Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Sección V01/P119

المجموع للنووي = كتاب الطهارة = قال المصنف رحمه الله تعالى : & باب ما يجوز به الطهارة من المياه وما لا يجوز & + الشرح : أما الكتاب فسبق بيانه ، والباب هو الطريق إلى الشيء والموصل إليه وباب المسجد والدار ما يدخل منه إليه ، وباب المياه ما يوصل به إلى أحكامها ، وقد يذكرون في الباب أشياء لها تعلق بمقصود الباب وإن لم يكن مما ترجم له كإدخاله الختان وتقليم الأظفار وقص الشارب ونحوها في باب السواك لكونها جميعا من خصال الفطرة فيكون التقدير باب السواك وما يتعلق به ويقاربه . وقوله : يجوز الطهارة . لفظة يجوز يستعملونها تارة بمعنى يحل وتارة بمعنى يصح وتارة تصلح للأمرين ، وهذا الموضع مما يصلح فيه للأمرين . وأما الطهارة فهي في اللغة النظافة والنزاهة عن الأدناس ويقال طهر الشيء بفتح الهاء وطهر بضمها والفتح أفصح يطهر بالضم والاسم الطهر ، والطهور بفتح الطاء اسم لما يتطهر به وبالضم فيهما طهارة اسم للفعل هذه اللغة المشهورة التي عليها الأكثرون من أهل اللغة . واللغة الثانية بالفتح فيهما واقتصر عليها جماعات من كبار أهل اللغة ، وحكى صاحب مطالع الأنوار الضم فيهما وهو غريب شاذ ضعيف ، وقد أوضحت هذا كله مفاضا في تهذيب الأسماء واللغات . وأما الطهارة في اصطلاح الفقهاء فهي رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما وعلى صورتهما ، وقولنا في معناهما أردنا به التيمم والأغسال المسنونة كالجمعة وتجديد الوضوء والغسلة الثانية والثالثة في الحدث والنجس أو مسح الأذن والمضمضة ونحوها من نوافل الطهارة ، وطهارة المستحاضة وسلس البول ، فهذه كلها طهارات ولا ترفع حدثا ولا نجسا وفي المستحاضة والسلس والمتيمم وجه ضعيف أنها ترفع . وأما المياه فجمع ماء وهو جمع كثرة وجمعه في القلة أمواه وجمع القلة عشرة فما دونها والكثرة فوقها وأصل ماء موه وهو أصل مرفوض ، والهمزة في ماء بدل من الهاء إبدال لازم عند بعض النحويين وقد ذكر صاحب المحكم لغة أخرى فيه أن يقال ماه على الأصل وهذا يبطل دعوى لزوم الإبدال . وإنما قال المصنف مياه وأتي بجمع الكثرة لأن أنواع الماء زائدة على العشرة فإنه طاهر وطهور ونجس ، والطهور ينقسم إلى ماء السماء وماء الأرض وماء السماء ينقسم إلى مطر وذوب ثلج وبرد ، وماء الأرض إلى ماء أنهار وبحار وآبار ومشمس ومسخن ومتغير بالمكث وبما لا يمكن صونه منه وبالتراب وغير ذلك من أنواعه ، وينقسم الطاهر والنجس أقساما معروفة . وبدأ المصنف بكتاب الطهارة ثم باب المياه وكذا فعله الشافعي والأصحاب وكثيرون من العلماء لمناسبة حسنة ذكرها صاحب التتمة وهو أبو سعيد بن عبد الرحمن بن المأمون المتولى قال : بدأنا بذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان وفي رواية : وصوم رمضان والحج رواه البخاري ومسلم فبدأ صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان بالصلاة والعرب تبدأ بالأهم فكان تقديم الصلاة أهم . وأما التوحيد فله كتب مستقلة وهو علم الكلام وقدموا الصوم على الحج لأنه جاء في إحدى الروايتين ولأنه أعم وجوبا من الحج فإنه يجب على كثيرين ممن لا حج عليه ، ويجب أيضا على الفور ويتكرر وإذا ثبت تقديم الصلاة فينبغي تقديم مقدماتها ومنها الطهارة ثم من الطهارة أعمها والأصل فيها وهو الماء وبالله التوفيق .

Sección V01/P119–V01/P121

قال المصنف رحمه الله تعالى : يجوز رفع الحدث وإزالة النجس بالماء المطلق وهو ما نزل من السماء أو نبع من الأرض فما نزل من السماء ماء المطر وذوب الثلج والبرد ، والأصل فيه قوله عز وجل : وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به . + الشرح : قوله عز وجل : وينزل قرىء بالتشديد والتخفيف قراءتان في السبع ، والنجس بفتح الجيم هو عين النجاسة كالبول ونحوه ، وأما الماء المطلق فالصحيح في حده أنه العاري عن الإضافة اللازمة وإن شئت قلت هو ما كفى في تعريفه اسم ماء وهذا الحد نص عليه الشافعي رحمه الله في البويطي ، وقيل هو الباقي على وصف خلقته وغلطوا قائله لأنه يخرج عنه المتغير بما يتعذر صونه عنه أو بمكث أو تراب ونحو ذلك . واختلفوا في المستعمل هل هو مطلق أم لا على وجهين أصحهما وبه قطع المصنف في باب ما يفسد الماء من الاستعمال وآخرون من محققي أصحابنا أنه ليس بمطلق ، والثاني أنه مطلق وبه قطع ابن القاص في التلخيص والقفال في شرحه وقال صاحب التقريب ابن القفال الشاشي : الصحيح أنه مطلق منع استعماله تعبدا . قال القفال : وكونه مستعملا لا يخرجه عن الإطلاق لأن الاستعمال نعت كالحرارة والبرودة وإنما يخرجه عن الإطلاق ما يضاف إليه كماء الزعفران وسمي المطلق مطلقا لأنه إذا أطلق الماء انصرف إليه . وأما قوله نزل من السماء أو نبع من الأرض فكذا قاله غيره واعترض عليه بأن الكل من السماء قال الله تعالى : أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض والجواب من وجهين : أحدهما : المراد بنبع ما نشاهده ينبع . ولهذا فسره به فقال وما نبع من الأرض ماء البحار إلى آخره ، والثاني ليس في الآية أن كل الماء نزل من السماء لأنه نكرة في الإثبات ومعلوم أنها لا تعم ، ويقال نبع ينبع بفتح الباء في المضارع وضمها وكسرها والمصدر نبوع أي خرج . وذوب الثلج ذائبه وهو مصدر يقال ذاب ذوبا وذوبانا وأذبته وذوبته وإنما ذكر المصنف ذوب الثلج والبرد لأن في استعمالهما على حالهما تفصيلا سنذكره في فرع قريبا إن شاء الله تعالى ، ووجه الدلالة من الآية لما استدل به المصنف هنا وهو جواز الطهارة بماء السماء ظاهر وهذا الحكم مجمع عليه ، واعترض بعض الغالطين على الفقهاء باستدلالهم بها وقال ماء نكرة ولا عموم لها في الإثبات . والجواب أن هذا خيال فاسد وإنما ذكر الله تعالى هذا امتنانا علينا فلو لم نحمله على العموم لفات المطلوب ، وإذا دل دليل على إرادة العموم بالنكرة في الإثبات أفادته ووجب حملها عليها والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : إذا استعمل الثلج والبرد قبل إذابتهما فإن كان بسيل على العضو لشدة حر وحرارة الجسم ورخاوة الثلج صح الوضوء على الصحيح ، وبه قطع الجمهور لحصول جريان الماء على العضو ، وقيل لا يصح لأنه لا يسمى غسلا ، حكاه جماعة منهم أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري صاحب الحاوي وأبو الفرج محمد بن عبد الواحد بن محمد الدارمي صاحب الاستذكار وهما من كبار أئمتنا العراقيين ، وعزاه الدارمي إلى أبي سعيد الاصطخري ، وإن كان لا يسيل لم يصح الغسل بلا خلاف . ويصح مسح الممسوح وهو الرأس والخف والجبيرة هذا مذهبنا وحكى أصحابنا عن الأوزاعي جواز الوضوء به وإن لم يسل ، ويجزيه في المغسول والممسوح وهذا ضعيف أو باطل إن صح عنه لأنه لا يسمى غسلا ولا في معناه ، قال الدارمي ولو كان معه ثلج أو برد لا يذوب ولا يجد ما يسخنه به صلى بالتيمم ، وفي الإعادة أوجه ثالثها يعيد الحاضر دون المسافر بناء على التيمم لشدة البرد ، ووجه الإعادة ندور هذا الحال قلت : أصحها الثالث .

Sección V01/P121

فرع : استدلوا لجواز الطهارة بماء الثلج والبرد بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسكت بين تكبيرة الإحرام والقراءة سكتة يقول فيها أشياء منها اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد وفي رواية بماء الثلج والبرد .

Sección V01/P121–V01/P124

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما نبع من الأرض ماء البحار وماء الأنهار وماء الآبار ، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من بئر بضاعة . + الشرح : هذان الحديثان صحيحان وهما بعضان من حديثين ، أما الأول فروى أبو هريرة قال سأل سائل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو الطهور ماؤه الحل ميتته حديث صحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم . قال البخاري في صحيحه هو حديث صحيح وقال الترمذي حديث حسن صحيح وروى الحل ميتته وروى الحلال وهما بمعنى ، والطهور بفتح الطاء وميتته بفتح الميم . واسم السائل عن ماء البحر عبيد وقيل عبد . وأما قول السمعاني في الأنساب اسمه العركي ففيه إيهام أن العركي اسم علم له وليس كذلك بل العركي وصف له وهو ملاح السفينة . وأما الثاني فروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله أتتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ، ولحم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الماء طهور لا ينجسه شيء حديث صحيح رواه الأئمة الذين نقلنا عنهم رواية الأول ، قال الترمذي حديث حسن صحيح . وقوله : أتتوضأ بتائين مثناتين من فوق خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم معناه تتوضأ أنت يا رسول الله من هذه البئر وتستعمل ماءها في وضوئك مع أن حالها ما ذكرناه ، وإنما ضبطت كونه بالتاء لئلا يصحف فيقال أنتوضأ بالنون ، وقد رأيت من صفحه واستبعد كون النبي صلى الله عليه وسلم توضأ منها . وهذا غلط فاحش ، وقد جاء التصريح بوضوء النبي صلى الله عليه وسلم منها في هذا الحديث من طرق كثيرة ذكرها البيهقي في السنن الكبير ورواها آخرون غيره . وفي رواية لأبي داود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له إنه يستقى لك من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب ، وهذا في معنى روايات البيهقي وغيره المصرحة بأنه صلى الله عليه وسلم توضأ منها ، ولهذا قال المصنف وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من بئر بضاعة . وفي رواية الشافعي في مختصر المزني قيل يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة ، وذكر تمام الحديث ، وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال : مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن فقال : الماء لا ينجسه شيء فهذه الرواية تقطع كل شك ونزاع . وبضاعة بضم الباء الموحدة ويقال بكسرها لغتان مشهورتان حكاهما ابن فارس والجوهري وآخرون والضم أشهر ولم يذكر جماعة غيره ، ثم قيل هو اسم لصاحب البئر وقيل اسم لموضعها . وقوله : يلقى فيها الحيض بكسر الحاء وفتح الياء وفي رواية المحايض ومعناه الخرق التي يمسح بها دم الحيض قاله الأزهري وغيره ، قال الإمام أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي : لم يكن القاء الحيض فيها تعمدا من آدمي بل كانت البئر في حدود والسيول تكسح الأقذار من الأفنية وتلقيها فيها ولا يؤثر في الماء لكثرته وكذا ذكر نحو هذا المعنى آخرون ، وقيل : كانت الريح تلقى الحيض فيها حكاه صاحب الحاوي وغيره ، ويجوز أن يكون السيل والريح يلقيان قال صاحب الشامل : ويجوز أن المنافقين كانوا يلقون ذلك . فرع : الحكم الذي ذكره وهو جواز الطهارة بما نبع من الأرض مجمع عليه إلا ما سأذكره إن شاء الله تعالى في البحر وماء زمزم .

Sección V01/P124–V01/P127

فرع : ينكر على المصنف قوله في الحديث الثاني : وروى بصيغة تمريض مع أنه حديث صحيح كما سبق ، وقد سبق في الفصول في مقدمة الكتاب أنه لا يقال في حديث صحيح روى بل يقال بصيغ الجزم فيقال هنا : وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم من بئر بضاعة . وأما قوله في الحديث الأول : لقوله صلى الله عليه وسلم فعبارة صحيحة لأنها جزم في حديث صحيح ، وهذان الحديثان بعضان ، وقد سبق في المقدمة بيان جواز اختصار الحديث . فرع : في فوائد الحديث الأول إحداها : أنه أصل عظيم من أصول الطهارة ذكر صاحب الحاوي عن الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي قال قال الشافعي : هذا الحديث نصف علم الطهارة الثانية : أن الطهور هو المطهر وسأفرد له فرعا إن شاء الله تعالى الثالثة : جواز الطهارة بماء البحر الرابعة : أن الماء بما يتعذر صونه عنه طهور الخامسة : جواز ركوب البحر ما لم يهج وسيأتي بسط المسألة في كتاب الحج إن شاء الله تعالى حيث ذكرها المصنف والأصحاب السادسة : أن ميتات البحر كلها حلال إلا ما خص منها وهو الضفدع والسرطان ، وهذا هو الصحيح ، وفيه خلاف في باب الصيد والذبائح السابعة : أن الطافي من حيوان البحر حلال وهو ما مات حتف أنفه وهذا مذهبنا الثامنة : فيه أنه يستحب للعالم والمفتي إذا سئل عن شيء وعلم أن بالسائل حاجة إلى أمر آخر متعلق بالمسؤول عنه لم يذكره السائل أن يذكره له ويعلمه إياه لأنه سأل عن ماء البحر فأجيب بمائه وحكم ميتته لأنهم يحتاجون إلى الطعام كالماء . قال الخطابي : وسبب هذا أن علم طهارة الماء مستفيض عند الخاصة والعامة ، وعلم حل ميتة البحر تخفى ، فلما رآهم جهلوا أظهر الأمرين كان أخفاهما أولى . ونظيره حديث المسيىء صلاته فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الصلاة فابتدأ بتعليمه الطهارة ثم الصلاة لأن الصلاة تفعل ظاهرا والوضوء في خفاء غالبا فلما جهل الأظهر كان الأخفى أولى والله أعلم . فرع : الطهور عندنا هو المطهر وبه قال أحمد بن حنبل وحكاه بعض أصحابنا عن مالك ، وحكوا عن الحسن البصري وسفيان وأبي بكر الأصم وابن داوود وبعض أصحاب أبي حنيفة وبعض أهل اللغة أن الطهور هو الطاهر واحتج لهم بقوله تعالى : وسقاهم ربهم شرابا طهورا الإنسان : 12 ومعلوم أن أهل الجنة لا يحتاجون إلى التطهير من حدث ولا نجس ، فعلم أن المراد بالطهور الطاهر ، وقال جرير في وصف النساء : عذاب الثنايا ريقهن طهور والريق لا يتطهر به وإنما أراد طاهر ، واحتج أصحابنا بأن لفظة طهور حيث جاءت في الشرع المراد بها التطهير ، من ذلك قوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا الفرقان : 84 وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به الأنفال : 11 فهذه مفسرة للمراد بالأولى ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المذكور في الفصل : هو الطهور ماؤه ومعلوم أنهم سألوا عن تطهير ماء البحر لا عن طهارته ولولا أنهم يفهمون من الطهور المطهر لم يحصل الجواب وقوله صلى الله عليه وسلم : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا رواه مسلم من رواية أبي هريرة ، أي مطهرة . وقوله صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا واه مسلم وغيره . من رواية حذيفة والمراد مطهرة وبكونها مطهرة اختصت هذه الأمة لا بكونها طاهرة .

Sección V01/P127–V01/P129

فإن قيل : يرد عليكم حديث : الماء طهور قلنا لا نسلم كونه مخالفا وأجاب أصحابنا عن قوله تعالى : شرابا طهورا بأنه تعالى وصفه بأعلى الصفات وهي التطهير ، وكذا قول جرير حجة لنا لأنه قصد تفضيلهن على سائر النساء فوصف ريقهن بأنه مطهر يتطهر به لكمالهن وطيب ريقهن وامتيازه على غيره ، ولا يصح حمله على ظاهره ، فإنه لا مزية لهن في ذلك ، فإن كل النساء ريقهن طاهر ، بل البقر والغنم وكل حيوان غير الكلب والخنزير ، وفرع أحدهما ريقه طاهر والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : حديث بئر بضاعة لا يخالف حديث القلتين لأن ماءها كان كثيرا لا يغيره وقوع هذه الأشياء فيه ، قال أبو داوود السجستاني في سننه سمعت قتيبة بن سعيد يقول : سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها قال : أكثر ما يكون الماء فيها إلى العانة قلت : فإذا نقص قال دون العورة قال أبو داود : قدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ست أذرع وقال لي الذي فتح لي الباب ، يعني باب البستان الذي هي فيه لم يغير بناؤها عما كانت عليه ، قال : ورأيت فيها ماء متغير اللون . قوله : متغير اللون يعني بطول المكث وبأصل المنبع لا بشيء أجنبي وهذه صفتها في زمن أبي داود ، لا يلزم أن يكون كانت هكذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم . واعلم أن حديث بئر بضاعة عام مخصوص خص منه المتغير بنجاسة فإنه نجس للإجماع ، وخص منه أيضا ما دون قلتين إذا لاقته نجاسة كما سنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى ، فالمراد الماء الكثير الذي لم تغيره نجاسة لا ينجسه شيء ، وهذه كانت صفة بئر بضاعة والله أعلم . فرع : قوله : ماء الأبئار وهو بإسكان الباء وبعدها همزة ومن العرب من يقول : آبار بهمزة ممدودة في أوله وفتح الباء ولا همزة بعدها . وهو جمع بئر جمع قلة ، ويجمع أيضا في القلة أبؤر بإسكان الباء وبعدها همزة مضمومة وفي الكثرة بئار بكسر الباء وبعدها همزة والبئر مؤنثة مهموزة يجوز تخفيفها بقلب الهمزة ياء . فرع : قال المزني في المختصر : قال الشافعي : فكل ماء من بحر عذب أو مالح أو بئر أو سماء أو ثلج أو برد مسخن وغير مسخن فسواء والتطهر به جائز ، واعترض عليه وقالوا : مالح خطأ وصوابه ملح قال الله تعالى . وهذا ملح أجاج الفرقان : 35 والجواب أن هذا الاعتراض جهالة من قائله بل فيه أربع لغات ماء ملح ومالح ومليح وملاح بضم الميم وتخفيف اللام ، حكاهن الخطابي وآخرون من الأئمة وقد جمعت ذلك بدلائله وأقوال الأئمة فيه وإنشاد العرب فيه في تهذيب الأسماء واللغات ، فمن الأبيات قول عمر بن أبي ربيعة : ( ولو تفلت في البحر والبحر مالح لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا ) وقول محمد بن حازم : ( تلونت ألوانا على كثيره وخالط عذبا من إخائك مالح ) فهذا هو الجواب الذي نختاره ونعتقده ، وذكر أصحابنا جوابين أحدهما هذا ، والثاني أن هذه العبارة ليست للشافعي بل للمزني ، وعبارة الشافعي في الأم عذب أو أجاج وهذا الجواب ضعيف جدا لوجهين : أحدهما أن المزني ثقة وقد نقله عن الشافعي ولا يلزم من كونه ذكر في الأم . عبارة أن لا يذكر غيرها في موضع آخر ولا أن لا يسمعها المزني شفاها ، والثاني : أن هذا الجواب يتضمن تغليظ المزني في النقل ونسبته إلى اللحن ، ولا ضرورة بنا إلى واحد منهما ، ثم وجدت في رسالة للبيهقي إلى الشيخ أبي محمد الجويني أن أكثر أصحابنا ينسبون المزني في هذا إلى الغلط ويزعمون أن هذه اللفظة لم توجد للشافعي .

Sección V01/P129

قال البيهقي : وقد سمى الشافعي البحر مالحا في كتابين أحدهما في أمالي الحج في مسألة كون صيد البحر حلالا للمحرم ، والثاني في المناسك الكبير وبالله التوفيق .

Sección V01/P129–V01/P131

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يكره من ذلك إلا ما قصد إلى تشميسه فإنه يكره الوضوء به ، ومن أصحابنا من قال : لا يكره كما لا يكره بماء تشمس في البرك والأنهار ، والمذهب الأول ، والدليل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وقد سخنت ماء بالشمس : يا حميراء لا تفعلي هذا فإنه يورث البرص . + الشرح : هذا الحديث المذكور ضعيف باتفاق المحدثين ، وقد رواه البيهقي من طرق وبين ضعفها كلها ، ومنهم من يجعله موضوعا ، وقد روى الشافعي في الأم بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس وقال : إنه يورث البرص ، وهذا ضعيف أيضا باتفاق المحدثين فإنه من رواية إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وقد اتفقوا على تضعيفه وجرحوه . وبينوا أسباب الجرح إلا الشافعي رحمه الله فإنه وثقه ، فحصل من هذا أن المشمس لا أصل لكراهته . ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء ، فالصواب الجزم بأنه لا كراهة فيه . وهذا هو الوجه الذي حكاه المصنف وضعفه ، وكذا ضعفه غيره وليس بضعيف ، بل هو الصواب الموافق للدليل ولنص الشافعي فإنه قال في الأم لا أكره المشمس إلا أن يكوه من جهة الطب ، كذا رأيته في الأم ، وكذا نقله البيهقي بإسناده في كتابه معرفة السنن والآثار عن الشافعي ، وأما قوله في مختصر المزني : إلا من جهة الطب لكراهة عمر لذلك وقوله : أنه يورث البرص فليس صريحا في مخالفة نصه في الأم ، بل يمكن حمله عليه ، فيكون معناه لا أكرهه إلا من جهة الطب أن قال أهل الطب : أنه يورث البرص فهذا ما نعتقده في المسألة وما هو كلام الشافعي . ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وداود والجمهور أنه لا كراهة كما هو المختار . وأما الأصحاب فمجموع ما ذكروا فيه سبعة أوجه أحدها لا يكره مطلقا كما سبق والثاني يكره في كل الأواني والبلاد بشرط القصد إلى تشميسه وهو الأشهر عند العراقيين وزعم صاحب البيان أنه المنصوص وبه قطع المنصف في التنبيه والقاضي أبو علي الحسن بن عمر البندنيجي من كبار العراقيين في كتاب الجامع . والثالث : يكره مطلقا ولا يشترط القصد وهو المختار عند صاحب الحاوي قال : ومن اعتبر القصد فقد غلط والرابع : يكره في البلاد الحارة في الأواني المنطبعة وهي المطرقة ، ولا يشترط القصد ولا تغطية رأس الإناء وهذا هو الأشهر عند الخراسانيين وغلط إمام الحرمين العراقيين في اشتراط القصد ، وعلى هذا فالمراد بالمنطبعة أوجه أحدها : جميع ما يطرق وهو قول الشيخ أبي محمد الجويني . والثاني : أنها النحاس خاصة وهو قول الصيدلاني والثالث : كل ما يطرق إلا الذهب والفضة لصفائهما واختاره إمام الحرمين . الخامس : يكره في المنطبعة بشرط تغطية رأس الإناء حكاه البغوي وجزم به شيخه القاضي حسين وصاحب التتمة والسادس : إن قال طبيبان يورث البرص كره وإلا فلا ، حكاه صاحب البيان وغيره وضعفوه وزعموا أن الحديث لم يفرق فيه ولم يقيد بسؤال الأطباء .

Sección V01/P131–V01/P132

وهذا التضعيف غلط بل هذا الوجه هو الصواب إن لم يجزم بعدم الكراهة وهو موافق لنصه في الأم ، لكن اشتراط طبيبين ضعيف بل يكفي واحد فإنه من باب الإخبار والسابع : يكره في البدن دون الثوب ، حكاه صاحب البيان وهو ضعيف أو غلط فإنه يوهم أن الأوجه السابقة عامة للبدن والثوب وليس كذلك بل الصواب ما قاله صاحب الحاوي أن الكراهة تختص باستعماله في البدن في طهارة حدث أو نجس أو تبرد أو تنظف أو شرب ، قال : وسواء لاقى البدن في عبادة أم غيرها قال : ولا كراهة في استعماله فيما لا يلاقي البدن من غسل ثوب وإناء وأرض لأن الكراهة للبرص ، وهذا مختص بالجسد ، قال : فإن استعمله في طعام وأراد أكله فإن كان مائعا كالمرق كره وإن لم يبق مائعا كالخبز والأرز المطبوخ به لم يكره ، هذا كلام صاحب الحاوي وذكر مثله صاحب البحر وهو الإمام أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني . وإذا قلنا بالكراهة فتبرد ، ففي زوالها أوجه حكاها الروياني وغيره ثالثها إن قال طبيبان : يورث البرص كره وإلا فلا . وحيث أثبتنا الكراهة فهي كراهة تنزيه وهل هي شرعية يتعلق الثواب بتركها وإن لم يعاقب على فعلها أم إرشادية لمصلحة دنيوية لا ثواب ولا عقاب في فعلها ولا بتركها فيه وجهان ذكرهما الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ، قال : واختار الغزالي الإرشادية وصرح الغزالي به في درسه قال : وهو ظاهر نص الشافعي قال : والأظهر واختيار صاحبي الحاوي والمهذب وغيرهما الشرعية . قلت : هذا الثاني هو المشهور عن الأصحاب والله أعلم . فرع : قوله : روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها . هذه عبارة جيدة لأنه حديث ضعيف ، فيقال فيه روى بصيغة التمريض ، وعائشة رضي الله عنها تكنى أم عبد الله كنيت بابن أختها أسماء عبد الله بن الزبير ، وهي عائشة بنت أبي بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشية التيمية تلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب ، وسبق باقي نسبها في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الكتاب ، ومناقب عائشة كثيرة مشهورة ذكرت منها جملة صالحة في تهذيب الأسماء . توفيت سنة ثمان وقيل : تسع وقيل : سبع وخمسين بالمدينة ، ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها ، وأقامت عنده تسع سنين وتوفي وهي بنت ثمان عشرة . وقول المصنف : قصد إلى تشميسه صحيح وزعم بعض الغالطين أنه لا يقال قصد إلى كذا بل قصد كذا ، وهذا خطأ بل يقال : قصدته وقصدت إليه وقصدت له ، ثلاث لغات حكاهن ابن القطاع وغيره . ومن أظرف الأشياء أن اللغات الثلاث اجتمعت متوالية في حديث واحد في صحيح مسلم في نحو سطر ، عن جندب البجلي رضي الله عنه : أن رجلا من المشركين كان إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله . وأن رجلا من المسلمين قصد غفلته وهذا نصه بحروفه والله أعلم ، وأما قوله : كما لا يكره ماء تشمس في البرك والأنهار متفق عليه لعدم إمكان الصيانة وتأثير الشمس .

Sección V01/P132–V01/P135

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن تطهر منه صحت طهارته ، لأن المنع لخوف الضرر وذلك لا يمنع صحة الوضوء كما لو توضأ بماء يخاف من حره أو برده . + الشرح : أما صحة الطهارة فمجمع عليه ، وقوله لأن المنع لخوف الضرر ، وذلك لا يمنع صحة الوضوء معناه أن النهي ليس راجعا إلى نفس المنهي عنه ، بل لأمر خارج وهو الضرر ، وإذا كان النهي لأمر خارج لا يقتضي الفساد على الصحيح المختار لأهل الأصول من أصحابنا وغيرهم . فإن قيل لا حاجة إلى قوله : لا يمنع صحة الوضوء لأن كراهة التنزيه لا تمنع الصحة قلنا : هذا خطأ لأن الكراهة نهي مانع من الصحة سواء كان نهي تحريم أو تنزيه إلا أن يكون لأمر خارج ، فلهذا علل المصنف بأنه لأمر خارج ، ومما حكم فيه بالفساد لنهي التنزيه الصلاة في وقت النهي فإنها كراهة تنزيه ولا تنعقد على أصح الوجهين كما سنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى . وأما قوله : كما لو توضأ بماء يخاف حره أو برده فمعناه أنه يكره ويصح الوضوء ، وهذان الأمران متفق عليهما عندنا ودليل الكراهة أنه يتعرض للضرر ، ولأنه لا يمكنه استيفاء الطهارة على وجهها . فرع : في قول المصنف : ولا يكره من ذلك إلا ما قصد إلى تشميسه تصريح بما صرح به أصحابنا وهو أنه لا تكره الطهارة بماء البحر ولا بماء زمزم ولا بالمتغير بطول المكث ولا بالمسخن ما لم يخف الضرر لشدة حرارته سواء سخن بطاهر أو نجس ، وهذه المسائل كلها متفق عليها عندنا وفي كلها خلاف لبعض السلف ، فأما ماء البحر فجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم على أنه لا يكره كمذهبنا ، وحكى الترمذي في جامعه وابن المنذر في الأشراف وغيرهما عبد الله بن عمر ابن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أنهما كرها الوضوء به ، وحكاه أصحابنا أيضا عن سعيد بن المسيب . واحتج لهم بحديث روى عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم : تحت البحر نار وتحت النار بحر حتى ، عد سبعة وسبعة رواه أبو داود في سننه ، واحتج أصحابنا بحديث : هو الطهور ماؤه وبحديث : الماء طهور ولأنه لم يتغير عن أصل خلقته فأشبه غيره ، وأما حديث تحت البحر نار فضعيف باتفاق المحدثين وممن بين ضعفه أبو عمر بن عبد البر ولو ثبت لم يكن فيه دليل ولا معارضة بينه وبين حديث هو الطهور ماؤه . وأما زمزم فمذهب الجمهور كمذهبنا أنه لا يكره الوضوء والغسل به ، وعن أحمد رواية بكراهته لأنه جاء عن العباس رضي الله عنه أنه قال وهو عند زمزم : لا أحله لمغتسل ، وهو لشارب حل وبل ودليلنا النصوص الصحيحة الصريحة المطلقة في المياه بلا فرق ، ولم يزل المسلمون على الوضوء منه بلا انكار ، ولم يصح ما ذكروه عن العباس ، بل حكى عن أبيه عبد المطلب ولو ثبت عن يجز ترك النصوص به . وأجاب أصحابنا بأنه محمول على أنه قال في وقت ضيق الماء لكثرة الشاربين . وأما المتغير بالمكث فنقل ابن المنذر الاتفاق على أنه لا كراهة فيه إلا ابن سيرين فكرهه ، ودليلنا النصوص المطلقة ولأنه لا يمكن الاحتراز منه فأشبه المتغير بما يتعذر صونه عنه . وأما المسخن فالجمهور أنه لا كراهة فيه وحكى أصحابنا عن مجاهد كراهته ، وعن أحمد المسخن بنجاسة وليس لهم دليل فيه روح ، ودليلنا النصوص المطلقة ولم يثبت نهى .

Sección V01/P135–V01/P136

فرع : ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين ، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة وفي رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من آبارها ، ولا يستقوا منها ، فقالوا : قد عجنا منها واستقينا ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء . قلت : فاستعمال ماء هذه الآباء المذكورة في طهارة وغيرها مكروه أو حرام إلا لضرورة لأن هذه سنة صحيحة لا معارض لها ، وقد قال الشافعي : إذا صح الحديث فهو مذهبي . فيمنع استعمال آبار الحجر إلا بئر الناقة ، ولا يحكم بنجاستها لأن الحديث لم يتعرض للنجاسة ، والماء طهور بالأصالة ، وهذه المسألة ترد على قول المصنف : لا يكره من ذلك إلا ما قصد إلى تشميسه ، وكذلك يرد عليه : شديد الحرارة والبرودة والله أعلم .

Sección V01/P136–V01/P138

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما سوى الماء المطلق من المائعات كالخل وماء الورد والنبيذ وما اعتصر من الثمر أو الشجر لا يجوز رفع الحدث ولا إزالة النجس به لقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا فأوجب التيمم على من لم يجد الماء فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره ، ولقوله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في دم الحيض يصيب الثوب : حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء فأوجب الغسل بالماء فدل على أنه لا يجوز بغيره . + الشرح : أما حديث أسماء فرواه البخاري ومسلم بمعناه لكن عن أسماء أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : تحته ثم تقرصه بالماء وفي رواية : فلتقرصه ثم لتنضحه بماء هذا لفظه في الصحيح وليس في الصحيح أن أسماء هي السائلة ولا في كتب الحديث المعتمدة ، لكن رواه الشافعي في الأم كذلك في رواية ضعيفة بعد أن رواه عن أسماء أن امرأة سألت ، وقد أنكر جماعة على المصنف روايته أن أسماء هي السائلة وغلطوه فيه ، وليس هو بغلط ، بل رواه الشافعي كما ذكرناه ، والمراد متن الحديث وهو صحيح ، ولو اعتنى المصنف بتحقيق الحديث وأتى برواية الصحيحين لكان أكمل له وأبرأ لدينه وعرضه . ومعنى حتيه حكيه ومعنى اقرصيعه قطعيه واقلعيه بظفرك ، والدم مخفف الميم على اللغة الفصيحة المشهورة ، وتشدد الميم في لغية ، والاستدلال من الآية والحديث ليس بالمفهوم . بل أمر بالتيمم والغسل بالماء فمن غسل بمائع فقد ترك المأمور به . وأما حكم المسألة : وهو أن رفع الحدث وإزالة النجس لا يصح إلا بالماء المطلق فهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال جماهير السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهم ، وحكى أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي بكر الأصم أنه يجوز رفع الحدث وإزالة النجس بكل مائع طاهر ، قال القاضي أبو الطيب : إلا الدمع فإن الأصم يوافق على منع الوضوء به ، وقال أبو حنيفة يجوز الوضوء بالنبيذ على شرط سأذكره في فرع مستقل ، وأذكر إزالة النجاسة في فرع آخر إن شاء الله تعالى . واحتج لابن أبي ليلى بأنه مائع طاهر فأشبه الماء ، واحتج الأصحاب بالآية التي ذكرها المصنف وبأنه الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعدمون الماء في أسفارهم ومعهم الدهن وغيره من المائعات وما نقل عن أحد منهم الوضوء بغير ماء ، ولا يصح القياس على الماء فإن الماء جمع اللطافة وعدم التركيب من أجزاء وليس كذلك غيره . وأما قول الغزالي في الوسيط طهارة الحدث مخصوصة بالماء بالإجماع ، فمحمول على أنه لم يبلغه قول ابن أبي ليلى إن صح عنه ، وأما الأصم فلا يعتد بخلافه ، وقد أوضحت حال الأصم في تهذيب الأسماء واللغات ، وقد قال ابن المنذر في الإشراف وكتاب الإجماع : أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز الوضوء بماء الورد والشجر والعصفر وغيره مما لا يقع عليه اسم ماء وهذا يوافق نقل الغزالي . فرع : أما النبيذ فلا يجوز الطهارة به عندنا على أي صفة كان من عسل أو تمر أو زبيب أو غيرها مطبوخا كان أو غيره ، فإن نش وأسكر فهو نجس يحرم شربه وعلى شاربه الحد ، وإن لم ينش فطاهر لا يحرم شربه ولكن لا تجوز الطهارة به . هذا تفصيل مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف والجمهور وعن أبي حنيفة أربع روايات احداهن : يجوز الوضوء بنبيذ التمر المطبوخ إذا كان في سفر وعدم الماء والثانية : يجوز الجمع بينه وبين التيمم وبه قال صاحبه محمد بن الحسن والثالثة : يستحب الجمع بينهما الرابعة : أنه رجع عن عن جواز الوضوء به وقال يتيمم ، وهو الذي استقر عليه مذهبه .

Sección V01/P138–V01/P142

كذا قاله العبدري ، قال : وروي أنه قال : الوضوء بنبيذ التمر منسوخ ، وحكى عن الأوزاعي الوضوء بكل نبيذ وحكى الترمذي عن سفيان الوضوء بالنبيذ . واحتج لمن جوز برواية شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو ابن حريث عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن : هل في اداوتك ماء قال : لا إلا نبيذ تمر ، قال : ثمرة طيبة وماء طهور ، وتوضأ به رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم . وعن ابن عباس رفعه : النبيذ وضوء من لم يجد الماء وعن علي وابن عباس وغيرهما موقوفات ، واحتج أصحابنا بالآية : فلم تجدوا ماء فتيمموا وقد سبق وجه التمسك بالآية ، فمن توضأ بالنبيذ فقد ترك المأمور به ، ولهم أسئلة ضعيفة على الآية لا يلتفت إليها وبحديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليسمه بشرته حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم والحاكم وأبو عبد الله محمد عبد الله بن البيع في المستدرك على الصحيحين قال الترمذي : حديث حسن صحيح وقال الحاكم : حديث صحيح ، والاستدلال منه كالاستدلال من الآية . ومن القياس كل شيء لا يجوز التطهر به حضرا لم يجز سفرا كماء الورد ، ولأنه مائع لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء فلم يجز مع عدمه كماء الباقلا ، ولأنه شراب فيه شدة مطربة فأشبه الخمر ولأنه مائع لا يطلق عليه اسم ماء كالخل . وأما الجواب عن شبههم فحديث ابن مسعود ضعيف باجماع المحدثين . قال الترمذي وغيره : لم يروه غير أبي زيد مولى ابن حريث وهو مجهول لا يعرف ولا يعرف عنه غير هذا الحديث . وقد ثبت في صحيح مسلم عن علقمة قال : سألت ابن مسعود هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن قال : لا ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل ، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا : يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال : أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن ، قال : فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم . وفي صحيح مسلم أيضا عن علقمة عن عبد الله قال : لم أكن ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووددت أني كنت معه فثبت بهذين الحديثين مع ما ذكرناه من اتفاق الحفاظ على تضعيف حديث النبيذ بطلان احتجاجهم . وأجاب أصحابنا مع هذا بأربعة أجوبة أحدها : أنه حديث مخالف الأصول فلا يحتج به عند أبي حنيفة والثاني : أنهم شرطوا لصحة الوضوء بالنبيذ السفر وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم في شعاب مكة كما ذكرناه الثالث : أن المراد بقوله : نبيذ أي ماء نبذت فيه تمرات ليعذب ، ولم يكن متغيرا ، وهذا تأويل سائغ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثمرة طيبة وماء طهور فوصف النبي صلى الله عليه وسلم شيئين ليس النبيذ واحدا منهما . فإن قيل : فابن مسعود نفى أن يكون معه ماء . وأثبت النبيذ ، فالجواب أنه إنما نفى أن يكون معه ماء معد للطهارة وأثبت أن معه ماء نبذ فيه تمر معدا للشرب ، وحمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على الحقيقة وتأويل كلام ابن مسعود أولى من عكسه .

Sección V01/P142–V01/P145

الرابع : أن النبيذ الذي زعم أنه كان مع ابن مسعود لا يجوز الطهارة به عندهم لأنه نقيع لا مطبوخ ، فإن العرب لا تطبخه وإنما تلقى فيه حبات تمر حتى يحلو فتشربه ، وذكر الأصحاب أجوبة كثيرة غير ما ذكرنا وفيما ذكرنا كفاية . وأما حديث ابن عباس والآثار عنه وعن علي وغيرهما فكلها ضعيفة واهية ، ولو صحت لكان عنها أجوبة كثيرة ولا حاجة إلى تضييع الوقت بذكرها بلا فائدة ، ولقد أحسن وأنصف الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد ابن سلامة الطحاوي إمام الحنفية في الحديث والمنتصر لهم حيث قال في أول كتابه : إنما ذهب أبو حنيفة ومحمد إلى الوضوء بالنبيذ اعتمادا على حديث ابن مسعود ولا أصل له فلا معنى لتطويل كتابي بشيء فيه . فرع : قد ذكرنا أن إزالة النجاسة لا تجوز عندنا وعند الجمهور إلا بالماء فلا تجوز بخل ولا بمائع آخر ، وممن نقل هذا عنه مالك ومحمد ابن الحسن وزفر وإسحاق بن راهويه ، وهو أصح الروايتين عن أحمد ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وداود : يجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن بكل مائع يسيل إذا غسل به ثم عصر كالخل وماء الورد ، ولا يجوز بدهن ومرق ، وعن أبي يوسف رواية أنه لا يجوز في البدن بغير الماء . واحتج لهم بحديث عائشة رضي الله عنها قالت : ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فمصعته بظفرها رواه البخاري ، ومصعته بفتح الميم والصاد والعين المهملتين أي أذهبته ، وعن محمد بن إبراهيم عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عن أم سلمة رضي الله عنها قالت قلت : يا رسول الله إني امرأة أطيل ذيلي فأجره على المكان القذر فقال صلى الله عليه وسلم : يطهره ما بعده رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وموضع الدلالة أنها طهارة بغير الماء فدل على عدم اشتراطه ، وبحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه ، وليصل فيهما حديث حسن رواه أبو داود بإسناد صحيح وبحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا وطيء أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور رواه أبو داود ، والدلالة من هذين كهي مما قبلهما . وذكروا أحاديث لا دلالة فيها كحديث : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه وبأي شيء غسله سمى غاسلا . قالوا : ولأنه مائع طاهر فأشبه الماء ، ولأنها عين تجب إزالتها للعبادة فجاز بغير الماء كالطيب عن ثوب المحرم وهذا يعتمدونه ، ولأن الحكم يتعلق بعين النجاسة فزال بزوالها ، ولأن المراد إزالة العين والخل أبلغ ، ولأن الخمر إذا انقلبت خلا طهرت وطهر الدن وما طهر إلا بالخل ، ولأنها نجاسة فلا يتعين لها الماء كنجاسة النجو ، ولأن الهرة لو أكلت فأرة ثم ولغت في إناء لم تنجسه فدل على أن ريقها طهر فمها .

Sección V01/P145–V01/P146

واحتج أصحابنا بقوله الله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا الفرقان : 84 وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به الأنفال : 11 فذكره سبحانه وتعالى امتنانا فلو حصل بغيره لم يحصل الامتنان ، وبحديث أسماء المذكور وتقدم بيان وجه وجه الدلالة ، ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم إزالة النجاسة بغير الماء ونقل إزالتها بالماء ، ولم يثبت دليل صريح في إزالتها بغيره ، فوجب اختصاصه ، إذ لو جاز بغيره لبينه مرة فأكثر ، ليعلم جوازه كما فعل في غيره ، ولأنها طهارة شرعية فلم تجز بالخل كالوضوء ، ولأن حكم النجاسة أغلظ من حكم الحديث بدليل أنه يتيمم عن الحدث دونها ، ولو وجد من الماء ما يكفيه لأحدهما غسلها ، والمستعمل في النجاسة نجاسة نجس عند أبي حنيفة ، وكذا عندنا إن انفصل ولم يطهر المحل على الأظهر ، والمستعمل في الحدث طاهر عندنا ، وكذا على الأصح عن أبي حنيفة ، فإذا لم يجز الوضوء بغير الماء فالنجاسة التي هي أغلظ أولى . وأما الجواب عن أدلتهم فحديث عائشة أجاب عنه الشيخ أبو حامد وغيره بأن مثل هذا الدم اليسير لا تجب إزالته ، بل تصح الصلاة معه ويكون عفوا ، ولم ترد عائشة غسله وتطهيره بالريق ، ولهذا لم تقل كنا نغسله بالريق ، وإنما أرادت اذهاب صورته لقبح منظره ، فيبقى المحل نجسا كما كان ولكنه معفو عنه لقلته . وهذا الجواب على مذهب من يقول قول الصحابي : كنا نفعل كذا يكون مرفوعا وإن لم يضفه إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أما من اشترط الإضافة فلا يكون عنده مرفوعا بل يكون موقوفا ، ويجيء فيه التفصيل في قول الصحابي هل انتشر أم لا وهل هو حجة في الحالين أم لا . وفي كل هذا خلاف قدمناه واضحا في الفصول السابقة في مقدمة هذا الشرح . وأما حديث أم سلمة فالجواب عنه من وجهين أحدهما : أنه ضعيف لأن أم ولد إبراهيم مجهولة ، والثاني : أن المراد بالقذر نجاسة يابسة ، ومعنى يطهره ما بعده أنه إذا انجر على ما بعده من الأرض ذهب ما علق به من اليابس ، هكذا أجاب أصحابنا وغيرهم ، قال الشيخ أبو حامد في تعليقه : ويدل على هذا التأويل الإجماع أنها لو جرت ثوبها على نجاسة رطبة فأصابته لم يطهر بالجر على مكان طاهر ، وكذا نقل الإجماع في هذا أبو سليمان الخطابي ، ونقل الخطابي ، هذا التأويل عن آباء عبد الله مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله . وأما حديث أبي سعيد قلنا في المسألة قولان ، القديم أن مسح أسفل الخف الذي لصقت به نجاسة كاف في جواز الصلاة فيه مع أنه نجس عفي عنه ، والجديد أنه ليس بكاف ، فعلى هذا الجواب أن الأذى المذكور محمول على مستقذر طاهر كمخاط وغيره مما هو طاهر أو مشكوك فيه ، وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود من طرق كلها ضعيفة ولو صح لأجيب عنه بنحو ما سبق . وأما حديث : إذا ولغ الكلب فالغسل فيه وفي غيره من الأحاديث المطلقة محمول على الغسل بالماء ، لأنه المعروف المعهود السابق إلى الفهم عند الإطلاق ، قال أصحابنا : ولا يعرف الغسل في اللغة بغير الماء ، وأما قياسهم على الماء فباطل لأنه يرفع الحديث بخلاف المائع ولأنه ينتقض بالدهن والمرق . وقياسهم على الطيب بمردود من وجهين أحدهما : أن إزالة الطيب وغسله ليس واجبا بل الواجب اذهاب رائحة واهلاكها ، بدليل أنه لو طلى عليه طينا أو غسله بدهن كفاه والثاني : أن النجاسة بطهارة الحدث أشبه من إزالة الطيب ، فإلحاق طهارة بطهارة أولى .

Sección V01/P146–V01/P147

وأما قولهم : الحكم يتعلق بعين النجاسة فزال بزوالها فليس بلازم ، وينتقض بلحم الميتة إذا وقع في ماء قليل فينجسه ، وإذا زال لا يزول التنجيس ، وقولهم : الخل أبلغ ، غير مسلم لأن في الماء لطافة ورقة ليست في الخل وغيره ، ولو صح ما قالوه لكان إزالة النجاسة بالخل أفضل وأجمعنا بخلافه . وأما قولهم : الدن يطهر بالخل فغير صحيح ، بل يطهر تبعا للخل للضرورة ، ولو كان الخل هو الذي طهره لنجس الخل ، لأن المائع إذا أزيلت به النجاسة تنجس عندهم ، ولأنه لو كان مطهرا لوجب أن تتقدم طهارته في نفسه ، ولو كان كذلك لم يطهر الخل لحصوله في محل نجس ، وأما نجاسة النجو فإذا استنجى بالإحجار عفي عما بقي للضرورة ، وهي رخصة ورد الشرع بها ، ولا خلاف أن المحل يبقى نجسا ولهذا لو انغمس في ماء قليل نجسه فلم تحصل إزالة نجاسة بغير الماء . وأما مسألة الهرة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا مذكورة بعد هذا ، فإن قلنا بطهارة ما ولغت فيه فليس هو لطهارة فمها بريقها ، بل لأنه لا يمكن الاحتراز منها فعفي عنها كأثر الاستنجاء . وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن لا يسأم من طول بعض المسائل فإنها لا تطول إن شاء الله تعالى إلا بفوائد وتمهيد قواعد ، ويحصل في ضمن ذكر مذاهب العلماء ودلائلها وأجوبتها فوائد مهمة نفيسة وتتضح المشكلات وتظهر المذاهب المرجوحة من الراجحة ، ويتدرب الناظر فيها بالسؤال والجواب ، ويتنقح ذهنه ويتميز عند أولي البصائر والألباب ، ويتعرف الأحاديث الصحيحة من الضعيفة ، والدلائل الراجحة من المرجوحة ، ويقوى للجمع بين الأحاديث التي تظن متعارضات ، ولا يخفى عليه بعد ذلك إلا أفراد نادرات وبالله التوفيق . فرع : قال الشافعي في أول مختصر المزني : وما عدا الماء من ماء ورد أو شجر أو عرق لا تجوز الطهارة به ، واختلف أصحابنا في ضبط قوله : عرق فقيل هو بفتح العين والراء وهو عرق الحيوان ، وقيل بفتح العين وإسكان الراء وهو المعتصر من كرش البعير . وقد نص على هذا في الأم ، وقيل بكسر العين وإسكان الراء وهو عرق الشجر أي المعتصر منه والأول أصح ، والثالث ضعيف لأنه عطفه على الشجر والثاني فيه بعد لأنه نحس لا يخفى امتناع الطهارة به فلا يحتاج إلى بيان . فرع : إذا أغلى مائعا فارتفع من غليانه بخار تولد منه رشح فليس بطهور بلا خلاف كالعرق ، ولو أغلى ماء مطلقا فتولد منه الرشح قال صاحب البحر قال بعض أصحابنا بخراسان : لفظ الشافعي يقتضي أنه لا تجوز الطهارة به لأنه عرق قال الروياني : وهذا غير صحيح عندي لأن رشح الماء ماء حقيقة ، وينقص منه بقدره فهو ماء مطلق فيتطهر به . قلت : الأصح جواز الطهارة به والله أعلم .

Sección V01/P147–V01/P150

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن كمل الماء المطلق بمائع بأن احتاج في طهارته إلى خمسة أرطال ومعه أربعة أرطال فكمله بمائع لم يتغير به كماء ورد انقطعت رائحته ففيه وجهان ، قال أبو علي الطبري : لا يجوز الوضوء به لأنه كمل الوضوء بالماء والمائع فأشبه إذا غسل بعض أعضائه بالماء وبعضها بالمائع ، ومن أصحابنا من قال : يجوز ، لأن المائع استهلك في الماء فصار كما لو طرح ذلك في ماء يكفيه . ثم قال المصنف في أول الباب الثاني : إذا اختلط بالماء شيء طاهر ولم يتغير به لقلته لم يمنع الطهارة به ، لأن الماء باق على إطلاقه ، وإن لم يتغير به لموافقته الماء في الطعم واللون والرائحة كماء ورد انقطعت رائحته ففيه وجهان أحدهما : إن كانت الغلبة للماء جازت الطهارة به لبقاء اسم الماء المطلق ، وإن كانت الغلبة للخالط لم تجز لزوال إطلاق اسم الماء ، والثاني : إن كان ذلك قدرا لو كان مخالفا للماء في صفاته لم يغيره لم يمنع ، وإن كان قدرا لو كان مخالفا له غيره منع ، لأن الماء لما لم يغير بنفسه اعتبر بما يغيره ، كما تقول في الجناية التي ليس لها أرش مقدر لما لم يمكن اعتبارها بنفسها اعتبرت بالجناية على العبيد . + الشرح : اعلم أن المسألة الأولى معدودة في مشكلات المهذب . وهي أول مسألة ذكروها في مشكلاته ووجه الإشكال أن بينها وبين المسألة التي بعدها في أول الباب الثاني اشتباها كما تراه ، وأجابوا بأن المسألة الأولى مفرعة على الثانية فكان ينبغي للمصنف أن يذكر الثانية أولا ، وحاصل حكم المذهب أن المائع المخالط للماء أن قل جازت الطهارة منه وإلا فلا ، وبماذا تعرف القلة والكثرة ينظر فإن خالفه في بعض الصفات فالعبرة بالتغير فإن غيره فكثير وإلا فقليل ، وهذه هي المسألة الأولى من الباب الثاني وهذا متفق عليه ، وإن وافقه في صفاته ففيما تعتبر به القلة والكثرة الوجهان المذكوران في الكتاب في المسألة الثانية أصحهما بتقديره مخالفا في صفاته كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، هكذا صححه جمهور الخراسانيين وهو المختار . وممن صححه البغوي والرافعي وقطع به القاضي حسين بن محمد وأبوالقاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني ( بضم الفاء ) صاحب الإبانة واإمام الحرمين والغزالي وآخرون ، والثاني : يعتبر الوزن فإن كل الماء أكثر وزنا جازت الطهارة منه ، وإن كان المائع أكثر أو تساويا فلا ، وصححه صاحب البيان وبعض العراقيين ، وقطع به الماوردي وأبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي في كتابيه المجموع و التجريد وأبو علي البندنيجي ، والمذهب الأول . ولوخالط الماء المطلق ماء مستعمل فطريقان أصحهما أنه كالمائع ففيه الوجهان ، وبهدا قطع الجمهور منهم القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله وصححه الرافعي وآخرون والثاني : يعتبر الوزن قطعا وبه قطع الشيخ أبو حامد وأبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد صاحب الشامل المعروف بابن الصباغ . ثم حيث حكمنا بقلة المائع إما لكونه لم يغير الماء مع مخالفته . وإما لقلة وزنه على وجه ، وإما لعدم تغيره بتقدير المخالفة على الأصح فالوضوء منه جائز ، وهل يجوز استعماله كله أم يجب ترك قدر المائع فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف في آخر الباب الأول قول أبي علي الطبري وقول غيره والصحيح منهما عند الجمهور جواز استعمال الجمع لما ذكره المصنف ، وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين ، وقد اتفق الجمهور على تغليط أبي علي ونقل إمام الحرمين عن العراقيين تغليطه وكذا هو في كتبهم ونقل الرافعي أن الأصحاب أطبقوا على تغليطه ، وقد شذ عن الأصحاب القاضي أبو الطيب والشيخ أبو محمد الجويني فصححا قول أبي علي ، ونقل الماوردي أن طائفة وافقت أبا علي وأن الجمهور خالفوه .

Sección V01/P150–V01/P152

ثم ضابط قول أبي علي أن الماء إن كان قدرا يكفي للطهارة صحت طهارته سواء استعمل الجميع أو بقي قدر المائع ، وإن كان لا يكفيها إلا بالمائع وجب أن يبقى قدر المائع ، فعلى مذهبه لو احتاج الجنب إلى عشرة أرطال ومعه تسعة من الماء فطرح فيه رطل مائع وقلنا : الاعتبار بالوزن فإن اغتسل بالجميع لم يصح ولو توضأ عن حدث بجميعه جاز ، قال أصحابنا : هذا الذي قاله ظاهر الفساد وتحكم لا أصل له ، وأي فرق بين طرحه في كاف وغيره وبهذا رد المصنف عليه بقوله كما لو طرح ذلك في ماء يكفيه . واعلم أن عبارة المصنف في حكاية قول أبي علي الطبري ناقصة وموهمة خلاف المراد ، فإن ظاهرها أنه يقول لا يجوز الوضوء منه مطلقا ، وليس المراد كذلك بل مذهبه أنه يجوز أن يستعمل منه قدر الماء بلا شك ، وتمام تفصيله على ما ذكرناه من ضابطه ، هكذا صرح به الأصحاب في حكايتهم عنه ، ولو نقله المصنف كما نقله الأصحاب على ما ذكرناه كان أولى وأصوب وبالله التوفيق . ثم المراد بقولهم لا يكفيه أي لواجب الطهارة وهو مرة مرة ، صرح به الفوراني والبغوي وآخرون . قال إمام الحرمين : لو كان الماء يكفي الوجه واليدين ويقصر عن الرجلين وخلطه بالمائع المذكور وصح غسل الوجه واليدين وفي الرجلين خلاف أبي علي والجمهور ، فلو كان كافيا وضوءه فقط صح الوضوء به فإن فضل شيء ففي استعماله في طهارة أخرى الخلاف ، وحكى الرافعي وجها أنه يجب تبقية قدر المائع وإن كان الماء كافيا وهذا غريب . وإذا قلنا بالمذهب وهو جواز استعمال الجميع فكان الماء لا يكفي ومعه مائع يكمله لزمه التكميل ذكره الرافعي وهو فرع حسن ، وصورته أن لا يزيد ثمن المائع على ثمن الماء ، فإن زاد لم يجب كما لا يجب شراء الماء بأكثر من ثمن المثل . وقال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق تفريعا على قول أبي علي : لو كان معه ماء كاف لوضوءين إلا عضوا فكمله بمائع صحت صلاته بالوضوءين وفرق بينه وبين ما إذا نقص عن أعضائه مرة فكمله بأن يتيقن استعمال مائع في طهارة معينة وهنا تيقنه في إحدى الطهارتين لا بعينها والله أعلم . فرع : إذا قلنا بالأصح في المائع المخالط أن الاعتبار بتقديره بغيره فالمعتبر أوسط الصفات وأوسط المخالفات لا أعلاها ولا أدناها ، وهذا متفق عليه إلا الروياني فإنه قال : يعتبر بما هو أشبه بالمخالط ، وأما إذا وقع في قلتين فصاعدا مائع نجس يوافق الماء في صفاته كبول انقطعت رائحته فيعتبر بتقديره مخالفا بلا خلاف ولا يجيء فيه الوجه القائل باعتبار الوزن ، ويعتبر أغلظ الصفات وأشد المخالفات هنا بلا خلاف لغلظ أمر النجاسة ، هكذا صرح به الأصحاب واتفقوا عليه . فرع : أبو علي الطبري المذكور اسمه : الحسن بن القاسم الطبري نسبة إلى طبرستان وكذا القاضي أبو الطيب منسوب إلى طبرستان ، وتفقه أبو علي الطبري على ابن أبي هريرة وصنف كتبا كثيرا منها الإفصاح وهو كتاب نفيس وصنف في أصول الفقه والجدل . قال المصنف في طبقاته : وصنف المحرر في النظر وهو أول مصنف في الخلاف المجرد . ودرس ببغداد توفى سنة خمسين وثلاثمائة رحمه الله وبالله التوفيق . & باب ما يفسد الماء من الطاهرات وما لا يفسده &

Sección V01/P152

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا اختلط بالماء شيء طاهر إلى قوله : اعتبر بالجناية على العبيد . + الشرح : هاتان المسألتان تقدمتا في آخر الباب الأول بشرحهما المستوفى قال أهل اللغة : الفساد ضد الاستقامة وفسد الشيء بفتح السين وضمها يفسد فسادا وفسودا .

Sección V01/P152–V01/P153

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو رائحة نظرت فإن كان مما لا يمكن حفظ الماء منه كالطحلب وما يجري عليه الماء من الملح والنورة وغيرهما جاز الوضوء به لأنه لا يمكن صون الماء منه فعفى عنه ما عفى عن النجاسة اليسيرة والعمل القليل في الصلاة ، وإن كان مما يمكن حفظه منه نظرت فإن كان ملحا انعقد من الماء لم يمنع الطهارة به لأنه كان ماء في الأصل فهو كالثلج إذا ذاب فيه ، وإن كان ترابا طرح فيه لم يؤثر ، لأنه يوافق الماء في التطهير فهو كما لو طرح فيه ماء آخر فتغير به ، وإن كان شيئا سوى ذلك كالزعفران والتمر والدقيق والملح الجبلي والطحلب إذا أخذ ودق وطرح فيه وغير ذلك مما يستغني عنه الماء لم يجز الوضوء به لأنه زال عنه إطلاق اسم الماء بمخالطة ما ليس بمطهر ، والماء مستغني عنه فلم يجز الوضوء به كماء اللحم والباقلاء . + الشرح : أما قوله أولا إذا تغير بما لا يمكن حفظه منه جاز الوضوء به ، فمجمع عليه ، ووجهه ما ذكره من تعذر الاحتراز . ولو قال : جازت الطهارة لكان أعم وأحسن ولكن قد علم أنه لا فرق بين الوضوء وغيره من أنواع الطهارة في هذا ، وأن مالا يمنع الوضوء من هذا لا يمنع غيره منها . وأما قوله : إن كان ملحا انعقد من الماء لم يمنع الطهارة ، ثم ذكر بعده في الملح الجبلي أنه يسلب الطهور به فهذا أحد أوجه ثلاثة لأصحابنا الخراسانيين ، وهو أصحها عند جمهورهم وبه قطع جمهور العراقيين . الثاني : يسلبان . والثالث : لا يسلبان وممن ذكر الخلاف في المائي من العراقيين الماوردي والدارمي ، وممن ذكره في الجبلي الفوراني و الغزالي والروياني ، ونقل الفوراني أن اختيار القفال لا يسلبان ، وإنما ذكرت هذا لأني رأيت بعض الكبار ينكر الخلاف في الجبلي وينسب الغزالي إلى التفرد به وكأنه اغتر بقول إمام الحرمين : الجبلي يقطع بأن يسلب ومن ظن فيه خلافا فهو غالط . وأما قوله : وإن كان ترابا طرح فيه قصدا لم يؤثر . فهذا هو المذهب الصحيح وبه قطع جماهير العراقيين وصححه الخراسانيون وذكرو وجها آخر أنه يسلب وحكاه الماوردي من العراقيين قولا . وأما قوله في التراب : لأنه يوافق الماء في التطهير ، فكذا قاله الجمهور وأنكره عليهم إمام الحرمين . وقال : هذا من ركيك الكلام وإن ذكره طوائف . فإن التراب غير مطهر ، وإنما علقت به إباحة بسبب ضرورة ، وهذا الإنكار باطل بل الصواب تسميته طهورا ، قال الله تعالى : ولكن يريد ليطهركم المائدة : 6 وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا وفي رواية : وتربتها طهورا وقد سبق بيان هذا الحديث ، ومذهبنا أن الطهور هو المطهر فثبت أن التراب مطهر وإن لم يرفع الحدث وإطلاق اسم التطهير والطهور على التراب في السنة وكلام الشافعي والأصحاب أكثر من أن يحصر . وأما قوله : والطحلب إذا أخذ ودق وطرح فيه ، فإنما قال : ودق لأنه إذا لم يدق فهو مجاور لا مخالط ، وهذا الذي ذكره من أنه إذا دق يسلب هو المذهب ، وبه قطع الجمهور وحكى الماوردي والروياني عن الشيخ أبي حامد أنه لا يسلب قالا : وهو غلط ، وقال صاحب البيان أبو الخير يحيى بن سالم وغيره في الطحلب المدقوق وورق الأشجار المدقوق وجهان حكاهما أبو علي في الإفصاح والشيخ أبو حامد . وقال البغوي : الزرنيخ والنورة والحجر المسحوق والطحلب والعشب المدقوق إذا طرح في الماء هل يسلب فيه وجهان . الصحيح نعم لإمكان الاحتراز عنه والثاني : لا ، لأنه معفو عن أصله نص عليه الشافعي في رواية حرملة وهذا النص غريب والمشهور من النص ما سبق .