Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وهذا نص في الباب لأن البيع عليه لا يذكر إلا في غير موضع الرضا ولأن التصرفات شرعت لمصالح العباد والمصلحة تتعلق بالإطلاق مرة وبالحجر أخرى والمصلحة ههنا في الحجر ولهذا إذا بلغ الصبي سفيها يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة بلا خلاف ولهذا حجر على الصبي والمجنون لكون الحجر مصلحة في حقهما كذا ههنا ولأبي حنيفة رضي الله عنه عمومات البيع والهبة والإقرار والظهار واليمين من نحو قوله تبارك وتعالى وأحل الله البيع وقوله سبحانه وتعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى قوله عز شأنه ولا يبخس منه شيئا أجاز الله تعالى البدلين حيث ندب إلى الكتابة وأثبت الحق حيث أمر من عليه الحق بالإملاء ونهى عن البخس عاما من غير تخصيص وقوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وبيع مال المديون عليه تجارة لا عن تراض فلا يجوز وبيع السفيه ماله تجارة عن تراض فيجوز وقوله سبحانه وتعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم عاما وشهادة الإنسان على نفسه إقرار وقوله تبارك وتعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها وقوله عليه الصلاة والسلام تهادوا تحابوا وآية الظهار وآية كفارة اليمين شرع الله هذه التصرفات عاما والحجر عن المشروع متناقض وكذا نص الظهار واليمين يقتضيان وجوب التحرير على المظاهر الحالف ( ( ( والحالف ) ) ) الحانث وجوازه عن الكفارة عاما وعند أبي يوسف ومحمد لايجب التحرير على السفيه ولو حرر لا يجزيه عن الكفارة لأنه تجب السعاية على العبد فيكون إعتاقا بعوض فلا يقع التحرير تكفيرا فكانت الآية حجة عليهما ولأن بيع السفيه مال نفسه تصرف صدر من الأهل بركنه في محل هو خالص ملكه فينفذ كتصرف الرشيد وهذا لأن وجود التصرف حقيقة بوجود ركنه ووجوده شرعا بصدوره من أهله وحلوله في محله وقد وجد وبيع مال المديون عليه تصرف في ملك الغير من غير رضا المالك وإنه لا ينفذ كالفضولي وأما الآية فقد قال بعض أهل التأويل السفيه هو الصغير وبه نقول وقيل إن الولي ههنا هو من له الحق يملي بالعدل عند حضرة من عليه الدين لئلا يزيد على ما عليه شيئا ولو زاد أنكر عليه وقوله تبارك وتعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم فقد قال بعض أهل التأويل المراد من السفهاء النساء والأولاد الصغار يؤيده في سياق الآية قوله وارزقوهم فيها واكسوهم ورزق النساء والأولاد الصغار هو الذي يجب على الأولياء والأزواج لا رزق السفيه وكسوته فإن ذلك يكون من مال السفيه على أن في الآية الشريفة أن لا تؤتوهم مال أنفسكم لأنه سبحانه وتعالى أضاف الأموال إلى المعطي لا إلى المعطى له وبه نقول وأما بيع مال معاذ رضي الله عنه فقد كان برضاه إذ لا يظن به أنه يكره بيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتمنع ( ( ( ويمتنع ) ) ) بنفسه عنه قضاء الدين مع ما ( ( ( مع ) ) ) أنه قد روي أنه طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع ماله ليغال ( ( ( لينال ) ) ) بركته فيصير دينه مقضيا ببركته كما روي عن جابر رضي الله عنه أنه لما استشهد أبوه يوم أحد وترك ديونا فطلب جابر من رسول ( ( ( النبي ) ) ) الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع أمواله لينال بركته فيصير دينه بذلك مقضيا وكان كما ظن والاستدلال بمنع المال إذا بلغ سفيها لا يستقيم لأن المنع تصرف في المال والحجر تصرف على النفس والنفس أعظم خطرا من المال فثبوت أدنى الولايتين لا يدل على ثبوت أعلاهما ثم نقول إنما يمنع عن ماله نظرا له تقليلا للسفه لما أن السفه غالبا يجري في الهبات والتبرعات فإذا منع منه ماله ينسد باب السفه فيقل السفه
فأما المعاوضات فلا يغلب فيها السفه فلا حاجة إلى الحجر لتقليل السفه وإنه يقل بدونه فيتمحض الحجر ضررا بإبطال أهليته وهذا لا يجوز بخلاف الصبي والمجنون لأنهما ليسا من أهل التصرف فلم يتضمن الحجر إبطال الأهلية والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان حكم الحجر فحكمه يظهر في مال المحجور وفي التصرف في ماله أما حكم المال فأما المجنون فإنه يمنع عنه ماله ما دام مجنونا وكذلك الصبي الذي لا يعقل لأن وضع المال في يد من لا عقل له إتلاف المال وأما الصبي العاقل فيمنع عنه ماله إلى أن يؤنس منه رشده ولا بأس للولي أن يدفع إليه شيئا من أمواله ويأذن له بالتجارة للاختبار عندنا لقوله تعالى وابتلوا اليتامى أذن سبحانه وتعالى للأولياء في ابتلاء اليتامى والابتلاء الاختبار وذلك بالتجارة فكان الإذن بالابتلاء إذنا بالتجارة وإذا اختبره فإن آنس منه رشدا دفع الباقي إليه لقوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم والرشد هو الاستقامة والاهتداء في حفظ المال وإصلاحه وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله يمنع منه ماله ولا يجوز للولي أن يدفع شيئا من أمواله إليه وأن يأذن له بالتجارة قبل البلوغ والمسألة نذكرها في كتاب المأذون إن شاء الله تعالى وإن لم يأنس منه رشدا منعه منه إلى أن يبلغ فإن بلغ رشيدا دفع إليه وإن بلغ سفيها مفسدا مبذرا فإنه يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة بالإجماع فإذا بلغ هذا المبلغ ولم يؤنس رشده دفع إليه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما لا يدفع إليه ما دام سفيها وأما الرقيق فلا مال له يمنع فلا يظهر أثر الحجر في حقه في المال وإنما يظهر في التصرفات هذا حكم الحجر في مال المحجور وأما حكمه في تصرفه فالتصرف لا يخلو إما أن يكون من الأقوال وإما أن يكون من الأفعال أما التصرفات القولية فعلى ثلاثة أقسام نافع محض وضار محض ودائر بين الضرر والنفع أما المجنون فلا تصح منه التصرفات القولية كلها فلا يجوز طلاقه وعتاقه وكتابته وإقراره ولا ينعقد بيعه وشراؤه حتى لا تلحقه الإجازة ولا يصح منه قبول الهبة والصدقة والوصية وكذا الصبي الذي لا يعقل لأن الأهلية شرط جواز التصرف وانعقاده ولا أهلية بدون العقل وأما الصبي العاقل فتصح منه التصرفات النافعة بلا خلاف ولا تصح منه التصرفات الضارة المحضة بالإجماع وأما الدائرة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء والإجارة ونحوها فينعقد عندنا موقوفا على إجازة وليه فإن أجاز جاز وإن رد بطل وعند الشافعي رحمه اللهلا تنعقد أصلا وهي مسألة تصرفات الصبي العاقل وقد مرت في موضعها وأما الرقيق فيصح منه قبول الهبة والصدقة والوصية وكذا يصح طلاقه وإقراره بالحدود والقصاص وأما إقراره بالمال فلا يصح في حق مولاه ويصح في حق نفسه حتى يؤاخذ به بعد العتاق وأما البيع وغيره من التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع فلا ينفذ بل ينعقد موقوفا على إجازة المولى ودلائل هذه المسائل ذكرت في مواضعها وأما التصرفات الفعلية وهي الغصوب والإتلافات فهذه العوارض وهي الصبا والجنون والرق لا توجب الحجر فيها حتى لو أتلف الصبي والمجنون شيئا فضمانه في مالهما وكذا العبد إذا أتلف مال إنسان فإنه يؤاخذ به لكن بعد العتاق أما السفيه فعند أبي حنيفة عليه الرحمة ليس بمحجور عن التصرفات أصلا وحاله وحال الرشيد في التصرفات سواء لا يختلفان إلا في وجه واحد وهو أن الصبي إذا بلغ سفيها يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة وإذا بلغ رشيدا يدفع إليه ماله فأما في التصرفات فلا يختلفان حتى لو تصرف بعدما بلغ سفيها ومنع عنه ماله نفذ تصرفه كما ينفذ بعد أن دفع المال إليه عنده وأما عندهما فحكمه وحكم الصبي العاقل والبالغ المعتوه سواء فلا ينفذ بيعه وشراؤه وإجارته وهبته وصدقته وما أشبه ذلك من التصرفات التي تحتمل النقض والفسخ
وأما فيما سوى ذلك فحكمه وحكم البالغ العاقل الرشيد سواء فيجوز طلاقه ونكاحه وإعتاقه وتدبيره واستيلاده وتجب عليه نفقة زوجاته وأقاربه والزكاة في ماله وحجة الإسلام وينفق على زوجاته وأقاربه ويؤدي الزكاة من ماله ولا يمنع من حجة الإسلام ولا من العمرة ولا من القرابين وسوق البدنة لكن يسلم القاضي النفقة والكراء والهدي على يد أمين لينفق عليه في الطريق ولا ولاية عليه لأبيه وجده ووصبهما ( ( ( ووصيهما ) ) ) ويجوز إقراره على نفسه بالحدود والقصاص وتجوز وصاياه بالقرب في مرض موته من ثلث ماله وغير ذلك من التصرفات التي تصح من العاقل البالغ الرشيد إلا أنه إذا تزوج امرأة بأكثر من مهر مثلها فالزيادة باطلة وإذا أعتق عبده يسعى في قيمته في ظاهر الرواية وذكر الطحاوي عن محمد رحمهما الله أنه رجع عن ذلك وقال يعتق من غير سعاية فأما فيما سوى ذلك فلا يختلفان ولو باع السفيه أو اشترى نظر القاضي في ذلك فما كان خيرا أجاز وما كان فيه مضرة رده والله سبحانه أعلم فصل وأما بيان ما يرفع الحجر أما الصبي فالذي يرفع الحجر عنه شيئان أحدهماإذن الولي إياه بالتجارة والثاني بلوغه إلا أن الإذن بالتجارة يزيل الحجر عن التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع وأما التصرفات الضارة المحضة فلا يزول الحجر عنها إلا بالبلوغ وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يزول الحجر عن الصبي إلا بالبلوغ وقد مرت المسألة ثم عند أبي حنيفة رضي الله عنه يزول الحجر عن التصرفات بالبلوغ سواء بلغ رشيدا أو سفيها وكذا عند أبي يوسف إلا أن يحجر عليه القاضي بعد البلوغ فينحجر بحجره وعند أبي حنيفة رحمه الله لا ينحجر الصبي عن التصرف بحجر القاضي لكن يمنع ماله إلى خمس وعشرين سنة وعند محمد والشافعي لا يزول إلا ببلوغه رشيدا ثم البلوغ في الغلام يعرف بالاحتلام والإحبال والإنزال وفي الجارية يعرف بالحيض والاحتلام والحبل فإن لم يوجد شيء من ذلك فيعتبر بالسن أما معرفة البلوغ بالاحتلام فلما روي عن رسول الله أنه قال رفع القلم عن ثلاثة منها الصبي حتى يحتلم جعل عليه الصلاة والسلام الاحتلام غاية لارتفاع الخطاب والخطاب بالبلوغ دل أن البلوغ يثبت بالاحتلام ولأن البلوغ والإدراك عبارة عن بلوغ المرء كمال الحال وذلك بكمال القدرة والقوة والقدرة من حيث سلامة الأسباب والآلات هي إمكان استعمال سائر الجوارح السليمة وذلك لا يتحقق على الكمال إلا عند الاحتلام فإن قيل الإدراك إمكان استعامل ( ( ( استعمال ) ) ) سائر الجوارح إن كان ثابتا فأما إمكان استعمال الآلة المخصوصة وهو قضاء الشهوة على سبيل الكمال فليس بثابت لأن كمالها بالإنزال والاحتلام سبب لنزول الماء على الأغلب فجعل علما على البلوغ ولأن الله تعالى أمر بإبتغاء الولد وأخبر أنه مكتوب له بقوله تبارك وتعالى وابتغوا ما كتب الله لكم والتكليف بابتغاء الولد إنما يتوجه في وقت لو ابتغى الولد لوجد ولا يكون ذلك إلا في خروج الماء للشهوة وذلك في حق الصبي بالاحتلام في المتعارف ولأن عند الاحتلام يخرج عن حيز الأولاد ويدخل في حيز الآباء حتى يسمى أبا فلان لا ولد فلان في المتعارف لأن عنده يصير من أهل العلوق فكان الاحتلام علما على البلوغ وإذا ثبت أن البلوغ يثبت بالاحتلام يثبت بالإنزال لأن ما ذكرنا من المعاني يتعلق بالنزول لا بنفس الاحتلام إلا أن الاحتلام سبب لنزول الماء عادة فعلق الحكم به وكذا الإحبال لأنه لا يتحقق بدون الإنزال عادة فإن لم يوجد شيء مما ذكرنا فيعتبر البلوغ بالسن وقد اختلف العلماء في أدنى السن التي يتعلق بها البلوغ قال أبو حنيفة رضي الله عنه ثماني عشرة سنة في الغلام وسبع عشرة في الجارية وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله خمس عشرة سنة في الجارية والغلام جميعا
وجه قولهم أن المؤثر في الحقيقة هو العقل وهو الأصل في الباب إذ به قوام الأحكام وإنما الاحتلام جعل حدا في الشرع لكونه دليلا على كمال العقل والاحتلام لا يتأخر عن خمس عشرة سنة عادة فإذا لم يحتلم إلى هذه المدة علم أن ذلك لآفة في خلقته والآفة في الخلقة لا توجب آفة في العقل فكان العقل قائما بلا آفة فوجب اعتباره في لزوم الأحكام وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه عرض على رسول الله غلام وهو ابن أربع عشرة سنة فرده وعرض وهو ابن خمس عشرة فأجازه فقد جعل خمس عشرة حدا للبلوغ ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الشرع لما علق الحكم والخطاب بالاحتلام بالدلائل التي ذكرناها فيجب بناء الحكم عليه ولا يرتفع الحكم عنه ما لم يتيقن بعدمه ويقع اليأس عن وجوده وإنما يقع اليأس بهذه المدة لأن الاحتلام إلى هذه المدة متصور في الجملة فلا يجوز إزالة الحكم الثابت بالاحتلام عنه مع الاحتمال على هذا أصول الشرع فإن حكم الحيض لما كان لازما في حق الكبيرة لا يزول بامتداد الطهر ما لم يوجد اليأس ويجب الانتظار لمدة اليأس لاحتمال عود الحيض وكذا التفريق في حق العنين لا يثبت ما دام طمع الوصول ثابتا بل يؤجل سنة لاحتمال الوصول في فصول السنة فإذا مضت السنة ووقع اليأس الآن يحكم بالتفريق وكذا أمر الله سبحانه وتعالى بإظهار الحجج في حق الكفار والدعاء إلى الإسلام إلى أن يقع اليأس عن قبولهم فما لم يقع اليأس لا يباح لنا القتال فكذلك ههنا ما دام الاحتلام يرجى يجب الانتظار ولا يأس بعد مدة خمس عشرة إلى هذه المدة بل هو مرجو فلا يقطع الحكم الثابت بالاحتلام عنه مع رجاء وجوده بخلاف ما بعد هذه المدة فإنه لا يحتمل وجوده بعدها فلا يجوز اعتباره في زمان اليأس عن وجوده وأما الحديث فلا حجة فيه لأنه يحتمل أنه أجاز ذلك لما علم أنه احتلم في ذلك الوقت ويحتمل أيضا أنه أجاز ذلك لما رآه صالحا للحرب محتملا له على سبيل الاعتياد للجهاد كما أمرنا باعتبار سائر القرب في أول أوقات الإمكان والاحتمال لها فلا يكون حجة مع الاحتمال وإذا أشكل أمر الغلام المراهق في البلوغ فقال قد بلغت يقبل قوله ويحكم ببلوغه وكذلك الجارية المراهقة لأن الأصل في البلوغ هو الاحتلام على ما بينا وأنه لا يعرف إلا من جهته فألزمت الضرورة قبول قوله كما في الأخبار عن الطهر والحيض والله سبحانه وتعالى أعلم وأما المجنون فلا يزول الحجر عنه إلا بالإفاقة فإذا أفاق رشيدا أو سفيها فحكمه في ذلك حكم الصبي وقد ذكرناه وأما الرقيق فالحجر يزول عنه بالإعتاق مرة وبالإذن بالتجارة أخرى إلا أن الإعتاق يزيل الحجر عنه على الإطلاق والإذن بالتجارة لا يزيل إلا في التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع وأما السفيه فلا حجر عليه عن التصرف أصلا عند أبي حنيفة رضي الله عنه فلا يتصور الزوال وأما على مذهبهم فزواله عند أبي يوسف بضده وهو الإطلاق من القاضي فكما لا ينحجر إلا بحجره لا ينطلق إلا بإطلاقه وعند محمد والشافعي رحمهما الله زوال الحجر على السفيه بظهور رشده لأن الحجارة كان بسفهه فانطلاقه يكون بضده وهو رشده والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الفصل الثاني وهو فصل الحبس فالحبس على نوعين حبس المديون بما عليه من الدين وحبس العين بالدين أما الأول فالكلام فيه في مواضع في بيان سبب وجوب الحبس وفي بيان شرائط الوجوب وفي بيان ما يمنع عنه المحبوس وما لا يمنع أما سبب وجوب الحبس فهو الدين قل أو كثر وأما شرائط الوجوب فأنواع بعضها يرجع إلى الدين وبعضها يرجع إلى المديون وبعضها يرجع إلى صاحب الدين
أما الذي يرجع إلى الدين فهو أن يكون حالا فلا يحبس في الدين المؤجل لأن الحبس لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الدين ولم يوجد من الديون ( ( ( المديون ) ) ) لأن صاحب الدين هو الذي أخر حق نفسه بالتأجيل وكذا لا يمنع من السفر قبل حلول الأجل سواء بعد محله أو قرب لأنه لا يملك مطالبته قبل حل الأجل ولا يمكن منعه ولكن له أن يخرج معه حتى إذا حل الأجل منعه من المضي في سفره إلى أن يوفيه دينه وأما الذي يرجع إلى المديون فمنها القدرة على قضاء الدين حتى لو كان معسرا لا يحبس لقوله سبحانه وتعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ولأن الحبس لدفع الظلم بإيصال حقه إليه ولا ظلم فيه لعدم القدرة ولأنه إذا لم يقدر على قضاء الدين لا يكون الحبس مفيدا لأن الحبس شرع للتوسل إلى قضاء الدين لا لعينه ومنها المطل وهو تأخير قضاء الدين لقوله مطل الغنى ظلم فيحبس دفعا للظلم لقضاء الدين بواسطة الحبس وقوله لي الواجد يحل عرضه وعقوبته والحبس عقوبة وما لم يظهر منه المطل لا يحبس لانعدام المطل واللى منه ومنها أن يكون من عليه الدين ممن سوى الوالدين لصاحب الدين فلا يحبس الوالدون وإن علوا بدين المولودين وإن سفلوا لقوله تبارك وتعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا وقوله تعالى وبالوالدين إحسانا وليس من المصاحبة بالمعروف والإحسان حبسهما بالدين إلا أنه إذا امتنع الوالد من الإنفاق على ولده الذي عليه نفقته فإن القاضي يحبسه لكن تعزيرا لا حبسا بالدين وأما الولد فيحبس بدين الوالد لأن المانع من الحبس حق الوالدين وكذا سائر الأقارب يحبس المديون بدين قريبه كائنا من كان ويستوي في الحبس الرجل والمرأة لأن الموجب للحبس لا يختلف بالذكورة والأنوثة ويحبس ولي الصغير إذا كان كان ممن يجوز له قضاء دينه لأنه إذا كان الظلم بسبيل من قضاء دينه صار بالتأخير ظالما فيحبس ليقضي الدين فيندفع الظلم وأما الذي يرجع إلى صاحب الدين فطلب الحبس من القاضي فما لم يطلب لا يحبس لأن الدين حقه والحبس وسيلة إلى حقه ووسيلة حق الإنسان حقه وحق المرء إنما يطلب بطلبه فلا بد من الطلب للحبس وإذا عرف سبب وجوب الدين وشرائطه فإن ثبت عند القاضي السبب مع شرائطه بالحجة حبسه لتحقق الظلم عنده بتأخير حقه من غير ضرورة والقاضي نصب لدفع الظلم فيندفع الظلم عنه وإن اشتبه على القاضي حاله في يساره وإعساره ولم يقم عنده حجة على أحدهما وطلب الغرماء حبسه فإنه يحبسه ( ( ( يحبس ) ) ) ليتعرف عن حاله أنه فقير أم غني فإن علم أنه غني حبسه إلى أن يقضي الدين لأنه ظهر ظلمه بالتأخير وإن علم أنه فقير خلى سبيله لأنه ظهر أنه لا يستوجب الحبس فيطلقه ولكن لا يمنع الغرماء عن ملازمته عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم إلا إذا قضى القاضي بالإنظار لاحتمال أن يرزقه الله سبحانه وتعالى مالا إذ المال غاد ورائح وعند زفر رحمه الله لا يلازمونه لقوله تبارك وتعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ذكر النظرة بحرف الفاء فثبت من غير قضاء القاضي ولنا أن النظرة هي التأخير فلا بد وأن يؤخر وهو أن يؤخره القاضي أو صاحب الحق ولا يمنعونه من التصرف ولا من السفر فإذا اكتسب يأخذون فضل كسبه فيقتسمونه بينهم بالحصص وإذا مضى على حبسه شهر أو شهران أو ثلاثة ولم ينكشف حاله في اليسار والإعسار خلى سبيله لأن هذا الحبس كان لاستبراء حاله وإبلاء عذره والثلاثة الأشهر مدة صالحة لاشتهار الحال وإبلاء العذر فيطلقه لكن الغرماء لا يمنعون من ملازمته فيلازمونه لكن لا يمنعونه من التصرف والسفر على ما ذكرنا ولو اختلفا في اليسار والإعسار فقال الطالب هو موسر وقال المطلوب أنا معسر فإن قامت لأحدهما بينة قبلت بينته وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة الطالب لأنها تثبت زيادة وهي اليسار
وإن لم يقم لهما بينة فقد ذكر محمد في الكفالة والنكاح والزيادات أنه ينظر إن ثبت الدين بمعاقدة كالبيع والنكاح والكفالة والصلح عن دم العمد والصلح عن المال والخلع أو ثبت تبعا فيما هو معاقدة كالنفقة في باب النكاح فالقول قول الطالب وكذا في الغصب والزكاة وإن ثبت الدين بغير ذلك كإحراق الثوب أو القتل الذي لا يوجب القصاص ويوجب المال في مال الجاني وفي الخطأ فالقول قول المطلوب وذكر الخصاف رحمه الله في آداب ( ( ( أدب ) ) ) القاضي أنه إن وجب الذين ( ( ( الدين ) ) ) عوضا عن مال سالم للمشتري نحو ثمن المبيع الذي سلم له البيع والقرض والغصب والسلم الذي أخذ المسلم إليه رأس المال فالقول قول الطالب وكل دين ليس له عوض أصلا كإحراق الثوب أو له عوض ليس بمال كالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد والكفالة فالقول قول المطلوب واختلف المشايخ فيه قال بعضهم القول قول المطلوب على كل حال ولا يحبس لأن الفقر أصل في بني آدم والغنا ( ( ( والغنى ) ) ) عارض فكان الظاهر شاهدا للمطلوب فكان القول قوله مع يمينه وقال بعضهم القول قول الطالب على كل حال لقوله لصاحب الحق اليد واللسان وقال بعضهم يحكم زيه إذا كان زيه زي الأغنياء فالقول قول الطالب وإن كان زيه زي الفقراء فالقول قول المطلوب وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني رحمه الله أنه يحكم زيه فيؤخذ بحكمه في الفقر والغنا ( ( ( والغنى ) ) ) إلا إذا كان المطلوب من الفقهاء أو العلوية أو الأشراف لأن من عاداتهم التكلف في اللباس والتجمل بدون الغنا فيكون القول قول المديون أنه معسر وجه ما ذكره الخصاف رحمه الله أن القول في الشرع قول من يشهد له الظاهر وإذا وجب الدين بدلا عن مال سلم له كان الظاهر شاهدا للطالب لأنه ثبتت قدرة المطلوب بسلامة المال وكذا في الزكاة أنها لا تجب إلا على الغني فكان الظاهر شاهدا للطالب وجه قول محمد رحمه الله وهو ظاهر الرواية أن الظاهر شاهد للطالب فيما ذكرنا أيضا من طريق الدلالة وهو إقدامه على المعاقدة فإن الإقدام على التزوج دليل القدرة إذ الظاهر أن الأنسان لا يتزوج حتى يكون له شيء ولا يتزوج أيضا حتى يكون له قدرة على المهر وكذا الإقدام على الخلع لأن المرأة لا تخالع عادة حتى يكون عندها شيء وكذا الصلح لا يقدم الإنسان عليه إلا عند القدرة فكان الظاهر شاهدا للطالب في هذه المواضع فكان القول قوله والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يمنع المحبوس عنه وما لا يمنع فالمحبوس ممنوع عن الخروج إلى أشغاله ومهماته وإلى الجمع والجماعات والأعياد وتشييع الجنائز وعيادة المرضى والزيارة والضيافة لأن الحبس للتوسل إلى قضاء الدين فإذا منع عن أشغاله ومهماته الدينية والدنيوية تضجر فيسارع إلى قضاء الدين ولا يمنع من دخول أقاربه عليه لأن ذلك لا يخل بما وضع له الحبس بل قد يقع وسيلة إليه ولا يمنع من التصرفات الشرعية ومن البيع والشراء والهبة والصدقة والإقرار لغيرهم من الغرماء حتى لو فعل شيئا من ذلك نفذ ولم يكن للغرماء ولاية الإبطال لأن الحبس لا يوجب بطلان أهلية التصرفات ولو طلب الغرماء الذين حبس لأجلهم من القاضي أن يحجر على المحبوس من الإقرار والهبة والصدقة وغيرها لم يجبهم إلى ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما له أن يجيبهم إليه وكذا إذا طلبوا من القاضي بيع ماله عليه مما سوى الدراهم والدنانير من المنقول والعقار له أن يجيبهم إليه عندهما وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فلا يجيبهم إلى ذلك وهي مسألة الحجر لكن إذا كان دينه دراهم وعنده دراهم فإن القاضي يقضي بها دينه لأنها من جنس حقه وإن كان دينه دراهم وعنده دنانير باعها القاضي بالدراهم وقضى بها دينه وكذا إذا كان دينه دنانير وعنده دراهم باعها القاضي بالدنانير وقضى بها دينه
فرق بين الدنانير والدراهم وبين سائر الأموال أنه يبيع أحدهما بالآخر لقضاء الدين ولا يبيع سائر الأموال ووجه الفرق أن الدراهم والدنانير من جنس واحد من وجه بدليل أنه يكمل نصاب أحدهما بالآخر في باب الزكاة والمؤدي عن أحدهما كان مؤديا ( ( ( مؤدى ) ) ) عن الآخر عند الهلاك فكان بينهما مجانسة من وجه فصار كل واحد منهما كعين الآخر حكما وليس بين العروض وبين الدراهم والدنانير مجانسة بوجه فلا يملك التصرف على المحبوس ببيعهما بها ولأن العروض إذا بيعت لقضاء الدين فإنها لا تشتري مثل ما تشتري في سائر الأوقات بل دون ذلك وفيه ضرر به ولا ضرر في الدراهم والدنانير لأنها لا تتفاوت وهذا بخلاف ما بعد الموت أن القاضي يبيع جميع ماله لقضاء دينه لأن بيع القاضي ليس تصرفا على الميت لبطلان أهليته بالموت ولأنه رضي بذلك في آخر جزء من أجزاء حياته هذا هو الظاهر لأن قضاء الديون من حوائجه الأصلية فكان راضيا بقضاء الدين من أي مال كان تخليصا لنفسه عن عهدة الدين عندما سده عن حياته والله سبحانه وتعالى أعلم وينفق المحبوس على نفسه وعياله وأقاربه ولا يمنع من ذلك ولا عن شيء من التصرفات الشرعية والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما حبس العين بالدين فالمحبوس بالدين في الأصل على نوعين محبوس هو مضمون ومحبوس هو أمانة والمضمون على نوعين أيضا مضمون بالثمن ومضمون بالقيمة فالمضمون بالثمن كالمبيع في يد البائع حتى لو هلك سقط الثمن لأنه لو بقي لطالبه البائع به فيطالبه المشتري بتسليم المبيع لأن البيع تمليك بإزاء تمليك وتسليم بإزاء تسليم وهو عاجز عن التسليم لهلاك المبيع فلا يملك مطالبته فلا يملك البائع مطالبته بالثمن فيسقط ضرورة عدم الفائدة في البقاء ولأن المبيع في يد البائع لا يكون أدنى حالا من المقبوض على سوم الشراء وذلك مضمون فهذا أولى إلا أن ذلك مضمون بالقيمة وهذا بالثمن لوجود التسمية الصحيحة ههنا وانعدام التسمية هناك أصلا وأما الوكيل بالشراء إذا أدى الثمن من مال نفسه فحبس السلعة لاستيفاء الثمن من الموكل فهلك فإن كان قبل الطلب يهلك أمانة عند أصحابنا رحمهم الله الثلاثة وعند زفر رحمه الله يهلك مضمونا ولو كان بعد الطلب يهلك مضمونا لكن ضمان المبيع عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف ضمان الرهن وعند زفر رحمه الله ضمان الغصب وقد ذكرنا المسألة في كتاب الوكالة وأما المضمون بالقيمة فكالمبيع بيعا فاسدا إذا لم يكن من ذوات الأمثال إذا فسخ البائع البيع والمبيع في يد المشتري فحبسه ليرد البائع الثمن عليه فهلك في يده يهلك بقيمته ويتقاصان ويترادان الفضل وكذا المرهون مضمون عندنا لكن بالأقل من قيمته ومن الدين وعند الشافعي رحمه الله تعالى ليس بمضمون أصلا وهي مسألة كتاب الرهن وأما المحبوس الذي هو أمانة فنحو نماء الرهن فإنه محبوس بالدين لكنه أمانة في يد المرتهن حتى لو هلك لا يسقط شيء من الدين وكذا المستأجر دابة إجارة فاسدة إذا كان عجل الأجرة فحبسها لاستيفاء الأجرة المعجلة حتى هلكت في يده تهلك أمانة والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب الإكراه الكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان معنى الإكراه لغة وشرعا وفي بيان أنواع الإكراه وفي بيان شرائط الإكراه وفي بيان حكم ما يقع عليه الإكراه إذا أتى به المكره وفي بيان ما عدل المكره إلى غير ما وقع عليه الإكراه أو زاد على ما وقع عليه الإكراه أو نقص عنه
أما الأول فالإكراه في اللغة عبارة عن إثبات الكره والكره معنى قائم بالمكره ينافي المحبة والرضا ولهذا يستعمل كل واحد منهما مقابل الآخر قال الله سبحانه وتعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ولهذا قال أهل السنة إن الله تبارك وتعالى يكره الكفر والمعاصي أي لا يحبها ولا يرضى بها وإن كانت الطاعات والمعاصي بإرادة الله عز وجل وفي الشرع عبارة عن الدعاء إلى الفعل بالإيعاد والتهديد مع وجود شرائطها التي نذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى فصل وأما بيان أنواع الإكراه فنقول إنه نوعان نوع يوجب الإلجاء والاضطرار طبعا كالقتل والقطع والضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو قل الضرب أو كثر ومنهم من قدره بعدد ضربات الحد وأنه غير سديد لأن المعول عليه تحقق الضرورة فإذا تحققت فلا معنى لصورة العدد وهذا النوع يسمى إكراها تاما ونوع لا يوجب الإلجاء والاضطرار وهو الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه التلف وليس فيه تقدير لازم سوى أن يلحقه منه الاغتمام البين من هذه الأشياء أعني الحبس والقيد والضرب وهذا النوع من الإكراه يسمى إكراها ناقصا فصل وأما شرائط الإكراه فنوعان نوع يرجع إلى المكره ونوع يرجع إلى المكره أما الذي يرجع إلى المكره فهو أن يكون قادرا على تحقيق ما أوعد لأن الضرورة لا تتحقق إلا عند القدرة وعلى هذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه إن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إنه يتحقق من السلطان وغيره وجه قولهما أن الإكراه ليس إلا إيعاد بإلحاق المكروه وهذا يتحقق من كل مسلط وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول غير السلطان لا يقدر على تحقيق ما أوعد لأن المكره يستغيث بالسلطان فيغيثه فإذا كان المكره هو السلطان فلا يجد غوثا وقيل إنه لا خلاف بينهم في المعنى إنما هو خلاف زمان ففي زمن أبي حنيفة رضي الله عنه لم يكن لغير السلطان قدرة الإكراه ثم تغير الحال في زمانهما فغير الفتوى على حسب الحال والله أعلم فأما البلوغ فليس بشرط لتحقق الإكراه حتى يتحقق من الصبي العاقل إذا كان مطاعا مسلطا وكذلك العقل والتمييز المطلق ليس بشرط فيتحقق الإكراه من البالغ المختلط العقل بعد أن كان مطاعا مسلطا وأما النوع الذي يرجع إلى المكره فهو أن يقع في غالب رأيه وأكثر ظنه أنه لو لم يجب إلى ما دعي إليه تحقق ما أوعد به لأن غالب الرأي حجة خصوصا عند تعذر الوصول إلى التعين حتى إنه لو كان في أكثر رأي المكره أن المكره لا يحقق ما أوعده لا يثبت حكم الإكراه شرعا وإن وجد صورة الإيعاد لأن الضرورة لم تتحقق ومثله لو أمره بفعل ولم يوعده عليه ولكن في أكثر رأي المكره أنه لو لم يفعل تحقق ما أوعد يثبت حكم الإكراه لتحقق الضرورة ولهذا أنه لو كان في أكثر رأيه أنه لو امتنع عن تناول الميتة وصبر إلى أن يلحقه الجوع المهلك لأزيل عنه الإكراه لا يباح له أن يعجل بتناولها وإن كان في أكثر رأيه أنه وإن صبر إلى تلك الحالة لما أزيل عنه الإكراه يباح أن يتناولها للحال دل أن العبرة لغالب الرأي وأكثر الظن دون صورة الإيعاد والله سبحانه تعالى ( ( ( وتعالى ) ) ) أعلم فصل وأما بيان ما يقع عليه الإكراه فنقول وبالله التوفيق ما يقع عليه الإكراه في الأصل نوعان حسي وشرعي وكل واحد منهما على ضربين معين ومخير فيه أما الحسي المعين في كونه مكرها عليه فالأكل والشرب والشتم والكفر والإتلاف والقطع عينا وأما الشرعي فالطلاق والعتاق والتدبير والنكاح والرجعة واليمين والنذر والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء والبيع والشراء والهبة والإجارة والإبراء عن الحقوق والكفالة بالنفس وتسليم الشفعة وترك طلبها ونحوها والله أعلم فصل وأما بيان حكم ما يقع عليه الإكراه فنقول وبالله التوفيق أما التصرفات الحسية فيتعلق بها حكمان أحدهما يرجع إلى الآخرة والثاني يرجع إلى الدنيا
أما الذي يرجع إلى الآخرة فنقول وبالله التوفيق التصرفات الحسية التي يقع عليها الإكراه في حق أحكام الآخرة ثلاثة أنواع نوع هو مباح ونوع هو مرخص ونوع هو حرام ليس بمباح ولا مرخص أما النوع الذي هو مباح فأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر إذا كان الإكراه تاما بأن كان بوعيد تلف لأن هذه الأشياء مما تباح عند الإضرار ( ( ( الاضطرار ) ) ) قال الله تبارك وتعالى إلا ما اضطررتم إليه أي دعتكم شدة المجاعة إلى أكلها والاستثناء من التحريم إباحة وقد تحقق الإضطرار بالإكراه فيباح له التناول بل لا يباح له الامتناع عنه ولو امتنع عنه حتى قتل يؤاخذ به كما في حالة المخمصة لأنه بالامتناع عنه صار ملقيا نفسه في التهلكة والله سبحانه وتعالى نهى عن ذلك بقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وإن كان الإكراه ناقصا لا يحل له الإقدام عليه ولا يرخص أيضا لأنه لا يفعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه فكانت الحرمة بحكمها قائمة وكذلك لو كان الإكراه بالإجاعة بأن قال لتفعلن كذا وإلا لأجيعنك لا يحل له أن يفعل حتى يجيئه من الجوع ما يخاف منه تلف النفس أو العضو لأن الضرورة لا تتحقق إلا في تلك الحالة والله تعالى أعلم وأما النوع الذي هو مرخص فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان إذا كان الإكراه تاما وهو محرم في نفسه مع ثبوت الرخصة فأثر بالرخصة ( ( ( الرخصة ) ) ) في تغير حكم الفعل وهو المؤاخذة لا في تغير وصفه وهو الحرمة لأن كلمة الكفر مما لا يحتمل الإباحة بحال فكانت الحرمة قائمة إلا أنه سقطت المؤاخذة لعذر الإكراه قال الله تبارك وتعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان على التقديم والتأخير في الكلام والله سبحانه وتعالى أعلم والامتناع عنه أفضل من الإقدام عليه حتى لو امتنع فقتل كان مأجورا لأنه جاد بنفسه في سبيل الله تعالى فيرجو أن يكون له ثواب المجاهدين بالنفس هنا وقال عليه الصلاة والسلام من قتل مجبرا في نفسه فهو في ظل العرش يوم القيامة وكذلك التكلم بشتم النبي عليه السلام مع اطمئنان القلب بالإيمان والأصل فيه ما روي أن عمار بن ياسر رضي الله عنهما لما أكرهه الكفار ورجع إلى رسول الله فقال له ما وراءك يا عمار فقال شر يا رسول الله ما تركوني حتى نلت منك فقال رسول الله إن عادوا فعد فقد رخص عليه الصلاة والسلام في إتيان الكلمة بشريطة اطمئنان القلب بالإيمان حيث أمره عليه الصلاة والسلام بالعود إلى ما وجد منه لكن الامتناع أفضل لما مر ومن هذا النوع شتم المسلم لأن عرض المسلم حرام التعرض في كل حال قال النبي عليه الصلاة والسلام كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله إلا أنه رخص له لعذر الإكراه وأثر الرخصة في سقوط المؤاخذة دون الحرمة والامتناع عنه حفظا لحرمة المسلم وإيثارا له على نفسه أفضل ومن هذا النوع إتلاف مال المسلم لأن حرمة مال المسلم حرمة دمه على لسان رسول الله فلا يحتمل السقوط بحال إلا أنه رخص له الإتلاف لعذر الإكراه حال المخمصة على ما نذكر ولو امتنع حتى قتل لا يأثم بل يثاب لأن الحرمة قائمة فهو بالامتناع قضى حق الحرمة فكان مأجورا لا مأزورا وكذلك إتلاف مال نفسه مرخص بالإكراه لكن مع قيام الحرمة حتى إنه لو امتنع فقتل لا يأثم بل يثاب لأن حرمة ماله لا تسقط بالإكراه لو امتنع فقتل لا يأثم بل يثاب لأن حرمة ماله لا تسقط بالإكراه ألا ترى أنه أبيح له الدفع قال النبي عليه السلام قاتل دون مالك وكذا من أصابته المخمصة فسأل صاحبه الطعام فمنعه فامتنع من التناول حتى مات أنه لا يأثم لما ذكرنا أنه بالامتناع راعى حق الحرمة
هذا إذا كان الإكراه تاما فإن كان ناقصا من الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه تلف النفس والعضو لا يرخص له أصلا ويحكم بكفره وإن قال كان قلبي مطمئنا بالإيمان فلا يصدق في الحكم على ما نذكر ويأثم بشتم المسلم وإتلاف ماله لأن الضرورة لم تتحقق وكذا إذا كان الإكراه تاما ولكن في أكبر رأي المكره إن المكره لا يحقق ما أوعده لا يرخص له الفعل أصلا ولو فعل يأثم لانعدام تحقق الضرورة لانعدام الإكراه شرعا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما النوع الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه أصلا فهو قتل المسلم بغير حق سواء كان الإكراه ناقصا أو تاما لأن قتل المسلم بغير حق لا يحتمل الإباحة بحال قال الله تبارك وتعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وكذا قطع عضو من أعضائه والضرب المهلك قال الله سبحانه وتعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا وكذلك ضرب الوالدين قل أو كثر قال الله تعالى فلا تقل لهما أف والنهي عن التأفيف نهي عن الضرب دلالة بالطريق الأولى فكانت الحرمة قائمة بحكمها فلا يرخص الإقدام عليه ولو أقدم يأثم والله أعلم وأما ضرب غير الوالدين إذا كان مما لا يخاف منه التلف كضرب سوط أو نحوه فيرجى أن لا يؤاخذبه وكذا الحبس والقيد لأن ضرره دون ضرر المكره بكثير فالظاهر أنه يرضى بهذا القدر من الضرر لإحياء أخيه ولو أذن له المكره عليه أو قطعه أو ضربه فقال للمكره افعل لا يباح له أن يفعل لأن هذا مما لا يباح بالإباحة ولو فعل فهو آثم ألا ترى أنه لو فعل بنفسه أثم فبغيره أولى وكذا الزنا من هذا القبيل أنه لا يباح ولا يرخص للرجل بالإكراه وإن كان تاما ولو فعل يأثم لأن حرمة الزنا ثابتة في العقول قال الله سبحانه وتعالى ولا تقربوا الزنى ( ( ( الزنا ) ) ) إنه كان فاحشة وساء سبيلا فدل أنه كان فاحشة في العقل قبل ورود الشرع فلا يحتمل الرخصة بحال كقتل المسلم بغير حق ولو أذنت المرأة به لا يباح أيضا حرة كانت أو أمة أذن له ( ( ( لها ) ) ) مولاها لأن الفرج لا يباح بالإباحة وأما المرأة فيرخص لها لأن الذي يتصور منها ليس إلا التمكين وهي مع ذلك مدفوعة إليه وهذا عندي فيه نظر لأن فعل الزنا كما يتصور من الرجل يتصور من المرأة ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى سماها زانية إلا أن زنا الرجل بالإيلاج وزناها بالتمكين والتمكين فعل منها لكنه فعل سكوت فاحتمل الوصف بالحظر والحرمة فينبغي أن لا يختلف فيه حكم الرجل والمرأة فلا يرخص للمرأة كما لا يرخص للرجل والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الحكم الذي يرجع إلى الدنيا في الأنواع الثلاثة أما النوع الأول فالمكره على الشرب لا يجب عليه الحد إذا كان الإكراه تاما لأن الحد شرع زاجرا عن الجناية في المستقبل والشرب خرج من أن يكون جناية بالإكراه وصار مباحا بل واجبا عليه على ما مر وإذا كان ناقصا يجب لأن الإكراه الناقص لم يوجب تغير الفعل عما كان عليه قبل الإكراه بوجه ما فلا يوجب تغير حكمه والله سبحانه وتعالى أعلم وأما النوع الثاني فالمكره على الكفر لا يحكم بكفره إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان بخلاف المكره على الإيمان أنه يحكم بإيمانه والفرق بينهما من وجهين أحدهما أن الإيمان في الحقيقة تصديق والكفر في الحقيقة تكذيب وكل ذلك عمل القلب
والإكراه لايعمل على القلب فإن كان مصدقا بقلبه كان مؤمنا لوجود حقيقة الإيمان وإن كان مكذبا بقلبه كان كافرا لوجود حقيقة الكفر إلا أن عبارة اللسان جعل ( ( ( جعلت ) ) ) دليلا على التصديق والتكذيب ظاهرا حالة الطوع وقد بطلت هذه الدلالة بالإكراه فبقي الإيمان منه والكفر محتملا فكان ينبغي أن لا يحكم بالإسلام حالة الإكراه مع الاحتمال كما لم يحكم بالكفر فيها بالاحتمال إلا أنه حكم بذلك لوجهين أحدهما أنا إنما قبلنا ظاهر إيمانه مع الإكراه ليخالط المسلمين فيرى محاسن الإسلام فيؤول ( ( ( فيئول ) ) ) أمره إلى الحقيقة وإن كنا لا نعلم بإيمانه لا قطعا ولا غالبا وهذا جائر ( ( ( جائز ) ) ) ألا ترى أن الله تبارك ( ( ( تباك ) ) ) وتعالى أمرنا في النساء المهاجرات بامتحانهن بعد وجود ظاهر الكلمة منهن بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ليظهر لنا إيمانهن بالدليل الغالب لقوله عز شأنه فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار كذا ههنا وهذا المعنى لا يتحقق في الإكراه على الكفر والثاني أن اعتبار الدليل المحتمل في باب الإسلام يرجع إلى إعلاء الدين الحق وإن اعتبار الغالب يرجع إلى ضده وإعلاء الدين الحق واجب قال النبي عليه الصلاة والسلام الإسلام يعلو ولا يعلى فوجب اعتبار المحتمل دون الغالب إعلاءا ( ( ( إعلاء ) ) ) لدين الحق وذلك في الحكم بإيمان المكره على الإيمان والحكم بعدم كفر المكره والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أكره على الإسلام فأسلم ثم رجع يجبر على الإسلام ولا يقتل بل يحبس ولكن لا يقتل والقياس أن يقتل لوجود الردة منه وهي الرجوع 2 عن الإسلام وجه الاستحسان أنا إنما قبلنا كلمة الإسلام منه ظاهرا طمعا للحقيقة ليخالط المسلمين فيرى محاسن الإسلام فينجع التصديق في قلبه على ما مر فإذا رجع تبين أنه لا مطمع لحقيقة الإسلام فيه وأنه على اعتقاده الأول فلم يكن هذا رجوعا عن الإسلام بل إظهارا لما كان في قلبه من التكذيب فلا يقتل وكذلك الكافرإذا أسلم وله أولاد صغار حتى حكم بإسلامهم تبعا لأبيهم فبلغوا كفارا يجبرون على الإسلام ولا يقتلون لأنه لم يوجد منهم الإسلام حقيقة فلم يتحقق الرجوع عنه والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أكره على أن يقر أنه أسلم أمس فأقر لايحكم بإسلامه لأن الإكراه يمنع صحة الإقرار لما نذكر في موضعه إن شاء الله تعالى وإذا لم يحكم بكفره بإجراء الكلمة لا تثبت أحكام الكفر حتى لا تبين منه امرأته والقياس أن تثبت البينونة لوجود سبب الفرقة وهو الكلمة أو هي من أسباب الفرقة بمنزلة كلمة الطلاق ثم حكم تلك لا يختلف بالطوع والكره فكذا حكم هذه وجه الاستحسان أن سبب الفرقة الردة دون نفس الكلمة وإنما الكلمة دلالة عليها حالة الطوع ولم يبق دليلا حالة الإكراه فلم تثبت الردة فلا تثبت البينونة ولو قال المكره خطر ببالي في قولي كفرت بالله أن أخبر عن الماضي كاذبا ولم أكن فعلت لا يصدق في الحكم ويحكم بكفره لأنه دعي إلى إنشاء الكفر وقدأخبر أنه أتى بالإخبار وهو غير مكره على الإخبار بل هو طائع فيه ولو قال طائعا كفرت باللهثم قال عنيت به الإخبار عن الماضي كاذبا ولم أكن فعلت لا يصدق في القضاء كذا هذا ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه يحتمله كلامه وإن كان خلاف الظاهر ولو أكره على الإخبار فيما مضى ثم قال ما أردت به الخبر عن الماضي فهو كافر في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى لأنه لم يجبه إلى ما دعاه إليه بل أخبر أنه أنشأ الكفر طوعا ولو قال لم يخطر ببالي شيء آخر لا يحكم بكفره لأنه إذا لم يرد شيئا يحمل على الإجابة إلى ظاهر الكلمة مع اطمئنان القلب بالإيمان فلا يحكم بكفره
وكذلك لو أكره على الصلاة للصليب فقام يصلي فخطر بباله أن يصلي لله تعالى وهو مستقبل القبلة أو غير مستقبل القبلة فينبغي أن ينوي بالصلاة أن تكون لله عز وجل فإذا قال نويت به ذلك لم يصدق في القضاء ويحكم بكفره لأنه أتى بغير ما دعي إليه فكان طائعا والطائع إذا فعل ذلك وقال نويت به ذلك لا يصدق في القضاء كذا هذا ويصدق فيما بينه وبين الله عز شأنه لأنه نوى ما يحتمله فعله ولو صلى للصليب ولم يصل لله سبحانه وتعالى وقد خطر بباله ذلك فهو كافر بالله في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى لأنه صلى للصليب طائعا مع إمكان الصلاة لله تعالى وإن كان مستقبل الصليب فإن لم يخطر بباله شيء وصلى للصليب ظاهرا وقلبه مطمئن بالإيمان لا يحكم بكفره ويحمل على الإجابة إلى ظاهر ما دعى إليه مع سكون قلبه بالإيمان وكذلك لو أكره على سب النبي فخطر بباله رجل آخر اسمه محمد فسبه وأقر بذلك لا يصدق في الحكم ويحكم بكفره لأنه إذا خطر بباله رجل آخر فهذا طائع في سب النبي محمد عليه الصلاة والسلام ثم قال عنيت به غيره فلا يصدق في الحكم ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه يحتمله ( ( ( يحتمل ) ) ) كلامه ولو لم يقصد بالسب رجلا آخر فسب النبي فهو كافر في القضاء وفيما بينه وبين الله جل شأنه ولو لم يخطر بباله شيء لا يحكم بكفره ويحمل على جهة الإكراه على ما مر والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان الإكراه على الكفر تاما فأما إذا كان ناقصا يحكم بكفره لأنه ليس بمكره في الحقيقة لأنه ما فعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه ولو قال كان قلبي مطمئنا بالإيمان لا يصدق في الحكم لأنه خلاف الظاهر كالطائع إذا أجرى الكلمة ثم قال كان قلبي مطمئنا بالإيمان ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى وأما المكره على إتلاف مال الغير إذا أتلفه يجب الضمان على المكره دون المكره إذا كان الإكراه تاما لأن المتلف هو المكره من حيث المعنى وإنما المكره بمنزلة الآلة على معنى أنه مسلوب الاختيار إيثارا وارتضاء وهذا النوع من الفعل مما يمكن تحصيله بآلة غيره بأن يأخذ المكره فيصر ( ( ( فيضربه ) ) ) به على المال فأمكن جعله آلة المكره فكان التلف حاصلا بإكراهه فكان الضمان عليه وإن كان الإكراه ناقصا فالضمان على المكره لأن الإكراه الناقص لا يجعل المكره آلة المكره لأنه لا يسلب الاختيار أصلا فكان الإتلاف من المكره فكان الضمان عليه وكذلك لو أكره على أن يأكل مال غيره فالضمان عليه لأن هذا النوع من الفعل وهو الأكل مما لا يعمل عليه الإكراه لأنه لا يتصور تحصيله بآلة غيره فكان طائعا فيه فكان الضمان عليه ولو أكره على أن يأكل طعام نفسه فأكل أو على أن يلبس ثوب نفسه فلبس حتى تخرق لا يجب الضمان على المكره لأن الإكراه على أكل مال غير ( ( ( غيره ) ) ) لما لم يوجب الضمان على المكره فعلى مال نفسه أولى مع ما أن أكل مال نفسه وليس ( ( ( ولبس ) ) ) ثوب نفسه لبس ( ( ( ليس ) ) ) من باب الإتلاف بل هو صرف مال نفسه إلى مصلحة بقائه ومن صرف مال نفسه إلى مصلحته لا ضمان له على أحد ولو أذن صاحب المال المكره بإتلاف ماله من غير إكراه فأتلفه لا ضمان على أحد لأن الإذن بالإتلاف يعمل في الأموال لأن الأموال مما تباح بالإباحة وإتلاف مال مأذون فيه لا يوجب الضمان والله سبحانه وتعالى أعلم وأما النوع الثالث فأما المكره على القتل فإن كان الإكراه تاما فلا قصاص عليه عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما ولكن يعزر ويجب على المكره وعند أبي يوسف رحمه الله لا يجب القصاص عليهما ولكن تجب الدية على المكره
وعند زفر رحمه الله يجب القصاص على المكره دون المكره وعند الشافعي رحمه الله يجب عليهما وجه قول الشافعي رحمه الله أن القتل اسم لفعل يفضي إلى زهوق الحياة عادة وقد وجد في كل واحد منهما إلا أنه حصل من المكره مباشرة ومن المكره تسبيبا فيجب القصاص عليهما جميعا وجه قول زفر رحمه الله أن القتل وجد من المكره حقيقة حسا ومشاهدة وإنكار المحسوس مكابرة فوجب اعتباره منه دون المكره إذ الأصل اعتبار الحقيقة لا يجوز العدول عنها إلا بدليل وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن المكره ليس بقاتل حقيقة بل هو مسبب للقتل وإنما القاتل هو المكره حقيقة ثم لما لم يجب القصاص عليه فلأن لا يجب على المكره أولى وجه قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة ما روي عن رسول الله أن قال عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وعفو الشيء عفو عن موجبه فكان موجب المستكره عليه معفوا بظاهر الحديث ولأن القاتل هو المكره من حيث المعنى وإنما الموجود من المكره صورة القتل فأشبه الآلة إذ القتل مما يمكن اكتسابه بآلة الغير كإتلاف المال ثم المتلف هو المكره حتى كان الضمان عليه فكذا القاتل ألا ترى أنه إذا أكره على قطع يد نفسه له أن يقتص من المكره ولو كان هو القاطع حقيقة لما اقتص ولأن معنى الحياة أمر لا بد منه في باب القصاص قال الله تعالى ولكم في القصاص حياة ومعنى الحياة شرعا واستيفاء لا يحصل بشرع القصاص في حق المكره واستيفائه منه على ما مر في مسائل الخلاف لذلك وجب على المكره دون المكره وإن كان الإكراه ناقصا وجب القصاص على المكره بلا خلاف لأن الإكراه الناقص يسلب الاختيار أصلا فلا يمنع وجوب القصاص وكذلك لو كان المكره صبيا أو معتوها يعقل ما أمره ( ( ( أمر ) ) ) به فالقصاص على المكره عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لما ذكرنا ولو كان الصبي المكره يعقل وهو مطاع أو بالغ مختلط العقل وهو مسلط لا قصاص عليه وعلى عاقلته الدية لأن عمد الصبي خطأ ولو قال المكره على قتله للمكره ( ( ( المكره ) ) ) اقتلني من غير إكراه فقتله لا قصاص عليه عند أصحابنا الثلاثة لأنه لو قتله من غير إذن لا يجب عليه فهذا أولى وعند زفر يجب عليه القصاص وكذا لا قصاص على المكره عندنا وفي وجوب الدية روايتان وموضع المسألة كتاب الديات ومن الأحكام التي تتعلق بالإكراه على القتل أن المكره على قتل مورثه لا يحرم الميراث عند أصحابنا الثلاثة لما ذكرنا أن الموجود من المكره صورة القتل لا حقيقته بل هو في معنى الآلة فكان القتل مضافا إلى المكره ولأنه قتل لا يتعلق به وجوب القصاص ولا يوجوب ( ( ( وجوب ) ) ) الكفارة فلا يوجب حرمان الميراث وعلى قياس قول زفر والشافعي رحمهما الله يحرم الميراث لأنه يتعلق به وجوب القصاص وأما المكره فيحرم الميراث عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي رضي الله عنهم لوجوب القصاص عليه وعند أبي يوسف وزفر رحمهما الله لا يحرم لانعدام وجوب القصاص عليه والكفارة والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان المكره بالغا فإن كان صبيا وهو وارث المقتول لا يحرم الميراث لأن من شرط كون القتل جارما ( ( ( جازما ) ) ) أن يكون حراما وفعل الصبي لا يوصف بالحرمة ولهذا إذا قتله بيد نفسه لا يحرم فإذا قتله بيد غيره أولى وكذلك المكره على قطع يد إنسان إذا قطع فهو على الاختلاف الذي ذكرنا في القتل غير أن صاحب اليد إذا كان أذن للمكره بقطع يده من غير إكراه فقطع لا ضمان على أحد وفي باب القتل إذا أذن لمكره ( ( ( المكره ) ) ) على قتله المكره ( ( ( للمكره ) ) ) بالقتل فقتل فهو اختلاف الرواية في وجوب الدية على المكره والله سبحانه وتعالى أعلم
والفرق أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال في بعض الأحوال والإذن بإتلاف المال المحض مبيح فالأذن بإتلاف ماله حكم المال في الجملة يورث شبهة الإباحة فيمنع وجوب الضمان بخلاف النفس يدل على التفرقة بينهما أنه إذا قال له لتقطعن يدك وإلا لأقتلنك كان في سعة من ذلك ولا يسعه ذلك في النفس والله عز وجل ( ( ( وتعالى ) ) ) أعلم وأما المكره على الزنا فقد كان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا إذا أكره الرجل على الزنا يجب عليه الحد وهو القياس لأن الزنا من الرجل لا يتحقق إلا بانتشار الآلة والإكراه لا يؤثر فيه فكان طائعا في الزنا فكان عليه الحد ثم رجع وقال إذا كان الإكراه من السلطان لا يجب بناء على أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان عنده وعندهما يتحقق من السلطان وغيره فإذا جاء من غير السلطان ما يجيء من السلطان لا يجب والفرق لأبي حنيفة ما ذكرنا من قبل أن المكره يلحقه الغوث إذا كان الإكراه من غير السلطان ولا يجد غوثا إذا كان الإكراه منه وأما قوله إن الزنا لا يتحقق إلا بانتشار الآلة فنعم لكن ليس كل من تنتشر آلته يفعل فكان فعله بناء على إكراهه فيعمل فيه لضرورته مدفوعا إليه خوفا من القتل فيمنع وجوب الحد ولكن يجب العقر على المكره لأن الزنا في دار الإسلام لا يخلو عن إحدى الغرامتين وإنما وجب ( ( ( يجب ) ) ) العقر على المكره دون المكره لأن الزنا مما لا يتصور تحصيله بآلة غيره والأصل أن كل ما لا يتصور تحصيله بآلة الغير فضمانه على المكره وما يتصور تحصيله بآلة الغير فضمانه على المكره كذلك المرأة إذا أكرهت عل الزنا لا حد عليها لأنها بالإكراه صارت محمولة على التمكين خوفا من مضرة السيف فيمنع وجوب الحد عليها كما في جانب الرجل بل أولى لأن الموجود منها ليس إلا التمكين ثم الإكراه لما أثر في جانب الرجل فلأن يؤثر في جانبها أولى هذا إذا كان إكراه الرجل تاما فأما إذا كان ناقصا بحبس أو قيد أو ضرب لا يخاف منه التلف يجب عليه الحد لما مر أن الإكراه الناقص لا يجعل المكره مدفوعا إلى فعل ما أكره فبقي مختارا مطلقا فيؤاخذ بحكم فعله وأما في حق المرأة فلا فرق بين الإكراه التام والناقص ويدرأ الحد عنها في نوعي الإكراه لأنه لم يوجد منها فعل الزنا بل الموجود هو التمكين وقد خرج من أن يكون دليل الرضا بالإكراه فيدرأ عنها الحد هذا الذي ذكرنا إذا كان المكره عليه معينا فأما إذا كان مخيرا فيه بأن أكره على أحد فعلين من الأنواع الثلاثة غير معين فنقول وبالله التوفيق أما الحكم الذي يرجع إلى الآخرة وهو ما ذكرنا من الإباحة والرخصة والحرمة المطلقة فلا يختلف التخيير بين المباح والمرخص أنه يبطل حكم الرخصة أعني به أن كل ما يباح حالة التعيين يباح حالة التخيير وكل ما لا يباح ولا يرخص حالة التعيين لا يباح ولا يرخص حالة التخيير وكل ما يرخص حالة التعيين يرخص حالة التخيير إلا إذا كان التخيير بين المباح وبين المرخص وبيان هذه الجملة إذا أكره على أكل ميتة أو قتل مسلم يباح له الأكل ولا يرخص له القتل وكذا إذا أكره على أكل ميتة أو أكل ما لايباح ولا يرخص حالة التعيين من قطع اليد وشتم المسلم والزنا يباح له الأكل ولا يباح شيء من ذلك ولا يرخص كما في حالة التعيين ولو امتنع من الأكل حتى قتل يأثم كما في حالة التعيين ولو أكره على القتل والزنا لا يرخص له أن يفعل أحدهما ولو امتنع عنهما لا يأثم إذا قتل بل يثاب كما في حالة التعيين ولو أكره على القتل أو الإتلاف لمال إنسان رخص له الإتلاف ولو لم يفعل أحدهما حتى قتل لا يأثم بل يثاب كما في حالة التعيين
وكذا إذا أكره على قتل إنسان وإتلاف مال نفسه يرخص له الإتلاف دون القتل كما في حالة التعيين ولو امتنع عنهما حتى قتل لا يأثم وكذا لو أكره على القتل أو الكفر يرخص له أن يجري كلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ولا يرخص له القتل ولو امتنع حتى قتل فهو مأجور كما في حالة التعيين فأما إذا أكره على أكل ميتة أو الكفر لم يذكر هذا الفصل في الكتاب وينبغي أن لا يرخص له كلمة الكفر أصلا كما لا يرخص له القتل لأن الرخصة في إجراء الكلمة لمكان الضرورة ويمكنه دفع الضرورة بالمباح المطلق وهو الأكل فكان إجراء الكلمة حاصلا باختياره مطلقا فلا يرخص له والله أعلم وأما الحكم الذي يرجع إلى الدنيا فقد يختلف بالتخيير حتى إنه لو أكره على أكل الميتة أو قتل المسلم فلم يأكل وقتل يجب القصاص على المكره لأنه أمكنه دفع الضرورة بتناول المباح فكان القتل حاصلا باختياره من غير ضرورة فيؤاخذ بالقصاص ولو أكره على القتل أو الكفر فلم يأت بالكلمة وقتل فالقياس أن يجب القصاص على المكره لأنه مختار في القتل حيث آثر الحرام المطلق على المرخص فيه وفي الاستحسان أنه لا قصاص عليه ولكن تجب الدية في ماله إن لم يكن عالما أن لفظ الكفر مرخص له منهم من استدل بهذه اللفظة على أنه لو كان عالما ومع ذلك تركه وقتل يجب القصاص على المكره لأنه أخرجها مخرج الشرط ومنهم من قال لا يجب علم أو لم يعلم وجه الاستحسان ما ذكر في الكتاب أن أمر هذا الرجل محمول على أنه ظن أن إجراء كلمة الكفر على اللسان أعظم حرمة من القتل فأورث شبهة الرخصة في القتل والقصاص لا يجب مع الشبهات حتى لو كان عالما يجب القصاص عند بعضهم لانعدام الظن المورث للشبهة وعند بعضهم لا يجب لأنه وإن علم بالرخصة فقد استعظم حرف الكفر بالامتناع عنه فجعل استعظامه شبهة دارئة للقصاص والله سبحانه وتعالى أعلم وإنما وجبت ( ( ( وجب ) ) ) الدية في ماله لا على العاقلة لأنه عمد وقال عليه الصلاة والسلام لا تعقل العاقلة عمدا ولا يرجع على المكره لأن القتل حصل باختياره فلا يملك الرجوع عليه ولو أكره على القتل أو الزنا فزنا القياس أن يجب عليه الحد وفي الاستحسان يدرأ عنه لما مر ولو قتل لا يجب القصاص على المكره ولكنه يؤدب بالحبس والتعزير ويقتص من المكره كما في حالة التعيين على ما مر والله أعلم هذا كله إذا كان الإكراه على الأفعال الحسية فأما إذا كان على التصرفات الشرعية فنقول وبالله التوفيق التصرفات الشرعية في الأصل نوعان 2 إنشاء وإقرار والإنشاء نوعان نوع لا يحتمل الفسخ ونوع يحتمله أما الذي لا يحتمل الفسخ فالطلاق والعتاق والرجعة والنكاح واليمين والنذر والظاهر ( ( ( والظهار ) ) ) والإيلاء والفيء في الإيلاء والتدبير والعفو عن القصاص وهذه التصرفات جائزة مع الإكراه عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا تجوز واحتج بما روي عن رسول الله أنه قال عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فلزم أن يكون حكم كل ما استكره عليه عفوا ولأن القصد إلى ما وضع له التصرف شرط جوازه ولهذا لا يصح تصرف الصبي والمجنون وهذا الشرط يفوت بالإكراه لأن المكره لا يقصد بالتصرف ما وضع له وإنما يقصد دفع مضرة السيف عن نفسه ولنا أن عمومات النصوص وإطلاقها يقتضي شرعية هذه التصرفات من غير تخصيص وتقييد أما الطلاق فلقوله سبحانه وتعالى فطلقوهن لعدتهن وقوله عليه الصلاة والسلام كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه ولأن الفائت بالإكراه ليس إلا الرضا طبعا وأنه ليس بشرط لوقوع الطلاق فإن طلاق الهازل واقع وليس براض به طبعا وكذلك الرجل قد يطلق امرأته الفائقة حسنا وجمالا الرائقة تغنجا ودلالا لخلل في دينها وإن كان لا يرضى به طبعا ويقع الطلاق عليها
وأما الحديث فقد قيل إن المراد منه الإكراه على الكفر لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام وكان الإكراه على الكفر ظاهرا يومئذ وكان يجري على ألسنتهم كلمات الكفر خطأ وسهوا فعفا الله جل جلاله عن ذلك عن هذه الأمة على لسان رسول الله مع ما أنا نقول بموجب الحديث إن كل مستكره عليه معفو عن هذه الأمة لكنا لا نسلم أن الطلاق والعتاق وكل تصرف قولي مستكره عليه وهذا لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما يعمل على الاعتقادات لأن أحدا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جبرا فكان كل متكلم مختارا فيما يتكلم به فلا يكون مستكرها عليه حقيقة فلا يتناوله الحديث وقوله القصد إلى ما وضع له التصرف بشرط اعتبار التصرف قلنا هذا باطل بطلاق الهازل ثم إن كان شرطا فهو موجود ههنا لأنه قاصد دفع الهلاك عن نفسه ولا يندفع عنه إلا بالقصد إلى ما وضع له فكان قاصدا إليه ضرورة ثم لا يخلو إما إن أكره على تنجيز الطلاق أو على تعليقه بشرط أو على تحصيل الشرط الذي علق به قوع ( ( ( وقوع ) ) ) الطلاق وحكم الجواز لا يختلف في نوعي التنجيز والتعليق وحكم الضمان يتفق مرة ويختلف أخرى وسنذكر تفصيل هذه الجملة في فصل الإكراه على الإعتاق وإنما نذكر ههنا حكم جواز التطليق المنجز فنقول إذا جاز طلاق المكره فإن كان قبل الدخول بها يجب عليه نصف المفروض إن كان المهر مفروضا والمتعة إذا لم يكن مفروضا لأن هذا حكم الطلاق قبل الدخول ويرجع به على المكره لأنه هو الذي دفعه إلى مباشرة سببه وهو الطلاق فكان قرار الضمان عليه وإذا كان بعد الدخول بها يجب عليه كمال المهر ولا سبيل له على المكره لأن المهر يتأكد باستيفاء منفعة البضع على وجه لا يحتمل السقوط وهو الذي استوفى المبدل باختياره فعليه تسليم البدل والله أعلم وكذلك إذا كان الإكراه ناقصا لا سبيل على المكره لأنه لا يخل باختيار المكره أصلا على ما مر هذا إذا كان الإكراه على الطلاق فأما إذا كان الإكراه على التوكيل بالطلاق ففعله الوكيل فحكمه يذكر في فصل الإكراه على الإعتاق إن شاء الله تعالى وأما العتاق فلما روي أن رجلا جاء إلى النبي وقال علمني عملا يدخلني الجنة فقال أعتق النسمة وفك الرقبة فقال أو ليسا واحدا فقال لا عتق النسمة أن تفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في عتقها وغيره من الأحاديث التي فيها الندب إلى الإعتاق من غير فصل بين المكره والطائع ولأن الإعتاق تصرف قولي فلا يؤثر فيه الإكراه كالطلاق ثم لا يخلو إما أن كان على تنجيز العتق أو على تعليقه بشرط أو على شرط العتق المعلق به أما إذا كان الإكراه على تنجيز العتق فأعتق يضمن المكره قيمة العبد موسرا كان أو معسرا ولا يرجع المكره على العبد بالضمان ولا سعاية على العبد والولاء لمولاه أما وجوب الضمان على المكره فلأن العبد آدمي هو مال والإعتاق إتلاف المالية والأموال مضمونة على المكره بالإتلاف فكان الضمان على المكره كما في سائر الأموال ويستوي فيه يساره وإعساره لأن ضمان الإتلاف لا يختلف باليسار والإعسار ولا يرجع على العبد بالضمان لأن سبب وجوب الضمان منه باختياره فلا معنى للرجوع إلى غيره والولاء للمكره لأن الإعتاق من حيث هو كلام مضاف إلى المكره لاستحالة ورود الإكراه على الأقوال فكان الولاء له ولا سعاية على العبد لأن العبد إنما يستسعى إما لتخريجه إلى العتق تكميلا له واما لتعليق حق الغير به وقد عتق كله فلا حاجة إلى التكميل وكذا لا حق لأحد تعلق به فلا سعاية عليه ولو أكره على شراء ذي رحم محرم منه عتق عليه لأن شراء القريب إعتاق بالنص والإكراه لا يمنع جواز الإعتاق لكن لا يرجع المكره ههنا بقيمة العبد على المكره لأنه حصل له عوض وهو صلة الرحم
ولو كان العبد مشتركا بين اثنين فأكره أحدهما على إعتاقه فأعتقه جاز عتقه لما ذكرنا أن الإكراه لا يمنع جواز الإعتاق لكن يعتق نصفه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما يعتق كله بناء على أن الإعتاق يتجزأ عنده وعندهما لا يتجزأ ولا يضمن الشريك المكره للشريك الآخر نصيبه ولكن يضمن المكره نصيب المكره لأن الإعتاق من حيث هو إتلاف المال مضاف إلى المكره فكان المتلف من حيث المعنى هو المكره فكان الضمان عليه سواء كان موسرا أو معسرا وهذا بخلاف حالة الاختيار إذا أعتقه أحد الشريكين أنه لايضمن لشريكه الساكت إذا كان المعتق معسرا وههنا يضمن موسرا كان أو معسرا لأن الضمان الواجب على المكره ضمان إتلاف على ما مر والأصل أن ضمان الإتلاف لا يختلف باليسار والإعسار فالواجب على أحد الشريكين حالة الاختيار ليس بضمان إتلاف لانعدام الإتلاف منه في نصيب شريكه أما على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه فظاهر لأنه لا يعتق نصيب شريكه وأما على أصلهما فإن عتق لكن لا بإعتاقه لأن إعتاقه تصرف في ملك نفسه إلا أنه عتق نصيب شريكه عند تصرفه لا بتصرفه فلا يكون مضافا إليه كمن حفر بئرا في دار نفسه فوقع فيها غيره أو سقى أرض نفسه ففسدت أرض غيره حتى لا يجب عليه الضمان إلا أن وجوب الضمان على أحد الشريكين حالة الاختيار عرف شرعا والشرع ورد به على الموسر فيقتصر على مورد الشرع وشريك المكره بالخيار إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء دبره وإن شاء كاتبه وإن شاء استسعاه معسرا كان المكره أو موسرا وإن شاء ضمن المكره إن كان موسرا فإن اختار تضمين المكره فالولاء بين المكره والمكره لأنه انتقل نصيبه إليه باختيار طريق الضمان وإن اختار الإعتاق أو السعاية فالولاء بينه وبين شريكه وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما إن كان المكره موسرا فلشريك المكره أن يضمنه لا غير وإن كان معسرا فله أن يستسعي العبد لا غير كما في حالة الاختيار وموضع المسألة في كتاب العتاق وإنما ذكرنا بعض ما يختص بالإكراه والله تعالى الموفق وأما التدبير فلأن التدبير تحرير قال النبي المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث إلا أنه للحال تحرير من وجه والإكراه لا يمنع نفاذ التحرير من كل وجه فلا يمنع نفاذ التحرير من وجه بالطريق الأولى ويرجع المكره على المكره للحال بما نقصه التدبير وبعد موته يرجع ورثته على المكره ببقية قيمته لأن التدبير للحال إثبات الحرية من وجه وإنما تثبت الحرية من كل وجه في آخر جزء من أجزاء حياته فكان الإكراه على التدبير إتلافا لمال المكره للحال من وجه فيضمن بقدره من النقصان ثم يتكامل الإتلاف في آخر جزء من أجزاء حياته فيتكامل الضمان عند ذلك وذلك بقية قيمته فإذا مات المكره صار ذلك ميراثا لورثته فكان لهم أن يرجعوا به على المكره والله تعالى الموفق هذا إذا أكره على تنجيز العتق فأما إذا أكره على تعليق العتق بشرط أما حكم الجواز فلا يختلف في النوعين لما ذكرنا وأما حكم الضمان فقد يختلف بيان ذلك إذا أكره على تعليق العتق بفعل نفسه فإنه ينظر فإن كان فعلا لا بد منه بأن كان مفروضا عليه أو يخاف من تركه الهلاك على نفسه كالأكل والشرب ففعله حتى عتق يرجع بالضمان على المكره لأن الإكراه على تعليق العتق بفعل لا بد له منه إكراه على ذلك الفعل فكان مضافا إلى المكره وإن كان فعلا له منه بد كتقاضي دين الغريم أو تناول شيء له منه بد ففعل حتى عتق لا يرجع بالضمان على المكره لأنه إذا كان له منه بد لا يكون مضطرا إلى تحصيله إذ لا يلحقه بتركه كثير ضرر فأشبه الإكراه الناقص فلا يكون الإكراه على تعليق العتق به إكراها عليه فلا يكون تلف المال مضافا إلى المكره فلا يرجع عليه بالضمان
ولو أكره على أن يقول كل مملوك أملكه فيما أستقبله فهو حر فقال ذلك ثم ملك مملوكا حتى عتق عليه فإن ملك بشراء أو هبة أو صدقة أو وصية لا ضمان على المكره لأنه إنما ملكه باختياره فيقطع إضافة إكراه الإتلاف إلى المكره وإن ملك بإرث فكذلك في القياس وفي الاستحسان يضمن لأنه لا صنع للمكره في الإرث فبقي الإتلاف مضافا إلى المكره ولو أكره على أن يقول لعبده إن شئت فأنت حر فقال شئت حتى عتق ضمن المكره لأن مشيئة المكره ( ( ( العبد ) ) ) العتق توجد غالبا فأشبه التعليق بفعل لا بد منه فكان الإكراه على الإعتاق إكراها عليه هذا إذا أكره على تعليق العتق بالشرط فأما إذا أكره على تحصيل الشرط الذي علق به العتق عن طوع بأن قال رجل لعبد إن ملكتك فأنت حر فأكره على الشراء فاشتراه حتى عتق لا يرجع على المكره بشيء لأن العتق لم يثبت بالشرط وهو الشراء وإنما ثبت بالكلام السابق وهو طائع فيه وكذا إذا قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فأكره على الدخول حتى عتق لا ضمان على المكره لما ذكرنا ثم إنما يضمن المكره في جميع ما وصفنا إذا كان الإكراه تاما فأما إذا كان ناقصا فلا ضمان لما مر أن الإكراه الناقص لا يقطع الإضافة عن المكره بوجه فلا يوجب الضمان على المكره والله تعالى أعلم هذا الذي ذكرنا إذا أكره على الإعتاق المطلق عينا فأما إذا أكره على أحدهما غير عين بأن أكره على أن يعتق عبده أو يطلق امرأته فإن لم تكن المرأة مدخولا بها ففعل المكره أحدهما غرم المكره الأقل من قيمة العبد ومن نصف مهر المرأة أما إذا فعل أقلهما ضمانا فظاهر لأنه ما أتلف عليه إلا هذا القدر وكذلك إذا فعل أكثرهما ضمانا لأنه أمكنه دفع الضرورة بأقل الفعلين ضمانا فإذا فعل أكثرهما ضمانا كان مختارا في الزيادة لانعدام الاضطرار في هذا القدر فلا يكون تلف هذا القدر مضافا إلى المكره وإن كانت المرأة مدخولا بها ففعل المكره أحدهما لا شيء على المكره أما إذا طلق فظاهر لأن الطلاق بعد الدخول لا يوجب الضمان على المكره لما ذكرنا من قبل وكذلك إذا أعتق لأنه أمكنه دفع الضرورة بما لا يتعلق فيه ضمان أصلا وهو الطلاق فكان مختارا في الإعتاق فلا يكون الإتلاف مضافا إلى المكره فلا يضمن وكذلك إذا كانت المرأة غير مدخول بها ولكن الإكراه ناقص ففعل المكره أحدهما لا ضمان على المكره لما مر أن الإكراه الناقص لا يقطع إضافة الفعل إلى المكره لأن الضرورة لا تتحقق به فكان مختارا مطلقا فيه فلا يؤاخذ به المكره هذا إذا أكره على الإعتاق فأما إذا أكره على التوكيل بالإعتاق فوكل غيره به ففعل الوكيل فالقياس أن لا يصح التوكيل ولا يجوز إعتاق الوكيل لأن التوكيل تصرف يحتمل الفسخ فأشبه البيع ولهذا يبطله الهزل كالبيع فلا يصح مع الإكراه كما لا يصح البيع وفي الاستحسان يجوز لأن الإكراه لا يمنع صحة الإعتاق فلا يمنع صحة التوكيل بالإعتاق بخلاف البيع فإن الإكراه يمنع صحة البيع فيمنع صحة التوكيل به وأما قوله أنه يحتمل الفسخ والهزل فنعم لكنه تصرف قولي فلا يعمل عليه الإكراه كما لا يعمل على الإعتاق والطلاق والنكاح وغيرها ( ( ( وغيرهما ) ) ) بخلاف البيع فإنه اسم للمبادلة حقيقة وحقيقة المبادلة بالتعاطي وإنما الإيجاب والقبول دليل عليه حالة الطوع فيعمل عليه الإكراه على ما نذكر ( ( ( نذكره ) ) ) في موضعه إن شاء الله تعالى وإذا نفذ إعتاق الوكيل يرجع المكره على المكره بقيمة العبد استحسانا والقياس أن لا يرجع لأن الموجود من المكره الإكراه على التوكيل بالإعتاق لا على الإعتاق وإنما الإعتاق حصل باختيار الوكيل ورضاه فلا يكون مضافا إلى المكره كشهود التوكيل بالإعتاق إذا رجعوا لا يضمنون لأنهم شهدوا بالوكالة بالإعتاق كذا ههنا
وجه الاستحسان أن الإكراه على التوكيل بالإعتاق إكراه على الإعتاق لأنه إذا وكل بالإعتاق ملك الوكيل إعتاقه عقيب التوكيل بلا فصل فيعتقه فيتلف ماله فكان الإتلاف مضافا إلى المكره فيؤاخذ بضمانه ولا ضمان على الوكيل لأنه فعل بأمره أمرا صحيحا وإن كان الإكراه ناقصا فلا ضمان على المكره لما مر غير مرة وأما النكاح فلعموم قوله تبارك وتعالى وأنكحوا الأيامى منكم وغيره من عمومات النكاح من غير تخصيص ولأن النكاح تصرف قولي فلا يؤثر فيه الإكراه كالطلاق والعتاق ثم إذا جاز النكاح مع الإكراه فلا يخلو إما إن أكره الزوج أو المرأة فإن أكره الزوج فلا يخلو إما أن يكون المسمى في النكاح مقدار مهر المثل وإما أن يكون أقل من مهر المثل وإما أن يكون أكثر منه فإن كان المسمى قدر مهر المثل أو أقل منه يجب المسمى ولا يرجع به على المكره لأنه ما أتلف عليه ماله حيث عوضه بمثله لأن منافع البضع جعلت أموالا متقومة شرعا عند دخولها في ملك الزوج لكونها سببا لحصول الآدمي تعظيما للآدمي وصيانة له عن الابتذال وإذا لم يوجد الإتلاف فلا يجب عليه الضمان وإن كان المسمى أكثر من مهر المثل يجب قدر مهر المثل وتبطل الزيادة لأن تسمية الزيادة على قدر مهر المثل لم تصح مع الإكراه فبطلت وجعل كأنه لم يفرض إلا قدر مهر المثل وهذا لأن الإكراه وقع على النكاح وعلى إيجاب المال إلا أن الإكراه لا يؤثر في النكاح ويؤثر في إيجاب المال كما يؤثر في الإقرار بالمال فكان ينبغي أن لا تصح تسمية المهر أصلا إلا أنها صحت في قدر مهر المثل شرعا لأن الشرع لو أبطل هذا القدر لأثبته ثانيا فلم يكن الإبطال مفيدا فلم يبطل لئلا يخرج الإبطال مخرج العيب ولا ضرورة في الزيادة فلا تصح تسميتها هذا إذا أكره الزوج على النكاح فأما إذا أكرهت المرأة فإن كان المسمى في النكاح قدر مهر المثل أو أكثر منه جاز النكاح ولزم وإن كان المسمى أقل من مهر المثل بأن أكرهت على النكاح بألف درهم ومهر مثلها عشرة آلاف فزوجها أولياؤها وهم مكرهون جاز النكاح لما ذكرنا وليس للمرأة على المكره من مهر مثلها شيء لأن المكره ما أتلف عليها مالا لأن منافع البضع ليست بمتقومة بأنفسها وإنما تصير متقومة بالعقد والعقد قومها بالقدر المسمى فلم يوجد من المكره إتلاف مال متقوم عليها فلا يجب عليه الضمان ولا يجب على الشهود أيضا لأنه لما لم يجب على المكره فلأن لا يجب على الشهود أولى ثم ينظر إن كان الزوج كفءا فقال للزوج إن شئت فكمل لها مهر مثلها وإلا فنفرق بينكما فإن فعل لزم النكاح وإن أبى تكميل مهر المثل يفرق بينهما إن لم ترض بالنقصان لأن لها في كمال مهر مثلها حقا لأنها تعير بنقصان مهر المثل فيلحقها ضرر العار وإذا فرق بينهما قبل الدخول بها لا شيء على الزوج لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل الدخول بها ولو رضيت بالنقصان صريحا أو دلالة بأن دخل بها عن طوع منها فلها المسمى وبطل حقها في التفريق لكن بقي حق الأولياء فيه عند أبي حنيفة فلهم أن يفرقوا وعندهما ليس للألياء ( ( ( للأولياء ) ) ) حق التفريق لنقصان المهر على ما عرف في كتاب النكاح ولو دخل بها على كره منها لزمه تكميل مهر المثل لأن ذلك دلالة اختيار التكميل وإن لم يكن الزوج كفءا فللمرأة خيار التفريق لانعدام الكفاءة ونقصان مهر المثل أيضا وكذا الأولياء عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لهم خيار عدم الكفاءة أما لا خيار لهم لنقصان مهر المثل فإن سقط أحد الخيارين عنها يبقى لها حق التفريق لبقاء الخيار الآخر وإن سقط الخياران جميعا فللأولياء خيار عدم الكفاءة بالإجماع
وفي خيار نقصان المهر خلاف على ما عرف حتى أن الزوج إذا دخل بها قبل التفريق على كره منها حتى لزمه التكميل بطل خيار النقصان وبقي لها عدم خيار الكفاءة ولو رضيت بعدم الكفاءة أيضا صريحا ودلالة بأن دخل بها الزوج على طوع منها سقط الخياران جميعا وبطل حقها في التفريق أصلا لكن للأولياء الخياران جميعا وعندهما أحدهما دون الآخر ولو فرق بينهما قبل الدخول بها لا شيء على الزوج لأن الفرقة ما جاءت من قبله بل من قبل غيره فلا يلزمه شيء وأما الرجعة فلعموم قوله تبارك وتعالى وبعولتهن أحق بردهن عاما من غير تخصيص ولأن الرجعة لا تخلو من أن تكون بالقول أو بالفعل وهو الوطء واللمس عن شهوة والنظر إلى الفرج عن شهوة والإكراه لا يعمل على النوعين فلا يمنع جوازها والله سبحانه وتعالى أعلم وأما اليمين والنذر بأن أكره على أن يوجب على نفسه صدقة أو حجا أو شيئا من وجوه القرب والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء فلعمومات النصوص الواردة في هذه الأبواب من غير تخصيص الطبائع قال الله تبارك وتعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وقال سبحانه وتعالى وليوفوا نذورهم وقال جل شأنه يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أي بالعهود ولأن النذر يمين وكفارته كفارة اليمين على لسان رسول الله وقال سبحانه وتعالى والذين يظاهرون من نسائهم وقال جلت عظمته وكبرياؤه للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا ( ( ( فاءوا ) ) ) فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ولأن هذه تصرفات قولية وقد مر أن الإكراه لا يعمل على الأقوال والفيء في الإيلاء في حق القادر بالجماع وفي حق العاجز بالقول والإكراه لا يؤثر في النوعين جميعا فكان طائعا في الفيء فتلزمه الكفارة ولا تلزمه في هذه التصرفات من الكفارة والقربة المنذور بها على لسان المكره لأن الكفارة وجبت على المكره على سبيل التوسيع ( ( ( التوسع ) ) ) وكذا المنذور به لأن الأمر بها مطلق عن الوقت وهما مما لا يجبر على فعلهما أيضا فلو وجب على المكره لكان لا يخلو من أن يجب عليه على الوجه الذي وجب على المكره أو على الوجه الذي وجب عليه ولا سبيل إلى الأول لأن الإيجاب على هذا الوجه لا يفيد المكره شيئا فلا معنى لرجوعه عليه ولا سبيل إلى الثاني لأنه يؤدي إلى تغيير المشروع من وجهين أحدهما جعل الموصل ( ( ( الموسع ) ) ) مضيقا والثاني جعل ما لا يجبر على فعله مجبورا على فعله وكل ذلك تغيير ولا يجوز تغير ( ( ( تغيير ) ) ) المشروع من وجه فكيف يجوز من وجهين وكذا في الإيلاء إذا لم يقربها حتى بانت بتطليقة لا يرجع بما لزمه على المكره لأنه إنما لزمه ترك القربان وهو مختار في تركه لأنه يمكنه أن يقربها في المدة حتى لا تبين فلا يلزمه فإذا لم يقرب كان ترك القربان حاصلا باختيار ( ( ( باختياره ) ) ) فلا يكون مضافا إلى المكره والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أكره على كفارة اليمين لم يرجع على المكره لأنها لزمته بفعله ولو أكره على أن يعتق عبده عن ظهاره ينظر إن كانت قيمته قيمة عبد وسط لايرجع على المكره بشيء لأن ذلك وجب عليه بفعله فلا يرجع به عليه وإن كانت قيمته أكثر من ذلك يرجع عليه بالزيادة لأنه أتلف ذلك القدر عليه لأن الزيادة على عبد وسط لا تجب عليه بالظهار ولا تجزيه عن الظهار لأنه إعتاق دخله عوض والإعتاق بعوض وإن قل لا يجزيه ( ( ( يجزي ) ) ) عن التكفير وأما العفو عن دم العمد فلعمومات قوله تبارك وتعالى فمن تصدق به فهو كفارة له وقوله ( ( ( ولقوله ) ) ) به أي بالقصاص لأنه أقرب المذكور والتصدق بالقصاص هو العفو