Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Sección V02/P238–V02/P239

وكذلك ان كان الولي مسلما والمولى عليه كافرا فلا ولاية له عليه لأن المسلم لا يرث الكافر كما أن الكافر لا يرث المسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن إلا أن ولد المرتد إذا كان مؤمنا صار مخصوصا عن النص وأما اسلام الولى فليس بشرط لثبوت الولاية في الجملة فيلي الكافر على الكافر لأن الكفر لا يقدح في الشفقة الباعثة عن تحصيل النظر في حق المولى عليه ولا في الوراثة فإن الكافر يرث الكافر ولهذا كان من أهل الولاية على نفسه فكذا على غيره وقال الله عز وجل والذين ( ( ( الذين ) ) ) كفروا بعضهم أولياء بعض وكذا العدالة ليست بشرط لثبوت الولاية عند أصحابنا وللفاسق أن يزوج ابنه وابنته الصغيرين وعند الشافعي شرط وليس للفاسق ولاية التزويج واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بولي مرشد والمرشد بمعنى الرشيد كالمصلح بمعنى الصالح والفاسق ليس برشيد ولأن الولاية من باب الكرامة والفسق سبب الإهانة ولهذا لم أقبل شهادته ولنا عموم قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم وقوله صلى الله عليه وسلم زوجوا بناتكم الأكفاء من غير فصل ولنا إجماع الأمة أيضا فإن الناس عن آخرهم عامهم وخاصهم من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا يزوجون بناتهم من غير نكير من أحد خصوصا الأعراب والأكراد والأتراك ولأن هذه ولاية نظر والفسق لا يقدح في القدرة على تحصيل النظر ولا في الداعي إليه وهو الشفقة وكذا لا يقدح في الوراثة فلا يقدح في الولاية كالعدل ولأن الفاسق من أهل الولاية على نفسه فيكون من أهل الولاية على غيره كالعدل ولهذا قبلنا شهادته ولأنه من أهل أحد نوعي الولاية وهو ولاية الملك حتى يزوج أمته فيكون من أهل النوع الآخر وأما الحديث فقد قيل إنه لم يثبت بدون هذه الزيادة فكيف يثبت مع الزيادة ولو ثبت فنقول بموجبه والفاسق مرشد لأنه يرشد غيره لوجود آلة الإرشاد وهو العقل فكان هذا نفي الولاية للمجنون وبه نقول إن المجنون لا يصلح وليا والمحدود في القذف إذا تاب فله ولاية الإنكاح بلا خلاف لأنه إذا تاب فقد صار عدلا وإن لم يثبت فهو على الاختلاف لأنه فاسق والله الموفق وأما كون المولى من العصبات فهل هو شرط ثبوت الولاية أم لا فنقول وبالله التوفيق جملة الكلام فيه أنه لا خلاف في أن للأب والجد ولاية الإنكاح إلا شيء يحكى عن عثمان البتي وابن شبرمة أنهما قالا ليس لهما ولاية التزويج وجه قولهما إن حكم النكاح إذا ثبت لا يقتصر على حال الصغر بل يدوم ويبقى إلى ما بعد البلوغ إلى أن يوجد ما يبطله وفي هذا ثبوت الولاية على البالغة ولأنه استبد أو كأنه أنشأ الإنكاح بعد البلوغ وهذا لا يجوز ولنا قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والايم اسم لأنثى من بنات آدم عليه الصلام والسلام كبيرة كانت أو صغيرة لا زوج لها وكلمة ( من ) إن كانت للتبعيض يكون هذا خطابا للآباء وإن كانت للتجنيس يكون خطابا لجنس المؤمنين وعموم الخطاب يتناول الأب والجد وأنكح الصديق رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج علي ابنته أم كلثوم وهي صغيرة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وزوج عبد الله بن عمر ابنته وهي صغيرة عروة بن الزبير رضي الله عنهم وبه تبين أن قولهما خرج مخالفا لإجماع الصحابة وكان مردودا وأما قولهما أن حكم النكاح بقي بعد البلوغ فنعم ولكن بالإنكاح السابق لا بإنكاح مبتدأ بعد البلوغ وهذا جائز كما في البيع فإن لهما ولاية بيع مال الصغير وإن كان حكم البيع وهو الملك يبقى بعد البلوغ لما قلنا كذا هذا وللأب قبض صداق ابنته البكر صغيرة كانت أو بالغه ويبرأ الزوج بقبضه أما الصغيرة فلا شك فيه لأن له ولاية التصرف في مالها

Sección V02/P239–V02/P240

وأما البالغة فلأنها تستحي من المطالبة به بنفسها كما تستحي عن التكلم بالنكاح فجعل سكوتها رضا بقبض الأب كما جعل رضا بالنكاح ولأن الظاهر أنها ترضى بقبض الأب لأنه يقبض مهرها فيضم إليه أمثاله فيجهزها به هذا هو الظاهر فكان مأذونا بالقبض من جهتها دلالة حتى لو نهته عن القبض لا يتملك القبض ولا يبرأ الزوج وكذا الجد يقوم مقامه عند عدمه وإن كانت ابنته عاقلة وهي ثيب فالقبض إليها لا إلى الأب ويبرأ الزوج بدفعه إليها ولا يبرأ بالدفع إلى الأب وما سوى الأب والجد من الأولياء ليس لهم ولاية القبض سواء كانت صغيرة أو كبيرة إلا إذا كان الولي وهو الوصي فله حق القبض إذا كانت صغيرة كما يقبض سائر ديونها وليس للوصي حق القبض إلا إذا كانت صغيرة وإذا ضمن الولي المهر صح ضمانه لأن حقوق العقد لا تتعلق به فصار كالأجنبي بخلاف الوكيل بالبيع إذا ضمن عن المشتري الثمن وللمرأة الخيار في مطالبة زوجها أو وليها لوجود ثبوت سبب حق المطالبة من كل واحد منهما وهو العقد من الزوج والضمان من الولي ولا خلاف بين أصحابنا في أن لغير الأب والجد من العصبات ولاية الانكاح والأقرب فالأفرب ( ( ( فالأقرب ) ) ) على ترتيب العصبات في الميراث واختلفوا في غير العصبات قال أبو يوسف ومحمد لا يجوز إنكاحه حتى لو لم يتوارثا بذلك النكاح ويقف على إجازة العصبة وعن أبي حنيفة فيه روايتان وهذا يرجع إلى ما ذكرنا أن عصوبة الولي هل هي شرط لثبوت الولاية مع اتفاقهم على أنها شرط التقديم فعندهما هي شرط ثبوت أصل الولاية وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة فإنه روي عنه أنه قال لا يزوج الصغيرة إلا العصبة وروى أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة أنها ليست بشرط لثبوت أصل الولاية وإنما هي شرط التقدم على قرابة الرحم حتى أنه إذا كان هناك عصبة لا تثبت لغير العصبة ولاية الإنكاح وإن لم يكن ثمة عصبة فلغير العصبة من القرابات من الرجال والنساء نحو الأم والأخت والخالة ولاية التزويج الأقرب فالأقرب إذا كان المزوج ممن يرث المزوج وهو الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وجه قولهما ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال النكاح إلى العصبات فوض كل نكاح إلى كل عصبة لأنه قابل الجنس بالجنس أو بالجمع فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ولأن الأصل في الولاية هم العصبات فإن كان الرأي وتدبير القبيلة وصيانتها عما يوجب العار والشين إليهم فكانوا هم الذين يحرزون عن ذلك بالنظر والتأمل في أمر النكاح فكانوا هم المحقين بالولاية ولهذا كانت قرابة التعصيب مقدمة على قرابة الرحم بالإجماع ولأبي حنيفة عموم قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من غير فصل بين العصبات وغيرهم فتثبت ولاية الإنكاح على العموم إلا من خص بدليل لأن سبب ثبوت الولاية هو مطلق القرابة وذاتها لما بينا أن القرابة حاملة على الشفقة في حق القريب داعية إليها وقد وجد ههنا فوجد السبب ووجد شرط الثبوت أيضا وهو عجز المولى عليه عن المباشرة بنفسه وإنما العصوبة وقرب القرابة شرط التقدم لا شرط ثبوت أصل الولاية فلا جرم العصبة تتقدم على ذي الرحم والأقرب من غير العصبة يتقدم على الأبعد ولأن ولاية الإنكاح مرتبة على استحقاق الميراث لاتحاد سبب ثبوتها وهو القرابة فكل من استحق من الميراث استحق الولاية ألا ترى أن الأب إذا كان عبدا لا ولاية له لأن العبد لا يرث أحدا وكذا إذا كان كافرا والمولى عليه مسلم لا ولاية له لأنه لا يرثه وكذا إذا كان مسلما والمولى عليه كافر لا ولاية له لأنه لا ميراث له منه فثبت أن الولاية تدور مع استحقاق الميراث فثبت لكل قريب يرث يزوج ولا يلزم على هذه القاعدة المولى أنه يزوج ولا يرث وكذا الإمام يزوج ولا يرث لأن هذا عكس العلة لأن طرد ما قلنا أن كل من يرث يزوج

Sección V02/P240–V02/P241

وهذا مطرد على أصل أبي حنيفة عكسه ( ( ( وعكسه ) ) ) أن كل من لا يرث لا يزوج والشرط في العلل الشرعية الإطراد دون الانعكاس لجواز إثبات الحكم الشرعي بعلل ثم نقول ما قلناه منعكس أيضا ألا ترى أن للمولى الولاء في مملوكه وهو نوع إرث وأما الإمام فهو نائب عن جماعة المسلمين وهم يرثون من لا ولي له من جهة الملك والقرابة والولاء ألا ترى أن ميراثه لبيت المال وبيت المال ما لهم فكانت الولاية في الحقيقة لهم وإنما الإمام نائب عنهم فيتزوجون ويرثون أيضا فاطرد هذا الأصل وانعكس بحمد الله تعالى وأما قول علي رضي الله عنه النكاح إلى العصبات فالمراد منه حال وجود العصبة لاستحالة تفويض النكاح إلى العصبة ولا عصبة ونحن به نقول إن النكاح إلى العصبات حال وجود العصبة ولا كلام فيه والله أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المولى عليه فنقول الولاية بالنسبة إلى المولى عليه نوعان ولاية حتم وإيجاب وولاية ندب واستحباب وهذا على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف الأول وأما على أصل محمد فهي نوعان أيضا ولاية استبداد وولاية شركة وهي قول أبي يوسف الآخر وكذا نقول الشافعي إلا أن بينهما اختلاف في كيفية الشركة على ما نذكر إن شاء الله وأما ولاية الحتم والإيجاب والاستبداد فشرط ثبوتها على أصل أصحابنا كون المولى عليه صغيرا أو صغيرة أو مجنونا كبيرا أو مجنونة كبيرة سواء كانت الصغيرة بكرا أو ثيبا فلا تثبت هذه الولاية على البالغ العاقل ولا على العاقلة البالغة وعلى أصل الشافعي شرط ثبوت ولاية الاستبداد في الغلام هو الصغر وفي الجارية البكارة سواء كانت صغيرة أو بالغة فلا تثبت هذه الولاية عنده على الثيب سواء كانت بالغة أو صغيرة والأصل أن هذه الولاية على أصل أصحابنا تدور مع الصغر وجودا وعدما في الصغير والصغيرة وعنده في الصغير كذلك أما في الصغيرة فإنها تدور مع البكارة وجودا وعدما وفي الكبير والكبيرة تدور مع الجنون وجودا وعدما سواء كان الجنون أصليا بأن بلغ مجنونا أو عارضا بأن طرأ بعد البلوغ عندنا وقال زفر إذا طرأ الجنون لم يجز للمولي التزويج وعلى هذا يبتني أن الأب والجد لا يملكان إنكاح البكر البالغة بغير رضاها عندنا وقال الشافعي يملكانه ولا خلاف في أنهما لا يملكان إنكاح الثيب البالغة بغير رضاها وجه قوله أن البكر وإن كان عاقلة بالغة فلا تعلم بمصالح النكاح لأن العلم بها يقف على التجربة والممارسة وذلك بالثيابة ولم توجد فالتحقت بالبكر الصغيرة فبقيت ولاية الاستبداد عليها ولهذا ملك الأب قبض صداقها من غير رضاها بخلاف الثيب البالغة لأنها علمت بمصالح النكاح وبالممارسة ومصاحبة الرجال فانقطعت ولاية الاستبداد عنها ولنا أن الثيب البالغة لا تزوج إلا برضاها فكذا البكر البالغة والجامع بينهما وجهان أحدهما طريق أبي حنيفة وأبي يوسف الأول والثاني طريق محمد وأبي يوسف الآخر أما طريق أبي حنيفة فهو أن ولاية الحتم والإيجاب في حالة الصغر إنما تثبت بطريق النيابة عن الصغيرة لعجزها عن التصرف على وجه النظر والمصلحة بنفسها وبالبلوغ والعقل زال العجز وثبتت القدرة حقيقة ولهذا صارت من أهل الخطاب في أحكام الشرع إلا أنها مع قدرتها حقيقة عاجزة عن مباشرة النكاح عجز ندب واستحباب لأنها تحتاج إلى الخروج إلى محافل الرجال والمرأة مخدرة مستورة والخروج إلى محفل الرجال من النساء عيب في العادة فكان عجزها عجز ندب واستحباب لا حقيقة فثبتت الولاية عليها على حسب العجز وهي ولاية ندب واستحباب لا ولاية حتم وإيجاب إثباتا للحكم على قدر العلة

Sección V02/P241–V02/P242

وأما طريق محمد فهو أن الثابت بعد البلوغ ولاية الشركة لا ولاية الاستبداد فلا بد من الرضا كما في الثيب البالغة على ما نذكره إن شاء الله تعالى في مسألة النكاح بغير ولي وإنما ملك الأب قبض صداقها لوجود الرضا بذلك منها دلالة لأن العادة أن الأب يضم إلى الصداق من خالص ماله ويجهز بنته البكر حتى لو نهته عن القبض لا يملك بخلاف الثيب فإن العادة ما جرت بتكرار الجهاز وإذا كان الرضا في نكاح البالغة شرط الجواز فإذا زوجت بغير إذنها توقف التزويج على رضاها فإن رضيت جاز وإن ردت بطل ثم إن كانت ثيبا فرضاها يعرف بالقول تارة وبالفعل أخرى أما القول فهو التنصيص على الرضا وما يجري مجراه نحو أن تقول رضيت أو أجزت ونحو ذلك والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم الثيب تشاور وقوله صلى الله عليه وسلم الثيب يعرب عنها لسانها وقوله صلى الله عليه وسلم تستأمر النساء في أبضاعهن وقوله صلى الله عليه وسلم لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر والمراد منه البالغة وأما الفعل فنحو التمكين من نفسها والمطالبة بالمهر والنفقة ونحو ذلك لأن ذلك دليل الرضا والرضا يثبت بالنص مرة وبالدليل أخرى والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبريرة إن وطئك زوجك فلا خيار لك وإن كانت بكرا فإن رضاها يعرف بهذين الطريقين وبثالث وهو السكوت وهذا استحسان والقياس أن لا يكون سكوتها رضا وجه القياس أن السكوت يحتمل الرضا ويحتمل السخط فلا يصلح دليل الرضا مع الشك والاحتمال ولهذا لم يجعل دليلا إذا كان المزوج أجنبيا أو وليا غيره أولى منه ولنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال تستأمر النساء في أبضاعهن فقالت عائشة رضي الله عنها أن البكر تستحي يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم إذنها صماتها وروى سكوتها رضاها وروى سكوتها إقرارها وكل ذلك نص في الباب وروي البكر تستأمر في نفسها فإن سكتت فقد رضيت وهذا أيضا نص ولأن البكر تستحي عن النطق بالإذن في النكاح لما فيه من إظهار رغبتها في الرجال فتنسب إلى الوقاحة فلو لم يجعل سكوتها إذنا ورضا بالنكاح دلالة وشرط استنطاقها وإنها لا تنطق عادة لفاتت عليها مصالح النكاح مع حاجتها إلى ذلك وهذ لا يجوز وقوله السكوت يحتمل مسلم لكن ترجح جانب الرضا على جانب السخط لأنها لو لم تكن راضية لردت لأنها إن كانت تستحي عن الأذن فلا تستحي عن الرد فلما سكتت ولم ترد دل أنها راضية بخلاف ما إذا زوجها أجنبي أو ولي غيره أولى منه لأن هناك ازداد احتمال السخط لأنها يحتمل أنها سكتت عن جوابه مع أنها قادرة على الرد تحقيرا له وعدم المبالاة بكلامه وهذا أمر معلوم بالعادة فبطل رجحان دليل الرضا ولأنها إنما تستحي من الأولياء لا من الأجانب والأبعد عند قيام الأقرب وحضوره أجنبي فكانت في حق الأجانب كالثيب فلا بد من فعل أو قول يدل عليه ولأن المزوج إذا كان أجنبيا وإذا كان الولي الأبعد كان جواز النكاح من طريق الوكالة لا من طريق الولاية لانعدامها والوكالة لا تثبت إلا بالقول وإذا كان وليا فالجواز بطريق الولاية فلا يفتقر إلى القول ولو بلغها النكاح فضحكت كان إجازة لأن الإنسان إنما يضحك مما يسره فكان دليل الرضا ولو بكت روى عن أبي يوسف أنه يكون إجازة وروي عنه رواية أخرى أنه لا يكون إجازة بل يكون زدا ( ( ( ردا ) ) ) وهو قول محمد وجه الرواية الأولى أن البكاء قد يكون للحزن وقد يكون لشدة الفرح فلا يجعل ردا ولا إجازة للتعارض فصار كأنها سكتت فكان رضا

Sección V02/P242–V02/P243

وجه الرواية الأخرى وهو قول محمد أن البكاء لا يكون إلا من حزن عادة فكان دليل السخط والكراهة لا دليل الإذن والإجازة ولو زوجها وليان كل منهما رجلا فبلغها ذلك فإن أجازت أحد العقدين جاز الذي أجازته وبطل الآخر وإن أجازتهما بطلا لأن الإجازة منها بمنزلة الإنشاء كأنها تزوجت بزوجين وذلك باطل كذا هذا وإن سكتت روى عن محمد أن ذلك لا يكون ردا ولا إجازة حتى تجيز أحدهما بالقول أو بفعل يدل على الإجازة وروي عنه رواية أخرى أنها إذا سكتت بطل العقدان جميعا وجه هذه الرواية أن السكوت من البكر كالإجازة فكأنها أجازت العقدين جميعا وجه الرواية الأخرى أن هذا السكوت لا يمكن أن يجعل إجازة لأنه لو جعل إجازة فإما أن يجعل إجازة للعقدين جميعا وإما أن يجعل إجازة لأحدهما لا سبيل إلى الأول لأن إنشاء العقدين جميعا ممتنع فامتنعت إجازتهما ولا سبيل إلى الثاني لأنه ليس أحد العقدين بأولى بالإجازة من الآخر فالتحق السكوت بالعدم ووقف الأمر على الإجازة بقول أو بفعل يدل على الإجازة لأحدهما وكذلك إذا استؤمرت البكر فسكتت في الإبتداء فهو إذن إذا كان المستأذن وليا لما ذكرنا ولما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا خطب إحدى بناته دنا من خدرها وقال إن فلانا يذكر فلانة ثم يزوجها فدل أن السكوت عند استئمار الولي إذن دلالة وقالوا في الولي إذا قال للبكر إني أريد أن أزوجك فلانا فقالت غيره أولى منه لم يكن ذلك إذنا ولو زوجها ثم أخبرها فقالت قد كان غيره أولى منه كان إجازة لأن قولها في الفصل الأول إظهار عدم الرضا بالتزويج من فلان وقولها في الفصل الثاني قبول أو سكوت عن الرد وسكوت البكر عن الرد يكون رضا ولو قال الولي أريد أن أزوجك من رجل ولم يسمه فسكتت لم يكن رضا كذا روي عن محمد لأن الرضا بالشيء بدون العلم به لا يتحقق ولو قال أزوجك فلانا أو فلانا حتى عد جماعة فسكتت فمن أيهم زوجها جاز ولو سمى لها الجماعة مجملا بأن قال أريد أن أزوجك من جيراني أو من بني عمي فسكتت فإن كانوا يحصون فهو رضا وإن كانوا لا يحصون لم يكن رضا لأنهم إذا كانوا يحصون يعلمون فيتعلق الرضا بهم وإذا لم يحصوا لم يعلموا فلا يتصور الرضا لأن الرضا بغير المعلوم محال والله تعالى الموفق وذكر في الفتاوى أن الولي إذا سمى الزوج ولم يسم المهر أنه كم هو فسكتت فسكوتها لا يكون رضا لأن تمام الرضا لا يثبت إلا بذكر الزوج والمهر ثم الإجازة من طريق الدلالة لا تثبت إلا بعد العلم بالنكاح لأن الرضا بالنكاح قبل العلم به لا يتصور وإذا زوج الثيب البالغة ولي فقالت لم أرض ولم آذن وقال الزوج قد أذنت فالقول قول المرأة لأن الزوج يدعي عليها حدوث أمر لم يكن وهو الإذن والرضا وهي تنكر فكان القول قولها وأما البكر إذا تزوجت فقال الزوج بلغك العقد فسكتت ( ( ( فسكت ) ) ) فقالت رددت فالقول قولها عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر القول قول الزوج وجه قوله إن المرأة تدعى أمرا حادثا وهو الرد والزوج ينكر القول فكان القول قول المنكر ولنا أن المرأة وإن كانت مدعية ظاهرا فهي منكرة في الحقيقة لأن الزوج يدعي عليها جواز العقد بالسكوت وهي تنكر فكان القول قولها كالمودع إذا قال رددت الوديعة كان القول قوله وإن كان مدعيا لرد ظاهر لكونه منكرا للضمان حقيقة كذا هذا ثم في هذين الفصلين لا يمين عليها في قول أبي حنيفة وفي قولهما عليها اليمين وهو الخلاف المعروف أن الاستحسان المعروف لا يجري في الأشياء الستة عنده وعندهما يجري والمسألة تذكر إن شاء الله تعالى في كتاب الدعوى

Sección V02/P243

ثم إذا اختلف الحكم في البكر البالغة والثيب البالغة في الجملة حتى جعل السكوت رضا من البكر دون الثيب وللأب ولاية قبض صداق البكر بغير إذنها إلا إذا نهته نصا وليس له ولاية قبض مهر الثيب إلا بإذنها فلا بد من معرفة البكارة والثيابة في الحكم لا في الحقيقة لأن حقيقة البكارة بقاء العذرة وحقيقة الثيابة زوال العذرة وأما الحكم غير مبني على ذلك بالإجماع فنقول لا خلاف في أن كل من زالت عذرتها بوثبة أو طفرة أو حيضة أو طول التعنيس أنها في حكم الأبكار تزوج كما تزوج الأبكار ولا خلاف أيضا أن من زالت عذرتها بوطء يتعلق به ثبوت النسب وهو الوطء بعقد جائز أو فاسد أو شبهة عقد وجب لها مهر بذلك الوطء أنها تزوج كما تزوج الثيب وأما إذا زالت عذرتها بالزنا فإنها تزوج كما تزوج الأبكار في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي تزوج كما تزوج الثيب واحتجوا ( ( ( احتجوا ) ) ) بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال البكر تستأمر في نفسها والثيب تشاور وقال صلى الله عليه وسلم والثيب يعرب عنها لسانها وهذه ثيب حقيقة لأن الثيب حقيقة من زالت عذرتها وهذه كذلك فيجري عليها أحكام الثيب ومن أحكامها أنه لا يجوز نكاحها بغير إذنها نصا فلا يكتفي بسكوتها ولأبي حنيفة أن علة وضع النطق شرعا وإقامة السكوت مقامه في البكر هو الحياء وقد وجد ودلالة أن العلة ما قلنا إشارة النص والمعقول أما الأول فلما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال تستأمر النساء في أبضاعهن فقالت عائشة لأن ( ( ( رضي ) ) ) البكر تستحي يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم إذنها صماتها فالاستدلال به أن قوله صلى الله عليه وسلم إذنها صماتها خرج جوابا لقول عائشة رضي الله عنها أن البكر تستحي أي عن الإذن بالنكاح نطقا والجواب بمقتضى إعادة السؤال لأن الجواب لا يتم بدون السؤال كأنه قال صلى الله عليه وسلم إذا كانت البكر تستحي عن الإذن بالنكاح نطقا فإذنها صماتها فهذا إشارة إلى أن الحياء علة وضع النطق وقيام الصمات مقام الإذن علة منصوصة وعلة النص لا تتقيد بمحل النص كالطواف في الهرة ونحو ذلك وأما المعقول فهو أن الحياء في البكر مانع من النطق بصريح الإذن بالنكاح لما فيه من إظهار رغبتها في الرجال لأن النكاح سبب الوطء والناس يستقبحون ذلك منها ويذمونها وينسبونها إلى الوقاحة وذلك مانع لها من النطق بالإذن الصريح وهي محتاجة إلى النكاح فلو شرط استنطاقها وهي لا تنطق عادة لفات عليها النكاح مع حاجتها إليه وهذا لا يجوز والحياء موجود في حق هذه وإن كانت ثيبا حقيقة لأن زوال بكارتها لم تظهر للناس فيستقبحون منها الإذن بالنكاح صريحا ويعدونه من باب الوقاحة ولا يزول ذلك ما لم يوجد النكاح ويشتهر الزنا فحينئذ لا يستقبح الإظهار بالإذن ولا يعد عيبا بل الامتناع عن الإذن عند استئمار الولي يعد رعونة منها لحصول العلم للناس بظهور رغبتها في الرجال وأما الحديث فالمراد منه الثيب التي تعارفها الناس ثيبا لأن مطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف بين الناس ولهذا لم تدخل البكر التي زالت عذرتها بالطفرة والوثبة والحيضة ونحو ذلك في هذا الحديث وإن كانت ثيبا حقيقة والله تعالى أعلم وعلى هذا يخرج إنكاح الأب والجد الثيب ( ( ( والثيب ) ) ) الصغيرة أنه جائز عند أصحابنا وعند الشافعي أنه لا يجوز إنكاحها للحال ويتأخر إلى ما بعد البلوغ فيزوجها الولي بعد البلوغ بإذنها صريحا لا بالسكوت

Sección V02/P243–V02/P244

واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر واليتيمة اسم للصغيرة في اللغة ولأن الثيابة دليل العلم بمصالح النكاح ولأن حدوثها يكون بعد العقل والتمييز عادة وقد حصل لها بالتجربة والممارسة وهذا إن لم يصلح لإثبات الولاية لها يصلح دافعا ولاية الولي عنها للحال والتأخير إلى ما بعد البلوغ بخلاف البكر البالغة لأن البكارة دليل الجهل بمنافع النكاح ومضاره فالتحق عقلها بالعدم على ما مر ولأن النكاح في جانب النساء ضرر قطعا لما نذكر إن شاء الله تعالى فلا مصلحة إلا عند الحاجة إلى قضاء الشهوة لأن مصالح النكاح يقف عليه ولم يوجد في الثيب الصغيرة والجواز في البكر ثبت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما ذكرنا فيما تقدم ولنا قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والأيم اسم لأنثى لا زوج لها كبيرة أو صغيرة فيقتضي ثبوت الولاية عاما إلا من خص بدليل ولأن الولاية كانت ثابتة قبل زوال البكارة لوجود سبب ثبوت الولاية وهو القرابة الكاملة والشفقة الوافرة ووجود شرط الثبوت وهي حاجة الصغيرة إلى النكاح لاستيفاء المصالح بعد البلوغ وعجزها عن ذلك بنفسها وقدرة الولي عليه والعارض ليس إلا الثيابة وأثرها في زيادة الحاجة إلى الإنكاح لأنها مارست الرجال وصحبتهم وللصحبة أثر في الميل إلى من تعاشره معاشرة جميلة فلما ثبتت الولاية على البكر الصغيرة فلأن تبقى على الثيب الصغيرة أولى والمراد من الحديث البالغة لما مر والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة تزوج كما يزوج الصغير والصغيرة عند أصحابنا الثلاثة أصليا كان الجنون أو طارئا بعد البلوغ وقال زفر ليس للولي أن يزوج المجنون جنونا طارئا وجه قوله أن ولاية الولي قد زالت بالبلوغ عن عقل فلا تعود بعد ذلك بطريان الجنون كما لو بلغ مغمى عليه ثم زال الإغماء ولنا أنه وجد سبب ثبوت الولاية وهو القرابة وشرطه وهو عجز المولى عليه وهو حاجته وفي ثبوت الولاء فائدة فتثبت ( ( ( فثبتت ) ) ) ولهذا تثبت ( ( ( ثبتت ) ) ) في الجنون الأصلي كذا في الطارىء وتثبت ولاية التصرف في ماله كذا في نفسه والله أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى نفس التصرف فهو أن يكون التصرف نافعا في حق المولى عليه لا ضارا في حقه فليس للأب والوصي والجد أن يزوج عبد الصغير والصغيرة حرة ولا أمة لغيرهما لأن هذا التصرف ضار في حق المولى عليه لأن المهر والنفقة يتعلقان برقبة العبد من غير أن يحصل للصغير مال في مقابلته والإضرار لا يدخل تحت ولاية الولي كالطلاق والعتاق والتبرعات وكذا كل من يتصرف على غيره بالإذن لا يملك إنكاح العبد كالمكاتب والشريك والمضارب والمأذون لأن إطلاق التصرف لهؤلاء مقيد بالنظر وأما تزويج الأمة حرا أو عبدا لغيرها ( ( ( لغيرهما ) ) ) فيملكه الأب والجد والوصي والمكاتب والمفاوض والقاضي وأمين القاضي لأنه نفع محض لكونه تحصيل مال من غير أن يقابله مال فيملكه هؤلاء ألا ترى أنهم يملكون البيع مع أنه مقابلة المال بالمال فهذا أولى فأما شريك العنان والمضارب والمأذون فلا يملكون تزويج الأمة في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يملكون وجه قول أبي يوسف أن هذا تصرف نافع لأنه تحصيل مال لا يقابله مال فيملكونه كشريك المفاوضة وجه قولهما أن تصرف هؤلاء يختص بالتجارة والنكاح ليس من التجارة بدليل أن المأذونة لا تزوج نفسها ولو كان النكاح تجارة لملكت لأن التجارة معاوضة المال بالمال والنكاح معاوضة البضع بالمال فلم يكن تجارة فلا يدخل تحت ولايتهم بخلاف المفاوض لأن تصرفه مختص بالنفع لا بالتجارة وهذا نافع ولو زوج أمته من عبد ابنه قال أبو يوسف يجوز وقال زفر لا يجوز وجه قول زفر أن تزويج عبده الصغير لم يدخل تحت ولاية الأب فكان الأب فيه كالأجنبي واحتمال الضرر ثابت لجواز أن يبيع الأمة فيتعلق المهر والنفقة برقبة العبد فيتضرر به الصغير فيصير كأنه زوجه أمة الغير

Sección V02/P244–V02/P245

ولنا أن ثبوت الولاية موجود فلا يمتنع الثبوت إلا لمكان الضرر وهذا نفع لا مضرة فيه لأن الأولاد له ولا يتعلق المهر والنفقة برقبة العبد فكان نفعا محضا فيملكه قوله يحتمل أن يبيعه قلنا ويحتمل أن لا يبيعه فلا يجوز تعطيل الولاية المخففة ( ( ( المحققة ) ) ) للحال لأمر يحتمل الوجود والعدم وعلى هذا يخرج ما إذا زوج الأب أو الجد الصغيرة من كفء بدون مهر المثل أو زوج ابنه الصغير امرأة بأكثر من مهر مثلها أنه إن كان ذلك مما يتغابن الناس في مثله لا يجوز بالإجماع وإن كان مما لا يتغابن الناس في مثله يجوز في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد لا يجوز وذكر هشام عنهما أن النكاح باطل ولو زوج ابنته الصغيرة بمهر مثلها من غير كفء فهو على هذا الخلاف ولو فعل غير الأب والجد شيئا مما ذكرنا لا يجوز في قولهم ( ( ( قوليهما ) ) ) جميعا وجه قولهما أن ولاية الإنكاح تثبت نظرا في حق المولى عليه ولا نظر في الحط على مهر المثل في إنكاح الصغيرة ولا في الزيادة على مهر المثل في إنكاح الصغير بل فيه ضرر بهما والإضرار لا يدخل تحت ولاية الولي ولهذا لا يملك غير الأب والجد كذا هذا ولأبي حنيفة ما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه زوج عائشة رضي الله عنها وهي صغيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسمائة درهم وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ومعلوم أن مهر مثلها كان أضعاف ذلك ولأن الأب وافر الشفقة على ولده ينظر له ما لا ينظر لنفسه والظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا لتوفير مقصود من مقاصد النكاح هو أنفع وأجدى من كثير من المال من موافقة الأخلاق وحسن الصحبة والمعاشرة بالمعروف ونحو ذلك من المعاني المقصودة بالنكاح فكان تصرفه والحالة هذه نظرا للصغير والصغيرة لا ضررا بهما بخلاف غير الأب والجد لأن وجه الضرر في تصرفهما ظاهر وليس ثمة دليل يدل على اشتماله على المصلحة الباطنة الخفية التي تزيد على الضرر الظاهر لأن ذلك إنما يعرف بوفور الشفقة ولم يوجد بخلاف ما إذا باع الأب أمة لهما بأقل من قيمتها بما لا يتغابن الناس فيه أنه لا يجوز لأن البيع معاوضة المال بالمال والمقصود من المعاوضات المالية هو الوصول إلى العوض المالي ولم يوجد وبخلاف ما إذا زوج أمتهما بأقل من مهر مثلها أنه لا يجوز لأنه أنفع لهما فيما يحصل للأمة من حظ الزوج وإنما منفعتهما في حصول عوض بضع الأمة لهما وهو مهر المثل ولم يحصل وعلى هذا الخلاف التوكيل بأن وكل رجل رجلا بأن يزوجه امرأة فزوجه امرأة بأكثر من مهر مثلها مقدار ما لا يتغابن الناس في مثله أو وكلت امرأة رجلا بأن يزوجها من رجل فزوجها من رجل بدون صداق مثلها أو من غير كفء فهو على اختلاف الوكيل بالبيع المطلق ونذكر المسألة إن شاء الله تعالى في كتاب الوكالة وعلى هذا الوكيل بالتزويج من جانب الرجل أو المرأة إذا زوج الموكل من لا تقبل شهادة الوكيل له فهو على الاختلاف في البيع ونذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى في كتاب الوكالة وعلى هذا الخلاف الوكيل من جانب الرجل بالتزويج إذا زوجه أمة لغيره أنه يجوز عند أبي حنيفة لإطلاق اللفظ ولسقوط اعتبار الكفاءة من جانب النساء وعندهما لا يجوز لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف وتعتبر الكفاءة من جانبين عندهما في مثل هذا الموضع لمكان العرف استحسانا على ما نذكر إن شاء الله تعالى في موضعه ولو أقر الأب على ابنته الصغيرة بالنكاح أو على ابنه الصغير لا يصدق في إقراره حتى يشهد شاهدان على نفس النكاح في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يصدق من غير شهود

Sección V02/P245–V02/P246

وصورة المسألة في موضعين أحدهما أن تدعي امرأة نكاح الصغير أو يدعى رجل نكاح الصغيرة والأب ينكر ذلك فيقيم المدعي بينة على إقرار الأب بالنكاح فعند أبي حنيفة لا تقبل هذه الشهادة حتى يشهد شاهدان على نفس العقد وعندهما تقبل ويظهر النكاح والثاني أن يدعي رجل نكاح الصغيرة أو امرأة نكاح الصغير بعد بلوغهما وهما منكران ذلك فأقام المدعي البينة على إقرار الأب بالنكاح في حال الصغر وعلى هذا الخلاف الوكيل بالنكاح إذا أقر على موكله أو على موكلته بالنكاح والمولى إذا أقر على عبده بالنكاح أنه لا يقبل عند أبي حنيفة وعندهما يقبل وأجمعوا على أن المولى إذا أقر على أمته بالنكاح أنه يصدق من غير شهادة وجه قولهما أنه إن أقر بعقد يملك إنشاءه فيصدق فيه من غير شهود كما لو أقر بتزويج أمته ولا شك أنه أقر بعقد يملك إنشاءه لأنه يملك إنشاء النكاح على الصغير والصغيرة والعبد ونحو ذلك وإذا ملك إنشاءه لم يكن متهما في الإقرار فيصدق كالمولى إذا أقر بالفيء في مدة الإيلاء وزوج المعتدة إذا قال في العدة راجعتك لما قلنا كذا هذا ولأبي حنيفة قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بشهود نفى النكاح بغير شهود من غير فصل بين الانعقاد والظهور بل الحمل على الظهور أولى لأن فيه عملا بحقيقة اسم الشاهد إذ هو اسم لفاعل الشهادة وهو المؤدي لها والحاجة إلى الأداء عند الظهور لا عند الانعقاد ولأنه أقر على الغير فيما لا يملكه بعقد لا يتم به وحده وإنما يتم به وبشهادة الآخرين فلا يصدق إلا بمساعدة آخرين قياسا على الوكلاء الثلاثة في النكاح والبيع ودلالة الوصف أنه أقر بالنكاح والإقرار بالنكاح إقرار بمنافع البضع وإنها غير مملوكة ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها لا للأب بخلاف الأمة فإن منافع بضعها مملوكة فكان ذلك إقرارا بما ملك فأبو حنيفة اعتبر ولاية العقد وملك المعقود عليه وهما اعتبرا ولاية العقد فقط والله عز وجل أعلم فصل وأما ولاية الندب والاستحباب فهي الولاية على الحرة البالغة العاقلة بكرا كانت أو ثيبا في قول أبي حنيفة وزفر وقول أبي يوسف الأول وفي قول محمد وأبي يوسف الآخر الولاية عليها ولاية مشتركة وعند الشافعي هي ولاية مشتركة أيضا لا في العبادة ( ( ( العبارة ) ) ) فإنها للمولى خاصة وشرط ثبوت هذه الولاية على أصل أصحابنا هو رضا المولى عليه لا غير وعند الشافعي هذا وعبارة الولي أيضا وعلى هذا يبني الحرة البالغة العاقلة إذا زوجت نفسها من رجل أو وكلت رجلا بالتزويج فتزوجها أو زوجها فضولي فأجازت جاز في قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف الأول سواء زوجت نفسها من كفء أو غير كفء بمهر وافر أو قاصر غير أنها إذا زوجت نفسها من غير كفء فللأولياء حق الاعتراض وكذا إذا زوجت بمهر قاصر عند أبي حنيفة خلافا لهما وستأتي المسألة إن شاء الله في موضعها وفي قول محمد لا يجوز حتى يجيزه الولي والحاكم فلا يحل للزوج وطؤها قبل الإجازة ولو وطئها يكون وطأ حراما ولا يقع عليها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ولو مات أحدهما لم يرثه الآخر سواء زوجت نفسها من كفء أو غير كفء وهو قول أبي يوسف الآخر روى الحسن بن زياد عنه وروى عن أبي يوسف رواية أخرى أنها إذا زوجت نفسها من كفء ينفذ وتثبت سائر الأحكام وروي عن محمد أنه إذا كان للمرأة ولي لا يجوز نكاحها إلا بإذنه وإن لم يكن لها ولي جاز انكاحها على نفسها

Sección V02/P246–V02/P247

وروي عن محمد أنه رجع إلى قول أبي حنيفة وقول الشافعي مثل قول محمد في ظاهر الرواية أنه لا يجوز نكاحها بدون الولي إلا أنهما اختلفا فقال محمد ينعقد النكاح بعبارتها وينفذ بإذن الولي وإجازته وينعقد بعبارة الولي وينفذ بإذنه ( ( ( بإذنها ) ) ) وإجازتها فعند الشافعي لا عبارة للنساء في باب النكاح أصلا حتى لو توكلت امرأة بنكاح امرأة من وليها فتزوجت لم يجز عنده وكذا إذا زوجت بنتها بإذن القاضي لم يجز احتج الشافعي بقوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم هذا خطاب للأولياء والأيم اسم لامرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا ومتى ثبتت الولاية عليها كانت هي موليا عليها ضرورة فلا تكون والية وقوله صلى الله عليه وسلم لا يزوج النساء إلا الأولياء وقوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي لأن النكاح من جانب النساء عقد إضرار بنفسه وحكمه وثمرته أما نفسه فإنه رق وأسر قال النبي صلى الله عليه وسلم النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته وقال عليه الصلاة والسلام اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان أي أسيرات والإرقاق إضرار وأما حكمه فإنه ملك فالزوج يملك التصرف في منافع بضعها استيفاء بالوطء وإسقاطا بالطلاق ويملك حجرها عن الخروج والبروز عن ( ( ( وعن ) ) ) التزوج بزوج وأما ثمرته فالاستفراش كرها وجبرا ولا شك إن هذا إضرار إلا أنه قد ينقلب مصلحة وينجبر ما فيه من الضرر إذا وقع وسيلة إلى المصالح الظاهرة والباطنة ولا يستدرك ذلك إلا بالرأي الكامل ورأيها ناقص لنقصان عقلها فبقي النكاح مضرة فلا تملكه واحتج محمد رحمه الله بما روى عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل والباطل من التصرفات الشرعية ما لا حكم له شرعا كالبيع الباطل ونحوه ولأن للأولياء حقا في النكاح بدليل أن لهم حق الاعتراض والفسخ ومن لا حق له في عقد كيف يملك فسخه والتصرف في حق الإنسان يقف جوازه على جواز صاحب الحق كالأمة إذا زوجت نفسها بغير إذن وليها وجه ما روي عن أبي يوسف أنها إذا زوجت نفسها من كفء ينفذ لأن حق الأولياء في النكاح من حيث صيانتهم عما يوجب لحوق العار والشين بهم بنسبة من لا يكافئهم بالصهرية إليهم وقد بطل هذا المعنى بالتزويج من كفء يحققه أنها لو وجدت كفأ وطلبت من المولى الإنكاح منه لا يحل له الامتناع ولو امتنع يصير عاضلا فصار عقدها والحالة هذه بمنزلة عقده بنفسه وجه ما روي عن محمد من الفرق بين ما إذا كان لها ولي وبين ما إذا لم يكن لها ولي أن وقوف العقد على إذن الولي كان لحق الولي لا لحقها فإذا لم يكن لها ولي فلا حق للولي فكان الحق لها خاصة فإذا عقدت فقد تصرفت في خالص حقها فنفذ وأما إذا زوجت نفسها من كفء وبلغ الولي فامتنع من الإجازة فرفعت أمرها إلى الحاكم فإنه يجيزه في قول أبي يوسف وقال محمد يستأنف العقد وجه قوله أن العقد كان موقوفا على إجازة الولي فإذا امتنع من الإجازة فقد رده فيرتد ويبطل من الأصل فلا بد من الاستئناف وجه قول أبي يوسف أنه بالامتناع صار عاضلا إذ لا يحل له الامتناع من الإجازة إذا زوجت نفسها من كفء فإذا امتنع فقد عضلها فخرج من أن يكون وليا وانقلبت الولاية إلى الحاكم ولأبي حنيفة الكتاب العزيز والسنة والاستدلال أما الكتاب فقوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها فالآية الشريفة نص على انعقاد النكاح بعبارتها وانعقادها بلفظ الهبة فكانت حجة على المخالف في المسألتين وقوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره والاستدلال به من وجهين أحدهما أنه أضاف النكاح إليها فيقتضي تصور النكاح منها

Sección V02/P247–V02/P248

والثاني أنه جعل نكاح المرأة غاية الحرمة فيقتضي انتهاء الحرمة عند نكاحها نفسها وعنده لا تنتهي وقوله عز وجل فلا جناح عليهما أن يتراجعا أي يتناكحا أضاف النكاح إليهما من غير ذكر الولي وقوله عز وجل وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن الآية والاستدلال به من وجهين أحدهما أنه أضاف النكاح إليهن فيدل على جواز النكاح بعبارتهن من غير شرط الولي والثاني أنه نهى الأولياء عن المنع عن نكاحهن أنفسهن من أزواجهن إذا تراضى الزوجان والنهي يقتضي تصوير المنهي عنه وأما السنة فما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس للولي مع الثيب أمر وهذا قطع ولاية الولي عنها وروي عنه أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الأيم أحق بنفسها من وليها والأيم اسم لامرأة لا زوج لها وأما الاستدلال فهو أنها لما بلغت عن عقل وحرية فقد صارت ولية نفسها في النكاح فلا تبقى موليا عليها كالصبي العاقل إذا بلغ والجامع أن ولاية الإنكاح إنما ثبتت للأب على الصغيرة بطريق النيابة عنها شرعا لكون النكاح تصرفا نافعا متضمنا مصلحة الدين والدنيا وحاجتها إليه حالا ومآلا وكونها عاجزة عن إحراز ذلك بنفسها وكون الأب قادرا عليه بالبلوغ ( ( ( وبالبلوغ ) ) ) عن عقل زال العجز حقيقة وقدرت على التصرف في نفسها حقيقة فتزول ولاية الغير عنها وتثبت الولاية لها لأن النيابة الشرعية إنما تثبت بطريق الضرورة نظرا فتزول بزوال الضرورة مع أن الحرية منافية لثبوت الولاية للحر على الحر وثبوت الشيء مع المنافي لا يكون إلا بطريق الضرورة ولهذا المعنى زالت الولاية عن إنكاح الصغير العاقل إذا بلغ وتثبت الولاية له وهذا المعنى موجود في الفرع ولهذا زالت ولاية الأب عن التصرف في مالها وتثبت الولاية لها كذا هذا وإذا صارت ولي نفسها في النكاح لا تبقى موليا عليها بالضرورة لما فيه من الاستحالة وأما الآية فالخطاب للأولياء بالإنكاح ليس يدل على أن الولي شرط جواز الإنكاح بل على وفاق العرف والعادة بين الناس فإن النساء لا يتولين النكاح بأنفسهن عادة لما فيه من الحاجة إلى الخروج إلى محافل الرجال وفيه نسبتهن إلى الوقاحة بل الأولياء هم الذين يتولون ذلك عليهن برضاهن فخرج الخطاب بالأمر بالإنكاح مخرج العرف والعادة على الندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب والدليل عليه ما ذكر سبحانه وتعالى عقيبه وهو قوله تعالى والصالحين من عبادكم وإمائكم ثم لم يكن الصلاح شرط الجواز ونظيره قوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا أو تحمل الآية الكريمة على إنكاح الصغار عملا بالدلائل كلها وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم لا يزوج النساء إلا الأولياء إن ذلك على الندب والاستحباب وكذا قوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي مع ما حكي عن بعض النقلة أن ثلاثة أحاديث لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد من جملتها هذا ولهذا لم يخرج في الصحيحين على أنا نقول بموجب الأحاديث لكن لما قلتم إن هذا إنكاح بغير ولي بل المرأة ولية نفسها لما ذكرنا من الدلائل والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم النكاح عقد ضرر فممنوع بل هو عقد منفعة لاشتماله على مصالح الدين والدنيا من السكن والألف والمودة والتناسل والعفة عن الزنا واستيفاء المرأة بالنفقة إلا أن هذه المصالح لا تحصل إلا بضرب ملك عليها إذ لو لم تكن لا تصير ممنوعة عن الخروج والبروز والتزوج ( ( ( والتزويج ) ) ) بزوج آخر وفي الخروج والبروز فساد السكن لأن قلب الرجل لا يطمئن إليها وفي التزوج بزوج آخر فساد الفراش لأنها إذا جاءت بولد يشتبه النسب ويضيع الولد فالشرع ضرب عليها نوع ملك ضرورة حصول المصالح فكان الملك وسيلة إلى المصالح والوسيلة إلى المصلحة مصلحة وتسمية النكاح رقا بطريق التمثيل لا بطريق التحقيق لانعدام حقيقة الرق

Sección V02/P248–V02/P249

وقوله عقلها ناقص قلنا هذا النوع من النقصان لا يمنع العلم بمصالح النكاح فلا يسلب أهلية النكاح ولهذا لا يسلب أهلية سائر التصرفات من المعاملات والديانات حتى يصح منها التصرف في المال على طريق الاستبداد وإن كانت تجري في التصرفات المالية خيانات خفية لا تدرك إلا بالتأمل ويصح منها الإقرار بالحدود والقصاص ويؤخذ عليها الخطاب بالإيمان وسائر الشرائع فدل أن مالها من العقل كاف والدليل عليه أنه اعتبر عقلها في اختيار الأزواج حتى لو طلبت من الولي أن يزوجها من كفء يفترض عليه التزويج حتى لو امتنع يصير عاضلا وينوب القاضي منابه في التزويج وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقد قيل إن مداره على الزهري فعرض عليه فأنكره وهذا يوجب ضعفا في الثبوت يحقق الضعف أن راوي الحديث عائشة رضي الله عنها ومن مذهبها جواز النكاح بغير ولي والدليل عليه ما روي أنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير وإذا كان مذهبها في هذا الباب هذا فكيف تروي حديثا لا تعمل به ولئن ثبت فنحمله على الأمة لأنه روي في بعض الروايات أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها دل ذكر الموالي على أن المراد من المرأة الأمة فيكون عملا بالدلائل أجمع وأما قول محمد أن للولي حقا في النكاح فنقول الحق في النكاح لها على الولي لا للولي عليها بدليل أنها تزوج على الولي إذا غاب غيبة منقطعة وإذا كان حاضرا يجبر على التزويج إذا أبى وعضل تزوج عليه والمرأة لا تجبر على النكاح إذا أبت وأراد الولي فدل أن الحق لها عليه ومن ترك حق نفسه في عقد له قبل غيره لم يوجب ذلك فساده على أنه إن كان للولي فيه ضرب حق لكن أثره في المنع من اللزوم إذا زوجت نفسها من غير كفء لا في المنع من النفاذ والجواز لأن في حق الأولياء في النكاح من حيث صيانتهم عما يلحقهم من الشين والعار بنسبة عدا الكفء إليهم بالصهرية فإن زوجت نفسها من كفء فقد حصلت الصيانة فزال المانع من اللزوم فيلزم وإن تزوجت من غير كفء ففي النفاذ إن كان ضرر بالأولياء وفي عدم النفاذ ضرر بها بإبطال أهليتها والأصل في الضررين إذا اجتمعا أن يدفعا ما أمكن وههنا أمكن دفعهما بأن نقول بنفاذ النكاح دفعا للضرر عنها وبعد ( ( ( وبعدم ) ) ) اللزوم وثبوت ولاية الاعتراض للأولياء دفعا للضرر عنهم ولهذا نظير في الشريعة فإن العبد المشترك بين اثنين إذا كاتب أحدهما نصيبه فقد دفع الضرر عنه حتى لو أدى بدل الكتابة يعتق ولكنه لم يلزمه حتى كان للشريك الآخر حق فسخ الكتابة قبل أداء البدل دفعا للضرر وكذا العبد إذا أحرم بحجة أو بعمرة صح إحرامه حتى لو أعتق يمضي في إحرامه لكنه لم يلزمه حتى أن للمولى أن يحلله دفعا للضرر عنه وكذا للشفيع حق تملك الدار بالشفعة دفعا للضرر عن نفسه ثم لو وهب المشتري الدار نفذت هبته دفعا للضرر عنه لكنها لا تلزم حتى للشفيع حق قبض الهبة والأخذ بالشفعة دفعا للضرر عن نفسه كذا هذا فصل وأما شرط التقدم فشيئان أحدهما العصوبة عند أبي حنيفة فتقدم العصبة على ذوي الرحم سواء كانت العصبة أقرب أو أبعد وعندهما هي شرط ثبوت أصل الولاية على ما مر

Sección V02/P249

والثاني قرب القرابة يتقدم الأقرب على الأبعد سواء كان في العصبات أو في غيرها على أصل أبي حنيفة وعلى أصلهما هذا شرط التقدم لكن في العصبات خاصة بناء على أن العصبات شرط ثبوت أصل الولاية عندهما وعنده هي شرط التقدم على غيرهم من القرابات فما دام ثمة عصبة فالولاية لهم يتقدم الأقرب منهم على الأبعد وعند عدم العصبات تثبت الولاية لذوي الرحم الأقرب منهم يتقدم على الأبعد وإنما اعتبر الأقرب فالأقرب في الولاية لأن هذه ولاية نظر وتصرف الأقرب انظر في حق المولى عليه لأنه أشفق فكان هو أولى من الأبعد ولأن القرابة إن كانت استحقاقها بالتعصيب كما قالا فالأبعد لا يكون عصبة مع الأقرب فلا يلي معه ولئن كان استحقاقها بالوراثة كما قال أبو حنيفة فالأبعد لا يرث مع الأقرب فلا يكون وليا معه وإذا عرف هذا فنقول إذا اجتمع الأب والجد في الصغير والصغيرة والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة فالأب أولى من الجد أب الأب لوجود العصوبة والقرب والجد أب الأب وإن علا أولى من الأخ لأب وأم والأخ أولى من العم هكذا وعند أبي يوسف ومحمد الجد والأخ سواء كما في الميراث فإن الأخ لا يرث مع الجد عنده فكان بمنزلة الأجنبي وعندهما يشتركان في الميراث فكانا كالآخوين وإن اجتمع الأب والابن في المجنونة فالابن أولى عند أبي يوسف وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي قول أبي حنيفة مع قول أبي يوسف وروى المعلى عن أبي يوسف أنه قال أيهما زوج جاز وإن اجتمعا قلت للأب زوج وقال محمد الأب أولى به وجه قوله أن هذه الولاية تثبت نظرا للمولى عليه وتصرف الأب انظر لها لأنه أشفق عليها من الابن ولهذا كان هو أولى بالتصرف في مالها ولأن الأب من قومها والابن ليس منهم ألا ترى أنه ينسب إلى أبيه فكان إثبات الولاية عليها لقرابتها أولى وجه قول أبي يوسف أن ولاية التزويج مبنية على العصوبة والأب مع الابن إذا اجتمعا فالابن هو العصبة والأب صاحب فرض فكان كالأخ لأم مع الأخ لأب وأم وجه رواية المعلى أنه وجد في كل واحد منهما ما هو سبب التقدم أما الأب فلأنه من قومها وهو أشفق عليها وأما الابن فلأنه يرثها بالتعصيب وكل واحد من هذين سبب التقدم فأيهما زوج جاز وعند الاجتماع يقدم الأب تعظيما واحتراما له وكذلك إذا اجتمع الأب وابن الابن وإن سفل فهو على هذا الخلاف والأفضل في المسألتين أن يفوض الابن الإنكاح إلى الأب احتراما للأب واحترازا عن موضع الخلاف وعلى هذا الخلاف إذا اجتمع الجد والابن قال أبو يوسف الابن أولى وقال محمد الجد أولى والوجه من الجانبين على نحو ما ذكرنا فأما الأخ والجد فهو على الخلاف الذي ذكرنا بين أبي حنيفة وصاحبيه وأما من غير العصبات فكل من يرث يزوج عند أبي حنيفة ومن لا فلا وبيان من يرث منهم ومن لا يرث يعرف في كتاب الفرائض ثم إنما يتقدم الأقرب على الأبعد إذا كان الأقرب حاضرا أو غائبا غيبة غير منقطعة فأما إذا كان غائبا غيبة منقطعة فللأبعد أن يزوج في قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا ولاية للأبعد مع قيام الأقرب بحال وقال الشافعي يزوجها السلطان واختلف مشايخنا في ولاية الأقرب أنها تزول بالغيبة أو تبقى قال بعضهم أنها باقية إلا أن حدثت للأبعد ولاية لغيبة الأقرب فيصير كأن لها وليين مستويين في الدرجة كالأخوين والعمين وقال بعضهم تزول ولايته وتنتقل إلى الأبعد وهو الأصح وجه قول زفر أن ولاية الأقرب قائمة لقيام سبب ثبوت الولاية وهو القرابة القريبة ولهذا لو زوجها حيث هو يجوز فقيام ولايته تمنع الانتقال إلى غيره والشافعي يقول إن ولاية الأقرب باقية كما قال زفر إلا أنه امتنع دفع حاجتها من قبل الأقرب مع قيام ولايته عليها بسبب الغيبة فتثبت الولاية للسلطان كما إذا خطبها كفء وامتنع الولي من تزويجها منه إن للقاضي أن يزوجها والجامع بينهما دفع الضرر عن الصغيرة

Sección V02/P249–V02/P250

ولنا أن ثبوت الولاية للأبعد زيادة نظر في حق العاجز فتثبت له الولاية كما في الأب مع الجد إذا كانا حاضرين ودلالة ما قلنا إن الأبعد أقدر على تحصيل النظر للعاجز لأن مصالح النكاح مضمنة تحت الكفاءة والمهر ولا شك أن الأبعد متمكن من إحراز الكفء الحاضر بحيث لا يفوته غالبا والأقرب الغائب غيبة منقطعة لا يقدر على إحرازه غالبا لأن الكفء الحاضر لا ينتظر حضوره واستطلاع رأيه غالبا وكذا الكفء المطلق لأن المرأة تخطب حيث هي عادة فكان الأبعد أقدر على إحراز الكفء من الأقرب فكان أقدر على إحراز النظر فكان أولى بثبوت الولاية له إذ المرجوح في مقابلة الراجح ملحق بالعدم في الأحكام كما في الأب مع الجد وأما قوله إن ولاية الأقرب قائمة فممنوع ولا نسلم أنه يجوز انكاحه بل لا يجوز فولايته منقطعة بواحدة وقد روي عن أصحابنا ما يدل على هذا فإنهم قالوا إن الأقرب إذا كتب كتابا إلى الأبعد ليقدم رجلا في الصلاة على جنازة الصغير فإن للأبعد أن يمتنع عن ذلك ولو كانت ولاية الأقرب قائمة لما كان له الامتناع كما إذا كان الأقرب حاضرا فقدم رجلا ليس للأبعد ولاية المنع والمعقول يدل عليه وهو أن ثبوت الولاية لحاجة المولى عليه ولا مدفع لحاجته برأي الأقرب لخروجه من أن يكون منتفعا به بالغيبة فكان ملحقا بالعدم فصار كأنه جن أو مات إذ الموجود الذي لا ينتفع به والعدم الأصلي سواء ولأن القول بثبوت الولاية للأبعد مع ولاية الأقرب يؤدي إلى الفساد لأن الأقرب ربما يزوجها من إنسان حيث هو ولا يعلم الأبعد بذلك فيزوجها من غيره فيطؤها الزوج الثاني ويجيء بالأولاد ثم يظهر أنها زوجة الأول وفيه من الفساد ما لا يخفى ثم إن سلمنا على قول بعض المشايخ فلا تنافي بين الولايتين فأيهما زوج جاز كما إذا كان لها أخوان أو عمان في درجة واحدة وفيه كمال النظر في حق العاجز لأن الكفء إن اتفق حيث الأبعد زوجها منه وإن اتفق حيث الأقرب زوجها منه فيكمل النظر إلا أن في حال الحضرة يرجح الأقرب باعتبار زيادة الشفقة لزيادة القرابة وبه تبين أن نقل الولاية إلى السلطان باطل لأن السلطان ولي من لا ولي له وههنا لها ولي أو وليان فلا تثبت الولاية للسلطان إلا عند العضل من الولي ولم يوجد والله الموفق واختلفت الأقاويل في تحديد الغيبة المنقطعة وعن أبي يوسف روايتان في رواية قال ما بين بغداد والري وفي رواية مسيرة شهر فصاعدا وما دونه ليس بغيبة منقطعة وعن محمد روايتان أيضا روي عنه ما بين الكوفة إلى الري وروي عنه من الرقة إلى البصرة وذكر ابن شجاع إذا كان غائبا في موضع لا تصل إليه القوافل والرسل في السنة إلا مرة واحدة فهو غيبة منقطعة وإذا كانت القوافل تصل إليه في السنة غير مرة فليست بمنقطعة وعن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري أنه قال إن كان الأقرب في موضع يفوت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه فهو غيبة منقطعة وإن كان لا يفوت فليست بمنقطعة وهذا أقرب إلى الفقه لأن التعويل في الولاية على تحصيل النظر للمولى عليه ودفع الضرر عنه وذلك فيما قاله هذا إذا اجتمع في الصغير والصغيرة والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة وليان أحدهما أقرب والآخر أبعد فأما إذا كانا في الدرجة سواء كالأخوين والعمين ونحو ذلك فلكل واحد منهما على حياله أن يزوج رضي الآخر أو سخط بعد أن كان التزويج من كفء بمهر وافر وهذا قول عامة العلماء وقال مالك ليس لأحد الأولياء ولاية الانكاح ما لم يجتمعوا بناء على أن هذه الولاية ولاية شركة عنده وعندنا وعند العامة ولاية استبداد وجه قوله أن سبب هذه الولاية هو القرابة وإنها مشتركة بينهم فكانت الولاية مشتركة لأن الحكم يثبت على وفق العلة وصار كولاية الملك فإن الجارية بين إثنين إذا زوجها أحدهما لا يجوز من غير رضا الآخر لما قلنا كذا هذا

Sección V02/P250–V02/P251

ولنا أن الولاية لا تتجزأ لأنها ثبتت بسبب لا يتجزأ وهو القرابة وما لا يتجزأ إذا ثبت بجماعة سبب لا يتجزأ يثبت لكل واحد منهم على الكمال كأنه ليس معه غيره كولاية الأمان بخلاف ولاية الملك لأن سببها الملك وأنه متجزىء فيتقدر بقدر الملك فإن زوجها كل واحد من الوليين رجلا على حدة فإن وقع العقدان معا بطلا جميعا لأنه لا سبيل إلى الجمع بينهما وليس أحدهما أولى من الآخر وإن وقعا مرتبا فإن كان لا يدري السابق فكذلك لما قلنا ولأنه لو جاز لجاز بالتجزيء ( ( ( بالتجزي ) ) ) ولا يجوز العمل بالتجزيء في الفروج وإن علم السابق منهما من اللاحق جاز الأول ولم يجز الآخر وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا نكح الوليان فالأول أحق وأما إذا زوج أحد الأولياء الحرة البالغة العاقلة برضاها من غير كفء بغير رضا الباقين فحكمه يذكر إن شاء الله تعالى في شرائط اللزوم فصل وأما ولاية الولاء فسبب ثبوتها الولاء قال النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب ثم النسب سبب لثبوت الولاية كذا الولاء والولاء نوعان ولاء عتاقة وولاء موالاة أما ولاء العتاقة فولاية ولاء العتاقة نوعان ولاية حتم وإيجاب وولاية ندب واستحباب عند أبي حنيفة وعند محمد ولاية استبداد وولاية شركة على ما بينا في ولاية القرابة وشرط ثبوت هذه الولاية ما هو شرط ثبوت تلك الولاية إلا أن هذه الولاية اختصت بشرط وهو أن لا يكون للمعتق عصبة من جهة القرابة فإن كان فلا ولاية للمعتق لأنه لا ولاء له لأن مولى العتاقة آخر العصبات وإن لم يكن ثمة عصبة من جهة القرابة ( ( ( القربة ) ) ) فله أن يزوج سواء كان المعتق ذكرا أو أنثى وأما مولى الموالاة فله ولاية التزويج في قول أبي حنيفة عند استجماع سائر الشرائط وانعدام سائر الورثة لأنه آخر الورثة وعند أبي يوسف ومحمد ليس له ولاية التزويج أصلا ورأسا لأن العصوبة شرط عندهما ولم توجد فصل وأما ولاية الإمامة فسببها الإمامة وولاية الإمامة نوعان أيضا كولاية القرابة وشرطها ما هو شرط تلك الولاية في النوعين جميعا ولها شرطان آخران أحدهما يعم النوعين جميعا وهو أن لا يكون هناك ولي أصلا لقوله صلى الله عليه وسلم السلطان ولي من لا ولي له والثاني يخص أحدهما وهو ولاية الندب والاستحباب أو ولاية الشركة على اختلاف الأصل وهو لعضل من الولي لأن الحرة البالغة العاقلة إذا طلبت الإنكاح من كفء وجب عليه التزويج منه لأنه منهى عن العضل والنهي عن الشيء أمر بضده فإذا امتنع فقد أضر بها والإمام نصب لدفع الضرر فتنتقل الولاية إليه وليس للوصي ولاية الإنكاح لأنه يتصرف بالأمر فلا يعدو موضع الأمر كالوكيل وإن كان الميت أوصى إليه لا يملك أيضا لأنه أراد بالوصاية إليه نقل ولاية الإنكاح وأنها لا تحتمل النقل حال الحياة كذا بعد الموت وكذا الفضولي لانعدام سبب ثبوت الولاية في حقه أصلا ولو أنكح ينعقد موقوفا على الإجازة عندنا وعند الشافعي لا ينعقد أصلا والمسألة ستأتي في كتاب البيوع فصل ومنها الشهادة وهي حضور الشهود والكلام في هذا الشرط في ثلاث مواضع أحدها في بيان أن أصل الشهادة شرط جواز النكاح أم لا والثاني في بيان صفات الشاهد الذي ينعقد النكاح بحضوره والثالث في بيان وقت الشهادة أما الأول فقد اختلف أهل العلم فيه قال عامة العلماء إن الشهادة شرط جواز النكاح

Sección V02/P251–V02/P252

وقال مالك ليست بشرط وإنما الشرط هو الإعلان حتى لو عقد النكاح وشرط الإعلان جاز وإن لم يحضره شهود ولو حضرته شهود وشرط عليهم الكتمان لم يجز ولا خلاف في أن الإشهاد في سائر العقود ليس بشرط ولكنه مندوب إليه ومستحب قال الله تعالى في باب المداينة يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه والكتابة لا تكون لنفسها بل للاشهاد ونص عليه في قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم وقال عز وجل في باب الرجعة وأشهدوا ذوي عدل منكم وجه قول مالك أن النكاح إنما يمتاز عن السفاح بالإعلان فإن الزنا يكون سرا فيجب أن يكون النكاح علانية وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن نكاح السر والنهي عن السر يكون أمرا بالاعلان لأن النهي عن الشيء أمر بضده وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أعلنوا النكاح ولو بالدف ولنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بشهود وروي لا نكاح إلا بشاهدين وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الزانية التي تنكح نفسها بغير بينة ولو لم تكن الشهادة شرطا لم تكن زانية بدونها ولأن الحاجة مست إلى دفع تهمة الزنا عنها ولا تندفع إلا بالشهود لأنها لا تندفع إلا بظهور النكاح واشتهاره ولا يشتهر إلا بقول الشهود وبه تبين أن الشهادة في النكاح ما شرطت إلا في النكاح للحاجة إلى دفع الجحود والإنكار لأن ذلك يندفع بالظهور والاشتهار لكثرة الشهود على النكاح بالسماع من العاقدين وبالتسامع وبهذا فارق سائر العقود فإن الحاجة إلى الشهادة هناك لدفع احتمال الشهود النسيان أو الجحود والإنكار في الثاني إذ ليس بعدها ما يشهرها ليندفع به الجحود فتقع الحاجة إلى الدفع بالشهادة فندب إليها وما روي أنه نهى عن نكاح السر فنقول بموجبه لكن نكاح السر ما لم يحضره شاهدان فأما ما حضره شاهدان فهو نكاح علانية لا نكاح سر إذ السر إذا جاوز اثنين خرج من أن يكون سرا قال الشاعر وسرك ما كان عند امرىء وسر الثلاثة غير الخفي وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم أعلنوا النكاح لأنهما إذا أحضراه شاهدين فقد أعلناه وقوله صلى الله عليه وسلم ولو بالدف ندب إلى زيادة إعلانه ( ( ( علانة ) ) ) وهو مندوب إليه والله عز وجل الموفق فصل وأما صفات الشاهد الذي ينعقد به النكاح وهي شرائط تحمل الشهادة للنكاح فمنها العقل ومنها البلوغ ومنها الحرية فلا ينعقد النكاح بحضرة المجانين والصبيان والمماليك قنا كان المملوك أو مدبرا أو مكاتبا من مشايخنا من أصل في هذا أصلا فقال كل من صلح أن يكون وليا في النكاح بولاية نفسه يصلح شاهدا فيه وإلا فلا وهذا الاعتبار صحيح لأن الشهادة من باب الولاية لأنها تنفيذ القول على الغير والولاية هي نفاذ المشيئة وهؤلاء ليس لهم ولاية الانكاح لأنه لا ولاية لهم على أنفسهم فكيف يكون لهم ولاية على غيرهم إلا المكاتب فإنه يزوج أمته لكن لا بولاية نفسه بل بولاية مولاه بتسليطه على ذلك بعقد الكتابة وكان التزويج من المولى من حيث المعنى فلا يصلح شاهدا ومنهم من قال كل من يملك قبول عقد بنفسه ينعقد ذلك العقد بحضوره ومن لا فلا وهذا الاعتبار صحيح أيضا لأن الشهادة من شرائط ركن العقد وركنه وهو الإيجاب والقبول ولا وجود للركن بدون القبول فكما لا وجود للركن بدون القبول حقيقة لا وجود له شرعا بدون الشهادة وهؤلاء لا يملكون قبول العقد بأنفسهم فلا ينعقد النكاح بحضورهم والدليل على أنهم ليسوا من أهل الشهادة أن قاضيا لو قضى بشهادتهم ينفسخ قضاؤه عليه

Sección V02/P252–V02/P253

وعن أبي يوسف رحمه الله أنه أصل فيه أصلا وقال كل من جاز الحكم بشهادته في قول بعض الفقهاء ينعقد النكاح بحضوره ومن لا يجوز الحكم بشهادته عند أحد لا يجوز بحضوره وهذا الاعتبار صحيح أيضا لأن الحضور لفائدة الحكم بها عند الأداء فإذا جاز الحكم بها في الجملة كان الحضور مفيدا ولا يجوز الحكم بشهادة هؤلاء عند البعض من الفقهاء ألا ترى أن قاضيا لو قضى بشهادتهم ينفسخ عليه قضاؤه فصل ومنها الإسلام في نكاح المسلم المسلمة فلا ينعقد نكاح المسلم المسلمة بشهادة الكفار لأن الكافر ليس من أهل الولاية على المسلم قال الله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وكذا لا يملك الكافر قبول نكاح المسلم ولو قضى قاض بشهادته على المسلم ينقض قضاؤه وأما المسلم إذا تزوج ذمية بشهادة ذميين فإنه يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف سواء كانا موافقين لها في الملة أو مخالفين وقال محمد وزفر والشافعي لا يجوز نكاح المسلم الذمية بشهادة الذميين أما الكلام مع الشافعي فهو مبني على أن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة على أصلنا وعلى أصله غير مقبولة وأما الكلام مع محمد وزفر فانهما احتجا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل والمراد منه عدالة الدين لا عدالة التعاطي لإجماعنا على أن فسق التعاطي لا يمنع انعقاد النكاح ولأن الإشهاد شرط جواز العقد والعقد يتعلق وجوده بالطرفين طرف الزوج وطرف المرأة ولم يوجد الإشهاد على الطرفين لأن شهادة الكافر حجة في حق الكافر ليست بحجة في حق المسلم فكانت شهادته في حقه ملحقة بالعدم فلم يوجد الإشهاد في جانب الزوج فصار كأنهما سمعا كلام المرأة دون كلام الرجل ولو كان كذلك لم يكن النكاح كذا هدا ولهما عمومات النكاح من الكتاب والسنة نحو قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وقوله وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم وقول النبي صلى الله عليه وسلم تزوجوا ولا تطلقوا وقوله صلى الله عليه وسلم تناكحوا وغير ذلك مطلقا عن غير شرط إلا أن أهل الشهادة وإسلام الشاهد صار شرطا في نكاح الزوجين المسلمين بالإجماع فمن ادعى كونه شرطا في نكاح المسلم الذمية فعليه الدليل وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بشهود وروي لا نكاح إلا بشاهدين والاستثناء من النفي إثبات ظاهر وهذا نكاح بشهود لأن الشهادة في اللغة عبارة عن الإعلام والبيان والكافر من أهل الإعلام والبيان لأن ذلك يقف على العقل واللسان والعلم بالمشهود به وقد وجد إلا أن شهادته على المسلم خصت من عموم الحديث فبقيت شهادته للمسلم داخلة تحته ولأن الشهادة من باب الولاية لما بينا والكافر الشاهد يصلح وليا في هذا العقد بولاية نفسه ويصلح قابلا لهذا العقد بنفسه فيه صلح شاهدا وكذا يجوز للقاضي الحكم بشهادته هذه للمسلم لأنه محل الاجتهاد على ما نذكر ولو قضى لا ينفذ قضاؤه فينفذ النكاح بحضوره وأما الحديث فقد قيل أنه ضعيف ولئن ثبت فنحمله على نفي الندب والاستحباب توفيقا بين الدلائل

Sección V02/P253–V02/P254

وأما قوله العقد خلا عن الإشهاد في جانب الزوج لأن شهادة الكافر ليست بحجة في حق المسلم فنقول شهادة الكافر إن لم تصلح حجة للكافر على المسلم فتصلح حجة للمسلم على الكافر لأنها إنما لا تصلح حجة على المسلم لأنها من باب الولاية وفي جعلها حجة على المسلم إثبات الولاية للكافر على المسلم وهذا لا يجوز وهذا المعنى لم يوجد ههنا لأنا إذا جعلناها حجة للمسلم ما كان فيه إثبات الولاية للكافر وهذا جائز على أنا إن سلمنا قوله ليس بحجة في حق المسلم لكن حضوره على أن قوله حجة ليس بشرط لانعقاد النكاح فإنه ينعقد بحضور من لا تقبل شهادته عليه على ما نذكر إن شاء الله تعالى وهل يظهر نكاح المسلم الذمية بشهادة ذميين عند الدعوى ينظر في ذلك إن كانت المرأة هي المدعية للنكاح على المسلم والمسلم منكر لا يظهر بالإجماع لأن هذه شهادة الكافر على المسلم وإنها غير مقبولة وإن كان الزوج هو المدعي والمرأة منكرة فعلى أصل أبي حنيفة وأبي يوسف يظهر سواء قال الشاهدان كان معنا عند العقد رجلان مسلمان أو لم يقولا ذلك واختلف المشايخ على أصل محمد قال بعضهم يظهر كما قالا وقال بعضهم لا يظهر سواء قالا كان معنا رجلان مسلمان أو لم يقولا ذلك وهو الصحيح من مذهبه ووجهه أن هذه شهادة قامت على نكاح فاسد وعلى إثبات فعل المسلم لأنهما إن شهدا على نكاح حضراه فقط لا تقبل شهادتهما لأن هذه شهادة على نكاح فاسد عنده وإن شهدا على أنهما حضراه ومعهما رجلان مسلمان لا تقبل أيضا لأن هذه إن كانت شهادة الكافر على الكافر لكن فيها إثبات فعل المسلم فيكون شهادة على مسلم فلا تقبل كمسلم ادعى عبدا في يد ذمي فجحد الذمي دعوى المسلم وزعم أن العبد عبده فأقام المسلم شاهدين ( ( ( بشاهدين ) ) ) ذميين على أن العبد عبده وقضى له به على هذا الذمي قاض فلا تقبل شهادتهما وإن كان هذا شهادة الكافر على الكافر لكن لما كان فيها إثبات فعل المسلم بشهادة الكافر وهو قضاء القاضي لم تقبل كذا هذا وجه الكلام لأبي حنيفة وأبي يوسف على نحو ما ذكرنا في جانب الاعتقاد أن الشهادة من باب الولاية وللكافر ولاية على الكافر ولو كان الشاهدان وقت التحمل كافرين ووقت الأداء مسلمين فشهدا للزوج فعلى أصلهما لا يشكل أنه تقبل شهادتهما لأنهما لو كانا في الوقتين جميعا كافرين تقبل فههنا أولى واختلف المشايخ على أصل محمد قال بعضهم تقبل وقال بعضهم لا تقبل فمن قال تقبل نظر إلى وقت الأداء ومن قال لا تقبل نظر إلى وقت التحمل فصل ومنها سماع الشاهدين كلام المتعاقدين جميعا حتى لو سمعا كلام أحدهما دون الآخر أو سمع أحدهما كلام أحدهما والآخر كلام الآخر لا يجوز النكاح لأن الشهادة أعني حضور الشهود شرط ركن العقد وركن العقد هو الإيجاب والقبول فيما لم يسمعا كلامهما لا تتحقق الشهادة عند الركن فلا يوجد شرط الركن والله أعلم فصل ومنها العدد فلا ينعقد النكاح بشاهد واحد لقوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بشهود وقوله لا نكاح إلا بشاهدين وأما عدالة الشاهد فليست بشرط لانعقاد النكاح عندنا فينعقد بحضور الفاسقين وعند الشافعي شرط ولا ينعقد إلا بحضور من ظاهره العدالة واحتج بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ولأن الشهادة خبر يرجح فيه جانب الصدق على جانب الكذب والرجحان إنما يثبت بالعدالة

Sección V02/P254–V02/P255

ولنا أن عمومات النكاح مطلقة عن شرط ثم اشتراط أصل الشهادة بصفاتها المجمع عليها ثبتت بالدليل فمن ادعى شرط العدالة فعليه البيان ولأن الفسق لا يقدح في ولاية الإنكاح بنفسه لما ذكرنا في شرائط الولاية وكذا يجوز للحاكم الحكم بشهادته في الجملة ولو حكم لا ينقض حكمه لأنه محل الاجتهاد فكان من أهل تحمل الشهادة والفسق لا يقدح في أهلية التحمل وإنما يقدح في الأداء فيظهر أثره في الأداء لا في الانعقاد وقد ظهر حتى لا يجب على القاضي القضاء بشهادته ولا يجوز أيضا إلا إذا تحرى القاضي الصدق في شهادته وكذا كون الشاهد غير محدود في القذف ليس بشرط لانعقاد النكاح فينعقد بحضور المحدود في القذف غير أنه إن كان قد تاب بعدما حد ينعقد النكاح بالإجماع وإن كان لم يتب لا تقبل شهادته عندنا على التأبيد خلافا للشافعي لأن كونه مردود الشهادة على التأبيد يقدح في الأداء لا في التحمل ولأنه يصلح وليا في النكاح بولاية نفسه ويصح القبول منه بنفسه ويجوز القضاء بشهادته في الجملة فينعقد النكاح بحضوره وإن حد ولم يتب أو لم يتب ولم يحد ينعقد عندنا خلافا للشافعي وهي مسألة شهادة الفاسق وكذا بصر الشاهد ليس بشرط فينعقد النكاح بحضور الأعمى لما ذكرنا ولأن العمى لا يقدح إلا في الأداء لتعذر التمييز بين المشهود عليه وبين المشهود له ألا ترى أنه لا يقدح في ولاية الإنكاح ولا في قبول النكاح بنفسه ولا في المنع من جواز القضاء بشهادته في الجملة فكان من أهل أن ينعقد النكاح بحضوره وكذا ذكورة الشاهدين ليست بشرط عندنا وينعقد النكاح بحضور رجل وامرأتين عندنا وعند الشافعي شرط ولا ينعقد إلا بحضور رجلين ونذكر المسألة في كتاب الشهادات وكذا إسلام الشاهدين ليس بشرط في نكاح الكافرين فينعقد نكاح الزوجين الكافرين بشهادة كافرين وكذا تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض سواء اتفقت مللهم أو اختلفت وهذا عندنا وعند الشافعي إسلام الشاهد شرط لأنه ينعقد نكاح الكافر بشهادة الكافر ولا تقبل شهادتهم أيضا والكلام في القبول نذكره في كتاب الشهادات ونتكلم ههنا في انعقاد النكاح بشهادته واحتج الشافعي بالمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ولا عدالة مع الكفر لأن الكفر أعظم الظلم وأفحشه فلا يكون الكافر عدلا فلا ينعقد النكاح بحضوره ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا نكاح إلا بشهود وقوله لا نكاح إلا بشاهدين والاستثناء من النفي إثبات من حيث الظاهر والكفر لا يمنع كونه شاهدا لما ذكرنا وكذا لا يمنع أن يكون وليا في النكاح بولاية نفسه ولا قابلا للعقد بنفسه ولا جواز للقضاء بشهادته في الجملة وكذا كون شاهد النكاح مقبول الشهادة عليه ليس بشرط لانعقاد النكاح بحضوره وينعقد النكاح بحضور من لا تقبل شهادته عليه أصلا كما إذا تزوج امرأة بشهادة ابنيه منها وهذا عندنا وعند الشافعي لا ينعقد وجه قوله أن الشهادة في باب النكاح للحاجة إلى صيانته عن الجحود والإنكار والصيانة لا تحصل إلا بالقبول فإذا لم يكن مقبول الشهادة لا تحصل الصيانة ولنا أن الاشتهار في النكاح لدفع تهمة الزنا لا لصيانة العقد عن الجحود والإنكار والتهمة تندفع بالحضور من غير قبول على أن معنى الصيانة يحصل بسبب حضورهما وإن كان لا تقبل شهادتهما لأن النكاح يظهر ويشتهر بحضورهما فإذا ظهور ( ( ( ظهر ) ) ) واشتهر تقبل الشهادة فيه بالتسامع فتحصل الصيانة

Sección V02/P255

وكذا إذا تزوج امرأة بشهادة ابنيه لا منها أو ابنيها لا منه يجوز لما قلنا ثم عند وقوع الحجر والإنكار ينظر إن وقعت شهادتهما لواحد من الأبوين لا تقبل وإن وقعت عليه تقبل لأن شهادة الابن لأبويه غير مقبولة وشهادتهما عليه مقبولة ولو زوج الأب ابنته من رجل بشهادة ابنيه وهما أخوا المرأة فلا يشك أنه يجوز النكاح وإذا وقع الجحود بين الزوجين فإن كان الأب مع الجاحد منهما أيهما كان تقبل شهادتهما لأن هذه شهادة على الأب فتقبل وإن كان الأب مع المدعي منهما أيهما كان لا تقبل شهادتهما عند أبي يوسف وعند محمد تقبل فأبو يوسف نظر إلى الدعوى والإنكار فقال إذا كان الأب مع المنكر فشهادتهما تقع على الأب فتقبل وإذا كان مع المدعي فشهادتهما تقع للأب لأن التزويج كان من الأب فلا تقبل ومحمد نظر إلى المنفعة وعدم المنفعة فقال إن كان للأب منفعة لا تقبل سواء كان مدعيا أو منكرا وإن لم يكن له منفعة تقبل وههنا لا منفعة للأب فتقبل والصحيح نظر محمد لأن المانع من القبول هو التهمة وإنها تنشأ عن النفع وكذلك هذا الاختلاف فيما إذا قال رجل لعبده إن كلمك زيد فأنت حر ثم قال العبد كلمني زيد وأنكر المولى فشهد للعبد ابنا زيد أن أباهما قد كلمه والمولى ينكر تقبل شهادتهما في قول محمد سواء كان زيد يدعي الكلام أو لا يدعي لأنه لا منفعة لزيد في الكلام وعند أبي يوسف إن كان زيد يدعي الكلام لا تقبل وإن كان لا يدعي تقبل وكذلك هذا الاختلاف فيمن توكل عن غيره في عقد ثم شهد ابنا الوكيل على العقد فإن كان حقوق العقد لا ترجع إلى العاقد تقبل شهادتهما عند محمد سواء ادعى الوكيل أو لم يدع لأنه ليس فيه منفعة وعند أبي يوسف إن كان يدعي لا تقبل وإن كان منكرا تقبل فصل وأما بيان وقت هذه الشهادة وهي حضور الشهود فوقتها وقت وجود ركن العقد وهو الإيجاب والقبول لا وقت وجود الإجازة حتى لو كان العقد موقوفا على الإجازة فحضروا عقد الإجازة ولم يحضروا عند العقد لم تجز لأن الشهادة شرط ركن العقد فيشترط وجودها عند الركن والإجازة ليست بركن بل هي شرط النفاذ في العقد الموقوف وعند وجود الإجازة يثبت الحكم بالعقد من حين وجوده فتعتبر الشهادة في ذلك الوقت والله تعالى الموفق فصل ومنها أن تكون المرأة محللة وهي أن لا تكون محرمة على التأبيد فإن كانت محرمة على التأبيد فلا يجوز نكاحها لأن الإنكاح إحلال وإحلال المحرم على التأبيد محال والمحرمات على التأبيد ثلاثة أنواع محرمات بالقرابة ومحرمات بالمصاهرة ومحرمات بالرضاع أما النوع الأول فالمحرمات بالقرابة سبع فرق الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت قال الله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم الآية أخبر الله تعالى عن تحريم هذه المذكورات فإما أن يعمل بحقيقة هذا الكلام حقيقة ويقال بحرمة الأعيان كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وهي منع الله تعالى الأعيان عن تصرفنا فيها بإخراجها من أن تكون محلا لذلك شرعا وهو التصرف الذي يعتاد إيقاعه في جنسها وهو الاستمتاع والنكاح وأما أن يضمر فيه الفعل وهو الاستمتاع والنكاح في تحريم كل منهما تحريم الآخر لأنه إذا حرم الاستمتاع وهو المقصود بالنكاح لم يكن النكاح مفيدا لخلوه عن العاقبة الحميدة فكان تحريم الاستمتاع تحريما للنكاح وإذا حرم النكاح وأنه شرع وسيلة إلى الاستمتاع والاستمتاع هو المقصود فكان تحريم الوسيلة تحريما للمقصود بالطريق الأولى