Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
احتج الفريق الآخر بصنع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين وصنع الخلفاء الراشدين لأن لنا فيهم قدوة ولأن القضاء بالحق إذا أراد به وجه الله سبحانه وتعالى يكون عبادة خالصة بل هو من أفضل العبادات قال النبي المكرم عليه الصلاة ( ( ( أفضل ) ) ) والسلام ( ( ( التحية ) ) ) عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة والحديث محمول على القاضي الجاهل أو العالم الفاسق أو الطالب الذي لا يأمن على نفسه الرشوة فيخاف أن يميل إليها توفيقا بين الدلائل هذا إذا كان في البلد عدد يصلحون للقضاء فأما إذا كان لم يصلح له إلا رجل واحد فإنه يفترض عليه القبول إذا عرض عليه لأنه إذا لم يصلح له غيره تعين هو لإقامة هذه العبادة فصار فرض عين عليه إلا أنه لا بد من التقليد فإذا قلد افترض عليه القبول على وجه لو امتنع من القبول يأثم كما في سائر فروض الأعيان والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما شرائط القضاء فأنواع بعضها يرجع إلى القاضي وبعضها يرجع إلى نفس القضاء وبعضها يرجع إلى المقضي له وبعضها يرجع إلى المقضي عليه أما الذي يرجع إلى القاضي فما ذكرنا من شرائط جواز تقليد القضاء لأن من لا يصلح قاضيا لا يجوز قضاؤه ضرورة وأما الذي يرجع إلى نفس القضاء فأنواع منها أن يكون بحق وهو الثابت عند الله عز وجل من حكم الحادثة إما قطعا بأن قام عليه دليل قطعي وهو النص المفسر من الكتاب الكريم أو الخبر المشهور والمتواتر والإجماع وإما ظاهرا بأن قام عليه دليل ظاهر يوجب علم غالب الرأي وأكثر الظن من ظواهر الكتاب الكريم والمتواتر والمشهور وخبر الواحد والقياس الشرعي وذلك في المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء رحمهم الله والتي لا رواية في جوابها عن السلف بأن لم تكن واقعة حتى لو قضى بما قام الدليل القطعي على خلافه لم يجز لأنه قضاء بالباطل قطعا وكذا لو قضى في موضع الخلاف بما كان خارجا عن أقاويل الفقهاء كلهم لم يجز لأن الحق لا يعدو أقاويلهم فالقضاء بما هو خارج عنها كلها يكون قضاء باطلا قطعا وكذا لو قضى بالاجتهاد فيما فيه نص ظاهر يخالفه من الكتاب الكريم والسنة لم يجز قضاؤه لأن القياس في مقابلة النص باطل سواء كان النص قطعيا أو ظاهرا وأما فيما لا نص فيه يخالفه ولا إجماع النقول لا يخلو إما إن كان القاضي من أهل الاجتهاد وإما إن لم يكن من أهل الاجتهاد فإن كان من أهل الاجتهاد وأفضى رأيه إلى شيء يجب عليه العمل به وإن خالف رأي غيره ممن هو من أهل الاجتهاد والرأي ولا يجوز له أن يتبع رأي غيره لأن ما أدى إليه اجتهاده هو الحق عند الله عز وجل ظاهرا فكان غيره باطلا ظاهرا لأن الحق في المجتهدات واحد والمجتهد يخطىء ( ( ( يخطئ ) ) ) ويصيب عند أهل السنة والجماعة في العقليات والشرعيات جميعا ولو أفضى رأيه إلى شيء وهناك مجتهد آخر أفقه منه له رأي آخر فأراد أن يعمل برأيه من غير النظر فيه وترجح رأيه بكونه أفقه منه هل يسعه ذلك ذكر في كتاب الحدود أن عند أبي حنيفة يسعه ذلك وعندهما لا يسعه إلا أن يعمل برأي نفسه وذكر في بعض الروايات هذا الاختلاف على العكس فقال على قول أبي حنيفة لا يسعه وعلى قولهما يسعه وهذا يرجع إلى أن كون أحد المجتهدين أفقه من غير النظر في رأيه هل يصلح مرجحا من قال يصلح مرجحا قال يسعه ومن قال لا يصلح قال لا يسعه وجه قول من لا يرى الترجيح بكونه أفقه أن الترجيح يكون بالدليل وكونه أفقه ليس من جنس الدليل فلا يقع به الترجيح وهذا لا يصلح دليل الحكم بنفسه
وجه قول من يرى به الترجيح أن هذا من جنس الدليل لأن كونه أفقه يدل على اجتهاده أقرب ( ( ( إقرار ) ) ) إلى الصواب فكان من جنس الدليل فيصلح للترجيح إن لم يصلح دليل الحكم بنفسه أبدا ( ( ( وأبدا ) ) ) يكون الترجيح بما لا يصلح دليل الحكم بنفسه ولهذا قيل في حده زيادة لا يسقط بها التعارض حقيقة لما علم في أصول الفقه ولهذا أوجب أبو حنيفة رحمه الله تقليد الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم ورجحه على القياس لما أن قوله أقرب إلى إصابة الحق من قول القائس كذا هذا وإن أشكل عليه حكم الحادثة استعمل رأيه في ذلك وعمل به والأفضل أن يشاور أهل الفقه في ذلك فإن اختلفوا في حكم الحادثة نظر في ذلك فأخذ بما يؤدي إلى الحق ظاهرا وإن اتفقوا على رأي يخالف رأيه عمل برأي نفسه أيضا لأن المجتهد مأمور بالعمل بما يؤدي إليه اجتهاده فحرم عليه تقليد غيره لكن لا ينبغي أن يعجل بالقضاء ما لم يقض حق التأمل والاجتهاد وينكشف له وجه الحق فإذا ظهر له الحق باجتهاده قضى بما يؤدي إليه اجتهاده ولا يكونن خائفا في اجتهاده بعدما بذل مجهوده لإصابة الحق فلا يقولن إني أرى وإني أخاف لأن الخوف والشك والظن يمنع من إصابة الحق ويمنع من الاجتهاد فينبغي أن يكون جريئا جسورا على الاجتهاد بعد أن لم يقصر في طلب الحق حتى لو قضى مجازفا لم يصح قضاؤه فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى وإن كان من أهل الاجتهاد إلا أنه إذا كان لا يدري حاله يحمل على أنه قضى برأيه ويحكم بالصحة حملا لأمر المسلم على الصحة والسداد ما أمكن والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان القاضي من أهل الاجتهاد فأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد فإن عرف أقاويل أصحابنا وحفظها على الاختلاف والاتفاق عمل بقول من يعتقد قوله حقا على التقليد وإن لم يحفظ أقاويلهم عمل بفتوى أهل الفقه في بلده من أصحابنا وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد من قال يسعه أن يأخذ بقوله ونرجو أن لا يكون عليه شيء لأنه إذا لم يكن من أهل الاجتهاد بنفسه وليس هناك سواه من أهل الفقه مست الضرورة إلى الأخذ بقوله قال الله تبارك وتعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ولو قضى بمذهب خصمه وهو يعلم ذلك لا ينفذ قضاؤه لأنه قضى بما هو باطل عنده في اعتقاده فلا ينفذ كما لو كان مجتهدا فترك رأي نفسه وقضى برأي مجتهد يرى رأيه باطلا فإنه لا ينفذ قضاؤه لأنه قضى بما هو باطل في اجتهاده كذا هذا ولو نسي القاضي مذهبه فقضى بشيء على ظن أنه مذهب نفسه ثم تبين أنه مذهب خصمه ذكر في شرح الطحاوي أن له أن يبطله ولم يذكر الخلاف لأنه إذا لم يكن مجتهدا تبين أنه قضى بما لا يعتقده حقا فتبين أنه وقع باطلا كما لو قضى وهو يعلم أن ذلك مذهب خصمه وذكر في أدب القاضي أنه يصح قضاؤه عند أبي حنيفة وعندهما لا يصح لهما أن القاضي مقصر لأنه يمكنه حفظ مذهب نفسه وإذا لم يحفظ فقد قصر والمقصر غير معذور ولأبي حنيفة أن النسيان غالب خصوصا عند تزاحم الحوادث فكان معذورا هذا إذا لم يكن القاضي من أهل الاجتهاد فأما إذا كان من أهل الاجتهاد ينبغي أن يصح قضاؤه في الحكم بالإجماع ولا يكون لقاض آخر أن يبطله لأنه لا يصدق على النسيان بل يحمل على أنه اجتهد فأدى اجتهاده إلى مذهب خصمه فقضى به فيكون قضاؤه باجتهاده فيصح
وإن قضى في حادثة وهي محل الاجتهاد برأيه ثم رفعت إليه ثانيا فتحول رأيه يعمل بالرأي الثاني ولا يوجب هذا نقض الحكم بالرأي الأول لأن القضاء بالرأي الأول قضاء مجمع على جوازه لاتفاق أهل الاجتهاد على أن للقاضي أن يقضي في محل الاجتهاد وبما يؤدي إليه اجتهاده فكان هذا قضاء متفقا على صحته ولا اتفاق على صحة هذا الرأي الثاني فلا يجوز نقض المجمع عليه بالمختلف ولهذا لا يجوز لقاض آخر أن يبطل هذا القضاء ( ( ( الاجتهاد ) ) ) كذا هذا وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قضى في حادثة ثم قضى فيها بخلاف تلك القضية فسئل فقال تلك كما قضينا وهذه كما نقضى ولو رفعت إليه ثالثا فتحول رأيه إلى الأول يعمل به ولا يبطل قضاؤه بالرأي الثاني بالعمل بالرأي الأول كما لا يبطل قضاؤه الأول بالعمل بالرأي الثاني لما قلنا ولو أن فقيها قال لامرأته أنت طالق ألبتة ومن رأيه أنه بائن فأمضى رأيه فيما بينه وبين امرأته وعزم على أنها قد حرمت عليه ثم تحول رأيه إلى أنها تطليقة واحدة يملك الرجعة فإن ( ( ( فإنه ) ) ) يعمل برأيه الأول في حق هذه المرأة تحرم ( ( ( وتحرم ) ) ) عليه وإنما يعمل برأيه الثاني في المستقبل في حقها وفي حق غيرها لأن الأول رأي أمضاه بالاجتهاد وما أمضي بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله وكذلك لو كان رأيه أنها واحدة يملك الرجعة فعزم على أنها منكوحة ثم تحول رأيه إلى أنه بائن فإنه يعمل برأيه الأول ولا تحرم عليه لما قلنا ولو لم يكن عزم على الحرمة في الفصل الأول حتى تحول رأيه إلى الحل لا تحرم عليه وكذا في الفصل الثاني لو لم يكن عزم على الحل حتى تحول رأيه إلى الحرمة تحرم عليه لأن نفس الاجتهاد محل النقض ما لم يتصل به الإمضاء واتصال الإمضاء بمنزلة اتصال القضاء واتصال القضاء يمنع من النقض فكذا اتصال الإمضاء وكذلك الرجل إذا لم يكن فقيها فاستفتى فقيها فأفتاه بحلال أو حرام ولو لم يكن عزم على ذلك حتى أفتاه فقيه آخر بخلافه فأخذ بقوله وأمضاه في منكوحته لم يجز له أن يترك ما أمضاه فيه ويرجع إلى ما أفتاه به الأول لأن العمل بما أمضى واجب لا يجوز نقضه مجتهدا كان أو مقلدا لأن المقلد متعبد بالتقليد كما أن المجتهد متعبد بالاجتهاد ثم لم يجز للمجتهد نقض ما أمضاه فكذا لا يجوز ذلك للمقلد ثم ما ذكرنا من نفاذ قضاء القاضي في محل الاجتهاد بما يؤدي إليه اجتهاده إذا لم يكن المقضي عليه والمقضي له من أهل الرأي والاجتهاد أو كانا من أهل الرأي والاجتهاد ولكن لم يخالف رأيهما رأي القاضي فأما إذا كانا من أهل الاجتهاد وخالف رأيهما رأي القاضي فجملة الكلام فيه أن قضاء القاضي ينفذ على المقضي عليه في محل الاجتهاد سواء كان المقضي عليه عاميا مقلدا أو فقيها مجتهدا يخالف رأيه رأي القاضي بلا خلاف أما إذا كان مقلدا فظاهر لأن العامي يلزمه تقليد المفتي فتقليد القاضي أولى وكذا إذا كان مجتهدا لأن القضاء في محل الاجتهاد بما يؤدي إليه اجتهاد القاضي قضاء مجمع على صحته على ما مر ولا معنى للصحة إلا النفاذ على المقضي عليه وصورة المسألة إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ألبتة ورأى الزوج أنه واحدة يملك الرجعة ورأى القاضي أنه بائن فرافعته المرأة إلى القاضي فقضى بالبينونة ينفذ قضاؤه بالاتفاق لما قلنا وأما قضاؤه للمقضي له بما يخالف رأيه هل ينفذ قال أبو يوسف لا ينفذ وقال محمد ينفذ وصورة المسألة إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ألبتة ورأى الزوج أنه بائن ورأى القاضي أنه واحدة يملك الرجعة فرافعته إلى القاضي فقضى بتطليقة واحدة يملك الرجعة لا يحل له المقام معها عند أبي يوسف وعند محمد يحل له
وجه قول محمد ما ذكرنا أن هذا قضاء وقع الاتفاق على جوازه لوقوعه في فصل مجتهد فيه فينفذ على المقضي عليه والمقضي له لأن القضاء له تعلق بهما جميعا ألا ترى أنه لا يصح إلا بمطالبة المقضي له ولأبي يوسف أن صحة القضاء إنفاذه في محل الاجتهاد يظهر أثره في حق المقضي عليه لا في حق المقضي له لأن المقضي عليه مجبور في القضاء عليه فأما المقضى له فمختار في القضاء له فلو اتبع رأي القاضي إنما يتبعه تقليدا وكونه مجتهدا يمنع من التقليد فيجب العمل برأي نفسه وعلى هذا كل تحليل أو تحريم أو إعتاق أو أخذ مال إذا قضى القاضي بما يخالف رأي المقضي عليه أو له فهو على ما ذكرنا من الاتفاق والاختلاف وكذلك المقلد إذا أفتاه إنسان في حادثة ثم رفعت إلى القاضي فقضى بخلاف رأي المفتي فإنه يأخذ بقضاء القاضي ويترك رأي المفتي لأن رأي المفتي يصير متروكا بقضاء القاضي فما ظنك بالمقلد ولم يذكر القدوري رحمه الله الخلاف في هذا الفصل وذكره شيخنا رحمه الله وسننظر فيه فيما يأتي إن شاء الله تعالى وعلى هذا يخرج القضاء بالبينة لأن البينة العادلة مظهرة للمدعى فكان القضاء بالحق وعلى هذا يخرج القضاء بالإقرار لأن الإنسان لا يقر على نفسه كاذبا هذا هو الظاهر فكان القضاء به قضاء بالحق وكذا القضاء بالنكول عندنا فيما يقضى فيه بالنكول لأن النكول على أصل أصحابنا بذل أو إقرار وكل ذلك دليل صدق المدعي في دعواه لما علم فكان القضاء بالنكول قضاء بالحق وعلى هذا يخرج قضاء القاضي بعلم نفسه في الجملة فنقول تفصيل الكلام فيه أنه لا يخلو إما إن قضى بعلم استفاده في زمن القضاء ومكانه وهو الموضع الذي قلد قضاءه وإما إن قضى بعلم استفاده قبل زمان القضاء وفي غير مكانه وإما إن قضى بعلم استفاده بعد زمان القضاء في غير مكانه فإن قضى بعلم استفاده في زمن القضاء وفي مكانه بأن سمع رجلا أقر لرجل بمال أو سمعه يطلق امرأته أو يعتق عبده أو يقذف رجلا أو رآه يقتل إنسانا وهو قاض في البلد الذي قلد قضاءها جاز قضاؤه عندنا ولا يجوز قضاؤه به في الحدود الخالصة بلا خلاف بين أصحابنا إلا أن في السرقة يقضي بالمال لا بالقطع وللشافعي فيه قولان في قول لا يجوز له أن يقضي به في الكل وفي قول يجوز في الكل وجه قوله الأول أن القاضي مأمور بالقضاء بالبينة ولو جاز له القضاء بعلمه لم يبق مأمورا بالقضاء بالبينة وهذا المعنى لا يفصل بين الحدود وغيرها وجه قوله الثاني أن المقصود من البينة العلم بحكم الحادثة وقد علم وهذا لا يوجب الفصل بين الحدود وغيرها لأن علمه لا يختلف ولنا أنه جاز له القضاء بالبينة فيجوز القضاء بعلمه بطريق الأولى وهذا لأن المقصود من البينة ليس عينها بل حصول العلم بحكم الحادثة وعلمه الحاصل بالمعاينة أقوى من علمه الحاصل بالشهادة لأن الحاصل بالشهادة علم غالب الرأي وأكثر الظن والحاصل بالحس والمشاهدة علم القطع واليقين فكان هذا أقوى فكان القضاء به أولى إلا أنه لا يقضي به في الحدود الخالصة لأن الحدود يحتاط في درئها وليس من الاحتياط فيها الاكتفاء بعلم نفسه ولأن الحجة في وضع الشيء هي البينة التي تتكلم بها ومعنى البينة وإن وجد فقد فاتت صورتها وفوات الصورة يورث شبهة والحدود تدرأ بالشبهات بخلاف القصاص فإنه حق العبد وحقوق العباد لا يحتاط في إسقاطها وكذا حد القذف لأن فيه حق العبد وكلاهما لا يسقطان بشبهة فوات الصورة هذا إذا قضى بعلم استفاده في زمن القضاء ومكانه فأما إذا قضى بعلم استفاده في غير زمن القضاء ومكانه أو في زمان القضاء في غير مكانه وذلك قبل أن يصل إلى البلد الذي ولي قضاءه فإنه لا يجوز عند أبي حنيفة أصلا وعندهما يجوز فيما سوى الحدود الخالصة فأما في الحدود الخالصة فلا يجوز
وجه قولهما أنه لما جاز أن يقضي بالعلم المستفاد في زمن القضاء جاز له أن يقضي بالعلم المستفاد قبل زمن القضاء لأن العلم في الحالين على حد واحد إلا أن ههنا استدام العلم الذي كان له قبل القضاء بتجد ( ( ( بتجدد ) ) ) أمثاله وهناك حدث له علم لم يكن وهما سواء في المعنى إلا أنه لم يقض به في الحدود الخالصة لتمكن الشبهة فيه باعتبار التهمة والشبهة تؤثر في الحدود الخالصة ولا تؤثر في حقوق العباد على ما مر ولأبي حنيفة الفرق بين العلمين وهو أن العلم الحادث له في زمن القضاء علم في وقت هو مكلف فيه بالقضاء فأشبه البينة القائمة فيه والعلم الحاصل في غير زمان القضاء علم في وقت هو غير مكلف فيه بالقضاء فأشبه البينة القائمة فيه وهذا لأن الأصل في صحة القضاء هو البينة إلا أن غيرها قد يلحق بها إذا كان في معناها والعلم الحادث في زمان القضاء في معنى البينة يكون حادثا في وقت هو مكلف بالقضاء فكان في معنى البينة والحاصل قبل زمان القضاء أو قبل الوصول إلى مكانه حاصل في وقت هو غير مكلف بالقضاء فلم يكن في معنى البينة فلم يجز القضاء به فهو الفرق بين العلمين وعلى هذا يخرج القضاء بكتاب القضاء ( ( ( القاضي ) ) ) فنقول لقبول الكتاب من القاضي شرائط منها البينة على أنه كتابه فتشهد الشهود على أن هذا كتاب فلان القاضي ويذكرون ( ( ( ويذكروا ) ) ) اسمه ونسبه لأنه لا يعرف أنه كتابه بدونه ومنها أن يكون الكتاب مختوما ويشهدوا على أن هذا ختمه لصيانته عن الخلل فيه ومنها أن يشهدوا بما في الكتاب بأن يقولوا إنه قرأه عليهم مع الشهادة بالختم وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله إذا شهدوا بالكتاب والخاتم تقبل وإن لم يشهدوا بما في الكتاب وكذا إذا شهدوا بالكتاب وبما في جوفه تقبل وإن لم يشهدوا بالخاتم بأن قالوا لم يشهدنا على الخاتم أو لم يكن الكتاب مختوما أصلا لأبي يوسف أن المقصود من هذه الشهادة حصول العلم للقاضي المكتوب إليه بأن هذا كتاب فلان القاضي وهذا يحصل بما ذكرنا ولهما أن العلم بأنه كتاب فلان لا يحصل إلا بالعلم بما فيه ولا بد من الشهادة بما فيه لتكون شهادتهم على علم بالمشهود به ومنها أن يكون بين القاضي المكتوب إليه وبين القاضي الكاتب مسيرة سفر فإن كان دونه لم تقبل لأن القضاء بكتاب القاضي أمر جوز لحاجة الناس بطريق الرخصة لأنه قضاء بالشهادة القائمة على غائب من غير أن يكون عند خصم حاضر لكن جوز للضرورة ولا ضرورة فيما دون مسيرة السفر ومنها أن يكون في الدين والعين التي لا حاجة إلى الإشارة إليها عند الدعوى والشهادة كالدور والعقار وأما في الأعيان التي تقع الحاجة إلى الإشارة إليها كالمنقول من الحيوان والعروض لا تقبل عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو قول أبي يوسف الأول رحمه الله ثم رجع وقال تقبل في العبد خاصة إذا أبق وأخذ في بلد فأقام صاحبه البينة عند قاضي بلده أن عبده أخذه فلان في بلد كذا فشهد الشهود على الملك أو على صفة العبد وحليته فإنه يكتب إلى قاضي البلد الذي العبد فيه أنه قد شهد الشهود عندي أن عبدا صفته وحليته كذا وكذا ملك فلان أخذه فلان بن فلان ينسب كل واحد منهما إلى إبيه وإلى جده على رسم كتاب القاضي إلى القاضي وإذا وصل إلى القاضي المكتوب إليه وعلم أنه كتابه بشهادة الشهود يسلم العبد إليه ويختم في عنقه ويأخذ منه كفيلا ثم يبعث به إلى القاضي الكاتب حتى يشهد الشهود عليه عنده بعينه على الإشارة إليه ثم يكتب القاضي الكاتب له كتابا آخر إلى ذلك القاضي المكتوب إليه أول مرة فإذا علم أنه كتابه قبله وقضى وسلم العبد إلى الذي جاء بالكتاب وأبرأ كفيله ولا يقبل في الجارية بالإجماع
وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن الحاجة إلى قبول كتاب القاضي في العبد متحققة لعموم البلوى به فلو لم يقبل لضاق الأمر على الناس ولضاعت أموالهم ولا حاجة إليه في الأمة لأنها لا تهرب عادة لعجزها وضعف بنيتها وقلبها ولهما أن الشهادة لا تقبل إلا على معلوم للآية الكريمة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون والمنقول لا يصير معلوما إلا بالإشارة إليه والإشارة إلى الغائب محال فلم تصح شهادة الشهود ولا دعوى المدعي لجهالة المدعى فلا يقبل الكتاب فيه ولهذا لم يقبل في الجارية وفي سائر المنقولات بخلاف العقار لأنه يصير معلوما بالتحديد وبخلاف الدين لأن الدين يصير معلوما بالوصف وهذا الذي ذكرنا مذهب أصحابنا رضي الله عنهم وقال ابن أبي ليلى رحمه الله يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الكل وقضاة زماننا يعملون بمذهبه لحاجة الناس وينبغي للقاضي المرسل إليه أن لا يفك الكتاب إلا بمحضر من الخصم ليكون أبعد من التهمة ومنها أن لا يكون في الحدود والقصاص لأن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة وأنه لا تقبل فيهما كذا هذا ومنها أن يكون اسم المكتوب له وعليه واسم أبيه وجده وفخذه مكتوبا في الكتاب حتى لو نسبه إلى أبيه ولم يذكر اسم جده أو نسبه إلى قبيلة كبني تميم ونحوه لا يقبل لأن التعريف لا يحصل به إلا وأن يكون شيئا ظاهرا مشهورا أشهر من القبيلة فيقبل لحصول التعريف ومنها ذكر الحدود في الدور والعقار لأن التعريف في المحدود لا يصح إلا بذكر الحد ولو ذكر في الكتاب ثلاثة حدود يقبل عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر رحمه الله لا يقبل ما لم يشهدوا على الحدود الأربعة ولو شهدوا على حدين لا تقبل بالإجماع وإذا كانت الدار مشهورة كدار الأمير وغيره لا تقبل عند أبي حنيفة عليه الرحمة وعندهما تقبل وهذه من مسائل الشروط ومنها أن يكون القاضي الكاتب على قضائه عند وصول كتابه إلى القاضي المكتوب إليه حتى لو مات أو عزل قبل الوصول إليه لم يعمل به ولو مات بعد وصول الكتاب إليه جاز له أن يقضي به ومنها أن يكون القاضي المكتوب إليه على قضائه حتى لو مات أو عزل قبل وصول الكتاب إليه ثم وصل إلى القاضي الذي ولي مكانه لم يعمل به لأنه لم يكتب إليه والله تعالى أعلم ومنها أن يكون القاضي الكاتب من أهل العدل فإن كان من أهل البغي لم يعمل به قاضي أهل العدل بل يرده كبتا وغيظا لهم ومنها أن يكون لله سبحانه وتعالى خالصا لأن القضاء عبادة والعبادة إخلاص العمل بكليته لله عز وجل فلا يجوز قضاؤه لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له لأن القضاء له قضاء لنفسه من وجه فلم يخلص لله سبحانه وتعالى وكذا إذا قضى في حادثة برشوة لا ينفذ قضاؤه في تلك الحادثة وإن قضى بالحق الثابت عند الله جل ( ( ( جلا ) ) ) وعلا من حكم الحادثة لأنه إذا أخذ على القضاء رشوة فقد قضى لنفسه لا لله عز اسمه فلم يصح وأما الذي يرجع إلى المقضي له فأنواع منها أن يكون ممن تقبل شهادته للقاضي فإن كان ممن لا تقبل شهادته له لا يجوز قضاء القاضي له لما قلنا والله تعالى الموفق ومنها أن يكون حاضرا وقت القضاء فإن كان غائبا لم يجز القضاء له إلا إذا كان عنه خصم حاضر لأن القضاء على الغائب كما لا يجوز فالقضاء للغائب أيضا لا يجوز ومنها طلب القضاء من القاضي في حقوق العباد لأن القضاء وسيلة إلى حقه فكان حقه وحق الإنسان لا يستوفى إلا بطلبه وأما الذي يرجع إلى المقضي عليه فحضرته حتى لا يجوز القضاء على الغائب إذا لم يكن عنه خصم حاضر وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله ليس بشرط والمسألة ذكرت في كتاب الدعوى والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما آداب القضاء
فكثيرة والأصل فيها كتاب سيدنا عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رحمه الله سماه محمد رحمه الله كتاب السياسة وفيه أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له آس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك وفي رواية لا يخاف ضعيف جورك البينة على المدعي واليمين على من أنكر الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم لا يبطل ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن العظيم والسنة ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أحبها وأقربها إلى الله تبارك وتعالى وأشبهها بالحق اجعل للمدعي أمدا ينتهي إليه فإذا أحضر بينة أخذ بحقه وإلا وجب القضاء عليه وفي رواية وإن عجز عنها استحللت عليه القضاء فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف أو ظنينا في ولاء أو قرابة أو مجربا عليه شهادة زور فإن الله تعالى تولى منكم السر وفي رواية السرائر ودرأ عنكم بالبينات إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس للخصوم في مواطن الحق الذي يوجب الله سبحانه وتعالى به الأجر ويحسن به الذخر وأن من يخلص نيته فيما بينه وبين الله تعالى ولو على نفسه في الحق يكفه الله تعالى فيما بينه وبين الناس ومن يتزين للناس بما يعلم الله منه خلافه شانه الله عز وجل فإنه سبحانه وتعالى لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصا فما ظنك بثواب عن الله سبحانه من عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام ومنها أن يكون القاضي فهما عند الخصومة فيجعل فهمه وسمعه وقلبه إلى كلام الخصمين لقول سيدنا عمر رضي الله عنه في كتاب السياسية ( ( ( السياسة ) ) ) فافهم إذا أولي إليك ولأن من الجائز أن يكون الحق مع أحد الخصمين فإذا لم يفهم القاضي كلامهما يضيع الحق وذلك قوله رضي الله تعالى عنه فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له ومنها أن لا يكون قلقا وقت القضاء لقول سيدنا عمر رضي الله عنه إياك والقلق وهذا ندب إلى السكون والتثبيت ومنها أن لا يكون ضجرا عند القضاء إذا اجتمع عليه الأمور فضاق صدره لقوله رضي الله عنه إياك والضجر ومنها أن لا يكون غضبان وقت القضاء لقول سيدنا عمر رضي الله عنه إياك والغضب وقال عليه الصلاة ( ( ( وسلم ) ) ) والسلام لا يقضي القاضي وهو غضبان ولأنه يدهشه عن التأمل ومنها أن لا يكون جائعا ولا عطشان ولا ممتلئا لأن هذه العوارض من القلق والضجر والغضب والجوع والعطش والامتلاء مما يشغله عن الحق ومنها أن لا يقضي وهو يمشي على الأرض أو يسير على الدابة لأن المشي والسير يشغلانه عن النظر والتأمل في كلام الخصمين ولا بأس بان يقضي وهو متكىء ( ( ( متكئ ) ) ) لأن الاتكاء لا يقدح في التأمل والنظر ومنها أن يسوي بين الخصمين في الجلوس فيجلسهما بين يديه لا عن يمينه ولا عن يساره لأنه لو فعل ذلك فقد قرب أحدهما في مجلسه وكذا ألا يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره لأن لليمين فضلا على اليسار وقد روي أن عمر وأبي بن كعب رضي الله عنهما اختصما في حادثة إلى زيد بن ثابت فألقى لسيدنا عمر رضي الله عنه وسادة فقال سيدنا عمر رضي الله عنه هذا أول جورك وجلس بين يديه ومنها أن يسوي بينهما في النظر والنطق والخلوة فلا ينطلق بوجهه إلى أحدهما ولا يسار أحدهما ولا يومىء إلى أحدهما بشيء دون خصمه
ولا يرفع صوته على أحدهما ولا يكلم أحدهما بلسان لا يعرفه الآخر ولا يخلو بأحد في منزله ولا يضيف أحدهما فيعدل بين الخصمين في هذا كله لما في ترك العدل فيه من كسر قلب الآخر ويتهم القاضي به أيضا ومنها أن لا يقبل الهدية من أحدهما إلا إذا كان لا يلحقه به تهمة وجملة الكلام فيه أن المهدي لا يخلو إما أن يكون رجلا كان يهدى إليه قبل تقليد القضاء وإما إن كان لا يهدى إليه فأما إن كان قريبا له أو أجنبيا فإن كان قريبا له ينظر إن كان له خصومة في الحال فإنه لا يقبل لأنه يلحقه التهمة وإن كان لا خصومة له في الحال يقبل لأنه لا تهمة فيه وإن كان أجنبيا لا يقبل سواء كان له خصومة في الحال أو لا لأنه إن كان له خصومة في الحال كان بمعنى الرشوة وإن لم يكن فربما يكون له خصومة في الحال يأتي بعد ذلك فلا يقبل ولو قبل يكون لبيت المال هذا إذا كان الرجل لا يهدي إليه قبل تقليد القضاء فأما إذا كان يهدي إليه فإن كان له في الحال خصومة لا تقبل لأنه يتهم فيه وإن كان لا خصومة له في الحال ينظر إن كان أهدى مثل ما كان يهدي أو أقل يقبل لأنه لا تهمة فيه وإن كان أكثر من ذلك يرد الزيادة عليه وإن قبل كان لبيت المال وإن لم يقبل للحال حتى انقضت الخصومة ثم قبلها لا بأس به ومنها أن لا يجيب الدعوة الخاصة بأن كانوا خمسة أو عشرة لأنه لا يخلو من التهمة إلا إذا كان صاحب الدعوة ممن كان يتخذ له الدعوة قبل القضاء أو كان بينه وبين القاضي قرابة فلا بأس بأن يحضر إذا لم يكن له خصومة لانعدام التهمة فإن عرف القاضي له خصومة لم يحضرها وأما الدعوة العامة فإن كانت بدعة كدعوة المباراة ونحوها لا يحل له أن يحضرها لأنه لا يحل لغير القاضي إجابتها فالقاضي أولى وإن كانت سنة كوليمة العرس والختان فإنه يجيبها لأنه إجابة السنة ولا تهمة فيه ومنها أن لا يلقن أحد الخصمين حجته لأن فيه مكسرة قلب الآخر ولأن فيه إعانة أحد الخصمين فيوجب التهمة غير أنه إن تكلم أحدهما أسكت الآخر ليفهم كلامه ومنها أن لا يلقن الشاهد بل يتركه يشهد بما عنده فإن أوجب الشرع قبوله قبله وإلا رده وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع وقال لا بأس بتلقين الشاهد بأن يقول أتشهد بكذا وكذا وجه قوله أن من الجائز أن الشاهد يلحقه الحصر لمهابة مجلس القضاء فيعجزه عن إقامة الحجة فكان التلقين تقويما لحجة ثابتة فلا بأس به ولهما أن القاضي يتهم بتلقين الشاهد فيتحرج عنه ومنها أن لا يعبث بالشهود لأن ذلك يشوش عليهم عقولهم فلا يمكنهم أداء الشهادة على وجهها وإذا اتهم الشهود فلا بأس بأن يفرقهم عند أداء الشهادة فيسألهم أين كان ومتى كان فإن اختلفوا اختلافا يوجب رد الشهادة ردها وإلا فلا ويشهد القاضي الجنازة لأن ذلك حق الميت على المسلمين فلم يكن متهما في أداء سنة فيحضرها إلا إذا اجتمعت الجنائز على وجه لو حضرها كلها لشغله ذلك عن أمور المسلمين فلا بأس أن لا يشهد لأن القضاء فرض عين وصلاة الجنازة فرض كفاية فكان إقامة فرض العين عند تعذر الجمع بينهما أولى ويعود المريض أيضا لأن ذلك حق المسلمين على المسلمين فلا يلحقه التهمة بإقامته ويسلم على الخصوم إذا دخلوا المحكمة لأن السلام من سنة الإسلام وكان شريح يسلم على الخصوم لكن لا يخص أحد الخصمين بالتسليم عليه دون الآخر وهذا قبل جلوسه في مجلس الحكم فأما إذا جلس لا يسلم عليهم ولا هم يسلمون عليه أما هو فلا يسلم عليهم لأن السنة أن يسلم القائم على القاعد لا القاعد على القائم وهو قاعد وهم قيام
وأما هم فلا يسلمون عليه لأنهم لو سلموا عليه لا يلزمه الرد لأنه اشتغل بأمر هو أهم وأعظم من رد السلام فلا يلزمه الاشتغال كذا ذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني في رجل يقرأ القرآن فدخل عليه آخر أنه لا ينبغي له أن يسلم عليه ولو سلم عليه لا يلزمه الجواب وكذا المدرس إذا جلس للتدريس لا ينبغي لأحد أن يسلم عليه ولو سلم لا يلزمه الرد لما قلنا بخلاف الأمير إذا جلس فدخل عليه الناس أنهم يسلمون عليه وهو السنة وإن كان سلاطين زماننا يكرهون التسليم عليهم وهو خطأ منهم لأنهم جلسوا للزيارة ومن سنة الزائر التسليم على من دخل عليه وأما القاضي فإنما جلس للعبادة لا للزيارة فلا يسن التسليم عليه ولا يلزمه الجواب إن سلموا لكن لو أجاب جاز ومنها أن يسأل القاضي عن حال الشهود فيما سوى الحدود والقصاص وإن لم يطعن الخصم وهو من آداب القاضي عند أبي حنيفة رحمه الله لأن القضاء بظاهر العدالة وإن كان جائزا عنده فلا شك أن القضاء بالعدالة الحقيقية أفضل وأما عندهما فهو من واجبات القضاء وكذا إذا طعن الخصم عنده في غير الحدود والقصاص وفي الحدود والقصاص طعن أو لم يطعن ثم القضاة من السلف كانوا يسألون بأنفسهم عن حال الشهود من أهل محلتهم وأهل سوقهم وإن كان الشاهد سوقيا ممن هو أتقى الناس وأورعهم وأعظمهم أمانة وأعرفهم بأحوال الناس ظاهرا وباطنا والقضاة في زماننا نصبوا للعدل تيسيرا للأمر عليهم لما يتعذر على القاضي طلب المعدل في كل شاهد فاستحسنوا نصب العدل ثم نقول للتعديل شرائط بعضها يرجع إلى نفس العدل وبعضها يرجع إلى فعل التعديل أما الأول فأنواع منها العقل ومنها البلوغ ومنها الإسلام فلا يجوز تعديل المجنون والصبي والكافر لأن التزكية إن كانت تجري مجرى الشهادة فهؤلاء ليسوا من أهل الشهادة فلا يكونون من أهل التزكية وإن كانت من باب الإخبار عن الديانات فخبرهم في الديانات غير مقبول لأنه لا بد فيه من العدالة ولا عدالة لهؤلاء ومنها العدالة لأن من لا يكون عدلا في نفسه كيف يعدل غيره وأما العدد فليس بشرط الجواز عند أبي حنيفة وأبي يوسف لكنه شرط الفضيلة والكمال وعند محمد شرط الجواز وجه قوله أن التزكية في معنى الشهادة لأنه خبر عن أمر غاب عن علم القاضي وهذا معنى الشهادة فيشترط لها نصاب الشهادة ولهما أن التزكية ليست بشهادة بدليل أنه لا يشترط فيه لفظ الشهادة فلا يلزم فيها العدد على أن شرط العدد في الشهادات ثبت نصا غير معقول المعنى فيما يشترط فيه لفظ الشهادة فلا يلزم مراعاة العدد فيما وراءه وعلى هذا الخلاف العدد في الترجمان وحامل المنشور أنه ليس بشرط عندهما وعنده شرط وعلى هذا الخلاف حرية المعدل وبصره وسلامته عن حد القذف أنه ليس بشرط عندهما فتصح تزكية الأعمى والعبد والمحدود في القذف وعند محمد شرط فلا تصح تزكيتهم لأن التزكية شهادة عنده فيشترط لها ما يشترط لسائر الشهادات وعندهما ليست بشهادة فلا يراعى فيها شرائط الشهادة لما قلنا وأما الذكورة فليست بشرط لجواز التزكية فتجوز تزكية المرأة إذا كانت امرأة تخرج لحوائجها وتخالط الناس فتعرف أحوالهم وهذا ظاهر الرواية على أصلها لأن هذا من باب الإخبار عن الديانات وهي من أهله وأما عند محمد فتقبل تزكيتها فيما تقبل شهادتها فتصح تزكيتها فيما يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وتجوز تزكية الولد للوالد والوالد للولد وكل ذي رحم محرم منه لأنه لا حق للعدل في التعديل إنما هو حق المدعي فلا يوجب تهمة فيه وهذا يشكل على أصل محمد لأنه يجري التعديل مجرى الشهادة وشهادة الوالد لولده وعكسه لا تقبل ومنها أن لا يكون المزكي مشهودا عليه فإن كان لم تعتبر تزكيته ويجب السؤال وهذا تفريع على مذهب أبي يوسف ومحمد فيما سوى الحدود والقصاص بناء على أن المسألة ما وجبت حقا للمشهود عليه عندهما وإنما وجبت حقا للشرع وحق الشرع لا يتأدى بتعديله لأن في زعم المدعي والشهود أنه كاذب في إنكاره فلا يصح تعديله
وعند أبي حنيفة السؤال فيما سوى الحدود والقصاص حق المشهود عليه وحق الإنسان لا يطلب إلا بطلبه فما لم يطعن لا يتحقق الطلب فلا تجب المسألة وذكر في كتاب التزكية أن المشهود عليه إذا قال للشاهد هو عدل لا يكتفي به ما لم ينضم إليه آخر على قول محمد فصار عن محمد روايتان في رواية لا تعتبر أصلا وفي رواية يقبل تعديله إذا انضم إليه غيره وأما الثاني الذي يرجع إلى فعل التعديل فهو أن يقول المعدل في التعديل هو عدل جائز الشهادة حتى لو قال هو عدل ولم يقل جائز الشهادة لا يقبل تعديله لجواز أن يكون الإنسان عدلا في نفسه ولا تجوز شهادته كالمحدود في القذف إذا تاب وصلح والعبد الصالح وكذلك إذا قال في الرد هو ليس بعدل لا يرد ما لم يقل هو غير جائز الشهادة لأن غير العدل وهو الفاسق تجوز شهادته إذا تحرى القاضي الصدق في شهادته ولو قضى به القاضي ينفذ ومنها أن يسأل المعدل في السر أولا فإن وجده عدلا يعدله في العلانية أيضا ويجمع بين المزكي والشهود وبين المدعي والمدعى عليه في تعديل العلانية وإن لم يجده عدلا يقول للمدعي زد في شهودك ولا يكشف عن حال المجروح سترا على المسلم ولا يكتفي بتعديل السر خوفا من الاحتيال والتزوير بأن يسمي غير العدل باسم العدل فكان الأدب هو التزكية في العلانية بعد التزكية في السر ولو اختلف المعدلان فعدله أحدهما وجرحه الآخر سأل القاضي غيرهما فإن عدله آخر أخذ بالتزكية وإن جرحه آخر أخذ بالجرح لأن خبر الاثنين أولى من خبر الواحد بالقبول لأنه حجة مطلقة وإن انضم إلى كل واحد منهما رجل آخر فعدله اثنان وجرحه اثنان عمل بالجرح لأن الجارح يعتمد حقيقة الحال والمعدل يبني الأمر على الظاهر لأن الظاهر من حال الإنسان أن يظهر الصلاح ويكتم الفسق فكان قبول قول الجارح أولى كذلك لو جرحه اثنان وعدله ثلاثة أو أربعة أو أكثر يعمل بقول الجارح لأن الترجيح لا يقع بكثرة العدد في باب الشهادة ومنها أن يجلس معه جماعة من أهل الفقه يشاورهم ويستعين برأيهم فيما يجهله من الأحكام وقد ندب الله سبحانه رسوله عليه الصلاة والسلام إلى المشاورة بقوله وشاورهم في الأمر مع انفتاح باب الوحي فغيره أولى وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال ما رأيت أحدا بعد رسول الله أكثر مشاورة لأصحابه منه وروي أنه عليه السلام كان يقول لسيدنا أبي بكر وسيدنا عمر رضي الله تعالى عنهما قولا فإني فيما لم يوح إلى مثلكما ولأن المشاورة في طلب الحق من باب المجاهدة في الله عز وجل فيكون سببا للوصول إلى سبيل الرشاد قال الله عز وجل والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وينبغي أن يجلس معه من يوثق بدينه وأمانته لئلا يضن بما عنده من الحق والثواب ( ( ( والصواب ) ) ) بل يهديه إلى ذلك إذا رفع إليه ولا ينبغي أن يشاورهم بحضرة الناس لأن ذلك يذهب بمهابة المجلس والناس يتهمونه بالجهل ولكن يقيم الناس عن المجلس ثم يشاورهم أو يكتب في رقعة فيدفع إليهم أو يكلمهم بلغة لا يفهمها الخصمان هذا إذا كان القاضي لا يدخله حصر بإجلاسهم عنده ولا يعجز عن الكلام بين أيديهم فإن كان لا يجلسهم فإن أشكل عليه شيء من أحكام الحوادث بعث إليهم وسألهم ومنها ( ( ( ومنه ) ) ) أن يكون له جلواز وهو المسمى بصاحب المجلس في عرف ديارنا يقوم على رأس القاضي لتهذيب المجلس وبيده سوط يؤدب به المنافق وينذر به المؤمن وقد روي أن رسول الله كان يمسك بيده سوطا ينذر به المؤمن ويؤدب به المنافق وكان سيدنا أبو بكر يمسك سوطا وسيدنا عمر اتخذ درة ومنها أن يكون له أعوان يستحضرون الخصوم ويقومون بين يديه إجلالا له ليكون مجلسا مهيبا ويذعن المتمرد للحق
وهذا في زماننا فأما في زمان الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فما كان تقع الحاجة إلى أمثال ذلك لأنهم كانوا ينظرون إلى الأمراء والقضاة بعين التبجيل والتعظيم ويخافونهم وينقادون للحق بدون ذلك فقد روي أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقضي في المسجد فإذا فرغ استلقى على قفاه وتوسد بالحصى وما كان ينقص ذلك من حرمته وروي أنه لبس قميصا فازدادت أكمامه عن أصابعه فدعا بالشفرة فقطعهما وكان لا يكفهما أياما وكانت الأطراف متعلقة منها والناس يهابونه غاية المهابة فأما اليوم فقد فسد الزمان وتغير الناس فهان العلم وأهله فوقعت الحاجة إلى هذه التكليفات للتوسل إلى إحياء الحق وإنصاف المظلوم من الظالم ومنها أن يكون له ترجمان لجواز أن يحضر مجلس القضاء من لا يعرف القاضي لغته من المدعي والمدعى عليه والشهود والكلام في عدد الترجمان وصفاته على الاتفاق والاختلاف كالكلام في عدد المزكي وصفاته كما تقدم والله تعالى أعلم ومنها أن يتخذ كاتبا لأنه يحتاج إلى محافظة الدعاوي والبينات والإقرارات التي لا يمكنه حفظها فلا بد من الكتابة وقد يشق عليه أن يكتب بنفسه فيحتاج إلى كاتب يستعين به وينبغي أن يكون عفيفا صالحا من أهل الشهادة وله معرفة بالفقه أما العفة والصلاح فلأن هذا من باب الأمانة والأمانة لا يؤديها إلا العفيف الصالح وأما أهلية الشهادة فلأن القاضي قد يحتاج إلى شهادته وأما معرفته بالفقه فلأنه يحتاج إلى الاختصار والحذف من كلام الخصمين والنقل من لغة ولا يقدر على ذلك إلا من له معرفة بالفقه فإن لم يكن فقيها كتب كلام الخصمين كما سمعه ولا يتصرف فيه بالزيادة والنقصان لئلا يوجب حقا لم يجب ولا يسقط حقا واجبا لأن تصرف غير الفقيه بتفسير الكلام لا يخلو عن ذلك وينبغي أن يقعد الكاتب حيث يرى ما يكتب وما يصنع فإن ذلك أقرب إلى الاحتياط ثم في عرف بلادنا يقدم كتابة الدعوى على الدعوى فيكتب دعوى المدعي ويترك موضع التاريخ بياضا لجواز أن تتخلف الدعوى عن وقت الكتابة ويترك موضع الجواب أيضا بياضا لأنه لا يدري أن المدعى عليه يقر أو ينكر ويكتب أسماء الشهود إن كان للمدعي شهود ويترك بين كل شاهدين بياضا ليكتب القاضي التاريخ وجواب الخصم وشهادة الشهود بنفسه ثم يطوي الكاتب الكتاب ويختمه ثم يكتب على ظهره خصومة فلان ابن ( ( ( بن ) ) ) فلان مع فلان ابن ( ( ( بن ) ) ) فلان في شهر كذا في سنة كذا ويجعله في قمطرة وينبغي أن يجعل لخصومات كل شهر قمطرا على حدة ليكون أبصر بذلك ثم يكتب القاضي في ذلك الشهر أسماء الشهود بنفسه على بطاقة أو يستكتب الكتاب بين يديه فيبعثها إلى المعدل سرا وهي المسماة بالمستورة في عرف ديارنا والأفضل أن يبعث على يدي عدلين وإن بعث على يدي عدل فهو على الاختلاف الذي ذكرنا والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها أن يقدم الخصوم على مراتبهم في الحضور الأول فالأول لقوله عليه الصلاة والسلام المباح لمن سبق إليه وإن اشتبه عليه حالهم استعمل القرعة فقدم من خرجت قرعته إلا الغرباء إذا خاصموا بعض أهل المصر إليه أو خاصم بعضهم بعضا أو خاصمهم بعض أهل المصر فإنه يقدمهم في الخصومة على أهل المصر لما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال قدم الغريب فإنك إذا لم ترفع به رأسا ذهب وضاع حقه فتكون أنت الذي ضيعته ندب رضي الله عنه إلى تقديم الغريب ونبه على المعنى لأنه لا يمكنه الانتظار فكان تأخيره في الخصومة تضييعا لحقه إلا إذا كانوا كثيرا بحيث يشتغل القاضي عن أهل المصر فيخلطهم بأهل المصر لأن تقديمهم يضر بأهل المصر وكذا تقديم صاحب الشهود على غيره لأن إكرام الشهود واجب قال عليه الصلاة والسلام أكرموا الشهود فإن الله يحيي ( ( ( يحي ) ) ) بهم الحقوق وليس من الإكرام حبسهم على باب القاضي
وهذا إذا كان واحدا فإن كانوا كثيرا أقرع بينهم وينبغي أن يقدم الرجال على حدة والنساء على حدة لما في الخلط من خوف الفتنة ولو رأى أن يجعل لهن يوما على حدة لكثرة الخصوم فعل لأن إفرادهن بيوم أستر لهن ومنها أن لا يتعب نفسه في طول الجلوس لأنه يحتاج إلى النظر في الحجج وبطول الجلوس يختل النظر فيها فلا ينبغي أن يفعل ذلك ويكفي الجلوس طرفي النهار وقدر ما لا يفتر عن النظر في الحجج وإذا تقدم إليه الخصمان هل يسأل المدعي عن دعواه ذكر في أدب القاضي أنه يسأل وذكر في الزيادات أنه لا يسأل وكذا إذا ادعى دعوى صحيحة هل يسأل المدعى عليه عن دعوى خصمه ذكر في آداب القاضي أنه يسأل وذكر في الزيادات أنه لا يسأل حتى يقول له المدعي سله عن جواب دعواي وجه ما ذكر في الزيادات أن السؤال عن الدعوى إنشاء الخصومة والقاضي لا ينشىء ( ( ( ينشئ ) ) ) الخصومة وجه ما ذكر في الكتاب أن من الجائز أن أحد الخصمين يلحقه مهابة مجلس القضاء فيعجز عن البيان دون سؤال القاضي فيسأل عن دعواه ومنها أن المدعي إذا أقام البينة فادعى المدعى عليه الدفع وقال لين ( ( ( لي ) ) ) بينة حاضرة أمهله زمانا لقول سيدنا عمر رضي الله عنه في كتاب السياسة اجعل للمدعي أمدا ينتهي إليه وأراد به مدعي الدفع ألا ترى أنه قال وإن عجز استحللت عليه القضاء ولأنه لو لم يمهله وقضى ببينة المدعي ربما يحتاج إلى نقض قضائه لجواز أن يأتي بالدفع مؤخرا فهو من صيانة القضاء عن النقض ثم ذلك مفوض إلى رأي القاضي إن شاء أخر إلى آخر المجلس وإن شاء إلى الغد وإن شاء إلى بعد الغد ولا يزيد عليه لأن الحق قد توجه عليه فلا يسعه التأخير أكثر من ذلك وإن أدى ببينة غائبة لا يلتفت إليه بل يقضي للمدعي ومنها أن يجلس للقضاء في أشهر المجالس ليكون أرفق بالناس وهل يقضي في المسجد قال أصحابنا رحمهم الله يقضي وقال الشافعي رحمه الله لا يقضي بل يقضي في بيته وجه قوله أن القاضي يأتيه المشرك والحائض والنفساء والجنب ويجري بين الخصمين كلام اللغو والرفث والكذب لأن أحدهما كاذب وتنزيه المسجد عن هذا كله واجب ولنا الاقتداء برسول الله والصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم فإن رسول الله كان يقضي في المسجد وكذا الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون رضي الله عنهم كانوا يجلسون في المسجد للقضاء والاقتداء بهم واجب ولا بأس للقاضي أن يرد الخصوم إلى الصلح إن طمع منهم ذلك قال الله تبارك وتعالى والصلح خير فكان الرد إلى الصلح ردا إلى الخير وقال سيدنا عمر رضي الله عنه ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن فندب رضي الله عنه القضاة إلى رد الخصوم إلى الصلح ونبه على المعنى وهو حصول المقصود من غير ضغينة ولا يزيد على مرة أو مرتين فإن اصطلحا وإلا قضى بينهما بما يوجب الشرع وإن لم يطمع منهم الصلح لا يردهم إليه بل ينفذ القضية فيهم لأنه لا فائدة في الرد وهل للقاضي أن يأخذ الرزق فإن كان فقيرا له أن يأخذ لأنه يعمل للمسلمين فلا بد له من الكفاية ولا كفاية له فكانت كفايته في بيت المال إلا أن يكون له ذلك أجرة عمله وينبغي للإمام أن يوسع عليه وعلى عياله كيلا يطمع في أموال الناس وروي أن رسول الله لما بعث عتاب بن أسيد رضي الله عنه إلى مكة وولاه أمرها رزقه أربعمائة درهم في كل عام وروي أن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أجروا لسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه كل يوم درهما وثلثا أو ثلثين من بيت المال وكذا روي أنه كان لسيدنا عمر رضي الله عنه مثل ذلك من بيت المال وكان لسيدنا علي رضي الله عنه كل يوم قصعة من ثريد ورزق سيدنا عمر رضي الله عنه شريحا
وروي أن سيدنا عليا فرض له خمسمائة درهم في كل شهر وإن كان غنيا اختلفوا فيه قال بعضهم لا يحل له أن يأخذ لأن الأخذ بحكم الحاجة ولا حاجة له إلى ذلك وقال بعضهم يحل له الأخذ والأفضل له أن يأخذ أما الحل فلما بينا أنه عامل للمسلمين فكانت كفايته عليهم لا من طريق الأجر وأما الأفضلية فلأنه وإن لم يكن محتاجا إلى ذلك فربما يجيء بعده قاض محتاج وقد صار ذلك سنة ورسما فتمتنع السلاطين عن إبطال رزق القضاة إليهم خصوصا سلاطين زماننا فكان الامتناع من الأخذ شحا بحق الغير فكان الأفضل هو الأخذ وليس للقاضي أن يستخلف إلا إذا أذن له الإمام بذلك لأنه يتصرف بالتفويض فيتقدر بقدر ما فوض إليه كالوكيل ولو استخلف تتوقف قضايا خليفته على إجازته بمنزلة الوكيل الخاص إذا وكل غيره فتصرف ولو كان الإمام أذن له بذلك كان له ذلك كالوكيل العام وفي آداب القضاء وما ندب القاضي إلى فعله كثرة لها كتاب مفرد هناك إن شاء الله تعالى فصل وأما بيان ما ينفذ من القضايا وما ينقض منها إذا رفع إلى قاض آخر فنقول وبالله التوفيق قضاء القاضي الأول لا يخلو أما إن وقع في فصل فيه نص مفسر من الكتاب العزيز والسنة المتواترة والإجماع وأما إن وقع في فصل مجتهد فيه من ظواهر النصوص والقياس فإن وقع في فصل فيه نص مفسر من الكتاب أو الخبر المتواتر أو الإجماع فإن وافق قضاؤه ذلك نفذ ولا يحل له النقض لأنه وقع صحيحا قطعا وإن خالف شيئا من ذلك يرده لأنه وقع باطلا قطعا وإن وقع في فصل مجتهد فيه فلا يخلو إما إن كان مجمعا على كونه مجتهدا فيه وإما إن كان مختلفا في كونه مجتهدا فيه فإن كان ذلك مجمعا على كونه محل الاجتهاد فإما إن كان المجتهد فيه هو المقضي به وإما إن كان نفس القضاء فإن كان المجتهد فيه هو المقضي به فرفع قضاؤه إلى قاض آخر لم يرده الثاني بل ينفذه لكونه قضاء مجمعا على صحته لما علم أن الناس على اختلافهم في المسألة اتفقوا على أن للقاضي أن يقضي بأي الأقوال الذي مال إليه اجتهاده فكان قضاء ( ( ( قضاؤه ) ) ) مجمعا على صحته فلو نقضه إنما ينقضه بقوله وفي صحته اختلاف بين الناس فلا يجوز نقض ما صح بالاتفاق بقول مختلف في صحته ولأنه ليس مع الثاني دليل قطعي بل اجتهادي وصحة قضاء القاضي الأول ثبت بدليل قطعي وهو إجماعهم على جواز القضاء بأي وجه اتضح له فلا يجوز نقض ما مضى بدليل قاطع بما فيه شبهة ولأن الضرورة توجب القول بلزوم القضاء المبني على الاجتهاد وأن لا يجوز نقضه لأنه لو جاز نقضه يرفعه إلى قاض آخر يرى خلاف رأي الأول فينقضه ثم يرفعه المدعي إلى قاض آخر يرى خلاف رأي القاضي الثاني فينقض نقضه ويقضي كما قضى الأول فيؤدي إلى أن لا تندفع الخصومة والمنازعة أبدا والمنازعة سبب الفساد وما أدى إلى الفساد فساد فإن كان رده القاضي الثاني فرفعه إلى قاض ثالث نفذ قضاء القاضي الأول وأبطل قضاء القاضي الثاني لأن قضاء الأول صحيح وقضاء الثاني بالرد باطل
هذا إذا كان القاضي الأول قاضي أهل العدل فإن كان قاضي أهل البغي فرفعت قضاياه إلى قاضي أهل العدل بأن ظهر أهل العدل على المصر الذي كان في يد الخوارج فرفعت إلى قاضي أهل العدل قضايا قاضيهم لم ينفذ شيئا منها بل ينقضها كلها وإن كانوا من أهل القضاء والشهادة في الجملة كبتا وغيظا لهم لينزجروا عن البغي وإن كان نفس القضاء مجتهدا فيه إنه يجوز أم لا كما لو قضى بالحجر على الحر أو قضى على الغائب أنه يجوز للقاضي الثاني أن ينقض قضاء الأول إذا مال اجتهاده إلى خلاف اجتهاد ( ( ( اجتهاده ) ) ) الأول لأن قضاءه هنا لم يجز بقول الكل بل بقول البعض دون البعض فلم يكن جوازه متفقا عليه فكان محتملا للنقض بمثله بخلاف الفصل الأول لأن جواز القضاء هناك ثبت بقول الكل فكان متفقا عليه فلا يحتمل النقض بقول البعض ولأن المسألة إذا كانت مختلفا فيها فالقاضي بالقضاء يقطع أخد ( ( ( أحد ) ) ) الاختلافين ويجعله متفقا عليه في الحكم بالقضاء المتفق على جوازه وإذا كان نفس القضاء مختلفا فيه يرفع الخلاف بالخلاف هذا إذا كان القضاء في محل أجمعوا على كونه محل الاجتهاد فأما إذا كان في محل اختلفوا أنه محل الاجتهاد أم لا كبيع أم الولد هل ينفذ قضاء القاضي أم لا فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ينفذ لأنه محل الاجتهاد عندهما لاختلاف الصحابة في جواز بيعها ( ( ( بيعهما ) ) ) وعند محمد لا ينفذ لوقوع الاتفاق بعد ذلك من الصحابة وغيرهم على أنه لا يجوز بيعها فخرج عن محل الاجتهاد وهذا يرجع إلى أن الإجماع المتأخر هل يرفع الخلاف المتقدم عندهما لا يرفع وعنده يرفع فكان هذا الفصل مختلفا في كونه مجتهدا فيه فينظر إن كان من رأي القاضي الثاني أنه يجتهد فيه ينفذ قضاءه ولا يرده لما ذكرنا في سائر المجتهدات المتفق عليها وإن كان من رأيه أنه خرج عن حد الاجتهاد وصار متفقا عليه لا ينفذ بل يرده لأن عنده أن قضاء الأول وقع مخالفا للإجماع فكان باطلا ومن مشايخنا من فصل في المجتهدات تفصيلا آخر فقال إن كان الاجتهاد شنيعا مستنكرا جاز للقاضي الثاني أن ينقض قضاء الأول وهذا فيه نظر لأنه إذا صح كونه محل الاجتهاد فلا معنى للفصل بين مجتهد ومجتهد لأن ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بينهما فينبغي أن لا يجوز للثاني نقض قضاء الأول لأن قضاءه صادف محل الاجتهاد فصل وأما بيان ما يحله القضاء وما لا يحله فالأصل أن قضاء القاضي بشاهدي الزور فيما له ولاية إنشائه في الجملة يفيد الحل عند أبي حنيفة رحمه الله وقضاؤه بهما فيما ليس له ولاية إنشائه أصلا لا يفيد الحل بالإجماع وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله والشافعي رحمه الله لا يفيد الحل فيهما جميعا فنقول جملة الكلام فيه أن القاضي إذا قضى بشاهدين ثم ظهر أنهما شاهدا زور فلا يخلو إما إن قضى بعقد أو بفسخ عقد وإما إن قضى بملك مرسل فإن قضى بعقد أو بفسخ عقد فقضاؤه يفيد الحل عنده وعندهم لا يفيد ولقب المسألة إن قضاء القاضي في العقود والفسوخ بشهود زور هل ينفذ ظاهرا وباطنا فهو على الخلاف الذي ذكرنا وإن قضى بملك مرسل لا ينفذ قضاؤه باطنا بالإجماع وبيان هذه الجمل ( ( ( الجملة ) ) ) في مسائل إذا ادعى رجل على امرأة ( ( ( امرأته ) ) ) أنه تزوجها فأنكرت فأقام على ذلك شاهدي زور فقضى القاضي بالنكاح بينهما وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما حل للرجل وطؤها وحل لها التمكين عند أبي حنيفة وعندهم لا يحل
وكذا إذا شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا وهو منكر فقضى القاضي بالرفقة ( ( ( بالفرقة ) ) ) بينهما ثم تزوجها أحد الشاهدين حل له وطؤها وإن كان يعلم أنه ( ( ( أنهما ) ) ) شهدا بزور عنده وعندهم لا يحل وعلى هذا الخلاف دعوى البيع والإعتاق وفي الهبة عن أبي حنيفة رحمه الله روايتان وأجمعوا على أنه لو ادعى نكاح امرأة وهي تنكر وتقول أنا أخته من الرضاع أو أنا في عدة من زوج آخر فشهد بالنكاح شاهدان وقضى القاضي بشهادتهما والمرأة تعلم أنها كما أخبرت لا يحل لها التمكين وأجمعوا أيضا على أنه لو ادعى رجل أن هذه جاريته وهي تنكر فأقام على ذلك شاهدين وقضى القاضي بالجارية أنه لا يحل له وطؤها إذا كان يعلم أنه كاذب في دعواه ولا يحل لأحد الشاهدين أيضا أن يشتريها احتجوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أنا بشر فمن قضيت له من مال أخيه شيئا بغير حق فإنما أقطع له قطعة من النار أخبر الشارع عليه الصلاة والسلام أن القضاء بما ليس للمدعي قضاء له بقطعة من النار ولو نفذ قضاؤه باطنا لما كان القضاء به قضاء بقطعة من النار ولأن القضاء إنما ينفذ بالحجة وهي الشهادة الصادقة وهذه كاذبة بيقين فلا ينفذ حقيقة ولهذا لم ينفذ بالملك المرسل وكذا إذا كانت المرأة محرمة بالعدة والردة أو الرضاع أو القرابة أو المصاهرة كذا هذا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن قضاء القاضي بما يحتمل الإنشاء إنشاء له فينفذ ظاهرا وباطنا كما لو أنشأ صريحا ودلالة الوصف أن القاضي مأمور بالقضاء بالحق ولا يقع قضاؤه بالحق فيما يحتمل الإنشاء إلا بالحمل على الإنشاء لأن البينة قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة فيجعل إنشاء والعقود والفسوخ مما تحتمل الإنشاء من القاضي فإن للقاضي ولاية إنشائها في الجملة بخلاف الملك المرسل لأن نفس الملك مما لا يحتمل الإنشاء ولهذا لو أنشأ القاضي أو غيره صريحا لا يصح وبخلاف ما إذا كانت المرأة محرمة بأسباب لأن هناك ليس للقاضي ولاية الإنشاء ألا ترى أنه لو أنشأ صريحا لا ينفذ وأما الحديث فقد قيل إنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك في أخوين اختصما إليه في مواريث درست بينهما فقال إلى آخره ولم يكن لهما بينة إلا دعواهما كذا ذكره أبو داود عن أم سلمة رضي الله عنهما ( ( ( عنها ) ) ) والميراث ومطلق الملك سواء في الدعوى وبه نقول مع أنه ليس فيه ذكر السبب والكلام في القضاء بسبب على أنا نقول بموجبه لكن لم قلتم إن القضاء بسبب قضاء له من مال آخر بغير حق بل هو قضاء ( ( ( قضا ) ) ) له من مال نفسه وبحق لأن القضاء بسبب الملك صحيح عندنا فقد قلنا بموجب الحديث والحمد لله وحده فصل وأما بيان حكم خطأ القاضي في القضاء فنقول الأصل أن القاضي إذا أخطأ في قضائه بأن ظهر أن الشهود كانوا عبيدا أو محدودين في قذف أنه لا يؤاخذ بالضمان لأنه بالقضاء لم يعمل لنفسه بل لغيره فكان بمنزلة الرسول فلا تلحقه العهدة ثم ينظر إما إن كان المقضي به من حقوق العباد وإما إن كان من حقوق الله عز وجل خالصا كالقطع في السرقة والرجم في زنا المحصن فإن كان في حقوق العباد فإن كان مالا وهو قائم رده على المقضي عليه لأن قضاءه وقع باطلا ورد عين المقضي به ممكن فيلزمه رده لقول النبي عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترده ولأنه عين مال المدعى عليه ومن وجد عين ماله فهو أحق به وإن كان هالكا فالضمان على المقضي له لأن القاضي عمل له فكان خطؤه عليه ليكون الخراج بالضمان ولأنه إذا عمل له فكان هو الذي فعل بنفسه
وإن كان حقا ليس بمال كالطلاق والعتاق بطل لأنه تبين أن قضاءه كان باطلا وإنه أمر شرعي يحتمل الرد فيرد بخلاف الحدود والمال الهالك لأنه لا يحتمل الرد بنفسه فيرد بالضمان هذا إذا كان المقضي به من حقوق العباد وأما إذا كان من حق الله عز وجل خالصا فضمانه في بيت المال لأنه عمل فيها لعامة المسلمين لعود منفعتها إليهم وهو الزجر فكان خطؤه عليهم لما قلنا فيؤدي من بيت مالهم ولا يضمن القاضي لما قلنا ولا الجلاد أيضا لأنه عمل بأمر القاضي والله أعلم فصل وأما بيان ما يخرج به القاضي عن القضاء فنقول وبالله التوفيق كل ما يخرج به الوكيل عن الوكالة يخرج به القاضي عن القضاء وما يخرج به الوكيل عن الوكالة أشياء ذكرناها في كتاب الوكالة لا يختلفان إلا في شيء واحد وهو أن الموكل إذا مات أو خلع ينعزل الوكيل والخليفة إذا مات أو خلع لا تنعزل قضاته وولاته ووجه الفرق أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفي خالص حقه أيضا وقد بطلت أهلية الولاية فينعزل الوكيل والقاضي لا يعمل بولاية الخليفة وفي حقه بل بولاية المسلمين وفي حقوقهم وإنما الخليفة بمنزلة الرسول عنهم لهذا لم تلحقه العهدة كالرسول في سائر العقود والوكيل في النكاح وإذا كان رسولا كان فعله بمنزلة فعل عامة المسلمين وولايتهم بعد موت الخليفة باقية فيبقى القاضي على ولايته وهذا بخلاف العزل فإن الخليفة إذا عزل القاضي أو الوالي ينعزل بعزله ولا ينعزل بموته لأنه لا ينعزل بعزل الخليفة أيضا حقيقة بل بعزل العامة لما ذكرنا أن توليته بتولية العامة والعامة ولوه الإستبدال دلالة لتعلق مصلحتهم بذلك فكانت ولايته منهم معنى في العزل أيضا فهو الفرق بين العزل والموت ولو استخلف القاضي بإذن الإمام ثم مات القاضي لا ينعزل خليفته لأنه نائب الإمام في الحقيقة لا نائب القاضي ولا ينعزل بموت الخليفة أيضا كما لا ينعزل القاضي لما قلنا ولا يملك القاضي عزل خليفته لأنه نائب الإمام فلا ينعزل بعزله كالوكيل إنه لا يملك عزل الوكيل الثاني لأن الثاني وكيل الموكل في الحقيقة لا وكيله كذا ههنا إلا إذا أذن له الخليفة أن يستبدل من شاء فيملك عزله ويكون ذلك أيضا عزلا من الخليفة لا من القاضي لأن القاضي كالوكيل إذا قال له الموكل اعمل برأيك أنه يملك التوكيل والعزل وإذا عزل كان العزل في الحقيقة من الموكل كذا هذا وعلم المعزول بالعزل شرط صحة العزل كما ذكر في الوكالة وهل ينعزل بأخذ الرشوة في الحكم عندنا لا ينعزل لكنه يستحق العزل فيعزله الإمام ويعزره كذا ذكر في كتاب الحدود وقال مشايخ العراق من أصحابنا إنه ينعزل وقالوا صحت الرواية عن أصحابنا أنه ينعزل واستدلوا بما ذكر في السير الكبير أنه يخرج من القضاء لكن رواية مشايخنا أنه لا يخرج من القضاء وهذه الرواية أولى لأن هذه الرواية مشتبهة ورواية كتاب الحدود محكمة لأنه ذكر أن الإمام يعزله ويعزره فكان فيما قلنا حمل المحتمل على المحكم فكان عملا بالروايتين جميعا فكان أولى وهذا عندنا وقال الشافعي عليه الرحمة ينعزل وهو قول المعتزلة ولقب المسألة أن القاضي إذا فسق هل ينعزل أو لا فعندنا لا ينعزل وعند الشافعي ينعزل وبه قالت المعتزلة لكن بناء على أصلين مختلفين فأصل المعتزلة أن الفسق يخرج صاحبه عن الإيمان فيبطل أهلية القضاء وأصل الشافعي رحمه الله أن العدالة شرط أهلية القضاء كما هي شرط أهلية الشهادة لأن أهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة وقد زالت بالفسق فتبطل الأهلية والأصل عندنا أن الكبيرة لا تخرج صاحبها من الإيمان والعدالة ليست ( ( ( ليس ) ) ) بشرط أهلية القضاء كما ليست بشرط لأهلية ( ( ( الأهلية ) ) ) الشهادة على ما ذكرنا والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب القسمة
الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان أنواع القسمة وفي بيان شرعية كل نوع وفي بيان معنى القسمة لغة وشرعا وفي بيان شرائط القسمة وفي بيان صفات القسمة وفي بيان حكم القسمة وفي بيان ما يوجب نقض القسمة بعد وجودها أما الأول فالقسمة في الأملاك المشتركة نوعان أحدهما قسمة الأعيان والثاني قسمة المنافع وقسمة كل واحد من النوعين مشروعة أما قسمة الأعيان فقد عرفت شرعيتها بالسنة والإجماع أما السنة فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر بين الغانمين وأدنى درجات فعله عليه الصلاة والسلام الشرعية وأما الإجماع فإن الناس استعملوا القسمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير فكانت شرعيته متوارثة والمعقول يقتضيه توفيرا على كل واحد مصلحته بكمالها فصل وأما بيان معنى القسمة لغة وشرعا أما في اللغة فهي عبارة عن إفراز النصيب وفي الشريعة عبارة عن إفراز بعض الأنصباء عن بعض ومبادلة بعض ببعض لأن ما من جزأين من العين المشتركة لا يتجزآن قبل القسمة إلا وأحدهما ملك أحد الشريكين والآخر ملك صاحبه غير عين فكان نصف العين مملوكا لهذا والنصف مملوكا لذاك على الشيوع فإذا قسمت بينهما نصفين والأجزاء المملوكة لكل واحد منهما شائعة غير معينة فتجتمع بالقسمة في نصيبه دون نصيب صاحبه فلا بد وأن يجتمع في نصيب كل واحد منهما أجزاء بعضها مملوكة له وبعضها مملوكة لصاحبه على الشيوع فلو لم تقع القسمة مبادلة في بعض أجزاء المقسوم لم يكن المقسوم كله ملكا للمقسوم عليه بل يكون بعضه ملك صاحبه فكانت القسمة منهما بالتراضي أو بطلبهما ( ( ( بطلبها ) ) ) من القاضي رضا من كل واحد منهما بزوال ملكه عن نصف نصيبه بعوض وهو نصف نصيب صاحبه وهو تفسير المبادلة فكانت القسمة في حق الأجزاء المملوكة له إفرازا وتمييزا أو تعيينا لها في الملك وفي حق الأجزاء المملوكة لصاحبه معاوضة وهي مبادلة بعض الأجزاء المجتمعة في نصيبه ببعض الأجزاء المجتمعة في نصيب صاحبه فكانت إفراز بعض الأنصباء ومعاوضة البعض ضرورة وهذا هو حقيقة القسمة المعقولة في الأملاك المشتركة فكان معنى المعاوضة لازما في كل قسمة شرعية إلا أنه أعطي لها حكم الإفراز في ذوات الأمثال في بعض الأحكام لأن المأخوذ من العوض مثل المتروك من المعوض فجعل كأنه يأخذ عين حقه بمنزلة المقرض حتى كان لكل واحد منهما أن يأخذ نصيبه من غير رضا صاحبه فجعل إفرازا حكا ( ( ( حكما ) ) ) وهذا المعنى لا يوجد في غير ذوات الأمثال فإن قيل أليس إنه يجبر على القسمة والمعاوضات مما لا يجري فيها الجبر كالبيع ونحوه فالجواب إن المعاوضة قد يجري فيها الجبر ألا ترى أن الغريم يجبر على قضاء الدين وقضاء الدين لا يتحقق إلا بطريق المعاوضة على ما بينا في كتاب الوكالة دل أن الجبر لا ينفي المعاوضة فجاز أن يجبر على القسمة وإن كانت معاوضة مع ما أن الجبر لا يجري في المعاوضات المطلقة كالبيع ونحوه والقسمة ليست بمعاوضة مطلقة بل هي إفراز من وجه ومعاوضة من وجه فجاز أن يجري فيها الجبر وعلى هذا الأصل تخرج قسمة المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة إنها لا تجوز مجازفة كما لا يجوز بيعها مجازفة لاعتبار معنى المبادلة وذكر في الكتاب في كر حنطة مشترك بين رجلين ثلاثون منه رديئة وعشرة منه جيدة قيمتها سواء فأرادا أن يقتسماه فيأخذ أحدهما ثلاثين والآخر عشرة أنه لا يجوز لتمكن الربا فيه لتحقق معنى المعاوضة ولو زاد صاحب الزيادة ثوبا أو شيئا آخر جاز لأن الزياة ( ( ( الزيادة ) ) ) صارت مقابلة بالثوب فزال معنى الربا وقال في زرع مشترك بين رجلين في أرض مملوكة لهما فأرادا قسمة الزرع دون الأرض وقد سنبل الزرع إنه لا تجوز قسمته لأن قسمته بطريق المجازفة ولا تجوز المعاوضة بطريق المجازفة في الأموال الربوية
وكذا لو أوصى بصوف على ظهر غنم لرجلين أو أوصى باللبن في الضرع لهما لم تجز قسمته قبل الجز والحلب لأن الصوف واللبن من الأموال الربوية فلا يحتملان القسمة مجازفة كما لا يحتملان البيع مجازفة وكذا خيار العيب يدخل في نوعي القسمة كما يدخل في البيع وخيار الرؤية والشرط يدخل في أحد النوعين دون الآخر لا لانعدام معنى المبادلة بل لمعنى آخر نذكره في موضعه ولو اشترى رجلان من رجل كر حنطة بمائة درهم فاقتسماه فلكل واحد منهما أن يبيع نصيبه مرابحة على خمسين درهما ولو اشتريا دارا بمائة درهم فاقتسماها ليس لواحد منهما أن يبيع نصيبه مرابحة على خمسين وإنما افترق النوعان في هذا الحكم لا لاعتبار معنى الإفراز في أحدهما والمبادلة في الآخر بل لمعنى آخر وهو أن المرابحة بيع بمثل المذكور ثمنا في الأول مع زيادة شيء وإنما يجوز البيع بمثل المذكور ثمنا في الأول مع زيادة شيء فيما يحتمل الزيادة وأما فيما لا يحتمل الزيادة فلا كما إذا اشترى كر حنطة بكر حنطة لا يبيعه مرابحة على الكر كذا هنا بل أولى لأن ذلك معاوضة مقصودة والمعاوضة في القسمة ليست بمقصودة وإذا كان كذلك يسقط اعتبار هذا الثمن شرعا في هذا الحكم لأنه لا يحتمل الزيادة فكان له أن يبيعه مرابحة على أول ثمن يحتمل الزيادة وهو الخمسون بخلاف قسمة الدار لأن هناك يمكن البيع بالثمن الأول وهو ثمن القسمة وزيادة شيء بأن يبيع نصفه من شريكه بالنصف الذي في يده وربح درهم مثلا كما إذا اشترى دارا بدار أو اشترى كر حنطة بثوب فأمكن بيعه مرابحة على الثمن الأول في الجملة فلم يجز بيعه مرابحة على خمسين إلا أنه إذا باعه مرابحة أو باعه من بائعه بالنصف الذي في يده بربح ( ده يازده ) لا يجوز لمعنى عرف في كتاب البيوع والله تعالى أعلم فصل وأما شرائط جواز القسمة فأنواع بعضها يرجع إلى القاسم وبعضها يرجع إلى المقسوم وبعضها يرجع إلى المقسوم له أما الذي يرجع إلى القاسم فنوعان نوع هو شرط الجواز ونوع هو شرط الاستحباب أما شرائط الجواز فأنواع منها العقل فلا تجوز قسمة المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن العقل من شرائط أهلية التصرفات الشرعية فأما البلوغ فليس بشرط لجواز القسمة حتى تجوز قسمة الصبي الذي يعقل القسمة بإذن وليه وكذلك الإسلام والذكورة والحرية ليست بشرط لجواز القسمة فتجوز قسمة الذمي والمرأة والمكاتب والمأذون لأن هؤلاء من أهل البيع فكانوا من أهل القسمة والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها الملك والولاية فلا تجوز القسمة بدونهما أما الملك فالمعني به أن يكون القاسم مالكا فيقسم الشركاء بالتراضي وأما الولاية فنوعان ولاية قضاء وولاية قرابة إلا أن شرط ولاية القضاء الطلب فيقسم القاضي وأمينه على الصغير والكبير والذكر والأنثى والمسلم والذمي والحر والعبد والمأذون والمكاتب عند طلب الشركاء كلهم أو بعضهم على ما نذكره ولا يشترط ذلك في ولاية القرابة فيقسم الأب ووصيه والجد ووصيه على الصغير والمعتوه من غير طلب أحد والأصل فيه أن كل من له ولاية البيع فله ولاية القسمة ومن لا فلا ولهؤلاء ولاية البيع فكانت لهم ولاية القسمة وكذا القاضي له ولاية بيع مال الصغير والكبير في الجملة فكان له ولاية القسمة في الجملة وأما وصي الأم ووصي الأخ والعم فيقسم المنقول دون العقار لأن له ولاية بيع المنقول دون العقار وفي وصي المكاتب إذا مات عن وفاء أنه هل يقسم فيه روايتان وهذا كله يقرر ما قلنا إن معنى المبادلة لازم في القسمة حيث جعل سبيله سبيل البيع في الولاية ولا يقسم وصي الميت على الموصى له لانعدام ولايته عليه وكذا لا يقسم الورثة عليه لانعدام ولايتهم عليه لأن الموصى له كواحد من الورثة ولا يقسم بعض الورثة على بعض لانعدام الولاية فلا يقسمون على الموصي له ولو اقتسموا وهو غائب نقضت قسمتهم لكن هذا إذا كانت القسمة بالتراضي فإن كانت بقضاءالقاضي تنفذ ولا تنقض لما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى
وأما شرائط الاستحباب فأنواع منها أن يكون عدلا أمينا عالما بالقسمة لأنه لو كان غير عدل خائنا أو جاهلا بأمور القسمة يخاف منه الجور في القسمة لا يجوز ومنها أن يكون منصوب القاضي لأن قسمة غيره لا تنفذ على الصغير والغائب ولأنه أجمع لشرائط الأمانة والأفضل أن يرزقه من بيت المال ليقسم لناس ( ( ( للناس ) ) ) من غير أجر عليهم لأن ذلك أرفق بالمسلمين فإن لم يمكنه أن يرزقه من بيت المال يقسم لهم بأجر عليهم ولكن ينبغي للقاضي أن يقدر له أجرة معلومة كيلا يتحكم على الناس ولو أراد الناس أن يستأجروا قساما آخر غير الذي نصبه القاضي لا يمنعهم القاضي عن ذلك ولا يجبرهم أن يستأجروا قساما لأنه لو فعل ذلك لعله لا يرضى إلا بأجرة كثيرة فيتضرر الناس وكذا لا يترك القسامين يشتركون في القسم لما قلنا ومنها المبالغة في تعديل الأنصباء والتسوية بين السهام بأقصى الإمكان لئلا يدخل قصور في سهم وينبغي أن لا يدع حقا بين شريكين غير مقسوم من الطريق والمسيل والشرب إلا إذا لم يمكن وينبغي أن لا يضم نصيب بعض الشركاء إلى بعض إلا إذا رضوا بالضم لأنه يحتاج إلى القسمة ثانيا وينبغي أن لا يدخل في قسمة الدار ونحوها الدراهم إلا إذا كان لا يمكن القسمة إلا كذلك لأن محل القسمة الملك المشترك ولا شركة في الدراهم فلا يدخلها في القسمة إلا عند الضرورة والله سبحانه وتعالى الموفق ومنها أن يقرع بينهم بعد الفراغ من القسمة ويشترط عليهم قبول من خرج سهمه أولا فله هذا السهم من هذا الجانب من الدار ومن خرج سهمه بعده فله السهم الذي يليه هكذا ثم يقرع بينهم لا لأن القرعة يتعلق بها حكم بل لتطييب النفوس ولورود السنة بها ولأن ذلك أنفى للتهمة فكان سنة والله سبحانه وتعالى أعلم وإذا قسم بأجر ( ( ( بأجرة ) ) ) فأجرة القسمة على عدد الرؤوس عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما رحمهما الله على قدر الأنصباء وجه قولهما أن أجرة القسمة من مؤنات الملك فيتقدر بقدره كالنفقة وجه قول أبي حنيفة عليه الرحمة أن الأجرة بمقابلة العمل وعمله في حق الكل على السواء فكانت الأجرة عليهم على السواء وهذا لأن عمله تمييز الأنصباء والتمييز عمل واحد لأن تمييز القليل من الكثير هو بعينه تمييز الكثير من القليل والتفاوت في شيء واحد محال وإذا لم يتفاوت العمل لا تتفاوت الأجرة بخلاف النفقة لأنها بمقابلة الملك والملك يتفاوت فهو الفرق والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المقسوم له فأنواع منها أن لا يلحقه ضرر في أحد نوعي القسمة دون النوع الآخر وبيان ذلك أن القسمة نوعان قسمة جبر وهي التي يتولاها القاضي وقسمة رضا وهي التي يفعلها الشركاء بالتراضي وكل واحد منهما على نوعين قسمة تفريق وقسمة جمع أما قسمة التفريق فنقول وبالله تعالى التوفيق إن الذي تصادفه القسمة لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون مما لا ضرر في تبعيضه بالشريكين أصلا بل لهما فيه منفعة وإما أن يكون مما في تبعيضه مضرة فإن كان مما لا مضرة في تبعيضه أصلا بل فيه منفعة للشريكين كالمكيل والموزون والعددي المتقارب فتجوز قسمة التفريق فيها قسمة جبر كما تجوز فيها قسمة الرضا لتحقق ما شرع له القسمة وهو تكميل منافع الملك وإن كان مما في تبعيضه ضرر فلا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون فيه ضرر بكل واحد منهما وإما أن يكون فيه ضرر بأحدهما نفع في حق الآخر فإن كان في تبعيضه ضرر بكل واحد منهما فلا تجوز قسمة الجبر فيه وذلك نحو اللؤلؤة الواحدة والياقوتة والزمردة والثوب الواحد والسرج والقوس والمصحف الكريم والقباء والجبة والخيمة والحائط والحمام والبيع ( ( ( والبيت ) ) ) الصغير والحانوت الصغير والرحى والفرس والجمل والبقرة والشاة لأن القسمة في هذه الأشياء قسمة إضرار بالشريكين جميعا والقاضي لا يملك الجبر على الإضرار
وكذلك النهر والقناة والعين والبئر لما قلنا فإن كان مع ذلك أرض قسمت الأرض وتركت البئر والقناة على الشركة فأما إذا كانت أنهار الأرضين متفرقة أو عيونا أو آبارا قسمت الآبار والعيون لأنه لا ضرر في القسمة وكذا الباب والساحة والخشبة إذا كان في قطعهما ضرر فإن كانت الخشبة كبيرة يمكن تعديل القسمة فيها من غير ضرر جازت وتجوز قسمة الرضا في هذه الأشياء بأن يقتسماها بأنفسهما بتراضيهما لأنهما يملكان الإضرار بأنفسهما مع ما أن ذلك لا يخلو عن نوع نفع وما لا تجري فيه القسم ( ( ( القسمة ) ) ) لا يجبر واحد منهما على بيع حصته من صاحبه عند عامة العلماء وقال مالك رحمه الله إذا اختصما فيه باع القاضي وقسم الثمن بينهما والصحيح قول العامة لأن الجبر على إزالة الملك غير مشروع وعلى هذا طريق بين رجلين طلب أحدهما القسمة وأبى الآخر فإن كان يستقيم لكل واحد منهما طريق نافذ بعد القسمة يجبر على القسمة لأن القسمة تقع تحصيلا لما شرعت له وهو تكميل منافع الملك فيجبر عليها وإن كان لا يستقيم لا يجبر على القسمة لأنها قسمة إضرار بالشريكين فلا يليها القاضي إلا إذا كان لكل واحد منهما في نصيبه من الدار مفتح من وجه آخر فيقسم أيضا لأن القسمة في هذه الصورة لا تقع إضرارا ولو اقتسما بأنفسهما جازت لتراضيهما بالضرر وكذلك المسيل المشترك إذا طلب أحدهما القسمة وأبى الآخر وإن كان بحال لو قسم يصيب كل واحد منهما بعد القسمة قدر ما يسيل ماؤه أو كان له موضع آخر يمكنه التسييل فيه يقسم وإن لم يمكن لم يقسم لما ذكرنا في الطريق وعلى هذا إذا طلب أحدهما مفتح الدار من غير رفع الطريق وأبى الآخر إلابرفع الطريق أنه إن كان لكل واحد منهما مفتح آخر يفتحه في نصيبه قسم بينهما بغير رفع الطريق لأن ما هو المطلوب من القسمة وهو تكميل منافع الملك في هذه القسمة أوفر وإن لم يكن رفع بينهما طريقا وقسم الباقي لأنه إذا لم يكن بينهما مفتح كانت القسمة بغير طريق تفويتا للمنفعة لا تكميلا لها فكانت إضرارا بهما وهذا لا يجوز إلا إذا اقتسما بأنفسهما بغير طريق فيجوز لما قلنا ولو اختلفا في سعة الطريق وضيقه جعل الطريق على قدر عرض باب الدار وطوله على أدنى ما يكفيها لأن الطريق وضع للاستطراق والباب هو الموضوع مدخلا إلى أدنى ما يكفي للاستطراق فيحكم فيه والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا إذا بنى رجلان في أرض رجل بإذنه وطلب أحدهما قسمة البناء وأبى الآخر وصاحب الأرض غائب لم تقسم لأن الأرض المبني عليها بينهما شائع بالإعارة أو بالإجارة فلو قسم البناء بينهما لكان لكل واحد منهما سبيل في بعض نصيب صاحبه وفيه ضرر فلا يجبر على القسم ( ( ( القسمة ) ) ) ولو اقتسما بالتراضي جازت وكذا لو هدمها وكانت الآلة بينهما وعلى هذا زرع بين رجلين في أرض مملكة ( ( ( مملوكة ) ) ) لهما طلب أحدهما قسمة الزرع دون الأرض فإن كان الزرع قد بلغ وسنبل لا يقسم لما ذكرنا من قبل ولو طلبا جميعا لا يقسم أيضا لأن المانع هو الربا وحرمة الربا لا تحتمل الارتفاع بالرضا وإن كان الزرع بقلا فطلب أحدهما لا يقسم أيضا لأن الأرض مملوكة لهما على الشركة فلو قسم لكان كل واحد منهما بسبيل من القطع وفيه ضرر ولا جبر على الضرر ولو اقتسما بأنفسهما وشرطا القطع جازت لأنهما رضيا بالضرر ولو شرطا الترك لم يجز لأن رقبة الأرض مشتركة بينهما فكان شرط الترك منهما في القسمة شرطا لانتفاع كل واحد منهما بملك شريكه ومثل هذا الشرط مفسد للبيع فكان فسدا ( ( ( مفسدا ) ) ) للقسمة لأن فيها معنى البيع وكذلك لو لم تكن الأرض مملوكة لهما وكانت في أيديهما بالإعارة أو بالإجارة والزرع بقل لا تقسم لما ذكرنا ولو اقتسما بأنفسهما جازت بشرط القطع ولا تجوز بشرط الترك كالبيع على ما ذكرنا