Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam)

Sección V01/P031

خطبة الكتاب أحمد لله الذي اجتبى من صفوة عباده عصابة الحق وأهل السنة ، وخصهم من بين سائر الفرق بمزايا اللطف والمنة ، وأفاض عليهم من نور هدايته ما كشف به عن حقائق الدين ، وأنطق ألسنتهم بحجته التي قمع بها ضلال الملحدين ، وصفى سرائرهم من وساوس الشياطين ، وطهر ضمائرهم عن نزغات الزائغين ، وعمر أفئدتهم بأنوار اليقين حتى اهتدوا بها إلى أسرار ما أنزله على لسان نبيه وصفيه محمد صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين ، واطلعوا على طريق التلفيق بين مقتضيات الشرائع وموجبات العقول ؛ وتحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول . وعرفوا أن من ظن من الحشوية وجوب الجمود على التقليد ، واتباع الظواهر ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر . وإن من تغلغل من الفلاسفة وغلاة المعتزلة في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع ، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر . فميل أولئك إلى التفريط وميل هؤلاء إلى الافراط ، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط . بل الواجب المحتوم في قواعد الإعتقاد ملازمة الاقتصاد والاعتماد على الصراط المستقيم ؛ فكلا طرفي قصد الأمور ذميم . وأنى يستتب الرشاد لمن يقنع بتقليد الأثر والخبر ، وينكر مناهج البحث والنظر ، أو لا يعلم انه لا مستند للشرع إلا قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم ، وبرهان العقل هو الذي عرف به صدقه فيما أخبر ، وكيف يهتدي للصواب من اقتفى محض العقل واقتصر ، وما استضاء بنور الشرع ولا استبصر ؟ فليت شعري كيف يفزع إلى العقل من حيث يعتريه العي والحصر ؟ أو لا يعلم ان العقل قاصر وأن مجاله ضيق منحصر ؟ هيهات قد خاب على القطع والبتات وتعثر بأذيال الضلالات من لم يجمع بتأليف الشرع والعقل هذا الشتات . فمثال العقل البصر السليم عن الآفات والاذاء . ومثال القرآن الشمس المنتشرة الضياء . فاخلق بأن يكون طالب الاهتداء . المستغني إذا استغني بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء ، فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن ، مثاله المتعرض لنور الشمس مغمضا للأجفان ، فلا فرق بينه وبين العميان . فالعقل مع الشرع نور على نور ، والملاحظ بالعين العور لأحدهما على الخصوص متدل بحبل غرور . وسيتضح لك أيها المشوق إلى الاطلاع على قواعد عقائد أهل السنة ، المقترح تحقيقها بقواطع الأدلة ، أنه لم يستأثر بالتوفيق للجمع بين الشرع والتحقيق فريق سوى هذا الفريق . فاشكر الله تعالى على إقتفائك لآثارهم وانخراطك في سلك نظامهم وعيارهم واختلاطك بفرقتهم ؛ فعساك أن تحشر يوم القيامة في زمرتهم . نسأل الله تعالى أن يصفي أسرارنا عن كدورات الضلال ، ويغمرها بنور الحقيقة ، وأن يخرس ألسنتنا عن النطق بالباطل ، وينطقها بالحق والحكمة إنه الكريم الفائض المنة الواسع الرحمة . صفحة فارغة فاتحة الكتاب ولنفتح الكلام ببيان اسم الكتاب ، وتقسيم المقدمات والفصول والأبواب . أما اسم الكتاب فهو الاقتصاد في الإعتقاد . وأما ترتيبه فهو مشتمل على أربع تمهيدات تجري مجرى التوطئة والمقدمات ، وعلى أربع أقطاب تجري مجرى المقاصد والغايات . التمهيد الأول : في بيان أن هذا العلم من المهمات في الدين . التمهيد الثاني : في بيان أنه ليس مهما لجميع المسلمين بل لطائفة منهم مخصوصين . التمهيد الثالث : في بيان أنه من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان . التمهيد الرابع : في تفصيل مناهج الأدلة التي أوردتها في هذا الكتاب .

Sección V01/P031–V01/P034

وأما الأقطاب المقصودة فأربعة وجملتها مقصورة على النظر في الله تعالى . فإنا إذا نظرنا في العالم لم ننظر فيه من حيث أنه عالم وجسم وسماء وأرض ، بل من حيث أنه صنع الله سبحانه . وإن نظرنا في النبي عليه السلام لم ننظر فيه من حيث أنه انسان وشريف وعالم وفاضل ؛ بل من حيث أنه رسول الله . وان نظرنا في أقواله لم ننظر من حيث أنها أقوال ومخاطبات وتفهيمات ؛ بل من حيث أنها تعريفات بواسطته من الله تعالى ، فلا نظر إلا في الله ولا مطلوب سوى الله وجميع أطراف هذا العلم يحصرها النظر في ذات الله تعالى وفي صفاته سبحانه وفي أفعاله عز وجل وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاءنا على لسانه من تعريف الله تعالى . فهي إذن أربعة أقطاب : القطب الأول : النظر في ذات الله تعالى . فنبين فيه وجوده وانه قديم وأنه باق وأنه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا محدود بحد ولا هو مخصوص بجهة ، وأنه مرئي كما أنه معلوم وأنه واحد ؛ فهذه عشرة دعاوى نبينها في هذا القطب . القطب الثاني : في صفات الله تعالى . ونبين فيه أنه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم وأن له حياة وعلما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا وكلاما ، ونذكر أحكام هذه الصفات ولوازمها وما يفترق فيها وما يجتمع فيها من الأحكام ، وأن هذه الصفات زائدة على الذات وقديمة وقائمة بالذات ولا يجوز أن يكون شيء من الصفات حادثا . القطب الثالث : في أفعال الله تعالى . وفيه سبعة دعاوى وهو انه لا يجب على الله تعالى التكليف ولا الخلق ولا الثواب على التكليف ولا رعاية صلاح العباد ولا يستحيل منه تكليف ما لا يطاق ولا يجب عليه العقاب على المعاصي ولا يستحيل منه بعثه الأنبياء عليهم السلام ؛ بل يجوز ذلك . وفي مقدمة هذا القطب بيان معنى الواجب والحسن والقبيح . القطب الرابع : في رسل الله ، وما جاء على لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من الحشر والنشر والجنة والنار والشفاعة وعذاب القبر والميزان والصراط ، وفيه أربعة أبواب : الباب الأول : في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . الباب الثاني : فيما ورد على لسانه من أمور الآخرة . الباب الثالث : في الإمامة وشروطها . الباب الرابع : في بيان القانون في تكفير الفرق المبتدعة . صفحة فارغة تمهيدات الكتاب التمهيد الأول في بيان أن الخوض في هذا العلم مهم في الدين

Sección V01/P034–V01/P037

اعلم أن صرف الهمة إلى ما ليس بمهم ، وتضييع الزمان بما عنه بد هو غاية الضلال ونهاية الخسران سواء كان المنصرف إليه بالهمة من العلوم أو من الأعمال ، فنعوذ بالله من علم لا ينفع . وأهم الأمور لكافة الخلق نيل السعادة الأبدية واجتناب الشقاوة الدائمة ، وقد ورد الأنبياء وأخبروا الخلق بأن لله تعالى على عباده حقوقا ووظائف في أفعالهم وأقوالهم وعقائدهم . وأن من لم ينطق بالصدق لسانه ولم ينطو على الحق ضميره ولم تتزين بالعدل جوارحه فمصيره إلى النار وعاقبته للبوار . ثم لم يقتصروا على مجرد الإخبار بل استشهدوا على صدقهم بأمور غريبة وأفعال عجيبة خارقة للعادات خارجة عن مقدورات البشر ، فمن شاهدها أو سمع أحوالها بالأخبار المتواترة سبق إلى عقله إمكان صدقهم ، بل غلب على ظنه ذلك بأول السماع قبل أن يمعن النظر في تمييز المعجزات عن عجائب الصناعات . وهذا الظن البديهي أو التجويز الضروري ينزع الطمأنينة عن القلب ويحشوه بالاستشعار والخوف ويهيجه للبحث والافتكار ويسلب عنه الدعة والقرار ويحذره مغبة التساهل والإهمال ويقرر عنده أن الموت آت لا محالة وأن ما بعد الموت منطو عن أبصار الخلق وأن ما أخبر به هؤلاء غير خارج عن حيز الإمكان . فالحزم ترك التواني في الكشف عن حقيقة هذا الأمر . فما هؤلاء مع العجائب التي أظهروها في إمكان صدقهم قبل البحث عن تحقيق قولهم بأقل من شخص واحد يخبرنا عن خروجنا من دارنا ومحل استقرارنا بأن سبعا من السباع قد دخل الدار فخذ حذرك واحترز منه لنفسك جهدك ، فإنا بمجرد السماع إذا رأينا ما أخبرنا عنه في محل الامكان والجواز لم نقدم على الدخول وبالغنا في الاحتراز فالموت هو المستقر والوطن قطعا ، فكيف لا يكون الاحتراز لما بعده مهما ؟ فإذن أهم الممات أن نبحث عن قوله الذي قضى الذهن في بادئ الرأي وسابق النظر بامكانه أهو محال في نفسه على التحقيق أو هو حق لا شك فيه ؟ فمن قوله ان لكم ربا كلفكم حقوقا وهو يعاقبكم على تركها ويثيبكم على فعلها وقد بعثني رسولا إليكم لأبين ذلك لكم ، فيلزمنا لا محالة أن نعرف أن لنا ربا أم لا . وإن كان فهل يمكن أن يكون حيا متكلما حتى يأمر وينهى ويكلف ويبعث الرسل ، وإن كان متكلما فهل هو قادر على أن يعاقب ويثيب إذا عصيناه أو أطعناه ، وإن كان قادرا فهل هذا الشخص بعينه صادق في قوله أنا الرسول إليكم . فإن اتضح لنا ذلك لزمنا لا محالة ، إن كنا عقلاء ، أن نأخذ حذرنا وننظر لأنفسنا ونستحقر هذه الدنيا المنقرضة بالاضافة إلى الآخرة الباقية فالعاقل من ينظر لعاقبته ولا يغتر بعاجلته . ومقصود هذا العلم إقامة البرهان على وجود الرب تعالى وصفاته وأفعاله وصدق الرسل كما فصلناه في الفهرست . وكل ذلك مهم لا محيص عنه لعاقل . فإن قلت اني لست منكرا هذا الانبعاث للطلب من نفسي ولكني لست أدري أنه ثمرة الجبلة والطبع وهو مقتضى العقل أو هو موجب الشرع إذ للناس كلام في مدارك الوجوب ؛ فهذا انما تعرفه في آخر الكتاب عند تعرضنا لمدارك الوجوب . والاشتغال به الآن فضول بل لا سبيل بعد وقوع الانبعاث إلى الانتهاض لطلب الخلاص . فمثال الملتفت إلى ذلك مثال رجل لدغته حية أو عقرب وهي معاودة اللدغ والرجل قادر على الفرار ولكنه متوقف ليعرف ان الحية جاءته من جانب اليمين أو من جانب اليسار ، وذلك من أفعال الأغبياء الجهال نعوذ بالله من الاشتغال بالفضول مع تضييع المهمات والأصول . التمهيد الثاني في بيان أهمية هذا العلم لطائفة من المسلمين

Sección V01/P037–V01/P039

إعلم أن الأدلة التي نحررها في هذا العلم تجري مجرى الأدوية التي يعالج بها مرض القلوب . والطبيب المستعمل لها إن لم يكن حاذقا ثاقب العقل رصين الرأي كان ما يفسده بدوائه أكثر مما يصلحه . فليعلم المحصل لمضمون هذا الكتاب والمستفيد لهذه العلوم أن الناس أربع فرق : الفرقة الأولى : آمنت بالله وصدقت رسوله واعتقدت الحق وأضمرته واشتغلت إما بعبادة وإما بصناعة ؛ فهؤلاء ينبغي أن يتركوا وما هم عليه ولا تحرك عقائدهم بالاستحثاث على تعلم هذا العلم ، فإن صاحب الشرع صلوات الله عليه لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو بيقين برهاني . وهذا مما علم ضرورة من مجاري أحواله في تزكيته إيمان من سبق من أجلاف العرب إلى تصديقه ببحث وبرهان ؛ بل بمجرد قرينة ومخيلة سبقت إلى قلوبهم فقادتها إلى الإذعان للحق والانقياد للصدق فهؤلاء مؤمنون حقا فلا ينبغي أن تشوش عليهم عقائدهم ، فإنه إذا تليت عليهم هذه البراهين وما عليها من الاشكالات وحلها لم يؤمن أن تعلق بأفهامهم مشكلة من المشكلات وتستولي عليها ولا تمحى عنها بما يذكر من طرق الحل . ولهذا لم ينقل عن الصحابة الخوض في هذا الفن لا بمباحثة ولا بتدريس ولا تصنيف ، بل كان شغلهم بالعبادة والدعوة إليها وحمل الخلق على مراشدهم ومصالحهم في أحوالهم وأعمالهم ومعاشهم فقط . الفرقة الثانية : طائفة مالت عن اعتقاد الحق كالكفرة والمبتدعة . فالجافي الغليظ منهم الضعيف العقل الجامد على التقليد الممتري على الباطل من مبتدأ النشوء إلى كبر السن لا ينفع معه إلا السوط والسيف . فأكثر الكفرة أسلموا تحت ظلال السيوف إذ يفعل الله بالسيف والسنان ما لا يفعل بالبرهان واللسان . وعن هذا إذا استقرأت تواريخ الأخبار لم تصادف ملحمة بين المسلمين والكفار إلا انكشفت عن جماعة من أهل الضلال مالوا إلى الانقياد ، ولم تصادف مجمع مناظرة ومجادلة انكشفت إلا عن زيادة إصرار وعناد . ولا تظنن أن هذا الذي ذكرناه غض من منصب العقل وبرهانه ولكن نور العقل كرامة لا يخص الله بها إلا الآحاد من أوليائه ، والغالب على الخلق القصور والاهمال ، فهم لقصورهم لا يدركون براهين العقول كما لا تدرك نور الشمس أبصار الخفافيش . فهؤلاء تضر بهم العلوم كما تضر رياح الورد بالجعل . وفي مثل هؤلاء قال الامام الشافعي رحمه الله : فمن منح الجهال علما أضاعه . . . ومن منع المستوجبين فقد ظلم

Sección V01/P039–V01/P041

الفرقة الثالثة : طائفة اعتقدوا الحق تقليدا وسماعا ولكن خصوا في الفطرة بذكاء وفطنة فتنبهوا من أنفسهم لإشكالات تشككهم في عقائدهم وزلزلت عليهم طمأنينتهم ، أو قرع سمعهم شبهة من الشبهات وحاكت في صدورهم . فهؤلاء يجب التلطف بهم في معالجتهم باعادة طمأنينتهم وإماطة شكوكهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عندهم ولو بمجرد إستبعاد وتقبيح أو تلاوة آية أو رواية حديث أو نقل كلام من شخص مشهور عندهم بالفضل . فإذا زال شكه بذلك القدر فلا ينبغي أن يشافه بالأدلة المحررة على مراسم الجدال ، فإن ذلك ربما يفتح عليه أبوابا أخر من الإشكالات . فإن كان ذكيا فطنا لم يقنعه إلا كلام يسير على محك التحقيق . فعند ذلك يجوز أن يشافه بالدليل الحقيقي وذلك على حسب الحاجة وفي موضع الاشكال على الخصوص . الفرقة الرابعة : طائفة من أهل الضلال يتفرس فيهم مخائل الذكاء والفطنة ويتوقع منهم قبول الحق بما اعتراهم في عقائدهم من الريبة أو بما يلين قلوبهم لقبول التشكيك بالجبلة والفطرة . فهؤلاء يجب التلطف بهم في استمالتهم إلى الحق وإرشادهم إلى الإعتقاد الصحيح لا في معرض المحاجة والتعصب ، فإن ذلك يزيد في دواعي الضلال ويهيج بواعث التمادي والإصرار . وأكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحري والادلاء ، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والإزراء . فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ورسخت في نفوسهم الاعتقادات الباطلة وعسر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها ، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نظروا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة . ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقرا في قلب مجنون فضلا عمن له قلب عاقل . والمجادلة والمعاندة داء محض لا دواء له ، فليتحرز المتدين منه جهده وليترك الحقد والضغينة وينظر إلى كافة خلق الله بعين الرحمة ، وليستعن بالرفق واللطف في ارشاد من ضل من هذه الأمة ، وليتحفظ من النكد الذي يحرك داعية الضلال ، وليتحقق أن مهيج داعية الاصرار بالعناد والتعصب معين على الاصرار على البدعة ومطالب بعهده اعانته في القيامة . التمهيد الثالث في بيان الاشتغال بهذا العلم من فروض الكفايات إعلم أن التبحر في هذا العلم والاشتغال بمجامعه ليس من فروض الأعيان وهو من فروض الكفايات . فأما أنه ليس من فروض الأعيان فقد إتضح لك برهانه في التمهيد الثاني . إذ تبين أنه ليس يجب على كافة الخلق إلا التصديق الجزم وتطهير القلب عن الريب والشك في الإيمان . وإنما تصير إزالة الشك فرض عين في حق من اعتراه الشك .

Sección V01/P041–V01/P045

فإن قلت فلم صار من فروض الكفايات وقد ذكرت أن أكثر الفرق يضرهم ذلك ولا ينفعهم ؟ فاعلم أنه قد سبق أن ازالة الشكوك في أصول العقائد واجبة ، واعتوار الشك غير مستحيل وإن كان لا يقع إلا في الأقل ، ثم الدعوة إلى الحق بالبرهان مهمة في الدين . ثم لا يبعد أن يثور مبتدع ويتصدى لإغواء أهل الحق بإفاضة الشبهة فيهم فلا بد ممن يقاوم شبهته بالكشف ويعارض إغواءه بالتقبيح ، ولا يمكن ذلك إلا بهذا العلم . ولا تنفك البلاد عن أمثال هذه الوقائع ، فوجب أن يكون في كل قطر من الأقطار وصقع من الأصقاع قائم بالحق مشتغل بهذا العلم يقاوم دعاة المبتدعة ويستميل المائلين عن الحق ويصفي قلوب أهل السنة عن عوارض الشبهة . فلو خلا عنه القطر خرج به أهل القطر كافة ، كما لو خلا عن الطبيب والفقيه . نعم من أنس من نفسه تعلم الفقه أو الكلام وخلا الصقع عن القائم بهما ولم يتسع زمانه للجمع بينهما واستفتي في تعيين ما يشتغل به منهما ؛ أوجبنا عليه الاشتغال بالفقه فإن الحاجة إليه أعم والوقائع فيه أكثر فلا يستغني أحد في ليله ونهاره عن الاستعانة بالفقه . واعتوار الشكوك المحوجة إلى علم الكلام باد بالإضافة إليه كما أنه لو خلا البلد عن الطبيب والفقيه كان التشاغل بالفقه أهم ؛ لأنه يشترك في الحاجة إليه الجماهير والدهماء . فأما الطب فلا يحتاج إليه الأصحاء ، والمرضى أقل عددا بالإضافة إليهم . ثم المريض لا يستغني عن الفقه كما لا يستغني عن الطب وحاجته إلى الطب لحياته الفانية وإلى الفقه لحياته الباقية وشتان بين الحالتين . فإذا نسبت ثمرة الطب إلى ثمرة الفقه علمت ما بين الثمرتين . ويدلك على أن الفقه أهم العلوم اشتغال الصحابة رضي الله عنهم بالبحث عنه في مشاورتهم ومفاوضاتهم . ولا يغرنك ما يهول به من يعظم صناعة الكلام من أنه الأصل والفقه فرع له فإنها كلمة حق ولكنها غير نافعة في هذا المقام ، فإن الأصل هو الإعتقاد الصحيح والتصديق الجزم وذلك حاصل بالتقليد والحاجة إلى البرهان ودقائق الجدل نادرة . والطبيب أيضا قد يلبس فيقول وجودك ثم وجودك ثم وجود بدنك موقوف على صناعتي وحياتك منوطة بي فالحياة والصحة أولا ثم الاشتغال بالدين ثانيا . ولكن لا يخفى ما تحت هذا الكلام من التمويه وقد نبهنا عليه . التمهيد الرابع في بيان مناهج الأدلة التي انتهجناها في هذا الكتاب إعلم أن مناهج الأدلة متشعبة وقد أوردنا بعضها في كتاب محك النظر وأشبعنا القول فيها في كتاب معيار العلم . ولكنا في هذا الكتاب نحترز عن الطرق المتغلقة والمسالك الغامضة قصدا للايضاح وميلا إلى الإيجاز واجتنابا للتطويل . ونقتصر على ثلاثة مناهج : المنهج الأول : السبر والتقسيم وهو ان نحصر الأمر في قسمين ثم يبطل أحدهما فيلزم منه ثبوت الثاني . كقولنا : العالم إما حادث وإما قديم ، ومحال أن يكون قديما فيلزم منه لا محالة أن يكون حادثا أنه حادث وهذا اللازم هو مطلوبنا وهو علم مقصود إستفدناه من علمين آخرين أحدهما قولنا : العالم إما قديم أو حادث فإن الحكم بهذا الانحصار علم . والثاني : قولنا ومحال أن يكون قديما فإن هذا علم آخر . والثالث : هو اللازم منهما وهو المطلوب بأنه حادث . وكل علم مطلوب ، فلا يمكن أن يستفاد الا من علمين هما أصلان ولا كل أصلين ، بل إذا وقع بينهما إزدواج على وجه مخصوص وشرط مخصوص ، فإذا وقع الازدواج على شرطه أفاد علما ثالثا وهو المطلوب ، وهذا الثالث قد نسميه دعوى إذا كان لنا خصم ، ونسميه مطلوبا إذا كان لم يكن لنا خصم ، لأنه مطلب الناظر ونسميه فائدة وفرعا بالاضافة إلى الأصلين فإنه مستفاد منهما . ومهما أقر الخصم بالأصلين يلزمه لا محالة الاقرار بالفرع المستفاد منهما وهو صحة الدعوى .

Sección V01/P045–V01/P048

المنهج الثاني : أن نرتب أصلين على وجه آخر مثل قولنا : كل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهو أصل ، والعالم لا يخلو عن الحوادث فهو أصل آخر ، فيلزم منهما صحة دعوانا وهو أن العالم حادث وهو المطلوب فتأمل . هل يتصور أن يقر الخصم بالأصلين ثم يمكنه إنكار صحة الدعوى فتعلم قطعا أن ذلك محال . المنهج الثالث : أن لا نتعرض لثبوت دعوانا ، بل ندعي إستحالة دعوى الخصم بأن نبين أنه مفض إلى المحال وما يفضي إلى المحال فهو محال لا محالة . مثاله : قولنا إن صح قول الخصم أن دورات الفلك لا نهاية لها لزم منه صحة قول القائل أن ما لا نهاية له قد انقضى وفرغ منه ، ومعلوم أن هذا اللازم محال فيعلم منه لا محالة أن المفضي إليه محال وهو مذهب الخصم . فههنا أصلان : أحدهما قولنا إن كانت دورات الفلك لا نهاية لها فقد انقضى ما لا نهاية له ، فإن الحكم بلزوم إنقضاء ما لا نهاية له - على القول بنفي النهاية عن دورات الفلك - علم ندعيه ونحكم به . ولكن يتصور فيه من الخصم إقرارا وإنكار بأن يقول : لا أسلم أنه يلزم ذلك . والثاني قولنا إن هذا اللازم محال فإنه أيضا أصل يتصور فيه إنكار بأن يقول : سلمت الأصل الأول ولكن لا أسلم هذا الثاني وهو إستحالة إنقضاء ما لا نهاية له ، ولكن لو أقر بالأصلين كان الاقرار بالمعلوم الثالث اللازم منهما واجبا بالضرورة ؛ وهو الاقرار باستحالة مذهبه المفضي إلى هذا المحال . فهذه ثلاث مناهج في الاستدلال جلية لا يتصور إنكار حصول العلم منها ، والعلم الحاصل هو المطلوب والمدلول ، وازدواج الأصلين الملتزمين لهذا العلم هو الدليل . والعلم بوجه لزوم هذا المطلوب من ازدواج الأصلين علم بوجه دلالة الدليل ، وفكرك الذي هو عبارة عن إحضارك الأصلين في الذهن وطلبك التفطن لوجه لزوم العلم الثالث من العلمين الأصلين هو النظر ؛ فإذن عليك في درك العلم المطلوب وظيفتان ؛ إحداهما : إحضار الأصلين في الذهن وهذا يسمى فكرا ، والآخر : تشوقك إلى التفطن لوجه لزوم المطلوب من ازدواج الأصلين وهذا يسمى طلبا . فلذلك قال من جرد التفاته إلى الوظيفة الأولى حيث أراد حد النظر أنه الفكر . وقال من جرد التفاته إلى الوظيفة الثانية في حد النظر أنه طلب علم أو غلبة ظن . وقال من التفت إلى الأمرين جميعا أنه الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو غلبة ظن . فهكذا ينبغي أن تفهم الدليل والمدلول ووجه الدلالة وحقيقة النظر ودع عنك ما سودت به أوراق كثيرة من تطويلات وترديد عبارات لا تشفي غليل طالب ولا تسكن نهمة متعطش ولن يعرف قدر هذه الكلمات الوجيزة إلا من انصرف خائبا عن مقصده بعد مطالعة تصانيف كثيرة . فإن رجعت الآن في طلب الصحيح إلى ما قيل في حد النظر دل ذلك على انك تخص من هذا الكلام بطائل ولن ترجع منه إلى حاصل ، فإنك إذا عرفت أنه ليس ههنا إلا علوم ثلاثة : علمان هما أصلان يترتبان ترتبا مخصوصا ، وعلم ثالث يلزم منهما وليس عليك فيه الا وظيفتان : إحداهما إحضار العلمين في ذهنك ، والثانية التفطن لوجه العلم الثالث منهما . والخيرة بعد ذلك اليك في اطلاق لفظ النظر في ان تعبر به عن الفكر الذي هو احضار العلمين ، أو عن التشوف الذي هو طلب التفطن لوجه لزوم العلم الثالث ، أو عن الأمرين جميعا ، فإن العبارات مباحة والاصطلاحات لا مشاحة فيها . فان قلت غرضي أن أعرف اصطلاح المتكلمين وأنهم عبروا بالنظر عماذا ، فاعلم أنك إذا سمعت واحدا يجد النظر بالفكر ، وآخر بالطلب ، وآخر بالفكر الذي هو يطلب به ، لم تسترب في اختلاف اصطلاحاتهم على ثلاثة أوجه . والعجب ممن لا يتفطن هذا ويفرض الكلام في حد النظر . مدارك العقول

Sección V01/P048–V01/P050

مسألة خلافية : ويستدل بصحة واحد من الحدود وليس يدري أن حظ المعنى المعقول من هذه الأمور لا خلاف فيه وأن الأصطلاح لا معنى للخلاف فيه . وإذا أنت امعنت النظر واهتديت السبيل عرفت قطعا أن أكثر الأغاليط نشأت من ضلال من طلب المعاني من الألفاظ ، ولقد كان من حقه أن يقدر المعاني أولا ثم ينظر في الألفاظ ثانيا ، ويعلم أنها اصطلاحات لا تتغير بها المعقولات . ولكن من حرم التوفيق استدبر الطريق ، ونكل عن التحقيق . فإن قلت : إني لا استريب في لزوم صحة الدعوى من هذين الأصلين إذا أقر الخصم بهما على هذا الوجه ، ولكن من أين يجب على الخصم الاقرار بهما ومن أين تقتضي هذه الأحوال المسلمة الواجبة التسليم ؟ فاعلم أن لها مدارك شتى ولكن الذي نستعمله في هذا الكتاب نجتهد أن لا يعد ستة : الأول منها : الحسيات ، أعني المدرك بالمشاهدة الظاهرة والباطنة ، مثاله أنا إذا قلنا مثلا كل حادث فله سبب ، وفي العالم حوادث فلا بد لها من سبب . فقولنا : في العالم حوادث ، أصل واحد يجب الإقرار به ، فإنه يدرك بالمشاهدة الظاهرة حدوث أشخاص الحيوانات والنباتات والغيوم والامطار ومن الأعراض الأصوات والألوان . وان تخيل أنها منتقلة ، فالانتقال حادث ونحن لم ندع إلا حادثا ولم نعين أن ذلك الحادث جوهر أو عرض أو انتقال أو غيره . وكذلك يعلم بالمشاهدة الباطنة حدوث الآلام والافراح والغموم في قلبه فلا يمكنه انكاره . الثاني : العقل المحض ، فإنا إذا قلنا : العالم أما قديم مؤخر ، وإما حادث مقدم ، وليس وراء القسمين قسم ثالث ، وجب الاعتراف به على كل عاقل . مثاله أن تقول : كل ما لا يسبق الحوادث فهو حادث ، والعالم لا يسبق الحوادث فهو حادث ، فأحد الأصلين قولنا أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث . ويجب على الخصم الإقرار به ، لأن ما لا يسبق الحادث إما أن يكون مع الحادث أو بعده ولا يمكن قسم ثالث ، فإن ادعى قسما ثالثا كان منكرا لما هو بديهي في العقل ، وإن انكر أن ما هو مع الحادث أو بعده ليس بحادث فهو أيضا منكر للبديهة . الثالث : التواتر ، مثاله أنا نقول محمد صلوات الله وسلامه عليه صادق لأن كل من جاء بالمعجزة فهو صادق ، وقد جاء هو بالمعجزة فهو إذا صادق ، فإن قيل أنا لا نسلم أنه جاء بالمعجزة فنقول : قد جاءنا بالقرآن والقرآن معجزة ، فإذا قد جاء بالمعجزة . فإن سلم الخصم أحد الأصلين وهو أن القرآن معجزة ، أما بالطوع أو بالدليل ، وأراد إنكار الأصل الثاني وهو أنه قد جاء بالقرآن ، وقال لا أسلم أن القرآن مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم تسليما ، لم يمكنه ذلك لأن التواتر يحصل العلم به كما حصل لنا العلم بوجوده وبدعواه النبوة وبوجود مكة ووجود موسى وعيسى وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين . الرابع : أن يكون الأصل مثبتا بقياس آخر يستند بدرجة واحدة أو درجات كثيرة إما إلى الحسيات أو العقليات أو المتواترات ، فإن ما هو فرع الأصلين يمكن أن يجعل أصلا في قياس آخر . مثاله أنا بعد أن نفرغ من الدليل على حدوث العالم يمكننا أن نجعل حدوث العالم أصلا في نظم قياس ، مثلا أن نقول كل حادث فله سبب والعالم حادث فإذا له سبب ، فلا يمكنهم انكار كون العالم حادثا بعد أن اثبتنا بالدليل حدوثه .

Sección V01/P050–V01/P056

الخامس : السمعيات ، مثاله انا ندعي مثلا ان المعاصي بمشيئة الله تعالى ، ونقول كل كائن فهو بمشيئة الله تعالى والمعاصي كائنة فهي إذا بمشيئة الله تعالى ؛ فأما قولنا هي كائنة فمعلوم وجودها بالحس ، وكونها معصية بالشرع ، وأما قولنا كل كائن بمشيئة الله تعالى فإذا أنكر الخصم ذلك منعه الشرع مهما كان مقرا بالشرع أو كان قد أثبت عليه بالدليل فإنا نثبت هذا الأصل بإجماع الأمة على صدق قول القائل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فيكون السمع مانعا من الانكار . السادس : أن يكون الأصل مأخوذا من معتقدات الخصم ومسلماته . فإنه وإن لم يقم لنا عليه دليل أو لم يكن حسيا ولا عقليا ، انتفعنا باتخاذه إياه أصلا في قياسنا وامتنع عليه الإنكار الهادم لمذهبه . وأمثلة هذا مما تكثر فلا حاجة إلى تعيينه . فإن قلت : فهل من فرق بين هذه المدارك في الانتفاع بها في المقاييس النظرية ؟ فاعلم أنها متفاوتة في عموم الفائدة ، فإن المدارك العقلية والحسية عامة مع كافة الخلق إلا من لا عقل له ولا حس له وكان الأصل معلوما فالحس الذي فقده كالأصل المعلوم بحاسة البصر إذا استعمل مع الأكمه فإنه لا ينفع ، والأكمه إذا كان هو الناظر لم يمكنه أن يتخذ ذلك أصلا ، وكذلك المسموع في حق الأصم . وأما المتواتر فإنه نافع ولكن في حق من تواتر إليه ، فأما من لم يتواتر إليه ممن وصل إلينا في الحال من مان بعيد لم تبلغه الدعوة فأردنا أن نبين له بالتواتر أن نبينا وسيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم تسليما وعلى آله وصحبه تحدى بالقرآن ، لم يقدر عليه ما لم يمهله مدة من يتواتر عنده ، ورب شيء يتواتر عند قوم دون قوم ، فقول الشافعي رحمه الله تعالى في مسألة قتل المسلم بالذمي متواتر عند الفقهاء من أصحابه دون العوام من المقلدين وكم من مذهب له في أحاد المسائل لم يتواتر عند أكثر الفقهاء وأما الأصل المستفاد من قياس آخر فلا ينفع إلا مع من قدر معه ذلك القياس . وأما مسلمات المذاهب فلا تنفع الناظر وإنما تنفع المناظر مع من يعتقد ذلك المذهب . وأما السمعيات فلا تنفع إلا من يثبت السمع عنه ، فهذه مدارك علوم هذه الأصول المفيدة بترتيبها ونظمها العلم بالأمور المجهولة المطلوبة وقد فرغنا من التمهيدات فلنشتغل بالأقطاب التي هي مقاصد الكتاب . صفحة فارغة أقطاب الكتاب أو مقاصده صفحة فارغة القطب الأول في النظر في ذات الله تعالى وفيه عشر دعاوى

Sección V01/P056–V01/P058

الدعوى الأولى : وجوده تعالى وتقدس ، برهانه أنا نقول كل حادث فلحدوثه سبب ، والعالم حادث فيلزم منه إن له سببا ، ونعني بالعالم كل موجود سوى الله تعالى . ونعني بكل موجود سوى الله تعالى الأجسام كلها وأعراضها ، وشرح ذلك بالتفصيل أنا لا نشك في أصل الوجود ، ثم نعلم أن كل موجود اما متحيزا أو غير متحيز ، وأن كل متحيز إن لم يكن فيه ائتلاف فنسميه جوهرا فردا ، وإن ائتلف إلى غيره سميناه جسما ، وإن غير المتحيز أما أن يستدعي وجوده جسما يقوم به ونسميه الأعراض ، أو لا يستدعيه وهو الله سبحانه وتعالى ، فأما ثبوت الأجسام وأعراضها ، فمعلوم بالمشاهدة ، ولا يلتفت إلى من ينازع في الأعراض وإن طال فيها صياحه وأخذ يلتمس منك دليلا عليه ، فإن شغبه ونزاعه والتماسه وصياحه ، وإن لم يكن موجودا فكيف نشتغل بالجواب عنه والإصغاء إليه ، وإن كان موجودا فهو لا محالة غير جسم المنازع إذ كان جسما موجودا من قبل ، ولم يكن التنازع موجودا فقد عرفت أن الجسم والعرض مدركان بالمشاهدة . فإما موجود ليس بجسم ولا جوهر متحيز ولا عرض فيه فلا يدرك بالحس ونحن ندعي وجوده وندعي أن العالم موجود به ، وبقدرته ، وهذا يدرك بالدليل لا بالحس ، والدليل ما ذكرناه ، فلنرجع إلى تحقيقه . فقد جمعنا فيه أصلين فلعل الخصم ينكرهما ، فنقول له : في أي الأصلين تنازع ؟ فإن قال إنما أنازع في قولك إن كل حادث فله سبب فمن أين عرفت هذا ، فنقول : إن هذا الأصل يجب الاقرار به ، فإنه أولي ضروري في العقل ، ومن يتوقف فيه فإنما يتوقف لأنه ربما لا ينكشف له ما نريده بلفظ الحادث ، ولفظ السبب ، وإذا فهمهما صدق عقله بالضرورة بأن لكل حادث سببا ، فانا نعني بالحادث ما كان معدوما ثم صار موجودا فنقول وجوده قبل أن وجد كان محالا أو ممكنا ، وباطل أن يكون محالا لأن المحال لا يوجد قط ، وإن كان ممكنا فلسنا نعني بالممكن إلا ما يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد ولكن لم يكن موجودا لأنه ليس يجب وجوده لذاته إذ لو وجد وجوده لذاته لكان واجبا لا ممكنا ، بل قد افتقر وجوده إلى مرجح لوجوده على العدم حتى يتبدل العدم بالوجود . فإذا كان استمرار عدمه من حيث أنه لا مرجح للوجود على العدم ، فمن لم يوجد المرجح لا يوجد الوجود ، ونحن لا نريد بالسبب إلا المرجح : والحاصل أن المعدوم المستمر العدم لا يتبدل عدمه بالوجود ما لم يتحقق أمر من الأمور يرجح جانب الوجود على استمرار العدم ، وهذا إذا حصل في الذهن معنى لفظه كان العقل مضطرا إلى التصديق به . فهذا بيان اثبات هذا الأصل وهو على التحقيق شرح للفظ الحادث والسبب لاقامة دليل عليه .

Sección V01/P058–V01/P061

فإن قيل لم تنكرون على من ينازع في الأصل الثاني ، وهو قولكم أن العالم حادث ، فنقول : إن هذا الأصل ليس بأولي في العقل ، بل نثبته ببرهان منظوم من أصلين آخرين هو أنا نقول إذ قلنا أن العالم حادث أردنا بالعالم الآن ، الأجسام والجواهر فقط ، فنقول كل جسم فلا يخلو عن الحوادث وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، فيلزم منه أن كل جسم فهو حادث ففي أي الأصلين النزاع ؟ فإن قيل لم قيل أن كل جسم أو متحيز فلا يخلو عن الحوادث ؟ قلنا : لأنه لا يخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان ، فإن قيل : ادعيتم وجودهما ثم حدوثهما ، فلا نسلم الوجود ولا الحدوث ، قلنا هذا سؤال قد طال الجواب عنه في تصانيف الكلام ، وليس يستحق هذا التطويل فإنه لا يصدر قط من مسترشد إذ لا يستريب عاقل قط في ثبوت الأعراض في ذاته من الآلام والأسقام والجوع والعطش وسائر الأحوال ، ولا في حدوثها . وكذلك إذا نظرنا إلى أجسام العالم لم نسترب في تبدل الأحوال عليها ، وإن تلك التبديلات حادثة ، وإن صدر من خصم معاند فلا معنى للاشتغال به ، وإن فرض فيه خصم معتقد لما نقوله فهو فرض محال إن كان الخصم عاقلا ، بل الخصم في حدوث العالم الفلاسفة وهم مصرحون بأن أجسام العالم تنقسم إلى السموات ، وهي متحركة على الدوام ، وآحاد حركاتها حادثة ولكنها دائمة متلاحقة على الاتصال أزلا وأبدا وإلى العناصر الأربعة التي يحويها مقعر فلك القمر ، وهي مشتركة في مادة حاملة لصورها وأعراضها وتلك المادة قديمة والصور والأعراض حادثة متعاقبة عليها أزلا وأبدا وإن الماء ينقلب بالحرارة هواء ، والهواء يستحيل بالحرارة نارا ، وهكذا بقية العناصر ، وإنها تمتزج امتزاجات حادثة فتتكون منهما المعادن والنبات والحيوان ، فلا تنفك العناصر عن هذه الصور الحادثة ولا تنفك السموات عن الحركات الحادثة أبدا ، وإنما ينازعون في قولنا أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، فلا معنى للإطناب في هذا الأصل ، ولكنا لإقامة الرسم نقول : الجوهر بالضرورة لا يخلو عن الحركة والسكون ، وهما حادثان . أما الحركة فحدوثها محسوس وإن فرض جوهر ساكن كالأرض ، ففرض حركته ليس بمحال بل نعلم جوازه بالضرورة ، وإذا وقع ذلك الجائز كان حادثا وكان معدما للسكون ، فيكون السكون أيضا قبله حادثا لأن القديم لا ينعدم كما سنذكره في إقامة الدليل على بقاء الله تعالى ، وإن أردنا سياق دليل على وجود الحركة زائدة على الجسم ، قلنا : إنا إذا قلنا هذا الجوهر متحرك أثبتنا شيئا سوى الجوهر متحرك أثبتنا شيئا سوى الجوهر بدليل أنا إذا قلنا هذا الجوهر ليس بمتحرك ، صدق قولنا وإن كان الجوهر باقيا ساكنا ، فلو كان المفهوم من الحركة عين الجوهر لكان نفيها نفي عين الجوهر . وهكذا يطرد الدليل في إثبات السكون ونفيه ، وعلى الجملة . فتكلف الدليل على الواضحات يزيدها غموضا ولا يفيدها وضوحا . فإن قيل : فبم عرفتم أنها حادثة فلعلها كانت كامنة فظهرت ، قلنا : لو كنا نشتغل في هذا الكتاب بالفضول الخارج عن المقصود لأبطلنا القول بالكمون والظهور في الأعراض رأسا ، ولكن ما لا يبطل مقصودنا فلا مقصودنا فلا نشتغل به ، بل نقول : الجوهر لا يخلو عن كمون الحركة فيه أو ظهورها ، وهما حادثان فقد ثبت أنه لا يخلو عن الحوادث .

Sección V01/P061–V01/P064

فإن قيل : فلعلها انتقلت إليه من موضع آخر ، فبم يعرف بطلان القول ، بانتقال الأعراض ؟ قلنا : قد ذكر في إبطال ذلك أدلة ضعيفة لا نطول الكتاب بنقلها ونقضها ، ولكن الصحيح في الكشف عن بطلانه أن نبين أن تجويز ذلك لا يتسع له عقل من لم يذهل عن فهم حقيقة العرض وحقيقة الانتقال ، ومن فهم حقيقة العرض تحقق استحالة الانتقال فيه . وبيانه أن الانتقال عبارة أخذت من انتقال الجوهر من حيز إلى حيز ، وذلك يثبت في العقل بأن فهم الجوهر وفهم الحيز وفهم اختصاص الجوهر بالحيز زائد على ذات الجوهر ، ثم علم أن العرض لا بد له من محل كما لا بد للجوهر من حيز ، فتتخيل أن إضافة العرض إلى المحل كإضافة الجوهر إلى الحيز فيسبق منه إلى الوهم إمكان الانتقال عنه ، كما في الجوهر ، ولو كانت هذه المقايسة صحيحة لكان اختصاص العرض بالمحل كونا زائدا على ذات العرض والمحل كما كان اختصاص الجوهر بالحيز كونا زائدا على ذات الجوهر والحيز ، ولصار يقوم بالعرض عرض ، ثم يفتقر قيام العرض بالعرض إلى إختصاص آخر يزيد على القائم والمقوم به ، وهكذا يتسلل ويؤدي إلى أن لا يوجد عرض واحد ما لم توجد أعراض لا نهاية لها ، فلنبحث عن السبب الذي لأجله فرق بين اختصاص العرض بالمحل وبين اختصاص الجوهر بالحيز في كون أحد الاختصاصيين زائدا على ذات المختص ودون الآخر ، فمنه يتبين الغلط في توهم الانتقال . والسر فيه ، أن المحل وإن كان لازما للعرض كما أن الحيز لازم للجوهر ، ولكن بين اللازمين فرق : إذ رب لازم ذاتي للشيء ، ورب لازم ليس بذاتي للشيء ، وأعني بالذاتي ما يجب ببطلانه بطلان الشيء ، فإن بطل الوجود بطل به وجود الشيء ، وإن بطل في العقل بطل وجود العلم به في العقل ، والحيز ليس ذاتيا للجوهر فإنا نعلم الجسم والجوهر أولا ثم ننظر بعد ذلك في الحيز ، أهو أمر ثابت أم هو أمر موهوم ونتوصل إلى تحقيق ذلك بدليل وندرك الجسم بالحس في المشاهدة من غير دليل . فلذلك لم يكن الحيز المعين مثلا لجسم زيد ذاتيا لزيد ، ولم يلزم من فقد ذلك الحيز وتبدله بطلان جسم زيد ، وليس كذلك طول زيد مثلا لأنه عرض في زيد لا نعقله في نفسه دون زيد بل نعقل زيدا الطويل ، فطول زيد يعلم تابعا لوجود زيد ويلزم من تقدير عدم زيد بطلان طول زيد ، فليس لطول زيد قوام في الوجود وفي العقل دون زيد . فاختصاصه بزيد ذاتي له ، أي هو لذاته لا لمعنى زائد عليه هو اختصاص ، فإن بطل ذلك الاختصاص بطلت ذاته والانتقال يبطل الاختصاص فتبطل ذاته ، إذ ليس اختصاصه بزيد زائدا على ذاته ، أعني ذات العرض ، بخلاف اختصاص الجوهر بالحيز فإنه زائد عليه فليس في بطلانه ، بالانتقال ما يبطل ذاته ، ورجع الكلام إلى أن الانتقال يبطل الاختصاص بالمحل ، فإن كان الاختصاص زائدا على الذات لم تبطل به الذات ، وإن لم يكن معنى زائدا بطلت ببطلانه الذات ، فقد انكشف هذا وآل النظر إلى أن اختصاص العرض بمحله لم يكن زائدا على ذات العرض كاختصاص الجوهر بحيزه ، وأما العرض فإنه عقل بالجوهر لا بنفسه فذات العرض وكونه للجوهر المعين وليس له ذات سواه . فإذا قدرنا مفارقته لذلك الجوهر المعين فقد قدرنا عدم ذاته ، وإنما فرضنا الكلام في الطول لتفهيم المقصود فإنه وإن لم يكن عرضا ولكنه ، عبارة عن كثرة الأجسام في جهة واحدة ، ولكنه مقرب لغرضنا إلى الفهم ، فإذا فهم فلننقل البيان إلى الأعراض . وهذا التوفيق والتحقيق وإن لم يكن لائقا بهذا الإيجاز ولكن افتقر إليه لأن ما ذكر فيه غير مقنع ولا شاف .

Sección V01/P064

فقد فرغنا من إثبات أحد الأصلين ، وهو أن العالم لا يخلو عن الحوادث ، فإنه لا يخلو عن الحركة والسكون وهما حادثات وليسا بمنتقلين ، مع أن الإطناب ليس في مقابلة خصم معتقد ، إذ أجمع الفلاسفة على أن أجسام العالم لا تخلو عن الحوادث ، وهم المنكرون لحدوث العالم ، فإن قيل : فقد بقي الأصل الثاني وهو قولكم إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فما الدليل عليه ؟ قلنا : لأن العالم لو كان قديما مع أنه لا يخلو عن الحوادث ، لثبتت حوادث لا أول لها وللزم أن تكون دورات الفلك غير متناهية الاعداد ، وذلك محال لأن كل ما يفضي إلى المحال فهو محال ، ونحن نبين أنه يلزم عيه ثلاثة محالات : الأول - أن ذلك لو ثبت لكان قد انقضى ما لا نهاية له ، ووقع الفراغ منه وانتهى ، ولا فرق بين قولنا انقضى ولا بين قولنا انتهى ولا بين قولنا تناهى ، فيلزم أن يقال قد تناهى ما لا يتناهى ، ومن المحال البين أن يتناهى ما لا يتناهى وأن ينتهي وينقضي ما لا يتناهى .

Sección V01/P064–V01/P067

الثاني - أن دورات الفلك إن لم تكن متناهية فهي إما شفع وإما وتر ، وإما لا شفع ولا وتر ، وإما شفع ووتر معا . وهذه الأقسام الأربعة محال ؛ فالمفضي إليها محال إذ يستحيل عدد لا شفع ولا وتر ، أو شفع ووتر ، فإن الشفع هو الذي ينقسم إلى متساويين كالعشرة مثلا ، والوتر هو أحد الذي لا ينقسم إلى متساويين كالتسعة ، وكل عدد مركب من آحاد إما أن ينقسم بمتساويين ، أو لا ينقسم بمتساويين ، وأما أن يتصف بالانقسام وعدم الانقسام ، أو ينفك عنهما جميعا فهو محال ، وباطل أن يكون شفعا لأن الشفع إنما لا يكون وترا لأنه يعوزه واحد ، فإذا انضاف إليه واحد صار وترا ، فكيف أعوز الذي لا يتناهى واحد ؟ ومحال أن يكون وترا . لأن الوتر يصير شفعا بواحد ، فيبقى وترا لأنه يعوزه ذلك الواحد ، فكيف أعوز الذي لا يتناهى واحد ؟ الثالث - أنه يلزم عليه أن يكون عددان ، كل واحد منهما لا يتناهى ، ثم أن أحدهما أقل من الآخر ، ومحال أن يكون ما لا يتناهى أقل مما لا يتناهى لأن الأقل هو الذي يعوزه شيء لو أضيف إليه لصار متساويا ، وما لا يتناهى كيف يعوزه شيء ؟ وبيانه أن زحل عندهم يدور في كل ثلاثين سنة دورة واحدة ، والشمس في كل سنة دورة واحدة ، فيكون عدد دورات زحل مثل ثلث عشر دورات الشمس ، إذ الشمس تدور في ثلاثين سنة ثلاثين دورة ، وزحل يدور دورة واحدة ، والواحد من الثلاثين ثلث عشر . ثم دورات زحل لا نهاية لها وهي أقل من دورات الشمس ، إذ يعلم ضرورة أن ثلث عشر الشيء أقل من الشيء ، والقمر يدور في السنة اثنتي عشرة مرة ، فيكون عدد دورات الشمس مثلا نصف سدس دورات القمر ، وكل واحد لا نهاية له وبعضه أقل من بعض ، فذلك من المحال البين . فإن قيل : مقدورات الباري تعالى عندكم لا نهاية لها وكذا معلوماته ، والمعلومات أكثر من المقدورات إذ ذات القديم تعالى وصفاته معلومة له وكذا الموجود المستمر الوجود ، وليس شيء من ذلك مقدورا . قلنا نحن : إذا قلنا لا نهاية لمقدوراته ، لم نرد به ما نريد بقولنا لا نهاية لمعلوماته بل نريد به أن لله تعالى صفة يعبر عنها بالقدرة ، يتأتى بها الايجاد ، وهذا الثاني لا ينعدم قط . وليس تحت قولنا - هذا الثأني لا ينعدم - إثبات أشياء فضلا من أن توصف بأنها متناهية أو غير متناهية ، وإنما يقع هذا الغلط لمن ينظر في المعاني من الألفاظ فيرى توازن لفظ المعلومات والمقدورات من حيث التصريف في اللغة ، فيظن أن المراد بهما واحد . هيهات لا مناسبة بينهما البتة . ثم تحت قولنا المعلومات لا نهاية لها أيضا سر يخالف السابق منه إلى الفهم ، إذ السابق منه إلى الفهم إثبات أشياء تسمى معلومات لا نهاية لها ، وهو محال ، بل الأشياء هي الموجودات ، وهي متناهية ، ولكن بيان ذلك يستدعي تطويلا . وقد اندفع الإشكال بالكشف عن معنى نفي النهاية عن المقدورات ، فالنظر في الطرف الثاني وهو المعلومات مستغنى عنه في دفع الالزام ، فقد بانت صحة هذا الأصل بالمنهج الثالث من مناهج الأدلة المذكورة في التمهيد الرابع من الكتاب وعند هذا يعلم وجود الصانع إذ بان القياس الذي ذكرناه ، وهو قولنا أن العالم حادث وكل حادث فله سبب فالعالم له سبب . فقد ثبتت هذه الدعوى بهذا المنهج ، ولكن بعد لم يظهر لنا إلا موجود السبب ، فأما كونه حادثا أو قديما وصفا له فلم يظهر بعد فلنشتغل به . الدعوى الثانية : قدم الله

Sección V01/P067–V01/P070

: ندعي أن السبب الذي أثبتناه لوجود العالم قديم فإنه لو كان حادثا لافتقر إلى سبب آخر ، وكذلك السبب الآخر ويتسلسل إما إلى غير نهاية وهو محال ، وإما أن ينتهي إلى قديم لا محالة يقف عنده وهو الذي نطلبه ونسميه صانع العالم . ولا بد من الاعتراف به بالضرورة ولا نعني بقولنا قديم إلا أن وجوده غير مسبوق بعدم ، فليس تحت لفظ القديم إلا إثبات موجود ونفي عدم سابق . فلا تظنن أن القدم معنى زائد على ذات القديم ، فيلزمك أن تقول ذلك المعنى أيضا قديم بقدم زائد عليه ، ويتسلسل القوم إلى غير نهاية . الدعوى الثالثة أبدية الله : ندعي أن صانع العالم مع كونه موجودا لم يزل فهو باق لا يزال لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه . وإنما قلنا ذلك لأنه لو العدم لافتقر عدمه إلى سبب فإنه طارئ بعد استمرار الوجود في القدم . وقد ذكرنا ان كل طارئ فلا بد له من سبب من حيث انه طارئ لا من حيث أنه موجود ، وكما افتقر تبدل العدم بالوجود إلى مرجح للوجود على العدم ، فكذلك يفتقر تبدل الوجود بالعدم إلى مرجح للعدم على الوجود ، وذلك المرجح إما فاعل بعدم القدرة ، أو ضد انقطاع شرط من شروط الوجود . ومحال أن يحال على القدرة ؛ إذ لوجود شيء ثابت يجوز أن يصدر عن القدرة ، فيكون القادر باستعماله فعل شيئا والعدم ليس بشيء ، فيستحيل أن يكون فعلا واقعا بأثر القدرة . فإنا نقول : فاعل العدم هل فعل شيئا ؟ فإن قيل نعم ، كان محالا ، لأن النفي ليس بشيء . وإن قال المعتزلي أن المعدوم شيء وذات ، فليس تلك الذات من أثر القدرة ، فلا يتصف أن يقول الفعل الواقع بالقدرة فعل ذلك الذات فإنها أزلية ، وإنما فعله نفي وجود الذات ، ونفي وجود الذات ليس شيئا ، فاذا ما فعل شيئا . وإذا صدق قولنا ما فعل شيئا صدق قولنا أنه لم يستعمل القدرة في أثر البتة ، فبقي كما كان ولم يفعل شيئا . وباطل أن يقال أنه يعدمه ضده لأن الضد إن فرض حادثا اندفع وجوده بمضادة القديم ، وكان ذلك أولى من أن ينقطع به وجود القديم . ومحال أن يكون له ضد قديم كان موجودا معه في القدم ولم يعدمه وقد أعدمه الآن ، وباطل أن يقال انعدم لانعدام شرط وجوده ، فإن الشرط إن كان حادثا استحال أن يكون وجود القديم مشروطا بحادث ، وإن كان قديما فالكلام في استحالة عدم الشرط كالكلام في استحالة عدم المشروط فلا يتصور عدمه . فإن قيل فبما إذا تفنى عندكم الجواهر والأعراض ؟ قلنا : أما الأعراض فبأنفسها ، ونعني بقولنا بأنفسها أن ذواتها لا يتصور لها بقاء . ويفهم المذهب فيه بأن يفرض في الحركة ، فإن الأكوان المتعاقبة في أحيان متواصلة لا توصف بأنها حركات إلا بتلاحقها على سبيل دوام التجدد ودوام الانعدام ، فإنها إن فرض بقاؤها كانت سكونا لا حركة ، ولا تعقل ذات الحركة ما لم يعقل معها العدم عقيب الوجود . وهذا يفهم في الحركة بغير برهان . وأما الألوان وسائر الأعراض ، فإنما تفهم بما ذكرناه من أنه لو بقي لاستحال عدمه بالقدرة وبالضد كما سبق في القديم ، ومثل هذا العدم محال في حق الله تعالى فإنا بينا قدمه أولا واستمرار وجوده فيما لم يزل ، فلم يكن من ضرورة وجوده حقيقة فناؤه عقيبه ، كما كان من ضرورة وجود الحركة حقيقة أن تفنى عقيب الوجود . وأما الجواهر فانعدامها بان لا تخلق فيها الحركة والسكون فينقطع شرط وجودها فلا يعقل بقاؤها . الدعوى الرابعة عدم تحيز الله

Sección V01/P070–V01/P073

: ندعي أن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ثبت قدمه ، ولو كان متحيزا لكان لا يخلو عن الحركة في حيزه أو السكون فيه ، وما لا يخلو عن الحوادث ، فهو حادث كما سبق . فإن قيل : بم تنكرون على من يسميه جوهرا ، ولا يعتقده متحيزا ؟ قلنا العقل عندنا لا يوجب الامتناع من اطلاق الألفاظ وإنما يمنع عنه إما لحق اللغة وإما لحق الشرع . أما حق اللغة فذلك إذا ادعى أنه موافق لوضع اللسان فيبحث عنه ، فإن ادعى واضعه له أنه اسمه على الحقيقة ، أي واضع اللغة وضعه له ، فهو كاذب على اللسان وإن زعم أنه استعاره نظرا إلى المعنى الذي به شارك المستعار منه ، فإن صلح للاستعارة لم ينكر عليه بحق اللغة وإن لم يصلح قيل له أخطأت على اللغة ولا يستعظم ذلك إلا بقدر استعظام صنيع من يبعد في الاستعارة ، والنظر في ذلك لا يليق بمباحث العقول . وأما حق الشرع وجواز ذلك وتحريمه ، فهو بحث فقهي يجب طلبه على الفقهاء إذ لا فرق بين البحث عن جواز اطلاق الألفاظ من غير إرادة معنى فاسد وبين البحث عن جواز الأفعال . وفيه رأيان : أحدهما ، أن يقال : لا يطلق اسم في حق الله تعالى إلا بالاذن ، وهذا لم يرد فيه إذن فيحرم . وأما أن يقال لا يحرم إلا بالنهي وهذا لم يرد فيه نهي فينظر : فإن كان يوهم خطأ فيجب الاحتراز منه لأن إيهام الخطأ في صفات الله تعالى حرام . وإن لم يوهم خطأ يحكم بتحريمه ، فكلا الطريقين محتمل . ثم الايهام يختلف باللغات وعادات الاستعمال فرب لفظ يوهم عند قوم ولا يوهم عند غيرهم . الدعوى الخامسة لاجسمانية الله : ندعي أن صانع العالم ليس بجسم ، لأن كل جسم فهو متألف من جوهرين متحيزين ، وإذا استحال أن يكون جوهرا استحال أن يكون جسما ، ونحن لا نعني بالجسم إلا هذا . فإن سماه جسما ولم يرد هذا المعنى كانت المضايقة معه بحق اللغة أو بحق الشرع لا بحق العقل فإن العقل لا يحكم في اطلاق الألفاظ ونظم الحروف والأصوات التي هي اصطلاحات ، ولأنه لو كان جسما لكان مقدارا بمقدار مخصوص ويجوز أن يكون أصغر منه أو أكبر ، ولا يترجح أحد الجائزين عن الآخر إلا بمخصص ومرجح ، كما سبق ، فيفتقر إلى مخصص يتصرف فيه فيقدره بمقدار مخصوص ، فيكون مصنوعا لا صانعا ومخلوقا لا خالقا . الدعوى السادسة لاعرضية الله : ندعي أن صانع العالم ليس بعرض ، لأنا نعني بالعرض ما يستدعي وجوده ذاتا تقوم به ، وذلك الذات جسم أو جوهر ، ومهما كان الجسم واجب الحدوث كان الحال فيه أيضا حادثا لا محالة ، إذ يبطل انتقال الأعراض ، وقد بينا أن صانع العالم قديم فلا يمكن أن يكون عرضا ، وإن فهم من العرض ما هو صفة لشيء من غير أن يكون ذلك الشيء متحيزا ، فنحن لا ننكر وجود هذا فانا نستدل على صفات الله تعالى نعم يرجع النزاع إلى إطلاق اسم الصانع والفاعل ، فإن إطلاقه على الذات الموصوفة بالصفات أولى من إطلاقه على الصفات . فإذا قلنا الصانع ليس بصفة ، عنينا به أن الصنع مضاف إلى الذات التي تقوم بها الصفات لا إلى الصفات ، كما أنا إذا قلنا النجار ليس بعرض ولا صفة ، عنينا به أن صنعة النجارة غير مضافة إلى الصفات بل إلى الذات الواجب وصفها بجملة من الصفات حتى يكون صانعا . فكذا القول في صانع العالم ، وإن أراد المنازع بالعرض أمرا غير الحال في الجسم وغير الصفة القائمة بالذات كان الحق في منعه للغة أو الشرع لا للعقل . الدعوى السابعة : لاجهوية الله

Sección V01/P073–V01/P076

: ندعي أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست ، ومن عرف معنى لفظ الجهة ومعنى لفظ الاختصاص فهم قطعا استحالة الجهات على غير الجواهر والأعراض ، إذ الحيز معقول وهو الذي يختص الجوهر به ، ولكن الحيز إنما يصير جهة إذا أضيف إلى شيء آخر متحيز . فالجهات ست فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين وشمال . فمعنى كون الشيء فوقنا هو أنه في حيز يلي جانب الرأس . ومعنى كونه تحتا أنه في حيز يلي جانب الرجل . وكذا سائر الجهات ؛ فكل ما قيل قيه أنه في جهة فقد قيل أنه في حيز مع زيادة إضافة . وقولنا الشيء في حيز ، يعقل بوجهين أحدهما : أنه يختص به بحيث يمنع مثله من أن يوجد بحيث هو ، وهذا هو الجوهر ، والآخر أن يكون حالا في الجوهر فإنه قد يقال إنه بجهة ، ولكن بطريق البتيعة للجوهر ، فليس كون العرض في جهة ككون الجوهر ، بل الجهة للجوهر أولى ، وللعرض بطريق التبعية للجوهر ، فهذان وجهان معقولان في الاختصاص بالجهة . فإن أراد الخصم أحدهما دل على بطلانه ما دل على بطلان كونه جوهرا أو عرضا . وإن أراد أمرا غير هذا فهو غير مفهوم فيكون الحق في إطلاق لفظه لم ينفك عن معنى غير مفهوم للغة والشرع لا العقل ، فإن قال الخصم إنما أريد بكونه بجهة معنى سوى هذا فلم ننكره ، ونقول له : أما لفظك فإنما ننكره من حيث أنه يوهم المفهوم الظاهر منه وهو ما يعقل الجوهر والعرض وذلك كذب على الله تعالى . وأما مرادك منه فلست أنكره فإن ما لا أفهمه كيف أنكره ! وعساك تريد به علمه وقدرته وأنا لا أنكر كونه بجهة على معنى أنه عالم وقادر ، فإنك إذا فتحت هذا الباب ، وهو أن تريد باللفظ غير ما وضع اللفظ له ويدل عليه في التفاهم لم يكن لما تريد به حصر فلا أنكره ما لم تعرب عن مرادك بما أفهمه من أمر يدل على الحدوث ، فإن كان ما يدل على الحدوث فهو في ذاته محال ويدل أيضا على بطلان القول بالجهة ، لأن ذلك يطرق الجواز إليه ويحوجه إلى مخصص يخصصه بأحد وجوه الجواز وذلك من وجهين ، أحدهما : أن الجهة التي تختص به لا تختص به لذاته ، فإن سائر الجهات متساوية بالاضافة إلى المقابل للجهة ، فاختصاصه ببعض الجهات المعينة ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص يخصصه ، ويكون الاختصاص فيه معنى زائدا على ذاته وما يتطرق الجواز إليه استحال قدمه بل القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات . فإن قيل اختص بجهة فوق لأنه أشرف الجهات ، قلنا أي إنما صارت الجهة جهة فوق بخلقه العالم في هذا الحيز الذي خلقه فيه . فقيل خلق العالم لم يكن فوق ولا تحت أصلا . إذ هما مشتقان من الرأس والرجل ولم يكن إذ ذاك حيوان فتسمى الجهة التي تلي رأسه فوق والمقابل له تحت . والوجه الثاني أنه لو كان بجهة لكان محاذيا لجسم العالم ، وكل محاذ فإما أصغر منه وإما أكبر وإما مساو ، وكل ذلك يوجب التقدير بمقدار ، وذلك المقدار يجوز في العقل أن يفرض أصغر منه أو أكبر فيحتاج إلى مقدار ومخصص .

Sección V01/P076–V01/P078

فإن قيل : لو كان الاختصاص بالجهة يوجب التقدير لكان العرض مقدرا ، قلنا : العرض ليس في جهة بنفسه ، بل بتبعيته للجوهر فلا جرم هو أيضا مقدر بالتبعية . فإنا نعلم أنه لا توجد عشرة أعراض إلا في عشرة جواهر ، ولا يتصور أن يكون في عشرين ، فتقدير الأعراض عشرة لازم بطريق التبعية لتقدير الجواهر ، كما لزم كونه بجهة بطريق التبعية . فإن قيل : فإن لم يكن مخصوصا بجهة فوق ، فما بال الوجوه والأيدي ترفع إلى السماء في الأدعية شرعا وطبعا ، وما باله صلى الله عليه وسلم قال للجارية التي قصد إعتاقها فأراد أن يستيقن إيمانها أين الله فأشارت إلى السماء فقال إنها مؤمنة ؟ فالجواب عن الأول أن هذا يضاهي قول القائل : إن لم يكن الله تعالى في الكعبة وهو بيته فما بالنا نحجه ونزوره ، وما بالنا نستقبله في الصلاة ؟ وإن لم يكن في الأرض ، فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الأرض في السجود ؟ وهذا هذيان . بل يقال : قصد الشرع من تعبد الخلق بالكعبة في الصلاة ملازمة الثبوت في جهة واحدة ، فإن ذلك لا محالة أقرب إلى الخشوع وحضور القلب من التردد على الجهات ، ثم لما كانت الجهات متساوية من حيث إمكان الاستقبال خصص الله بقعة مخصوصة بالتشريف والتعظيم وشرفها بالإضافة إلى نفسه واستمال القلوب إليها بتشريفه ليثيب على استقبالها ، فكذلك السماء قبلة الدعاء ، كما أن البيت قبلة الصلاة ، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزه عن الحلول في البيت والسماء ثم في الاشارة بالدعاء إلى السماء سر لطيف يعز من يتنبه لأمثاله ، وهو أن نجاة العبد وفوزه في الآخرة ، بأن يتواضع لله تعالى ويعتقد التعظيم لربه ، والتواضع والتعظيم عمل القلب ، وآلته العقل . والجوارح إنما استعملت لتطهير القلب وتزكيته ، فإن القلب خلق خلقه يتأثر بالمواظبة على أعمال الجوارح ، كما خلقت الجوارح متأثرة لمعتقدات القلوب ، ولما كان المقصود أن يتواضع في نفسه بعقله وقلبه ، بأن يعرف قدره ليعرف بخسة رتبته في الوجود لجلال الله تعالى وعلوه ، وكان من أعظم الأدلة على خسته الموجبة لتواضعه أنه مخلوق من تراب ، كلف أن يضع على التراب ، الذي هو أذل الأشياء ، وجهه الذي هو أعز الأعضاء ، ليستشعر قلبه التواضع بفعل الجبهة في مماستها الأرض ، فيكون البدن متواضعا في جسمه وشخصه وصورته بالوجه الممكن فيه وهو معانقة التراب الوضيع الخسيس ويكون العقل متواضعا لربه بما يليق به ، وهو معرفة الضعة وسقوط الرتبة وخسة المنزلة عند الالتفات إلى ما خلق منه .

Sección V01/P078–V01/P080

فكذلك التعظيم لله تعالى وضيعة على القلب فيها نجاته ، وذلك أيضا ينبغي أن تشترك فيه الجوارح ، وبالقدر الذي يمكنه أن تحمل الجوارح ، وتعظيم القلب بالإشارة إلى علو الرتبة على طريق المعرفة والاعتقاد وتعظيم الجوارح بالإشارة إلى جهة العلو الذي هو أعلى الجهات وأرفعها في الاعتقادات ؛ فإن غاية تعظيم الجارحة استعمالها في الجهات ، حتى أن من المعتاد المفهوم في المحاورات أن يفصح الإنسان عن علو رتبة غيره وعظيم ولايته فيقول : أمره في السماء السابعة ، وهو إنما ينبه على علو الرتبة ولكن يستعير له علو المكان ، وقد يشير برأسه إلى السماء في تعظيم من يريد تعظيم أمره ، أي أمره في السماء ، أي في العلو وتكون السماء عبارة عن العلو ، فانظر كيف تلطف الشرع بقلوب الخلق وجوارحهم في سياقهم إلى تعظيم الله وكيف جهل من قلت بصيرته ولم يلتفت إلا إلى ظواهر الجوارح والأجسام وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها في التعظيم عن تقدير الجهات ، وظن أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح ولم يعرف أن المظنة الأولى لتعظيم القلب وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة لا باعتقاد علو المكان ، وأن الجوارح في ذلك خدم وأتباع يخدمون القلب على الموافقة في التعظيم بقدر الممكن فيها ، ولا يمكن في الجوارح إلا الإشارة إلى الجهات ، فهذا هو السر في رفع الوجوه إلى السماء عند قصد التعظيم ، ويضاف إليه عند الدعاء أمر آخر وهو أن الدعاء لا ينفك عن سؤال نعمة من نعم الله تعالى ، وخزائن نعمه السموات ، وخزان أرزاقه الملائكة ومقرهم ملكوت السموات وهم الموكلون بالأرزاق . وقد قال الله تعالى : ' وفي السماء رزقكم وما توعدون ' . والطبع يتقاضى الإقبال بالوجه على الخزانة التي هي مقر الرزق المطلوب ، فطلاب الأرزاق من الملوك إذا أخبروا بتفرقة الأرزاق على باب الخزانة مالت وجوههم وقلوبهم إلى جهة الخزانة ، وإن لم يعتقدوا أن الملك في الخزانة فهذا هو محرك وجوه أرباب الدين إلى جهة السماء طبعا وشرعا . فأما العوام فقد يعتقدون أن معبودهم في السماء ، فيكون ذلك أحد أسباب إشاراتهم ، تعالى رب الأرباب عما اعتقد الزائغون علوا كبير . وأما حكمه صلوات الله عليه بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء ، فقد انكشف به أيضا إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو ، فقد كانت خرساء كما حكي ، وقد كان يظن بها أنها من عبدة الأوثان ، ومن يعتقد اله في بيت الأصنام فاستنطقت عن معتقدها فعرفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقدوه أولئك .

Sección V01/P080–V01/P082

فإن قيل فنفي الجهة يؤدي إلى المحال ، وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ، ولا منفصلا عنه ، وذلك محال ، قلنا : مسلم أن كل موجود يقبل الاتصال فوجوده لا متصلا ولا منفصلا محال ، وإن كان موجود يقبل الاختصاص بالجهة فوجوده مع خلو الجهات الست عنه محال ، فإما موجود لا يقبل الاتصال ، ولا الاختصاص بالجهة فخلو عن طرفي النقيض غير محال ، وهو كقول القائل يستحيل موجود لا يكون عاجزا ولا قادرا ولا عالما ولا جاهلا فإن أحد المتضادين لا يخلو الشيء عنه ، فيقال له إن كان ذلك الشيء قابلا للمتضادين فيستحيل خلوه عنهما وأما الجماد الذي لا يقبل واحدا منهما لأنه فقد شرطهما وهو الحياة ، فخلوه عنهما ليس بمحال . فكذلك شرط الاتصال والاختصاص بالجهات التحيز والقيام بالمتحيز . فإذا فقد هذا لم يستحل الخلق عن متضادته فرجع النظر إذا إلى أن موجودا ليس بمتحيز ، ولا هو في متحيز ، بل هو فاقد شرط الاتصال ، والاختصاص هل هو محال أم لا ؟ فإن زعم الخصم أن ذلك محال وجوده فقد دللنا عليه بأنه مهما بان ، أن كل متحيز حادث وأن كل حادث يفتقر إلى فاعل ليس بحادث فقد لزم بالضرورة من هاتين المقدمتين ثبوت موجود ليس بمتحيز . أما الأصلان فقد أتبتناهما وأما الدعوى اللازمة منهما فلا سبيل إلى جحدها مع الإقرار بالأصلين . فإن قال الخصم إن مثل هذا الموجود الذي ساق دليلكم إلى إثباته غير مفهوم ، فيقال له ما الذي أردت بقولك غير مفهوم فإن أردت به أنه غير متخيل ولا متصور ولا داخل في الوهم فقد صدقت ، فإنه لا يدخل في الوهم والتصور والخيال إلا جسم له لون وقدر ، فالمنفك عن اللون والقدر لا يتصوره الخيال ، فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فلا يتوهم الشيء إلا على وفق مرآه ولا يستطيع أن يتوهم ما لا يوافقه . وإن أراد الخصم أنه ليس بمعقول ، أي ليس بمعلوم بدليل العقل فهو محاذ إذا قدمنا الدليل على ثبوته ولا معنى للمعقول إلا ما اضطر العقل إلى الأذعان للتصديق به بموجب الدليل الذي لا يمكن مخالفته . وقد تحقق هذا ، فإن قال الخصم فما لا يتصور في الخيال لا وجود له ، فلنحكم بأن الخيال لا وجود له في نفسه ، فإن الخيال نفسه لا يدخل في الخيال والرؤية لا تدخل في الخيال وكذلك العلم والقدرة ، وكذلك الصوت والرائحة ولو كلف الوهم أن يتحقق ذاتا للصوت لقدر له لونا ومقدارا وتصوره كذلك . وهكذا جميع أحوال النفس ، من الخجل والوجل والفسق والغضب والفرح والحزن والعجب ، فمن يدرك بالضرورة هذه الأحوال من نفسه ويسوم خياله أن يتحقق ذات هذه الأحوال فنجده يقصر عنه إلا بتقدير خطأ ثم ينكر بعد ذلك وجود موجود لا يدخل في خياله فهذا سبيل كشف الغطاء عن المسألة . وقد جاوزنا حد الاختصار ولكن المعتقدات المختصرة في هذا الفن أراها مشتملة على الاطناب في الواضحات والشروع في الزيادات الخارجة عن المهمات مع التساهل في مضايق الاشكالات فرأيت نقل الاطناب من مكان الوضوح ، إلى مواقع الغموض أهم وأولى . الدعوى الثامنة الله والعرش