه حد البيان وجواز تأخيره والتدريج في إظهاره وفي طريق ثبوته فهذه أربعة أمور نرسم في كل واحد منها مسألة مسألة في حد البيان إعلم أن البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف والإعلام وإنما يحصل الإعلام بدليل والدليل محصل للعلم فهاهنا ثلاثة أمور إعلام ودليل به الإعلام وعلم يحصل من الدليل فمن الناس من جعله عبارة عن التعريف فقال في حده أنه إخراج الشيء من حيز الأشكال إلى حيز التجلي ومنهم من جعله عبارة عما به تحصل المعرفة فيما يحتاج إلى المعرفة أعني الأمور التي ليست ضرورية وهو الدليل فقال في حده أنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بما هو دليل عليه وهو اختيار القاضي ومنهم من جعله عبارة عن نفس العلم وهو تبين الشيء فكأن البيان عنده والتبيين واحد ولا حجر في إطلاق إسم البيان على كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة إلا أن الأقرب إلى اللغة وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي إذ يقال لمن دل غيره على الشيء بينه له وهذا بيان منك لكنه لم يتبين وقال تعالى هذا بيان للناس آل عمران 138 وأراد به القرآن وعلى هذا فبيان الشيء قد يكون بعبارات وضعت بالاصطلاح فهي بيان في حق من تقدمت معرفته بوجه المواضعة وقد يكون بالفعل والإشارة والرمز إذا لكل دليل ومبين ولكن صار في عرف المتكلمين مخصوصا بالدلالة بالقول فيقال له بيان حسن أي كلام حسن رشيق الدلالة على المقاصد
وإعلم أنه ليس من شرط البيان أن يحصل التبيين به لكل أحد بل أن يكون بحيث إذا سمع وتؤمل وعرفت المواضعة صح أن يعلم به ويجوز أن يختلف الناس في تبين ذلك وتعرفه وليس من شرطه أن يكون بيانا لمشكل لأن النصوص المعربة عن الأمور ابتداء بيان وإن لم يتقدم فيها إشكال وبهذا يبطل قول من حده بأنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي فذلك ضرب من البيان وهو بيان المجمل فقط وإعلم أن كل مفيد من كلام الشارع وفعله وسكوته واستبشاره حيث يكون دليلا وتنبيهه بفحوى الكلام على علة الحكم كل ذلك بيان لأن جميع ذلك دليل وإن كان بعضها يفيد غلبة الظن فهو من حيث إنه يفيد العلم بوجوب العمل قطعا دليل وبيان وهو كالنص نعم كل ما لا يفيد علما ولا ظنا ظاهرا فهو مجمل وليس ببيان بل هو محتاج إلى البيان والعموم يفيد ظن الاستغراق عند القائلين به لكنه يحتاج إلى البيان ليصير الظن علما فيتحقق الاستغراق أو يتبين خلافه فيتحقق الخصوص وكذلك الفعل يحتاج إلى بيان تقدمه أنه أريد به بيان الشرع لأن الفعل لا صيغة له مسألة ( في تأخير البيان ) لا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلا على مذهب من يجوز تكليف المحال أما تأخيره إلى وقت الحاجة فجائز عند أهل الحق خلافا للمعتزلة وكثير من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الظاهر وإليه ذهب أبو إسحق المروزي وأبو بكر الصيرفي وفرق جماعة بين العام والمجمل فقالوا يجوز تأخير بيان المجمل إذ لا يحصل من المجمل جهل وأما العام فإنه يوهم العموم فإذا أريد به الخصوص فلا ينبغي أن يتأخر بيانه مثل قوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 فإنه إن لم يقترن به البيان له أوهم جواز قتل غير أهل الحرب وأدى ذلك إلى قتل من لا يجوز قتله والمجمل مثل قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده الأنعام 141 يجوز تأخير بيانه لأن الحق مجمل لا يسبق إلى الفهم منه شيء وهو كما لو قال حج في هذه السنة كما سأفصله أو أقتل فلانا غدا بآلة سأعينها من سيف أو سكين وفرق طوائف بين الأمر والنهي وبين الوعد والوعيد فلم يجوزوا تأخير البيان في الوعد والوعيد ويدل على جواز التأخير مسالك الأول أنه لو كان ممتنعا لكان الاستحالته في ذاته أو لإفضائه إلى مجال وكل ذلك يعرف بضرورة أو نظر وإذا انتفى المسلكان ثبت الجواز وهذا دليل يستعمله القاضي في مسائل كثيرة وفيه نظر لأنه لا يورث العلم ببطلان الإحالة ولا بثبوت الجواز إذ يمكن أن يكون وراء من ذكره وفصله دليل على الإحالة لم يخطر له فلا يمكن أن يكون دليلا لا على الإحالة ولا على الجواز فعدم العلم العلم بدليل الجواز لا يثبت الإحالة وكذلك عدم العلم بدليل الإحالة لا يثبت الجواز بل عدم العلم بدليل الإحالة لا يكون علما لعدم الإحالة فلعل عليه دليلا ولم نعرفه بل لو عرفنا انتفاء دليل الإحالة لم يثبت الجواز بل لعله محال وليس عليه دليل يعرفه آدمي فمن أين يجب أن يكون كل جائز ومحال في مقدور الآدمي معرفته الثاني أنه إنما يحتاج إلى البيان للامتثال وإمكانه ولأجله يحتاج إلى القدرة والآلة ثم جاز تأخير القدرة وخلق الآلة فكذلك البيان وهذا أيضا ذكره القاضي وفيه نظر لأنه إنما ينفع لو اعترف الخصم بأنه يحيله لتعذر الامتثال ولعله يحيله لما من تجهيل أو لكونه لغوا بلا فائدة أو لسبب آخر وليس في تسليمه تعليل القدرة والآلة بتأتي الامتثال ما يلزمه تعليل غير به
الثالث الاستدلال على جوازه بوقوعه في القرآن والسنة قال الله تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه القيامة 18 وثم للتأخير وقال تعالى كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وإنما أراد بقرة معينة ولم يفصل إلا بعد السؤال وقال تعالى نتوفينك الأنفال 41 الآية وإنما أراد بذي القربى بني هاشم وبنى المطلب دون بني أمية وكل من عدا بني هاشم فلما منع بني أمية وبني نوفل وسئل عن ذلك قال أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام ولم نزل هكذا وشبك بين أصابعه وقال في قصة نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح هود 46 بين بعد أن توهم أنه من أهله وأما السنن فبيان المراد بقوله وأقيموا الصلاة بصلاة جبريل في يومين بين الوقتين وقوله عليه السلام ليس في الخضروات صدقة ثم قال بعد ذلك ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وقال في أربعين شاة شاة وخذوا عني مناسككم كله ورد متأخرا عن قوله وآتوا الزكاة النساء 77 ولله على الناس حج البيت من استطاع آل عمران 97 الآية وقال وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم التوبة 41 وهو عام ثم ورد بعده إذا النور 61 وكذلك جميع الأعذار وكذلك أمر النكاح والبيع والأرث ورد أولا أصلها ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم بالتدريج من يرث ومن لا يرث ومن يحل نكاحه ومن لا يحل وما يصح بيعه وما لا يصح وكذلك كل عام ورد في الشرع فإنما ورد دليل خصوصه بعده وهذا مسلك لا سبيل إلى إنكاره وإن تطرق الاحتمال إلى أحد هذه الاستشهادات بتقدير اقتران البيان فلا يتطرق إلى الجميع الرابع أنه يجوز تأخير النسخ بالاتفاق بل يجب تأخيره لا سيما عند المعتزلة فإن النسخ عندهم بيان لوقت العبادة ويجوز أن يرد لفظ يدل على تكرر الأفعال على الدوام ثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول الإعتقاد بلزوم الفعل على الدوام لكن بشرط أن لا يرد نسخ وهذا أيضا واقع فهذه الأدلة واقعة دالة على جواز تأخير البيان عن كل ما يحتاج إلى البيان من عام ومجمل ومجاز وفعل متردد وشرط مطلق غير مقيد وهو أيضا دليل على من جوز في الأمر دون الوعيد وعلى من قال بعكس ذلك وللمخالف أربع شبه الأولى قالوا إن جوزتم خطاب العربي بالعجمية والفارسي بالزنجية فقد ركبتم بعيدا وتعسفتم وإن منعتم فما الفرق بينه وبين مخاطبة العربي بلفظ مجمل لا يفهم معناه ولكن يسمع لفظه ويلزم منه جواز خطابه بلغة هو واضعها وحده إلى أن يبين والجواب من وجهين أحدهما وهو الأولى أنهم لم قالوا قوله وآتوا حقه يوم حصاده الأنعام 141 كالكلام بلغة لا تفهم مع أنه يفهم أصل الإيجاب ويعزم على أدائه وينتظر بيانه وقت الحصاد فالتسوية بينهما تعسف وظلم الجواب الثاني أنا نجوز للنبي عليه السلام أن يخاطب جميع أهل الأرض من الزنج والترك بالقرآن ويشعرهم أنه يشتمل على أوامر يعرفهم بها المترجم وكيف يبعد هذا ونحن نجوز كون المعدوم مأمورا على تقدير الوجود فأمر العجم على تقدير البيان أقرب نعم لا يحصل ذلك خطابا بل إنما يسمى خطابا إذا فهمه المخاطب والمخاطب في مسألتنا فهم أصل الأمر بالزكاة وجهل قدر الحق الواجب عند الحصاد وكذلك قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير البقرة 237 مفهوم وتردده بين الزوج والولي معلوم والتعيين منتظر فإن قيل فليجز خطاب المجنون والصبي قلنا أما من لا يفهم فلا يسمى مخاطبا ويسمى مأمورا كالمعدوم على تقدير الوجود الصبي مأمور على تقدير البلوغ أعني من علم الله أنه سيبلغ أما الذي يفهم ويعلم الله ببلوغه فلا نحيل أن يقال له إذا بلغت فأنت مأمور بالصلاة والزكاة والصبا لا ينافي مثل هذا الخطاب وإنما ينافي خطابا يعرضه للعقاب في الصبا
الثانية قولهم الخطاب يراد لفائدة وما لا فائدة فيه فيكون وجوده كعدمه ولا يجوز أن يقول أبجد هوز ويريد به وجوب الصلاة والصوم ثم يبينه من بعد لأنه لغو من الكلام وكذلك المجمل الذي لا يفيد قلنا إنما يجوز الخطاب بمجمل يفيد فائدة ما لأن قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده الأنعام 141 يعرف منه وجوب الإيتاء ووقته وأنه حق في المال فيمكن العزم فيه على الامتثال والاستعداد له ولو عزم على تركه عصى وكذلك مطلق الأمر إذا ورد ولم يتبين أنه للإيجاب أو الندب أو أنه على الفور أو التراخي أو أنه للتكرار أو للمرة الواحدة أفاد علم اعتقاد الأصل ومعرفة التردد بين الجهتين وكذلك أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح يعرف إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي فلا يخلو عن أصل الفائدة وإنما يخلو عن كمالها وذلك غير مستنكر بل هو واقع في الشريعة والعادة بخلاف قوله أبجد هوز فإن ذلك لا فائدة له أصلا الثالثة أنه لا خلاف في أنه لو قال في خمس من الإبل شاة وأراد خمسا من الأفراس لا يجوز ذلك وإن كان بشرط البيان بعده لأنه تجهيل في الحال وإيهام لخلاف المراد فكذلك قوله 9 فاقتلوا المشركين التوبة 5 يوهم قتل كل مشرك وهو خلاف المراد فهو تجهيل في الحال ولو أراد بالعشرة سبعة كان ذلك تجهيلا وإن كان ذلك جائزا إن اتصل الاستثناء به بأن يقول عشرة إلا ثلاثة وكذلك العموم للاستغراق في الوضع إنما يراد به الخصوص بشرط قرينة متصلة مبينة فأما إرادة الخصوص دون القرينة فهو تغيير للوضع وهذا حجة من فرق بين العام والمجمل والجواب أن العموم لو كان نصا في الاستغراق لكان كما ذكرتموه وليس كذلك بل هو مجمل عند أكثر المتكلمين متردد بين الاستغراق والخصوص وهو ظاهر عند أكثر الفقهاء في الاستغراق وإرادة الخصوص به من كلام العرب فإن الرجل قد يعبر بلفظ العموم عن كل ما تمثل في ذهنه وحضر في فكره فيقول مثلا ليس للقاتل من الميراث شيء فإذا قيل له فالجلاد والقاتل قصاصا لم يرث فيقول ما أردت هذا ولم يخطر لي بالبال ويقول للبنت النصف من الميراث فيقال فالبنت الرقيقة والكافرة لا ترث شيئا فيقول ما خطر ببالي هذا وإنما أردت غير الرقيقة والكافرة ويقول الأب إذا انفرد يرث المال أجمع فيقال والأب الكافر أو الرقيق لا يرث فيقول إنما خطر ببالي الأب غير الرقيق والكافر فهذا من كلام العرب وإذا أراد السبعة بالعشرة فليس من كلام العرب فإذا اعتقد العموم قطعا فذلك لجهله بل ينبغي أن يعتقد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص وعليه الحكم بالعموم إن خلي والظاهر وينتظر أن ينبه على الخصوص أيضا الرابعة أنه إن جاز تأخير البيان إلى مدة مخصوصة طويلة كانت أو قصيرة فهو تحكم وإن جاز إلى غير نهاية فربما يخترم النبي صلى الله عليه وسلم قبل البيان فيبقى العامل بالعموم في ورطة الجهل متمسكا بعموم ما أريد به الخصوص قلنا النبي عليه السلام لا يؤخر البيان إلا إذا جوز له التأخير أو أوجب وعين له وقت البيان وعرف أنه يبقى إلى ذلك الوقت فإن اخترم قبل البيان بسبب من الأسباب فيبقى العبد مكلفا بالعموم عند من يرى العموم ظاهرا ولا يلزمه حكم ما لم يبلغه كما لو اخترم قبل النسخ لما أمر بنسخه فإنه يبقى مكلفا به دائما فإن أحالوا اخترامه قبل تبليغ النسخ فيما أنزل عليه النسخ فيه فيستحيل أيضا اخترامه قبل بيان الخصوص فيما أريد به الخصوص ولا فرق مسألة ( هل يجوز منع التدرج في البيان )
ذهب بعض المجوزين لتأخير البيان في العموم إلى منع التدريج في البيان فقالوا إذا ذكر إخراج شيء من العموم فينبغي أن يذكر جميع ما يخرج وإلا أوهم ذلك استعمال العموم في الباقي وهذا أيضا غلط بل من توهم ذلك فهو المخطىء فإنه كما كان يجوز الخصوص فإنه ينبغي أن يبقى مجوزا له في الباقي وإن أخرج البعض إذ ليس في إخراج البعض تصريح بحسم سبيل لشيء آخر كيف وقد نزل قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران 97 فسئل النبي عليه السلام عن الاستطاعة فقال الزاد والراحلة ولم يتعرض لأمن الطريق والسلامة وطلب الخفارة وذلك يجوز أن يتبين بدليل آخر بعده وقال تعالى والسارق والسارقة المائدة 38 ثم ذكر النصاب بعده ثم ذكر الحرز بعد ذلك وكذلك كان يخرج شيئا شيئا من العموم على قدر وقوع الوقائع وكذلك يخرج من قوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 أهل الذمة مرة والعسيف مرة والمرأة مرة أخرى وكذلك على التدريج ولا إحالة في شيء من ذلك فإن قيل فإذا كان كذلك فمتى يجب على المجتهد الحكم بالعموم ولا يزال منتظرا لدليل بعده قلنا سيأتي ذلك في كتاب العموم والخصوص إن شاء الله مسألة ( هل يصح تخصيص المتواتر بخبر الآحاد ) لا يشترط أن يكون طريق البيان للمجمل والتخصيص للعموم كطريق المجمل والعموم حتى يجوز بيان مجمل القرآن وعمومه وما ثبت بالتواتر بخبر الواحد خلافا لأهل العراق فإنهم لم يجوزوا التخصيص في عموم القرآن والمتواتر بخبر الواحد وأما المجمل فيما تعم به البلوى كأوقات الصلاة وكيفيتها وعدد ركعاتها ومقدار واجب الزكاة وجنسها فإنهم قالوا لا يجوز أن يبين إلا بطريق قاطع وأما ما لا تعم به البلوى كقطع يد السارق وما يجب على الأئمة من الحد وذكر أحكام المكاتب والمدبر فيجوز أن يبين بخبر الواحد وهذا يتعلق طرف منه بطريق التخصيص وسيأتي في القسم الرابع وطرف يتعلق بما تعم به البلوى وقد ذكرناه في كتاب الأخبار القسم الثاني من الفن الأول في الظاهر والمؤول إعلم أنا بينا أن اللفظ الدال الذي ليس بمجمل إما أن يكون نصا وإما أن يكون ظاهرا والنص هو الذي لا يحتمل التأويل والظاهر هو الذي يحتمله فهذا القدر قد عرفته على الجملة وبقي عليك الآن أن تعرف الاختلاف في إطلاق لفظ النص وأن تعرف حده وحد الظاهر وشرط التأويل المقبول فنقول النص إسم مشترك يطلق في تعارف العلماء على ثلاثة أوجه الأول ما أطلقه الشافعي رحمه الله فإنه سمى الظاهر نصا وهو منطبق على اللغة ولا مانع منه في الشرع والنص في اللغة بمعنى الظهور تقول العرب نصت الظبية رأسها إذا رفعته وأظهرته وسمي الكرسي منصة إذ تظهر عليه العروس وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد فرجة نص فعلى هذا حده حد الظاهر هو اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع فهو بالإضافة إلى ذلك المعنى الغالب ظاهر ونص الثاني وهو الأشهر ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا لا على قرب ولا على بعد كالخمسة مثلا فإنه نص في معناه لا يحتمل الستة ولا الأربعة وسائر الأعداد ولفظ الفرس لا يحتمل الحمار والبعير وغيره فكل ما كانت دلالته على معناه في هذه الدرجة سمي بالإضافة إلى معناه نصا في طرفي الإثبات والنفي أعني في إثبات المسمى ونفي ما لا ينطلق عليه الاسم فعلى هذا حده اللفظ الذي يفهم منه على القطع معنى فهو بالإضافة إلى معناه المقطوع به نص ويجوز أن يكون اللفظ الواحد نصا ظاهرا مجملا لكن بالإضافة إلى ثلاثة معان لا إلى معنى واحد
الثالث التعبير بالنص عما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل فلا يخرج اللفظ عن كونه نصا فكان شرط النص بالوضع الثاني أن لا يتطرق إليه احتمال أصلا وبالوضع الثالث أن لا يتطرق إليه احتمال مخصوص وهو المعتضد بدليل ولا حجر في إطلاق اسم النص على هذه المعاني الثلاثة لكن الإطلاق الثاني أوجه وأشهر وعن الاشتباه بالظاهر أبعد هذا هو القول في النص والظاهر أما القول في التأويل فيستدعي تمهيد أصل وضرب أمثلة أما التمهيد فهو أن التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز وكذلك تخصيص العموم يرد اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز فإنه إن ثبت أن وضعه وحقيقته للاستغراق فهو مجاز في الاقتصار على البعض فكأنه رد له إلى المجاز إلا أن الاحتمال تارة يقرب وتارة يبعد فإن قرب كفى في إثباته دليل قريب وإن لم يكن بالغا في القوة وإن كان بعيدا افتقر إلى دليل قوي يجبر بعده حتى يكون ركوب ذلك الاحتمال البعيد أغلب على الظن من مخالفة ذلك الدليل وقد يكون ذلك الدليل قرينة وقد يكون قياسا وقد يكون ظاهرا آخر أقوى منه ورب تأويل لا ينقدح إلا بتقدير قرينة وإن لم تنقل القرينة كقوله عليه السلام إنما الربا في النسيئة فإنه يحمل على مختلفي الجنس ولا ينقدح هذا التخصيص إلا بتقدير واقعة وسؤال عن مختلفي الجنس ولكن يجوز تقدير مثل هذه القرينة إذا اعتضد بنص وقوله عليه السلام لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء نص في إثبات ربا الفضل وقوله إنما الربا في النسيئة حصر للربا في النسيئة ونفي لربا الفضل فالجمع بالتأويل البعيد الذي ذكرناه أولى من مخالفة النص ولهذا المعنى كان الاحتمال البعيد كالقريب في العقليات فإن دليل العقل لا تمكن مخالفته بوجه ما والاحتمال البعيد يمكن أني يكون مرادا باللفظ بوجه ما فلا يجوز التمسك في العقليات إلا بالنص بالوضع الثاني وهو الذي لا يتطرق إليه احتمال قريب ولا بعيد ومهما كان الاحتمال قريبا وكان الدليل أيضا قريبا وجب على المجتهد الترجيح والمصير إلى ما يغلب على ظنه فليس كل تأويل مقبولا بوسيلة كل دليل بل ذلك يختلف ولا يدخل تحت ضبط إلا أنا نضرب أمثلة فيما يرتضي من التأويل وما لا يرتضي ونرسم في كل مثال مسألة ونذكر لأجل المثال عشر مسائل خمسة في تأويل العموم وخمسة في تخصيص العموم مسألة ( فساد التأويل بقرائن ) التأويل وإن كان محتملا فقد تجتمع قرائن تدل على فساده وأحاد تلك القرائن لا تدفعه لكن يخرج بمجموعها عن أن يكون منقدحا غالبا مثاله قوله عليه السلام لغيلان حين أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن وقوله عليه السلام لفيروز الديلمي حين أسلم على أختين أمسك إحداهما وفارق الأخرى فإن ظاهر هذا يدل على دوام النكاح فقال أبو حنيفة أراد به ابتداء النكاح أي أمسك أربعا فأنكحهن وفارق سائرهن أي انقطع عنهن ولا تنكحهن ولا شك أن ظاهر لفظ الإمساك الاستصحاب والاستدامة وما ذكره أيضا محتمل ويعتضد أحتماله بالقياس إلا أن جملة من القرائن عضدت الظاهر وجعلته أقوى في النفس من التأويل أولها أنا نعلم أن الحاضرين من الصحابة لم يسبق إلى إفهامهم من هذه الكلمة إلا الاستدامة في النكاح وهو السابق إلى أفهامنا فإنا لو سمعناه في زماننا لكان هو السابق إلى أفهامنا الثاني أنه قابل لفظ الإمساك بلفظ المفارقة وفوضه إلى اختياره فليكن الإمساك والمفارقة إليه وعندهم الفراق واقع والنكاح لا يصح إلا برضا المرأة الثالث أنه لو أراد ابتداء النكاح لذكر شرائطه فإنه كان لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة وما أحوج جديد العهد بالإسلام إلى أن يعرف شروط النكاح الرابع أنه لا يتوقع في اطراد العادة انسلاكهن في ربقة الرضا على حسب مراده بل ربما كان يمتنع جميعهن فكيف أطلق الأمر مع هذا الإمكان
الخامس أن قوله أمسك أمر وظاهره الإيجاب فكيف أوجب عليه ما لم يجب ولعله أراد أن لا ينكح أصلا السادس أنه ربما أراد أن لا ينكحهن بعد أن قضى منهن وطرا فكيف حصره فيهن بل كان ينبغي أن يقول إنكح أربعا ممن شئت من نساء العالم من الأجنبيات فإنهن عندكم كسائر نساء العالم فهذا وأمثاله من القرائن ينبغي أن يلتفت إليها في تقرير التأويل ورده وآحادها لا يبطل الاحتمال لكن المجموع يشكك في صحة القياس المخالف للظاهر ويصير اتباع الظاهر بسببها أقوى في النفس من اتباع القياس والإنصاف أن ذلك يختلف بتنوع أحوال المجتهدين وإلا فلسنا نقطع ببطلان تأويل أبي حنيفة مع هذه القرائن وإنما المقصود تذليل الطريق للمجتهدين مسألة ( التأويل في حديث غيلان الثقفي ) من تأويلاتهم في هذه المسألة أن الواقعة ربما وقعت في ابتداء الإسلام قبل الحصر في عدد النساء فكان على وفق الشرع وإنما الباطل من أنكحة الكفار ما يخالف الشرع كما لو جمع في صفقة واحدة بين عشر بعد نزول الحصر فنقول إذا سلم هذا أمكن القياس عليه لأن قياسهم يقتضي اندفاع جميع هذه الأنكحة كما لو نكح أجنبيتين ثم حدث بينهما أخوة برضاع اندفاع النكاح ولم يتخير ومع هذا فنقول هذا بناء تأويل على احتمال من غير نقل ولم يثبت عندنا رفع حجر في ابتداء الإسلام ويشهد له أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة زيادة على أربعة وهم الناكحون ولو كان جائزا لفارقوا عند نزول الحصر ولأوشك أن ينقل ذلك وقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف النساء 23 أراد به زمان الجاهلية هذا ما ورد في التفسير فإن قيل فلو صح رفع حجر في الابتداء هل كان هذا الاحتمال مقبولا قلنا قال بعض أصحابنا الأصوليين لا يقبل لأن الحديث استقل حجة فلا يدفع بمجرد الاحتمال ما لم ينقل وقوع نكاح غيلان قبل نزول الحجر وهذا ضعيف لأن الحديث لا يستقل حجة ما لم ينقل تأخر نكاحه عن نزول الحصر لأنه إن تقدم فليس بحجة وإن تأخر فهو حجة فليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر ولا تقوم الحجة باحتمال يعارضه غيره مسألة ( هل يرفع التأويل النص ) قال بعض الأصوليين كل تأويل يرفع النص أو شيئا منه فهو باطل ومثاله تأويل أبي حنيفة في مسألة الأبدال حيث قال عليه الصلاة والسلام في أربعين شاة شاة فقال أبو حنيفة الشاة غير واجبة وإنما الواجب مقدار قيمتها من أي مال كان قال فهذا باطل لأن اللفظ نص في وجوب شاة وهذا رفع وجوب الشاة فيكون رفعا للنص فإن قوله وآتوا الزكاة النساء 77 للإيجاب وقوله عليه السلام في أربعين شاة شاة بيان للواجب وإسقاط وجوب الشاة رفع للنص وهذا غير مرضي عندنا فإن وجوب الشاة إنما يسقط بتجويز الترك مطلقا فأما إذا لم يجز تركها إلا ببدل يقوم مقامها فلا تخرج الشاة عن كونها واجبة فإن من أدى خصلة من خصال الكفارة المخير فيها فقد أدى واجبها وإن كان الوجوب يتأدى بخصلة أخرى فهذا توسيع للوجوب واللفظ نعى في أصل الوجوب لا في تعيينه وتصنيفه ولعله ظاهر في التعيين محتمل للتوسيع والتخيير وهو كقوله وليستنج بثلاثة أحجار فإن إقامة المدر مقامه لا يبطل وجوب الاستنجاء لكن الحجر يجوز أن يتعين ويجوز أن يتخير بينه وبين ما في معناه نعم إنما ينكر الشافعي هذا التأويل لا من حيث أنه نص لا يحتمل لكن من وجهين أحدهما أن دليل الخصم أن المقصود سد الخلة ومسلم أن سد الخلة مقصود لكن غير مسلم أنه كل المقصود فلعله قصد مع ذلك التعبد بإشراك الفقير في جنس مال الغني فالجمع بين الظاهر وبين التعبد ومقصود سد الخلة أغلب على الظن في العبادات لأن العبادات مبناها على الاحتياط من تجريد النظر إلى مجرد سد الخلة
الثاني أن التعليل بسد الخلة مستنبط من قوله في أربعين شاة شاة وهو استنباط يعود على أصل النص بالإبطال أو على الظاهر بالرفع وظاهره وجوب الشاة على التعيين فإبراز معنى لا يوافق الحكم السابق إلى الفهم من اللفظ لا معنى له لأن العلة ما يوافق الحكم والحكم لا معنى له إلا ما يدل عليه ظاهر اللفظ وظاهر اللفظ يدل على تعيين الشاة وهذا التعليل يدفع هذا الظاهر وهذا أيضا عندنا في محل الاجتهاد فإن معنى سد الخلة ما يسبق إلى الفهم من إيجاب الزكاة للفقراء وتعيين الشاة يحتمل أن يكون للتعبد كما ذكر الشافعي رحمه الله ويحتمل أن لا يكون متعينا لكن الباعث على تعيينه شيئان أحدهما أن الأيسر على الملاك والأسهل في العبادات كما عين ذكر الحجر في الاستنجاء لأنه أكثر في تلك البلاد وأسهل وكما يقول المفتي وجبت عليه كفارة اليمين تصدق بعشرة أمداد من البر لأنه يرى ذلك أسهل عليه من العتق ويعلم من عادته أنه لو خير بينهما لاختار الإطعام على الإعتاق ليسره فيكون ذلك باعثا على تخصيصه بالذكر والثاني أن الشاة معيار لمقدار الواجب فلا بد من ذكرها إذ القيمة تعرف بها وهي تعرف بنفسها فهي أصل على التحقيق ولو فسر النبي عليه الصلاة والسلام كلامه بذلك لم يكن متناقضا ولكان حكما بأن البدل يجري في الزكاة فهذا كله في محل الاجتهاد وإنما تشمئز عنه طباع من لم يأنس بتوسع العرب في الكلام وظن اللفظ نصا في كل ما يسبق إلى الفهم منه فليس يبطل الشافعي رحمه الله هذا الانتفاء الاحتمال لكن لقصور الدليل الذي يعضده ولإمكان كون التعبد مقصودا مع سد الخلة ولأنه ذكر الشاة في خمس من الإبل وليس من جنسه حتى يكون للتسهيل ثم في الجبران ردد بين شاة وعشرة دراهم ولم يردهم إلى قيمة الشاة وفي خمس من الإبل لم يردد فهذه قرائن تدل على التعبد والباب باب التعبد والاحتياط فيه أولى مسألة ( تأويل آية مصارف الزكاة ) يقرب مما ذكرنا تأويل الآية في مسألة أصناف الزكاة فقال قوم قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين التوبة 60 الآية نص في التشريك فالصرف إلى واحد إبطال له وليس كذلك عندنا بل هو عطف على قوله تعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون التوبة 58 إلى قوله إنما الصدقات للفقراء والمساكين التوبة 60 يعني أن طمعهم في الزكاة مع خلوهم عن شرط الاستحقاق باطل ثم عدد شروط الاستحقاق ليبين مصرف الزكاة ومن يجوز صرف الزكاة إليه فهذا محتمل فإن منعه فللقصور في دليل التأويل لا لانتفاء الاحتمال فهذا وأمثاله ينبغي أن يسمى نصا بالوضع الأول أو الثالث أما بالوضع الثاني فلا مسألة ( هل المعتبر العدد أم الجنس ) قال قوم قوله تعالى فإطعام ستين مسكينا المجادلة 4 نص في وجوب رعاية العدد ومنع الصرف إلى مسكين واحد في ستين يوما وقطعوا ببطلان تأويله وهو عندنا من جنس ما تقدم فإنه إن أبطل لقصور الاحتمال وكون الآية نصا بالوضع الثاني فهو غير مرضي فإنه يجوز أن يكون ذكر المساكين لبيان مقدار الواجب ومعناه فإطعام طعام ستين مسكينا وليس هذا ممتنعا في توسع لسان العرب نعم دليله تجريد النظر إلى سد الخلة والشافعي يقول لا يبعد أن يقصد الشرع ذلك لإحياء ستين مهجة تبركا بدعائهم وتحصنا عن حلول العذاب بهم ولا يخلو جمع من المسلمين عن ولي من الأولياء يغتنم دعاؤه ولا دليل على بطلان هذا المقصود فتصير الآية نصا بالوضع الأول والثالث لا بالوضع الثاني هذه أمثلة التأويل ولنذكر أمثلة التخصيص فإن العموم إن جعلنا ظاهرا في الاستغراق لم يكن في التخصيص إلا إزالة ظاهر فلأجل ذلك عجلنا ذكر هذا القدر وإلا فبيانه في القسم الرابع المرسوم لبيان العموم أليق مسألة ( أقسام العموم )
إعلم أن العموم عند من يرى التمسك به ينقسم إلى قوي يبعد عن قبول التخصيص إلا بدليل قاطع أو كالقاطع وهو الذي يحوج إلى تقدير قرينة حتى تنقدح إرادة الخصوص به وإلى ضعيف ربما يشك في ظهوره ويقتنع في تخصيصه بدليل ضعيف وإلى متوسط مثال القوي منه قوله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث وقد حمله الخصم على الأمة فنبا عن قبوله قوله فلها المهر بما استحل من فرجها فإن مهر الأمة للسيد فعدلوا إلى الحمل على المكاتبة وهذا تعسف ظاهر لأن العموم قوي والمكاتبة نادرة بالإضافة إلى النساء وليس من كلام العرب إرادة النادر الشاذ باللفظ الذي ظهر منه قصد العموم إلا بقرينة تقترن باللفظ وقياس النكاح على المال وقياس الإناث على الذكور ليس قرينة مقترنة باللفظ حتى يصلح لتنزيله على صورة نادرة ودليل ظهور قصد التعمم بهذا اللفظ أمور الأول أنه صدر الكلام بأي وهي من كلمات الشرط ولم يتوقف في عموم أدوات الشرط جماعة ممن توقف في صيغ العموم الثاني أنه أكده بما فقال أيما وهي من المؤكدات المستقلة بإفادة العموم أيضا الثالث أنه قال فنكاحها باطل رتب الحكم على الشرط في معرض الجزاء وذلك أيضا يؤكد قصد العموم ونحن نعلم أن العربي الفصيح لو اقتراح عليه بأن يأتي بصيغة عامة دالة على قصد العموم مع الفصاحة والجزالة لم تسمح قريحته بأبلغ من هذه الصيغة ونحن نعلم قطعا أن الصحابة رضي الله عنهم لم يفهموا من هذه الصيغة المكاتبة وأنا لو سمعنا واحدا منا يقول لغيره أيما امرأة رأيتها اليوم فأعطها درهما لا يفهم منه المكاتبة ولو قال أردت المكاتبة نسب إلى الألغاز والهزء ولو قال أيما أهاب دبغ فقد طهر ثم قال أردت به الكلب أو الثعلب على الخصوص لنسب إلى اللكنة والجهل باللغة ثم لو أخرج الكلب أو الثعلب أو المكاتبة وقال ما خطر ذلك ببالي لم يستنكر فما لا يخطر بالبال أو بالأخطار وجاز أن يشذ عن ذكر اللافظ وذهنه حتى جاز إخراجه عن اللفظ كيف يجوز قصر اللفظ عليه بل نقول من ذهب إلى إنكار صيغ العموم وجعلها مجملة فلا ينكر منع التخصيص إذا دلت القرائن عليه فالمريض إذا قال لغلامه لا تدخل علي الناس فأدخل عليه جماعة من الثقلاء وزعم أني أخرجت هذا من عموم لفظ الناس فإنه ليس نصا في الاستغراق استوجب التعزيز فلنتخذ هذه المسألة مثالا لمنع التخصيص بالنوادر مسألة ( مثال عن العام القوي ) يقرب من هذا قوله عليه الصلاة والسلام من ملك ذا رحم محرم عتق عليه إذ قبله بعض أصحاب الشافعي وخصصه بالأب وهذا بعيد لأن الأب يختص بخاصية تتقاضى تلك الخاصية التنصيص عليه فيما يوجب الاحترام والعدول عن لفظه الخاص إلى لفظ يعم قريب من الألغاز والألباس ولا يليق بمنصب الشارع عليه السلام إلا إذا اقترن به قرينة معرفة ولا سبيل إلى وضع القرائن من غير ضرورة وليس قياس الشافعي في تخصيص النفقة بالبعضية بالغا في القوة مبلغا ينبغي أن يخترع تقدير القرائن بسببه فلو صح هذا اللفظ لعمل الشافعي رحمه الله بموجبه فإن من كان من عادته إكرام أبيه فقال من عادتي إكرام الناس كان ذلك خلفا من الكلام ولكن قال الشافعي الحديث موقوف على الحسن بن عمارة مسألة ( مثال عن العام الضعيف )
ما ذكرناه مثال العموم القوي أما مثال العموم الضعيف فقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر وفيما سقي ينضح أو دالية نصف العشر فقد ذهب بعض القائلين بصيغ العموم إلى أن هذا لا يحتج به في إيجاب العشر ونصف العشر في جميع ما سقته السماء ولا في جميع ما سقي بنضح لأن المقصود منه الفرق بين العشر ونصف العشر لا بيان ما يجب فيه العشر حتى يتعلق بعمومه وهذا فيه نظر عندنا إذ لا يبعد أن يكون كل واحد مقصودا وهو إيجاب العشر في جميع ما سقته السماء وإيجاب نصفه في جميع ما سقي بنضح واللفظ عام في صيغته فلا يزول ظهوره بمجرد الوهم لكن يكفي في التخصيص أدنى دليل لكنه لو لم يرد إلا بهذا اللفظ ولم يرد دليل مخصص لوجب التعميم في الطرفين على مذهب من يرى صيغ العموم حجة مسألة ( تأويل آية الأنفال ) قال الله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى الأنفال 41 فقال أبو حنيفة تعتبر الحاجة مع القرابة ثم جوز حرمان ذوي القربى فقال أصحاب الشافعي رحمه الله هذا تخصيص باطل لا يحتمله اللفظ لأنه أضاف المال إليهم بلام التمليك وعرف كل جهة بصفة وعرف هذه الجهة في الاستحقاق بالقرابة وأبو حنيفة ألغى القرابة المذكورة واعتبر الحاجة المتروكة وهو مناقضة للفظ لا تأويل وهذا عندنا في مجال الاجتهاد وليس فيه إلا تخصيص عموم لفظ ذوي القربى بالمحتاجين منهم كما فعله الشافعي على أحد القولين في اعتبار الحاجة مع اليتم في سياق هذه الآية فإن قيل لفظ اليتم ينبىء عن الحاجة قيل فلم لا يحمل عليه قوله لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر فإن قيل قرينة إعطاء المال هي التي تنبه على اعتبار الحاجة مع اليتم فله هو أن يقول واقتران ذوي القربى باليتامى والمساكين قرينة أيضا وإنما دعا إلى ذكر القرابة كونهم محرومين عن الزكاة حتى يعلم أنهم ليسوا محرومين عن هذا المال وهذا تخصيص لو دل عليه دليل فلا بد من قبوله فليس ينبو عنه اللفظ نبوة حديث النكاح بلا ولي عن المكاتبة مسألة ( تأويل نية الصيام ) قوله عليه السلام لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل حمله أبو حنيفة على القضاء والنذر فقال أصحابنا قوله لا صيام نفي عام لا يسبق منه إلى الفهم إلا الصوم الأصلي الشرعي وهو الفرض والتطوع ثم التطوع غير مراد فلا يبقى إلا الفرض الذي هو ركن الدين وهو صوم رمضان وأما القضاء والنذر فيجب بأسباب عارضة ولا يتذكر بذكر الصوم مطلقا ولا يخطر بالبال بل يجري مجرى النوادر كالمكاتبة في مسألة النكاح وهذا فيه نظر إذ ليس ندور القضاء والنذر كندور المكاتبة وإن كان الفرض أسبق منه إلى الفهم فيحتاج مثل هذا التخصيص إلى دليل قوي فليس يظهر بطلانه كظهور بطلان التخصيص بالمكاتبة وعند هذا يعلم أن إخراج النادر قريب والقصر على النادر ممتنع وبينهما درجات متفاوتة في القرب والبعد لا تدخل تحت الحصر ولكل مسألة ذوق ويجب أن تفرد بنص خاص ويليق ذلك بالفروع ولم نذكر هذا القدر إلا لوقوع الأنس بجنس التصرف فيه والله أعلم هذا تمام النظر في المجمل والمبين والظاهر والمؤول وهو نظر يتعلق بالألفاظ كلها والقسمان الباقيان نظر أخص فإنه نظر في الأمر والنهي خاصة وفي العموم والخصوص خاصة فلذلك قدمنا النظر في الأعم على النظر في الأخص القسم الثالث في الأمر والنهي فنبدأ بالأمر فنقول أولا في حده وحقيقته وثانيا في صيغته وثالثا في مقتضاه من الفور والتراخي أو الوجوب أو الندب وفي التكرار والاتحاد وإثباته
النظر الأول في حده وحقيقته وهو قسم من أقسام الكلام إذ بينا أن الكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار فالأمر أحد أقسامه وحد الأمر أنه القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به والنهي هو القول المقتضي ترك الفعل وقيل في حد الأمر أنه طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه المسألة وممن هو دون الآمر في الدرجة احترازا عن قوله اللهم اغفر لي وعن سؤال العبد من سيده والولد من والده ولا حاجة إلى هذا الاحتراز بل يتصور من العبد والولد أمر السيد والوالد وإن لم تجب عليهما الطاعة فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب الطاعة بل الطاعة لا تجب إلا لله تعالى والعرب قد تقول فلان أمر أباه والعبد أمر سيده ومن يعلم أن طلب الطاعة لا يحسن منه فيرون ذلك أمرا وإن لم يستحسنوه وكذلك قوله اغفر لي فلا يستحيل أن يقوم بذاته اقتضاء الطاعة من الله تعالى أو من غيره فيكون آمرا ويكون عاصيا بأمره فإن قيل قولكم الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور أردتم به القول باللسان أو كلام النفس قلنا الناس فيه فريقان الفريق الأول هم المثبتون لكلام النفس وهؤلاء يريدون بالقول ما يقوم بالنفس من اقتضاء الطاعة وهو الذي يكون النطق عبارة عنه ودليلا عليه وهو قائم بالنفس وهو أمر بذاته وجنسه ويتعلق بالمأمور به وهو كالقدرة فإنها قدرة لذاتها وتتعلق بمتعلقها ولا يختلف في الشاهد والغائب في نوعه وحده وينقسم إلى قديم ومحدث كالقدرة ويدل عليه تارة بالإشارة والرمز والفعل وتارة بالألفاظ فإن سميت الإشارة المعرفة أمرا فمجاز لأنه دليل على الأمر لا أنه نفس الأمر وأما الألفاظ فمثل قوله أمرتك فاقتضى طاعته وهو ينقسم إلى إيجاب وندب ويدل على معنى الندب بقوله ندبتك ورغبتك فافعل فإنه خير لك وعلى معنى الوجوب بقوله أوجبت عليك أو فرضت أو حتمت فافعل فإن تركت فأنت معاقب وما يجري مجراه وهذه الألفاظ الدالة على معنى الأمر تسمى أمرا وكأن الاسم مشترك بين المعنى القائم بالنفس وبين اللفظ الدال فيكون حقيقة فيهما أو يكون حقيقة في المعنى القائم بالنفس وقوله إفعل يسمى أمرا مجازا كما تسمى الإشارة المعرفة أمرا مجازا ومثل هذا الخلاف جاز في اسم الكلام أنه مشترك بين ما في النفس وبين اللفظ أو هو مجاز في اللفظ الفريق الثاني هم المنكرون لكلام النفس وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أصناف وتحزبوا على ثلاث مراتب الحزب الأول قالوا لا معنى للأمر إلا حرف وصوت وهو مثل قوله إفعل أو ما يفيد معناه وإليه ذهب البلخي من المعتزلة وزعم أن قوله إفعل أمر لذاته وجنسه وأنه لا يتصور أن لا يكون أمرا فقيل له هذه الصيغة قد تصدر للتهديد كقوله اعملوا ما شئتم وقد تصدر للإباحة كقوله وإذا حللتم فاصطادوا المائدة 2 فقال ذلك جنس آخر لا من هذا الجنس وهو مناكرة للحس فلما استشعر ضعف هذه المجاحدة اعترف الحزب الثاني وفيهم جماعة من الفقهاء يقولون إن قوله أفعل ليس أمرا بمجرد صيغته ولذاته بل لصيغته وتجرده عن القرائن الصارفة له عن جهة الأمر إلى التهديد والإباحة وغيره وزعموا أنه لو صدر من النائم والمجنون أيضا لم يكن أمرا للقرينة وهذا بعارضه قوله من قال أنه لغير الأمر إلا إذا صرفته قرينة إلى معنى الأمر لأنه إذا سلم إطلاق العرب هذه الصيغة على أوجه مختلفة فحوالة البعض على الصيغة وحوالة الباقي على القرينة تحكم مجرد لا يعلم بضرورة العقل ولا بنظر ولا بنقل متواتر من أهل اللغة فيجب التوقف فيه فعند ذلك اعترف
الحزب الثالث من محققي المعتزلة أنه ليس أمر الصيغة وذاته ولا لكونه مجردا عن القرائن مع الصيغة بل يصير أمرا بثلاث إرادات إرادة المأمور به وإرادة إحداث الصيغة وإرادة الدلالة بالصيغة على الأمر دون الإباحة والتهديد وقال بعضهم تكفي إرادة واحدة وهي إرادة المأمور وهذا فاسد من أوجه الأول أنه يلزم أن يكون قوله تعالى ادخلوها بسلام آمنين الحجر 46 وقوله كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية الحاقة 24 أمرا لأهل الجنة ولا يمكن تحقيق الأمر إلا بوعد ووعيد فتكون الدار الآخرة دار تكليف ومحنة وهو خلاف الاجماع وقد ركب ابن الجبائي هذا وقال إن الله مريد دخولهم الجنة وكاره امتناعهم إذ يتعذر به إيصال الثواب إليهم وهذا ظلم والله سبحانه يكره الظلم فإن قيل قد وجدت إرادة الصيغة وإرادة المأمور به لكن لم توجد إرادة الدلالة به على الأمر قلنا وهل للأمر معنى وراء الصيغة حتى تراه الدلالة عليه أم لا فإن كان له معنى فما هو وهل له حقيقة سوى ما يقول بالنفس من اقتضاء الطاعة وإن لم يكن سوى الصيغة فلا معنى لاعتبار هذه الإرادة الثالثة الوجه الثاني أنه يلزمهم أن يكون القائل لنفسه إفعل مع إرادة الفعل من نفسه آمرا لنفسه وهو محال بالاتفاق فإن الأمر هو المقتضى وأمره لنفسه لا يكون مقتضيا للفعل بل المقتضي دواعيه وأغراضه ولهذا لو قال لنفسه إفعل وسكت وجد هاهنا إرادة الصيغة وإرادة المأمور به وليس بأمر فدل أن حقيقته اقتضاء الطاعة وهو معنى قائم بالنفس من ضرورته أن يتعلق بغيره وهل يشترط أن لا يكون ذلك الغير فوقه في الرتبة فيه كلام سبق فإن قيل وما الدليل على قيام معنى بالنفس سوى إرادة الفعل المأمور به فإن السيد لا يجد من نفسه عند قوله لعبده إسقني أو أسرج الدابة إلا إرادة السقي والإسراج أعني طلبه والميل إليه لارتباط غرضه به فإن ثبت أن الأمر يرجع إلى هذه الإرادة لزم إقتران الأمر والإرادة في حق الله تعالى حتى لا تكون المعاصي الواقعة إلا مأمورا بها مرادة إذ الكائنات كلها مرادة أو ينكر وقوعها بإرادة الله فيقال إنها على خلاف إرادته وهو شنيع إذ يؤدي إلى أن يكون ما يجري في ملكه على خلاف ما أراد أكثر مما يجري على وفق إرادته وهي الطاعات وذلك أيضا منكر فما المخلص من هذه الورطة قلنا هذه الضرورة التي دعت الأصحاب إلى تمييز الأمر عن الإرادة فقالوا قد يأمر السيد عبده بما لا يريده كالمعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده إذا مهد عنده عذره لمخالفة أوامره فقال له بين يدي الملك أسرج الدابة وهو يريد أن لا يسرج إذ في إسراجه خطر وإهلاك للسيد فيعلم أنه لا يريده وهو آمرا إذ لولاه لما كان العبد مخالفا ولما تمهد عذره عند السلطان وكيف لا يكون آمرا وقد منهم العبد والسلطان والحاضرون منه الأمر فدل أنه قد يأمر بما لا يريده هذا منتهى كلامهم وتحته غور لو كشفناه لم تحتمل الأصول التفصي عن عهدة ما يلزم منه ولتزلزلت به قواعد لا يمكن تداركها إلا بتفهيمها على وجه يخالف ما سبق إلى أوهام أكثر المتكلمين والقول فيه يطول ويخرج عن خصوص مقصود الأصول
النظر الثاني في الصيغة وقد حكى بعض الأصوليين خلافا في أن الأمر هل له صيغة وهذه الترجمة خطأ فإن قول الشارع أمرتكم بكذا وأنتم مأمورون بكذا أو قول الصحابي أمرت بكذا كل ذلك صيغ دالة على الأمر وإذا قال أوجبت عليكم أو فرضت عليكم أو أمرتكم بكذا وأنتم معاقبون على تركه فكل ذلك يدل على الوجوب ولو قال أنتم مثابون على فعل كذا ولستم معاقبين على تركه فهو صيغة دالة على الندب فليس في هذا خلاف وإنما الخلاف في أن قوله إفعل هل يدل على الأمر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن فإنه قد يطلق على أوجه منها بالوجوب كقوله أقم الصلاة والندب كقوله فكاتبوهم والإرشاد كقوله واستشهدوا والإباحة كقوله فاصطادوا والتأديب كقوله لابن عباس كل مما يليك والامتنان كقوله كلوا مما رزقكم الله وإلا كرام كقوله ادخلوها بسلام آمنين الحجر 46 والتهديد كقوله اعملوا ما شئتم فصلت 40 والتسخير كقوله كونوا قردة خاسئين البقرة 65 والإهانة كقوله ذق إنك أنت العزيز الكريم الدخان 49 والتسوية كقوله فاصبروا أو لا تصبروا الطور 16 والإنذار كقوله كلوا وتمتعوا المرسلات 46 والدعاء كقوله اللهم اغفر لي والتمني كقول الشاعر ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ولكمال القدرة كقوله كن فيكون يس 82 وأما صيغة النهي وهو قوله لا تفعل فقد تكون للتحريم وللكراهية والتحقير كقوله لا تمدن عينيك الحجر 88 ولبيان العاقبة كقوله ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إبراهيم 42 وللدعاء كقوله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولليأس كقوله لا تعتذروا اليوم التحريم 7 وللإرشاد كقوله لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم المائدة 101 ) فهذه خمسة عشر وجها في إطلاق صيغة الأمر وسبعة أوجه في إطلاق صيغة النهي فلا بد من البحث عن الوضع الأصلي في جملة ذلك ما هو والمتجوز به ما هو وهذه الأوجه عدها الأصوليون شغفا منهم بالتكثير وبعضها كالمتداخل فإن قوله كل مما يليك جعل للتأديب وهو داخل في الندب والآداب مندوب إليها وقوله للآخرة المرسلات 46 للإنذار قريب من قوله اعملوا ما شئتم فصلت 40 الذي هو للتهديد ولا نطول بتفصيل ذلك وتحصيله فالوجوب والندب والإرشاد والإباحة أربعة وجوه محصلة ولا فرق بين الإرشاد والندب إلا أن الندب لثواب الآخرة والإرشاد للتنبيه على المصلحة الدنيوية فلا ينقص ثواب بترك الإشهاد في المداينات ولا يزيد بفعله وقال قوم هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر كلفظ العين والقرء وقال قوم يدل على أقل الدرجات وهو الإباحة وقال قوم هو للندب ويحمل على الوجوب بزيادة قرينة وقال قوم هو للوجوب فلا يحمل على ما عداه إلا بقرينة وسبيل كشف الغطاء أن نرتب النظر على مقامين الأول في بيان أن هذه الصيغة هل تدل على اقتضاء وطلب أم لا والثاني في بيان أنه إن اشتمل في اقتضاء والإقتضاء موجود في الندب والوجوب على اختيارنا في أن الندب داخل تحت الأمر فهل يتعين لأحدهما أو هو مشترك
المقام الأول في دلالته على اقتضاء الطاعة فنقول قد أبعد من قال أن قوله إفعل مشترك بين الإباحة والتهديد الذي هو المنع وبين الاقتضاء فإنا ندرك التفرقة في وضع اللغات كلها بين قولهم إفعل ولا تفعل وإن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل حتى إذا قدرنا انتفاء القرائن كلها وقدرنا هذا منقولا على سبيل الحكاية عن ميت أو غائب لا في فعل معين من قيام وقعود وصيام وصلاة بل في الفعل مجملا سبق إلى فهمنا اختلاف معاني هذه الصيغ وعلمنا قطعا أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد كما أنا ندرك التفرقة بين قولهم في الأخبار قام زيد ويقوم زيد وزيد قائم في أن الأول للماضي والثاني للمستقبل الثالث للحال هذا هو الوضع وإن كان قد يعبر بالماضي عن المستقبل والثالث للحال هذا هو الوضع وإن كان قد يعبر بالماضي عن المستقبل وبالمستقبل عن الماضي لقرائن تدل عليه وكما ميزوا الماضي عن المستقبل ميزوا الأمر عن النهي وقالوا في باب الأمر إفعل وفي باب النهي لا تفعل وإنهما لا ينبئان عن معنى قوله إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل فهذا أمر نعلمه بالضرورة من العربية والتركية والعجمية وسائر اللغات لا يشككنا فيه لطلاق مع قرينة التهديد ومع قرينة الإباحة في نوادر الأحوال فإن قيل بم تنكرون على من يحمله على الإباحة لأنها أقل الدرجات فهو مستيقن قلنا هذا باطل من وجهين أحدهما أنه محتمل للتهديد والمنع فالطريق الذي يعرف أنه لم يوضع للتهديد يعرف أنه لم يوضع للتخيير الثاني أن هذا من قبيل الاستصحاب لا من قبيل البحث عن الوضع فإنا نقول هل تعلم أن مقتضى قوله إفعل للتخيير بين الفعل والترك فإن قال نعم فقد باهت واخترع وإن قال لا فنقول فأنت شاك في معناه فيلزمك التوقف فيحصل من هذا أن قوله إفعل يدل على ترجيح جانب الفعل على جانب الترك بأنه ينبغي أن يوجد وقوله لا تفعل يدل على ترجيح جانب الترك على جانب الفعل وأنه ينبغي أن لا يوجد وقوله أبحت لك فإن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل يرفع الترجيح المقام الثاني في ترجيح بعض ما ينبغي أن يوجد فإن الواجب والمندوب كل واحد منهما ينبغي أن يوجد ويرجح فعله على تركه وكذا ما أرشد إليه إلا أن الإرشاد يدل على أنه ينبغي أن يوجد ويرجح فعله على تركه لمصلحة العبد في الدنيا والندب لمصلحته في الآخرة والوجوب لنجاته في الآخرة هذا إذا فرض من الشارع وفي حق السيد إذا قال لعبده إفعل أيضا يتصور ذلك مع زيادة أمر وهو أن يكون لغرض السيد فقط كقوله إسقني عند العطش وهو غير متصور في حق الله تعالى فإن الله غني عن العالمين ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب وقال قوم هو للندب وقال قوم يتوقف فيه ثم منهم من قال هو مشترك كلفظ العين ومنهم من قال لا ندري أيضا أنه مشترك أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازا والمختار أنه متوقف فيه والدليل القاطع فيه أن كونه موضوعا لواحد من الأقسام لا يخلو إما أن يعرف عن عقل أو نقل ونظر العقل إما ضروري أو نظري ولا مجال للعقل في اللغات والنقل إما متواتر أو آحاد ولا حجة في الآحاد والتواتر في النقل لا يعدو أربعة أقسام فإنه إما أن ينقل عن أهل اللغة عند وضعهم أنهم صرحوا بأنا وضعناه لكذا أو أقروا به بعد الوضع وإما أن ينقل عن الشارع الأخبار عن أهل اللغة بذلك أو تصديق من ادعى ذلك وإما أن ينقل عن أهل الإجماع وإما أن يذكر بين يدي جماعة يمتنع عليهم السكوت على الباطل فهذه الوجوه الأربعة هي وجوه تصحيح النقل ودعوى شيء من ذلك في قوله إفعل أو في قوله أمرتك بكذا أو قول الصحابي أمرنا بكذا لا يمكن فوجب التوقف فيه وكذلك قصر دلالة الأمر على الفور أو التراخي وعلى التكرار أو الاتحاد يعرف بمثل هذه الطريق وكذلك التوقف في صيغة العموم عمن توقف فيها هذا مستنده وعليه ثلاثة أسئلة بها يتم الدليل ونذكر شبه المخالفين السؤال الأول قولهم إن هذا ينقلب عليكم في إخراج الإباحة والتهديد من مقتضى اللفظ مع أنه لا يدل عليه عقل ولا نقل فإنه لم ينقل عن العرب صريحا بأنا ما وضعنا هذه الصيغة للإباحة والتهديد لكن استعملناها فيهما على سبيل التجوز قلنا ما يعرف باستقراء اللغة وتصفح وجوه الاستعمال أقوى مما يعرف بالنقل الصريح ونحن كما عرفنا أن الأسد وضع لسبع والحمار وضع لبهيمة وإن كان كل واحد منهما يستعمل في الشجاع والبليد فيتميز عندنا بتواتر الاستعمال الحقيقة من المجاز فكذلك يتميز صيغة الأمر والنهي والتخيير تميز صيغة الماضي والمستقبل والحال ولسنا نشك فيه أصلا وليس كذلك تميز الوجوب عن الندب
السؤال الثاني قولهم إن هذا ينقلب عليكم في الوقف فإن الوقف في هذه الصيغة غير منقول عن العرب فلم توقفتم بالتحكم قلنا لسنا نقول التوقف مذهب لكنهم أطلقوا هذه الصيغة للندب مرة وللوجوب أخرى ولم يوقفونا على أنه موضوع لأحدهما دون الثاني فسبيلنا أن لا ننسب إليهم ما لم يصرحوا به وأن نتوقف عن التقول والاختراع عليهم وهذا كقولنا بالاتفاق أنا رأيناهم يستعملون لفظ الفرقة والجماعة والنفر تارة في الثلاثة وتارة في الأربعة وتارة في الخمسة فهي لفظة مرددة ولا سبيل إلى تخصيصها بعدد على سبيل الحكم وجعلها مجازا في الباقي السؤال الثالث قولهم إن هذا ينقلب عليكم في قولكم إن هذه الصيغة مشتركة اشتراك لفظ الجارية بين المرأة والسفينة والقرء بين الطهر والحيض فإنه لم ينقل أنه مشترك قلنا لسنا نقول أنه مشترك لكنا نقول نتوقف في هذه أيضا فلا ندري أنه وضع لأحدهما وتجوز به عن الآخر أو وضع لهما معا ويحتمل أن نقول أنه مشترك بمعنى أنا إذا رأيناهم أطلقوا اللفظ لمعنيين ولم يوقفونا على أنهم وضعوه لأحدهما وتجوزوا به في الآخر فنحمل إطلاقهم فيهما على لفظ الوضع لهما وكيفما قلنا فالأمر فيه قريب شبه المخالفين الصائرين إلى أنه للندب وقد ذهب إليه كثير من المتكلمين وهم المعتزلة وجماعة من الفقهاء ومنهم من نقله عن الشافعي وقد صرح الشافعي في كتاب أحكام القرآن بتردد الأمر بين الندب والوجوب وقال النهي على التحريم فقال إنما أوجبنا تزويج الأيم لقوله تعالى فلا تعضلوهن البقرة 232 وقال لم يتبين لي وجوب إنكاح العبد لأنه لم يرد فيه النهي عن العضل بل لم يرد إلا قوله تعالى قل النور 32 الآية فهذا أمر وهو محتمل للوجوب والندب الشبهة الأولى لمن ذهب إلى أنه للندب أنه لا بد من تنزيل قوله إفعل وقوله أمرتكم على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب وهو طلب الفعل واقتضاؤه وأن فعله خير من تركه وهذا معلوم وأما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم فيتوقف فيه وهذا فاسد من ثلاثة أوجه الأول أن هذا استدلال والاستدلال لا مدخل له في اللغات وليس هذا نقلا عن أهل اللغة قوله إفعل للندب الثاني أنه لو وجب تنزيل الألفاظ على الأقل المستيقن لوجب تنزيل هذا على الإباحة والإذن إذ قد يقال أذنت لك في كذا فافعله فهو الأقل المشترك أما حصول الثواب بفعله فليس بمعلوم كلزوم العقاب بتركه لا سيما على مذهب المعتزلة فالمباح عندهم حسن ويجوز أن يفعله الفاعل لحسنه ويأمر به وكذلك يلزم تنزيل صيغة الجمع على أقل الجمع ولم يذهبوا إليه الثالث وهو التحقيق أن ما ذكروه إنما يستقيم أن لو كان الواجب ندبا وزيادة فتسقط الزيادة المشكوك فيها ويبقى الأصل وليس كذلك بل يدخل في حد الندب جواز تركه فهل تعلمون أن المقول فيه إفعل يجوز تركه أم لا فإن لم تعلموه فقد شككتم في كونه ندبا وإن علمتموه فمن أين ذلك واللفظ لا يدل على لزوم المأثم بتركه فلا يدل على سقوط المأثم بتركه أيضا فإن قيل لا معنى لجواز تركه إلا أنه لا حرج عليه في فعله وذلك كان معلوما قبل ورود السمع فلا يحتاج فيه إلى تعريف السمع بخلاف لزوم المأثم قلنا لا يبقى لحكم العقل بالنفي بعد ورود صيغة الأمر حكم فإنه معين للوجوب عند قوم فلا أقل من احتمال حصل الشك في كونه ندبا فلا وجه إلا التوقف نعم يجوز الاستدلال به على بطلان قول من يقول أنه منهي عنه محرم لأنه ضد الوجوب والندب جميعا