Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Sección V03/P076–V03/P077

ولأبي يوسف أن الأحكام لا تتعلق بالعقد الموقوف وإنما تتعلق بالإجازة ولو كانت الضربة قبل اليمين ومات بالكوفة أو يوم الجمعة لا يحنث في يمينه وإن وجد القتل المضاف إلى المخاطب يوم الجمعة لأن هذا القتل وجد منه قبل اليمين فلا يتصور امتناعه عن اتصافه بصفة الإضافة والإنسان لا يمنع نفسه عما ليس في وسعه الامتناع عنه إذ مقصود الحالف البر لا الحنث ولهذا لو حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها فأخذ في النقلة من ساعته لا يحنث فإن وجد السكنى وعرف بدلالة الحال أنه أراد منع نفسه عن قتل مضاف إلى مخاطب باشره بعد اليمين ونظيره ما ذكره محمد أنه لو قال لامرأته أنت طالق غدا ثم قال لها إن طلقتك فعبدي حر فجاء غد فطلقت لم يعتق عبده ولو قال لها إن طلقتك فعبدي حر ثم قال لها إذا جاء غد فأنت طالق فجاء غد وطلقت عتق عبده لهذا المعنى كذا هذا فصل وأما الحلف على المفارقة والوزن وما أشبه ذلك إذا حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي ما عليه واشترى منه شيئا على أن البائع بالخيار ثم فارقه حنث لأن الثمن ما يستحق على المشتري فلم يصر مستوفيا فإن أخذ به رهنا أو كفيلا من غير براءة المكفول عنه ثم فارقه يحنث لأن الحق في ذمة الغريم بحاله لم يستوف فإن هلك الرهن قبل الافتراق بر في يمينه لأنه صار مستوفيا وإن هلك بعد الافتراق لا يبر لأنه فارقه قبل الاستيفاء فحنث وقال أبو يوسف في رجل له على امرأة دين فحلف ( ( ( حلف ) ) ) أن لا يفارقها حتى يستوفي ثم تزوجها عليه وفارقها وكانت عقدة النكاح جائزة فقد بر في يمينه لأنه قد وجب في ذمته بالنكاح مثل دينه وصار قصاصا فجعل مستوفيا وإن كان النكاح فاسدا ولم يدخل بها حنث لأن المهر لا يجب بالنكاح الفاسد فلم يصر مستوفيا فإن دخل بها قبل أن يفارقها ومهر مثلها مثل الدين أو أكثر لم يحنث لأن المهر وجب عليه بالدخول فصار مستوفيا فإن كان العقد صحيحا فوقعت الفرقة بسبب من جهتها وسقط مهرها وفارقها لم يحنث لأن المهر الواجب بالعقد قد سقط وإنما عاد له دين بالفرقة بعد انحلال اليمين فلا يحنث ولو حلف ليزنن ما عليه فأعطاه عددا فكانت وازنة حنث لأنه حلف على الوزن والوزن فعله ولم يفعله وقال ابن سماعة عن أبي يوسف إذا قال والله لا أقبضن مالي عليك إلا جميعا وله عشرة دراهم وعلى الطالب لرجل خمسة دراهم فأمر الذي له الخمسة هذا الحالف أن يحتسب للمطلوب بالخمسة التي عليه وجعلها قصاصا ودفع فلان المطلوب إلى الحالف خمسة فكأنه قال إذا كان متوافرا فهو جائز فلا يحنث لأن الاستيفاء دفعة واحدة يقع على القبض في حالة واحدة وأن يعرف الوزن ألا ترى أن الدين إذا كان مالا كثيرا لا يمكنه دفعه في وزنة واحدة وقد قبض الخمسة حقيقة والخمسة بالمقاصة وقد روى ابن رستم عن محمد فيمن قال والله لا آخذ مالي عليك إلا ضربة واحدة فوزن خمسمائة وأخذها ثم وزن خمسمائة قال فقد أخذها ضربة واحدة لأن هذا لا يعد متفرقا قال وكذلك لو جعل يزنها درهما درهما وقال محمد في الجامع إذا كان له عليه ألف درهم فقال عبده حر إن أخذها اليوم منك درهما دون درهم فأخذ منها خمسة ولم يأخذ ما بقي لم يحنث لأن يمينه وقعت على أخذ الألف متفرقة في اليوم ولم يأخذ الألف بل بعض الألف ولو قال عبده حر إن أخذ منها اليوم درهما دون درهم فأخذ منها خمسة دراهم ولم يأخذ ما بقي حتى غربت الشمس يحنث حين أخذ الخمسة لأن يمينه ما وقعت على أخذ الكل متفرقا بل على أخذ البعض لأن كلمة من للتبعيض ولو قال عبده حر إن أخذها اليوم درهما دون درهم فأخذ في أول النهار بعضها وفي آخر النهار الباقي حنث لأنه أضاف الأخذ إلى الكل وقد أخذ الكل في يوم متفرقا

Sección V03/P077–V03/P078

وقال أصحابنا إذا حلف لا يفارقه حتى يستوفي ماله عليه فهرب أو كابره على نفسه أو منعه منه إنسان كرها حتى ذهب لم يحنث الحالف لأنه حلف على فعل نفسه وهو مفارقته إياه ولم يوجد منه فعل المفارقة ولو كان قال لا تفارقني حتى آخذ مالي عليك حنث لأنه حلف على فعل الغريم وقد وجد والله تعالى أعلم فصل وأما الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف بملك أو غيره فجملة الكلام فيه أن الحالف لا يخلو أما إن اقتصر على الإضافة وأما إن جمع بين الإضافة والإشارة والإضافة لا تخلو إما أن تكون إضافة ملك أو أضافة نسبة من غير ملك فإن اقتصر في يمينه على الإضافة والإضافة إضافة ملك فيمينه على ما في ملك فلان يوم فعل ما حلف عليه حتى يحنث سواء كان الذي أضافه إلى ملك فلان في ملكه يوم حلف أو لم يكن بأن حلف لا يأكل طعام فلان أو لا يشرب شراب فلان أو لا يدخل دار فلان أو لا يركب دابة فلان أو لا يلبس ثوب فلان أو لا يكلم عبد فلان ولم يكن شيء منها في ملكه ثم استحدث الملك فيها هذا جواب ظاهر الرواية في الأصل والزيادات وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف وروى عنه رواية أخرى أن الإضافة إذا كانت فيما يستحدث الملك فيه حالا فحالا في العادة فإن اليمين تقع على ما في ملكه يوم فعل كالطعام والشراب والدهن وإن كانت الإضافة فيما يستدام فيه الملك ولا يستحدث ساعة فساعة عادة فاليمين على ما كان في ملكه يوم حلف كالدار والعبد والثوب وذكر ابن سماعة في نوادره عن محمد أن ذلك كله ما في ملكه يوم حلف ولا خلاف في أنه إذا حلف لا يكلم زوج فلانة أو امرأة فلان أو صديق فلان أو ابن فلان أو أخ فلان ولا نية له أن ذلك على ما كان يوم حلف ولا تقع على ما يحدث من الزوجية والصداقة والولد ففرق في ظاهر الرواية بين الإضافتين وسوى بينهما في النوادر ووجه ( ( ( وجه ) ) ) رواية النوادر أن الإضافة تقتضي الوجود حقيقة إذ الموجود يضاف لا المعدوم فلا تقع يمينه إلا على الموجود يوم الحلف ولهذا وقعت على الموجود في إحدى الإضافتين وهي إضافة النسبة كذا في الأخرى وجه ظاهر الرواية وهو الفرق بين الإضافتين أن في إضافة الملك عقد يمينه على مذكور مضاف إلى فلان بالملك مطلقا عن الجهة وهي أن يكون مضافا إليه بملك كان وقت الحلف أو بملك استحدث فلا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل وقد وجدت الإضافة عند الفعل فيحنث وفي إضافة النسبة قام دليل التقييد وهي أن أعيانهم مقصودة باليمين لأجلهم عرفا وعادة لما تبين فانعقدت على الموجود ( ( ( الوجود ) ) ) وصار كما لو ذكرهم بأساميهم أو أشار إليهم فأما الملك فلا يقصد باليمين لذاته بل للمالك ( ( ( لمالك ) ) ) فيزول بزوال ملكه وأبو يوسف على ما روي عنه ادعى تقييد المطلق بالعرف وقال استحداث الملك في الدار ونحوها غير متعارف بل هو في حكم الندرة حتى يقال الدار هي أول ما يشترى وآخر ما يباع وتقييد المطلق بالعرف جائز فتقييد اليمين فيها بالموجود وقت الحلف للعرف بخلاف الطعام والشراب ونحوهما لأن استحداث الملك فيها معتاد فلم يوجد دليل التقييد والجواب أن دعوى العرف على الوجه المذكور ممنوعة بل العرف مشترك فلا يجوز تقييد المطلق بعادة مشتركة ولو حلف لا يدخل دار فلان فالصحيح أنه على هذا الاختلاف لأن كل إضافة تقدر فيها اللام فكان الفصلان من الطعام والعبد ونحوهما على الاختلاف ثم في إضافة الملك إذا كان المحلوف عليه في ملك الحالف وقت الحلف فخرج عن ملكه ثم فعل لا يحنث بالإجماع

Sección V03/P078–V03/P079

وأما في إضافة النسبة من الزوجة والصديق ونحوهما إذا طلق زوجته فبانت منه أو عادى صديقه ثم كلمه فقد ذكر في الجامع الصغير أنه لا يحنث وذكر في الزيادات أنه يحنث وقيل ما ذكر في الجامع قول أبي حنيفة وأبي يوسف وما ذكر في الزيادات قول محمد المذكور في النوادر وجه المذكور في الزيادات أن يمينه وقعت على الموجود وقت الحلف فحصل تعريف الموجود بالإضافة فيتعلق الحكم بالعرف لا بالإضافة وجه ما ذكر في الجامع الصغير أن الإنسان قد يمنع نفسه عن تكليم امرأة لمعنى فيها وقد يمنع من تكليمها لمعنى في زوجها فلا يسقط اعتبار الإضافة مع الاحتمال ( ( ( لاحتمال ) ) ) وإن جمع بين الملك والإشارة بأن قال لا أكلم عبد فلان هذا أو لا أدخل دار فلان هذه أو لا أركب دابة فلان هذه أو لا ألبس ثوب فلان هذا فباع فلان عبده أو داره أو دابته أو ثوبه فكلم أو دخل أو ركب أو لبس لم يحنث في قول أبي حنيفة إلا أن يعني غير ذلك الشيء خاصة وعند محمد يحنث إلا أن يعني ما دامت ملكا لفلان فهما يعتبران الإشارة والإضافة جميعا وقت الفعل للحنث فما لم يوجدا لا يحنث ومحمد يعتبر الإشارة دون الإضافة وأما في إضافة النسبة فلا يشترط قيام الإضافة وقت الفعل للحنث بالإجماع حتى لو حلف لا يكلم زوجة فلان هذا أو صديق فلان هذا فبانت زوجته منه أو عادى صديقه فكلم يحنث وجه قول محمد في مسألة الخلاف أن الإضافة والإشارة كل واحد منهما للتعريف والإشارة أبلغ في التعريف لأنها تخصص العين وتقطع الشركة فتلغو الإضافة كما في إضافة النسبة وكما لو حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعدما شاخ أنه يحنث لما قلنا كذا هذا ولهما أن الحالف لما جمع بين الإضافة والإشارة لزم اعتبارهما ما أمكن لأن تصرف العاقل واجب الاعتبار ما أمكن وأمكن اعتبار الإضافة ههنا مع وجود الإشارة لأنه باليمين منع نفسه عن مباشرته المحلوف والظاهر أن العاقل لا يمنع نفسه عن شيء منعا مؤكدا باليمين إلا لداع يدعوه إليه وهذه الأعيان لا تقصد بالمنع لذاتها بل لمعنى في المالك أما الدار ونحوها فلا شك فيه وكذا العبد لأنه لا يقصد بالمنع لخسته وإنما يقصد به مولاه وقد زال بزوال الملك عن المالك وصار كأنه قال مهما دامت لفلان ملكا بخلاف المرأة والصديق لأنهما يقصدان بالمنع لأنفسهما فتتعلق اليمين بذاتيهما والذات لا تتبدل بالبينونة والمعاداة فيحنث كما إذا حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعدما صار شيخا ولو حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباع الطيلسان فكلمه حنث لأن الطيلسان مما لا يقصد بالمنع وإنما يقصد ذات صاحبه وأنها باقية وذكر محمد في الزيادات إذا حلف لا يركب دواب فلان أو لا يلبس ثيابه أو لا يكلم غلمانه إن ذلك على ثلاثة لأن أقل الجمع الصحيح ثلاثة وكذلك لو قال لا آكل أطعمة فلان أو لا أشرب أشربة فلان أن ذلك على ثلاثة أطعمة وثلاثة أشربة لما قلنا ويعتبر قيام الملك فيها وقت الفعل لا وقت الحلف في ظاهر الروايات على ما بينا فإن قال أردت جميع ما في ملكه من الأطعمة لم يدين في القضاء لأنه خلاف ظاهر كلامه كذا ذكر القدوري وذكر في الزيادات أنه يدين في القضاء لأنه نوى حقيقة ما تلفظ به فيصدق في القضاء كما إذا حلف لا يتزوج النساء أو لا يشرب الماء أو لا يكلم الناس ونحو ذلك ونوى الجميع ولو كانت اليمين على إخوة فلان أو بني فلان أو نساء فلان لا يحنث ما لم يكلم الكل منهم عملا بحقيقة اللفظ ويتناول الموجودين وقت الحلف لأن هذه إضافة نسبة

Sección V03/P079

وقال أبو يوسف إن كان ذلك مما يحصى فاليمين على جميع ما في ملكه لأنه صار معرفا بالإضافة ويمكن استيعابه فكان كالمعرف بالألف واللام وإن كان لا يحصى إلا بكتاب حنث بالواحد منه لأنه تعذر استغراق الجنس فيصرف إلى أدنى الجنس كقوله لا أتزوج النساء ومما يجانس مسائل الفصل الأول ما قال خلف بن أيوب سألت أسدا عن رجل حلف لا يتزوج بنت فلان أو بنتا لفلان فولدت له بنت ثم تزوجها أو قال والله لا أتزوج من بنات فلان ولابنات له ثم ولد له أو قال والله لا أشرب من لبن بقرة فلان ولا بقرة له ثم اشترى بقرة فشرب من لبنها أو قال لصبي صغير والله لا أتزوج من بناتك فبلغ فولد له فتزوج منهن أيحنث أم لا أو قال لا آكل من ثمرة شجرة فلان ولا شجرة لفلان ثم اشترى شجرة فأكل من ثمرها قال أما إذا حلف لا يتزوج بنت فلان ولا يشرب من لبن بقرة فلان ولا يأكل من ثمرة شجرة فلان فلا يحنث في شيء من هذا وأما قوله لا أتزوج بنتا من بنات فلان أو بنتا لفلان فإنه يحنث وتلزمه اليمين في قول أبي حنيفة وأما أنا فأقول لا يحنث لأنه حلف يوم حلف على ما لم يخلق حال حلف وسألت الحسن فقال مثل قول أبي حنيفة لأبي حنيفة إن قوله لا أتزوج بنت فلان يقتضي بنتا موجودة في الحال فلم تعقد اليمين على الإضافة وإذا قال بنتا لفلان فقد عقد اليمين على الإضافة فيعتبر وجودها يوم الحلف كقوله عبدا لفلان وأما أسد فاعتبر وجود المحلوف عليه وقت اليمين فما كان معدوما لا تصح الإضافة فيه فلا يحنث وقال خلف سألت أسدا عن رجل حلف لا يتزوج امرأة من أهل هذه الدار وليس للدار أهل ثم سكنها قوم فتزوج منهم قال يحنث في قول أبي حنيفة ولا يحنث في قولي وهو على ما بينا من اعتبار الإضافة فصل وأما الحلف على ما يخرج من الحالف أو لا يخرج إذا قال إن دخل داري هذه أحد أو ركب دابتي أو ضرب عبدي ففعل ذلك الحالف لم يحنث لأن قوله أحد نكرة والحالف صار معرفة بياء الإضافة والمعرفة لا تدخل تحت النكرة لأن المعرفة مايكون متميز الذات من بني جنسه والنكرة ما لا يكون متميز الذات عن بني جنسه بل يكون مسماه شائعا في جنسه أو نوعه ويستحيل أن يكون الشيء الواحد متميز الذات غير ( ( ( وغير ) ) ) متميز الذات وكذلك لو قال لرجل إن دخل دارك هذه أحد أو لبس ثوبك أو ضرب غلامك ففعله المحلوف عليه لم يحنث لأن المحلوف صار معرفة بكاف الخطاب فلا يدخل تحت النكرة وإن فعله الحالف حنث لأنه ليس بمعرفة لانعدام ما يوجب كونه معرفة فجاز أن يدخل تحت النكرة ولو قال إن البست هذا القميص أحدا فلبسه المحلوف عليه لم يحنث لأنه صار معرفة بتاء الخطاب وإن ألبسه المحلوف عليه الحالف حنث لأن الحالف نكرة فيدخل تحت النكرة ( ( ( نكرة ) ) ) وإن قال إن مس هذا الرأس أحد وأشار إلى رأسه لم يدخل الحالف فيه وإن لم يضفه إلى نفسه بياء الإضافة لأن رأسه متصل به خلقة فكان أقوى من إضافته إلى نفسه بياء الإضافة

Sección V03/P079–V03/P080

ولو قال إن كلم غلام عبد الله بن محمد أحدا فعبدي حر فكلم الحالف وهو غلام الحالف واسمه عبد الله بن محمد حنث وطعن القاضي أبو حازم عبد الحميد العراقي في هذا في الجامع وقال ينبغي أن لا يحنث لأن الحلف تحت اسم العلم والأعلام معارف وهي عند أهل النحو أبلغ في التعريف من الإشارة والمعرفة لا تدخل تحت النكرة وكذا عرفه بالإضافة إلى أبيه بقوله ابن محمد فامتنع دخوله تحت النكرة وجه ظاهر الرواية أنه يجوز استعمال العلم في موضع النكرة لأن اسم الأعلام وإن كانت معارف لكن لا بد من سبق المعرفة من المتكلم والسامع حتى يجعل هذا اللفظ علما عنده وعند سبق المعرفة منهما بذلك أما بتعين المسمى بالعلم باسمه إذا لم يكن يزاحمه غيره والعلم واحتمال المزاحمة ثابت وإذا جاز استعمال العلم في موضع النكرة وقد وجد ههنا دليل انصراف التسمية إلى غير الحالف وهو أن الإنسان في العرف الظاهر من أهل اللسان أنه لا يذكر نفسه باسم العلم بل يضيف غلامه إليه بياء الإضافة فيقول غلامي فالظاهر أنه لم يرد نفسه وأنه ما دخل تحت العلم الذي هو معرفة فلم يخرج الحالف عن عموم هذه النكرة فصل وأما النوع الثاني وهو الحلف على أمور شرعية وما يقع منها على الصحيح والفاسد أو على الصحيح دون الفاسد مثل البيع والشراء والهبة والمعاوضة ( ( ( والمعارضة ) ) ) والعارية والنحلة والعطية والصدقة والقرض والتزويج والصلاة والصوم ونحو ذلك إذا حلف لا يشتري ذهبا ولا فضة فاشترى دراهم أو دنانير أو آنية أو تبرا أو مصوغ حلية أو غير ذلك مما هو ذهب أو فضة فإنه يحنث في قول أبي يوسف وقال محمد لا يحنث في الدراهم والدنانير والأصل في جنس هذه المسائل أن أبا يوسف يعتبر الحقيقة ومحمد يعتبر العرف لمحمد أن اسم الذهب والفضة إذا أطلق لا يراد به الدرهم والدنانير في العرف ألا ترى أنها اختصت باسم على حدة فلا يتناولها مطلق اسم الذهب والفضة ولأبي يوسف أن اسم الذهب والفضة يقع على الكل لأنه اسم جنس وكونه مضروبا ومصوغا وتبرا أسماء أنواع له واسم الجنس يتناول الأنواع كاسم الآدمي والدليل عليه قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم فدخل تحت هذا الوعيد كاثر المضروب وغيره ولو حلف لا يشتري حديدا فهو على مضروب ذلك وتبره سلاحا كان أو غير سلاح بعد أن يكون حديدا في قول أبي يوسف وقال محمد إن اشترى شيئا من الحديد يسمى بائعه حدادا يحنث وإن كان بائعه لا يسمى حدادا لا يحنث وبائع التبر لا يسمى حدادا فلا يتناولها مطلق اسم الحديد ولها اسم يخصها فلا يدخل تحت اليمين ولأبي يوسف أن الحديد اسم جنس فيتناول المعمول وغير المعمول وقال أبو يوسف في باب الذهب والفضة أنه إن كان له نية دين فيما بينه وبين الله سبحانه والنية في هذا واسعة لأنها تخصيص المذكور وقال في باب الحديد لو قال عنيت التبر فاشترى إناء لم يحنث ولو قال عنيت قمقما فاشترى سيفا أو إبرا أو سكاكين أو شيئا من السلاح لم يحنث ويدين في القضاء وهذا مشكل على مذهبه لأن الاسم عنده عام فإذا نوى شيئا منه بعينه فقد عدل عن ظاهر العموم فينبغي أن لا يصدق في القضاء وإن صدق فيما بينه وبين الله تعالى وقال محمد في الزيادات لو حلف لا يشتري حديدا ولا نية له فاشترى درع حديد أو سيفا أو سكينا أو ساعدين أو بيضة أو إبرا أو مسال لا يحنث وإن اشترى شيئا غير مضروب أو إناء من آنية الحديد أو مسامير أو ( ( ( وأقفالا ) ) ) أقفالا أو كانون حديد يحنث قال لأن الذي يبيع السلاح والإبر والمسال لا يسمى حدادا والذي يبيع ما وصفت لك يسمى حدادا

Sección V03/P080–V03/P081

وقال أبو يوسف إن اشترى باب حديد أو كانون حديد أو إناء حديد مكسور أو نصل سيف مكسور حنث فأبو يوسف اعتبر الحقيقة وهو أن ذلك كله حديد فتناوله اليمين ومحمد اعتبر العرف وهو أنه لا يسمى حديدا في العرف حتى لا يسمى بائعه حدادا قال أبو يوسف ولو حلف لا يشتري صفر ( ( ( صفرا ) ) ) فاشترى طشت صفر أو كوزا أو تورا حنث وكذلك عند محمد أما عند أبي يوسف فلاعتبار الحقيقة وأما عند محمد فلأن بائع ذلك يسمى صفارا وقال محمد لو اشترى فلوسا لا يحنث لأنها لا تسمى صفرا في كلام الناس ولو حلف لا يشتري صوفا فاشترى شاة على ظهرها صوف لم يحنث والأصل فيه أن من حلف لا يشتري شيئا فاشترى غيره ودخل المحلوف عليه في البيع تبعا لم يحنث وإن دخل مقصودا يحنث والصوف ههنا لم يدخل في العقد مقصودا لأن التسمية لم تتناول الصوف وإنما دخل في العقد تبعا للشاة وكذلك لو حلف لا يشتري آجرا أو خشبا أو قصبا فاشترى دارا لم يحنث لأن البناء يدخل في العقد تبعا لدخوله في العقد بغير تسمية فلم يكن مقصودا بالعقد وإنما يدخل فيه تبعا وإن حلف لا يشتري ثمر نخل فاشترى أرضا فيها نخل مثمرة وشرط المشتري الثمرة يحنث لأن الثمرة دخلت في العقد مقصودة لا على وجه التبع ألا ترى أنه لو لم يسمها لا تدخل في البيع وكذلك لو حلف لا يشتري بقلا فاشترى أرضا فيها بقل واشترط المشتري البقل فإنه يحنث لدخول البقل في البيع مقصودا لا تبعا ولو حلف لا يشتري لحما فاشترى شاة حية لا يحنث لأن العقد لم يتناول لحمها لأن لحم الشاة الحية محرم لا يجوز العقد عليه وكذلك إن حلف أن لا يشتري زيتا فاشترى زيتونا لأن العقد لم يقع على الزيت ألا ترى أنه ليس في ملك البائع وعلى هذا قالوا فيمن حلف لا يشتري قصبا ولا خوصا فاشترى بوريا أو زنبيلا من خوص لم يحنث لأن الاسم لم يتناول ذلك وكذلك لو حلف لا يشتري جديا فاشترى شاة حاملا بجدي وكذلك لو حلف لا يشتري لبنا فاشترى شاة في ضرعها لبن وكذلك لو حلف لا يشتري مملوكا صغيرا فاشترى أمة حاملا وكذلك لو حلف لا يشتري دقيقا فاشترى حنطة وقالوا لو حلف لا يشتري شعيرا فاشترى حنطة فيها شعير لم يحنث لأن الشعير ليس بمعقود عليه مقصودا وإنما يدخل في العقد تبعا بخلاف ما إذا حلف لا يأكل شعيرا فأكل حنطة فيها شعير لأن الأكل فعل فإذا وقع في عينين لم تتبع إحداهما الأخرى فأما الشراء فهو عقد وبعض العين مقصودة بالعقد وبعضها غير مقصودة وقد كان قول أبي يوسف الأول أنه إذا حلف لا يشتري صوفا فاشترى شاة على ظهرها صوف يحنث ولو حلف لا يشتري لبنا فاشترى شاة في ضرعها لبن لم يحنث وقال لأن الصوف ظاهر فتناوله العقد وأما اللبن فباطن فلم يتناوله ثم رجع فسوى بينهما لما بينا ولو حلف لا يشتري دهنا فهو على دهن جرت عادة الناس أن يدهنوا به فإن كان مما ليس في العادة أن يدهنوا به مثل الزيت والبزر ودهن الأكارع لم يحنث لأن الدهن عبارة عما يدهن به والأيمان محمولة على العادة فحملت اليمين على الأدهان الطيبة وإن حلف لا يدهن بدهن ولا نية له فأدهن بزيت حنث وإن ادهن بسمن لم يحنث لأن الزيت لو طبخ بالطيب صار دهنا فأجراه مجرى الأدهان من وجه ولم يجره مجراها من وجه حنث قال في الشراء لا يحنث وفي الأدهان يحنث فأما السمن فإنه لا يدهن به بحال في الوجهين فلم يحنث وكذلك دهن الخروع والبزور ولو اشترى زيتا مطبوخا ولا نية له حين حلف يحنث لأن الزيت المطبوخ ( ( ( مطبوخ ) ) ) بالنار والزئبق دهن يدهن به كسائر الأدهان

Sección V03/P081–V03/P082

ولو حلف لا يشتري بنفسجا أو حناء أو حلف لا يشمهما فهو على الدهن والورق في البابين جميعا وقد ذكر في الأصل إذا حلف لا يشتري بنفسجا أنه على الدهن دون الورق وهذا على عادة أهل الكوفة لأنهم إذا أطلقوا النبفسج ( ( ( البنفسج ) ) ) أرادوا به الدهن فأما في غير عرف الكوفة فالاسم على الورق فتحمل اليمين عليه والكرخي حمله عليهما وهو رواية عن أبي يوسف وأما الحناء والورد فهو على الورق دون الدهن إلا أن ينوي الدهن فيدين فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء لأن اسم الورد والحناء إذا أطلق يراد به الورق لا الدهن وذكر في الجامع الصغير أن البنفسج على الدهن والورد على ورق الورد وجعل في الأصل الخيري مثل الورد والحناء فحمله على الورق ولو حلف لا يشتري بزرا فاشترى دهن بزر حنث وإن اشترى حبا لم يحنث لأن إطلاق اسم البزر يقع على الدهن لا على الحب ولو حلف لا يبيع أو لا يشتري فأمر غيره ففعل فجملة الكلام فيمن حلف على فعل فأمر غيره ففعل إن فعل المحلوف عليه لا يخلو إما أن يكون له حقوق أو لا حقوق له فإن كان له حقوق فإما أن ترجع إلى الفاعل أو إلى الآمر أو لا فإن كان له حقوق ترجع إلى الفاعل كالبيع والشراء والإجارة والقسمة لا يحنث لأن حقوق هذه العقود إذا كانت راجعة إلى فاعلها لا إلى الآمر بها كانت العقود مضافة إلى الفاعل لا إلى الآمر على أن الفاعل هو العاقد في الحقيقة لأن العقد فعله وإنما للآمر حكم العقد شرعا لا لفعله وعند بعض مشايخنا يقع الحكم له ثم ينتقل إلى الآمر فلم يوجد منه فعل المحلوف عليه فلا يحنث إلا إذا كان الحالف ممن لا يتولى العقود بنفسه فيحنث بالأمر لأنه إنما يمتنع عما يوجد منه عادة وهو الأمر بذلك لا الفعل بنفسه ولو كان الوكيل هو الحالف قالوا يحنث لما ذكرنا أن الحقوق راجعة إليه وأنه هو العاقد حقيقة لا الآمر وإن كانت حقوقه راجعة إلى الآمر أو كان مما لا حقوق له كالنكاح والطلاق والعتاق والكتابة والهبة والصدقة والكسوة والاقتضاء والقضاء والحقوق والخصومة والشركة بأن حلف لا يشارك رجلا فأمر غيره فعقد عقد الشركة والذبح والضرب والقتل والبناء والخياطة والنفقة ونحوها فإذا حلف لا يفعل شيئا من هذه الأشياء ففعله بنفسه أو أمر غيره حنث لأن ما لا حقوق له أو ترجع حقوقه إلى الأمر لا إلى الفاعل يضاف إلى الأمر لا إلى الفاعل ألا ترى أن الوكيل بالنكاح لا يقول تزوجت وإنما يقول زوجت فلانا والوكيل بالطلاق يقول طلقت امرأة فلان فكان فعل المأمور مضافا إلى الآمر واختلفت الرواية عن أبي يوسف في الصلح روى بشر بن الوليد عنه أن من حلف لا يصالح فوكل بالصلح لم يحنث لأن الصلح عقد معاوضة كالبيع وروى ابن سماعة عنه أنه يحنث لأن الصلح إسقاط حق كالإبراء فإن قال الحالف فيما لا ترجع حقوقه إلى الفاعل بل إلى الآمر كالنكاح والطلاق والعتاق نويت أن إلى ذلك بنفسي يدين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في القضاء لأن هذه الأفعال جعلت مضافة إلى الآمر لرجوع حقوقها إليه لا إلى الفاعل وقد نوى خلاف ذلك الظاهر فلا يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى المحتمل وإن كان خلاف الظاهر ولو قال فيما لا حقوق له من الضرب والذبح عنيت أن ألى ذلك بنفسي يصدق فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء أيضا لأن الضرب والذبح من الأفعال الحقيقية وأنه بحقيقته وجد من المباشر وليس بتصرف حكمي ( ( ( حكي ) ) ) فيه لتغيير وقوعه حكما لغير المباشر فكانت العبرة فيه للمباشرة فإذا نوى به أن يلي بنفسه فقد نوى الحقيقة فيصدق قضاء وديانة

Sección V03/P082–V03/P083

ولو حلف لا يبيع من فلان شيئا فأوجب البيع لا يحنث ما لم يقبل المشتري ولو حلف لا يهب لفلان شيئا أو لا يتصدق عليه أو لا يعيره أو لا ينحل له أو لا يعطيه ثم وهب له أو تصدق عليه أو أعاره أو نحله أو أعطاه فلم يقبل المحلوف عليه يحنث عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يحنث ونذكر المسألة والفرق بين الهبة وأخواتها وبين البيع في كتاب الهبة إن شاء الله تعالى وأما القرض فقد روى عن محمد أنه لا يحنث ما لم يقبل وعن أبي يوسف روايتان في رواية مثل قول محمد وفي رواية يحنث من غير قبول وجه هذه الرواية أن القرض لا تقف صحته على تسمية عوض فأشبه الهبة وجه الرواية الأخرى أن القرض يشبه البيع لأنه تمليك بعوض وقد قال أبو يوسف على هذه الرواية لو حلف لا يستقرض من فلان شيئا فاستقرضه فلم يقرضه أنه حانث فرق بين القرض وبين الاستقراض لأن الاستقراض ليس بقرض بل هو طلب القرض كالسوم في باب البيع ولو حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا وقبل المشتري وقبض يحنث لأن اسم البيع يتناول الصحيح والفاسد وهو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب ولأن المقصود من البيع هو الوصول إلى العوض وهذا يحصل بالبيع الفاسد إذا اتصل به القبض لأنه يفيد الملك بعد القبض ولو باع بالميتة والدم لا يحنث لأنه ليس ببيع لانعدام معناه وهو ما ذكرنا ولانعدام حصول المقصود منه وهو الملك لأنه لا يقبل الملك ولو باع بيعا فيه خيار للبائع أو للمشتري لم يحنث في قول أبي يوسف وحنث في قول محمد وجه قول محمد أن اسم البيع كما يقع على البيع الثابت يقع على البيع الذي فيه خيار فإن كل واحد منهما يسمى بيعا في العرف إلا أن الملك فيه يقف على أمر زائد وهو الإجازة أو على سقوط الخيار فأشبه البيع الفاسد ولأبي يوسف أن شرط الخيار يمنع انعقاد البيع في حق الحكم فأشبه الإيجاب بدون القبول قال محمد سمعت أبا يوسف قال فيمن قال إن اشتريت هذا العبد فهو حر فاشتراه على أن البائع بالخيار ثلاثة أيام فمضت المدة الثلاث ووجب البيع يعتق وأنه على أصله صحيح لأن اسم البيع عنده لا يتناول البيع المشروط فيه الخيار فلا يصير مشتريا بنفس القبول بل عند سقوط الخيار والعبد في ملكه عند ذلك يعتق وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي في البيع بشرط خيار البائع أو المشتري أنه يحنث ولم يذكر الخلاف وأصل فيه أصلا وهو أن كل بيع يوجب الملك أو تلحقه الإجازة يحنث به وما لا فلا هذا إذا حلف على البيع والشراء بطلاق امرأته أو عتاق عبده بأن قال لامرأته أنت طالق أو عبده حر فأما إذا حلف على ذلك بعتق العبد المشتري أو المبيع فإن كان الحلف على الشراء بأن قال إن اشتريت هذا العبد فهو حر فاشتراه ينظر إن اشتراه شراء جائزا بانا ( ( ( باتا ) ) ) عتق بلا شك وكذلك لو كان المشتري فيه بالخيار أما على قولهما فلا يشكل لأن خيار المشتري لا يمنع وقوع الملك له وأما على قول أبي حنيفة فلان المعلق بالشرط يصير كالمتكلم به عند الشرط فيصير كأنه أعتقه بعدما اشتراه بشرط الخيار ولو أعتقه يعتق لأن أقدامه على الإعتاق يكون فسخا للخيار ولو اشتراه على أن البائع فيه بالخيار لا يعتق لأنه لم يملكه لأن خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه بلا خلاف وسواء أجاز البائع البيع أو لم يجز لأنه ملكه بالإجازة لا بالعقد

Sección V03/P083

وذكر الطحاوي أنه إذا أجاز البائع البيع يعتق لأن الملك يثبت عند الإجازة مستندا إلى وقت العقد بدليل أن الزيادة الحادثة بعد العتق قبل الإجازة تدخل في العقد هذا كله إن اشتراه شراء صحيحا فإن اشتراه شراء فاسدا فإن كان في يد البائع لا يعتق لأنه على ملك البائع بعد وإن كان في يد المشتري وكان حاضرا عنده وقت العقد لأنه صار قابضا له عقيب العقد فملكه وإن كان غائبا في بيته أو نحوه فإن كان مضمونا بنفسه كالمغصوب يعتق لأنه ملكه بنفس الشراء وإن كان أمانة أو كان مضمونا بغيره كالرهن لا يعتق لأنه لا يصير قابضا عقيب العقد هذا إذا كان الحلف على الشراء فإن كان على البيع فقال إن بعتك فأنت حر فباعه بيعا جائزا أو كان المشتري بالخيار لا يعتق لأنه زال ملكه عنه بنفس العقد والعقد لا يصح بدون الملك وإن كان الخيار للبائع يعتق لأنه كان في ملكه وقد وجد شرطه فيعتق ولو باعه بيعا فاسدا فإن كان في يد البائع أو في يد المشتري غائبا عنه بأمانة أو برهن يعتق لأنه لم يزل ملكه عنه وإن كان في يد المشتري حاضرا أو غائبا مضمونا بنفسه لا يعتق لأنه بالعقد زال ملكه عنه ولو حلف لا يتزوج هذه المرأة فهو على الصحيح دون الفاسد حتى لو تزوجها نكاحا فاسدا لا يحنث لأن المقصود من النكاح الحل ولا يثبت بالفاسد لأنه لا يثبت بسببه وهو الملك بخلاف البيع فإن المقصود منه الملك وأنه يحصل بالفاسد وكذلك لو حلف لا يصلي ولا يصوم فهو على الصحيح حتى لو صلى بغير طهارة أو صام بغير نية لا يحنث لأن المقصود منه التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ولا يحصل ذلك بالفاسد ولو كان ذلك كله في الماضي بأن قال إن كنت صليت أو صمت أو تزوجت فهو على الصحيح والفاسد لأن الماضي لا يقصد به الحل والتقرب وإنما يقصد به الإخبار عن المسمى بذلك والاسم يطلق على الصحيح والفاسد فإن عني به الصحيح دين في القضاء لأنه النكاح المعنوي ولو حلف لا يصلي فكبر ودخل في الصلاة لم يحنث حتى يركع ويسجد سجدة استحسانا والقياس أن يحنث بنفس الشروع لأنه كما شرع فيه يقع عليه اسم المصلي فيحنث كما لو حلف لا يصوم فنوى الصوم وشرع فيه وجه الاستحسان وهو الفرق بين الصلاة وبين الصوم أن الحالف جعل شرط حنثه ( ( ( جنسه ) ) ) فعل الصلاة والصلاة في عرف الشرع اسم لعبادة متركبة من أفعال مختلفة من القيام والقراءة والركوع والسجود والمتركب من أجزاء مختلفة لا يقع اسم كله على بعضه كالسكنجبين ونحو ذلك فما لم توجد هذه الأفعال لا يوجد فعل الصلاة بخلاف الصوم لأن بصوم ساعة يحصل فعل صوم كامل لأنه اسم لعبادة مركبة من أجزاء متفقة وهي الإمساكات وما هذا حاله فاسم كله ينطلق على بعضه حقيقة كاسم الماء أنه كما ينطلق على ماء البحر ينطلق على قطرة منه وقطرة من خل من جملة دن من خل أنه يسمى خلا حقيقة فإذا صام ساعة فقد وجد منه فعل الصوم الذي منع نفسه منه فيحنث وبخلاف ما لو حلف لا يصلي صلاة أنه لا يحنث حتى يصلي ركعتين لأنه لما ذكر الصلاة فقد جعل شرط الحنث ما هو صلاة شرعا وأقل ما اعتبره الشرع من الصلاة ركعتان بخلاف الفصل الأول لأن ثمة شرط الحنث هناك فعل الصلاة وفعل الصلاة يوجد بوجود هذه الأفعال وما يوجد بعد ذلك إلى تمام ما يصير عبادة معهودة معتبرة شرعا تكرار لهذه الأفعال فلا تقف تسمية فعل الصلاة على وجوده وقد وجد ذلك كله في آية واحدة من كتاب الله عز وجل وهو قوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة وأراد به الركعتين جميعا لأنه ورد في صلاة السفر ثم قال ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وأراد به ركعة واحدة لأن الطائفة الثانية لا يصلون إلا ركعة واحدة

Sección V03/P083–V03/P084

ولو حلف لا يصوم يوما لا يحنث حتى يصوم يوما تاما لأنه جعل شرط الحنث صوما مقدرا باليوم لأنه جعل كل اليوم ظرفا له ولا يكون كل اليوم ظرفا له إلا باستيعاب الصوم جميع اليوم وكذا لو حلف لا يصوم صوما لأنه ذكر المصدر وهو الصوم والصوم اسم لعبادة مقدرة باليوم شرعا فيصرف إلى المعهود المعتبر في الشرع بخلاف ما إذا حلف لا يصوم لأنه جعل فعل الصوم شرطا وبصوم ساعة واحدة وجد فعل الصوم ولو حلف لا يصلي الظهر لا يحنث حتى يتشهد بعد الأربع لأن الظهر أربع ركعات فما لم توجد الأربع لا توجد الظهر فلا يحنث ولو قال عبده حر إن أدرك الظهر مع الإمام فأدركه في التشهد ودخل معه حنث لأن إدراك الشيء لحوق آخره يقال أدرك فلان زمن النبي ويراد به لحوق آخره وروى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي أنه قال من أدرك الإمام يوم الجمعة في التشهد فقد أدرك الجمعة وروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه انتهى يوما إلى الإمام فأدركه في التشهد فقال الله أكبر أدركنا معه الصلاة ولو حلف لا يصلي الجمعة مع الإمام فأدرك معه ركعة فصلاها معه ثم سلم الإمام وأتم هو الثانية لا يحنث لأنه لم يصل الجمعة مع الإمام إذ هي اسم للكل وهو ما صلى الكل مع الإمام ولو افتتح الصلاة مع الإمام ثم نام أو أحدث فذهب وتوضأ فجاء وقد سلم الإمام فاتبعه في الصلاة حنث وإن لم يوجد أداء الصلاة مقارنا للإمام لأن كلمة مع ههنا لا يراد بها حقيقة القران بل كونه تابعا له مقتديا به ألا ترى أن أفعاله وانتقاله من ركن إلى ركن لو حصل على التعاقب دون المقارنة عرف مصليا معه كذا ههنا وقد وجد لبقائه مقتديا به تابعا له ولو نوى حقيقة المقارنة صدق فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء لأنه نوى حقيقة كلامه ولو حلف لا يحج حجة أو قال لا أحج ولم يقل حجة لم يحنث حتى يطوف أكثر طواف الزيارة ( ( ( الزيادة ) ) ) لأن الحجة ( ( ( حجة ) ) ) اسم لعبادة ركبت من أجناس أفعال كالصلاة من الوقوف بعرفة وطواف الزيارة فما لم يوجد كل الطواف أو أكثره لا يوجد الحج فإن جامع فيها لا يحنث لأن الحج عبادة فيقع اليمين على الصحيح منه كالصلاة ولو حلف لا يعتمر فأحرم وطاف أربعة أشواط حنث لأن ركن العمرة هو الطواف وقد وجد لأن للأكثر حكم الكل قال ابن سماعة سمعت أبا يوسف قال في رجل قال إن تزوجت امرأة بعد امرأة فهي طالق فتزوج واحدة ثم ثنتين في عقدة فإنه يقع الطلاق على إحدى الأخيرتين لأنه قد تزوج امرأة بعد امرأة وإن كان معها غيرها فوقع الطلاق على إحداهما فكان له التعيين ولو تزوج امرأتين في عقدة ثم تزوج امرأة بعدهما طلقت الأخيرة لأنه قد تزوج بها بعد امرأة والأوليان كل واحدة منهما لا توصف بأنها بعد الأخرى فكانت الأخرى هي المستحقة للشرط ولو قال إن تزوجت امرأة فهي طالق فتزوج صبية طلقت لأن غرضه بهذه اليمين هو الامتناع من النكاح فيتناول البالغة والصبية فصار قوله امرأة كقوله أنثى قال ابن سماعة عنه إن قال إن تزوجت امرأتين في عقدة فهما طالقتان فتزوج ثلاثا في عقدة فإنه تطلق امرأتان من نسائه فوقع على ثنتين من الثلاث لأنه قد تزوج باثنتين وإن كان معهما ثالثة وليس إحداهن بالطلاق بأولى من الأخرى فيرجع إلى تعيينه قال ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره في رجل قال والله لا أزوج ابنتي الصغيرة فتزوجها رجل بغير أمره فأجاز قال هو حانث لأن حقوق العقد لا تتعلق بالعاقد فتتعلق بالمجيز ولو حلف لا يزوج ابنا له كبيرا فأمر رجلا فزوجه ثم بلغ الابن فأجاز أو زوجه رجل وأجاز الأب ورضي الابن لم يحنث لأن حقوق العقد لما لم تتعلق بالعاقد تعلقت بالمجيز فنسب العقد إليه

Sección V03/P084–V03/P085

وقال هشام عن محمد في نوادره في رجل حلف بطلاق امرأته ثلاثا لا يزوج بنتا له صغيرة فزوجها رجل من أهله أو غريب والأب حاضر ذلك المجلس حين زوجت إلا أنه ساكت حتى قال الذي زوج للذي خطب قد زوجتكها وقال الآخر قد قبلت والأب ساكت ثم قال بعدما وقعت عقدة النكاح وهو في ذلك المجلس قد أجزت النكاح فزعم محمد أنه لا يحنث لأن الذي زوج غيره وإنما أجازه هو وكذلك إذا حلف على أمته لأنه حلف على التزويج والإجازة تسمى نكاحا وتزويجا فقد فعل ما لم يتناوله الاسم فلا يحنث وقال ابن سماعة عن محمد في نوادره في رجل تزوج امرأة بغير أمرها زوجه وليها ثم حلف المتزوج أن لا يتزوجها أبدا ثم بلغها فرضيت بالنكاح أو كان رجل زوجها منه وهو لا يعلم ثم حلف بعد ذلك أنه لا يتزوجها ثم بلغه النكاح فأجاز لم يحنث في واحد من الوجهين لأنه لم يتزوج بعد يمينه إنما أجاز نكاحا قبل يمينه أو أجازته المرأة قال ابن سماعة عن محمد لو قال لا أتزوج فلانة بالكوفة فزوجها أبوها إياه بالكوفة ثم أجازت ببغداد كان حانثا وإنما أجاز الساعة بإجازتها النكاح الذي كان بالكوفة وكذلك قال في الجامع لما ذكرنا أن الإجازة ليست بنكاح لأن النكاح هو الإيجاب والقبول فعند انضمام الإجازة إليهما كان النكاح حاصلا بالكوفة فوجد شرط الحنث فيحنث وقال ابن سماعة عن محمد في رجل قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فصار معتوها فزوجه إياها أبوه قال هو حانث لأن حقوق العقد في النكاح ترجع إلى المعقود له فكان هو المتزوج فحنث قال المعلى سألت محمدا عن امرأة حلفت لا تزوج نفسها من فلان فزوجها منه رجل بأمرها فهي حانثة وكذلك لو زوجها رجل فرضيت وكذلك لو كانت بكرا فزوجها أبوها فسكتت لأن العقد لما جاز برضاها وحقوقه تتعلق بها فصار كأنها عقدت بنفسها وهذه الرواية تخالف ما ذكرنا من رواية هشام وكذلك لو حلف لا يأذن لعبده في التجارة فرآه يشتري ويبيع أنه إن سكت كان حانثا في يمينه لأن السكوت إذن منه فكأنه أذن منه له بالنطق وروى بشر بن الوليد وعلي بن الجعد عن أبي يوسف أنه لا يحنث لأن السكوت ليس بإذن وإنما هو إسقاط حقه عن المنع من تصرف العبد ثم العبد يتصرف بمالكية نفسه بعد زوال الحجر فإن حلف لا يسلم لفلان شفعة فبلغه أنه اشترى دارا هو شفيعها فسكت لا يحنث لأن الساكت ليس بمسلم وإنما هو مسقط حقه بالإعراض عن الطلب قال عمرو عن محمد في رجل حلف لا يزوج عبده فتزوج العبد بنفسه ثم أجاز المولى يحنث ولو حلف الأب لا يزوج ابنته فزوجها عمها وأجاز الأب لم يحنث لأن غرض المولى باليمين أن لا تتعلق برقبة عبده حقوق النكاح وقد علق بالإجازة وغرض الأب أن لا يفعل ما يسمى نكاحا والإجازة ليست بنكاح وقال علي وبشر عن أبي يوسف لو حلف لا يؤخر عن فلان حقه شهرا وسكت عن تقاضيه حتى مضى الشهر لم يحنث وهذا قول أبي حنيفة لأن التأخير هو التأجيل وترك التقاضي ليس بتأجيل قال ولو أن امرأة حلفت لا تأذن في تزويجها وهي بكر فزوجها أبوها فسكتت فإنها لا تحنث والنكاح لها لازم لأن السكوت ليس بإذن حقيقة وإنما أقيم مقام الأذن بالسنة وروى بشر عن أبي يوسف إذا حلف لا يبيع ثوبه إلا بعشرة دراهم فباعه بخمسة ودينار حنث لأنه منع نفسه عن كل بيع واستثنى بيعه بصفة وهو أن يكون بعشرة ولم يوجد فبقي تحت المستثنى منه فإن باعه بعشرة دنانير لم يحنث لأنه باعه بعشرة وبغيرها والعشرة مستثنى وروى هشام عن أبي يوسف في رجل قال والله لا أبيعك هذا الثوب بعشرة حتى تزيدني فباعه بتسعة لا يحنث في القياس وفي الاستحسان يحنث وبالقياس آخذ وجه القياس أن شرط حنثه البيع بعشرة وما باع بعشرة بل بتسعة

Sección V03/P085–V03/P086

وجه الاستحسان أن المراد من مثل هذا الكلام في العرف أن لا يبيعه إلا بالأكثر من عشرة وقد باعه لا بأكثر من عشر فيحنث وقال المعلى عن محمد إذا حلف لا يبيع هذا الثوب بعشرة إلا بزيادة قال إن باعه بأقل من عشرة أو بعشرة فإنه حانث وهذا بمنزلة قوله لا أبيعه إلا بزيادة على عشرة لأنه منع نفسه من كل بيع واستثنى بيعا واحدا وهو الذي يزيد ثمنه على عشرة أن معنى قوله لا أبيع هذا الثوب بعشرة إلا بزيادة أي لا أبيعه إلا بزيادة على العشرة ليصح الاستثناء وما باعه بزيادة على عشرة فيحنث ولو قال حتى ازداد فباعه بعشرة حنث وإن باعه بأقل أو أكثر لم يحنث لأنه حلف على بيع بصفة وهو أن يكون بعشرة فإذا باع بتسعة لم يوجد البيع المحلوف عليه ولو قال عبده حر إن اشتراه باثني عشر فاشتراه بثلاثة عشر دينارا حنث لأنه اشتراه بما حلف عليه وإن كان معه زيادة ولو قال أول عبد أشتريه فهو حر أو آخر عبد أو أوسط عبد فالأول اسم لفرد سابق والآخر من المحدثات اسم لفرد لاحق والأوسط اسم لفرد اكتنفته حاشيتان متساويتان إذا عرف هذا فنقول إذا قال أول عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدا واحدا بعد يمينه عتق لأنه أول عبد اشتراه لكونه فردا لم يتقدمه غيره في الشراء فإن اشترى عبدا ونصف عبد عتق العبد الكامل لا غير لأن نصف العبد لا يسمى عبدا فصار كما لو اشترى عبدا وثوبا بخلاف ما إذا قال أول كر اشتريه صدقة فاشترى كرا ونصفا لم يتصدق بشيء لأن الكر ليس بأول بدليل أنا لو عزلنا كرا فالنصف الباقي مع نصف المعزول يسمى كرا فلم يكن هذا أول كر اشتراه فإن كان أول ما اشترى عبدين لم يعتق واحد منهما ولا يعتق ما اشترى بعدهما أيضا لانعدام معنى الانفراد فيهما ولانعدام معنى السبق فيما بعدهما ولو قال آخر عبد اشتريه فهو حر فهذا على أن يشتري عبدا واحدا بعد غيره أو بموت ( ( ( يموت ) ) ) المولى لأن عنده يعلم أنه آخر لجواز أن يشتري غيره ما دام حيا واختلف في وقت عتقه فعلى قول أبي حنيفة يعتق يوم اشتراه حتى يعتق من جميع المال وعلى قولهما يعتق في آخر جزء من أجزاء حياته ويعتق من الثلث وسنذكر هذه المسائل في كتاب العتاق ولو قال أوسط عبد اشتريه فهو حر فكل فرد له حاشيتان متساويتان فيما قبله وفيما بعده فهو أوسط ولا يكون الأول ولا الآخر وسطا أبدا ولا يكون الوسط إلا في وتر ولا يكون في شفع فإذا اشترى عبدا ثم عبدا ثم عبدا فالثاني هو الأوسط فإن اشترى رابعا خرج الثاني من أن يكون أوسط فإن اشترى خامسا صار الثالث هو الأوسط فإن اشترى سادسا خرج من أن يكون أوسط وعلى هذا كلما صار العدد شفعا فلا وسط له وكل من حصل في النصف الأول خرج من أن يكون وسطا فصل وأما الحلف على أمور متفرقة إذا قال إن كانت هذه الجملة حنطة فامرأته طالق ثلاثا فإذا هي حنطة وتمر لم يحنث لأنه جعل شرط حنثه كون الجملة حنطة والجملة ليست بحنطة فلم يوجد الشرط

Sección V03/P086

ولو قال إن كانت هذه الجملة إلا حنطة فامرأته طالق ثلاثا فكانت تمرا وحنطة يحنث في قول أبي يوسف ولا يحنث عند محمد وإن كانت الجملة كلها حنطة لا يحنث بلا خلاف وأبو يوسف يقول إن معنى هذا الكلام إن كان في هذه الجملة غير حنطة فامرأته كذا وقد تبين أن في تلك الجملة غير حنطة فوجد شرط الحنث فيحنث ومحمد يقول إن المستثنى لا يعتبر وجوده لأنه ليس بداخل تحت اليمين إنما الداخل تحتها المستثنى منه فيعتبر وجوده لا وجود المستثنى وإذا لم يعتبر وجوده لا يعلم المستثنى منه أنه وجد أم لا فلا يحنث ونظير هذا ما قال في الجامع إن كان لي إلا عشرة دراهم فامرأته طالق فكان له أقل من عشرة دراهم لم يحنث لأن العشرة مستثناة فلا يعتبر وجودها وروي عن أبي يوسف رواية أخرى أنه إن كان الحلف بطلاق أو عتاق أو حج أو عمرة أو قال لله علي كذا يحنث وإن كان بالله تعالى لم يلزمه الكذب فيها ولا كفارة عليه لأن هذا حلف على أمر موجود فإن كان بطلاق أو عتاق أو نذر لزمه وإن كان بالله لم تنعقد يمينه وكذلك لو قال إن كانت الجملة سوى الحنطة أو غير الحنطة فهو مثل قوله إلا حنطة لأن غير وسوى من ألفاظ الاستثناء وروى بشر عن أبي يوسف فيمن قال والله ما دخلت هذه الدار ثم قال عبده حر إن لم يكن دخلها فإن عبده لا يعتق ولا كفارة عليه في اليمين بالله تعالى وهو قول محمد ثم رجع أبو يوسف أما عدم وجوب الكفارة في اليمين بالله تعالى فلأنه إن كان صادقا في قوله والله ما دخلت هذه الدار فلا كفارة عليه وإن كان كاذبا وهو عالم فلا كفارة عليه أيضا لأنها يمين غموس وإن كان جاهلا فهي يمين اللغو فلا كفارة فيها وأما عدم عتق عبده فلأن الحنث في اليمين الأولى ليس مما يحكم به الحاكم حتى يصير الحكم به إكذابا للثانية لأنها يمين بالله تعالى وأنها لا تدخل تحت حكم الحاكم فلم يصر مكذبا في اليمين الثانية باليمين الأولى في الحكم فلا يعتق العبد فإن كانت اليمين الأولى بعتق أو طلاق حنث في اليمينين جميعا في قول محمد وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع فقال إذا قال بعدما حلف بالأولى أوهمت أو نسيت ( ( ( همت ) ) ) أو حلف بطلاق آخر أو عتاق أنه دخلها لزمه الأول ولم يلزمه الآخر وجه قوله الأول أنه أكذب نفسه في كل واحدة كمن اليمينين بالأخرى واعترف بوقوع ما حلف عليه فيحنث وجه قول الآخر أنه أكذب نفسه في اليمين الأولى بالآخرة ولم يكذب نفسه في اليمين الثانية بعدما عقدها والإكذاب ( ( ( والأكذب ) ) ) قبل عقدها لا يتعلق به حكم فلم يحنث فيها فإن رجع فحلف ثالثا لم يعتق الثالث وعتق الثاني لأنه أكذب نفسه في اليمين بعدما حلف عليه والله عز وجل أعلم وإذا تزوج الرجل أمة فقال لها إذا مات مولاك فأنت طالق اثنتين فمات المولى وهو وارثه لا وارث ( ( ( وراث ) ) ) له غيره طلقت ( ( ( طلق ) ) ) اثنتين وحرمت عليه عند أبي يوسف وقال محمد لا تطلق ولا تحرم عليه

Sección V03/P086–V03/P087

ولو قال الزوج إذا مات مولاك فأنت حرة فمات وهو وارثه لم تعتق ( ( ( يعتق ) ) ) في قولهما وتعتق عند زفر والكلام في هذه المسائل يرجع إلى معرفة أو إن ثبوت الملك للوارث فزفر يقول وقت ثبوت الملك للوارث عقيب موت المورث بلا فصل فكما مات ثبت الملك للوارث فقد أضاف العتق إلى حال الملك فتصح إضافته إليه ولم تصح إضافة الطلاق لأن حال الملك حال زوال النكاح فلم تصح كما إذا قال لها إذا ملكتك فأنت طالق وأبو يوسف يقول إن الملك للوارث يثبت له عقيب زوال ملك المورث فيزول ملك الميت عقيب الموت أولا ثم يثبت للوارث والطلاق والعتاق مضافان إلى ما بعد الموت بلا فصل فإذا لم يكن ذلك زمان ثبوت الملك للوارث لم تصح إضافة العتق إليه إذ العتق لا يصح إلا في الملك أو مضافا إلى الملك وصحة إضافة الطلاق لانعدام الإضافة إلى حالة زوال النكاح فصحت الإضافة ووقع الطلاق وحرمت عليه ومحمد يقول القياس ما قال زفر أن الملك للوارث له يثبت عقيب الموت بلا فصل فقد أضاف الطلاق إلى زمان بطلان النكاح فلم يصح وكان ينبغي أن تصح إضافة العتق إليه إلا أني استحسنت أن لا تصح لأن الإعتاق إزالة الملك والإزالة تستدعي تقدم الثبوت والعتق مع الملك لا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد ولو قال إذا مات مولاك فملكتك فأنت حرة فمات المولى والزوج وارثه عتقت لأنه أضاف العتق إلى الملك ولو قال إذا مات مولاك فملكتك فأنت طالق لم يقع الطلاق في قولهم لأنه إذا ملكها فقد زال النكاح فلا يتصور الطلاق ولو قال رجل لأمته إذا مات فلان فأنت حرة ثم باعها من فلان ثم تزوجها ثم قال لها إذا مات مولاك فأنت طالق اثنتين ثم مات المولى وهو وارثه قال أبو يوسف يقع الطلاق ولا يقع العتاق وقال محمد لا يقعان جميعا وقال زفر يقع العتاق ولا يقع الطلاق أما وقوع الطلاق على قول أبي يوسف وعدم الوقوع على مذهب محمد وعدم ثبوت العتق على قولهما فلما ذكرنا وزفر يقول وجد عقد اليمين في ملكه والشرط في ملكه فما بين ذلك لا يعتبر كمن قال لأمته إن دخلت الدار فأنت حرة ثم باعها واشتراها فدخلت الدار والله عز وجل أعلم كتاب الطلاق قال الشيخ رحمه الله تعالى الكلام في هذا الكتاب في الأصل يقع في خمسة مواضع في بيان صفة الطلاق وفي بيان قدره وفي بيان ركنه وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكمه أما الأول فالطلاق بحق الصفة نوعان طلاق سنة وطلاق بدعة وإن شئت قلت طلاق مسنون وطلاق مكروه أما طلاق السنة فالكلام فيه في موضعين أحدهما في تفسير طلاق السنة أنه ما هو والثاني في بيان الألفاظ التي يقع بها طلاق السنة أما الأول فطلاق السنة نوعان نوع يرجع إلى الوقت ونوع يرجع إلى العدد وكد ( ( ( وكل ) ) ) واحد منهما نوعان حسن وأحسن ولا يمكن معرفة كل واحد منهما إلا بعد معرفة أصناف النساء وهن في الأصل على صنفين حرائر وإماء وكل صنف على صنفين حائلات وحاملات والحائلات على صنفين ذوات الأقراء وذوات الأشهر إذا عرف هذا فنقول وبالله التوفيق أحسن الطلاق في ذوات القرء أن يطلقها طلقة واحدة رجعية في طهر لا جماع فيه ولا طلاق ولا في حيضة طلاق ولا جماع ويتركها حتى تنقضي عدتها ثلاث حيضات إن كانت حرة وإن كانت أمة حيضتان والأصل فيه ما روي عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه قال كان أصحاب رسول الله يستحسنون أن لا يطلقوا للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة وفي رواية أخرى قال في الحكاية عنهم وكان ذلك عندهم أحسن من أن يطلق الرجل ثلاثة في ثلاثة أطهار

Sección V03/P087–V03/P088

وهذا نص في الباب ومثله لا يكذب ولأن الكراهة لمكان احتمال الندم والطلاق في طهر لا جماع فيه دليل على عدم الندم لأن الطهر الذي لا جماع فيه زمان كمال الرغبة والفحل لا يطلق امرأته في زمان كمال الرغبة إلا لشدة حاجته إلى الطلاق فالظاهر أنه لا يلحقه الندم فكان طلاقه ( ( ( طلاق ) ) ) لحاجة فكان مسنونا ولو لحقه الندم فهو أقرب إلى التدارك من الثلاث في ثلاثة أطهار فكان أحسن وإنما شرطنا ( ( ( شرطا ) ) ) أن يكون في طهر لا طلاق فيه لأن الجمع بين الطلقات الثلاث أو الطلقتين في طهر واحد مكروه عندنا وإنما شرطنا أن لا يكون في حيضة جماع ولا طلاق لأنه إذا جامعها في حيض هذا الطهر احتمل أنه وقع الجماع معلقا فيظهر الحبل فيندم على صنيعه فيظهر أنه طلق لا لحاجة وإذا طلقها فيه فالطلاق فيه بمنزلة الطلاق في الطهر الذي بعده لأن تلك الحيضة لا يعتد بها ولو طلقها في الطهر يكره له أن يطلقها أخرى فيه فكذا إذا طلقها في الحيض ثم طهرت وأما في الحامل إذا استبان حملها فالأحسن أن يطلقها واحدة رجعية وإن كان قد جامعها وطلقها عقيب الجماع لأن الكراهة في ذوات القرء لاحتمال الندامة لا لاحتمال الحبل فمتى طلقها مع علمه بالحبل فالظاهر أنه لا يندم وكذلك في ذوات الشهر من الآيسة والصغيرة الأحسن أن يطلقها واحدة رجعية وإن كان عقيب طهر جامعها فيه وهذا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر يفصل بين طلاق الآيسة والصغيرة وبين جماعهما بشهر وجه قوله أن الشهر في حق الآيسة والصغيرة أقيم مقام الحيضة فيمن تحيض ثم يفصل في طلاق السنة بين الوطء وبين الطلاق بحيضة فكذا يفصل بينهما فيمن لا تحيض بشهر كما يفصل بين التطليقتين ولنا أن كراهة الطلاق في الطهر الذي وجد الجماع فيه في ذوات الأقراء لاحتمال أن تحبل بالجماع فيندم وهذا المعنى لا يوجد في الآيسة والصغيرة وإن وجد الجماع ولأن الإياس والصغر في الدلالة على براءة الرحم فوق الحيضة في ذوات الأقراء فلما جاز الإيقاع ثمة عقيب الحيضة فلأن يجوز هنا عقيب الجماع أولى وأما الحسن في الحرة التي هي ذات القرء أن يطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار لا جماع فيها بأن يطلقها واحدة في طهر لا جماع فيه ثم إذا حاضت حيضة أخرى وطهرت طلقها أخرى ثم إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى وإن كانت أمة طلقها واحدة ثم إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى وهذا قول عامة العلماء وقال مالك لا أعرف طلاق السنة إلا أن يطلقها واحدة ويتركها حتى تنقضي عدتها وجه قوله أن الطلاق المسنون هو الطلاق لحاجة والحاجة تندفع بالطلقة الواحدة فكانت الثانية والثالثة في الطهر الثاني والثالث تطليقا من غير حاجة فيكره لهذا أكره الجمع كذا التفريق إذ كل ذلك طلاق من غير حاجة ولنا قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن أي ثلاثا في ثلاثة أطهار كذا فسره رسول الله فإنه روى أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما طلق امرأته حالة الحيض فسأل عن ذلك رسول الله فقال النبي أخطأت السنة ما هكذا أمرك ربك إن من السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل طهر تطليقة فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء فسر رسول الله الطلاق للعدة بالثلاث في ثلاثة أطهار والله عز وجل أمر به وأدنى درجات الأمر للندب ( ( ( الندب ) ) ) والمندوب إليه يكون حسنا ولأن رسول الله نص على كونه سنة حيث قال إن من السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل طهر تطليقة والدليل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي في حكايته عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وكان ذلك عندهم أحسن من أن يطلق الرجل امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار وإذا كان ذلك أحسن من هذا كان هذا حسنا في نفسه ضرورة

Sección V03/P088–V03/P089

وأما قوله إن الثانية والثالثة تطليق من غير حاجة فممنوع فإن الإنسان قد يحتاج إلى حسم باب نكاح امرأته على نفسه لما ظهر له أن نكاحها ليس بسبب المصلحة له دنيا ودينا لكن يميل قلبه إليها لحسن ظاهرها فيحتاج إلى الحسم على وجه ينسد باب الوصول إليها ولا يلحقه الندم ولا ( ( ( غلا ) ) ) يمكنه دفع هذه الحاجة بالثلاث جملة واحدة لأنها تعقب الندم عسى ولا يمكنه التدارك فيقع في الزنا فيحتاج إلى إيقاع الثلاث في ثلاثة أطهار فيطلقها تطليقة رجعية في طهر لا جماع فيه ويجرب نفسه أن هل يمكنه الصبر عنها فإن لم يمكنه راجعها وإن أمكنه طلقها تطليقة أخرى في الطهر الثاني ويجرب نفسه ثم يطلقها ثالثة في الطهر الثالث فينحسم باب النكاح عليه من غير ندم يلحقه ظاهرا أو غالبا فكان إيقاع الثانية والثالثة في الطهر الثاني والثالث طلاقا لحاجة فكان مسنونا على أن الحكم تعلق بدليل الحاجة لا بحقيقتها لكونها أمرا باطنا لا يوقف عليه إلا بدليل فيقام الطهر الخالي عن الجماع مقام الحاجة إلى الطلاق فكان تكرار الطهر دليل تجدد الحاجة فيبنى الحكم عليه ثم إذا وقع عليها ثلاث تطليقات في ثلاثة أطهار فقد مضى من عدتها حيضتان إن كانت حرة لأن العدة بالحيض عندنا وبقيت حيضة واحدة فإذا حاضت حيضة أخرى فقد انقضت عدتها وإن كانت أمة فإن وقع عليها تطليقتان في طهرين فقد مضت من عدتها حيضة وبقيت حيضة واحدة فإذا حاضت حيضة أخرى فقد انقضت عدتها وإن كانت من ذوات الأشهر طلقها واحدة رجعية وإذا مضى شهر طلقها أخرى ثم إذا مضى شهر طلقها أخرى ثم إذا كانت حرة فوقع عليها ثلاث تطليقات ومضى من عدتها شهران وبقي شهر واحد من عدتها فإذا مضى شهر آخر فقد انقضت عدتها وإن كانت أمة ووقع عليها تطليقتان في شهر وبقي من عدتها نصف شهر فإذا مضى نصف شهر فقد انقضت عدتها وإن كانت حاملا فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف يطلقها ثلاثا للسنة ويفصل بين كل طلاقيها بشهر وقال محمد لا يطلق الحامل للسنة إلا طلقة واحدة وهو قول زفر وذكر محمد رحمه الله في الأصل بلغنا ذلك عن عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله والحسن البصري رضي الله عنهم ولا خلاف في أن الممتد طهرها لا تطلق للسنة إلا واحدة وجه قول محمد وزفر أن إباحة التفريق في الشرع متعلقة بتجدد فصول العدة لأن كل قرء في ذوات الأقراء فصل من فصول العدة وكل شهر في الآيسة والصغيرة فصل من فصول العدة ومدة الحمل كلها فصل واحد من العدة لتعذر الاستبراء به في حق الحامل فلم يكن في معنى مورد الشرع فلا يفصل بالشهر ولهذا لم يفصل في الممتد طهرها بالشهر كذا ههنا ولأبي حنيفة وأبي يوسف قوله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان شرع الثلاث متفرقات من غير فصل بين الحامل والحائل أما شرعية طلقة وطلقة فبقوله تعالى الطلاق مرتان لأن معناه دفعتان على ما نذكر إن شاء الله تعالى وشرعية الطلقة الثالثة بقوله عز وجل أو تسريح بإحسان أو بقوله عز وجل فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره من غير فصل ولأن الحامل ليست من ذوات الأقراء فيفصل بين طلاقيها بشهر كالآيسة والصغيرة والجامع أن الفصل هناك بشهر لكون الشهر زمان تجدد الرغبة في العادة فيكون زمان تجدد الحاجة وهذا المعنى موجود في الحامل فيفصل فأما كون الشهر فصلا من فصول العدة فلا أثر له فكان من أوصاف الوجود لا من أوصاف التأثير إنما المؤثر ما ذكرنا فينبني الحكم عليه وما ذكر محمد رحمه الله في الأصل لا حجة له فيه لأن لفظ الحديث أفضل طلاق الحامل أن يطلقها واحدة ثم يدعها حتى تضع حملها وبه نقول إن ذلك أفضل ولا كلام فيه

Sección V03/P089–V03/P090

وأما الممتد طهرها فإنما لا تطلق للسنة إلا واحدة لأنها من ذوات الأقراء لأنها قد رأت الدم وهي شابة لم تدخل في حد الإياس إلا أنه امتد طهرها لداء فيها يحتمل الزوال ساعة فساعة فبقي أحكام ذوات الأقراء فيها ولا تطلق ذوات الأقراء في طهر لا جماع فيه للسنة إلا واحدة والله عز وجل أعلم ولو طلق امرأته تطليقة واحدة في طهر لا جماع فيه ثم راجعها بالقول في ذلك الطهر فله أن يطلقها في ذلك الطهر في قول أبي حنيفة وزفر وقال أبو يوسف لا يطلق في ذلك الطهر للسنة وهو قول الحسن بن زياد وقول محمد مضطرب ذكره أبو جعفر الطحاوي مع قول أبي حنيفة وذكره الفقيه أبو الليث مع قول أبي يوسف ولو أبانها في طهر لم يجامعها ثم تزوجها فله أن يطلقها في ذلك الطهر بالإجماع وجه قول أبي يوسف أن الطهر طهر واحد والجمع بين طلاقين في طهر واحد لا يكون سنة كما قبل الرجعة ولأبي حنيفة أنه لما راجعها فقد أبطل حكم الطلاق وجعل الطلاق كأنه لم يكن في حق الحكم ولأنها عادت إلى الحالة الأولى بسبب من جهته فكان له أن يطلقها أخرى كما إذا أبانها في طهر لم يجامعها فيه ثم تزوجها وعلى هذا الخلاف إذا راجعها بالقبلة أو باللمس عن شهوة أو بالنظر إلى فرجها عن شهوة وعلى هذا الخلاف إذا أمسك الرجل امرأته بشهوة فقال لها في حال الملامسة بشهوة بأن كان أخذ بيدها لشهوة أنت طالق ثلاثا للسنة وذلك في طهر لم يجامعها فيه أنه يقع عليها ثلاث تطليقات على التعاقب للسنة في قول أبي حنيفة رحمه الله فتقع التطليقة الأولى ويصير مراجعا لها بالإمساك عن شهوة ثم تقع الأخرى ويصير مراجعا بالإمساك ثم تقع الثالثة وعند أبي يوسف لا يقع عليها للسنة إلا واحدة والطلاقان الباقيان إنما يقعان في الطهرين الباقيين وهذا إذا راجعها بالقول أو بفعل المس عن شهوة فأما إذا راجعها بالجماع بأن طلقها في طهر لا جماع فيه ثم جامعها حتى صار مراجعا لها ثم إذاأراد أن يطلقها في ذلك الطهر ليس له ذلك بالإجماع لأن حكم الطلاق قد بطل بالمراجعة فبقي ذلك الطهر طهرا مبتدأ جامعها فيه فلا يجوز له أن يطلقها فيه هذا إذا راجعها بالجماع فلم تحمل منه فإن حملت منه فله أن يطلقها أخرى في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر وعند أبي يوسف ليس له أن يطلقها حتى يمضي شهر من التطليقة الأولى أبو يوسف يقول هذا طهر واحد فلا يجمع فيه بين طلاقين كما في المسألة الأولى وهم يقولون إن الرجعة أبطلت حكم الطلاق وألحقته بالعدم وكراهة الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه لمكان الندم لاحتمال الحمل فإذا طلقها مع العلم بالحمل لا يندم كما لو لم يكن طلقها في هذا الطهر ولكنه جامعها فيه فحملت كان له أن يطلقها لما قلنا كذا هذا ولو طلق الصغير ( ( ( الصغيرة ) ) ) تطليقة ثم حاضت وطهرت قبل مضي شهر فله أن يطلقها أخرى في قولهم جميعا لأنها لما حاضت فقد بطل حكم الشهر لأن الشهر في حقها بدل من الحيض ولا حكم للبدل مع وجود المبدل وأما إذا طلق امرأته وهي من ذوات الأقراء ثم أيست فله أن يطلقها أخرى حتى تيأس في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف لا يطلقها حتى يمضي شهر وجه قوله أن هذا طهر واحد فلا يحتمل طلاقين ولأبي حنيفة أن حكم الحيض قد بطل باليأس وانتقل حالها من العدة بالحيض إلى العدة بالأشهر وذلك يفصل بين التطليقتين كالانتقال من الشهور إلى الحيض في حق الصغيرة وهذا التفريع إنما يتصور على الرواية التي قدرت للإياس حدا معلوما خمسين سنة أو ستين سنة فإذا تمت هذه المدة بعد التطليقة جاز له أن يطلقها أخرى عند أبي حنيفة لما ذكرنا فأما على الرواية التي لم تقدر للاياس مدة معلومة وإنما علقته بالعادة فلا يتصور هذا التفريع

Sección V03/P090–V03/P091

ولو طلق امرأته في حال الحيض ثم راجعها ثم أراد طلاقها ذكر في الأصلأنها إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت طلقها إن شاء وذكر الطحاوي أنه يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة وذكر الكرخي أن ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة وما ذكره في الأصل قول أبي يوسف ومحمد وجه ما ذكر في الأصل ما روي أن النبي قال لعمر رضي الله عنه لما طلق ابنه عبد الله امرأته في حالة الحيض مر ابنك فليراجعها ثم يدعها إلى أن تحيض فتطهر ثم تحيض فتطهر ثم ليطلقها إن شاء طاهرا من غير جماع أمره بترك الطلاق إلى غاية الطهر الثاني فدل إن وقت طلاق السنة هو الطهر الثاني دون الأول ولأن الحيضة التي طلقها فيها غير محسوبة من العدة فكان إيقاع الطلاق فيها كإيقاع الطلاق في الطهر الذي يليها ولو طلق في الطهر الذي يليها لم يكن له أن يطلق فيه أخر ( ( ( أخرى ) ) ) كذا هذا وجه ما ذكره الطحاوي أن هذا طهر لا جماع فيه ولا طلاق حقيقة فكان له أن يطلقها فيه كالطهر الثاني وأما الحديث فقد روينا أن النبي قال لعبد الله بن عمر أخطأت السنة ما هكذا أمرك الله تعالى إن من السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل طهر تطليقة جعل الطلاق في كل طهر طلاقا على وجه السنة والطهر الذي يلي الحيضة طهر فكان الإيقاع فيه إيقاعا على وجه السنة فيجمع بين الروايتين فتحمل تلك الرواية على الأحسن لأنه أمر بالتطليقة الواحدة في طهر واحد لإجماع فيه وهذا أحسن الطلاق وهذه الرواية على الحسن لأنه أمره بالثلاث في ثلاثة أطهار جمعا بين الروايتين عملا بهما جمعا بقدر الإمكان فصل وأما بيان الألفاظ التي يقع بها طلاق السنة فالألفاظ التي يقع بها طلاق السنة نوعان نص ودلالة أما النص فنحو أن يقول أنت طالق للسنة وجملته أن الرجل إذا قال لامرأته وهي مدخول بها أنت طالق للسنة ولا نية له فإن كانت من ذوات الأقراء وقعت تطليقة للحال إن كانت طاهرا من غير جماع وإن كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه لم تقع الساعة فإذا حاضت وطهرت وقعت بها تطليقة واحدة لأن قوله أنت طالق للسنة إيقاع تطليقة بالسنة المعرفة باللام لأن اللام الأولى للاختصاص فيقتضي أن تكون التطليقة مختصة بالسنة فإذا أدخل لام التعريف في السنة فيقتضي استغراق السنة وهذا يوجب تمحضها سنة بحيث لا يشوبها معنى البدعة أو تنصرف إلى السنة المتعارفة فيما بين الناس والسنة المتعارفة المعهودة في باب الطلاق ما لا يشوبها معنى البدعة وليس ذلك إلا الواقع في طهر لاجماع فيه وإن نوى ثلاثا فثلاث لأن التطليقة المختصة بالسنة المعرفة بلام التعريف نوعان حسن وأحسن فالأحسن أن يطلقها واحدة في طهر لا جماع فيه والحسن أن يطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار فإذا نوى الثلاثة فقد نوى أحد نوعي التطليقة المختصة بالسنة فتصح نيته كما لو قال أنت طالق ثلاثا للسنة وإن أراد واحدة بائنة لم تكن بائنة لأن لفظة الطلاق لا تدل على البينونة وكذا لفظ السنة بل تمنع ثبوت البينونة لأن الإبانة ليست بمسنونة على ظاهر الرواية ويستحيل أن يثبت باللفظ ما يمنع ثبوته وإن نوى الثنتين لم يكن ثنتين لأنه عدد محض بخلاف الثلاث لأنه فرد من حيث أنه كل جنس الطلاق ولو أراد بقوله طالق واحدة وبقوله للسنة أخرى لم يقع لأن قوله للسنة ليس من ألفاظ الطلاق بدليل أنه لو قال لامرأته أنت للسنة ونوى الطلاق لا يقع ولو قال أنت طالق اثنتين للسنة أو ثلاثا للسنة وقع عند كل طهر لم يجامعها تطليقة لأنها هي التطليقة المختصة بالسنة المعرفة بلام التعريف ولو قال أنت طالق ثلاثا للسنة ونوى الوقوع للحال صحت نيته ويقع الثلاث من ساعة تكلم عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا تصح نيته وتتفرق على الأطهار وجه قوله أنه نوى ما لا يحتمله لفظة فتبطل نيته

Sección V03/P091

وبيان ذلك أن قوله أنت طالق ثلاثا للسنة إيقاع التطليقات الثلاث في ثلاثة أطهار لأنها هي التطليقات المختصة بالسنة المعرفة بلام التعريف فصار كأنه قال أنت طالق ثلاثا في ثلاثة أطهار ولو نص على ذلك ونوى الوقوع للحال لم تصح نيته كذا هذا ولنا أن الطلاق تصرف مشروع في ذاته وإنما الحظر والحرمة في غيره لما تبين فكان كل طلاق في أي وقت كان سنة فكان إيقاع الثلاث في الحال إيقاعا على وجه السنة حقيقة إلا أن السنة عند الإطلاق تنصرف إلى ما لا يشوبه معنى البدعة بملازمة الحرام إياه للعرف والعادة فإذا نوى الوقوع للحال فقد نوى ما يحتمله كلامه وفيه تشديد على نفسه فتصح نيته ولأن السنة نوعان سنة إيقاع وسنة وقوع لأن وقوع الثلاث جملة عرف بالسنة لما تبين فإذا نوى الوقوع للحال فقد نوى أحد نوعي السنة فكانت نيته محتملة لما نوى فصحت وإن كانت آيسة أو صغيرة فقال لها أنت طالق للسنة ولا نية له طلقت للحال واحدة وإن كان قد جامعها وكذا إذا كانت حاملا قد استبان حملها وإن نوى الثلاث بقوله للآيسة والصغيرة أنت طالق ثلاثا للسنة يقع للحال واحدة وبعد شهر أخرى وبعد شهر أخرى وكذا في الحامل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأما على قول محمد لا يقع إلا واحدة بناء على أن الحامل تطلق ثلاثا للسنة عندهما وعنده لا تطلق للسنة إلا واحدة ولو قال أنت طالق تطليقة للسنة فهو مثل قوله أنت طالق للسنة وكذلك إذا قال أنت طالق طلاق السنة وأما الدلالة فنحو أن يقول أنت طالق طلاق العدة أو طلاق العدل أو طلاق الدين أو طلاق الإسلام أو طلاق الحق أو طلاق القرآن أو طلاق الكتاب أما طلاق العدة فلأنه الطلاق في طهر لإجماع فيه لقوله عز وجل فطلقوهن لعدتهن وطلاق العدل هو المائل عن الباطل إلى الحق لأن العدل عند الإطلاق ينصرف إليه وإن كان الاسم في اللغة وضع دلالة على مطلق الميل كاسم الجور وعند الإطلاق ينصرف إلى الميل من الحق إلى الباطل وإن وضع في اللغة دلالة على مطلق الميل والطلاق المائل من الباطل إلى الحق هو طلاق السنة وطلاق الدين والإسلام والقرآن والكتاب هو ما يقتضيه الدين والإسلام والقرآن والكتاب وهو طلاق السنة وكذلك طلاق الحق هو ما يقتضيه الدين إلى الحق وذلك طلاق السنة وكذلك قوله أنت طالق أحسن الطلاق أو أجمل الطلاق أو أعدل الطلاق لأنه أدخل ألف التفضيل وأضاف إلى الطلاق المعرف باللام الواقع على الحسن فيقضي ( ( ( فيقتضي ) ) ) وقوع طلاق له مزية على جميع أنواع الطلاق بالحسن والجمال والعدالة كما إذا قيل فلان أعلم الناس يوجب هذا مزية له على جميع طبقات الناس في العلم وهذا تفسير طلاق السنة ولو قال أنت طالق تطليقة حسنة أو جميلة يقع للحال ولو قال أنت طالق تطليقة عدلة أو عدلية أو عادلة أو سنية يقع للسنة في قول أبي يوسف وسوى بينه وبين قوله أنت طالق للسنة وفرق بينه وبين قوله أنت طالق تطلبقة ( ( ( تطليقة ) ) ) حسنة أو جميلة ذكر محمد في الجامع الكبير أنه يقع للحال تطليقة رجعية سواء كانت حائضا أو غير حائض جامعها في طهرها أو لم يجامعها وسوى بينه وبين قوله أنت طالق تطليقة حسنة أو جميلة وفرق بين هذا وبين قوله أنت طالق للسنة وجه قول محمد أن قوله أنت طالق تطليقة سنية وصف التطليقة بكونها سنية والطلاق في أي وقت كان فهو سني لأنه تصرف مشروع وباقتران الفسخ به لا يخرج من أن يكون مشروعا في ذاته وهذا القدر يكفي لصحة الاتصاف بكونها سنية ولا يشترط الكمال ألا يرى أنه لو قال لامرأته أنت بائن يقع تطليقة واحدة ولا ينصرف إلى الكمال وهو البينونة الحاصلة بالثلاث كذا ههنا

Sección V03/P091–V03/P092

ولهذا وقع الطلاق للحال في قوله حسنة أو جميلة بخلاف قوله أنت طالق للسنة لأن ذلك إيقاع تطليقة مختصة بالسنة لأن اللام الأولى للاختصاص كما يقال هذا اللجام للفرس وهذا الإكاف لهذه البغلة وهذا القفل لهذا الباب واللام الثانية للتعريف فإن كانت لتعريف الجنس وهو جنس السنة اقتضى صفة التمحض للسنة وهو أن لا يشوبها بدعة وإن كانت لتعريف المعهود فالسنة المعهودة في باب الطلاق ما لا يشوبه ( ( ( يشوبها ) ) ) معنى البدعة وهو الطلاق في طهر لا جماع فيه وجه قول أبي يوسف أن هذا إيقاع طلاق موصوف بكونه سنيا مطلقا فلا يقع إلا على صفة السنة المطلقة والطلاق السني على الإطلاق لا يقع في غير وقت السنة ولهذا يقع في وقت السنة في قوله أنت طالق للسنة كذا هذا وفرق أبو يوسف بين السنية وبين الحسنة والجميلة وما كان الغالب فيه أن يجعل صفة للطلاق يجعل صفة له كقوله سنية وعدلية وما كان الغالب فيه أن يجعل صفة للمرأة يجعل صفة لها كقوله حسنة وجميلة لأن المرأة مذكورة في اللفظ بقوله أنت والتطليقة مذكورة أيضا فيحمل على ما يغلب استعمال اللفظ فيه ولو قال لامرأته وهي ممن تحيض أنت طالق للحيض وقع عند كل طهر من كل حيضة تطليقة لأن الحيضة التي يضاف إليها الطلاق هي أطهار العدة وإن كانت ممن لا تحيض فقال لها أنت طالق للحيض لا يقع عليها شيء لأنه أضاف الطلاق إلى ما ليس بموجود فصار كأنه علقه لشرط لم يوجد ولو قال لها وهي ممن لا تحيض أنت طالق للشهور يقع للحال واحدة وبعد شهر أخرى وبعد شهر أخرى لأن الشهور التي يضاف إليها الطلاق هي شهور العدة وكذا الحامل على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ولو نوى بشيء من الألفاظ التي يقع بها طلاق السنة وهو الطلاق في الطهر الذي لا جماع فيه الوقوع للحال تصح نيته ويكون على ما عنى لأنه نوى ما يحتمله كلامه أما في لفظ الأحسن والأجمل والأعدل فلأن ألف التفضيل قد تذكر ويراد به مطلق الصفة قال الله سبحانه وتعالى وهو أهون عليه أي هين عليه إذ لا تفاوت للأشياء في قدرة الله تعالى بل هي بالنسبة إلى قدرته سواء وقد نوى ما يحتمله لفظه ولا تهمة في العدول عن هذا الظاهر لما فيه من التشديد على نفسه فكان مصدقا وكذا في سائر الألفاظ لما ذكرنا أن الطلاق تصرف مشروع في نفسه فكان إيقاعه سنة في كل وقت أو لأن وقوعه عرف بالسنة على ما نذكر وذكر بشر عن أبي يوسف أن هذا النوع من الألفاظ أقسام ثلاثة قسم منها يكون طلاق السنة فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء نوى أو لم ينو وقسم منها يكون طلاق السنة فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء إن نوى وإن لم ينو لا يكون للسنة ويقع الطلاق للحال وقسم منها ما يصدق فيه إذا قال نويت به طلاق السنة فيما بينه وبين الله تعالى ويقع في أوقاتها ولا يصدق في القضاء بل يقع للحال أما القسم الأول فهو أن يقول أنت طالق للعدة أو أنت طالق طلاق العدل أو طلاق الدين أو طلاق الإسلام أو قال أنت طالق طلاقا عدلا أو طلاق عدة أو طلاق سنة أو أحسن الطلاق أو أجمل الطلاق أو طلاق الحق أو طلاق القرآن أو طلاق الكتاب أو قال أنت طالق للسنة أو في السنة أو بالسنة أو مع السنة أو عند السنة أو على السنة وأما القسم الثاني فهو أن يقول أنت طالق في كتاب الله عز وجل أو بكتاب الله عز وجل أو مع كتاب الله عز وجل لأن في كتاب الله عز وجل دليل وقوع الطلاق للسنة والبدعة لأن فيه شرع الطلاق مطلقا فكان الطلاق تصرفا مشروعافي نفسه فكان كلامه يحتمل ( ( ( محتمل ) ) ) الأمرين فوقف على نيته