Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
قلنا هذا النوع من الضرر ليس بغالب فلا يجب دفعه على أنه إن كان فهو الذي أضر بنفسه حيث أطلق الأمر ومن لم ينظر لنفسه لا ينظر له هذا إذا كان العقد مطلقا عن شرط في الفصلين جميعا فأما إذا شرط فيه شرطا نظر فيه إن كان شرطا يمكن اعتباره ويفيد اعتبر وإلا فلا بيان ذلك إذا أمره بالحفظ وشرط عليه أن يمسكها بيده ليلا ونهارا ولا يضعها فالشرط باطل حتى لو وضعها في بيته أو فيما يحرز فيه ما له عادة فضاعت لا ضمان عليه لأن إمساك الوديعة بيده بحيث لا يضعها أصلا غير مقدور له عادة فكان شرطا لا يمكن مراعاته فيلغو ( ( ( فيلغى ) ) ) ولو أمره بالحفظ ونهاه أن يدفعها إلى امرأته أو عبده أو ولده الذي هو في عياله أو من يحفظ مال نفسه بيده عادة نظر فيه إن كان لا يجد بدا من الدفع إليه له أن يدفع لأنه إذا لم يجد بدا من الدفع إليه كان النهي عن الدفع إليه نهيا عن الحفظ فكان سفها فلا يصح نهيه وإن كان يجد بدا من الدفع إليه ليس له أن يدفع ولو دفع يدخل في ضمانه لأنه إذا كان ( ( ( فكان ) ) ) له منه يد ( ( ( بد ) ) ) في الدفع إليه أمكن اعتبار الشرط وهو مفيد لأن الأيدي في الحفظ متفاوتة والأصل في الشروط اعتبارها ما أمكن ولو قال لا تخرجها من الكوفة فخرج بها تدخل في ضمانه لأنه شرط يمكن اعتباره وهو مفيد لأن الحفظ في المصر أكمل من الحفظ في السفر إذ السفر موضع الخطر إلا إذا خاف التلف عليها فاضطر إلى الخروج بها فخرج لا تدخل في ضمانه لأن الخروج بها في هذه الحالة طريق متعين للحفظ كما إذا وقع في داره حريق أو كان في سفينة فخاف الغرق فدفعها إلى غيره ولو قال له احفظ الوديعة في دارك هذه فحفظها في دار له أخرى فإن كانت الداران في الحرز سواء أو كانت الثانية أحرز لا تدخل في ضمانه لأن التقييد غير مفيد وإن كانت الأولى أحرز من الثانية دخلت في ضمانه لأن التقييد به عند تفاوت الحرز مفيد وكذلك لو أمره أن يضعها في داره في هذه القرية ونهاه عن أن يضعها في داره في قرية أخرى فهو على هذا التفصيل ولو قال له أخبئها ( ( ( أخبأها ) ) ) في هذا البيت وأشار إلى بيت معين في داره فخبأها في بيت آخر في تلك الدار لا تدخل في ضمانه لأن البيتين من دار واحدة لا يختلفان في الحرز عادة بخلاف الدارين فلا يكون التعيين مفيدا حتى لو تفاوتا بأن كان الأول أحرز من الثاني تدخل في ضمانه والأصل المحفوظ في هذا الباب ما ذكرنا أن كل شرط يمكن مراعاته ويفيد فهو معتبر وكل شرط لا يمكن مراعاته ولا يفيد فهو هدر وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله تجب مراعاة الشروط في المواضع كلها حتى إن المأمور بالحفظ في بيت معين لا يملك الحفظ في بيت آخر من دار واحدة وجه قوله أن الأصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذي أوقعه فلا يترك هذا الأصل إلا لضرورة ولم توجد وصار كالدارين والجواب نعم إذا تعلقت به عاقبة حميدة فأما إذا خرج مخرج السفه والعبث فلا لأن التعيين عند انعدام التفاوت في الحرز يجري مجرى العبث كما إذا قال احفظ بيمينك ولا تحفظ بشمالك أو احفظ في هذه الزاوية من البيت ولا تحفظ في الزاوية الأخرى فلا يصح التعيين لانعدام الفائدة حتى لو تفاوتا في الحرز يصح بخلاف الدارين والأصل في الدارين اختلاف الحرز فكان التعيين مفيدا حتى لو لم يختلف فالجواب فيها كالجواب في البيتين على ما مر فصل وأما بيان حال الوديعة
فحالها أنها في يد المودع أمانة لأن المودع مؤتمن فكانت الوديعة أمانة في يده ويتعلق بكونها أمانة أحكام منها وجوب الرد عند طلب المالك لقوله تعالى جل شأنه إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها حتى لو حبسها بعد الطلب فضاعت ضمن هذا إذا كانت الوديعة لرجل واحد فأما إذا كانت مشاعا لرجلين فجاء أحدهما وطلب حصته لا يجب عليه الرد بأن أودع رجلان رجلا وديعة دراهم أو دنانير أو ( ( ( وثيابا ) ) ) ثيابا وغاب ثم جاءه أحدهما وطلب بعضها وأبى المستودع ذلك لم يأمره ( ( ( يأمر ) ) ) القاضي بدفع شيء إليه ما لم يحضر الغائب عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يقسم ذلك ويدفع إليه حصته ولا يكون ذلك قسمة جائزة على الغائب بلا خلاف حتى لو هلك الباقي في يد المودع ثم جاء الغائب له أن يشارك صاحبه في المقبوض عندهم جميعا ولو هلك المقبوض في يد القابض ثم جاء الغائب فليس للقابض أن يشارك صاحبه في الباقي وجه قولهما أن الآخذ بأخذ حصته متصرف في ملك نفسه فكان له ذلك من غير حضرة الغائب كما إذا كان لرجلين دين مشترك على رجل فجاء أحدهما وطلب حصته من الدين فإنه يدفع إليه حصته لما قلنا كذا هذا وجه قول أبي حنيفة أن المودع لو دفع شيئا إلى الشريك الحاضر لا يخلو إما أن يدفع إليه من النصيبين جميعا وإما أن يدفع إليه من نصيبه خاصة لا وجه إلى الأول لأن دفع نصيب الغائب إليه ممتنع شرعا ولا سبيل إلى الثاني ولأن نصيبه شائع في كل الألف لكون الألف مشتركة بينهما ولا يتميز ( ( ( تتميز ) ) ) إلا بالقسمة والقسمة على الغائب غير جائزة ولو سلمنا ذلك حتى قالا إذا جاء الغائب وقد هلك الباقي له أن يشارك القابض في المقبوض ولو نفذت القسمة لما شاركه فيه لتميز حقه عن حق صاحبه بالقسمة والقياس على الدين المشترك غير سديد لأن الغريم يدفع نصيب أحد الشركين ( ( ( الشريكين ) ) ) بدفع مال نفسه لا مال شريكه الغائب وهنا يدفع مال الغائب بغير إذنه فلا يستقيم القياس ولو كان في يده ألف درهم فجاءه رجلان وادعى كل واحد منهما أنه أودعه إياها فقال المودع أودعها أحدكما ولست أدري أيكما هو فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما إن اصطلح المتداعيان على أن يأخذا الألف وتكون بينهما وإما إن لم يصطلحا وادعى كل واحد منهما أن الألف له خاصة لا لصاحبه فإن اصطلحا على ذلك فلهما ذلك وليس للمودع أن يمتنع عن تسليم الألف إليهما لأنه أقر أن الألف لأحدهما وإذا اصطلحا على أنها تكون بينهما لا يمنعان عن ذلك وليس لهما أن يستحلفا المودع بعد الصلح وإن لم يصطلحا وادعى كل واحد منهما أن الألف له لا يدفع إلى أحدهما شيئا لجهالة المقر له بالوديعة ولكل واحد منهما أن يستحلف المودع فإن استحلفه كل واحد منهما فالأمر لا يخلو إما أن يحلف لكل واحد منهما وإما أن ينكل لكل واحد منهما وإما أن يحلف لأحدهما وينكل للآخر فإن حلف لهما فقد انقطعت خصومتهما للحال إلى وقت إقامة البينة كما في سائر الأحكام وهل يملكان الاصطلاح على أخذ الألف بينهما بعد الاستحلاف فهو على الاختلاف المعروف ( ( ( والمعروف ) ) ) بين أبي حنيفة وأبي يوسف وبين محمد على قولهما لا يملكان وعلى قول محمد يملكان وهي مسألة الصلح بعد الحلف وقد مرت في كتاب الصلح وإن نكل لهما يقضى بالألف بينهما نصفين ويضمن ألفا أخرى بينهما فيحصل لكل واحد منهما ألف كاملة لأن كل واحد منهما يدعي أن كل الألف له فإذا نكل له والنكول بذل أو إقرار فكأنه بذل لكل واحد منهما ألفا أو أقر لكل واحد منهما بألف فيقضى عليه بينهما بألف ويضمن أيضا ألفا أخرى تكون بينهما ليحصل لكل واحد منهما ألف كاملة
ولو حلف لأحدهما ونكل للآخر قضى بالألف للذي نكل له ولا شيء للذي حلف له لأن النكول حجة من نكل له لا حجة من حلف له ومنها وجوب الأداء إلى المالك لأن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها وأهلها مالكها حتى لو ردها إلى منزل المالك فجعلها فيه أو دفعها إلى من هو في عيال المالك دخلت في ضمانه حتى لو ضاعت يضمن بخلاف العارية فإن المستعير لو جاء بمتاع العارية وألقاها في دار المعير أو جاء بالدابة فأدخلها في إصطبله كان ردا صحيحا لأن ظاهر النص الذي تلونا أن لا يصح إلا أنها صارت مخصوصة عن عموم الآيات فبقيت الوديعة على ظاهره ولأن القياس في الموضعين ما ذكرنا من لزوم الرد إلى المالك إلا أنا استحسنا في العارية للعادة الجارية فيها بردها إلى بيت المالك أو بدفعها إلى من في عياله حتى لو كانت العارية شيئا نفيسا كعقد جوهر ونحو ذلك لا يصح الرد لانعدام جريان العادة بذلك في الأشياء النفيسة ولم تجر به العادة في مال الوديعة فتبقى على أصل القياس ولأن مبنى الإيداع على الستر والإغفاء عادة فإن الإنسان إنما يودع مال غيره سرا عن الناس لما يتعلق به من المصلحة فلو رده على غير المالك لانكشف إذ السر إذا جاوز اثنين يفشو فيفوت المعنى المجعول له الإيداع بخلاف العارية لأن مبناها على الإعلان والإظهار لأنها شرعت لحاجة المستعير إلى استعمالها في حوائجه ولا يمكنه الاستعمال سرا عن الناس عادة والرد إلى غير المالك لا يفوت ما شرع ( ( ( شرعت ) ) ) له العارية فهو الفرق ومنها أنه إذا ضاعت في يد المودع بغير صنعه لا يضمن لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس على المستعير غير المغل الضمان ولا على المستودع غير المغل الضمان ولأن يده يد المالك فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك وكذلك إذا دخلها نقص لأن النقصان هلاك بعض الوديعة وهلاك الكل لا يوجب الضمان فهلاك البعض أولى ومنها أن المودع مع المودع إذا اختلفا فقال المودع هلكت أو قال رددتها إليك وقال المالك بل استهلكتها فالقول قول المودع لأن المالك يدعي على الأمين أمرا عارضا وهو التعدي والمودع مستصحب لحال الأمانة فكان متمسكا بالأصل فكان القول قوله لكن مع اليمين لأن التهمة قائمة فيستحلف دفعا للتهمة وكذلك إذا قال المودع استهلكت من غير أذني وقال المودع بل استهلكتها أنت أو غيرك بأمرك أن القول قول المودع لما قلنا ولو قال إنها قد ضاعت ثم قال بعد ذلك بل كنت رددتها إليك لكني أوهمت لم يصدق وهو ضامن لأنه نفى الرد بدعوى الهلاك ونفى الهلاك بدعوى الرد فصار نافيا ما أثبته مثبتا ما نفاه وهذا تناقض فلا تسمع منه دعوى الضياع والرد لأن المناقض لا قول له ولأنه لما ادعى دعوتين وأكذب نفسه في كل واحدة منهما فقد ذهبت أمانته فلا يقبل قوله فصل وأما بيان ما يغير حال المعقود عليه من الأمانة إلى الضمان فأنواع منها ترك الحفظ لأنه بالعقد التزم حفظ الوديعة على وجه لو ترك حفظها حتى هلكت يضمن بدلها وذلك بطريق الكفالة ولهذا لو رأى إنسانا يسرق الوديعة وهو قادر على منعه ضمن لترك الحفظ الملتزم بالعقد وهو معنى قول مشايخنا إن المودع يؤخذ بضمان العقد ومنها ترك الحفظ للمالك بأن خالفه في الوديعة بأن كانت الوديعة ثوبا فلبسه أو دابة فركبها أو عبدا فاستعمله أو أودعها من ليس في عياله ولا هو ممن يحفظ ماله بيده عادة لأن الملتزم بالعقد هو الحفظ للمالك فإذا حفظ لنفسه فقد ترك الحفظ للمالك فدخلت في ضمانه
وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهنداوي ( ( ( الهندواني ) ) ) أنه منع دخول العين في ضمانه في المناظرة حين قدم بخارى وسأل ( ( ( وسئل ) ) ) عن هذه المسألة وهذا خلاف إطلاق الكتاب فإنه قال يبرأ عن الضمان والبراءة عن الضمان بعد الدخول في الضمان تكون وكذلك المودع مع المودع إذا اختلفا فقال المودع هلكت الوديعة أو رددتها إليك وقال المالك استهلكتها إن كانت قبل الخلاف فالقول قول المودع وإن كان بعده فالقول قول المالك ونحو ذلك مما يدل على دخول الوديعة في ضمانه بالخلاف وإن خالف في الوديعة ثم عاد الوفاق يبرأ عن الضمان عند علمائنا الثلاثة وعند زفر والشافعي لا يبرأ عن الضمان وجه قولهما أن الوديعة لما دخلت في ضمان المودع بالخلاف فقد ارتفع العقد فلا يعود إلا بالتجديد ولم يوجد فصار كما لو جحد الوديعة ثم أقر بها وكذلك المستعير والمستأجر إذا خالفا ثم عادا ( ( ( عاد ) ) ) إلى الوفاق لا يبرآن عن الضمان لما قلنا كذا هذا ولنا أنه بعد الخلاف مودع والمودع إذا هلكت الوديعة من غير صنعه لا ضمان عليه كما قبل الخلاف ودلالة أنه بعد الخلاف مودع أن المودع من يحفظ مال غيره له بأمره وهو بعد الخلاف والاشتغال بالحفظ حافظ مال المالك له بأمره لأن الأمر تناول ما بعد الخلاف قوله الوديعة دخلت في ضمان المودع فيرتفع العقد قلنا معنى الدخول في ضمان المودع أنه انعقد سبب وجوب الضمان موقوفا وجوبه على وجود شرطه وهو الهلاك في حالة الخلاف لكن هذا لم يوجب ارتفاع العقد أليس أن من وكل إنسانا ببيع ( ( ( يبيع ) ) ) عبده بألفي درهم فباعه بألف وسلمه إلى المشتري دخل العبد في ضمانه لانعقاد سبب وجوب الضمان وهو تسليم مال الغير إلى غيره من غير إذنه ومع ذلك بقي العقد حتى لو أخذه كان له بيعه بألفين كذا هذا على أنا إن سلمنا أن العقد انفسخ لكن في قدر ما فات وحكمه من حقه وهو الحفظ الملتزم للمالك في زمان الخلاف لا فيما بقي في المستقبل كما إذا استحفظه بأجر كل شهر بكذا وترك الحفظ في بعض الشهر ثم اشتغل به في الباقي بقي العقد في الباقي يستحق الأجرة بقدره والجامع بينهما أن الارتفاع لضرورة فوات حكم العقد فلا يظهر إلا في قدر الفائت بخلاف الإجارة والإعارة لأن الإجارة تمليك المنفعة وهي تمليك منافع مقدرة بالمكان أو الزمان فإذا بلغ المكان المذكور فقد انتهى العقد لانتهاء حكمه فلا يعود إلا بالتجديد وكذا الإعارة لأنها تمليك المنفعة عندنا إلا أنها تمليك المنفعة بغير عوض والإجارة تمليك المنفعة بعوض وأما حكم عقد الوديعة فلزوم الحفظ للمالك مطلقا أو شهرا أو ( ( ( وزمان ) ) ) زمان ما بعد الخلاف داخل في المطلق والوقت فلا ينقضي بالخلاف بل يتقرر فهو الفرق ومنها جحود الوديعة في وجه المالك عند طلبه حتى لو قامت البينة على الإيداع أو نكل المودع عن اليمين أو أقر به دخلت في ضمانه لأن العقد لما ظهر بالحجة فقد ظهر ارتفاعه بالجحود أو عنده لأن المالك لما طلب منه الوديعة فقد عزله عن الحفظ والمودع لما جحد الوديعة حال حضرة المالك فقد عزل نفسه عن الحفظ فانفسخ العقد فبقي مال الغير في يده بغير إذنه فيكون مضمونا عليه فإذا هلك تقرر الضمان ولو جحد الوديعة ثم أقام البينة على هلاكها فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه إما إن أقام البينة على أنها هلكت بعد الجحود أو قبل الجحود أو مطلقا فإن أقام البينة على أنها هلكت بعد الجحود أو مطلقا لا ينتفع ببينته لأن العقد ارتفع بالجحود أو عنده فدخلت العين في ضمانه والهلاك بعد ذلك يقرر الضمان لا أن يسقطه
وإن أقام البينة على أنها هلكت قبل الجحود تسمع بينته ولا ضمان عليه لأن الهلاك قبل الجحود لما ثبت بالبينة فقد ظهر انتهاء العقد قبل الجحود فلا يرتفع بالجحود فظهر أن الوديعة هلكت من غير صنعه فلا يضمن ولو ادعى الهلاك قبل الجحود ولا بينة له وطلب اليمين من المودع حلفه القاضي بالله تعالى ما لم يعلم أنها هلكت قبل جحوده لأنه الأصل في باب الاستحلاف أن الذي يستحلف عليه لو كان أمرا لو أقر به الحالف للزمه فإذا أنكر يستحلف وهنا كذلك لأن المالك لو أقر بالهلاك قبل الجحود لقبل منه ويسقط الضمان عن المودع فإذا أنكر يستحلف لكن على العلم لأنه يستحلف على فعل غيره هذا إذا جحد حال حضرة المالك فإن جحد عند غير المالك حال غيبته قال أبو يوسف لا يضمن وقال زفر رحمه الله يضمن في الحالين جميعا وجه قول زفر أن ما هو سبب وجوب الضمان لا يختلف بالحضرة والغيبة كسائر الأسباب وجه قول أبي يوسف أن الجحود سبب للضمان من حيث إنه يرفع العقد بالعزل على ما بينا ولا يصح العزل حالة الغيبة فلا يرتفع العقد ولأن الجحود عند غير المالك حال غيبته معدود من باب الحفظ والصيانة عرفا وعادة لأن مبنى الإيداع على الستر والإخفاء فكان الجحود عند غير المالك حال غيبته حفظا معنى فكيف يكون سببا لوجوب الضمان ومنها الإتلاف حقيقة أو معنى وهو إعجاز المالك عن الانتفاع بالوديعة لأن إتلاف مال الغير بغير إذنه سبب لوجوب الضمان حتى لو طلب الوديعة فمنعها المودع مع القدرة على الدفع والتسليم إليه حتى هلكت يضمن لأنه لما حبسها عنه عجز عن الانتفاع بها للحال فدخلت في ضمانه فإذا هلكت تقرر العجز فيجب الضمان ولو أمر غيره بالإتلاف وادعى أنه كان بإذن المالك لا يصدق إلا ببينة لأن الإتلاف سبب لوجوب الضمان في الأصل وقوله كان بإذن المالك دعوى أمر عارض فلا تقبل إلا بحجة وكذلك المودع إذا خلط الوديعة بماله خلطا لا يتميز يضمن لأنه إذا كان لا يتميز فقد عجز المالك من الانتفاع بالوديعة فكان الخلط منه إتلاف ( ( ( إتلافا ) ) ) فيضمن ويصير ملكا بالضمان وإن مات كان ذلك لجميع الغرماء والمودع أسوة الغرماء فيه ولو اختلطت بماله بنفسها من غير صنعه لا يضمن وهو شريك لصاحبها أما عدم وجوب الضمان فلانعدام الإتلاف منه بل تلفت بنفسها لانعدام الفعل من جهته وأما كونه شريكا لصاحبها فلوجود ( ( ( فلوجوده ) ) ) معنى الشركة وهو اختلاط الملكين ولو أودعه رجلان كل واحد منهما ألف درهم فخلط المودع المالين خلطا لا يتميز فلا سبيل لهما على أخذ الدراهم ويضمن ( ( ( يضمن ) ) ) المودع لكل واحد منهما ألفا ويكون المخلوط له وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد هما بالخيار إن شاءا اقتسما المخلوط نصفين وإن شاءا ضمنا المودع ألفين وعلى هذا الخلاف سائر المكيلات والموزونات إذاخلطا الجنس بالجنس خلطا لا يتميز كالحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والدهن بالدهن وجه قولهما إن الوديعة قائمة بعينها لكن عجز المالك عن الوصول إليها بعارض الخلط فإن شاءا اقتسما لاعتبار جهة القيام وإن شاءا ضمنا لاعتبار جهة العجز وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أنه لما خلطهما خلطا لا يتميز فقد عجز كل واحد منهما عن الانتفاع بالمخلوط فكان الخلط منه إتلاف الوديعة عن كل واحد منهما فيضمن ولهذا يثبت اختيار التضمين عندهما واختيار التضمين لا يثبت إلا بوجود الإتلاف دل أن الخلط منه وقع إتلافا
ولو أودعه رجل حنطة وآخر شعيرا فخلطهما فهو ضامن لكل واحد منهما مثل حقه عند أبي حنيفة لأن الخلط إتلاف وعندهما لهما أن يأخذا العين ويبيعاها ويقتسما الثمن على قيمة الحنطة مخلوطا بالشعير وعلى قيمة الشعير غير مخلوط بالحنطة لأن قيمة الحنطة تنقص بخلط الشعير وهو يستحق الثمن لقيام الحق في العين وهو مستحق العين بخلاف قيمة الشعير لأن قيمة الشعير تزداد بالخلط بالحنطة وتلك الزيادة ملك الغير فلا يستحقها صاحب الشعير ولو أنفق المودع بعض الوديعة ضمن قدر ما أنفق ولا يضمن الباقي لأنه لم يوجد منه إلا إتلاف قدر ما أنفق ولو رد مثله فخلطه بالباقي يضمن الكل لوجود إتلاف الكل منه النصف بالإتلاف والنصف الباقي بالخلط لكون الخلط إتلافا على ما بينا ولو أخذ بعض دراهم الوديعة لينفقها فلم ينفقها ثم ردها إلى موضعها بعد أيام فضاعت لا ضمان عليه عندنا وعند الشافعي رحمه الله يضمن وجه قوله أنه أخذها على وجه التعدي فيضمن كما لو انتفع بها ولنا أن نفس الأخذ ليس بإتلاف ونية الإتلاف ليس ( ( ( ليست ) ) ) بإتلاف فلا توجب الضمان والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تبارك وتعالى عز شأنه عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يفعلوا ظاهر الحديث يقتضي أن يكون ما حدثت به النفس عفوا على العموم إلا ما خص بدليل وعلى هذا الخلاف إذا أودعه كيسا مسدودا فحله المستودع أو صندوقا مقفلا ففتح القفل ولم يأخذ منه شيئا حتى ضاع أو مات المودع فإن كانت الوديعة قائمة بعينها ترد على صاحبها لأن هذا عين ماله ومن وجد عين ماله فهو أحق به على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانت لا تعرف بعينها فهي دين في تركته يحاص الغرماء لأنه لما مات مجهلا للوديعة فقد أتلفها معنى لخروجها من أن تكون ( ( ( يكون ) ) ) منتفعا به ( ( ( بها ) ) ) في حق المال ( ( ( المالك ) ) ) بالتجهيل وهو تفسير الإتلاف ولو قالت الورثة إنها هلكت أو ردت على المالك لا يصدقون على ذلك لأن الموت مجهلا سبب لوجوب الضمان لكونه إتلافا فكان دعوى الهلاك والرد دعوى أمر عارض فلا يقبل إلا بحجة ويحاص المودع الغرماء لأنه دين الاستهلاك على ما ذكرنا فيساوي دين الصحة والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب العارية الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ركن العارية وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم العقد وفي بيان ما يملكه المستعير من التصرف في المستعار وما لا يملكه وفي بيان صفة الحكم وفي بيان حال المستعار وفي بيان ما يوجب تغير حاله أما ركنها فهو الإيجاب من المعير وأما القبول من المستعير فليس بركن عند أصحابنا الثلاثة استحسانا والقياس أن يكون ركنا وهو قول زفر كما في الهبة حتى إن من حلف لا يعير فلانا فأعاره ولم يقبل يحنث كما إذا حلف لا يهب فلانا شيئا فوهبه ولم يقبل وهي مسألة كتاب الهبة والإيجاب هو أن يقول أعرتك هذا الشيء أو منحتك هذا الثوب أو هذه الدار أو أطعمتك هذه الأرض أو هذه الأرض لك طعمة أو أخدمتك هذا العبد أو هذا العبد لك خدمة أو حملتك على هذه الدابة إذا لم ينو به الهبة أو داري لك سكنى أو داري لك عمرى سكنى أما لفظ الإعارة فصريح في بابها وأما المنحة فهي اسم للعطية التي ينتفع الإنسان بها زمانا ثم يردها على صاحبها وهو معنى العارية قال النبي عليه السلام المنحة مردودة ومنحة الأرض زراعتها قال النبي عليه الصلاة والسلام ازرعها أو امنحها أخاك وكذا الإطعام المضاف إلى الأرض هو إطعام منافعها التي تحصل منها بالزراعة من غير عوض عرفا وعادة وهو معنى العارية
وأما إخدام العبد إياه فجعل خدمته بغير عوض وهو تفسير العارية وكذا قوله داري لك سكنى أو عمرى سكنى هو جعل سكنى الدار له من غير عوض وسكنى الدار منفعتها المطلوبة منها عادة فقد أتى بمعنى الإعارة وأما قوله حملتك على هذه الدابة فإنه يحتمل الإعارة والهبة فأي ذلك نوى فهو على ما نوى لأنه نوى ما يحتمل لفظه وعند الإطلاق ينصرف إلى العارية لأنها أدنى فكان الحمل عليها أولى ولو قال داري لك رقبى أو حبس فهو عارية عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف هبة وقوله رقبى أو حبس باطل وهي مسألة كتاب الهبة فصل وأما الشرائط التي يصير الركن بها إعارة شرعا فأنواع منها العقل فلا تصح الإعارة من المجنون والصبي الذي لا يعقل وأما البلوغ فليس بشرط عندنا حتى تصح الإعارة من الصبي المأذون لأنها من توابع التجارة وأنه يملك التجارة فيملك ما هو من توابعها وعند الشافعي لا يملك وهي مسألة كتاب المأذون وكذا الحرية ليست بشرط فيملكها العبد المأذون لأنها من توابع التجارة فيملك بملك ذلك ومنها القبض من المستعير لأن الإعارة عقد تبرع فلا يفيد الحكم بنفسه بدون القبض كالهبة ومنها أن يكون المستعار مما يمكن الانتفاع بدون استهلاكه فإن لم يكن لا تصح إعارته لأن حكم العقد ثبت في المنفعة لا في العين إلا إذا كانت ملحقة بالمنفعة على ما نذكره في موضعه فصل وأما بيان حكم العقد فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان أصل الحكم والثاني في بيان صفته أما الأول فهو ملك المنفعة للمستعير بغير عوض أو ما هو ملحق بالمنفعة عرفا وعادة عندنا وعند الشافعي إباحة المنفعة حتى يملك المستعير الإعارة عندنا في الجملة كالمستأجر يملك الإجارة وعنده لا يملكها أصلا كالمباح له الطعام لا يملك الإباحة من غيره وجه قول الشافعي دلالة الإجماع والمعقول أما الإجماع فلجواز العقد من غير أجل ولو كان تمليك المنفعة لما جاز من غير أجل كالإجارة وكذا المستعير لا يملك أن يؤجر العارية ولو ثبت الملك له في المنفعة لملك كالمستأجر وأما المعقول فهو أن القياس يأبى تمليك المنفعة لأن بيع المعدوم لانعدام المنفعة حالة العقد والمعدوم لا يحتمل البيع لأنه بيع ما ليس عند الإنسان وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه إلا أنها جعلت موجودة عند العقد في باب الإجارة حكما للضرورة ولا ضرورة إلى الإعارة فبقيت المنافع فيها على أصل العدم ولنا أن المعير سلطه على تحصيل المنافع وصرفها إلى نفسه على وجه زالت يده عنها والتسليط على هذا الوجه يكون تمليكا لا إباحة كما في الأعيان وإنما صح من غير أجل لأن بيان الأجل للتحرز عن الجهالة المفضية إلى المنازعة والجهالة في باب العارية لا تفضي إلى المنازعة لأنها عقد جائز غير لازم ولهذا المعنى لا يملك الإجارة لأنها عقد لازم الإعارة ( ( ( والإعارة ) ) ) عقد غير لازم فلو ملك الإجارة لكان فيه إثبات صفة اللزوم بما ليس بلازم أو سلب صفة اللزوم عن اللازم وكل ذلك باطل وقوله المنافع منعدمة عند العقد قلنا نعم لكن هذا لا يمنع جواز العقد كما في الإجارة وهذا لأن العقد الوارد على المنفعة عندنا عقد مضاف إلى حين وجود المنفعة فلا ينعقد في حق الحكم إلا عند وجود المنفعة شيئا فشيئا على حسب حدوثها فلم يكن بيع المعدوم ولا بيع ما ليس عند الإنسان
وعلى هذا تخرج إعارة الدراهم والدنانير أنها تكون قرضا لا إعارة لأن الإعارة لما كانت تمليك المنفعة أو إباحة المنفعة على اختلاف الأصلين ولا يمكن الانتفاع إلا باستهلاكها ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتصرف في العين لا في المنفعة ولا يمكن تصحيحا إعارة حقيقية فتصحح قرضا مجازا لوجود معنى الإعارة فيه حتى لو استعار حليا ليتجمل به صح لأنه يمكن الانتفاع به من غير استهلاك بالتجمل فأمكن العمل بالحقيقة فلا ضرورة إلى الحمل على المجاز وكذا إعارة كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه كالمكيلات والموزونات يكون قرضا لا إعارة لما ذكرنا أن محل حكم الإعارة المنفعة لا بالعين إلا إذا كان ملحقا بالمنفعة عرفا وعادة كما إذا منح إنسانا شاتا ( ( ( شاة ) ) ) أو ناقة لينتفع بلبنها ووبرها مدة ثم يردها على صاحبها لأن ذلك محدود ( ( ( معدود ) ) ) من المنافع عرفا وعادة فكان له حكم المنفعة وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام هل من أحد يمنح من إبله ناقة أهل بيت لا در لهم وهذا يجري مجرى الترغيب كمن منح منحة ورق أو منحة لبس كان له بعدل رقبة وكذا لو منح جديا أو عناقا كان عارية لأنه يعرض أن ينتفع بلبنه وصوفه ويتصل بهذا الفصل بيان ما يملكه المستعير من التصرف في المستعار وما لا يملكه فنقول وبالله التوفيق جملة الكلام فيه أن عقد الإعارة لا يخلو من أحد وجهين أما إن كان مطلقا وأما إن كان مقيدا فإن كان مطلقا بأن أعار دابته إنسانا ولم يسم مكانا ولا زمانا ولا الركوب ولا الحمل فله أن يستعملها في أي مكان وزمان شاء وله أن يركب أو يحمل لأن الأصل في المطلق أن يجري على إطلاقه وقد ملكه منافع العارية مطلقا فكان له أن يستوفيها على الوجه الذي ملكها إلا أنه لا يحمل عليها ما يعلم أن مثلها لا يطيق بمثل هذا الحمل ولا يستعملها ليلا ونهارا ما لا يستعمل مثلها من الدواب لذلك عادة حتى لو فعل فعطبت يضمن لأن العقد وإن خرج مخرج الإطلاق لكن المطلق يتقيد بالعرف والعادة دلالة كما يتقيد نصا وله أن يعير العارية عندنا سواء كانت العارية مما يتفاوت في استيفاء المنفعة أو لا لأن إطلاق العقد يقتضي ثبوت الملك للمستعير فكان هو في التمليك من غيره على الوجه الذي ملكه متصرفا في ملك نفسه إلا أنه لا يملك الإجارة لما قلنا فإن آجر وسلم إلى المستأجر ضمن لأنه دفع مال الغير إليه بغير إذنه فصار غاصبا فإن شاء ضمنه وإن شاء ضمن المستأجر لأنه قبض مال الغير بغير إذنه كالمشتري من الغاصب إلا أنه إذا ضمن المستعير لا يرجع بالضمان على المستأجر لأنه ملكه بأداء الضمان فتبين أنه آجر ملك نفسه وإن ضمن المستأجر فإن كان عالما بكونها عارية في يده لا يرجع على المستعير وإن لم يكن عالما بذلك يرجع عليه لأنه إذا لم يعلم به فقد صار مغرورا من جهة المستعير فيرجع عليه بضمان الغرور وهو ضمان الكفالة في الحقيقة وإذا كان عالما لم يصر مغرورا من جهته فلا يرجع عليه وهل يملك الإيداع اختلف المشايخ فيه قال مشايخ العراق يملك وهو قول بعض مشايخنا لأنه يملك الإعارة فالإيداع أولى لأنها دون الإعارة وقال بعضهم لا يملك استدلالا بمسألة مذكورة في الجامع الصغير وهي أن المستعير إذا رد العارية على يد أجنبي ضمن ومعلوم أن الرد على يده إيداع إياه ولو ملك الإيداع لما ضمن وإن كان مقيدا فيراعى فيه القيد ما أمكن لأن أصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذي تصرف إلا إذا لم يمكن ( ( ( يكن ) ) ) اعتباره لعدم الفائدة ونحو ذلك فلغا الوصف لأن ذلك يجري مجرى العبث ثم إنما يراعى القيد فيما دخل لا فيما لم يدخل لأن المطلق إذا قيد ببعض الأوصاف يبقى مطلقا فيما وراءه فيراعى عند الإطلاق فيما وراءه
بيان هذه الجملة في مسائل إذا أعار إنسانا دابة على أن يركبها المستعير بنفسه ليس له أن يعيرها من غيره وكذلك إذا أعاره ثوبا على أن يلبسه بنفسه لما ذكرنا أن الأصل في المقيد اعتبار القيد فيه إلا إذا تعذر اعتباره واعتبار هذا القيد ممكن لأنه مقيد لتفاوت الناس في استعمال الدواب والثياب ركوبا ولبسا فلزم اعتبارالقيد فيه فإن فعل حتى هلك ضمن لأنه خالف وإن ركب بنفسه وأردف غيره فعطبت فإن كانت الدابة مما تطيق حملهما جميعا يضمن نصف قيمة الدابة لأنه لم يخالف إلا في قدر النصف وإن كانت الدابة مما لا تطيق حملهما ضمن جميع قيمتها لأنه استهلكها ولو أعاره دارا ليسكنها بنفسه فله أن يسكنها غيره لأن المملوك بالعقد السكنى والناس لا يتفاوتون فيه عادة فلم يكن التقييد بسكناه مفيدا فيلغو إلا إذا كان الذي يسكنها إياه حدادا أو قصارا ونحوهما ممن يوهن عليه البناء فليس له أن يسكنها إياه ولا أن يعمل بنفسه ذلك لأن المعير لا يرضى به عادة والمطلق يتقيد بالعرف والعادة كمافي الإجارة ولو أعاره دابة على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم شعير فليس له أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة لأن الحنطة أثقل من الشعير فكان اعتبار القيد مفيدا فيعتبر ولو أعارها على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فله أن يحمل عليها عشرة مخاتيم شعير ( ( ( شعيرا ) ) ) أو دخنا أو أرزا أو غير ذلك مما يكون مثل الحنطة أو أخف منها استحسانا والقياس أن لا يكون له ذلك حتى إنها لو عطبت لا يضمن استحسانا والقياس وأن يضمن وهو قول زفر لأنه خالف وجواب الاستحسان أن هذا وإن كان خلافا صورة فليس بخلاف معنى لأن المالك يكون راضيا به دلالة فلم يكن التقييد بالحنطة مفيدا وصار كما لو شرط عليه أن يحمل عليها عشرة مخاتيم من حنطة نفسه فحمل عليها عشرة مخاتيم من حنطة غيره فإنه لا يكون مخالفا حتى لا يضمن كذا هذا ولو قال على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة ليس له أن يحمل عليها حطبا أو تبنا أو آجرا فحمل عليها من الحنطة زيادة على المسمى في القدر فعطبت نظر في ذلك فإن كانت الزيادة مما لا تطيق الدابة حملها يضمن جميع قيمتها لأن حمل ما لا تطيق الدابة إتلاف للدابة وإن كانت الدابة مما تطيق حملها يضمن من قيمتها قدر الزيادة حتى لو قال على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فحمل عليها أحد عشر مختوما فعطبت يضمن جزأ من أحد عشر جزأ من قيمتها لأنه لم يتلف منها إلا هذا القدر ولو قيدها بالمكان بأن قال على أن تستعملها في مكان كذا في المصر يتقيد به وله أن يستعملها في أي وقت شاء بأي شيء شاء لأن التقييد لم يوجد إلا بالمكان فبقي مطلقا فيما وراءه لكنه لا يملك أن يجاوز ذلك المكان حتى لو جاوزه دخل في ضمانه ولو أعادها إلى المكان المأذون لا يبرأ عن الضمان حتى لو هلكت من قبل التسليم إلى المالك يضمن وهذا قول أبي حنيفة عليه الرحمة الآخر وكان يقول أولا يبرأ عن الضمان كالمودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق ثم رجع ووجه الفرق بين العارية والوديعة قد ذكرناه في كتاب الوديعة وكذلك لو قيدها بالزمان بأن قال على أن يستعملها يوما يبقى مطلقا فيما وراءه لكنه يتقيد بالزمان حتى لو مضى اليوم ولم يردها على المالك حتى هلكت يضمن لما قلنا وكذلك لو قيدها بالحمل وكذلك لو قيدها بالاستعمال بأن قال على أن يستعملها حتى لو أمسكها ولم يستعملها حتى هلكت يضمن لأن الإمساك منه خلاف فيوجب الضمان ولو اختلف المعير أو المستعير في الأيام أو المكان أو فيما يحمل عليها فالقول قول المعير لأن المستعير يستفيد ملك الانتفاع من المعير فكان القول في المقدار والتعيين قوله لكن مع اليمين دفعا للتهمة فصل وأما صفة الحكم
فهي أن الملك الثابت للمستعير ملك غير لازم لأنه ملك لا يقابله عوض فلا يكون لازما كالملك الثابت بالهبة فكان للمعير أن يرجع في العارية سواء أطلق العارية أو وقت لها وقتا وعلى هذا إذا استعار من آخر أرضا ليبني عليها أو ليغرس فيها ثم بدا للمالك أن يخرجه فله ذلك سواء كانت العارية مطلقة أو مؤقتة لما قلنا غير أنها إن كانت مطلقة له أن يجبر المستعير على قلع الغرس ونقض البناء لأن في الترك ضررا بالمعير لأنه لا نهاية له وإذا قلع ونقض لا يضمن المعير شيئا من قيمة الغرس والبناء لأنه لو وجب عليه الضمان لوجب بسبب الغرور ولا غرور من جهته حيث أطلق العقد ولم يوقت فيه وقتا فأخرجه قبل الوقت بل هو الذي غرر نفسه حيث حمل المطلق على الأبد وإن كانت موقتة فأخرجه قبل الوقت لم يكن له أن يخرجه ولا يجبر على النقض والقلع والمستعير بالخيار إن شاء ضمن صاحب الأرض قيمة غرسه وبنائه قائما سليما وترك ذلك عليه لأنه لما وقت للعارية وقتا ثم أخرجه قبل الوقت فقد غره فصار كفيلا عنه فيما يلزمه من العهدة إذ ضمان الغرور كفالة فكان له أن يرجع عليه بالضمان ويملك صاحب الأرض البناء والغرس بأداء الضمان لان هذا حكم المضمونات أنها تملك بأداء الضمان وإن شاء أخذ غرسه وبناءه ولا شيء على صاحب الأرض ثم إنما يثبت خيار القلع والنقض للمستعير إذا لم يكن القلع أو النقض مضرا بالأرض فإن كان مضرا بها فالخيار للمالك لأن الأرض أصل والبناء والغرس تابع لها فكان الملك ( ( ( المالك ) ) ) صاحب أصل والمستعير صاحب تبع فكان إثبات الخيار لصاحب الأصل أولى إن شاء أمسك الغرس والبناء بالقيمة وإن شاء رضي بالقلع والنقض هذا إذا استعار أرضا للغرس أو البناء فأما إذا استعار أرضا للزراعة فزرعها ثم أراد صاحب الأرض أن يأخذها لم يكن له ذلك حتى يحصد الزرع بل يترك في يده إلى وقت الحصاد بأجر المثل استحسانا في القياس أن يكون له ذلك كما في البناء والغرس ووجه الفرق للاستحسان أن النظر من الجانبين ورعاية الحقين واجب عند الإمكان وذلك ممكن في الزرع لأن إدراك الزرع له وقت معلوم فيمكن النظر من الجانبين جانب المستعير لا شك فيه وجانب المالك بالترك إلى وقت الحصاد بالأجر ولا يمكن في الغرس والبناء لأنه ليس لذلك وقت معلوم فكان مراعاة صاحب الأصل أولى وقالوا في باب الإجارة إذا انقضت المدة والزرع بقل لم يستحصد أنه يترك في يد المستأجر إلى وقت الحصاد بأجر المثل كما في العارية لما قلنا بخلاف باب الغصب لأن الترك للنظر والغاصب جان فلا يستحق النظر بل يجبر على القلع فصل وأما بيان حال المستعار فحاله أنه أمانة في يد المستعير في حال الاستعمال بالإجماع فأما في غير حال الاستعمال فكذلك عندنا وعند الشافعي رحمه الله مضمون واحتج بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان درعا يوم حنين فقال صفوان أغصبا يا محمد فقال عليه الصلاة والسلام بل عارية مضمونة ولأن العين مضمونة الرد حال قيامها فكانت مضمونة القيمة حال هلاكها كالمغصوب وهذا لأن العين اسم للصورة والمعنى وبالهلاك أن عجز عن رد الصورة لم يعجز عن رد المعنى لأن قيمة الشيء معناه فيجب عليه رده بمعناه كما في الغصب ولأنه قبض مال الغير لنفسه فيكون مضمونا عليه كالمقبوض على سوم الشراء ولنا أنه لم يوجد من المستعير سبب وجوب الضمان فلا يجب عليه الضمان كالوديعة والإجارة وإنما قلنا ذلك لأن الضمان لا يجب على المرء بدون فعله وفعله الموجود منه ظاهرا هو العقد والقبض وكل واحد منهما لا يصلح سببا لوجوب الضمان أما العقد فلأنه عقد تبرع بالمنفعة تمليكا أو إباحة على اختلاف الأصلين
وأما القبض فلوجهين أحدهما إن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح سببا لوجوب الضمان فبالإذن أولى وهذا لأن قبض مال الغير بغير إذنه هو إثبات اليد على مال الغير وحفظه وصيانته عن الهلاك وهذا إحسان في حق المالك قال الله تبارك وتعالى جل شأنه هل جزاء الإحسان إلا الإحسان وقال تبارك وتعالى ما على المحسنين من سبيل دل أن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح سببا لوجوب الضمان فمع الإذن أولى الثاني ( ( ( والثاني ) ) ) إن القبض المأذون فيه لا يكون تعديا لأنه لا يفوت يد المالك ولا ضمان إلا على المتعدي قال الله تبارك وتعالى فلا عدوان إلا على الظالمين بخلاف قبض الغصب وأما الاستدلال بضمان الرد قلنا إن وجب عليه رد العين حال قيامها لم يجب عليه رد القيمة حال هلالكها ( ( ( هلاكها ) ) ) وقوله قيمتها معناها قلنا ممنوع وهذا لأن القيمة هي الدراهم والدنانير والدراهم والدنانير عين أخرى لها صورة ومعنى غير العين الأولى فالعجز عن رد أحد العينين لم يوجب رد العين الأخرى وفي باب الغصب لا يجب عليه ضمان القيمة بهذا الطريق بل بطريق آخر وهو إتلاف المغصوب معنى لما علم وهنا لم يوجد حتى ولو وجد يجب الضمان ثم نقول إنما وجب عليه ضمان الرد لأن العقد متى انتهى بانتهاء المدة أو بالطلب بقي العين في يده كالمغصوب والمغصوب مضمون الرد حال قيامه ومضمون القيمة حال هلاكه وعندنا إذا هلكت في تلك الحالة ضمن وأما قوله قبض مال الغير لنفسه فنعم لكن قبض مال الغير لنفسه بغير إذنه لا يصلح سببا لوجوب الضمان لما ذكرنا فمع الإذن أولى والمقبوض على سوم الشراء غير مضمون بالقبض بل بالعقد بطريق التعاطي بشرط الخيار الثابت دلالة لما علم ولا حجة له في حديث صفوان لأن الرواية قد اختلفت فقد روي أنه هرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فأمنه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد حنينا فقال هل عندك شيء من السلاح فقال عارية أو غصبا فقال عليه الصلاة والسلام عارية فأعاره ولم يذكر فيه الضمان والحادثة حادثة واحدة مرة واحدة فلا يكون الثابت إلا إحداهما فتعارضت الروايتان فسقط الاحتجاج مع ما أنه إن ثبت فيحتمل ضمان الرد وبه نقول فلا يحمل على ضمان الغير مع الاحتمال يؤيد ما قلنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال العارية مؤداة فصل وأما بيان ما يوجب تغير حالها فالذي يغير حال المستعار من الأمانة إلى الضمان ما هو المغير حال الوديعة وهو الإتلاف حقيقة أو معنى بالمنع بعد الطلب أو بعد انقضاء المدة وبترك الحفظ وبالخلاف حتى لو حبس العارية بعد انقضاء المدة أو بعد الطلب قبل انقضاء المدة يضمن لأنه واجب الرد في هاتين الحالتين لقوله عليه الصلاة والسلام العارية مؤداة وقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترده ولأن حكم العقد انتهى بانقضاء المدة أو الطلب فصارت العين في يده كالمغصوب والمغصوب مضمون الرد حال قيامه ومضمون القيمة حال هلاكه ولو رد العارية مع عبده أو ابنه أو بعض من في عياله أو مع عبد المعير أو ردها بنفسه إلى منزل المالك وجعلها فيه لا يضمن استحسانا والقياس أن يضمن كما في الوديعة وقد ذكرنا الفرق بينهما في كتاب الوديعة وكذا إذا ترك الحفظ حتى ضاعت وكذا إذا خالف إلا أن في باب الوديعة إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق يبرأ عن الضمان عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم وهنا لا يبرأ وقد تقدم الفرق في كتاب الوديعة ولو تصرف المستعير وادعى أن المالك قد أذن له بذلك وجحد المالك فالقول قول المالك حتى يقوم للمستعير على ذلك بينة لأن التصرف منه سبب لوجوب الضمان في الأصل فدعوى الإذن منه دعوى أمر عارض فلا تسمع إلا بدليل والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب الوقف والصدقة
أما الوقف فالكلام فيه في مواضع في بيان جواز الوقف وكيفيته وفي بيان شرائط الجواز وفي بيان حكم الوقف الجائز وما يتصل به أما الأول فنقول وبالله التوفيق لا خلاف بين العلماء في جواز الوقف في حق وجوب التصدق بالفرع ما دام الواقف ( ( ( الوقف ) ) ) حيا حتى إن من وقف داره أو أرضه يلزمه التصدق بغلة الدار والأرض ويكون ذلك بمنزلة النذر بالتصدق بالغلة ولا خلاف أيضا في جوازه في حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به قضاء القاضي أو أضافه إلى ما بعد الموت بأن قال إذا مت فقد جعلت داري أو أرضي وقفا على كذا أو قال هو وقف في حياتي صدقه بعد وفاتي واختلفوا في جوازه مزيلا لملك الرقبة إذا لم توجد الإضافة إلى ما بعد الموت ولا اتصل به حكم حاكم قال أبو حنيفة عليه الرحمة لا يجوز حتى كان للواقف بيع الموقوف وهبته وإذا مات يصير ميراثا لورثته وقال أبو يوسف ومحمد وعامة العلماء رضي الله تعالى عنهم يجوز حتى لا يباع ولا يوهب ولا يورث ثم في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة لا فرق بين ما إذا وقف في حالة الصحة وبين ما إذا وقف في حالة المرض حتى لا يجوز عنده في الحالين جميعا إذا لم توجد الإضافة ولا حكم الحاكم وروى الطحاوي عنه أنه إذا وقف في حالة المرض جاز عنده ويعتبر من الثلث ويكون بمنزلة الوصية بعد وفاته وأما عندهما فهو جائز في الصحة والمرض وعلى هذا الخلاف إذا بنى رباطا أو خانا للمجتازين أو سقاية للمسلمين أو جعل أرضه مقبرة لا تزول رقبة هذه الأشياء عن ملكه عند أبي حنيفة إلا إذا أضافه إلى ما بعد الموت أو حكم به حاكم وعندهما يزول بدون ذلك لكن عند أبي يوسف بنفس القول وعند محمد بواسطة التسليم وذلك بسكنى المجتازين في الرباط والخان وسقاية الناس من السقاية والدفن في المقبرة وأجمعوا على أن من جعل داره أو أرضه مسجدا يجوز وتزول الرقبة عن ملكه لكن عزل الطريق وإفرازه والإذن للناس بالصلاة فيه والصلاة شرط عند أبي حنيفة ومحمد حتى كان له أن يرجع قبل ذلك وعند أبي يوسف تزول الرقبة عن ملكه بنفس قوله جعلته مسجدا وليس له أن يرجع عنه على ما نذكره وجه قول العامة الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وعامة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فإنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف ووقف سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي وغيرهم رضي الله عنهم وأكثر الصحابة وقفوا ولأن الوقف ليس إلا إزالة الملك عن الموقوف وجعله لله تعالى خالصا فأشبه الإعتاق وجعل الأرض أو الدار مسجدا والدليل عليه أنه يصح مضافا إلى ما بعد الموت فيصح منجزا وكذا لم اتصل به قضاء القاضي يجوز وغير الجائز لا يحتمل الجواز لقضاء القاضي ولأبي حنيفة عليه الرحمة ما روى عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال لما نزلت سورة النساء وفرضت فيها الفرائض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حبس عن فرائض الله تعالى أي لا مال يحبس بعدم موت صاحبه عن القسمة بين ورثته والوقف حبس عن فرائض الله تعالى عز شأنه فكان منفيا شرعا وعن شريح أنه قال جاء محمد ببيع الحبيس وهذا منه رواية عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يجوز بيع الموقوف لأن الحبيس هو الموقوف فعيل بمعنى المفعول إذ الوقف حبس لغة فكان الموقوف محبوسا فيجوز بيعه وبه تبين أن الوقف لا يوجب زوال الرقبة عن ملك الواقف وأما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما جاز لأن المانع من وقوعه حبسا عن فرائض الله عز وجل ودفعه صلى الله عليه وسلم لم يقع حبسا عن فرائض الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم زإنا ( ( ( إنا ) ) ) معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة
وأما أوقاف الصحابة رضي الله عنهم فما كان منها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أنها كانت قبل نزول سورة النساء فلم تقع حبسا عن فرائض الله تعالى وما كان بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فاحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة وهذا هو الظاهر ولا كلام فيه وإنما جاز مضافا إلى ما بعد الموت لأنه لما أضافه إلى ما بعد الموت فقد أخرجه مخرج الوصية فيجوز كسائر الوصايا لكن جوازه بطريق الوصية لا يدل على جوازه لا بطريق الوصية ألا ترى لو أوصى بثلث ماله للفقراء جاز ولو تصدق بثلث ماله على الفقراء لا يجوز وأما إذا حكم به حاكم فإنما جاز لأن حكمه صادف محل الاجتهاد وأفضى اجتهاده إليه وقضاء القاضي في موضع الاجتهاد بما أفضى إليه اجتهاده جائز كما في سائر المجتهدات فصل وأما شرائط الجواز فأنواع بعضها يرجع إلى الواقف وبعضها يرجع إلى نفس الوقف وبعضها يرجع الموقوف أما الذي يرجع إلى الواقف فأنواع منها العقل ومنها البلوغ فلا يصح الوقف من الصبي والمجنون لأن الوقف من التصرفات الضارة لكونه إزالة الملك بغير عوض والصبي والمجنون ليسا من أهل التصرفات الضارة ولهذا لا تصح منهما الهبة والصدقة والإعتاق ونحو ذلك ومنها الحرية فلا يملكه العبد لأنه إزالة الملك والعبد ليس من أهل الملك وسواء كان مأذونا أو محجورا لأن هذا ليس من باب التجارة ولا من ضرورات التجارة فلا يملكه المأذون كما لا يملك الصدقة والهبة والإعتاق ومنها أن يخرجه الواقف من يده ويجعل له قيما ويسلمه إليه عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط واحتج بما روي أن سيدنا عمر رضي الله عنه وقف وكان يتولى أمر وقفه بنفسه وكان في يده وروي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه كان يفعل كذلك ولأن هذا إزالة الملك لا إلى أحد ( ( ( حد ) ) ) فلا يشترط فيه التسليم كالإعتاق ولهما أن الوقف إخراج المال عن الملك على وجه الصدقة فلا يصح بدون التسليم كسائر التصرفات وأما وقف سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما فاحتمل أنهما أخرجاه عن أيديهما وسلماه إلى المتولي بعد ذلك فصح كمن وهب من آخر شيئا أو تصدق أو لم يسلم إليه وقت الصدقة والهبة ثم سلم صح التسليم كذا هذا ثم التسليم في الوقف عندهما أن يجعل له قيما ويسلمه إليه وفي المسجد أن يصلي فيه جماعة بأذان وإقامة بإذنه كذا ذكر القاضي في شرح الطحاوي وذكر القدوري رحمه الله في شرحه أنه إذا أذن للناس بالصلاة فيه فصلى واحد كان تسليما ويزول ملكه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وهل يشترط أن لا يشرط الواقف لنفسه من منافع الوقف شيئا عند أبي يوسف ليس بشرط وعند محمد شرط وجه قول محمد أن هذا إخراج المال إلى الله تعالى وجعله خالصا له وشرط الانتفاع لنفسه يمنع الإخلاص فيمنع جواز الوقف كما إذا جعل أرضه أو داره مسجدا وشرط من منافع ذلك لنفسه شيئا وكما لو أعتق عبده وشرط خدمته لنفسه ولأبي يوسف ما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه وقف وشرط في وقفه لا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف وكان يلي أمر وقفه بنفسه وعن أبي يوسف رحمه الله أن الواقف إذا شرط لنفسه بيع الوقف وصرف ثمنه إلى ما هو أفضل منه يجوز لأن شرط البيع شرط لا ينافيه الوقف ألا ترى أنه يباع باب المسجد إذا خلق وشجر الوقف إذا يبس ومنها أن يجعل آخره بجهة لا تنقطع أبدا عند أبي حنيفة ومحمد فإن لم يذكر ذلك لم يصح عندهما وعند أبي يوسف ذكر هذا ليس بشرط بل يصح وإن سمى جهة تنقطع ويكون بعدها للفقراء وإن لم يسمهم
وجه قول أبي يوسف أنه ثبت الوقف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة ولم يثبت عنهم هذا الشرط ذكرا وتسمية ولأن قصد الواقف أن يكون آخره للفقراء وإن لم يسمهم هو في الظاهر من حاله فكان تسمية هذا الشرط ثابتا دلالة والثابت دلالة كالثابت نصا ولهما أن التأبيد شرط جواز الوقف لما نذكر وتسمية جهة تنقطع توقيت له معنى فيمنع الجواز وأما الذي يرجع إلى نفس الوقف فهو التأبيد وهو أن يكون مؤبدا حتى لو وقت لم يجز لأنه إزالة الملك لا إلى أحد ( ( ( حد ) ) ) فلا تحتمل التوقيت كالإعتاق وجعل الدار مسجدا فصل وأما الذي يرجع إلى الموقوف فأنواع منها أن يكون مما لا ينقل ولا يحول كالعقار ونحوه فلا يجوز وقف المنقول مقصودا لما ذكرنا أن التأبيد شرط جوازه ووقف المنقول لا يتأبد لكونه على شرف الهلاك فلا يجوز وقفه مقصودا إلا إذا كان تبعا للعقار بأن وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيده فيجوز كذا قاله أبو يوسف وجوازه تبعا لغيره لا يدل على جوازه مقصودا كبيع الشرب ومسيل الماء والطريق أنه لا يجوز مقصودا ويجوز تبعا للأرض والدار وإن كان شيئا جرت العادة بوقفه كوقف المر والقدوم لحفر القبور ووقف المرجل لتسخين الماء ووقف الجنازة وثيابها ولو وقف أشجارا قائمة فالقياس أن لا يجوز لأنه وقف المنقول وفي الاستحسان يجوز لتعامل الناس ذلك وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ولا يجوز وقف الكراع والسلاح في سبيل الله تعالى عند أبي حنيفة لأنه منقول وما جرت العادة به وعند أبي يوسف ومحمد يجوز ويجوز عندهما بيع ما هرم منها أو صار بحال لا ينتفع به فيباع ويرد ثمنه في مثله كأنهما تركا القياس في الكراع والسلاح بالنص وهو ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال أما خالد فقد احتبس أكراعا وأفراسا في سبيل الله تعالى ولا حجة لهما في الحديث لأنه ليس فيه أنه وقف ذلك فاحتمل قوله حبسه أي أمسكه للجهاد لا للتجارة وأما وقف الكتب فلا يجوز على أصل أبي حنيفة وأما على قولهما فقد اختلف المشايخ فيه وحكي عن نصر بن يحيى أنه وقف على الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومنها أن يكون الموقوف مقسوما عند محمد فلا يجوز وقف المشاع وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط ويجوز مقسوما كان أو مشاعا لأن التسليم شرط الجواز عند محمد والشيوع يخل بالقبض والتسليم وعند أبي يوسف التسليم ليس بشرط أصلا فلا يكون الخلل ( ( ( الخل ) ) ) فيه مانعا وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه ملك مائة سهم بخيبر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم احبس أصلها فدل على أن الشيوع لا يمنع صحة الوقف وجواب محمد رحمه الله يحتمل أنه وقف مائة سهم قبل القسمة ويحتمل أنه بعدها فلا يكون حجة مع الشك والاحتمال على أنه إن ثبت أن الوقف كان قبل القسمة فيحمل أنه وقفها شائعا ثم قسم وسلم وقد روي أنه فعل كذلك وذلك جائز كما لو وهب مشاعا ثم قسم وسلم فصل وأما حكم الوقف الجائز وما يتصل به فالوقف إذا جاز على اختلاف العلماء في ذلك فحكمه أنه يزول الموقوف عن ملك الواقف ولا يدخل في ملك الموقوف عليه لكنه ينتفع بغلته بالتصدق عليه لأن الوقف حبس الأصل وتصدق بالفرع والحبس لا يوجب ملك المحبوس كالرهن والواجب أن يبدأ بصرف الفرع إلى مصالح الوقف من عمارته وإصلاح ما وهى من بنائه وسائر مؤناته التي لا بد منها سواء شرط ذلك الواقف أو لم يشرط لأن الوقف صدقة جارية في سبيل الله تعالى ولا تجري إلا بهذا الطريق ولو وقف داره على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى لأن المنفعة له فكانت المؤنة عليه لقوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان كالعبد الموصى بخدمته إن نفقته على الموصى له بالخدمة لما قلنا كذا هذا
فإن امتنع من العمارة ولم يقدر عليها بأن كان فقيرا آجرها القاضي وعمرها بالأجرة لأن استبقاء ( ( ( استيفاء ) ) ) الوقف واجب ولا يبقي إلا بالعمارة فإذا امتنع عن ذلك أو عجز عنه ناب القاضي منابه في استبقائه بالإجارة كالعبد والدابة إذا امتنع صاحبها عن الإنفاق عليها أنفق القاضي عليها بالإجارة كذا هذا وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه وإن استغنى عنه أمسكه إلى وقت الحاجة إلى عمارته فيصرفه فيها ولا يجوز أن يصرفه إلى مستحقي الوقف لأن حقهم في المنفعة والغلة لا في العين بل هي حق الله تعالى على الخلوص ولو جعل داره مسجدا فخرب جوار المسجد أو استغنى عنه لا يعود إلى ملكه ويكون مسجدا أبدا عند أبي يوسف وعند محمد يعود إلى ملكه وجه قول محمد أنه أزال ملكه بوجه مخصوص وهو التقرب إلى الله تعالى بمكان يصلي فيه الناس فإذا استغنى عنه فقد فات غرضه منه فيعود إلى ملكه كما لو كفن ميتا ثم أكله سبع وبقي الكفن يعود إلى ملكه كذا هذا ولأبي يوسف أنه لما جعله مسجدا فقد حرره وجعله خالصا لله تعالى على الإطلاق وصح ذلك فلا يحتمل العود إلى ملكه كالإعتاق بخلاف تكفين الميت لأنه ما حرر الكفن وإنما دفع حاجة الميت به وهو ستر عورته وقد استغنى عنه فيعود ملكا له وقوله أزال ملكه بوجه وقع الاستغناء عنه قلنا ممنوع فإن المجتازين يصلون فيه وكذا احتمال عود العمارة قائم وجهة القربة قد صحت بيقين فلا تبطل باحتمال عدم حصول المقصود ولو وقف دارا أو أرضا على مسجد معين قال بعضهم هو على الاختلاف على قول أبي يوسف يجوز وعلى قول محمد لا يجوز بناء على أن المسجد عند أبي يوسف لا يصير ميراثا بالخراب وعند محمد يصير ميراثا وقال أبو بكر الأعمش ينبغي أن يجوز بالاتفاق وقال أبو بكر الإسكاف ينبغي أن لا يجوز بالاتفاق فصل وأما الصدقة إذا قال داري هذه في المساكين صدقة تصدق بثمنها وإن تصدق بعينها جاز لأن الناذر بالنذر يتقرب إلى الله تعالى بالمنذور به ومعنى القربة يحصل بالتصدق بثمن الدار ولو تصدق بعين الدار جاز لأنه أدى المنصوص عليه ولو قال داري هذه صدقة موقوفة على المساكين تصدق بالسكنى والغلة عند أبي حنيفة لأن المنذور به صدقة موقوفة والوقف حبس الأصل وتصدق الفرع ( ( ( بالفرع ) ) ) ولو قال مالي في المساكين صدقة تصدق بكل مال تجب فيه الزكاة استحسانا والقياس أن يتصدق بالكل لأن اسم المال ينطلق على الكل وجه الاستحسان أن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى ثم إيجاب الصدقة المتعلقة باسم الله من الله تعالى في قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة ونحو ذلك نصرف ( ( ( تصرف ) ) ) إلى بعض الأموال دون الكل فكذا إيجاب العبد ولو قال ما أملكه فهو صدقة تصدق بجميع ماله ويقال له أمسك قدر ما تنفقه على نفسك وعيالك إلى أن تكتسب مالا فإذا اكتسب ( ( ( اكتسبت ) ) ) مالا تصدقت بمثل ما أمسكت لنفسك لأنه أضاف الصدقة إلى المملوك وجميع ماله مملوك له فيتصدق بالجميع إلا أنه يقال له أمسك قدر النفقة لأنه لو تصدق بالكل على غيره لاحتاج إلى أن يتصدق غيره عليه وقد قال عليه الصلاة والسلام ابدأ بنفسك ثم بمن تعول والله عز وجل أعلم كتاب الدعوى الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ركن الدعوى وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حد المدعي والمدعى عليه وفي بيان حكم الدعوى وما يتصل به وفي بيان حجة المدعي والمدعى عليه وفي بيان علائق اليمين وفي بيان ما تندفع به الخصومة عن المدعى عليه ويخرج عن كونه خصما وفي بيان حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين وحكم تعارض الدعوى لا غير وفي بيان حكم الملك والحق الثابت في المحل
أما ركن الدعوى فهو قول الرجل لي على فلان أو قبل فلان كذا أو قضيت حق فلان أو أبرأني عن حقه ونحو ذلك فإذا قال ذلك فقد تم الركن فصل وأما الشرائط المصححة للدعوى فأنواع منها عقل المدعي والمدعى عليه فلا تصح دعوى المجنون والصبي الذي لا يعقل وكذا لا تصح الدعوى عليهما حتى لا يلزم الجواب ولا تسمع البينة لأنهما مبنيان على الدعوى الصحيحة ومنها أن يكون المدعى معلوما لتعذر الشهادة والقضاء بالمجهول والعلم بالمدعى إنما يحصل بأحد أمرين إما الإشارة وإما التسمية وجملة الكلام فيه أن المدعي لا يخلو إما أن يكون عينا وإما أن يكون دينا فإن كان عينا فلا يخلو أما إن كان محتملا للنقل أو لم يكن محتملا للنقل فإن كان محتملا للنقل فلا بد من إحضاره لتمكن الإشارة إليه عند الدعوى والشهادة فيصير معلوما بها إلا إذا تعذر نقله كحجر الرحى ونحوه فإن شاء القاضي استحضره وإن شاء بعث إليه أمينا وإن لم يكن محتملا للنقل وهو العقار فلا بد من بيان حده ليكون معلوما لأن العقار لا يصير معلوما إلا بالتحديد ثم لا خلاف في أنه لا يكتفى فيه بذكر حد واحد وكذا بذكر حدين عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف وهل تقع الكفاية بذكر ثلاثة حدود قال علماؤنا الثلاثة رضي الله عنهم نعم وقال زفر رضي الله عنه لا وهي مسألة كتاب الشروط وكذا لا بد من بيان موضع المحدود وبلده ليصير معلوما هذا إذا كان المدعى عينا فإن كان دينا فلا بد من بيان جنسه ونوعه وقدره وصفته لأن الدين لا يصير معلوما إلا ببيان هذه الأشياء ومنها أن يذكر المدعي في دعوى العقار أنه في يد المدعى عليه لأن الدعوى لا بد وأن تكون على خصم والمدعى عليه إنما يصير خصما إذا كان بيده فلا بد وأن يذكر أنه في يده ليصير خصما فإذا ذكر وأنكر المدعى عليه ولا بينة للمدعي فإنه يحلف من غير الحاجة إلى إقامة البينة من المدعي على أنه في يد المدعى عليه ولو كان له بينة لا تسمع حتى يقيم البينة على أنه في يد هذا المدعى عليه ووجه الفرق أن من الجائز أن يكون صاحب اليد غيره واصطلحا على ذلك فلو سمع القاضي بينته لكان قضاء على الغائب وهذا المعنى هنا متعذر لأنه لا قضاء هنا أصلا لأن المدعى عليه لا يخلو إما أن يحلف وإما أن ينكل فإن حلف فالأمر فيه ظاهر وإن نكل فكذا لأن القاضي لا يقضي بشيء وإنما يأمره بأن يخرج من الدار ويخلي بينها وبين المدعي ومنها أن يذكر أنه يطالبه به لأن حق الإنسان إنما يجب إيفاؤه بطلبه ومنها أن يكون بلسانه عينا إذا لم يكن به عذر إلا إذا رضي المدعى عليه بلسان غيره عند أبي حنيفة وعندهما ليس بشرط حتى لو وكل المدعي بالخصومة من غير عذر ولم يرض به المدعى عليه لا تصح دعواه عنده حتى لا يلزم الجواب ولا تسمع منه البينة وعندهما تصح حتى يلزم وتسمع لما علم في كتاب الوكالة ومنها مجلس الحكم فلا تسمع الدعوى إلا بين يدي القاضي كما لا تسمع الشهادة إلا بين يديه ومنها حضرة الخصم فلا تسمع الدعوى والبينة إلا على خصم حاضر إلا إذا التمس المدعي بذلك كتابا حكميا للقضاء به فيجيبه القاضي إليه فيكتب إلى القاضي الذي للغائب ( ( ( الغائب ) ) ) في بلده بما سمعه من الدعوى والشهادة ليقضي عليه وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله حضرة المدعى عليه ليست بشرط لسماع الدعوى والبينة والقضاء فيجوز القضاء على الغائب عنده وعندنا لا يجوز
وجه قول الشافعي رحمه الله أنه ظهر صدق المدعي في دعواه على الغائب بالبينة فيجوز القضاء ببينته قياسا على الحاضر ودلالة الوصف أن دعوى المدعي وإن كان خيرا ( ( ( خبرا ) ) ) يحتمل الصدق والكذب لكن يرجح جانب صدقه على جانب الكذب في خبره بالبينة فيظهر صدقه في دعواه كما إذا كان المدعى عليه حاضرا يحققه أن المدعى عليه لا يخلو إما أن يكون مقرا وإما أن يكون منكرا فإن كان مقرا فكان المدعي صادقا في دعواه فلا حاجة إلى القضاء وإن كان منكرا فظهر صدقه بالبينة فكان القضاء بالبينة قضاء بحجة مظهرة للحق فجاز ولنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لسيدنا علي رضي الله عنه لا تقض لأحد الخصمين ما لم تسمع كلام الآخر نهاه عليه الصلاة والسلام عن القضاء لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر والقضاء بالحق للمدعي حال غيبة المدعى عليه قضاء لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر فكان منهيا عنه ولأن القاضي مأمور بالقضاء بالحق قال الله تبارك وتعالى جل شأنه يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق وقال عليه الصلاة والسلام لعمرو بن العاص اقض بين هذين قال أقضي وأنت حاضر بيننا فقال عليه الصلاة والسلام اقض بينهما بالحق والحق اسم للكائن الثابت ولا ثبوت مع احتمال العدم واحتمال العدم ثابت في البينة لاحتمال الكذب فلم يكن الحكم بالبينة حكما بالحق فكان ينبغي أن لا يجوز الحكم بها أصلا إلا أنها جعلت حجة لضرورة فصل الخصومات والمنازعات ولم يظهر حالة الغيبة وقد خرج الجواب عن كلامه ثم إنما لا يجوز القضاء عندنا على الغائب إذا لم يكن عنه خصم حاضر فإن كان يجوز لأنه يكون قضاء على الحاضر حقيقة ومعنى والخصم الحاضر والوكيل ( ( ( الوكيل ) ) ) والوصي والوارث ومن كان بينه وبين الغائب اتصال فيما وقع فيه الدعوى لأن الوكيل والوصي نائبان عنه بصريح النيابة والوارث نائب عنه شرعا وحضرة النائب كحضرة المنوب عنه فلا يكون قضاء على الغائب معنى وكذا إذا كان بين الحاضر والغائب اتصال فيما وقع فيه الدعوى بأن كان ذلك سببا لثبوت حق الغائب لأن الحاضر يصير مدعى عليه فيما هو حقه ومن ضرورة ثبوت حقه ثبوت حق الغائب فكان الكل حق الحاضر لأن كل ما كان من ضرورات الشيء كان ملحقا به فيكون قضاء على الحاضر حتى إن من ادعى على آخر أنه أخوه ولم يدع ميراثا ولا نفقة لا تسمع دعواه لأنه دعوى على الغائب لأنه يريد إثبات نسبه من أب المدعى عليه وأمه وهما غائبان وليس عنهما خصم حاضر لأنه لم توجد الإنابة ولا حق يقضي به على الوارث ليكون ثبوت النسب من الغائب من ضروراته تبعا له فلا تسمع دعواه أصلا ولو ادعى عليه ميراثا أو نفقة عند الحاجة تسمع دعواه وتقبل بينته لأنه دعوى حق مستحق على الحاضر وهو المال ولا يمكنه إثباته إلا بإثبات نسبه من الغائب فينصب خصما عن الغائب ضرورة ثبوت الحق المستحق تبعا له ولهذا لو أقر بالنسب من غير دعوى المال لا يصح إقراره بخلاف ما لو ادعى على رجل أنه أبوه أو ابنه أنه يصح من غير دعوى المال الحاضر لأنه ليس فيه حمل نسب الغير على الغير فكان دعوى على الحاضر ألا ترى أنه لو أقر به يصح إقراره بخلاف الإقرار بالأخوة وعلى هذا تخرج المسائل المخمسة وتوابعها على ما نذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى ومنها عدم التناقض في الدعوى وهو أن لا يسبق منه ما يناقض دعواه لاستحالة وجود الشيء مع ما يناقضه وينافيه حتى لو أقر بعين في يده لرجل فأمر القاضي بدفعها إليه ثم ادعى أنه كان اشتراها منه قبل ذلك لا تسمع دعواه لأن إقراره بالملك لغيره للحال يمنع الشراء منه قبل ذلك لأن الشراء يوجب الملك للمشتري فكان مناقضا للإقرار والإقرار يناقضه فلا يصح
وكذا لو لم يقر ونكل عن اليمين فقضى عليه بنكوله ثم ادعى أنه كان اشتراه منه قبل ذلك لا تسمع دعواه ولا تقبل بينته في ظاهر الرواية لأن النكول بمنزلة الإقرار وروي عن أبي يوسف أنه تسمع دعواه وتقبل بينته هذا إذا ادعى أنه اشتراه منه قبل الإقرار والنكول فأما إذا ادعى أنه اشتراه منه بعد ذلك تسمع دعواه بلا خلاف لأن الإقرار بالملك لفلان لا يمنع الشراء منه بعد ذلك لانعدام التناقض لاختلاف الزمان ولو قال هذا لفلان اشتريته منه تسمع منه موصولا قال ذلك أو مفصولا لأنه لم يسبق منه ما يناقض الدعوى بل سبق منه ما يقررها لأن سابقة الملك لفلان شرط تحقق الشراء منه ولو قال هذا العبد لفلان اشتريته منه موصولا فالقياس أن لا تصح دعواه وفي الاستحسان تصح ولو قال ذلك مفصولا لا تصح قياسا واستحسانا وجه القياس أن قوله هو لفلان إقرار منه بكونه ملكا لفلان في الحال فهذا يناقض دعوى الشراء لأن الشراء يوجب كونه ملكا للمشتري فلا يصح كما إذا قال مفصولا وجه الاستحسان أن قوله هو لفلان اشتريته منه موصولا معناه في متعارف الناس وعاداتهم أنه كان لفلان فاشتريته منه قال الله عز وجل واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض أي إذ كنتم قليلا إذ لم يكونوا قليلا وقت نزول الآية الشريفة فيحمل عليه تصحيحا له ولا عادة جرت بذلك في المفصول فحمل على حقيقته وهو بحقيقته مناقضة فلا تسمع هذا إذا بين أنه اشتراه قبل الإقرار فإن بين أنه اشتراه بعده تسمع دعواه لانعدام التناقض على ما بينا وكذلك لو لم يبين وادعى الشراء مبهما بثمن معلوم تسمع لأنه لما لم يذكر الوقت يحمل على الحال تصحيحا له هذا إذا قال هذا الشيء لفلان ولم يقل لا حق لي فيه فإن قال لا حق لي فيه ثم ادعى الشراء بعد ذلك لا تسمع دعواه لأن قوله لا حق لي فيه لتأكيد البراءة إلا إذا تبين أنه اشتراه بعد الإقرار فتسمع لما قلنا ولو ادعى على رجل دينا فقال المدعى عليه لم يكن لك علي شيء قط فأقام المدعي البينة وقضى القاضي بذلك ثم أقام المدعى عليه البينة أنه كان قد قضاه إياه تسمع دعواه وتقبل بينته لجواز أنه لم يكن عليه شيء وإنما قضاه إياه لدفع الدعوى الباطلة ولو قال لم يكن لك علي شيء ولا أعرفك فأقام المدعي البينة وقضى القاضي ببينته ثم أقام المدعى عليه البينة أنه كان قضاه لا تسمع دعواه ولا تقبل بينته لأن قوله لا أعرفك يناقض دعوى القضاء لأن الظاهر أنه لا يقضي إلا بعد معرفته إياه فكان في دعوى القضاء مناقضا فلا تسمع ولو ادعى على رجل أنه اشترى منه عبدا بعينه والعبد في يد البائع فأنكر البائع البيع فأقام المشتري البينة وقضى القاضي به ثم وجد به عيبا فأراد أن يرده على البائع فأقام البائع البينة على أن المشتري كان أبرأه عن كل عيب لم تسمع دعواه ولا تقبل بينته لأن إنكار البيع يناقض دعوى الإبراء عن العيب لأن الإبراء يقتضي وجود البيع فكان مناقضا في دعوى الإبراء فلا تسمع وعلى هذا مسائل والأصل في هذا الباب أنه إذا سبق من المدعي ما يناقض دعواه يمنع صحة الدعوى إلا في النسب والعتق فإن التناقض فيهما غير معتبر بأن قال لمجهول النسب هو ابني من الزنا ثم قال هو ابني من النكاح تسمع دعواه وكذا مجهول النسب إذا أقر بالرق لرجل ثم ادعى أنه حر الأصل تسمع دعواه حتى تقبل بينته لأن بيان النسب مبني على أمر خفي وهو العلوق منه إذ هو مما يغلب خفاؤه على الناس فالتناقض في مثله غير معتبر كما إذا اختلعت امرأة زوجها على مال ثم ادعت أنه كان طلقها ثلاثا قبل الخلع وأقامت البينة على ذلك تسمع دعواها وتقبل بينتها لما قلنا كذا هذا وكذا الرق والحرية
ومنها أن يكون المدعى مما يحتمل للثبوت لأن دعوى ما يستحيل وجوده حقيقة أو عادة تكون دعوى كاذبة حتى لو قال لمن لا يولد مثله لمثله هذا ابني لا تسمع دعواه لاستحالة أن يكون الأكبر سنا ابنا لمن هو أصغر سنا منه وكذا إذا قال لمعروف النسب من الغير هذا ابني والله تعالى أعلم فصل وأما بيان حد المدعي والمدعى عليه فقد اختلف ( ( ( اختلفت ) ) ) عبارات المشايخ في تحديدهما قال بعضهم المدعي من إذا ترك الخصومة لا يجبر عليها والمدعى عليه من إذا ترك الجواب يجبر عليه وقال بعضهم المدعي من يلتمس قبل غيره لنفسه عينا أو دينا أو حقا والمدعى عليه من يدفع ذلك عن نفسه وقال بعضهم ينظر إلى المتخاصمين أيهما كان منكرا فالآخر يكون مدعيا وقال بعضهم المدعي من يخبر عما في يد غيره لنفسه والمدعى عليه من يخبر عما في يد نفسه لنفسه فينفصلان بذلك عن الشاهد والمقر والشاهد من يخبر عما في يد غيره لغيره والمقر من يخبر عما في يد نفسه لغيره فصل وأما بيان حكم الدعوى وما يتصل به فحكمها وجوب الجواب على المدعى عليه لأن قطع الخصومة والمنازعة واجب ولا يمكن القطع ألا بالجواب فكان واجبا وهل يسأله القاضي الجواب قبل طلب المدعى ذكر في أدب القاضي أنه يسأله وذكر في الزيادات أنه لا يسأله ما لم يقل المدعي اسأله عن دعواي وعلى هذا إذا تقدم الخصمان إلى القاضي هل يسأل المدعي عن دعواه في أدب القاضي أنه يسأله وفي الزيادات أنه لا يسأله ويعرف ذلك في كتاب أدب القاضي وسيأتي وإذا وجب الجواب على المدعى عليه فإما إن أقر أو سكت أو أنكر فإن أقر يؤمر بالدفع إلى المدعي لظهور صدق دعواه وإن أنكر فإن كان للمدعي بينة أقامها ولو قال لا بينة لي ثم جاء بالبينة هل تقبل روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنها تقبل وعن محمد أنها لا تقبل وجه قول محمد أن قوله لا بينة لي إقرار على نفسه والإنسان لا يتهم في إقراره على نفسه فالإتيان بالبينة بعد ذلك رجوع عما أقر به فلا يصح وجه رواية الحسن عن أبي حنيفة أن من الجائز أن تكون له بينة لم يعلمها المدعي بأن أقر المدعى عليه بين يدي هؤلاء وهو لا يعلم به ثم علم بعد ذلك بها فأمكن التوفيق فلا يكون الإتيان بالبينة بعد ذلك رجوعا فتقبل وإن لم يكن له بينة وطلب يمين المدعى عليه يحلف فيما يحتمل التحليف فإن سكت عن الجواب يأتي حكمه إن شاء الله تعالى في الفصل الذي يليه فصل وأما حجة المدعي والمدعى عليه فالبينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه لقوله عليه الصلاة والسلام البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه جعل عليه الصلاة والسلام البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه والمعقول كذلك لأن المدعي يدعي أمرا خفيا فيحتاج إلى إظهاره وللبينة قوة الإظهار لأنها كلام من ليس بخصم فجعلت حجة المدعي واليمين وإن كانت مؤكدة بذكر اسم الله عز وجل لكنها كلام الخصم فلا تصلح حجة مظهره للحق وتصلح حجة المدعي عليه لأنه متمسك بالظاهر وهو ظاهر اليد فحاجته إلى استمرار حكم الظاهر واليمين وإن كانت كلام الخصم فهي كاف للاستمرار فكان جعل البينة حجة المدعي وجعل اليمين حجة المدعى عليه وضع الشيء في موضعه وهو حد الحكمة وعلى هذا يخرج القضاء بشاهد واحد ويمين من المدعي أنه لا يجوز عندنا خلافا للشافعي رحمه الله احتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى بشاهد ويمين ولأن الشهادة إنما كانت حجة المدعي لكونها مرجحة جنسية الصدق على جنسية الكذب في دعواها الرجحان فكما يقع بالشهادة يقع باليمين فكانت اليمين في كونها حجة مثل البينة فكان ينبغي أن يكتفى بها إلا أنه ضم إليها الشهادة نفيا للتهمة ولنا الحديث المشهور والمعقول ووجه الاستدلال من وجهين أحدهما أن النبي عليه الصلاة والسلام أوجب اليمين على المدعى عليه
ولو جعلت حجة المدعي لا تبقي واجبة على المدعى عليه وهو خلاف النص والثاني أنه عليه الصلاة والسلام جعل كل جنس اليمين حجة المدعى عليه لأنه عليه الصلاة والسلام ذكر اليمين بلام التعريف فيقتضي استغراق كل الجنس فلو جعلت حجة المدعي لا يكون كل جنس اليمين حجة المدعي عليه بل يكون من الأيمان ما ليس بحجة له وهو يمين المدعي وهذا خلاف النص وأما الحديث فقد طعن فيه يحيى بن معين وقال لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاء بشاهد ويمين وكذا روي عن الزهري لما سئل عن اليمين مع الشاهد فقال بدعة وأول من قضى بهما معاوية رضي الله عنه وكذا ذكر ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أنه قال كان القضاء الأول أن لا يقبل إلا شاهدان وأول من قضى باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان مع ما أنه ورد مورد الآحاد ومخالفا للمشهور فلا يقبل وإن ثبت أنه قضى بشاهد ويمين أما ليس فيه أنه فيه قضى وقد روي عن بعض الصحابة أنه قضى بشاهد ويمين في الأمان وعندنا يجوز القضاء في بعض أحكام الأمان بشاهد واحد إذا كان عدلا بأن شهد أنه أمن هذا الكافر تقبل شهادته حتى لا يقتل لكن يسترق واليمين من باب ما يحتاط فيه فحمل على هذا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وبهذا يتبين بطلان مذهب الشافعي رحمه الله في رده اليمين إلى المدعي عند نكول المدعى عليه لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما جعل اليمين حجة إلا في جانب المدعى عليه فالرد إلى المدعي يكون وضع الشيء في غير موضعه وهذا حد الظلم وعلى هذا يخرج مسألة الخارج مع ذي اليد إذا أقاما البينة أنه لا تقبل بينة ذي اليد لأنها جعلت حجة للمدعي وذو اليد ليس بمدع بل هو مدعى عليه فلا تكون البينة حجة له فالتحقت بينته بالعدم فخلت بينة المدعي عن المعارض فيعمل بها وقد تخرج المسألة على أصل آخر نذكره في موضعه إن شاء الله وإذا عرفت أن البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه فلا بد من معرفة علائقهما وعلائق البينة قد مر ذكرها في كتاب الشهادات ونذكر هنا علائق اليمين فنقول وبالله التوفيق الكلام في اليمين في مواضع في بيان أن اليمين واجبة وفي بيان شرائط الوجوب وفي بيان الوجوب وفي بيان كيفية الوجوب وفي بيان حكم أدائه وفي بيان حكم الامتناع عن تحصيل الواجب أما دليل الوجوب فالحديث المشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وعلى كلمة إيجاب وأما شرائط الوجوب فأنواع منها الإنكار لأنها وجبت للحاجة إلى دفع التهمة وهي تهمة الكذب في الإنكار فإذا كان مقرا لا حاجة لأن الإنسان لا يتهم في الإقرار على نفسه ثم الإنكار نوعان نص ودلالة أما النص فهو صريح الإنكار وأما الدلالة فهو السكوت عن جواب المدعي من غير آفة لأن الدعوى أوجبت الجواب عليه والجواب نوعان إقرار وإنكار فلا بد من حمل السكوت على أحدهما والحمل على الإنكار أولى لأن العاقل المتدين لا يسكت عن إظهار الحق المستحق لغيره مع قدرته عليه وقد يسكت عن إظهار الحق لنفسه مع قدرته عليه فكان حمل السكوت على الإنكار أولى فكان السكوت إنكارا دلالة ولو لم يسكت المدعى عليه ولم يقر ولكنه قال لا أقر ولا أنكر وأصر على ذلك اختلف المشايخ فيه قال بعضهم هذا إنكار وقال بعضهم هذا إقرار والأول أشبه لأن قوله لا أنكر إخبار عن السكوت عن الجواب والسكوت إنكار على ما مر ومنها الطلب من المدعي لأنها وجبت على المدعى عليه حقا للمدعي وحق الإنسان قبل غيره واجب الإيفاء عند طلبه ومنها عدم البينة الحاضرة عند أبي حنيفة وعندهما ليس بشرط حتى لو قال المدعي لي بينة حاضرة ثم أراد أن يحلف المدعى عليه ليس له ذلك عنده وعندهما له ذلك