Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وإن كانت الأمة هي التي غرته فإن كان المولى لم يأمرها بذلك فإن المغرور يرجع على الأمة بعد العتاق لا للحال لأنه دين لم يظهر في حق المولى وإن كان أمرها بذلك يرجع الأمة للحال لأنه ظهر وجوبه في حق المولى هذا إذا غره أحد أما إذا لم يغره أحد ولكنه ظن أنها حرة فتزوجها فإذا هي أمة فإنه لا يرجع بالعقر على أحد لما قلنا والأولاد أرقاء لمولى الأمة لأن الجارية ملكه والله أعلم فصل ومنها كمال مهر المثل في إنكاح الحرة العاقلة البالغة نفسها من غير كفء بغير رضا الأولياء في قول أبي حنيفة حتى لو زوجت نفسها من كفء بأقل من مهر مثلها مقدار ما لا يتغابن فيه الناس بغير رضا الأولياء فللأولياء حق الاعتراض عنده فأما أن يبلغ الزوج إلى مهر مثلها أو يفرق بينهما وعند أبي يوسف ومحمد هذا ليس بشرط ويلزم النكاح بدونه حتى يثبت للأولياء حق الاعتراض وهاتان المسألتان أعني هذه المسألة والمسألة المتقدمة عليها وهي ما إذا زوجت نفسها من غير كفء وبغير رضا الأولياء لا شك أنهما يتفرعان على أصل أبي حنيفة وزفر وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ورواية الرجوع عن محمد لأن النكاح جائز وأما على أصل محمد في ظاهر الرواية عنه وإحدى الروايتين عن أبي يوسف فلا يجوز هذا النكاح فيشكل التفريع فتصور المسألة فيما إذا أذن الولي لها بالتزويج فزوجت نفسها من غير كفء أو من كفء بأقل من مهر مثلها وذكر في الأصل صورة أخرى وهي ما إذا أكره الولي والمرأة على النكاح من غير كفء أو من كفء بأقل من مهر مثلها ثم زال الإكراه ففي المسألة الأولى لكل واحد منهما أعني الولي والمرأة حق الاعتراض وإن رضي أحدهما لا يبطل حق الآخر وفي المسألة الثانية لها حق الاعتراض فإن رضيت بالنكاح والمهر فللولي أن يفسخ في قول أبي حنيفة وفي قول محمد وأبي يوسف الأخير ليس له أن يفسخ وتصور المسألة على أصل الشافعي فيما إذا أمر الولي رجلا بالتزويج فزوجها من غير كفء برضاها أو من كفء بمهر قاصر برضاها وجه قول أبي يوسف ومحمد أن المهر حقها على الخلوص كالثمن في البيع والأجرة في الإجارة فكانت هي بالنقص متصرفة في خالص حقها فيصح ويلزم كما إذا أبرأت زوجها عن المهر ولهذا جاز الإبراء عن الثمن في باب البيع والبيع بثمن بخس كذا هذا ولأبي حنيفة أن للأولياء حقا في المهر لأنهم يفتخرون بغلاء المهر ويتعيرون ببخسه فيلحقهم الضرر بالبخس وهو ضرر التعيير فكان لهم دفع الضرر عن أنفسهم بالاعتراض ولهذا يثبت لهم حق الاعتراض بسبب عدم الكفاءة كذا هذا ولأنها بالبخس عن مهر مثلها أضرت بنساء قبيلتها لأن مهور مثلها عند تقادم العهد تعتبر بها فكانت بالنقص ملحقة الضرر بالقبيلة فكان لهم دفع هذا الضرر عن أنفسهم بالفسخ والله أعلم فصل ومنها خلو الزوج عن عيب الجب والعنة عند عدم الرضا من الزوجة بهما عند عامة العلماء وقال بعضهم عيب العنة لا يمنع لزوم النكاح واحتجوا بما روى أن امرأة رفاعة أتت رسول الله وقالت يا رسول الله إني كنت تحت رفاعة فطلقني آخر التطليقات الثلاث وتزوجت عبد الرحمن بن الزبير فوالله ما وجدت معه إلا مثل الهدبة فتبسم رسول الله وقال لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك فوجه الاستدلال أن تلك المرأة ادعت العنة على زوجها ورسول الله لم يثبت لها الخيار ولو لم يقع النكاح لازما لاثبت ولأن هذا العيب لا يوجب فوات المستحق بالعقد بيقين فلا يوجب الخيار كسائر أنواع العيوب بخلاف الجب فإنه يفوت المستحق بالعقد بيقين ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روى عن عمر رضي الله عنه أنه قضى في العنين أنه يؤجل سنة فإن قدر عليها وإلا أخذت منه الصداق كاملا وفرق بينهما وعليها العدة وروى عن ابن مسعود رضي الله عنه مثله
وروى عن علي رضي الله عنه أن قال يؤجل سنة فإن وصل إليها وإلا فرق بينهما كان ( ( ( وكان ) ) ) قضاؤهم بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحد منهم فكيون ( ( ( فيكون ) ) ) إجماعا ولأن الوطء مرة واحدة مستحق على الزوج للمرأة بالعقد وفي إلزام العقد عند تقرر العجز عن الوصول تفويت المستحق بالعقد عليها وهذا ضرر بها وظلم في حقها وقد قال الله تعالى ولا يظلم ربك أحدا وقال النبي لا ضرر ولا إضرار ( ( ( ضرار ) ) ) في الإسلام فيؤدي إلى التناقض وذلك محال لأن الله تعالى أوجب على الزوج الإمساك بالمعروف أو التسريح ( ( ( التسريج ) ) ) بالإحسان ( ( ( بإحسان ) ) ) بقوله عز وجل فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ومعلوم أن استيفاء النكاح عليها مع كونها محرومة الحظ من الزوج ليس من الإمساك بالمعروف في شيء فتعين عليه التسريح بالإحسان فإن سرح بنفسه وإلا ناب القاضي منابه في التسريح ولأن المهر عوض في عقد النكاح والعجز عن الوصول يوجب عيبا في العوض لأنه يمنع من تأكده بيقين لجواز أن يختصما إلى قاض لا يرى تأكد المهر بالخلوة فيطلقها ويعطيها نصف المهر فيتمكن في المهر عيب وهو عدم التأكد بيقين والعيب في العوض يوجب الخيار كما في البيع ولا حجة لهم في الحديث لأن تلك المقالة منها لم تكن دعوى العنة بل كانت كناية عن معنى آخر وهو دقة القضيب والاعتبار بسائر العيوب لا يصح لأنها لا توجب فوات المستحق بالعقد لما نذكر في تلك المسألة إن شاء الله تعالى وهذا يوجب ظاهرا وغالبا لأن العجز يتقرر بعدم الوصول في مدة السنة ظاهرا فيفوت المستحق بالعقد ظاهرا فبطل الاعتبار وإذا عرف هذا فإذا رفعت المرأة زوجها وادعت أنه عنين وطلبت الفرقة فإن القاضي يسأله هل وصل إليها أو لم يصل فإن أقر أنه لم يصل أجله سنة سواء كانت المرأة بكرا أو ثيبا وإن أنكر وادعى الوصول إليها فإن كانت المرأة ثيبا فالقول قوله مع يمينه أنه وصل إليها لأن الثيابة دليل الوصول في الجملة والمانع من الوصول من جهته عارض إذ الأصل هو السلامة عن العيب فكان الظاهر شاهدا له إلا أنه يستحلف دفعا للتهمة وإن قالت أنا بكر نظر إليها النساء وامرأة واحدة تجزي لأن البكارة باب لا يطلع عليه الرجال وشهادة النساء بانفرادهن في هذا الباب مقبولة للضرورة وتقبل فيه شهادة الواحدة كشهادة القابلة على الولادة ولأن الأصل حرمة النظر إلى العورة وهو العزيمة لقوله تعالى وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن وحق الرخصة يصير مقضيا بالواحدة ولأن الأصل أن ما قبل قول النساء فيه بانفرادهن لا يشترط فيه العدد كرواية الأخبار عن رسول الله والثنتان أوثق لأن غلبة الظن بخبر العدد أقوى فإن قلن هي ثيب فالقول قول الزوج مع يمينه لما قلنا وإن قلن هي بكر فالقول قولها وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن القول قولها من غير يمين لأن البكارة فيها أصل وقد تفوت شهادتهن بشهادة الأصل وإذا ثبت أنه لم يصل إليها إما بإقراره أو بظهور البكارة أجله القاضي حولا لأنه ثبت عنته والعنين يؤجل سنة لإجماع الصحابة على ذلك ولأن عدم الوصول قبل التأجيل يحتمل أن يكون للعجز عن الوصول ويحتمل أن يكون لبغضه إياها مع القدرة على الوصول فيؤجل حتى لو كان عدم الوصول للبغض يطؤها في المدة ظاهرا وغالبا دفعا للعار والشين عن نفسه وإن لم يطأها حتى مضت المدة يعلم أن عدم الوصول كان للعجز وأما التأجيل سنة فلأن العجز عن الوصول يحتمل أن يكون خلقة ويحتمل أن يكون من داء أو طبيعة غالبة من الحرارة أو البرودة أو الرطوبة أو اليبوسة والسنة مشتملة على الفصول الأربعة والفصول الأربعة مشتملة على الطبائع الأربع فيؤجل سنة لما عسى أن يوافقه بعض فصول السنة فيزول المانع ويقدر على الوصول
وروى عن عبد الله بن نوفل أنه قال يؤجل عشرة أشهر وهذا القول مخالف لإجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنهم أجلوا العنين سنة وقد اختلف الناس في عبد الله بن نوفل أنه صحابي أو تابعي فلا يقدح خلافه في الإجماع مع الاحتمال ولأن التأجيل سنة لرجاء الوصول في الفصول الأربعة ولا تكمل الفصول إلا في سنة تامة ثم يؤجل سنة شمسية بالأيام أو قمرية بالأهلة ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن في ظاهر الرواية يؤجل سنة قمرية بالأهلة قال وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يؤجل سنة شمسية وحكى الكرخي عن أصحابنا أنهم قالوا يؤجل سنة شمسية ولم يذكر الخلاف وجه هذا القول وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة أن الفصول الأربعة لا تكمل إلا بالسنة الشمسية لأنها تزيد على القمرية بأيام فيحتمل زوال العارض في المدة التي بين الشمسية والقمرية فكان التأكيل ( ( ( التأجيل ) ) ) بالسنة الشمسية أولى ولظاهر الرواية الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج جعل الله عز وجل بفضله ورحمته الهلال معرفا للخلق الأجل والأوقات والمدد ومعرفا وقت الحج لأنه لوجعل معرفة ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم ولتعذر عليهم معرفة السنين والشهور والأيام وأما السنة فما روى أن النبي خطب في الموسم وقال في خطبته ألا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ثلاثة سرد وواحد فرد والشهر في اللغة اسم للهلال يقال رأيت الشهر أي رأيت الهلال وقيل سمي الشهر شهرا لشهرته والشهرة للهلال فكان تأجيل الصحابة رضي أنه عنهم العنين سنة والسنة اثنا عشر شهرا والشهر اسم للهلال تأجيلا للهلالية وهي السنة القمرية ضرورة وأول السنة حين يترافعان ولا يحسب على الزوج ما قبل ذلك لما روى أن عمر رضي الله عنه كتب إلى شريح أن يؤجل العنين سنة من يوم يرتفع إليه لما ذكرنا أن عدم الوصول قبل التأجيل يحتمل أن يكون للعجز ويحتمل أن يكون لكراهته إياها مع القدرة على الوصول فإذا أجله الحاكم فالظاهر أنه لا يمتنع عن وطئها إلا لعجزه خشية العار والشين فإذا أجل سنة فشهر رمضان وأيام الحيض تحسب عليه ولا يجعل له مكانها لأن الصحابة رضي الله عنهم أجلوا العنين سنة واحدة مع علمهم بأن السنة لا تخلو عن شهر رمضان ومن زمان الحيض فلو لم يكن ذلك محسوبا من المدة لأجلوا زيادة على السنة ولو مرض الزوج في المدة مرضا لا يستطيع معه الجماع أو مرضت هي فإن استوعب المرض السنة كلها يستأنف له سنة أخرى وإن لم يستوعب فقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف أن المرض إن كان نصف شهر أو أقل احتسب عليه وإن كان أكثر من نصف شهر لم يحتسب عليه بهذه الأيام وجعل له مكانها وكذلك الغيبة وروى ابن سماعة عنه رواية أخرى أنه إذا صح في السنة يوما أو يومين أو صحت هي احتسب عليه بالسنة وروي ابن سماعة عن محمد أن المرض إذا كان أقل من شهر يحتسب عليه وإن كان شهرا فصاعدا لا يحتسب عليه بأيام المرض ويجعل له مكانها والأصل في هذا أن قليل المرض مما لا يمكن اعتباره لأن الإنسان لا يخلو عن ذلك عادة ويمكن اعتبار الكثير فجعل أبو يوسف على إحدى الروايتين وهي الرواية الصحيحة عنه نصف الشهر وما دونه قليلا والأكثر من النصف كثيرا استدلالا بشهر رمضان فإنه محسوب عليه
ومعلوم أنه إنما يقدر على الوطء في الليالي دون النهار والليالي دون النهار تكون نصف شهر وكان ذاك ( ( ( ذلك ) ) ) دليلا على أن المانع إذا كان نصف شهر فما دونه يعتد به وهذا الاستدلال يوجب الاعتداد بالنصف فما دونه لما ( ( ( إما ) ) ) لا ينفي الاعتداد بما فوقه وأما على الرواية الأخرى فنقول إنه لما صح زمانا يمكن الوطء فيه فإذا لم يطأها فالتقصير جاء من قبله فيجعل كأنه صح جميع السنة بخلاف ما إذا مرض جميع السنة لأنه لم يجد زمانا يتمكن من الوطء فيه فتعذر الإعتداد بالسنة في حقه ومحمد جعل ما دون الشهر قليلا والشهر فصاعدا كثيرا لأن الشهر أدنى الأجل وأقصى العاجل فكان في حكم الكثير وما دونه في حكم القليل وقال أبو يوسف إن حجت المرأة حجة الإسلام بعد التأجيل لم يحتسب على الزوج مدة الحج لأنه لا يقدر على منعها من حجة الإسلام شرعا فلم يتمكن من الوطء فيها شرعا وإن حج الزوج احتسبت المدة عليه لأنه يقدر على أن يخرجها مع نفسه أو يؤخر الحج لأن جميع العمر وقته وقال محمد إن خاصمته وهو محرم يؤجل سنة بعد الإحلال لأنه لا يتمكن من الوطء شرعا مع الإحرام فتبتدأ المدة من وقت يمكنه الوطء فيه شرعا وهو ما بعد الإحلال وإن خاصمته وهو مظاهر فإن كان يقدر على الإعتاق أجل سنة من حين الخصومة إلا أنه إذا كان قادرا على الإعتاق كان قادرا على الوطء بتقديم الإعتاق كالمحدث قادر على الصلاة بتقديم الطهارة وإن كان لا يقدر على ذلك أجل أربعة عشر شهرا لأنه يحتاج إلى تقديم صوم شهرين ولا يمكنه الوطء فيهما فلا يعتد بهما من الأجل ثم يمكنه الوطء بعدهما فإن أجل سنة وليس بمظاهر ثم ظاهر في السنة لم يزد على المدة بشيء لأنه كان يقدر على ترك الظهار فلما ظاهر فقد منع نفسه عن الوطء باختياره فلا يجوز إسقاط حق المرأة وإن كانت امرأة العنين رتقاء أو قرناء لا يؤجل لأنه لا حق للمرأة في الوطء لوجود المانع من الوطء فلا معنى للتأجيل وإن كان الزوج صغيرا لا يجامع مثله والمرأة كبيرة ولم تعلم المرأة فطالبت بالتأجيل لا يؤجل بل ينتظر إلى أن يدرك فإذا أدرك يؤجل سنة لأنه إذا كان لا يجامع لا يفيد التأجيل ولأن حكم التأجيل إذا لم يصل إليها في المدة هو ثبوت خيار الفرقة وفرقة العنين طلاق والصبي لا يملك الطلاق ولأن للصبي زمانا يوجد منه الوطء فيه ظاهرا وغالبا وهو ما بعد البلوغ فلا يؤجل للحال وإن كان الزوج كبيرا مجنونا فوجدته عنينا قالوا إنه لا يؤجل كذا ذكر الكرخي لأن التأجيل للتفريق عند عدم الدخول وفرقة العنين طلاق والمجنون لا يملك الطلاق وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه ينتظر حولا ولا ينتظر إلى إفاقته بخلاف الصبي لأن الصغر مانع من الوصول فيستأني إلى أن يزول الصغر ثم يؤجل سنة فأما المجنون ( ( ( الجنون ) ) ) فلا يمنع الوصول لأن المجنون يجامع فيؤجل للحال والصحيح ما ذكره الكرخي أنه لا يؤجل أصلا لما ذكرنا وإذا مضى أجل العنين فسأل القاضي أن يؤجله سنة أخرى لم يفعل إلا برضا المرأة لأنه قد ثبت لها حق التفريق وفي التأجيل تأخير حقها فلا يجوز من غير رضاها ثم إذا أجل العنين سنة وتمت المدة فإن اتفقا على أنه قد وصل إليها فهي زوجته ولا خيار لها وإن اختلفا وادعت المرأة أنه لم يصل إليها وادعى الزوج الوصول فإن كانت المرأة ثيبا فالقول قوله مع يمينه لما قلنا وإن كانت بكرا نظر إليها النساء فإن قلن هي بكر فالقول قولها وإن قلن هي ثيب فالقول قوله لما ذكرنا وإن وقع للنساء شك في أمرها فإنها تمتحن واختلف المشايخ في طريق الامتحان قال بعضهم تؤمر بأن تبول على الجدار فإن أمكنها بأن ترمي ببولها على الجدار فهي بكر وإلا فهي ثيب
وقال بعضهم تمتحن ببيضة الديك فإن وسعت فيها فهي ثيب وإن لم تسع فيها فهي بكر وإذا ثبت أنه لم يطأها إما باعترافه وإما بظهور البكارة فإن القاضي يخيرها فإن الصحابة رضي الله عنهم خيروا امرأة العنين ولنا فيهم قدوة فإن شاءت اختارت الفرقة وإن شاءت اختارت الزوج إذا استجمعت شرائط ثبوت الخيار فيقع الكلام في الخيار في مواضع في بيان شرائط ثبوت الخيار وفي بيان حكم الخيار وفي بيان ما يبطله فصل أما شرائط الخيار فمنها عدم الوصول إلى هذه المرأة أصلا ورأسا في هذا النكاح حتى لو وصل إليها مرة واحدة فلا خيار لها لأنه وصل إليها حقها بالوطء مرة واحدة والخيار لتفويت الحق المستحق ولم يوجد فإن وصل إلى غير امرأته التي أجل لها وكان وصل إلى غيرها قبل أن ترافعه فوصوله إلى غيرها لا يبطل حقها في التأجيل والخيار لأنه لم يصل إليها حقها فكان لها التأجيل والخيار ومنها أن لا تكون عالمة بالعيب وقت النكاح حتى لو تزوجت وهي تعلم أنه عنين فلا خيار لها لأنها إذا كانت عالمة بالعيب لدى التزويج فقد رضيت بالعيب كالمشتري إذا كان عالما بالعيب عند البيع والرضا بالعيب يمنع الرد كما في البيع وغيره فإن تزوجت وهي لا تعلم فوصل إليها مرة ثم عن ففارقته ثم تزوجته بعد ذلك فلم يصل إليها فلها الخيار لأن العجز لم يتحقق فلم تكن راضية بالعيب والوصول في أحل ( ( ( أحد ) ) ) العقدين لا يبطل حقها في العقد الثاني فإن أجله القاضي فلم يصل ففرق بينهما ثم تزوجها فلا خيار لها لأن العيب قد تقرر بعدم الوصول في المدة فتقرر العجز فكان التزوج بعد استقرار العيب والعلم به دليل الرضا بالعيب فصل وأما حكم الخيار فهو تخيير المرأة بين الفرقة وبين النكاح فإن شاءت اختارت الفرقة وإن شاءت اختارت الزوج فإن اختارت المقام مع الزوج بطل حقها ولم يكن لها خصومة في هذا النكاح أبدا لما ذكرنا أنها رضيت بالعيب فسقط خيارها وإن اختارت الفرقة فرق القاضي بينهما كذا ذكره الكرخي ولم يذكر الخلاف وظاهر هذا الكلام يقتضي أنه لا تقع الفرقة بنفس الاختيار وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه تقع الفرقة بنفس الاختيار في ظاهرة الرواية ولا يحتاج إلى القضاء كخيار المعتقة وخيار المخيرة وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا تقع الفرقة ما لم يقل القاضي فرقت بينكما وجعله بمنزلة خيار البلوغ هكذا ذكر وذكر في بعض المواضع أن في قول أبي حنيفة ما روى الحسن عنه وما ذكره الحسن عنه وما ذكر في ظاهر الرواية قولهما وجه رواية الحسن أن هذه الفرقة فرقة بطلان بلا خلاف بين أصحابنا وإنما المخالف فيه الشافعي فإنها فسخ عنده والمسألة إن شاء الله تعالى تأتي في موضعها من هذا الكتاب والمرأة لا تملك الطلاق وإنما يملكه الزوج إلا أن القاضي يقوم مقام الزوج ولأن هذه الفرقة يختص بسببها القاضي وهو التأجيل لأن التأجيل لا يكون إلا من القاضي فكذا الفرقة المتعلقة به كفرقة اللعان وجه المذكور في ظاهر الرواية أن تخيير المرأة من القاضي تفويض الطلاق إليها فكان اختيارها الفرقة تفريقا من القاضي من حيث المعنى لا منها والقاضي يملك ذلك لقيامه مقام الزوج وهذه الفرقة تطليقة بائنة لأن الغرض من هذا التفريق تخليصها من زوج لا يتوقع منه إيفاء حقها دفعا للظلم والضرر عنها وذا لا يحصل إلا بالبائن لأنه لو كان رجعيا يراجعها الزوج من غير رضاها فيحتاج إلى التفريق ثانيا وثالثا فلا يفيد التفريق فائدته ولها المهر كاملا وعليها العدة بالإجماع إن كان الزوج قد خلا بها وإن كان لم يخل بها فلا عدة عليها ولها نصف المهر إن كان مسمى والمتعة إن لم يكن مسمى
وإذا فرق القاضي بالعنة ووجب ( ( ( ووجبت ) ) ) العدة فجاءت بولد ما بينها وبين سنتين لزمه الولد لأن المعتدة إذا جاءت بولد من وقت الطلاق إلى سنتين ثبت النسب لأن الحكم بوجوب العدة حكم بشغل الرحم وشغل الرحم يمتد إلى سنتين عندنا فيثبت النسب إلى سنتين فإن قال الزوج كنت قد وصلت إليها فإن أبا يوسف قال يبطل الحاكم الفرقة وكفى بالولد شاهدا ومعنى هذا الكلام أنه لما ثبت النسب فقد ثبت الدخول وأنه يوجب إبطال الفرقة ولأنه لو شهد شاهدان بالدخول بعد تفريق القاضي لا يبطل الفرقة وكذا هذا وكذا إذا ثبت النسب لأن شهادة النسب على الدخول أقوى من شهادة شاهدين عليه وكذلك لو فرق القاضي بينها وبين المجبوب فجاءت بولد بينها وبين سنتين ثبت نسبه لأن خلوة المجبوب توجب العدة والنسب يثبت من المجبوب إلا أنه لا تبطل الفرقة ههنا لأن ثبوت النسب من المجبوب لا يدل على الدخول لأنه لا يتصور منه حقيقة وإنما يقذف بالماء فكان العلوق بقذف الماء فإذا لم يثبت الدخول لم تثبت الفرقة فإن فرق بالعنة فإن أقام الزوج البينة على إقرار المرأة قبل الفرقة أنه قد وصل إليها أبطل الفرقة لأن الشهادة على إقرارها بمنزلة إقرارها عند القاضي ولو كانت أقرت قبل التفريق لم يثبت حكم الفرقة وكذا إذا شهد على إقرارها بأن أقرت بعد الفرقة أنه كان وصل إليها قبل الفرقة لم تبطل الفرقة لأن إقرارها تضمن إبطال قضاء القاضي فلا تصدق على القاضي في إبطال قضائه فلا تقبل وإن كان زوج الأمة عنينا فالخيار في ذلك إلى المولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد الخيار إلى الأمة وجه قوله أن الخيار إنما يثبت لفوات الوطء وذلك حق الأمة فكان الخيار إليها كالحرة ولها أن المقصود من الوطء هو الولد والولد ملك المولى وحده ولأن اختيار الفرقة والمقام مع الزوج تصرف منها على نفسها ونفسها بجميع أجزائها ملك المولى فكان ولاية التصرف له فصل وأما بيان ما يبطل به الخيار فما يبطل به الخيار نوعان نص ودلالة فالنص هو التصريح بإسقاط الخيار وما يجري مجراه نحو أن يقول ( ( ( تقول ) ) ) أسقطت الخيار أو رضيت بالنكاح أو اخترت الزوج ونحو ذلك سواء كان ذلك بعد تخيير القاضي أو قبله والدلالة هي أن تفعل ما يدل على الرضا بالمقام مع الزوج بأن خيرها القاضي فأقامت مع الزوج مطاوعة له في المضجع وغير ذلك لأن ذلك دليل الرضا بالنكاح والمقام مع الزوج ولو فعلت ذلك بعد مضي الأجل قبل تخيير القاضي لم يكن ذلك رضا لأن إقامتها معه بعد المدة قد تكون لاختياره وقد تكون للاختيار بحاله فلا تكون دليل الرضا مع الاحتمال وهل يبطل خيارها بالقيام عن المجلس وذكر الكرخي أن ابن سماعة وبشرا قالا عن أبي يوسف إذا خيرها الحاكم فأقامت معه أو قامت من مجلسها قبل أن تختار أو قام الحاكم أو أقامها عن مجلسها بعض أعوان القاضي ولم تقل شيئا فلا خيار لها وهذا يدل على أن خيارها يتقيد بالمجلس وهو مجلس التخيير ولم يذكر الخلاف وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يقتصر على المجلس في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف ومحمد أنهما قالا يقتصر على المجلس كخيار المخيرة وجه ما روي عن أبي يوسف ومحمد أن تخيير القاضي ههنا قائم مقام تخيير الزوج ثم خيار المخيرة بتخيير الزوج يبطل بقيامها عن المجلس فكذا خيار هذه وكذا إذا قام الحاكم عن المجلس قبل أن تختار لأن مجلس التخيير قد بطل بقيام الحاكم وكذا إذا أقامها عن مجلسها بعض أعوان القاضي قبل الاختيار لأنها كانت قادرة على الاختيار قبل الإقامة فدل امتناعها مع القدرة على الرضا بالنكاح
وجه ظاهر الرواية وهو الفرق بين هذا الخيار وبين خيار المخيرة أن خيار المخيرة إنما اقتصر على المجلس لأن الزوج بالتخيير ملكها بالطلاق ( ( ( الطلاق ) ) ) إذ المالك للشيء هو الذي يتصرف فيه باختياره ومشيئته فكان التخيير من الزوج تمليكا للطلاق وجواب التمليك يقتصر على المجلس لأن المملك يطلب جواب التمليك في المجلس عادة ولهذا يقتصر القبول على المجلس في البيع كذا ههنا والتخيير من القاضي تفويض الطلاق وليس بتمليك لأنه لا يملك الطلاق بنفسه لأن الزوج ما ملكه الطلاق وإنما فوض إليه التطليق وولاه ذلك فيلي التفويض لا التمليك وإذا لم يملك بنفسه فكيف يملكه من غيره فهو الفرق بين التخييرين والله أعلم والمؤخذ والخصي في جميع ما وصفنا مثل العنين لوجود الآلة في حقهما فكانا كالعنين وكذلك الخنثى وأما المجبوب فإنه إذا عرف أنه مجبوب إما بإقراره أو بالمس فوق الإزار فإن كانت المرأة عالمة بذلك وقت النكاح فلا خيار لها لرضاها بذلك وإن لم تكن عالمة به فإنها تخير للحال ولا يؤجل حولا لأن التأجيل لرجاء الوصول ولا يرجى منه الوصول فلم يكن التأجيل مفيدا فلا يؤجل وإن اختارت الفرقة وفرق القاضي بينهما أو لم يفرق على الاختلاف الذي ذكرنا فلها كمال المهر وعليها كمال العدة إن كان قد خلى ( ( ( خلا ) ) ) بها في قول أبي حنيفة وعندهما لها نصف المهر وعليها كمال العدة وإن كان لم يخل بها فلها نصف المهر ولا عدة عليها بالإجماع وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم فصل وأما خلو الزوج عما سوى هذه العيوب الخمسة من الجب والعنة والتأخذ والخصاء والخنوثة فهل هو شرط لزوم النكاح قال أبو حنيفة وأبو يوسف ليس بشرط ولا يفسخ النكاح به وقال محمد خلوه من كل عيب لا يمكنها المقام معه إلا بضرر كالجنون والجذام والبرص شرط لزوم النكاح حتى يفسخ به النكاح وخلوه عما سوى ذلك ليس بشرط وهو مذهب الشافعي وجه قول محمد أن الخيار في العيوب الخمسة إنما ثبت لدفع الضرر عن المرأة وهذه العيوب في إلحاق الضرر بها فوق تلك لأنها من الأدواء المتعدية عادة فلما ثبت الخيار بتلك فلأن يثبت بهذه أولى بخلاف ما إذا كانت هذه العيوب في جانب المرأة لأن الزوج وإن كان يتضرر بها لكن يمكنه دفع الضرر عن نفسه بالطلاق فإن الطلاق بيده والمرأة لا يمكنها ذلك لأنها لا تملك الطلاق فتعين الفسخ طريقا لدفع الضرر ولهما أن الخيار في تلك العيوب ثبت لدفع ضرر فوات حقها المستحق بالعقد وهو الوطء مرة واحدة وهذا الحق لم يفت بهذه العيوب لأن الوطء يتحقق من الزوج مع هذه العيوب فلا يثبت الخيار هذا في جانب الزوج وأما في جانب المرأة فخلوها عن العيب ليس بشرط للزوم النكاح بلا خلاف بين أصحابنا حتى لا يفسخ النكاح بشيء من العيوب الموجودة فيها وقال الشافعي خلو المرأة عن خمسة عيوب بها شرط اللزوم ويفسخ النكاح بها وهي الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن واحتج بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فر من المجذوم فرارك من الأسد والفسخ طريق الفرار ولو لزم النكاح لما أمر بالفرار وروى أنه صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة فوجد بياضا في كشحها فردها وقال لها الحقي بأهلك ولو وقع النكاح لازما لما رد ولأن مصالح النكاح لا تقوم مع هذه العيوب أو تختل بها لأن بعضها مما ينفر عنها الطباع السليمة وهو الجذام والجنون والبرص فلا تحصل الموافقة فلا تقوم المصالح أو تختل وبعضها مما يمنع من الوطء وهو الرتق والقرن وعامة مصالح النكاح يقف حصولها على الوطء فإن العفة عن الزنا والسكن والولد لا يحصل إلا بالوطء ولهذا يثبت الخيار في العيوب الأربعة كذا ههنا
ولنا أن النكاح لا يفسخ بسائر العيوب فلا يفسخ بهذه العيوب أيضا لأن المعنى يجمعها وهو أن العيب لا يفوت ما هو حكم هذا العقد من جانب المرأة وهو الازدواج الحكمي وملك الاستمتاع وإنما يختل ويفوت به بعض ثمرات العقد وفوات جميع ثمرات هذا العقد لا يوجب حق الفسخ بأن مات أحد الزوجين عقيب العقد حتى يجب عليه كمال المهر ففوات بعضها أولى وهذا لأن الحكم الأصلي للنكاح هو الازدواج الحكمي وملك الاستمتاع شرع مؤكدا له والمهر يقابل إحداث هذا الملك وبالفسخ لا يظهر أن إحداث الملك لم يكن فلا يرتفع ما يقابل وهو المهر فلا يجوز الفسخ ولا شك أن هذه العيوب لا تمنع من الاستمتاع أما الجنون والجذام والبرص فلا يشكل وكذلك الرتق والقرن لأن اللحم يقطع والقرن يكسر فيمكن الاستمتاع بواسطة لهذا المعنى لم يفسخ بسائر العيوب كذا هذا وأما الحديث الأول فنقول بموجبه أنه يجب الاجتناب عنه والفرار يمكن بالطلاق لا بالفسخ وليس فيه تعيين طريق الاجتناب والفرار وأما الثاني فالصحيح من الرواية أنه قال لها الحقي بأهلك وهذا من كنايات الطلاق عندنا والكلام في الفسخ والرد المذكور فيه قول الراوي فلا يكون حجة أو نحمله ( ( ( تحمله ) ) ) على الرد بالطلاق عملا بالدلائل صيانة لها عن التناقض والله تعالى الموفق وخلو النكاح من خيار الرؤية ليس بشرط للزوم النكاح حتى لو تزوج امرأة ولم يرها لا خيار له إذا رآها بخلاف البيع وكذا خلوه عن خيار الشرط سواء جعل الخيار للزوج أو للمرأة أو لهما ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر حتى لو تزوج بشرط الخيار بطل الشرط وجاز النكاح فصل وأما الثاني فشرط بقاء النكاح لازما نوعان نوع يتعلق بالزوج في نكاح زوجته ونوع يتعلق بالمولى في نكاح أمته أما الذي يتعلق بالزوج في نكاح زوجته فعدم تمليكه الطلاق منها أو من غيرها بأن يقول لامرأته اختاري أو أمرك بيدك ينوي الطلاق أو طلقي نفسك أو أنت طالق إن شئت أو يقول لرجل طلق امرأتي إن شئت كذا عدم التطليق بشرط والإضافة إلى وقت لأنه بالتمليك جعل النكاح بحال لا يتوقف زواله على اختياره بعد الجعل وكذا بالتعليق والإضافة وهذا معنى عدم بقاء النكاح لازما وأما الذي يتعلق بالمولى في نكاح أمته فهو أن لا يعتق أمته المنكوحة حتى لو أعتقها لا يبقى العقد لازما وكان لها الخيار وهو المسمى بخيار العتاقة والكلام فيه في مواضع في بيان شرط ثبوت هذا الخيار وفي بيان وقت ثبوته وفي بيان ما يبطل به أما الأول فلثبوت هذا الخيار شرائط منها وجود النكاح وقت الإعتاق حتى لو أعتقها ثم زوجها من إنسان فلا خيار لها لانعدام النكاح وقت الإعتاق ولو أعتقها ثم زوجها وهي صغيرة فلها خيار البلوغ لا خيار العتق لما قلنا ومنها أن يكون التزويج نافذا حتى لو زوجت الأمة نفسها من إنسان بغير إذن مولاها ثم أعتقها المولى فلا خيار لها وأما كون الزوج رقيقا وقت الإعتاق فهل هو شرط ثبوت الخيار لها قال أصحابنا ليس بشرط ويثبت الخيار لها سواء كان زوجها حرا أو عبدا وقال الشافعي شرط ولا خيار لها إذا كان زوجها حرا واحتج بما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت زوج بريرة كان عبدا فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان حرا ما خيرها وهذا نص في الباب والظاهر أنها إنما قالت ذلك سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن الخيار في العبد إنما ثبت لدفع الضرر وهو ضرر عدم الكفاءة وضرر لزوم نفقة الأولاد وضرر نقصان المعاشرة لكون العبد مشغولا بخدمة المولى وشيء من ذلك لم يوجد في الحر فلا يثبت الخيار ولنا ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لبريرة حين أعتقت ملكت بضعك فاختاري وروي ملكت أمرك وروي ملكت نفسك والاستدلال به من وجهين أحدهما بنصه والآخر بعلة النص
أما الأول فهو أنه خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أعتقت وقد روى أن زوجها كان حرا فإن قيل روينا عن عائشة رضي الله عنها أن زوجها كان عبدا فتعارضت الروايتان فسقط الاحتجاج بهما فالجواب أن ما روينا مثبت للحرية وما رويتم مبق للرق والمثبت أولى لأن البقاء قد يكون باستصحاب الحال والثبوت يكون بناء على الدليل لا محالة فمن قال كان عبدا احتمل أنه اعتمد استصحاب الحال ومن قال كان حرا بنى الأمر على الدليل لا محالة فصار كالمزكيين جرح أحدهما شاهدا والآخر زكاه أنه يؤخذ بقول الجارح لما قلنا كذا هذا ولأن ما روينا موافق للقياس وما رويتم مخالف له لما نذكره إن شاء الله تعالى فالموافق للقياس أولى وأما الثاني فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ملكها بضعها أو أمرها أو نفسها علة لثبوت الخيار لها لأنه أخبر أنها ملكت بضعها ثم أعقبه بإثبات الخيار لها بحرف التعقيب وملكها نفسها مؤثر في رفع الولاية في الجملة لأن الملك اختصاص ولا اختصاص مع ولاية الغير والحكم إذا ذكر عقيب وصف له أثر في الجملة في جنس ذلك الحكم في الشرع كان ذلك تعليقا لذلك الحكم بذلك الوصف في أصول الشرع كما في قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وقوله عز وجل الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وكما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سها فسجد وروى أن ماعزا زنا فرجم ونحو ذلك والحكم يتعمم بعموم العلة ولا يتخصص بخصوص المحل كما في سائر العلل الشرعية والعقلية وزوج بريرة وإن كان عبدا لكن النبي صلى الله عليه وسلم لما بنى الخيار فيه على معنى عام وهو ملك البضع يعتبر عموم المعنى لا خصوص المحل والله الموفق ولأن بالإعتاق يزداد ملك النكاح عليها لأنه يملك عليها عقدة زائدة لم يكن يملكها قبل الإعتاق بناء على أن الطلاق بالبناء على أصل أصحابنا والمسألة فريعة ذلك الأصل ولها أن لا ترضى بالزيادة لأنها تتضرر بها ولها ولاية رفع الضرر عن نفسها ولا يمكنها رفع الزيادة إلا برفع أصل النكاح فبقيت لها ولاية رفع النكاح وفسخه ضرورة رفع الزيادة وقد خرج الجواب عن قوله إنه لا ضرر فيه لما بينا من وجه الضرر ولأنه لو لم يثبت لها الخيار وبقي النكاح لازما لأدى ذلك إلى أن يستوفي الزوج منافع بضع حرة جبرا ببدل استحقه غيرها بالعقد وهذا لا يجوز كما لو كان الزوج عبدا ولأن القول ببقاء هذا النكاح لازما يؤدي إلى استيفاء منافع بضع الحرة من غير بدل تستحقه الحرة وهذا لا يجوز لأنها لا ترضى باستيفاء منافع بضعها إلا ببدل تستحقه هي فلو لم يثبت الخيار لها لصار الزوج مستوفيا منافع بضعها وهي حرة جبرا عليها من غير رضاها ببدل استحقه مولاها وهذا لا يجوز لهذا المعنى ثبت لها الخيار إذا كان زوجها عبدا كذا إذا كان حرا وكذا اختلف في أن كونها رقيقة وقت النكاح هل هو شرط أم لا قال أبو يوسف ليس بشرط ويثبت لها الخيار سواء كانت رقيقة وقت النكاح فأعتقها المولى أو كانت حرة وقت النكاح ثم طرأ عليها الرق فأعتقها حتى أن الحربية إذا تزوجت في دار الحرب ثم سبيا معا ثم أعتقت فلها الخيار عنده وقال محمد هو شرط ولا خيار لها وكذا المسلمة إذا تزوجت مسلما ثم ارتدا ولحقا بدار الحرب ثم سبيت وزوجها معها فأسلما ثم أعتقت الأمة فهو على هذا الاختلاف فمحمد فرق بين الرق الطارىء على النكاح وبين المقارن إياه وأبو يوسف سوى بينهما وجه الفرق لمحمد أنها إذا كانت رقيقة وقت النكاح فالنكاح ينعقد موجبا للخيار عند الإعتاق وإذا كانت حرة فنكاح الحرة لا ينعقد موجبا للخيار فلا يثبت الخيار بطريان الرق بعد ذلك لأنه لا يوجب خللا في الرضا
ولأبي يوسف أن الخيار يثبت بالإعتاق لأن زيادة الملك تثبت به لأنها توجب العتق والعتق موجب الإعتاق ولا يثبت بالنكاح لأن النكاح السابق ما انعقد موجبا للزيادة لأنه صادف الأمة ونكاح الأمة لا يوجب زيادة الملك فالحاصل أن أبا يوسف يجعل زيادة الملك حكم الإعتاق ومحمد يجعلها حكم العقد السابق عند وجود الإعتاق وعلى هذا الأصل يخرج قول أبي يوسف أن خيار العتق يثبت مرة بعد أخرى وقول محمد إنه لا يثبت إلا مرة واحدة حتى لو أعتقت الأمة فاختارت زوجها ثم ارتد الزوجان معا ثم سبيت وزوجها معها فأعتقت فلها أن تختار نفسها عند أبي يوسف وعند محمد ليس لها ذلك لأن عند أبي يوسف الخيار ثبت بالإعتاق وقد تكرر الإعتاق فيتكرر الخيار وعند محمد يثبت بالعقد وأنه لم يتكرر فلا يثبت إلا خيار واحد فصل وأما وقت ثبوته فوقت علمها بالعتق وبالخيار وأهلية الاختيار فيثبت لها الخيار في المجلس الذي تعلم فيه بالعتق وبأن لها الخيار وهي من أهل الاختيار حتى لو أعتقها ولم تعلم بالعتق أو علمت بالعتق ولم تعلم بأن لها الخيار فلم تختر لم يبطل خيارها ولها بمجلس العلم إذا علمت بهما بخلاف خيار البلوغ فإن العلم بالخيار فيه ليس بشرط وقد بينا الفرق بينهما فيما تقدم كذلك ( ( ( وكذلك ) ) ) إذا أعتقها وهي صغيرة فلها خيار العتق إذا بلغت لأنها وقت الإعتاق لم تكن من أهل الاختيار وليس لها خيار البلوغ لأن النكاح وجد في حالة الرق والله عز وجل أعلم ولو تزوجت مكاتبة بإذن المولى فأعتقت فلها الخيار عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا خيار لها وجه قوله أنه لا ضرر عليها لأن النكاح وقع لها والمهر مسلم لها ولنا ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة وكانت مكاتبة ولأن علة النص عامة على ما بينا وكذا الملك يزداد عليها كما يزداد على القنة فصل وأما ما يبطل به فهذا الخيار يبطل بالإبطال نصا ودلالة من قول أو فعل يدل على الرضا بالنكاح على ما بينا في خيار الإدراك ويبطل بالقيام عن المجلس لأنه دليل الإعراض كخيار المخيرة ولا يبطل بالسكوت بل يمتد إلى آخر المجلس إذا لم يوجد منها دليل الإعراض كخيار المخيرة لأن السكوت يحتمل أن يكون لرضاها بالمقام معه ويحتمل أن يكون للتأمل لأن بالعتق ازداد الملك عليها فتحتاج إلى التأمل ولا بد للتأمل من زمان فقدر ذلك بالمجلس كما في خيار المخيرة وخيار القبول في البيع بخلاف خيار البلوغ أنه يبطل بالسكوت من البكر لأن بالبلوغ ما ازداد الملك فلا حاجة إلى التأمل فلم يكن سكوتها للتأمل فكان دليل الرضا وفي خيار المخيرة ثبت المجلس بإجماع الصحابة رضي الله عنهم غير معقول ولأنه لما ازداد الملك عليها جعلها العقد السابق في حق الزيادة بمنزلة إنشاء النكاح فيتقيد بالمجلس وإذا اختارت نفسها حتى وقعت ( ( ( وقت ) ) ) الفرقة كانت فرقة بغير طلاق لما نذكر إن شاء الله تعالى فلا تفتقر هذه الفرقة إلى قضاء القاضي بخلاف الفرقة بخيار البلوغ ووجه الفرق بينهما قد ذكرناه فيما تقدم والله عز وجل أعلم وأما بقاء الزوج قادرا على النفقة فليس بشرط لبقاء النكاح لازما حتى لو عجز عن النفقة لا يثبت لها حق المطالبة بالتفريق وهذا عندنا وعند الشافعي شرط ويثبت لها حق المطالبة بالتفريق احتج بقوله عز وجل فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان أمر عز وجل بالإمساك بالمعروف وقد عجز عن الإمساك بالمعروف لأن ذلك بإيفاء حقها في الوطء والنفقة فتعين عليه التسريح بالإحسان فإن فعل وإلا ناب للقاضي ( ( ( القاضي ) ) ) منابه في التسريح وهو التفريق ولأن النفقة عوض عن ملك النكاح وقد فات العوض بالعجز فلا يبقى النكاح لازما كالمشتري إذا وجد المبيع معيبا والدليل عليه أن فوات العوض بالجب والعنة يمنع بقاءه لازما فكذا فوات المعوض لأن النكاح عقد معاوضة
ولنا أن التفريق إبطال ملك النكاح على الزوج من غير رضاه وهذا في الضرر فوق ضرر المرأة بعجز الزوج عن النفقة لأن القاضي يفرض النفقة على الزوج إذا طلبت المرأة الفرض ويأمرها بالإنفاق من مال نفسها إن كان لها مال وبالاستدانة إن لم يكن إلى وقت اليسار فتصير النفقة دينا في ذمته بقضاء القاضي فترجع المرأة عليه بما أنفقت إذا أيسر الزوج فيتأخر حقها إلى يسار الزوج ولا يبطل وضرر الإبطال فوق ضرر التأخير بخلاف التفريق بالجب والعنة ولأن هناك الضرر من الجانبين جميعا ضرر إبطال الحق لأن حق المرأة يفوت عن الوطء وضررها أقوى لأن الزوج لا يتضرر بالتفريق كثير ضرر لعجزه عن الوطء فأما المرأة فإنها محل صالح للوطء فلا يمكنها استيفاء حظها من هذا الزوج ولا من زوج آخر لمكان هذا الزوج فكان الرجحان لضررها فكان أولى بالدفع وأما الآية الكريمة فقد قيل في التفسير إن الإمساك بالمعروف هو الرجعة وهو أن يراجعها على قصد الإمساك والتسريح بالإحسان هو أن يتركها حتى تنقضي عدتها مع ما أن الإمساك بالمعروف يختلف باختلاف حال الزوج ألا ترى إلى قوله عز وجل على الموسع قدره وعلى المقتر قدره فالإمساك بالمعروف في حق العاجز عن النفقة بالتزام النفقة على أنه إن كان عاجزا عن الإمساك بالمعروف فإنما يجب عليه التسريح بالإحسان إذا كان قادرا ولا قدرة له على ذلك لأن ذلك بالتطليق مع إيفاء حقها في نفقة العدة وهو عاجز عن نفقة الحال فكيف يقدر على نفقة العدة على أن لفظ التسريح محتمل يحتمل أن يكون المراد منه التفريق بإبطال النكاح ويحتمل أن يكون المراد منه التفريق والتبعيد من حيث المكان وهو تخلية السبيل وإزالة اليد إذ حقيقة التسريح هي التخلية وذلك قد يكون بإزالة اليد والحبس وعندنا لا يبقى له ولاية الحبس فلا يكون حجة مع الاحتمال وأما قوله النفقة عوض عن ملك النكاح فممنوع فإن العوض ما يكون مذكورا في العقد نصا والنفقة غير منصوص عليها فلا تكون عوضا بل هي بمقابلة الاحتباس وعندنا ولاية تزول عند العجز ثم إن سلمنا أنه عوض لكن بقاء المعوض مستحقا يقف على استحقاق العوض في الجملة لا على وصول العوض للحال والنفقة ههنا مستحقة في الجملة وإن كانت لا تصل إليها للحال فيبقى العوض حقا للزوج والله عز وجل أعلم فصل وأما بيان حكم النكاح فنقول وبالله التوفيق الكلام في هذا الفصل في موضعين في الأصل أحدهما في بيان حكم النكاح والثاني في بيان ما يرفع حكمه أما الأول فالنكاح لا يخلو إما أن يكون صحيحا وإما أن يكون فاسدا ويتعلق بكل واحد منهما أحكام
أما النكاح الصحيح فله أحكام بعضها أصلي وبعضها من التوابع أما الأصلية منها فحل الوطء إلا في حالة الحيض والنفاس والإحرام وفي الظهار قبل التكفير لقوله سبحانه وتعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين نفي اللوم عمن لا يحفظ فرجه على زوجته فدل على حال ( ( ( حل ) ) ) الوطء إلا أن الوطء في حالة الحيض خص بقوله عز وجل ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن والنفاس أخو الحيض وقوله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم والإنسان بسبيل من التصرف في حرثه مع ما أنه قد أباح إتيان الحرث بقوله عزوجل فأتوا حرثكم أنى شئتم وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان لا يملكن شيئا اتخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وكلمة الله المذكورة في كتابه العزيز لفظة الإنكاح والتزويج فدل الحديث على حل الاستمتاع بالنساء بلفظة الإنكاح والتزويج وغيرهما في معناهما فكان الحل ثابتا ولأن النكاح ضم وتزويج لغة فيقتضي الإنضمام والإزدواج ولا يتحقق ذلك إلا بحل الوطء والاستمتاع لأن الحرية تمنع من ذلك وهذا الحكم وهو حل الاستمتاع مشترك بين الزوجين فإن المرأة كما تحل لزوجها فزوجها يحل لها قال عز وجل لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وللزوج أن يطالبها بالوطء متى شاء إلا عند اعتراض أسباب مانعة من الوطء كالحيض والنفاس والظهار والإحرام وغير ذلك وللزوجة أن تطالب زوجها بالوطء لأن حله لها حقها كما أن حلها له حقه وإذا طالبته يجب على الزوج ويجبر عليه في الحكم مرة واحدة والزيادة على ذلك تجب فيما بينه وبين الله تعالى من باب حسن المعاشرة واستدامة النكاح فلا يجب عليه في الحكم عند بعض أصحابنا وعند بعضهم يجب عليه في الحكم فصل ومنها حل النظر والمس من رأسها إلى قدميها في حالة الحياة لأن الوطء فوق النظر والمس فكان إحلاله إحلالا للمس والنظر من طريق الأولى وهل يحل الاستمتاع بها بما دون الفرج في حالة الحيض والنفاس فيه خلاف ذكرناه في كتاب الاستحسان وأما بعد الموت فلا يحل له المس والنظر عندنا خلافا للشافعي والمسألة ذكرناها في كتاب الصلاة فصل ومنها ملك المتعة وهو اختصاص الزوج بمنافع بضعها وسائر أعضائها استمتاعا أو ملك الذات والنفس في حق التمتع على اختلاف مشايخنا في ذلك لأن مقاصد النكاح لا تحصل بدونه ألا ترى أنه لولا الاختصاص الحاجز عن التزويج بزوج آخر لا يحصل السكن لأن قلب الزوج لا يطمئن إليها ونفسه لا تسكن معها ويفسد الفراش لاشتباه النسب ولأن المهر لازم في النكاح وأنه عوض عن الملك لما ذكرنا فيما تقدم فيدل على لزوم الملك في النكاح أيضا تحقيقا للمعاوضة وهذا الحكم على الزوجة للزوج خاصة لأنه عوض عن المهر والمهر على الرجل وقيل في تأويل قوله عز وجل وللرجال عليهن درجة أن الدرجة هي الملك فصل ومنها ملك الحبس والقيد وهو صيرورتها ممنوعة عن الخروج والبروز لقوله تعالى أسكنوهن والأمر بالإسكان نهي عن الخروج والبروز والإخراج إذ الأمر بالفعل نهى عن ضده وقوله عز وجل وقرن في بيوتكن وقوله عز وجل لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ولأنها لو لم تكن ممنوعة عن الخروج والبروز لاختل السكن والنسب لأن ذلك مما يريب الزوج ويحمله على نفي النسب فصل ومنها وجوب المهر على الزوج وأنه حكم أصلي للنكاح عندنا لا وجود له بدونه شرعا وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم ولأن المهر عوض عن الملك لأنه يجب بمقابلة إحداث الملك على ما مر وثبوت العوض يدل على ثبوت المعوض فصل ومنها ثبوت النسب
وإن كان ذلك حكم الدخول حقيقة لكن سببه الظاهر هو النكاح لكون الدخول أمرا باطنا فيقام النكاح مقامه في إثبات النسب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر وكذا لو تزوج المشرقي بمغربية فجاءت بولد يثبت النسب وإن لم يوجد الدخول حقيقة لوجود سببه وهو النكاح فصل ومنها وجوب النفقة والسكنى لقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله وقوله أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق لأنها لا تمكن من الخروج للكسب لكونها عاجزة بأصل الخلقة لضعف بنيتها والكلام في سبب وجوب هذه النفقة وشرط وجوبها ومقدار الواجب منها نذكره إن شاء الله تعالى في كتاب النفقة فصل ومنها حرمة المصاهرة وهي حرمة أنكحة فرق معلومة ذكرناهم فيما تقدم وذكرنا دليل الحرمة إلا أن في بعضها تثبت الحرمة بنفس النكاح وفي بعضها يشترط الدخول وقد بينا جملة ذلك في مواضعها فصل ومنها الإرث من الجانبين جميعا لقوله عز وجل ولكم نصف ما ترك أزواجكم إلى قوله عز وجل فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين فصل ومنها وجوب العدل بين النساء في حقوقهن وجملة الكلام فيه أن الرجل لا يخلو إما أن يكون له أكثر من امرأة واحدة وأما أن كانت له امرأة واحدة فإن كان له أكثر من امرأة فعليه العدل بينهن في حقوقهن من القسم والنفقة والكسوة وهو التسوية بينهن في ذلك حتى لو كانت تحته امرأتان حرتان أو أمتان يجب عليه أن يعدل بينهما في المأكول والمشروب والملبوس والسكنى والبيتوتة والأصل فيه قوله تعالى ( ( ( عز ) ) ) فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة عقيب قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع أي إن خفتم أن لا تعدلوا في القسم والنفقة في نكاح المثنى والثلاث والرباع فواحدة ندب سبحانه وتعالى إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة وإنما يخاف على ترك الواجب فدل أن العدل بينهن في القسم والنفقة واجب وإليه أشار في آخر الآية بقوله ذلك أدنى ألا تعولوا أي تجوروا والجور حرام فكان العدل واجبا ضرورة ولأن العدل مأمور به لقوله عز وجل إن الله يأمر بالعدل والإحسان على العموم والإطلاق إلا ما خص أو قيد بدليل وروى عن أبي قلابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعدل بين نسائه في القسمة ويقول اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك أنت ولا أملك وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل ويستوي في القسم البكر والثيب والشابة والعجوز والقديمة والحديثة والمسلمة والكتابية لما ذكرنا من الدلائل من غير فصل ولأنهما يستويان في سبب وجوب القسم وهو النكاح فيستويان في وجوب القسم ولا قسم للمملوكات بملك اليمين أي لا ليلة لهن وإن كثرن لقوله عز وجل وإن خفتم ألا تقسطوا ( ( ( تعدلوا ) ) ) في ( ( ( فواحدة ) ) ) اليتامى فانكحوا ما طاب ( ( ( ملكت ) ) ) لكم ( ( ( أيمانكم ) ) ) قصر الإباحة في النكاح على عدد لتحقق الجور في الزيادة ثم ندب سبحانه وتعالى إلى نكاح الواحدة عند خوف الجور في الزيادة وأباح من ملك اليمين من غير عدد فدل أنه ليس فيه خوف الجور وإنما لا يكون إذا لم يكن لهن قسم إذ لو كان لكان فيه خوف الجور كما في المنكوحة ولأن سبب الوجوب هو النكاح ولم يوجد
ولو كانت إحداهما حرة والأخرى أمة فللحرة يومان وللأمة يوم لما روى عن علي رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحرة الثلثان ( ( ( ثلثان ) ) ) من القسم وللأمة الثلث ولأنهما ما استويا في سبب الوجوب وهو النكاح فإنه لا يجوز نكاح الأمة بعد نكاح الحرة ولا مع نكاحها وكذا لا يجوز للعبد أن يتزوج بأكثر من اثنتين وللحر أن يتزوج بأربع نسوة فلم يتساويا في السبب فلا يتساويان في الحكم بخلاف المسلمة مع الكتابية لأن الكتابية يجوز نكاحها قبل المسلمة وبعدها ومعها وكذا للذمي أن يجمع بين أربع نسوة كالحر المسلم فتساويا في سبب الوجوب فيتساويان في الحكم ولأن الحرية تنبىء عن الكمال والرق يشعر بنقصان الحال وقد ظهر أثر النقصان في الشرع في المالكية وحل المحلية والعدة والحد وغير ذلك فكان ( ( ( فكذا ) ) ) في القسم وهذا التفاوت في السكنى والبيتوتة يسكن عند الحرة ليلتين وعند الأمة ليلة فأما في المأكول والمشروب والملبوس فإنه يسوي بينهما لأن ذلك من الحاجات اللازمة فيستوي فيه الحرة والأمة والمريض في وجوب القسم عليه كالصحيح لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن نساءه في مرض موته أن يكون في بيت عائشة رضي الله عنها فلو سقط القسم بالمرض لم يكن للاستئذان معنى ولا قسم على الزوج إذا سافر حتى لو سافر بإحداهما وقدم من السفر وطلبت الأخرى أن يسكن عندها مدة السفر فليس لها ذلك لأن مدة السفر ضائعة بدليل أن له أن يسافر وحده دونهن لكن الأفضل أن يقرع بينهن فيخرج بمن خرجت قرعتها تطييبا لقلوبهن دفعا لتهمة الميل عن نفسه هكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر أقرع بين نسائه وقال الشافعي إن سافر بها بقرعة فكذلك فأما إذا سافر بها بغير قرعة فإنه يقسم للباقيات وهذا غير سديد لأن بالقرعة لا يعرف أن لها حقا في حالة السفر أو لا فإنها لا تصلح لإظهار الحق إبدا لاختلاف عملها في نفسها فإنها لا تخرج على وجه واحد بل مرة هكذا ومرة هكذا والمختلف فيه لا يصلح دليلا على شيء ولو وهبت إحداهما قسمها لصاحبتها أو رضيت بترك قسمها جاز لأنه حق ثبت لها فلها أن تستوفي ولها أن تترك وقد روى أن سودة بنت زمعة رضي الله عنها لما كبرت وخشيت أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت يومها لعائشة رضي الله عنها وقيل فيها نزل قوله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير والمراد من الصلح هو الذي جرى بينهما كذا قاله ابن عباس رضي الله عنهما فإن رجعت عن ذلك وطلبت قسمها فلها ذلك لأن ذلك كله كان إباحة منها والإباحة لا تكون لازمة كالمباح له الطعام أنه يملك المبيح منعه والرجوع عن ذلك ولو بذلت واحدة منهن مالا للزوج ليجعل لها في القسم أكثر مما تستحقه لا يحل للزوج أن يفعل ويرد ما أخذه منها لأنه رشوة لأنه أخذ المال لمنع الحق عن المستحق وكذلك لو بذل الزوج لواحدة منهن مالا لتجعل نوبتها لصاحبتها أو بذلت هي لصاحبتها مالا لتترك نوبتها لها لا يجوز شيء من ذلك ويسترد المال لأن هذا معاوضة القسم بالمال فيكون في معنى البيع وأنه لا يجوز كذا هذا هذا إذا كان له امرأتان أو أكثر من ذلك فأما إذا كانت له امرأة واحدة فطالبته بالواجب لها ذكر القدوري رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه قال إذا تشاغل الرجل عن زوجته بالصيام أو بالصلاة أو بأمة اشتراها قسم لامرأته من كل أربعة أيام يوما ومن كل أربع ليال ليلة وقيل له تشاغل ثلاثة أيام وثلاث ليالي ( ( ( ليال ) ) ) بالصوم أو بالأمة وهكذا كان الطحاوي يقول إنه يجعل لها يوما واحدا يسكن عندها وثلاثة أيام ولياليها يتفرغ للعبادة وأشغاله
وجه هذا القول ما ذكره محمد في كتاب النكاح أن امرأة رفعت زوجها إلى عمر رضي الله عنه وذكرت أنه يصوم النهار ويقوم الليل فقال عمر رضي الله عنه ما أحسنك ثناءا ( ( ( ثناء ) ) ) على بعلك فقال كعب يا أمير المؤمنين إنها تشكو إليك زوجها فقال عمر رضي الله عنه وكيف ذلك فقال كعب إنه إذا صام النهار وقام الليل فكيف يتفرغ لها فقال عمر رضي الله عنه لكعب إحكم بينهما فقال أراها إحدى نسائه الأربع يفطر لها يوما ويصوم ثلاثة أيام فاستحسن ذلك منه عمر رضي الله عنه وولاه قضاء البصرة ذكر محمد هذا في كتاب النكاح ولم يذكر أنه يأخذ بهذا القول وذكر الجصاص أن هذا ليس مذهبنا لأن المزاحمة في القسم إنما تحصل بمشاركات الزوجات فإذا لم يكن له زوجة غيرها لم تتحقق المشاركة فلا يقسم لها وإنما يقال له لا تداوم على الصوم ووف المرأة حقها كذا قاله الجصاص وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن أبا حنيفة كان يقول أولا كما روى الحسن عنه لما أشار إليه كعب وهو أن للزوج أن يسقط حقها عن ثلاثة أيام بأن يتزوج ثلاثا أخر سواها فلما لم يتزوج فقد جعل ذلك لنفسه فكان الخيار له في ذلك فإن شاء صرف ذلك إلى الزوجات وإن شاء صرفه إلى صيامه وصلاته وأشغاله ثم رجع عن ذلك وقال هذا ليس بشيء لأنه لو تزوج أربعا فطالبن بالواجب منه يكون لكل واحدة منهن ليلة من الأربع فلو جعلنا هذا حقا لكل واحدة منهن لا يتفرغ لأعماله فلم يوقت في هذا وقتا وإن كانت المرأة أمة فعلى قول أبي حنيفة أخيرا إن صح الرجوع لا شك أنه لا يقسم لها كما لا يقسم للحرة من طريق الأولى وعلى قوله الأول وهو قول الطحاوي يجعل لها ليلة من كل سبع ليال لأن للزوج حق إسقاط حقها عن ستة أيام والاقتصار على يوم واحد بأن يتزوج عليها ثلاث حرائر لأن للحرة ليلتين وللأمة ليلة واحدة فلما لم يتزوج فقد جعل ذلك لنفسه فكان بالخيار إن شاء صرف ذلك إلى الزوجات وإن شاء صرفه إلى الصوم والصلاة وإلى أشغال نفسه والإشكال عليه ما نقل عن أبي حنيفة وما ذكره الجصاص أيضا والله عز وجل الموفق فصل ومنها وجوب طاعة الزوج على الزوجة إذا دعاها إلى الفراش لقوله تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف قيل لها المهر والنفقة وعليها أن تطيعه في نفسها وتحفظ غيبته ولأن الله عز وجل أمر بتأديبهن بالهجر والضرب عند عدم طاعتهن ونهى عن طاعتهن بقوله عز وجل فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا فدل أن التأديب كان لترك الطاعة فيدل على لزوم طاعتهن الأزواج فصل ومنها ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه فيما يلزم طاعته بأن كانت ناشزة فله أن يؤدبها لكن على الترتيب فيعظها أولا على الرفق واللين بأن يقول لها كوني من الصالحات القانتات الحافظات للغيب ولا تكوني من كذا وكذا فلعل تقبل الموعظة فتترك النشوز فإن نجعت فيها الموعظة ورجعت إلى الفراش وإلا هجرها وقيل يخوفها بالهجر أولا والاعتزال عنها وترك الجماع والمضاجعة فإن تركت وإلا هجرها لعل نفسها لا تحتمل الهجر ثم اختلف في كيفية الهجر قيل يهجرها بأن لا يجامعها ولا يضاجعها على فراشه وقيل يهجرها بأن لا يكلمها في حال مضاجعته إياها لا أن يترك جماعها ومضاجعتها لأن ذلك حق مشترك بينهما فيكون في ذلك عليه من الضرر ما عليها فلا يؤدبها بما يضر بنفسه ويبطل حقه
وقيل يهجرها بأن يفارقها في المضجع ويضاجع أخرى في حقها وقسمها لأن حقها عليه في القسم في حال الموافقة وحفظ حدود الله تعالى لا في حال التضييع وخوف النشوز والتنازع وقيل يهجرها بترك مضاجعتها وجماعها لوقت غلبة شهوتها وحاجتها لا في وقت حاجتها ( ( ( حاجته ) ) ) إليها لأن هذا للتأديب والزجر فينبغي أن يؤدبها لا أن يؤدب نفسه بامتناعه عن المضاجعة في حال حاجته إليها فإذا هجرها فإن تركت النشوز وإلا ضربها عند ذلك ضربا غير مبرح ولا شائن والأصل فيه قوله عز وجل واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فظاهر الآية وإن كان بحرف الواو الموضوعة للجمع المطلق لكن المراد منه الجمع على سبيل الترتيب والواو تحتمل ذلك فإن نفع الضرب وإلا رفع الأمر إلى القاضي ليوجه إليهما حكمين حكما من أهله وحكما من أهلها كما قال الله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما وسبيل هذا سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق سائر الناس أن الآمر يبدأ بالموعظة على الرفق واللين دون التغليظ في القول فإن قبلت وإلا غلظ القول به فإن قبلت وإلا بسط يده فيه وكذلك إذا ارتكبت محظورا سوى النشوز ليس فيه حد مقدر فللزوج أن يؤدبها تعزيرا لها لأن للزوج أن يعزر زوجته كما للمولى أن يعزر مملوكه فصل ومنها المعاشرة بالمعروف وأنه مندوب إليه ومستحب قال الله تعالى وعاشروهن بالمعروف قيل هي المعاشرة بالفضل والإحسان قولا وفعلا وخلقا قال النبي صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي وقيل المعاشرة بالمعروف هي أن يعاملها بما لو فعل بك مثل ذلك لم تنكره بل تعرفه وتقبله وترضى به وكذلك من جانبها هي مندوبة إلى المعاشرة الجميلة مع زوجها بالإحسان باللسان واللطف في الكلام والقول المعروف الذي يطيب به نفس الزوج وقيل في قوله تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف أن الذي عليهن من حيث الفضل والإحسان هو أن يحسن إلى أزواجهن بالبر باللسان والقول بالمعروف والله عز وجل أعلم ويكره للزوج أن يعزل عن امرأته الحرة بغير رضاها لأن الوطء عن إنزال سبب لحصول الولد ولها في الولد حق وبالعزل يفوت الولد فكأنه سببا لفوات حقها وإن كان العزل برضاها لا يكره لأنها رضيت بفوات حقها ولما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال اعزلوهن أو لا تعزلوهن أن الله تعالى إذا أراد خلق نسمة فهو خالقها إلا أن العزل حال عدم الرضا صار مخصوصا وكذلك إذا كانت المرأة أمة الغير أنه يكره العزل عنها من غير رضا لكن يحتاج إلى رضاها أو رضا مولاها قال أبو حنيفة الإذن في ذلك إلى المولي وقال أبو يوسف ومحمد إليها وجه قولهما أن قضاء الشهوة حقها والعزل يوجب نقصانا في ذلك ولأبي حنيفة أن كراهة العزل لصيانة الولد والولد له لا لها والله عز وجل أعلم فصل وأما النكاح الفاسد
فلا حكم له قبل الدخول وأما بعد الدخول فيتعلق به أحكام منها ثبوت النسب ومنها وجوب العدة وهو حكم الدخول في الحقيقة ومنها وجوب المهر والأصل فيه أن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة لانعدام محله أعني محل حكمه وهو الملك لأن الملك يثبت في المنافع ومنافع البضع ملحقة بالأجزاء والحر بجميع أجزائه ليس محلا للملك لأن الحرية خلوص والملك ينافي الخلوص ولأن الملك في الآدمي لا يثبت إلا بالرق والحرية تنافي الرق إلا أن الشرع أسقط اعتبار المنافي في النكاح الصحيح لحاجة الناس إلى ذلك وفي النكاح الفاسد بعد الدخول لحاجة الناكح إلى درء الحد وصيانة مائه عن الضياع بثبات النسب ووجوب العدة وصيانة البضع المحترم عن الاستعمال من غير غرامة ولا عقوبة توجب المهر فجعل منعقدا في حق المنافع المستوفاة لهذه الضرورة ولا ضرورة قبل استيفاء المنافع وهو ما قبل الدخول فلا يجعل منعقدا قبله ثم الدليل على وجوب مهر المثل بعد الدخول ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مواليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها مهر مثلها جعل صلى الله عليه وسلم لها مهر المثل فيما له حكم النكاح الفاسد وعلقه بالدخول فدل أن وجوبه متعلق به ثم اختلف في تقدير هذا المهر وهو المسمى بالعقر قال أصحابنا الثلاثة يجب الأقل من مهر مثلها ومن المسمى وقال زفر يجب مهر المثل بالغا ما بلغ وكذا هذا الخلاف في الإجارة الفاسدة وجه قول زفر أن المنافع تتقوم بالعقد الصحيح والفاسد جميعا كالأعيان فيلزم إظهار أثر التقوم وذلك بإيجاب مهر المثل بالغا ما بلغ لأنه قيمة منافع البضع وإنما العدول إلى المسمى عند صحة التسمية ولم تصح لهذا المعنى أوجبنا كمال القيمة في العقد الفاسد كذا ههنا ولنا أن العاقدين ما قوما المنافع بأكثر من المسمى فلا تتقوم بأكثر من المسمى فحصلت الزيادة مستوفاة من غير عقد فلم تكن لها قيمة إلا أن مهر المثل إذا كان أقل من المسمى لا يبلغ به المسمى لأنها رضيت بذلك القدر لرضاها بمهر مثلها واختلف أيضا في وقت وجوب العدة أنها من أي وقت تعتبر قال أصحابنا الثلاثة أنها تجب من حين يفرق بينهما وقال زفر من آخر وطء وطئها حتى لو كانت قد حاضت ثلاث حيض بعد آخر وطء وطئها قبل التفريق فقد انقضت عدتها عنده وجه قوله إن العدة تجب بالوطء لأنها تجب لاستبراء الرحم وذلك حكم الوطء ألا ترى أنها لا تجب قبل الوطء وإذا كان وجوبها بالوطء تجب عقيب الوطء بلا فصل كأحكام سائر العلل
ولنا أن النكاح الفاسد بعد الوطء منعقد في حق الفراش لما بينا والفراش لا يزول قبل التفريق بدليل أنه لو وطئها قبل التفريق لا حد عليه ولا يجب عليه بتكرار الوطء إلا مهر واحد ولو وطئها بعد التفريق يلزمه الحد ولو دخلته شبهة حتى امتنع وجوب الحد يلزمه مهر آخر فكان التفريق في النكاح الفاسد بمنزلة الطلاق في النكاح الصحيح فيعتبر ابتداء العدة منه كما تعتبر من وقت الطلاق في النكاح الصحيح والخلوة في النكاح الفاسد لا توجب العدة لأنه ليس بنكاح حقيقة إلا أنه ألحق بالنكاح في حق المنافع المستوفاة حقيقة مع قيام المنافع لحاجة الناكح إلى ذلك فيبقى في حق غير المستوفى على أصل العدم ولم يوجد استيفاء المنافع حقيقة بالخلوة ولأن الموجب للعدة في الحقيقة هو الوطء لأنها تجب لتعرف براءة الرحم ولم يوجد حقيقة إلا أنا أقمنا التمكين من الوطء في النكاح الصحيح مقامه في حق حكم يحتاط فيه لوجود دليل التمكن وهو الملك المطلق ولم يوجد ههنا بخلاف الخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح أنها توجب العدة إذا كان متمكنا من الوطء حقيقة وإن كان ممنوعا عنه شرعا بسبب الحيض أو الإحرام أو الصوم أو نحو ذلك لأن هناك دليل الإطلاق شرعا موجود وهو الملك المطلق إلا أنه منع منه لغيره فكان التمكن ثابتا ودليله موجود فيقام مقام المدلول في موضع الاحتياط وههنا بخلافه ولا يوجب المهر أيضا لأنه لما لم يجب بها العدة فالمهر أولى لأن العدة يحتاط في وجوبها ولا يحتاط في وجوب المهر فصل وأما بيان ما يرفع حكم النكاح فبيانه بيان ما تقع به الفرقة بين الزوجين ولوقوع الفرقة بين الزوجين أسباب لكن الواقع ببعضها فرقة بطلاق وبعضها فرقة بغير طلاق وفي بعضها يقع فرقة بغير قضاء القاضي وفي بعضها لا يقع إلا بقضاء القاضي فنذكر جملة ذلك بتوفيق الله عز وجل منها الطلاق بصريحه وكناياته وله كتاب منفرد ( ( ( مفرد ) ) ) ومنها اللعان ولا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي عند أصحابنا وكذا في كيفية هذه الفرقة خلاف بين أصحابنا نذكره إن شاء الله تعالى في كتاب اللعان ومنها اختيار الصغير أو الصغيرة بعد البلوغ في خيار البلوغ وهذه الفرقة لا تقع إلا بتفريق القاضي بخلاف الفرقة باختيار المرأة نفسها في خيار العتق أنها تثبت بنفس الاختيار وقد بينا وجه الفرق فيما تقدم والفرقة في الخيارين جميعا تكون فرقة بغير طلاق بل تكون فسخا حتى لو كان الزوج لم يدخل بها فلا مهر لها أما في خيار العتق فلا شك فيه لأن الفرقة وقعت بسبب وجد منها وهو اختيارها نفسها واختيارها نفسها لا يجوز أن يكون طلاقا لأنها لا تملك الطلاق إلا إذا ملكت كالمخيرة فكان فسخا وفسخ العقد رفعه من الأصل وجعله كأن لم يكن ولو لم يكن حقيقة لم يكن لها مهر فكان ( ( ( فكذا ) ) ) إذا التحق بالعدم من الأصل وكذا في خيار البلوغ إذا كان من له الخيار هو المرأة فاختارت نفسها قبل الدخول بها لما قلنا
وأما إذا كان من له الخيار هو الغلام فاختار نفسه قبل الدخول بها فلا مهر لها أيضا وهذا فيه نوع إشكال لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج فيجب أن تكون فرقة بطلاق ويتعلق بها نصف المهر والانفصال أن الشرع أثبت له الخيار فلا بد أن يكون مفيدا ولو كان ذلك طلاقا ووجب عليه المهر لم يكن لإثبات الخيار معنى لأنه يملك الطلاق فإذا لا فائدة في الخيار إلا سقوط المهر وإن كان قد دخل بها لا يسقط المهر لأن المهر قد تأكد بالدخول فلا يحتمل السقوط بالفرقة كما لا يحتمل السقوط بالموت أو لأن الدخول استيفاء منافع البضع وأنه أمر خفي فلا يحتمل الارتفاع من الأصل بالفسخ بخلاف العقد فإنه أمر شرعي فكان محتملا للفسخ ولأنه لو فسخ النكاح بعد الدخول لوجب عليه رد المنافع المستوفاة لأنه عاد البدل إليه فوجب أن يعود المبدل إليها وهو لا يقدر على ردها فلا يفسخ وإذا لم يقدر على ردها يغرم قيمتها وقيمتها هو المهر المسمى فلا يفيد ولأنها ( ( ( ولأنه ) ) ) لما استوفى المنافع فقد استوفى المعقود عليه وهو المبدل فلا يسقط البدل ومنها اختيار المرأة نفسها لعيب الجب والعنة والخصاء والخنوثة والتأخذ بتفريق القاضي أو بنفس الاختيار على ما بينا وأنه فرقة بطلاق ( ( ( بطلان ) ) ) لأن سبب ثبوتها حصل من الزوج وهو المنع من إيفاء حقها المستحق بالنكاح وأنه ظلم وضرر في حقها إلا أن القاضي قام مقامه في دفع الظلم والأصل أن الفرقة إذا حصلت بسبب من جهة الزوج مختص بالنكاح أن تكون فرقة بطلاق ( ( ( بطلان ) ) ) حتى لو كان ذلك قبل الدخول بها وقبل الخلوة فلها نصف المسمى إن كان في النكاح تسمية وإن لم يكن فيه تسمية فلها المتعة ومنها التفريق لعدم الكفاءة أو لنقصان المهر والفرقة به فرقة بغير طلاق لأنها فرقة حصلت لا من جهة الزوج فلا يمكن أن يجعل ذلك طلاقا لأنه ليس لغير الزوج ولاية الطلاق فيجعل فسخا ولا تكون هذه الفرقة إلا عند القاضي لما ذكرنا في الفرقة بخيار البلوغ ومنها إباء الزوج الإسلام بعدما أسلمت زوجته في دار الإسلام ومنها إباء الزوجة الإسلام بعدما أسلم زوجها المشرك أو المجوسي في دار الإسلام وجملة الكلام فيه أن الزوجين الكافرين إذا أسلم أحدهما في دار الإسلام فإن كانا كتابيين فأسلم الزوج فالنكاح بحاله لأن الكتابية محل لنكاح المسلم ابتداء فكذا بقاء وإن أسلمت المرأة لا تقع الفرقة بنفس الإسلام عندنا ولكن يعرض الإسلام على زوجها فإن أسلم بقيا على النكاح وإن أبى الإسلام فرق القاضي بينهما لأنه لا يجوز أن تكون المسلمة تحت نكاح الكافر ولهذا لم يجز نكاح الكافر المسلمة ابتداء فكذا في البقاء عليه وإن كانا مشركين أو مجوسيين فأسلم أحدهما أيهما كان يعرض الإسلام على الآخر ولا تقع الفرقة بنفس الإسلام عندنا فإن أسلم فهما على النكاح وإن أبى الإسلام فرق القاضي بينهما لأن المشركة لا تصلح لنكاح المسلم غير أن الإباء إن كان من المرأة يكون فرقة بغير طلاق لأن الفرقة جاءت من قبلها وهو الإباء من الإسلام والفرقة من قبل المرأة لا تصلح طلاقا لأنها تلي الطلاق فيجعل فسخا وإن كان الإباء من الزوج يكون فرقة بطلاق في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يكون فرقة بغير طلاق وهذا كله مذهب أصحابنا وقال الشافعي إذا أسلم أحد الزوجين وقعت الفرقة بنفس الإسلام غير أنه إن كان ذلك قبل الدخول تقع الفرقة للحال فأما بعد الدخول فلا تقع الفرقة حتى تمضي ثلاث حيض فإن أسلم الآخر قبل مضيها فالنكاح بحاله وإن لم يسلم بانت بمضيها أما الكلام مع الشافعي فوجه قوله إن كفر الزوج يمنع من نكاح المسلمة ابتداء حتى لا يجوز للكافر أن ينكح المسلمة وكذلك شرك المرأة وتمجسها مانع من نكاح المسلم ابتداء بدليل أنه لا يجوز للمسلم نكاح المشركة والمجوسية فإذا طرأ على النكاح يبطله فأشبه الطلاق
ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي أن رجلا من بني تغلب أسلمت امرأته فعرض عمر رضي الله عنه عليه الإسلام فامتنع ففرق بينهما وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فيكون إجماعا ولو وقعت الفرقة بنفس الإسلام لما وقعت الحاجة إلى التفريق ولأن الإسلام لا يجوز أن يكون مبطلا للنكاح لأنه عرف عاصما للأملاك فكيف يكون مبطلا لها ولا يجوز أن يبطل بالكفر أيضا لأن الكفر كان موجودا منهما ولم يمنع ابتداء النكاح فلأن لا يمنع البقاء وأنه أسهل أولى إلا أنا لو بقينا النكاح بينهما لا تحصل المقاصد لأن مقاصد النكاح لا تحصل إلا بالاستفراش والكافر لا يمكن من استفراش المسلمة والمسلم لا يحل له استفراش المشركة والمجوسية لخبثهما فلم يكن في بقاء النكاح فائدة فيفرق القاضي بينهما عند إباء الإسلام لأن اليأس عن حصول المقاصد يحصل عنده وأما الكلام مع أصحابنا في كيفية الفرقة عند إباء الزوج الإسلام بعدما أسلمت امرأته المشركة أو المجوسية أو الكتابية فوجه قول أبي يوسف أن هذه فرقة يشترك في سببها الزوجان ويستويان فيه فإن الإباء من كل واحد منهما سبب الفرقة ثم الفرقة الحاصلة بإبائها فرقة بغير طلاق فكذا بإبائه لاستوائهما في السببية كما إذا ملك أحدهما صاحبه ولهما أن الحاجة إلى التفريق عند الإباء لفوات مقاصد النكاح ولأن مقاصد النكاح إذا لم تحصل لم يكن في بقاء النكاح فائدة فتقع الحاجة إلى التفريق والأصل في التفريق هو الزوج لأن الملك له والقاضي ينوب منابه كما في الفرقة بالجب والعنة فكان الأصل في الفرقة هو فرقة الطلاق فيجعل طلاقا ما أمكن وفي إباء المرأة لا يمكن لأنها لا تملك الطلاق فيجعل فسخا ومنها ردة أحد الزوجين لأن الردة بمنزلة الموت لأن ( ( ( لأنها ) ) ) سبب مفض إليه والميت لا يكون محلا للنكاح ولهذا لم يجز نكاح المرتد لأحد في الإبتداء فكذا في حال البقاء ولأنه لا عصمة مع الردة وملك النكاح لا يبقى مع زوال العصمة غير أن ردة المرأة تكون فرقة بغير طلاق بلا خلاف وأما ردة الرجل فهي فرقة بغير طلاق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد فرقة بطلاق وجه قوله ظاهر لأن الأصل أن الفرقة إذا حصلت بمعنى من قبل الزوج وأمكن أن تجعل طلاقا تجعل طلاقا لأن الأصل في الفرقة هو فرقة الطلاق وأصل أبي يوسف ما ذكرنا أنه فرقة حصلت بسبب يشترك فيه الزوجان لأن الردة من كل واحد منهما سبب لثبوت الفرقة ثم الثابت بردتها فرقة بغير طلاق كذا بردته ولأبي حنيفة أن هذه الفرقة وإن كانت بسبب وجد من الرجل وهو ردته إلا أنه لا يمكن أن تجعل الردة طلاقا لأنها بمنزلة الموت وفرقة الموت لا تكون طلاقا لأن الطلاق تصرف يختص بما يستفاد بالنكاح والفرقة الحاصلة بالردة فرقة واقعة بطريق التنافي لأن الردة تنافي عصمة الملك وما كان طريقه التنافي لا يستفاد بملك النكاح فلا يكون طلاقا بخلاف الفرقة الحاصلة بإباء الزوج لأنها تثبت بفوات مقاصد النكاح وثمراته وذلك مضاف إلى الزوج فيلزمه الإمساك بالمعروف وإلا التسريح بالإحسان فإذا امتنع عنه ألزمه القاضي الطلاق الذي يحصل به التسريح بالإحسان كأنه طلق بنفسه والدليل على التفرقة بينهما أن فرقة الإباء لا تحصل إلا بالقضاء وفرقة الردة تثبت بنفس الردة ليعلم أن ثبوتها بطريق التنافي ثم الفرقة بردة أحد الزوجين تثبت بنفس الردة فتثبت في الحال عندنا وعند الشافعي إن كان قبل الدخول فكذلك وإن كان بعد الدخول تتأجل الفرقة إلى مضي ثلاث حيض وهو على الاختلاف في إسلام أحد الزوجين هذا إذا ارتد أحد الزوجين فأما إذا ارتدا معا لا تقع الفرقة بينهما استحسانا حتى لو أسلما معا فهما على نكاحهما والقياس أن تقع الفرقة وهو قول زفر وجه القياس أنه لو ارتد أحدهما لوقعت الفرقة فكذا إذا ارتدا لأن في ردتهما ردة أحدهما وزيادة وللاستحسان إجماع الصحابة رضي الله عنهم