Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Sección V02/P189–V02/P190

ولأبي حنيفة ما روى عن أم حبيبة رضي الله عنها أنه لما نعي إليها وفاة أخيها قعدت ثلاثة أيام ثم استدعت بزنة زيت وقال ( ( ( وقالت ) ) ) ما لي إلى الطيب من حاجة لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا سمت الزيت طيبا ولأنه أصل الطيب بدليل أنه يطيب بإلقاء الطيب فيه فإذا استعمله على وجه الطيب كان كسائر الأدهان المطيبة ولأنه يزيل الشعث الذي هو علم الإحرام وشعاره على ما نطق به الحديث فصار جارحا إحرامه بإزالة علمه فتكاملت جنايته فيجب الدم والحديث محمول على حال الضرورة لأنه صلى الله عليه وسلم كما كان لا يفعل ما يوجب الدم كان لا يفعل ما يوجب الصدقة وعندهما تجب الصدقة فكان المراد منه حالة العذر والضرورة ثم إنه ليس فيه أنه لم يكفر فيحتمل أنه فعل وكفر فلا يكون حجة ولو داوى بالزيت جرحه أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه لأنه ليس بطيب بنفسه وإن كان أصل الطيب لكنه ما استعمله على وجه الطيب فلا تجب به الكفارة بخلاف ما إذا تداوى بالطيب لا للتطيب أنه تجب به الكفارة لأنه طيب في نفسه فيستوي فيه استعماله للتطيب أو لغيره وذكر محمد في الأصل وإن دهن شقاق رجليه طعن عليه في ذلك فقيل الصحيح شقوق رجليه وإنما قال محمد ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه قال هكذا في هذه المسألة ومن سيرة أصحابنا الاقتداء بألفاظ الصحابة ومعاني كلامهم رضي الله عنهم وإن ادهن بشحم أو سمن فلا شيء عليه لأنه ليس بطيب في نفسه ولا أصل للطيب بدليل أنه لا يطيب بإلقاء الطيب فيه ولا يصير طيبا بوجه وقد قال أصحابنا أن الأشياء التي تستعمل في البدن على ثلاثة أنواع نوع هو طيب محض معد للتطيب به كالمسك والكافور والعنبر وغير ذلك وتجب به الكفارة على أي وجه استعمل حتى قالوا لو داوى عينه بطيب تجب عليه الكفارة لأن العين عضو كامل استعمل فيه الطيب فتجب الكفارة ونوع ليس بطيب بنفسه ولا فيه معنى الطيب ولا يصير طيبا بوجه كالشحم فسواء أكل أو ادهن به أو جعل في شقاق الرجل لا تجب الكفارة ونوع ليس بطيب بنفسه لكنه أصل الطيب يستعمل على وجه الطيب ويستعمل على وجه الأدام كالزيت والشيرج فيعتبر فيه الاستعمال فإن استعمل استعمال الأدهان في البدن يعطي له حكم الطيب وإن استعمل في مأكول أو شقاق رجل لا يعطي له حكم الطيب كالشحم ولو كان الطيب في طعام طبخ وتغير فلا شيء على المحرم في أكله سواء كان يوجد ريه ( ( ( ريحه ) ) ) أو لا لأن الطيب صار مستهلكا في الطعام بالطبخ وإن كان لم يطبخ يكره إذا كان ريحه يوجد منه ولا شيء عليه لأن الطعام غالب عليه فكان الطيب مغمورا مستهلكا فيه وإن أكل عين الطيب غير مخلوط بالطعام فعليه الدم إذا كان كثيرا وقالوا في الملح يجعل فيه الزعفران أنه إن كان الزعفران غالبا فعليه الكفارة لأن الملح يصير تبعا له فلا يخرجه عن حكم الطيب وإن كان الملح غالبا فلا كفارة عليه لأنه ليس فيه معنى الطيب وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يأكل الخشكنا بخ الأصفر وهو محرم ويقول لا بأس بالخبيص الأصفر للمحرم فإن تداوى المحرم بما لا يؤكل من الطيب لمرض أو علة أو اكتحل بطيب لعلة فعليه أي الكفارات شاء لما ذكرنا إن ما يحظره إلا حرام إذا فعله المحرم لضرورة وعذر فعليه إحدى الكفارات الثلاث ويكره للمحرم أن يشم الطيب والريحان كذا روي عن ابن عمر وجابر رضي الله عنهما أنهما كرها شم الريحان للمحرم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا بأس به ولو شمه لا شيء عليه عندنا وقال الشافعي تجب عليه الفدية

Sección V02/P190

وجه قوله أن الطيب ماله رائحة والريحان له رائحة طيبة فكان طيبا وإنا نقول نعم أنه طيب لكنه لم يلتزق ببدنه ولا بثيابه شيء منه وإنما شم رائحته فقط وهذا لا يوجب الكفارة كما لو جلس عند العطارين فشم رائحة العطر إلا أنه كره ( ( ( ذكره ) ) ) لما فيه من الارتفاق وكذا كل نبات له رائحة طيبة وكل ثمرة لها رائحة طيبة لأنه ارتفاق بالرائحة ولو فعل لا شيء عليه لأنه لم يلتزق ببدنه وثيابه شيء منه وحكي عن مالك أنه كان يأمر برفع العطارين بمكة في أيام الحج وذلك غير سديد لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوا ذلك فإن شم المحرم رائحة طيب تطيب به قبل الإحرام لا بأس به لأن استعمال الطيب حصل في وقت مباح فبقي شم نفس الرائحة فلا يمنع منه كما لو مر بالعطارين وروي ابن سماعة عن محمد أن رجلا لو دخل بيتا قد أجمر وطال مكثه بالبيت فعلق في ثوبه شيء يسير فلا شيء عليه لأن الرائحة لم تتعلق بعين وبمجرد الرائحة لا يمنع منها فإن استجمر بثوب فعلق بثوبه شيء كثير فعليه دم لأن الرائحة ههنا تعلقت بعين وقد استعملها في بدنه فصار كما لو تطيب وذكر ابن رستم عن محمد فيمن اكتحل بكحل قد طيب مرة أو مرتين فعليه صدقة وإن كان كثيرا فعليه دم لأن الطيب إذا غلب الكحل فلا فرق بين استعماله على طريق التداوي أو التطيب فإن مس طيبا فلزق بيده فهو بمنزلة التطيب لأنه طيب به يده وإن لم يقصد به التطيب لأن القصد ليس بشرط لوجوب الكفارة وقالوا فيمن استلم الحجر فأصاب يده من طيبه أن عليه الكفارة لأنه استعمل الطيب وإن لم يقصد به التطيب ووجوب الكفارة لا يقف على القصد فإن داوى جرحا أو تطيب لعلة ثم حدث جرح آخر قبل أن يبرأ الأول فعليه كفارة واحدة لأن العذر الأول باق فكانت ( ( ( فكان ) ) ) جهة الاستعمال واحدة فتكفيه كفارة واحدة كما قلنا في لبس المخيط ولا بأس بأن يحتجم المحرم ويفتصد ويبط القرحة ويعصب عليه الخرقة ويجبر الكسر وينزع الضرس إذا اشتكى منه ويدخل الحمام ويغتسل لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم بالفاحة ( ( ( بالقرحة ) ) ) والفصد وبط القرحة والجرح في معنى الحجامة ولأنه ليس في هذه الأشياء إلا شق الجلدة والمحرم غير ممنوع عن ذلك ولأنها من باب التداوي والإحرام لا يمنع من التداوي وكذا جبر الكسر من باب العلاج والمحرم لا يمنع منه وكذا قلع الضرس وهو أيضا من باب إزالة الضرر فيشبه قطع اليد من الأكلة وذا لا يمنع منه المحرم كذا هذا وأما الاغتسال فلما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل وهو محرم وقال ما نفعل بأوساخنا فإن غسل رأسه ولحيته بالخطمي فعليه دم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد عليه صدقة لهما أن الخطمي ليس بطيب وإنما يزيل الوسخ فأشبه الأشنان فلا يجب به الدم وتجب الصدقة لأنه يقتل الهوام لا لأنه طيب

Sección V02/P190–V02/P191

ولأبي حينفة ( ( ( حنيفة ) ) ) أن الخطمي طيب لأنه له رائحة طيبة فيجب به الدم كسائر أنواع الطيب ولأنه يزيل الشعث ويقتل الهوام فأشبه الحلق فإن خضب رأسه ولحيته بالحناء فعليه دم لأن الحناء طيب لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى المعتدة أن تختضب بالحناء وقال الحناء طيب ولأن الطيب ماله رائحة طيبة وللحناء رائحة طيبة فكان طيبا وإن خضبت المحرمة يديها بالحناء فعليها دم وإن كان قليلا فعليها صدقة لأن الارتفاق الكامل لا يحصل إلا بتطييب عضو كامل والقسط طيب لأن له رائحة طيبة ولهذا يتبخر به ويلتذ برائحته والوسمة ليس بطيب لأنه ليس لها رائحة طيبة بل كريهة وإنما تغير الشعر وذلك ليس من باب الارتفاق بل من باب الزينة فإن خاف أن يقتل دواب الرأس تصدق بشيء لأنه يزيل التفث وروي عن أبي يوسف فيمن خضب رأسه بالوسمة أن عليه دما لا لأجل الخضاب بل لأجل تغطية الرأس والكحل ليس بطيب وللمحرم أن يكتحل بكحل ليس فيه طيب وقال ابن أبي ليلى هو طيب وليس للمحرم أن يكتحل به وهذا غير سديد لأنه ليس له رائحة طيبة فلا يكون طيبا ويستوي في وجوب الجزاء بالتطيب الذكر والنسيان والطوع والكره عندنا كما في لبس المخيط خلافا للشافعي على ما مر والرجل والمرأة في الطيب سواء في الحظر ووجوب الجزاء لاستوائهما في الحاظر والموجب للجزاء وكذا القارن والمفرد إلا أن على القارن مثلي ما على المفرد عندنا لأنه محرم بإحرامين فأدخل نقصا في إحرامين فيؤاخذ بجزاءين ولا يحل للقارن والمفرد التطيب ما لم يحلقا أو يقصرا لبقاء الإحرام قبل الحلق أو التقصير فكان الحاظر باقيا فيبقى الحظر وكذا المعتمر لما قلنا وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم والله أعلم فصل وأما ما يجري مجري الطيب من إزالة الشعث وقضاء التفث فحلق الشعر وقلم الظفر أما الحلق فنقول لا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه قبل يوم النحر لقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله وقول النبي صلى الله عليه وسلم المحرم الأشعث الأغبر وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحاج فقال الشعث التفث وحلق الرأس يزيل الشعث والتفث ولأنه من باب الارتفاق بمرافق المقيمين والمحرم ممنوع عن ذلك ولأنه نوع نبات استفاد إلا من بسبب الإحرام فيحرم التعرض له كالنبات الذي استفاد إلا من بسبب الحرم وهو الشجر والخلي وكذا لا يطلي رأسه بنورة لأنه في معنى الحلق وكذا لا يزيل شعرة من شعر رأسه ولا يطليها بالنورة لما قلنا فإن حلق رأسه فإن حلقه من غير عذر فعليه دم لا يجزيه غيره لأنه ارتفاق كامل من غير ضرورة وإن حلقه لعذر فعليه أحد الأشياء الثلاثة لقوله عز وجل فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ولما روينا من حديث كعب بن عجرة ولأن الضرورة لها أثر في التخفيف فخير بين الأشياء الثلاثة تخفيفا وتيسيرا وإن حلق ثلثه أو ربعه فعليه دم وإن حلق دون الربع فعليه صدقة كذا ذكر في ظاهر الرواية ولم يذكر الاختلاف وحكى الطحاوي في مختصره الاختلاف فقال إذا حلق ربع رأسه يجب عليه الدم في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد لا يجب ما لم يحلق أكثر رأسه وذكر القدوري في شرحه مختصر الحاكم إذا حلق ربع رأسه يجب عليه دم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف إذا حلق أكثره يجب وعند محمد إذا حلق شعرة يجب وقال الشافعي إذا حلق ثلاث شعرات يجب وقال مالك لا يجب إلا بحلق الكل وعلى هذا إذا حلق لحيته أو ثلثها أو ربعها احتج مالك بقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله والرأس اسم لكل هذا المحدود

Sección V02/P191–V02/P192

وجه قول الشافعي أن الثلاث جمع صحيح فيقوم مقام الكل ولهذا قام مقام الكل في مسح الرأس ولأن الشعر نبات استفاد إلا من بسبب الإحرام فيستوي فيه قليله وكثيره كالنبات الذي استفاد إلا من بسبب الحرم من الشجر والخلي وأما الكلام بين أصحابنا فمبني على أن حلق الكثير يوجب الدم والقليل يوجب الصدقة واختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير فجعل أبو حنيفة ما دون الربع قليلا والربع وما فوقه كثيرا وهما على ما ذكر الطحاوي جعلا ما دون النصف قليلا وما زاد على النصف كثيرا والوجه لهما أن القليل والكثير من أسماء المقابلة وإنما يعرف ذلك بمقابلة فإن كان مقابله قليلا فهو كثير وإن كان كثيرا فهو قليل فيلزم منه أن يكون الربع قليلا لأن ما يقابله كثير فكان هو قليلا والوجه لأبي حنيفة أن الربع في حلق الرأس بمنزلة الكل ألا ترى أن من عادة كثير من الأجيال من العرب والترك والكرد الاقتصار على حلق ربع الرأس ولذا يقول القائل رأيت فلانا يكون صادقا في مقالته وإن لم ير إلا أحد جوانبه الأربع ولهذا أقيم مقام الكل في المسح وفي الخروج من الإحرام بأن حلق ربع رأسه للتحلل والخروج من الإحرام أنه يتحلل ويخرج من الإحرام فكان حلق ربع الرأس ارتفاقا كاملا فكانت جناية كاملة فيوجب كفارة كاملة وكذا حلق ربع اللحية لأهل بعض البلاد معتاد كالعراق ونحوها فكان حلق الربع منها كحلق الكل ولا حجة لمالك في الآية لأن فيها نهيا عن حلق الكل وذا لا ينفي النهي عن حلق البعض فكان تمسكا بالمسكوت فلا يصح وما قاله الشافعي غير سديد لأن آخذ ثلاث شعرات لا يسمى حالقا في العرف فلا يتناوله نص الحلق كما لا يسمى ماسح ثلاث شعرات ماسحا في العرف حتى لم يتناوله نص المسح على أن وجوب الدم متعلق بارتفاق كامل وحلق ثلاث شعرات ليس بارتفاق كامل فلا يوجب كفارة كاملة وقوله إنه نبات استفاد إلا من بسبب الإحرام مسلم لكن هذا يقتضي حرمة التعرض لقليله وكثيره ونحن به نقول ولا كلام فيه وإنما الكلام في وجوب الدم وذا يقف على ارتفاق كامل ولم يوجد وقد خرج الجواب عن قولهما إن القليل والكثير يعرف بالمقابلة لما ذكرنا أن الربع كثير من غير مقابلة في بعض المواضع فيعمل عليه في موضع الاحتياط ولو أخذ شيئا من رأسه أو لحيته أو لمس شيئا من ذلك فانتثر منه شعرة فعليه صدقة لوجود الارتفاق بإزالة التفث هذا إذا حلق رأس نفسه فأما إذا حلق رأس غيره فعلى الحالق صدقة عندنا وقال مالك والشافعي لا شيء على الحالق وجه قولهما أن وجوب الجزاء لوجود الارتفاق ولم يوجد من الحالق ولنا أن المحرم كما هو ممنوع من حلق رأس نفسه ممنوع من حلق رأس غيره لقوله عز وجل ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله والإنسان لا يحلق رأس نفسه عادة إلا أنه لما حرم عليه حلق رأس غيره يحرم عليه حلق رأس نفسه من طريق الأولى فتجب عليه الصدقة ولا يجب عليه الدم لعدم الارتفاق في حقه وسواء كان المحلوق حلالا أو حراما لما قلنا غير أنه إن كان حلالا لا شيء عليه وإن كان حراما فعليه الدم لحصول الارتفاق الكامل له وسواء كان الحلق بأمر المحلوق أو بغير أمره طائعا أو مكرها عندنا وقال الشافعي إن كان مكرها فلا شيء عليه وإن لم يكن مكرها لكنه سكت ففيه وجهان والصحيح قولنا لأن الإكراه لا يسلب الحظر وكمال الارتفاق موجود فيجب عليه كمال الجزاء وليس له أن يرجع به على الحالق وعن القاضي أبي حازم أنه يرجع عليه بالكفارة لأن الحالق هو الذي أدخله في عهدة الضمان فكان له أن يرجع عليه كالمكره على اتلاف المال ولنا أن الارتفاق الكامل حصل له فلا يرجع على أحد إذ لو رجع لسلم له العوض والمعوض وهذا لا يجوز كالمغرور إذا وطىء الجارية وغرم العقر أنه لا يرجع به على الغار لما قلنا كذا هذا

Sección V02/P192–V02/P193

وإن كان الحالق حلالا فلا شيء عليه وحكم المحلوق ما ذكرنا وإن حلق شاربه فعليه صدقة لأن الشارب تبع للحية ألا ترى أنه ينبت تبعا للحية ويؤخذ تبعا للحية أيضا ولأنه قليل فلا يتكامل معنى الجناية وذكر في الجامع الصغير محرم أخذ من شاربه فعليه حكومة عدل وهي أن ينظر كم تكون مقادير أدنى ما يجب في اللحية من الدم وهو الربع فتجب الصدقة بقدره حتى لو كان مثل ربع اللحية يجب ربع قيمة الشاة لأنه تبع للحية وقوله أخذ من شاربه إشارة إلى القص وهو السنة في الشارب لا الحلق وذكر الطحاوي في شرح الآثار أن السنة فيه الحلق ونسب ذلك إلى أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله والصحيح أن السنة فيه القص لما ذكرنا أنه تبع اللحية والسنة في اللحية القص لا الحلق كذا في الشارب ولأن الحلق يشينه ويصير بمعنى المثلة ولهذا لم يكن سنة في اللحية بل كان بدعة فكذا في الشارب ولو حلق الرقبة فعليه الدم لأنه عضو كامل مقصود بالارتفاق بحلق شعره فتجب كفارة كاملة كما في حلق الرأس ولو نتف أحد الابطين فعليه دم لما قلنا ولو نتف الابطين جميعا تكفيه كفارة واحدة لأن جنس الجناية واحد والحاظر واحد والجهة غير متقومة فتكفيها كفارة واحدة ولو نتف من أحد الإبطين أكثره فعليه صدقة لأن الأكثر فيما له نظير في البدن لا يقام مقام كله بخلاف الرأس واللحية والرقبة وما لا نظير له في البدن ثم ذكر في الإبط النتف في في الأصل وهو إشارة إلى أن السنة فيه النتف وهو كذلك وذكر في الجامع الصغير الحلق وهو إشارة إلى أنه ليس بحرام ولو حلق موضع المحاجم فعليه دم في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد فيه صدقة وجه قولهما أن موضع الحجامة غير مقصود بالحلق بل هو تابع فلا يتعلق بحلقه دم كحلق الشارب لأنه إذا لم يكن مقصودا بالحلق لا تتكامل الجناية بحلقه فلا تجب به كفارة كاملة ولأنه إنما يحلق للحجامة لا لنفسه والحجامة لا توجب الدم لأنه ليس من محظورات الإحرام على ما بينا فكذا ما يفعل لها ولأن ما عليه من الشعر قليل فأشبه الصدر والساعد والساق ولا يجب بحلقها دم بل صدقة كذا هذا ولأبي حنيفة أن هذا عضو مقصود بالحلق لمن يحتاج إلى حلقة لأنه الحجامة أمر مقصود لمن يحتاج إليها لاستفراغ المادة الدموية ولهذا لا يحلق تبعا للرأس ولا للرقبة فأشبه حلق الإبط والعانة ويستوي في وجوب الجزاء بالحلق العمد والسهو والطوع والكره عندنا والرجل والمرأة والمفرد والقارن غير أن القارن يلزمه جزاآن ( ( ( جزاءان ) ) ) عندنا لكونه محرما بإحرامين على ما بينا وأما قلم الظفر فنقول لا يجوز للمحرم قلم أظفاره لقوله تعالى ثم ليقضوا تفثهم وقلم الأظفار من قضاء التفث رتب الله تعالى قضاء التفث على الذبح لأنه ذكره بكلمة موضوعة للترتيب مع التراخي بقوله عز وجل ويذكروا ( ( ( ليذكروا ) ) ) اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم فلا يجوز الذبح ولأنه ارتفاق بمرافق المقيمين والمحرم ممنوع عن ذلك ولأنه نوع نبات استفاد الأمن بسبب الإحرام فيحرم التعرض له كالنوع الآخر وهو النبات الذي استفاد الآمن بسبب الحرم فإن قلم أظافير يد أو رجل من غير عذر وضرورة فعليه دم لأنه ارتفاق كامل فتكاملت الجناية فتجب كفارة كاملة وإن قلم أقل من يد أو رجل فعليه صدقة لكل ظفر نصف صاع وهذا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر إذا قلم ثلاثة أظفار فعليه دم وجه قوله أن ثلاثة أظافير من اليد أكثرها والأكثر يقوم مقام الكل في هذا الباب كما في حلق الرأس ولأصحابنا الثلاثة أن قلم ما دون اليد ليس بارتفاق كامل فلا يوجب كفارة كاملة وأما قوله الأكثر يقوم مقام الكل فنقول إن اليد الواحدة قد أقيمت مقام كل الأطراف في وجوب الدم

Sección V02/P193–V02/P194

وما أقيم مقام الكل لا يقوم أكثره مقامه كما في الرأس أنه لما أقيم الربع فيه مقام الكل لا يقام أكثر الربع مقامه وهذا لأنه لو أقيم أكثر ما أقيم مقام الكل مقامه لأقيم أكثر أكثره مقامه فيؤدي إلى إبطال التقدير أصلا ورأسا وهذا لا يجوز فإن قلم خمسة أظافير من الأعضاء الأربعة متفرقة اليدين والرجلين فعليه صدقة لكل ظفر نصف صاع في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد عليه دم وكذلك لو قلم من كل عضو من الأعضاء الأربعة أربعة أظافير فعليه صدقة عندهما وإن كان يبلغ جملتها ستة عشر ظفرا ويجب في كل ظفر نصف صاع من بر إلا إذا بلغت قيمة الطعام دما فينقص منه ما شاء وعند محمد عليه دم فمحمد اعتبر عدد الخمسة لا غير ولم يعتبر التفرق والاجتماع وأبو حنيفة وأبو يوسف اعتبرا مع عدد الخمسة صفة الاجتماع وهو أن يكون من محل واحد وجه قول محمد إن قلم أظافير يد واحدة أو رجل واحدة إنما أوجب الدم لكونها ربع الأعضاء المتفرقة وهذا المعنى يستوي فيه المجتمع والمتفرق ألا ترى أنهما استويا في الأرش بأن قطع خمسة أظافير متفرقة فكذا هذا ولهما أن الدم إنما يجب بارتفاق كامل ولا يحصل ذلك بالقلم متفرقا لأن ذلك شين ويصير مثلة فلا تجب به كفارة كاملة ويجب في كل ظفر نصف صاع من حنطة إلا أن تبلغ قيمة الطعام دما فينقص ( ( ( ينقص ) ) ) منه ما شاء لأنا إنما لم نوجب عليه الدم لعدم تناهي الجناية لعدم ارتفاق كامل فلا يجب أن يبلغ قيمة الدم فإن اختار الدم فله ذلك وليس عليه غيره فإن قلم خمسة أظافير من يد واحدة أو رجل واحدة ولم يكفر ثم قلم أظافير يده الأخرى أو رجله الأخرى فإن كان في مجلس واحد فعليه دم واحد استحسانا والقياس أن يجب لكل واحد دم لما سنذكر إن شاء الله تعالى وإن كان في مجلسين فعليه دمان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد عليه دم واحد ما لم يكفر للأول وأجمعوا على أنه لو قلم خمسة أظافير من يد واحدة أو رجل واحدة وحلق ربع رأسه وطيب عضوا واحدا أن عليه لكل جنس دما على حدة سواء كان في مجلس واحد أو في مجالس مختلفة وأجمعوا في كفارة الفطر على أنه إذا جامع في اليوم الأول وأكل في اليوم الثاني وشرب في اليوم الثالث أنه إن كفر للأول فعليه كفارة أخرى وإن لم يكفر للأول فعليه كفارة واحدة فأبو حنيفة وأبو يوسف جعلا اختلاف المجلس كاختلاف الجنس ومحمد جعل اختلاف المجلس كاتحاده عند اتفاق الجنس وعلى هذا إذا قطع أظافير اليدين والرجلين أنه إن كان في مجلس واحد يكفيه دم واحد استحسانا والقياس أن يجب عليه بقلم أظافير كل عضو من يد أو رجل دم وإن كان في مجلس واحد وجه القياس أن الدم إنما يجب لحصول الارتفاق الكامل لأن بذلك تتكامل الجناية فتتكامل الكفارة وقلم أظافير كل عضو ارتفاق على حدة فيستدعي كفارة على حدة وجه ( ( ( ووجه ) ) ) الاستحسان أن جنس الجناية واحد حظرها إحرام واحد بجهة غير متقومه فلا يوجب إلا دما واحدا كما في حلق الرأس أنه إذا حلق الربع يجب عليه دم ولو حلق الكل يجب عليه دم واحد لما قلنا كذا هذا وإن كان في مجالس مختلفة يجب لكل من ذلك كفارة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف سواء كفر للأول أو لا وعند محمد إن لم يكفر للأول فعليه كفارة واحدة وجه قوله أن الكفارة تجب بهتك حرمة الإحرام وقد انهتك حرمته بقلم أظافير العضو الأول وهتك المهتوك لا يتصور فلا يلزمه كفارة أخرى ولهذا لا يجب كفارة أخرى بالإفطار في يومين من رمضان لأن وجوبها بهتك حرمة الشهر جبرا لها وقد انهتك بإفساد الصوم في اليوم الأول فلا يتصور هتكا بالإفساد في اليوم الثاني والثالث كذا هذا

Sección V02/P194–V02/P195

بخلاف ما إذا كفر للأول لأنه انجبر الهتك بالكفارة وجعل كأنه لم يكن فعادت حرمة الإحرام فإذا هتكها تجب كفارة أخرى جبرا لها كما في كفارة رمضان ولهما أن كفارة الإحرام تجب بالجناية على الإحرام والإحرام قائم فكان كل فعل جناية على حدة على الإحرام فيستدعي كفارة على حدة إلا أن عند اتحاد المجلس جعلت الجنايات المتعددة حقيقة متحدة حكما لأن المجلس جعل في الشرع جامعا للأفعال المختلفة كما في خيار المخيرة وسجدة التلاوة والإيجاب والقبول في البيع وغير ذلك فإذا اختلف المجلس أعطى لكل جناية حكم نفسها فيعتبر في الحكم المتعلق بها بخلاف كفارة الإفطار لأنها ما وجبت بالجناية على الصوم بل جبرا لهتك حرمة الشهر وحرمة الشهر واحدة لا تتجزأ وقد انهتكت حرمته بالإفطار الأول فلا يحتمل الهتك ثانيا ولو قلم أظافير يد لأذى في كفه فعليه أي الكفارات شاء لما ذكرنا أن ما حظره الإحرام إذا فعله المحرم عن ضرورة وعذر فكفارته أحد الأشياء الثلاثة والله عز وجل أعلم ولو انكسر ظفر المحرم فانقطعت منه شظية فقلعها لم يكن عليه شيء إذا كان مما لا يثبت لأنها كالزائدة ولأنها خرجت عن احتمال النماء فأشبهت شجر الحرم إذا يبس فقطعه إنسان أنه لا ضمان عليه كذا هذا وإن قلم المحرم أظافير حلال أو محرم أو قلم الحلال أظافير محرم فحكمه حكم الحلق وقد ذكرنا ذلك كله والله أعلم والذكر والنسيان والطوع والكره في وجوب الفدية بالقلم سواء عندنا خلافا للشافعي وكذا يستوي فيه الرجل والمرأة والمفرد والقارن إلا أن على القارن ضعف ما على المفرد لما ذكرنا والله أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى توابع الجماع فيجب على المحرم أن يجتنب الدواعي من التقبيل واللمس بشهوة والمباشرة والجماع فيما دون الفرج لقوله عز وجل فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج قيل في بعض وجوه التأويل أن الرفث جميع حاجات الرجال إلى النساء وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عما يحل للمحرم من امرأته فقالت يحرم عليه كل شيء إلا الكلام فإن جامع فيما دون الفرج أنزل أو لم ينزل أو قبل أو لمس بشهوة أو باشر فعليه دم لكن لا يفسد حجه أما عدم فساد الحج فلأن ذلك حكم متعلق بالجماع في الفرج على طريق التغليظ وأما وجوب الدم فلحصول ارتفاق كامل مقصود وقد روى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال إذا باشر المحرم امرأته فعليه دم ولم يرو عن غيره خلافه وسواء فعل ذاكرا أو ناسيا عندنا خلافا للشافعي ولو نظر إلى فرج امرأته عن شهوة فأمنى فلا شيء عليه بخلاف المس عن شهوة أنه يوجب الدم أمنى أو لم يمن ووجه الفرق أن اللمس استمتاع بالمرأة وقضاء للشهوة فكان ارتفاقا كاملا فأما النظر فليس من باب الاستمتاع ولا قضاء الشهوة بل هو سبب لزرع الشهوة في القلب والمحرم غير ممنوع عما يزرع الشهوة كالأكل وذكر في الجامع الصغير إذا لمس بشهوة فأمنى فعليه دم وقوله أمنى ليس على سبيل الشرط لأنه ذكر في الأصل أن عليه دما أنزل أو لم ينزل فصل وأما الذي يرجع إلى الصيد فنقول لا يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول وغير المأكول عندنا إلا المؤذى المبتدىء ( ( ( المبتدئ ) ) ) بالأذى غالبا والكلام في هذا الفصل يقع في مواضع في تفسير الصيد أنه ما هو وفي بيان أنواعه وفي بيان ما يحل اصطياده للمحرم وما يحرم عليه وفي بيان حكم ما يحرم عليه اصطياده إذا اصطاده

Sección V02/P195

أما الأول فالصيد هو الممتنع المتوحش من الناس في أصل الخلقة إما بقوائمه أو بجناحه فلا يحرم على المحرم ذبح الإبل والبقر والغنم لأنها ليست بصيد لعدم الامتناع والتوحش من الناس وكذا الدجاج والبط الذي يكون في المنازل وهو المسمى بالبط الكسكري لانعدام معنى الصيد فيهما وهو الامتناع والتوحش فأما البط الذي يكون عند الناس ويطير فهو صيد لوجود معنى الصيد فيه والحمام المسرول صيد وفيه الجزاء عند عامة العلماء وعند مالك ليس بصيد وجه قوله أن الصيد اسم للمتوحش والحمام المسرول مستأنس فلا يكون صيدا كالدجاج والبط الذي يكون في المنازل ولنا أن جنس الحمام متوحش في أصل الخلقة وإنما يستأنس البعض منه بالتولد والتأنيس مع بقائه صيدا كالظبية المستأنسة والنعامة المستأنسة والطوطي ونحو ذلك حتى يجب فيه الجزاء وكذا المستأنس في الخلقة قد يصير مستوحشا كالإبل إذا توحشت وليس له حكم الصيد حتى لا يجب فيه الجزاء فعلم أن العبرة بالتوحش والاستئناس في أصل الخلقة وجنس الحمام متوحش في أصل الخلقة وإنما يستأنس البعض منه لعارض فكان صيدا بخلاف البط الذي يكون عند الناس في المنازل فإن ذلك ليس من جنس المتوحش بل هو من جنس آخر والكلب ليس بصيد لأنه ليس بمتوحش بل هو مستأنس سواء كان أهليا أو حشيا ( ( ( وحشيا ) ) ) لأن الكلب أهلي في الأصل لكن ربما يتوحش لعارض فأشبه الإبل إذا توحشت وكذا السنور الأهلي ليس بصيد لأنه مستأنس وأما البري ففيه روايتان روى هشام عن أبي حنيفة أن فيه الجزاء وروى الحسن عنه أنه لا شيء فيه كالأهلي وجه رواية هشام أنه متوحش فأشبه الثعلب ونحوه وجه رواية الحسن أن جنس السنور مستأنس في أصل الخلقة وإنما يتوحش البعض منه لعارض فأشبه البعير إذا توحش ولا بأس بقتل البرغوث والبعوض والنملة والذباب ( ( ( والذئاب ) ) ) والحلم والقراد والزنبور لأنها ليست بصيد لانعدام التوحش والامتناع ألا ترى أنها تطلب الإنسان مع امتناعه منها وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرد بعيره وهو محرم ولأن هذه الأشياء من المؤذيات المبتدئة بالأذى غالبا فالتحقت بالمؤذيات المنصوص عليها من الحية والعقرب وغيرهما ولا يقتل القملة لا لأنها صيد بل لما فيها من أزالة التفث لأنه متولد من البدن كالشعر والمحرم منهي عن إزالة التفث من بدنه فإن قتلها تصدق بشيء كما لو أزال شعرة ولم يذكر في ظاهر الرواية مقدار الصدقة وروي الحسن عن أبي حنيفة أنه قال إذا قتل المحرم قملة أو ألقاها أطعم كسرة وإن كانتا اثنتين أو ثلاثا أطعم قبضة من الطعام وإن كانت كبيرة أطعم نصف صاع وكذا لا يقتل الجرادة لأنها صيد البر أما كونه صيدا فلأنه متوحش في أصل الخلقة وأما كونه صيد البر فلأنه ( ( ( فلأن ) ) ) توالده في البر ولذا لا يعيش إلا في البر حتى لو وقع في الماء يموت فإن قتلها تصدق بشيء من الطعام وقد روي عن عمر أنه قال تمرة ( ( ( ثمرة ) ) ) خير من جرادة ولا بأس له بقتل هوام الأرض من الفأرة والحية والعقرب والخنافس والجعلان وأم حنين ( ( ( حبين ) ) ) وصياح الليل والصرصر ونحوها لأنها ليست بصيد بل من حشرات الأرض وكذا القنفذ وابن عرس لأنهما من الهوام حتى قال أبو يوسف ابن عرس من سباع الهوام والهوام ليست بصيد لأنها لا تتوحش من الناس وقال أبو يوسف في القنفذ الجزاء لأنه من جنس المتوحش ولا يبتدىء بالأذى فصل وأما بيان أنواعه وبيان ما يحل للمحرم اصطياده وما يحرم عليه من كل نوع فنقول وبالله التوفيق الصيد في الأصل نوعان بري وبحري فالبحري هو الذي توالده في البحر سواء كان لا يعيش إلا في البحر أو يعيش في البحر والبر والبري ما يكون توالده في البر سواء كان لا يعيش إلا في البر أو يعيش في البر والبحر فالعبرة للتوالد

Sección V02/P195–V02/P196

أما صيد البحر فيحل اصطياده للحلال والمحرم جميعا مأكولا كان أو غير مأكول لقوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة والمراد منه اصطياد ما في البحر لأن الصيد مصدر يقال صاد يصيد صيدا واستعماله في المصيد مجاز والكلام بحقيقته إباحة اصطياد ما في البحر عاما وأما صيد البر فنوعان مأكول وغير مأكول أما المأكول فلا يحل للمحرم اصطياده نحو الظبي والأرنب وحمار الوحش وبقر الوحش والطيور التي يؤكل لحومها برية كانت أو بحرية لأن الطيور كلها برية لأن توالدها في البر وإنما ( ( ( إنما ) ) ) يدخل بعضها في البحر لطلب الرزق والأصل فيه قوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وقوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ظاهر الآيتين يقتضي تحريم صيد البر للمحرم عاما أو مطلقا إلا ما خص أو قيد بدليل وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم والمراد منه الابتلاء بالنهي بقوله تعالى في سياق الآية فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم أي اعتدى بالاصطياد بعد تحريمه والمراد منه صيد البر لأن صيد البحر مباح بقوله تعالى أحل لكم صيد البحر وكذا لا يحل له الدلالة عليه والإشارة إليه بقوله صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله والدال على الشر كفاعله ولأن الدلالة والإشارة سبب إلى القتل وتحريم الشيء تحريم لأسبابه وكذا لا يحل له الإعانة على قتله لأن الإعانة فوق الدلالة والإشارة وتحريم الأدنى تحريم الأعلى من طريق الأولى كالتأفيف مع الضرب والشتم وأما غير المأكول فنوعان نوع يكون مؤذيا طبعا مبتدئا بالأذى غالبا ونوع لا يبتدىء بالأذى غالبا أما الذي يبتدىء بالأذى غالبا فللمحرم أن يقتله ولا شيء عليه وذلك نحو الأسد والذئب والنمر والفهد لأن دفع الأذى من غير سبب موجب للأذى واجب فضلا عن الإباحة ولهذا أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل الخمس الفواسق للمحرم في الحل والحرم بقوله صلى الله عليه وسلم خمس من الفواسق يقتلهن المحرم في الحل والحرم الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور والغراب وروى والحدأة وروى عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خمس يقتلهن المحل والمحرم في الحل والحرم الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم الحدأة والفأرة والغراب والعقرب والكلب العقور وعلة الإباحة فيها هي الابتداء بالأذى والعدو على الناس غالبا فإن من عادة الحدأة أن تغير على اللحم والكرش والعقرب تقصد من تلدعه ( ( ( تلدغه ) ) ) وتتبع حسه وكذا الحية والغراب يقع على دبر البعير وصاحبه قريب منه والفأرة تسرق أموال الناس والكلب العقور من شأنه العدو على الناس وعقرهم ابتداء من حيث الغالب ولا يكاد يهرب من بني آدم وهذا المعنى موجود في الأسد والذئب والفهد والنمر فكان ورود النص في تلك الأشياء ورودا في هذه دلالة قال أبو يوسف الغراب المذكور في الحديث هو الغراب الذي يأكل الجيف أو يخلط مع الجيف إذ هذا النوع هو الذي يبتدىء بالأذى والعقعق ليس في معناه لأنه لا يأكل الجيف ولا يبتدىء بالأذى وأما الذي لا يبتدىء بالأذى غالبا كالضبع والثعلب وغيرهما فله أن يقتله إن عدى ( ( ( عدا ) ) ) عليه ولا شيء عليه إذا قتله وهذا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر يلزمه الجزاء وجه قوله أن المحرم للقتل قائم وهو الإحرام فلو سقطت الحرمة إنما تسقط بفعله وفعل العجماء جبار فبقي محرم القتل كما كان كالجمل الصؤل ( ( ( الصئول ) ) ) إذا قتله إنسان أنه يضمن لما قلنا كذا هذا

Sección V02/P196–V02/P197

ولنا أنه لما عدا عليه وابتدأه بالأذى التحق بالمؤذيات طبعا فسقطت عصمته وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه ابتدأ قتل ضبع فأدى جزاءها وقال إنا ابتدأناها فتعليله بابتدائه قتله إشارة إلى أنها لو ابتدأت لا يلزمه الجزاء وقوله الإحرام قائم مسلم لكن أثره في أن لا يتعرض للصيد لا في وجوب تحمل الأذى بل يجب عليه دفع الأذى لأنه من صيانة نفسه عن الهلاك وأنه واجب فسقطت عصمته في حال الأذى فلم يجب الجزاء بخلاف الجمل الصائل لأن عصمته ثبتت حقا لمالكه ولم يوجد منه ما يسقط العصمة فيضمن القاتل وإن لم يعد عليه لا يباح له أن يبتدئه بالقتل وإن قتله ابتداء فعليه الجزاء عندنا وعند الشافعي يباح له قتله ابتداء ولا جزاء عليه إذا قتله وجه قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح للمحرم قتل خمس من الدواب وهي لا يؤكل لحمها والضبع والثعلب ما لا يؤكل لحمه فكان ورود النص هناك ورودا ههنا ولنا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم وقوله وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وقوله يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم عاما أو مطلقا من غير فصل بين المأكول وغيره واسم الصيد يقع على المأكول وغير المأكول لوجود حد الصيد فيهما جميعا والدليل عليه قول الشاعر صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدي الأبطال أطلق اسم الصيد على الثعلب إلا أنه خص منها الصيد العادي المبتدىء ( ( ( المبتدئ ) ) ) بالأذى غالبا أو قيدت بدليل فمن ادعى تخصيص غيره أو التقييد فعليه الدليل وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الضبع صيد وفيه شاة إذا قتله المحرم وعن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما أوجبا في قتل المحرم الضبع جزاء وعن علي رضي الله عنه أنه قال في الضبع إذا عدا على المحرم فليقتله فإن قتله قبل أن يعدو عليه فعليه شاة مسنة ولا حجة للشافعي في حديث الخمس الفواسق لأنه ليس فيه أن إباحة قتلهن لأجل أنه لا يؤكل لحمها بل فيه إشارة إلى أن علة الإباحة فيها الابتداء بالأذى غالبا ولا يوجد ذلك في الضبع والثعلب بل من عادتهما الهرب من بني آدم ولا يؤذيان أحدا حتى يبتدئهما بالأذى فلم توجد علة الإباحة فيهما فلم تثبت الإباحة وعلى هذا الخلاف الضب واليربوع والسمور والدلف والقرد والفيل والخنزير لأنها صيد لوجود معنى الصيد فيها وهو الامتناع والتوحش ولا تبتدىء ( ( ( تبتدئ ) ) ) بالأذى غالبا فتدخل تحت ما تلونا من الآيات الكريمة وقال زفر في الخنزير أنه لا يجب الجزاء فيه لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعثت بكسر المعازف وقتل الخنازير ندبنا صلى الله عليه وسلم إلى قتله والندب فوق الإباحة فلا يتعلق به الجزاء والحديث محمول على غير حال الإحرام أو على حال العدو والابتداء بالأذى حملا لخبر الواحد على موافقة الكتاب العزيز وعلى هذا الاختلاف سباع الطير والله أعلم فصل وأما بيان حكم ما يحرم على المحرم اصطياده إذا اصطاده فالأمر لا يخلو إما إن قتل الصيد وإما إن جرحه وإما إن أخذه فلم يقتله ولم يجرحه فإن قتله فالقتل لا يخلو إما أن يكون مباشرة أو تسببا ( ( ( تسيبا ) ) ) فإن كان مباشرة فعليه قيمة الصيد المقتول يقومه ذوا عدل لهما بصارة بقيمة الصيود فيقومانه في المكان الذي أصابه إن كان موضعا تباع فيه الصيود وإن كان في مفازة يقومانه في أقرب الأماكن من العمران إليه فإن بلغت قيمته ثمن هدي فالقاتل بالخيار إن شاء أهدى وإن شاء أطعم وإن شاء صام وإن لم يبلغ قيمته ثمن هدي فهو بالخيار بين الطعام والصيام سواء كان الصيد مما له نظير أو كان مما لا نظير له وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف

Sección V02/P197–V02/P198

وحكى الطحاوي قول محمد أن الخيار للحكمين إن شاءا حكما عليه هديا وإن شاءا طعاما وإن شاءا صياما فإن حكما عليه هديا نظر القاتل إلى نظيره من النعم من حيث الخلقة والصورة إن كان الصيد مما له نظير سواء كان قيمة نظيره مثل قيمته أو أقل أو أكثر لا ينظر إلى القيمة بل إلى الصورة والهيئة فيجب في الظبي شاة وفي الضبع شاة وفي حمار الوحش بقرة وفي النعامة بعير وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة وإن لم يكن له نظير مما في ذبحه قربة كالحمام والعصفور وسائر الطيور تعتبر قيمته كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وحكى الكرخي قول محمد إن الخيار للقاتل عنده أيضا غير أنه إن اختار الهدي لا يجوز له إلا إخراج النظير فيما له نظير وعند الشافعي يجب عليه بقتل ما له نظير النظير ابتداء من غير اختيار أحد وله أن يطعم ويكون الإطعام بدلا عن النظير لا عن الصيد فيقع الكلام في موجب قتل صيد له نظير في مواضع منها أنه يجب على القاتل قيمته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ولا يجب عند محمد والشافعي والأصل فيه قوله عز وجل ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم أي فعليه جزاء مثل ما قتل أوجب الله تعالى على القاتل جزاء مثل ما قتل واختلف الفقهاء في المراد من المثل المذكور في الآية الشريفة قال أبو حنيفة وأبو يوسف المراد منه المثل من حيث المعنى وهو القيمة وقال محمد والشافعي المراد منه المثل من حيث الصورة والهيئة وجه قولهما أن الله تعالى أوجب على القاتل جزاء من النعم وهو مثل ما قتل من النعم لأنه ذكر المثل ثم فسره بالنعم بقوله عز وجل من النعم ومن ههنا لتمييز الجنس فصار تقدير الآية الشريفة ومن قتله منكم متعمدا فجزاء من النعم وهو مثل المقتول وهو أن يكون مثله في الخلقة والصورة وروى أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم عمر رضي الله عنه أوجبوا في النعامة بدنة وفي الظبية شاة وفي الأرنب عناقا وهم كانوا أعرف بمعاني كتاب الله تعالى ولأبي حنيفة وأبي يوسف وجوه من الاستدلال بهذه الآية أولها أن الله عز وجل نهى المحرمين عن قتل الصيد عاما لأنه تعالى ذكر الصيد بالألف واللام بقوله عز وجل لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم والألف واللام لاستغراق الجنس خصوصا عند عدم المعهود ثم قال تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل والهاء كناية راجعة إلى الصيد الموجد من اللفظ المعرف بلام التعريف فقد أوجب سبحانه وتعالى بقتل الصيد مثلا يعم ماله نظير وما لا نظير له وذلك هو المثل من حيث المعنى وهو القيمة لا المثل من حيث الخلقة والصورة لأن ذلك لا يجب في صيد لا نظير له بل الواجب فيه المثل من حيث المعنى وهو القيمة بلا خلاف فكان صرف المثل المذكور بقتل الصيد على العموم إليه تخصيصا لبعض ما تناوله عموم الآية والعمل بعموم اللفظ واجب ما أمكن ولا يجوز تخصيصه إلا بدليل والثاني أن مطلق اسم المثل ينصرف إلى ما عرف مثلا في أصول الشرع والمثل المتعارف في أصول الشرع هو المثل من حيث الصورة والمعنى أو من حيث المعنى وهو القيمة كما في ضمان المتلفات فإن من أتلف على آخر حنطة يلزمه حنطة ومن أتلف عليه عرضا تلزمه القيمة فأما المثل من حيث الصورة والهيئة فلا نظير له في أصول الشرع فعند الإطلاق ينصرف إلى المتعارف لا إلى غيره والثالث أنه سبحانه وتعالى ذكر المثل منكرا في موضع الإثبات فيتناول واحدا وأنه اسم مشترك يقع على المثل من حيث المعنى ويقع على المثل من حيث الصورة فالمثل من حيث المعنى يراد من الآية فيما لا نظير له فلا يكون الآخر مرادا إذ المشترك في موضع الإثبات لا عموم له

Sección V02/P198–V02/P199

والرابع إن الله تعالى ذكر عدالة الحكمين ومعلوم أن العدالة إنما تشترط فيما يحتاج فيه إلى النظر والتأمل وذلك في المثل من حيث المعنى وهو القيمة لأن بها تتحقق الصيانة عن الغلو والتقصر ( ( ( والتقصير ) ) ) وتقرير الأمر على الوسط فأما الصورة فمشابهة لا تفتقر إلى العدالة وأما قوله تعالى من النعم فلا نسلم أن قوله تعالى من النعم خرج تفسيرا للمثل وبيانه من وجهين أحدهما أن قوله فجزاء مثل ما قتل كلام تام بنفسه مفيد بذاته من غير وصلة بغيره لكونه مبتدأ وخبرا وقوله من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة يمكن استعماله على غير وجه التفسير للمثل لأنه كما يرجع إلى الحكمين في تقويم الصيد المتلف يرجع إليهما في تقويم الهدى الذي يوجد بذلك القدر من القيمة فلا يجعل قوله مثل ما قتل مربوطا بقوله عز وجل من النعم مع استغناء الكلام عنه هذا هو الأصل إلا إذا قام دليل زائد يوجب الربط بغيره والثاني أنه وصل قوله من النعم بقوله يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة وقوله عز وجل أو كفارة طعام مساكين وقوله عز وجل أو عدل ذلك صياما جعل الجزاء أحد الأشياء الثلاثة لأنه أدخل حرف التخيير بين الهدي والإطعام وبين الطعام والصيام فلو كان قوله من النعم تفسيرا للمثل لكان الطعام والصيام مثلا لدخول حرف أو بينهما وبين النعم إذ لا فرق بين التقديم والتأخير في الذكر بأن قال تعالى فجزاء مثل ما قتل طعاما أو صياما أو من النعم هديا لأن التقديم في التلاوة لا يوجب التقديم في المعنى ولما لم يكن الطعام والصيام مثلا للمقتول دل أن ذكر النعم لم يخرج مخرج التفسير للمثل بل هو كلام مبتدأ غير موصول المراد بالأول وقول جماعة الصحابة رضي الله عنهم محمول على الإيجاب من حيث القيمة توفيقا بين الدلائل مع ما أن المسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم روي عن ابن عباس مثل مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف فلا يحتج بقول البعض على البعض وعلى هذا ينبني اعتبار مكان الإصابة في التقويم عندهما لأن الواجب على القاتل القيمة وأنها تختلف باختلاف المكان وعند محمد والشافعي الواجب هو النظير أما بحكم الحكمين أو ابتداء فلا يعتبر فيه المكان وقال الشافعي يقوم بمكة أو بمنى وأنه غير سديد لأن العبرة في قيم المستهلكات في أصول الشرع مواضع الاستهلاك كما في استهلاك سائر الأموال ومنها أن الطعام بدل عن الصيد عندنا فيقوم الصيد بالدراهم ويشتري بالدراهم طعاما وهو مذهب ابن عباس وجماعة من التابعين وعن ابن عباس رواية أخرى أن الطعام بدل عن الهدي فيقوم الهدي بالدراهم ثم يشتري بقيمة الهدي طعاما وهو قول الشافعي والصحيح قولنا لأن الله تعالى جعل جميع ذلك جزاء الصيد بقوله عز وجل فجزاء مثل ما قتل من النعم إلى قوله أو كفارة طعام مساكين فلما كان الهدي من حيث كونه جزاء معتبرا بالصيد أما في قيمته أو نظيره على اختلاف القولين كان الطعام مثله ولأن فيما لا مثل له من النعم اعتبار الطعام بقيمة الصيد بلا خلاف فكذا فيما له مثل لأن الآية عامة منتظمة للأمرين جميعا ومنها أن كفارة جزاء الصيد على التخيير كذا روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو مذهب جماعة من التابعين مثل عطاء والحسن وإبراهيم وهو قول أصحابنا وعن ابن عباس رواية أخرى أنه على ترتيب الهدي ثم الإطعام ثم الصيام حتى لو وجد الهدي لا يجوز الطعام ولو وجد الهدي أو الطعام لا يجوز الصيام كما في كفارة الظهار والإفطار أنها على الترتيب دون التخيير واحتج من اعتبر الترتيب بما روى أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم حكموا في الضبع بشاة ولم يذكروا غيره فدل أن الواجب على الترتيب

Sección V02/P199

ولنا أن الله تعالى ذكر حرف أو في ابتداء الإيجاب وحرف أو إذا ذكر في ابتداء الإيجاب يراد به التخيير لا الترتيب كما في قوله عز وجل في كفارة اليمين فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة وقوله تعالى في كفارة الحلق ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وغير ذلك هذا هو الحقيقة إلا في موضع قام الدليل بخلافها كما في آية المحاربين أنه ذكر فيها أو على إرادة الواو ومن ادعى خلاف الحقيقة ههنا فعليه الدليل ثم إذا اختار الهدى فإن بلغت قيمة الصيد بدنة نحرها وإن لم تبلغ بدنة وبلغت بقرة ذبحها وإن لم تبلغ بقرة وبلغت شاة ذبحها وإن اشترى بقيمة الصيد إذا بلغت بدنة أو بقرة سبع شياة وذبحها أجزأه فإن اختار شراء الهدي وفضل من قيمة الصيد فإن بلغ هديين أو أكثر اشترى وإن كان لا يبلغ هديا فهو بالخيار إن شاء صرف الفاضل إلى الطعام وإن شاء صام كما في صيد الصغير الذي لا تبلغ قيمته هديا وقد اختلف في السن الذي يجوز في جزاء الصيد قال أبو حنيفة لا يجوز إلا ما يجوز في الأضحية وهدي المتعة والقران والإحصار وقال أبو يوسف ومحمد تجوز الجفرة والعناق على قدر الصيد واحتجا بما روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم أوجبوا في اليربوع جفرة وفي الأرنب عناقا ولأبي حنيفة أن إطلاق الهدي ينصرف إلى ما ينصرف إليه سائر الهدايا المطلقة في القرآن فلا يجوز دون السن الذي يجزي في سائر الهدايا وما روي عن جماعة من الصحابة حكاية حال لا عموم له فيحمل على أنه كان على طريق القيمة على أن ابن عباس رضي الله عنهما يخالفهم فلا يقبل قول بعضهم على بعض إلا عند قيام دليل الترجيح ثم اسم الهدي يقع على الإبل والبقر والغنم على ما بينا فيما تقدم ولا يجوز ذبح الهدي إلا في الحرم لقوله تعالى هديا بالغ الكعبة ولو جاز ذبحه في غير الحرم لم يكن لذكر بلوغه الكعبة معنى وليس المراد منه بلوغ عين الكعبة بل بلوغ قربها وهو الحرم ودلت الآية الكريمة على أن من حلف لا يمر على باب الكعبة أو المسجد الحرام فمر بقرب بابه حنث وهو كقوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا والمراد منه الحرم لأنهم منعوا بهذه الآية الكريمة عن دخول الحرم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال الحرم كله مسجد ولأن الهدي اسم لما يهدي إلى مكان الهدايا أي ينقل إليها ومكان الهدايا الحرم لقوله تعالى ثم محلها إلى البيت العتيق والمراد منه الحرم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال منى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر ولو ذبح في الحال ( ( ( الحل ) ) ) لا يسقط عنه الجزاء بالذبح إلا أن يتصدق بلحمه على الفقراء على كل فقير قيمة نصف صاع من بر فيجزئه على طريق البدل عن الطعام وإذا ذبح الهدي في الحرم سقط الجزاء عنه بنفس الذبح حتى لو هلك أو سرق أو ضاع بوجه من الوجوه خرج عن العهدة لأن الواجب هو إراقة الدم وإن اختار الطعام اشترى بقيمة الصيد طعاما فأطعم كل مسكين نصف صاع من بر ولا يجزيه أقل من ذلك كما في كفارة اليمين وفدية الأذى ويجوز الإطعام في الأماكن كلها عندنا وعند الشافعي لا يجوز إلا في الحرم كما لا يجوز الذبح إلا في الحرم توسعة على أهل الحرم

Sección V02/P199–V02/P200

ولنا أن قوله تعالى أو كفارة طعام مساكين مطلق عن المكان وقياس الطعام على الذبح بمعنى التوسعة على أهل الحرم قد أبطلناه فيما تقدم ولأن الإراقة لم تعقل قربة بنفسها وإنما عرفت قربة بالشرع والشرع ورد بها في مكان مخصوص أو زمان مخصوص فيتبع مورد الشرع فيتقيد كونها قربة بالمكان الذي ورد الشرع بكونها قربه فيه وهو الحرم فإما الإطعام فيعقل قربة بنفسه لأنه من باب الإحسان إلى المحتاجين فلا يتقيد كونه قربه بمكان كما لا يتقيد بزمان وتجوز فيه الإباحة والتمليك لما نذكره في كتاب الكفارات ولا يجوز للقاتل أن يأكل شيئا من لحم الهدي ولو أكل شيئا منه فعليه قيمة ما أكل ولا يجوز دفعه ودفع الطعام إلى ولده وولد ولده وإن سفلوا ولا إلى والده ووالد والده وإن علوا كما لا تجوز الزكاة ويجوز دفعه إلى أهل الذمة في قول أبي حنيفة ومحمد ولا يجوز في قول أبي يوسف كما في صدقة الفطر والصدقة المنذور بها على ما ذكرنا في كتاب الزكاة وإن اختار الصيام اشترى بقيمة الصيد طعاما وصام لكل نصف صاع من بر يوما عندنا وهو قول ابن عباس وجماعة من التابعين مثل إبراهيم وعطاء ومجاهد وقال الشافعي يصوم لكل مد يوما والصحيح قولنا لما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال يصوم عن كل نصف صاع يوما ومثل هذا لا يعرف بالاجتهاد فتعين السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع فهو بالخيار إن شاء تصدق به وإن شاء صام عنه يوما لأن صوم بعض يوم لا يجوز ويجوز الصوم في الأيام كلها بلا خلاف ويجوز متتابعا ومتفرقا لقوله تعالى أو عدل ذلك صياما مطلقا عن المكان وصفة التتابع والتفرق وسواء كان الصيد مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه عندنا بعد أن كان محرما والإصطياد على المحرم كالضبع والثعلب وسباع الطير وينظر إلى قيمته لو كان مأكول اللحم لعموم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم غير أنه لا يجاوز به دما في ظاهر الرواية وذكر الكرخي أنه لا يبلغ دما بل ينقص من ذلك بخلاف مأكول اللحم فإنه تجب قيمته بالغة ما بلغت وإن بلغت قيمته هديين أو أكثر وقال زفر تجب قيمته بالغة ما بلغت كما في مأكول اللحم وجه قوله أن هذا المصيد مضمون بالقيمة والمضمون بالقيمة يعتبر كمال قيمته كالمأكول ولنا أن هذا المضمون إنما يجب بقتله من حيث أنه صيد ومن حيث أنه صيد لا تزيد قيمة لحمه على لحم الشاة بحال بل لحم الشاة يكون خيرا منه بكثير فلا يجاوز به دما بل ينقص منه كما ذكره الكرخي ولأنه جزاء وجب بإتلاف ما ليس بمال فلا يجاوز به دما كحلق الشعر وقص الأظفار وقد خرج الجواب عما ذكره زفر ويستوي في وجوب الجزاء بقتل الصيد المبتدىء ( ( ( المبتدئ ) ) ) والعائد وهو أن يقتل صيدا ثم يعود ويقتل آخر وثم وثم أنه يجب لكل صيد جزاء على حدة وهذا قول عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم وعن ابن عباس أنه لا جزاء على العائد وهو قول الحسن وشريح وإبراهيم واحتجوا بقوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه جعل جزاء العائد الانتقام في الآخرة فتنتفي الكفارة في الدنيا ولنا أن قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يتناول القتل في كل مرة فيقتضي وجوب الجزاء في كل مرة كما في قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ونحو ذلك

Sección V02/P200–V02/P201

وأما قوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه ففيه إن الله تعالى ينتقم من العائد وليس فيه أن ينتقم منه بماذا فيحتمل أنه ينتقم منه بالكفارة كذا قال بعض أهل التأويل فينتقم الله منه بالكفارة في الدنيا أو بالعذاب في الآخرة على أن الوعيد في الآخرة لا ينفي وجوب الجزاء في الدنيا كما أن الله تعالى جعل حد المحاربين لله ورسوله جزاء لهم في الدنيا بقوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا الآية ثم قال عز وجل في آخرها ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ومنهم من صرف تأويل الآية الكريمة إلى استحلال الصيد فقال الله عز وجل عفا الله عما سلف في الجاهلية من استحلالهم الصيد إذا تاب ورجع عما استحل من قتل الصيد ومن عاد إلى الاستحلال فينتقم الله منه بالنار في الآخرة وبه نقول هذا إذا لم يكن قتل الثاني والثالث على وجه الرفض والإحلال فأما إذا كان على وجه الرفض والإحلال لإحرامه فعليه جزاء واحد استحسانا والقياس أن يلزمه لكل واحد منهما دم لأن الموجود ليس إلا نية الرفض ونية الرفض لا يتعلق بها حكم لأنه لا يصير حلالا بذلك فكان وجودها والعدم بمنزلة واحدة إلا أنهم استحسنوا وقالوا لا يجب إلا جزاء واحد لأن الكل وقع على وجه واحد فأشبه الإيلاجات في الجماع ويستوي فيه العمد والخطأ والذكر والنسيان عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا كفارة على الخاطىء وقال الشافعي لا كفارة على الخاطىء والناسي والكلام في المسألة بناء وابتداء أما الباء ( ( ( البناء ) ) ) فما ذكرنا فيما تقدم أن الكفارة إنما تجب بارتكاب محظور الإحرام والجناية عليه ثم زعم الشافعي أن فعل الخاطىء والناسي لا يوصف بالجناية والحظر لأن فعل الخطأ والنسيان ما ( ( ( مما ) ) ) لا يمكن التحرز عنه فكان عذرا وقلنا نحن إن فعل الخاطىء والناسي جناية وحرام لأن فعلهما جائز المؤاخذة عليه عقلا وإنما رفعت المؤاخذة عليه شرعا مع بقاء وصف الحظر والحرمة فأمكن القول بوجوب الكفارة وكذا التحرز عنهما ممكن في الجملة إذ لا يقع الإنسان في الخطأ والسهو إلا لنوع تقصير منه فلم يكن عذرا منه ولهذا لم يعذر الناسي في باب الصلاة إلا أنه جعل عذرا في باب الصوم لأنه يغلب وجوده فكان في وجوب القضاء حرج ولا يغلب في باب الحج لأن أحوال الإحرام مذكرة فكان النسيان معها نادرا على أن العذر في هذا الباب لا يمنع وجوب الجزاء كما في كفارة الحلق لمرض أو أذى بالرأس وكذا فوات الحج لا يختلف حكمه للعذر وعدم العذر وأما الإبتداء فاحتج بقوله عز وجل ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم خص المتعمد بإيجاب الجزاء عليه فلو شاركه الخاطىء والناسي في الوجوب لم يكن للتخصيص معنى ولنا وجوه من الاستدلال بالعمد أحدها أن الكفارات وجبت رافعة للجناية ولهذا سماه الله تعالى كفارة بقوله عز وجل أو كفارة طعام مساكين وقد وجدت الجناية على الإحرام في الخطأ ألا ترى أن الله عز وجل سمى الكفارة في القتل الخطأ توبة بقوله تعالى في آخر الآية توبة من الله ولا توبة إلا من الجناية والحاجة إلى رفع الجناية موجودة والكفارة صالحة لرفعها لأنها ترفع أعلى الجنايتين وهي العمد وما صلح رافعا لأعلى الذنبين يصلح رافعا لأدناهما بخلاف قتل الآدمي عمدا أنه لا يوجب الكفارة عندنا والخطأ يوجب لأن النقص هناك وجب ورد بإيجاب الكفارة في الخطأ وذنب الخطأ دون ذنب العمد وما يصلح لرفع الأدنى لا يصلح لرفع الأعلى فامتنع الوجوب من طريق الاستدلال لانعدام طريقه

Sección V02/P201–V02/P202

والثاني أن المحرم بالإحرام أمن الصيد عن التعرض والتزم ترك التعرض له فصار الصيد كالأمانة عنده وكل ذي أمانة إذا أتلف الأمانة يلزمه الغرم عمدا كان أو خطأ بخلاف قتل النفس عمدا لأن النفس محفوظة بصاحبها وليست بأمانة عند القاتل حتى يستوي حكم العمد والخطأ في التعرض لها والثالث أن الله تعالى ذكر التخيير في حال العمد وموضوع التخيير في حال الضرورة لأنه في التوسع وذا في حال الضرورة كالتخيير في الحلق لمن به مرض أو به أذى من رأسه بقوله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ولا ضرورة في حال العمد فعلم أن ذكر التخيير فيه لتقدير الحكم به في حال الضرورة لولاه لما ذكر التخيير فكان إيجاب الجزاء في حال العمد إيجابا في حال الخطأ ولهذا كان ذكر التخيير الموضوع للتخفيف والتوسع في كفارة اليمين بين الأشياء الثلاثة حالة العمد ذكرا في حالة الخطأ والنوم والجنون دلالة وأما تخصيص العامد فقد عرف من أصلنا أنه ليس في ذكر حكمه وبيانه في حال دليل نفيه في حال أخرى فكان تمسكا بالمسكوت فلا يصح ويحتمل أن يكون تخصيص العامد لعظم ذنبه تنبيها على الإيجاب على من قصر ذنبه عنه من الخاطىء والناسي من طريق الأولى لأن الواجب لما رفع أعلى الذنبين فلأن يرفع الأدنى أولى وعلى هذا كانت الآية حجة عليه والله أعلم ويستوى في وجوب كمال الجزاء بقتل الصيد حال الانفراد والاجتماع عندنا حتى لو اشترك جماعة من المحرمين في قتل صيد يجب على كل واحد منهم جزاء كامل عند أصحابنا وعند الشافعي يجب عليهم جزاء واحد وجه قوله أن المقتول واحد فلا يضمن إلا بجزاء واحد كما إذا قتل جماعة رجلا واحدا خطأ أنه لا تجب عليهم إلا دية واحدة وكذا جماعة من المحللين إذا قتلوا صيدا واحدا في الحرم لا يجب عليهم إلا قيمة واحدة كذا هذا ولنا قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم وكلمة من تتناول كل واحد من القاتلين على حياله كما في قوله عز وجل ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم وقوله تعالى ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا وقوله عز وجل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأقرب المواضع قوله عز وجل ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة حتى يجب على كل واحد من القاتلين خطأ كفارة على حدة ولا تلزمه الدية أنه لا يجب عليهم إلا دية واحدة لأن ظاهر اللفظ وعمومه يقتضي وجوب الدية على كل واحد منهم وإنما عرفنا وجوب دية واحدة بالإجماع وقد ترك ظاهر اللفظ بدليل والشافعي نظر إلى المحل فقال المحل وهو المقتول متحد فلا يجب إلا ضمان واحد وأصحابنا نظروا إلى الفعل فقالوا الفعل متعدد فيتعدد الجزاء ونظرنا أقوى لأن الواجب جزاء الفعل لأن الله تعالى سماه جزاء بقوله فجزاء مثل ما قتل من النعم والجزاء يقابل الفعل لا المحل وكذا سمي الواجب كفارة بقوله عز وجل أو كفارة طعام مساكين والكفارة جزاء الجناية بخلاف الدية فإنها بدل المحل فتتحد باتحاد المحل وتتعدد بتعدده وهو الجواب عن صيد الحرم لأن ضمانه يشبه ضمان الأموال لأنها تجب بالجناية على الحرم والحرم واحد فلا تجب إلا قيمة واحدة ولو قتل صيدا معلما كالبازي والشاهين والصقر والحمام الذي يجيء من مواضع بعيدة ونحو ذلك يجب عليه قيمتان قيمته معلما لصاحبه بالغة ما بلغت وقيمته غير معلم حقا لله لأنه جنى على حقين حق الله تعالى وحق العبد والتعليم وصف مرغوب فيه في حق العباد لأنهم ينتفعون بذلك والله عز وجل يتعالى عن أن ينتفع بشيء ولأن الضمان الذي هو حق الله تعالى يتعلق بكونه صيدا وكونه معلما وصف زائد على كونه صيدا فلا يعتبر ذلك في وجوب الجزاء وقد قالوا في الحمامة المصوتة أنه يضمن قيمتها مصوتة في رواية وفي رواية غير مصوتة

Sección V02/P202–V02/P203

وجه الرواية الأولى أن كونها مصوتة من باب الحسن والملاحة والصيد مضمون بذلك كما لو قتل صيدا حسنا مليحا له زيادة قيمة تجب قيمته على تلك الصفة وكما لو قتل حمامة مطوقة أو فاختة مطوقة وجه الرواية الأخرى على ( ( ( وعلى ) ) ) نحو ما ذكرنا أن كونها مصوتة لا يرجع إلى كونه صيدا فلا يلزم المحرم ضمان ذلك وهذا يشكل بالمطوقة والصيد الحسن المليح ولو أخذ بيض صيد فشواه أو كسره فعليه قيمته يتصدق به لما روى عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم حكموا في بيض النعامة بقيمته ولأنه أصل الصيد إذ الصيد يتولد منه فيعطي له حكم الصيد احتياطا فإن شوى بيضا أو جرادا فضمنه لا يحرم أكله ولو أكله أو غيره حلالا كان أو محرما لا يلزمه شيء بخلاف الصيد الذي قتله المحرم أنه لا يحل أكله ولو أكل المحرم الصائد منه بعد ماأدى جزاءه يلزمه قيمة ما أكل في قول أبي حنيفة لأن الحرمة هناك لكونه ميتة لعدم الذكاة لخروجه عن أهلية الذكاة والحرمة ههنا ليست لمكان كونه ميتة لأنه لا يحتاج إلى الذكاة فصار كالمجوسي إذا شوى بيضا أو جرادا أنه يحل أكله كذا هذا فإن كسر البيض فخرج منه فرخ ميت فعليه قيمته حيا يؤخذ فيه بالثقة وقال مالك عليه نصف عشر قيمته واعتبره بالجنين لأن ضمانه ضمان الجنايات وفي الجنين نصف عشر قيمته كذا فيه ولنا أن الفرخ صيد لأنه يفرض أن يصير صيدا فيعطي له حكم الصيد ويحتمل أنه مات بكسره ويحتمل أنه كان ميتا قبل ذلك وضمان الصيد يؤخذ فيه بالاحتياط لأنه وجب حقا لله تعالى وحقوق الله تعالى يحتاط في إيجابها وكذلك إذا ضرب بطن ظبية فألقت جنينا ثم ماتت الظبية فعليه قيمتهما يؤخذ في ذلك كله بالثقة أما قيمة الأم فلأنه قتلها وأما قيمة الجنين فلأنه يحتمل أنه مات بفعله ويحتمل أنه كان ميتا فيحكم بالضمان احتياطا فإن قتل ظبية حاملا فعليه قيمتها حاملا لأن الحمل يجري مجرى صفاتها وحسنها وملاحتها وسمنها والصيد مضمون بأوصافه ولو حلب صيدا فعليه ما نقصه الحلب لأن اللبن جزء من أجزاء الصيد فإذا نقصه الحلب يضمن كما لو أتلف جزأ من أجزائه كالصيد المملوك وأما إذا قتل الصيد تسببا فإن كان متعديا في التسبب يضمن وإلا فلا بيان ذلك أنه إذا نصب شبكة فتعقل ( ( ( فتعلق ) ) ) به صيد ومات أو حفر حفيرة للصيد فوقع فيها فعطب يضمن لأنه متعد في التسبب ولو ضرب فسطاطا لنفسه فتعقل ( ( ( فتعلق ) ) ) به صيد فمات أو حفر حفيرة للماء أو للخبز فوقع فيها صيد فمات لا شيء عليه لأن ذلك مباح له فلم يكن متعديا في التسبب وهذا كمن حفر بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها إنسان أو بهيمة مات ( ( ( ومات ) ) ) يضمن ولو كان الحفر في دار نفسه فوقع فيها إنسان لا يضمن لأنه في الأول متعد ( ( ( متعديا ) ) ) بالتسبب وفي الثاني لا كذا هذا ولو أعان محرما أو حلالا على صيد ضمن لأن الإعانة على الصيد تسبب إلى قتله وهو متعد في هذا التسبب لأنه تعاون على الإثم والعدوان وقد قال الله تعالى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ولو دل عليه أو أشار إليه فإن كان المدلول يرى الصيد أو يعلم به من غير دلالة أو إشارة فلا شيء على الدال لأنه إذا كان يراه أو يعلم به من غير دلالته فلا أثر لدلالته في تفويت الأمن على الصيد فلم تقع الدلالة تسببا إلا أنه يكره ذلك فقتله بدلالته لأنه نوع تحريض على اصطياده وإن رآه المدلول بدلالته فقتله فعليه الجزاء عند أصحابنا وقال الشافعي لا جزاء عليه وجه قوله أن وجوب الجزاء متعلق بقتل الصيد ولم يوجد ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الدال على الشيء كفاعله

Sección V02/P203

وروي الدال على الخير كفاعله والدال على الشر كفاعله فظاهر الحديث يقتضي أن يكون للدلالة حكم الفعل إلا ما خص بدليل وروى أن أبا قتادة رضي الله عنه شد على حمار وحش وهو حلال فقتله وأصحابه محرمون فمنهم من أكل ومنهم من أبى فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم هل أشرتم هل أعنتم فقالوا لا فقال كلوا إذا فلولا أن الحكم يختلف بالإعانة والإشارة وإلا لم يكن للفحص عن ذلك معنى ودل ذلك على حرمة الإعانة والإشارة وذا يدل على وجوب الجزاء وروى أن رجلا سأل عمر رضي الله عنه فقال إني أشرت إلى ظبية فقتلها صاحبي فسأل عمر عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما فقال ما ترى فقال أرى عليه شاة فقال عمر رضي الله تعالى عنه وأنا أرى مثل ذلك وروي أن رجلا أشار إلى بيضة نعامة فكسرها صاحبه فسأل عن ذلك عليا وابن عباس رضي الله عنهما فحكما عليه بالقيمة وكذا حكم عمر وعبد الرحمن رضي الله عنهما محمول على القيمة ولأن المحرم قد أمن الصيد بإحرامه والدلالة تزيل الأمن لأن أمن الصيد في حال قدرته ويقظته يكون بتوحشه عن الناس وفي حال عجزه ونومه يكون باختفائه عن الناس والدلالة تزيل الاختفاء فيزول الأمن فكانت الدلالة في إزالة الأمن كالاصطياد ولأن الإعانة والدلالة والإشارة تسبب إلى القتل وهو متعد في هذا التسبب لكونه مزيلا للأمن وإنه محظور الإحرام فأشبه نصب الشبكة ونحو ذلك ولأنه لما أمن الصيد عن التعرض بعقد الإحرام والتزم ذلك صار به الصيد كالأمانة في يده فأشبه المودع إذا دل سارقا على سرقة الوديعة ولو استعار محرم من محرم سكينا ليذبح به صيدا فأعاره إياه فذبح به الصيد فلا جزاء على صاحب السكين كذا ذكر محمد في الأصل من المشايخ من فصل في ذلك تفصيلا فقال إن كان المستعير يتوصل إلى قتل الصيد بغيره لا يضمن وإن كان لا يتوصل إليه إلا بذلك السكين يضمن المعير لأنه يصير كالدال ونظير هذا ما قالوا لو أن محرما رأى صيدا وله قوس أو سلاح يقتل به ولم يعرف أن ذلك في أي موضع فدله محرم على سكينته أو على قوسه فأخذه فقتله به أنه إن كان يجد غير ما دله عليه مما يقتله به لا يضمن الدال وإن لم يجد غيره يضمن ولا يحل للمحرم أكل ما ذبحه من الصيد ولا لغيره من المحرم والحلال وهو بمنزلة الميتة لأنه بالإحرام خرج من أن يكون أهلا للذكاة فلا تتصور منه الذكاة كالمجوسي إذا ذبح وكذا الصيد خرج من أن يكون محلا للذبح في حقه لقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما والتحريم المضاف إلى الأعيان يوجب خروجها عن محلية التصرف شرعا كتحريم الميتة وتحريم الأمهات والتصرف الصادر من غير الأهل وفي غير محله يكون ملحقا بالعدم فإن أكل المحرم الذابح منه فعليه الجزاء وهو قيمته في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله تعالى ليس عليه إلا التوبة والاستغفار ولا خلاف في أنه لو أكله غيره لا يلزمه إلا التوبة والاستغفار وجه قولهم أنه أكل ميتة فلا يلزمنه إلا التوبة والاستغفار كما لو أكله غيره ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه تناول محظور إحرامه فيلزمه الجزاء وبيان ذلك أن كونه ميتة لعدم الأهلية والمحلية وعدم الأهلية والمحلية بسبب الإحرام فكانت الحرمة بهذه الواسطة مضافة إلى الإحرام فإذا أكله فقد ارتكب محظور إحرامه فيلزمه الجزاء بخلاف ما إذا أكله محرم آخر أنه لا يجب عليه جزاء ما أكل لأن ما أكله ليس محظور إحرامه بل محظور إحرام غيره وكما لا يحل له لا يحل لغيره محرما كان أو حلالا عندنا وقال الشافعي يحل لغيره أكله وجه قوله أن الحرمة لمكان أنه صيد لقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وهو صيده لا صيد غيره فيحرم عليه لا على غيره

Sección V02/P203–V02/P204

ولنا أن حرمته لكونه ميتة لعدم أهلية الذكاة ومحليتها فيحرم عليه وعلى غيره كذبيحة المجوسي هذا إذا أدى الجزاء ثم أكل فأما إذا أكل قبل أداء الجزاء فقد ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن عليه جزاء واحدا ويدخل ضمان ما أكل في الجزاء وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أنه لا رواية في هذه المسألة فيجوز أن يقال يلزمه جزاء آخر ويجوز أن يقال يتداخلان وسواء تولى صيده بنفسه أو بغيره من المحرمين بأمره أو رمى صيدا فقتله أو أرسل كلبه أو بازيه المعلم أنه لا يحل له لأن صيد غيره بأمره صيده معنى وكذا صيد البازي والكلب والسهم لأن فعل الاصطياد منه وإنما ذلك آلة الاصطياد والفعل لمستعمل الآلة لا للآلة ويحل للمحرم أكل صيد اصطاده الحلال لنفسه عند عامة العلماء وقال داود بن علي الأصفهاني لا يحل والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم روى عن طلحة وعبيد الله وقتادة وجابر وعثمان في رواية أنه يحل وعن علي وابن عباس وعثمان في رواية أنه لا يحل واحتج هؤلاء بقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما أخبر أن صيد البر محرم على المحرم مطلقا من غير فصل بين أن يكون صيد المحرم أو الحلال وهكذا قال ابن عباس أن الآية مبهمة لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأكله وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الصعب بن جثامة أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش وهو بالأبواء أو بودان فرده فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه كراهة فقال ليس بنا رد عليك ولكنا حرم وفي رواية قال لولا أنا حرم لقبلناه منك وعن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم عن لحم الصيد مطلقا ولنا ما روي عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه كان حلالا وأصحابه محرمون فشد على حمار وحش فقتله فأكل منه بعض أصحابه وأبى البعض فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي طعمة أطعمكموها الله هل معكم من لحمه شيء وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد ( ( ( يصد ) ) ) لكم وهذا نص في الباب ولا حجة لهم في الآية لأن فيها تحريم صيد البر لا تحريم لحم الصيد وهذا لحم الصيد وليس بصيد حقيقة لانعدام معنى الصيد وهو الامتناع والتوحش على أن الصيد في الحقيقة مصدر وإنما يطلق على المصيد مجازا وأما حديث الصعب بن جثامة فقد اختلفت الروايات فيه عن ابن عباس رضي الله عنه روي في بعضها أنه أهدى إليه حمارا وحشيا كذا روى مالك وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس فلا يكون حجة وحديث زيد بن أرقم محمول على صيد صاده بنفسه أو غيره بأمره أو بإعانته أو بدلالته أو بإشارته عملا بالدلائل كلها وسواء صاده الحلال لنفسه أو للمحرم بعد أن لا يكون بأمره عندنا وقال الشافعي إذا صاده له لا يحل له أكله واحتج بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ولا حجة له فيه لأنه لا يصير مصيدا له إلا بأمره وبه نقول والله أعلم

Sección V02/P204–V02/P205

وأما حكم الصيد إذا جرحه المحرم فإن جرحه جرحا يخرجه عن حد الصيد وهو الممتنع المتوحش بأن قطع رجل رجل ظبي أو جناح طائر فعليه الجزاء لأنه أتلفه حيث أخرجه عن حد الصيد فيضمن قيمته وإن جرحه جرحا لم يخرجه عن حد الصيد يضمن ما نقصته الجراحة لوجود إتلاف ذلك القدر من الصيد فإن اندملت الجراحة وبريء الصيد لا يسقط الجزاء لأن الجزاء يجب بإتلاف جزء من الصيد وبالاندمال لا يتبين أن الإتلاف لم يكن بخلاف ما إذا جرح آدميا فاندملت جراحته ولم يبق لها أثر أنه لا ضمان عليه لأن الضمان هناك إنما يجب لأجل الشين وقد ارتفع فإن رمى صيدا فجرحه فكفر عنه ثم رآه بعد ذلك فقتله فعليه كفارة أخرى لأنه لما كفر الجراحة ارتفع حكمها وجعلت كأن لم تكن وقتله الآن ابتداء فيجب عليه الضمان لكن ضمان صيد مجروح لأن تلك الجراحة قد أخرج ضمانها مرة فلا تجب مرة أخرى فإن جرحه ولم يكفر ثم رآه بعد ذلك فقتله فعليه الكفارة وليس عليه في الجراحة شيء لأنه لما قتله قبل أن يكفر عن الجراحة صار كأنه قتله دفعة واحدة وذكر الحاكم في مختصره إلا ما نقصته الجراحة الأولى أي يلزمه ضمان صيد مجروح لأن ذلك النقصان قد وجب عليه ضمانه مرة فلا يجب مرة أخرى ولو جرح صيدا فكفر عنه قبل أن يموت ثم مات أجزأته الكفارة التي أداها لأنه إن أدى الكفارة قبل وجوبها لكن بعد وجود سبب الوجوب وأنه جائز كما لو جرح إنسانا خطأ فكفر عنه ثم مات المجروح أنه يجوز لما قلنا كذا هذا وإن نتف ريش صيد أو قلع سن ظبي فنبت وعاد إلى ما كان أو ضرب على عين ظبي فابيضت ثم ارتفع بياضها قال أبو حنيفة في سن الظبي أنه لا شيء عليه إذا نبت ولم يحك عنه في غيره شيء وقال أبو يوسف عليه صدقة وجه قوله إن وجوب الجزاء بالجناية على الإحرام وبالنبات والعود إلى ما كان لا يتبين إن الجناية لم تكن فلا يسقط الجزاء ولأبي حنيفة أن وجوب الجزاء لمكان النقصان وقد زال فيزول الضمان كما لو قلع سن طبي ( ( ( ظبي ) ) ) لم يثغر وأما حكم أخذ الصيد فالمحرم إذا أخذ الصيد يجب عليه إرساله سواء كان في يده أو في قفص معه أو في بيته لأن الصيد استحق الأمن بإحرامه وقد فوت عليه الأمن بالأخذ فيجب عليه إعادته إلى حالة الأمن وذلك بالإرسال فإن أرسله محرم من يده فلا شيء على المرسل لأن الصائد ما ملك الصيد فلم يصر بالإرسال متلفا ملكه وإنما وجب عليه الإرسال ليعود إلى حالة الأمن فإذا أرسل فقد فعل ما وجب عليه وإن قتله فعلى كل واحد منهما جزاء أما القاتل فلأنه محرم قتل صيدا وأما الآخذ فلأنه فوت الأمن على الصيد بالأخذ وأنه سبب لوجوب الضمان إلا أنه يسقط بالإرسال فإذا تعذر الإرسال لم يسقط وللآخذ أن يرجع بما ضمن على القاتل عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا يرجع وجه قوله أن المحرم لم يملك الصيد بالأخذ فكيف يملك بدله عند الإتلاف ولنا أن الملك له وإن لم يثبت فقد وجد سبب الثبوت في حقه وهو الأخذ قال النبي صلى الله عليه وسلم الصيد لمن أخذه إلا أنه تعذر جعله سببا لملك غير الصيد فيجعل سببا لملك بدله فيملك بدله عند الإتلاف ويجعل كأن الأصل كان ملكه كمن غصب مدبرا فجاء إنسان وقتله في يد الغاصب أو غصبه من يده فضمن المالك الغاصب فإن للغاصب أن يرجع بالضمان على الغاصب والقاتل وكذا هذا في غصب أم الولد وإن لم يملك المدبر وأم الولد لما قلنا كذا هذا