Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Sección V06/P189–V06/P191

واتفقوا على أن أصحهما أنه يرجع على السيد ، وممن صححه الغزالي والبغوي والرافعي وغيرهم ولو كان قد تلف في يد السيد ( فإن قلنا ) يرجع فيه لو كان باقيا يرجع ببدله ويكون فرض الزكاة باقيا على الدافع ، وإلا فلا رجوع وقد سقط الفرض عن الدافع ، ولو نقل السيد الملك في المقبوض إلى غيره ثم عجز المكاتب لم يسترد من المنتقل إليه ولكن يرجع الدافع على السيد إذا قلنا بالرجوع ، ولو سلم المكاتب المال إلى السيد وبقيت منه بقية فأعتقه السيد ، قال صاحب البيان : مقتضى المذهب أنه لا يسترد من السيد لاحتمال أنه إنما أعتقه للمقبوض ، وهذا الذي قاله متعين ، ولو لم يعجز نفسه واستمر في الكتاب وتلف المال في يده أجزأه عن الدافع بلا خلاف ، والله تعالى أعلم . ولو قبض السيد الدين من المكاتب وعتق ، والغريم من المدين ثم رده إليه هبة لم يرجع الدافع عليهما ، بل أجزأه عن الزكاة ثم ملكه هذا بجهة أخرى ، وهذا لا خلاف فيه ، وممن صرح به الدارمي . والله تعالى أعلم . المسألة الخامسة : إذا ادعى أنه مكاتب لم يقبل إلا ببينة باتفاق الأصحاب لأن الأصل والظاهر عدم الكتابة مع إمكان إقامة البينة ، فإن صدقه سيده فهل يقبل فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند الجمهور يقبل ، ممن صححه القاضي أبو الطيب في المجرد و ابن الصباغ والمتولي والبغوي والغزالي والرافعي وآخرون ، وشذ الجرجاني فصحح في التحرير عدم القبول ، والصحيح القبول ، قال أصحابنا : وأما ما احتج به القائل الآخر من احتمال المواطأة فضعيف ، لأن هذا الدفع يكون مرعيا في حق السيد ، فإن أعتق العبد وإلا استرجع المال منه . فرع : قال الغزالي وآخرون : يقوم مقام البينة الاستفاضة وضبط الرافعي هذه المسألة ضبطا حسنا فنذكر كلامه مختصرا : وإن كان بعضه قد سبق في الباب مفرقا ، قال الأصحاب : من سأل الزكاة وعلم الإمام أنه ليس مستحقا لم يجز له صرف الزكاة إليه ، وإن علم استحقاقه جاز الصرف إليه بلا خلاف ، ولم يخرجوه على الخلاف في قضاء القاضي بعلمه ، مع أن للتهمة ههنا مجالا أيضا . قلت : الفرق أن الزكاة مبنية على الرفق والمساهلة ، وليس هنا اضرار بمعين بخلاف قضاء القاضي ، وإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان خفية وجلية ، فالخفي الفقر والمسكنة فلا يطالب مدعيهما ببينة لعسرها ، فلو عرف له مال وادعى هلاكه لم يقبل إلا ببينة ، ولو ادعى عيالا فلا بد من البينة في الأصح . وأما الجلي فضربان أحدهما : يتعلق بالاستحقاق فيه بمعنى في المستقبل ، وذلك في الغازي وابن السبيل فيعطيان بقولهما بلا بينة ولا يمين ، ثم إن لم يحققا ما ادعيا ولم يخرجا استرد منهما ما أخذا ، وإلى متى يحتمل تأخير الخروج قال السرخسي : ثلاثة أيام . قال الرافعي : ويشبه أن يكون هذا على التقريب ، وأن يعتبر ترصده للخروج ، وكون التأخير لانتظار أو للتأهب بأهب السفر ونحوها . الضرب الثاني : يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى الحال . وهذا الضرب يشترك فيه بقية الأصناف ، فالعامل إذا ادعى العمل طولب بالبينة ، وكذا المكاتب والغارم ، فإن صدقهما السيد وصاحب الدين فوجهان أصحهما : يكفي ويعطيان : وأما المؤلف فإن قال : نيتي ضعيفة في الإسلام قبل . وإن ادعى أنه شريف مطاع طولب بالبينة .

Sección V06/P191–V06/P192

هذا هو المذهب ، وقيل : يطالب بالبينة مطلقا ، قال الرافعي : واشتهار الحال بين الناس قائم مقام البينة لحصول العلم أو الظن ، قال : ويشهد لما ذكرناه من اعتبار غلبة الظن ثلاثة أمور أحدها : قول بعض الأصحاب : لو أخبر عن الحال واحد يعتمد كفى الثاني : قال إمام الحرمين : رأيت للأصحاب رمزا إلى تردد في أنه لو حصل الوثوق بقول مدعي الغرم وغلب على الظن صدقه هل يجوز الاعتماد عليه الثالث : حكى بعض المتأخرين أنه لا يعتبر في البينة في هذه الصور سماع القاضي وتقدم الدعوى والإنكار والاستشهاد ، بل المراد اخبار عدلين على صفات الشهود . قال : ثم إن سياق كلام الغزالي في الوسيط والوجيز قد يوهم أن الحاق الاستفاضة بالبينة مختص بالمكاتب والغارم ، ولكن الوجه تعميم ذلك في كل من يطالب بالبينة من الأصناف . هذا آخر كلام الرافعي رحمه الله . والله أعلم . فرع : قال القاضي أبو الطيب في المجرد والشيخ نصر المقدسي وصاحب البيان وخلائق من الأصحاب : يجوز للمكاتب أن يتجر فيما أخذه من الزكاة طلبا للزيادة وتحصيل الوفاء ، وهذا لا خلاف فيه . قال الرافعي : والغارم في هذا كالمكاتب . فرع : قطع الدارمي وصاحبا الشامل والبيان بأن المكاتب ليس له أن ينفق على نفسه ما أخذه من الزكاة . قال الدارمي : فكذلك الغارم . وقال الرافعي : نقل بعض أصحاب إمام الحرمين إن له انفاقه ويؤدي من كسبه ، قال الرافعي : يوجب أن يكون الغارم كالمكاتب ، والصحيح الأول لأن في انفاقه مخاطرة بمال الزكاة . فرع : قال البغوي في الفتاوي : لو استفرض المكاتب ما أدى به النجوم وعتق لم يجز الصرف إليه من سهم الرقاب ، لكن يصرف إليه من سهم الغارمين كما لو قال لعبده : أنت حر على ألف فقبل ، عتق ويعطى الألف من سهم الغارمين لا من سهم الرقاب . وهذا الذي قاله متعين . فرع : قال الشافعي والأصحاب : يجوز صرف الزكاة إلى المكاتب بغير إذن سيده ، ويجوز الصرف إلى سيده بإذن المكاتب ، ولا يجوز الصرف إلى السيد بغير إذن المكاتب لأنه المستحق . فلو صرف إلى السيد بغير إذن المكاتب ، لم يجزىء الدافع عن الزكاة بلا خلاف . قال البغوي وغيره : لكن يسقط عن المكاتب من نجومه قدر المصروف لأن قضاء الدين يجوز بغير إذن من هو عليه . قال الشافعي والأصحاب : والأحوط والأفضل أن يصرف إلى السيد بإذن المكاتب فهو أفضل من الصرف إلى المكاتب لأنه أحوط في صرفه في الكتابة . هكذا أطلقه الشافعي والجمهور وقال الشيخ نصر المقدسي في تهذيبه : إن كان هذا الذي يدفعه يستوعب جميع ما على المكاتب لكثرته أو لكون النجم الأخير بحيث يحصل العتق به . فالدفع إلى السيد بإذن المكاتب أفضل كما قال الأصحاب . وإن كان دونه فالدفع إلى المكاتب أفضل لأنه ينميه بالتجارة فيه فيكون أقرب إلى العتق . والمذهب الأول . فرع : لا يجوز للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور . وقال أبو علي بن خيران : يجوز كالأجنبي . وهذا ضعيف لأنه في معنى نفسه وعبده القن . فرع : لو كان المكاتب كافرا وسيده مسلما لم يعط من الزكاة ، كما ذكره المصنف في آخر الباب والأصحاب . ولو كان المكاتب مسلما والسيد كافرا جاز الدفع إلى المكاتب . صرح به الدارمي وغيره . فرع : لو كان المكاتب مكتسبا فهو كغير المكتسب ، فيعطى حيث يعطى غيره ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الدارمي وآخرون ، وهو مقتضى إطلاق لأصحاب ، وشذ القاضي ابن كج فقال في كتابه التجريد : لا يعطى إذا كان له كسب يؤدي منه ، ولعله أراد إذا استحق الكسب وصار حاملا مالا عتيدا ، والله تعالى أعلم .

Sección V06/P192–V06/P194

قال المصنف رحمه الله تعالى : وسهم للغارمين وهم ضربان : ضرب غرم لإصلاح ذات البين ، وضرب غرم لمصلحة نفسه ، فأما الأول فضربان أحدهما : من تحمل دية مقتول فيعطى مع الفقر والغنى لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة ، لغازي في سبيل الله ، أو لعامل عليها ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فاهدى المسكين إليه والثاني : من حمل مالا في غير قتل لتسكين فتنة ، ففيه وجهان . أحدهما : يعطى مع الغني لأنه غرم لإصلاح ذات البين ، فأشبه إذا غرم دية مقتول والثاني : لا يعطى مع الغنى ، لأنه مال حمله في غير قتل ، فأشبه إذا ضمن ثمنا في بيع . وأما من غرم لمصلحة نفسه ، فإن كان قد أنفق في غير معصية ، دفع إليه مع الفقر ، وهل يعطى مع الغنى فيه قولان . قال في الأم لا يعطى لأنه يأخذ لحاجته إلينا ، فلم يعط مع الغني كغير الغارم . وقال في القديم والصدقات من الأم : يعطى لأنه غارم في غير معصية ، فأشبه إذا غرم لإصلاح ذات البين ، فإن غرم في معصية لم يعط مع الغنى ، وهل يعطى مع الفقر ينظر فيه ، فإن كان مقيما على المعصية لم يعط ، لأنه يستعين به على المعصية وإن تاب ففيه وجهان : أحدهما : يعطى لأن المعصية قد زالت والثاني : لا يعطى ، لأنه لا يؤمن إن يرجع إلى المعصية ، ولا يعطى الغارم إلا ما يقضي به الدين ، فإن أخذ ولم يقض به الدين أو ابريء منه أو قضي عنه قبل تسليم المال استرجع منه ، وإن ادعى إنه غارم لم يقبل إلا ببينة ، فإن صدقه غريمه فعلى الوجهين كما ذكرنا في المكاتب إذا ادعى الكتابة وصدقه المولى . + الشرح : هذا الحديث حسن أو صحيح رواه أبو داود من طريقين أحدهما : عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم والثاني : عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وإسناده جيد في الطريقين ، وجمع البيهقي طرقه وفيها أن مالكا وابن عيينة أرسلاه ، وإن معمرا والثوري وصلاه وهما من جملة الحفاظ المعتمدين ، وقد تقررت القاعدة المعروفة لأهل الحديث والأصول أن الحديث إذا روي متصلا ومرسلا كان الحكم للاتصال على المذهب الصحيح ، وقدمنا أيضا عن الشافعي رضي الله عنه أنه يحتج بالمرسل إذا اعتصد بأحد أربعة أمور ( أما ) حديث مسند ( وأما ) مرسل من طريق آخر ( وأما ) قول صحابي ( وأما ) قول أكثر العلماء ، وهذا قد وجد فيه أكثر ، فقد روي مسندا وقال به العلماء من الصحابة وغيرهم . وأما : الغارم فهو الذي عليه دين ، والغريم يطلق على المدين وعلى صاحب الدين ، وأصل الغرم في اللغة اللزوم ، ومنه قوله سبحانه وتعالى : إن عذابها كان غراما الفرقان : 56 وسمي كل واحد منهما غريما لملازمته صاحبه . وقوله : لإصلاح ذات البين ، قال الأزهري : معناه لإصلاح حالة الوصل بعد المباينة ، قال : والبين يكون فرقة ويكون وصلا وهو هنا وصل ، ومنه قوله سبحانه وتعالى : لقد تقطع بينكم الأنعام : 49 أي وصلكم ، وقولهم في الدعاء : اللهم أصلح ذات البين أي أصلح الحال التي بها تجتمع المسلمون .

Sección V06/P194–V06/P195

أما أحكام الفصل : فقال الشافعي والأصحاب : الغارمون ضربان الضرب الأول : من غرم لإصلاح ذات البين ، ومعناه أن يستدين مالا ويصرفه في إصلاح ذات البين ، بأن يخاف فتنة بين قبيلتين أو طائفتين ، أو شخصين ، فيستدين مالا ويصرفه في تسكين تلك الفتنة ، فينظر إن كان ذلك في دم تنازع فيه قبيلتان أو غيرهما ، ولم يظهر القاتل أو نحو ذلك ، وبقى الدين في ذمته فهذا يصرف إليه من سهم الغارمين من الزكاة ، سواء كان غنيا أو فقيرا ، ولا فرق بين غناه بالنقد والعقار وغيرهما ، هذا هو المذهب ، وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين . وقال أكثر الخراسانيين : إن كان فقيرا دفع إليه ، وكذا إن كان غنيا بالعقار بلا خلاف ، فإن كان غنيا بنقد ، ففيه عندهم وجهان الصحيح : يعطى والثاني : لا يعطى إلا مع الفقر ، ولو كان غنيا بالعروض غير العقار فهو كالغني بالعقار على المذهب ، وقيل كالنقد ذكره السرخسي في الأمالي . وإن استدان لاصلاح ذات البين في غير دم ، بأن تحمل قيمة مال متلف فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب أصحهما : عند المصنف في التنبيه والأصحاب : يعطى مع الغني ، لأنه غارم لاصلاح ذات البين فأشبه بالدم . والثاني : لا يعطى إلا مع الفقر ، لأنه غرم في غير قتل فأشبه الغارم لنفسه ، وقاسه المصنف على ما لو ضمن مالا ، وهذا فيه تفصيل طويل سأذكره في المسائل المنثورة قريبا إن شاء الله تعالى في فصل الغارمين . قال أصحابنا : إنما يعطى الغارم لاصلاح ذات البين ما دام الدين باق عليه ، سواء كان الدين لمن استدانه منه ، ودفعه في الإصلاح ، أو كان تحمل الدية مثلا لأهل القتيل ولم يؤدها بعد ، فيدفع إليه ما يؤديه في دينه ، أو إلى ولي القتيل فلو كان قضاه من ماله أو أداه ابتداء من ماله لم يعط بلا خلاف ، لأنه ليس بغارم إذ لا شيء عليه . الضرب الثاني : من غرم لصلاح نفسه وعياله ، فإن استدان ما أنفقه على نفسه أو عياله في غير معصية ، أو أتلف شيئا على غيره سهوا ، فهذا يعطى ما يقضى به دينه بشروط . أحدها : أن يكون محتاجا إلى ما يقضي به الدين ، فلو كان غنيا قادرا بنقد أو عرض على ما يقضي به فقولان مشهوران ، ذكرهما المصنف والأصحاب أحدهما : ونقله المصنف والأصحاب عن نصه في القديم والصدقات من الأم أنه يعطى مع الغني ، لأنه غارم فأشبه الغارم لذات البين وأصحهما : عند الأصحاب وهو نصه في الأم أيضا أنه لا يعطى كما لا يعطى المكاتب وابن السبيل مع الغني بخلاف الغارم لذات البين ، فإن مصلحته عامة ، فعلى هذا لو وجد ما يقضي به بعض الدين قال أصحابنا : يعطى ما يقضي به الباقي فقط . فلو لم يملك شيئا وقدر على قضائه بالاكتساب فوجهان أحدهما : لا يعطى كالفقير والصحيح : وبه قطع الجمهور أنه يعطى ، لأنه لا يمكنه قضاؤه إلا بعد زمان وقد يعرض ما يمنعه من القضاء بخلاف الفقير ، فإنه يحصل حاجته بالكسب في الحال ، وما معنى الحاجة المذكورة قال الرافعي : عبارة الأكثرين تقتضي كونه فقيرا لا يملك شيئا ، وربما صرحوا به ، قال : وفي بعض شروح المفتاح أنه لا يعتبر المسكن والملبس والفراش والآنية ، وكذا الخادم والمركوب إن اقتضاهما حاله ، بل يقضي دينه وإن ملكها قال : وقال بعض المتأخرين : لا يعتبر الفقر والمسكنة هنا ، بل لو ملك قدر كفايته وكان لو قضى دينه مما معه لنقص ماله عن كفايته ، ترك له ما يكفيه ، وأعطي ما يقضي به الباقي . قال الرافعي : وهذا أقرب .

Sección V06/P195–V06/P196

الشرط الثاني : أنه يكون دينه لطاعة أو مباح ، فإن كان في معصية كالخمر ونحوه ، وكالإسراف في النفقة لم يعط قبل التوبة ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه شاذ حكاه الحناطي والرافعي أنه يعطى لأنه غارم والصواب الأول ، لأنه في إعطائه إعانة له على المعصية ، وهو متمكن من الأخذ بالتوبة ، فإن تاب فهل يعطى فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب أصحهما : عند صاحبي الشامل والتهذيب لا يعطى ، وبه قال أبو علي ابن أبي هريرة لأن في إعطائه إعانة له ولغيره على المعصية وأصحهما : عند الأكثرين يعطى ، وهو قول أبي إسحاق المروزي ، وبه قطع أبو علي الطبري في الإفصاح والجرجاني في التحرير ، وصححه المحاملي في المقنع ، وأبو خلف السلمي ، والمصنف في التنبيه والروياني وغيرهم وهو الصحيح المختار لقول الله سبحانه وتعالى والغارمين ولأن التوبة تجب ما قبلها . قال الرافعي : ولم يتعرض الأصحاب هنا لاستبراء حاله ومضى مدة بعد توبته يظهر فيها صلاح الحال إلا أن الروياني قال : يعطى على أصح الوجهين إذا غلب على الظن صدقه في توبته فيمكن أن يحمل عليه ، هذا كلام الرافعي ، والظاهر ما قاله الروياني أنه إذا غلب على الظن صدقه في توبته أعطى ، وإن قصرت المدة ، والله تعالى أعلم . الشرط الثالث : أن يكون الدين حالا ، فإن كان مؤجلا ففي إعطائه ثلاثة أوجه أصحها : لا يعطى . وبه قطع صاحب البيان . لأنه غير محتاج إليه الآن والثاني : يعطى ، لأنه يسمى غارما . والثالث : حكاه الرافعي أنه إن كان الأجل يحل تلك السنة أعطى وإلا فلا يعطى من صدقات تلك السنة . قال الرافعي : والوجهان هنا كالوجهين في المكاتب إذا لم يحل عليه النجم هل يعطى قال : وقد يرتب هذا الخلاف على ذلك الخلاف ثم تارة يجعل الغارم أولى بأن يعطى ، لأن ما عليه مستقر بخلاف المكاتب ، وتارة يجعل المكاتب أولى بأن يعطى ، لأن له التعجيل لغرض الحرية قلت : وجمع الدارمي مسألتي المؤجل في الغارم والمكاتب . وذكر فيهما أربعة أوجه أحدها : يعطيان في الحال والثاني : لا والثالث : يعطى المكاتب لا الغارم والرابع : عكسه والله تعالى أعلم . فرع : قال : قال أصحابنا : إنما يعطى الغارم ما دام الدين عليه فإن وفاه أو برىء منه لم يعط بسببه . وإنما يعطى قدر حاجته . فإن أعطى شيئا فلم يقض الدين منه بل أبرىء منه أو قضى عنه أو قضاه هو لا من مال الزكاة بل من غيره فطريقان أحدهما : وبه قطع المصنف وآخرون أنه يسترجع منه لاستغنائه عنه والثاني : حكاه الرافعي وغيره أنه على الخلاف السابق في المكاتب إذا قضى عنه الدين أو أبرىء منه . ولو أعطى شيئا من الزكاة فقضى الدين ببعضه ، ففي الباقي الطريقان ، والله تعالى أعلم . قال ابن كج في التجريد : لو تحمل دية قتيل فأعطيناه فبان القاتل وضمن الدية استرد من الغارم القابض ما أخذ وصرف إلى غارم آخر . فإن كان سلمها إلى مستحق الدين لم يرجع عليه ، ولا يطالب القاتل بالدية لأنها سقطت عنه بالدفع . قال : فإن تطوع بأدائها أخذت وجعلت في بيت المال ، ولو أعطيناه ليدفع إلى أولياء القتيل فأبرأوا الناس قبل قبضهم منه استرد منه . فرع : إذا ادعى أنه غارم لم يقبل قوله إلا ببينة ، وسبق في فصل المكاتب بيان هذه البينة ، ولو صدقه غريمه ففي قبوله الوجهان السابقان في تصديق السيد المكاتب في الكتابة ، هكذا قاله المصنف وجميع الأصحاب ، والأصح قبول تصديق السيد والغريم . هكذا صححه الجمهور وخالفهم الجرجاني في التحرير ، فقال : الأصح لا يقبل تصديقهما ، والله تعالى أعلم .

Sección V06/P196–V06/P198

فرع : قال أصحابنا الخراسانيون : إذا ضمن رجل عن رجل مالا من ثمن مبيع ونحوه فلهما أربعة أحوال أحدها : أن يكونا معسرين فيعطى الضامن ما يقضى به الدين ، ويجوز إعطاء المضمون عنه . قال المتولي : وهو أولى لأن الضامن فرعه ، ولأنه إذا أخذ الضامن وقضى بالمأخوذ الدين رجع على المضمون عنه ، واحتاج الإمام أن يعطيه ثانيا . قال الرافعي : وهذا الذي قاله ممنوع ، بل إذا أعطيناه فقضى به لا يرجع ، وإنما يرجع الضامن إذا قضى من عنده ، وهذا الذي قاله الرافعي فيه نظر ، وما قاله المتولي محتمل أيضا . الحال الثاني : أن يكونا موسرين فلا يعطى الضامن لأنه إذا غرم رجع على المضمون عنه ، فلا يضيع عليه شيء . هذا إذا ضمن بإذنه ، فإن ضمن بغير إذنه فهل يعطى فيه وجهان بناء على الرجوع على المضمون عنه ، وإن قلنا لا يرجع عليه وهو الأصح أعطى وإلا فلا . والثالث : أن يكون الضامن معسرا دون المضمون عنه ، فإن ضمن بإذنه لم يعط لأنه يرجع عليه ، وإلا فعلى الوجهين أصحهما : يعطى . الرابع : أن يكون الضامن موسرا دون المضمون عنه ، فيجوز إعطاء المضمون عنه . وفيه الضامن وجهان أحدهما : يعطى لأنه غارم لمصلحة غيره ، فأشبه الغارم لإصلاح ذات البين وأصحهما : لا يعطى لأن الصرف إلى المضمون عنه ممكن ، وإذا برىء الأصيل برىء الكفيل ، بخلاف الغارم لذات البين ، والله تعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : يجوز صرف سهم الغارمين إلى من عليه الدين بإذن صاحب الدين وبغير إذنه ، ولا يجوز صرفه إلى صاحب الدين إلا بإذن من عليه الدين ، فلو صرف بغير إذنه لم يجزىء الدافع عن زكاته ، ولكن يسقط من الدين بقدر المصروف ، كما سبق في فصل المكاتب . قال أصحابنا : والأولى أن يدفع إلى صاحب الدين بإذن الغريم ليتحقق وقوعه عن جهة الدين كما سبق في المكاتب . قال أصحابنا : إلا إذا كان لا يفي بالدين ، وأراد المدين أن يتصرف فيه بالتجارة والتنمية ليبلغ قدر الدين . فرع : قال أصحابنا : يجوز للغارم أن يتجر فيما قبض من سهم الزكاة إذا لم يف بالدين ليبلغ قدر الدين بالتنمية ، وهل يجوز إنفاقه ويقضى من غيره فيه خلاف سبق في فصل المكاتب ، الأصح لا يجوز . فرع : حكى صاحب البيان عن الصيمري أنه لو ضمن دية قتيل عن قاتل مجهول أعطى من سهم الغارمين مع الفقر والغنى ، وإن ضمنها عن قاتل معروف أعطى مع الفقر دون الغنى ، وهذا ضعيف ولا تأثير لمعرفته وعدمها . وذكر الدارمي في الضمان عن قاتل معروف وجهين . قال الدارمي : ولو كانت دعوى الدم بين من لا يخشى فتنتهم فتحملها فوجهان . فرع : ذكر السرخسي أن ما استدانه لعمارة المسجد وقرى الضيف فهو كما استدانه لنفقته ومصلحة نفسه . وحكى الروياني في الحلية عن بعض الأصحاب أنه يعطي من سهم الغارمين مع الغنى بالعقار ، ولا يعطي مع الغنى بالنقد . قال الروياني : وهذا هو الاختيار . فرع : ذكر إمام الحرمين أنه لو أقام بينة بأنه غارم وأخذ الزكاة فبان كذب الشهود ، ففي سقوط الفرض القولان المشهوران فيمن أخذ الزكاة بالفقر فبان غنيا ، الأصح : لا تجزىء .

Sección V06/P198–V06/P199

فرع : إذا كان لرجل على معسر دين فأراد أن يجعله عن زكاته وقال له : جعلته عن زكاتي فوجهان حكاهما صاحب البيان أصحهما : لا يجزئه وبه قطع الصيمري ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد ، لأن الزكاة في ذمته فلا يبرأ إلا بإقباضها والثاني : يجزئه ، وهو مذهب الحسن البصري وعطاء ، لأنه لو دفعه إليه ثم أخذه منه جاز ، فكذا إذا لم يقبضه ، كما لو كانت له عنده دراهم وديعة ودفعها عن الزكاة فإنه يجزئه سواء قبضها أم لا . أما إذا دفع الزكاة إليه بشرط أن يردها إليه عن دينه فلا يصح الدفع ولا تسقط الزكاة بالاتفاق ولا يصح قضاء الدين بذلك بالاتفاق ، ممن صرح بالمسألة القفال في الفتاوى وصاحب التهذيب في باب الشرط في المهر ، وصاحب البيان هنا و الرافعي وآخرون . ولو نويا ذلك ولم يشرطاه جاز بالاتفاق وأجزأه عن الزكاة ، وإذا رده إليه عن الدين برىء منه . قال البغوي : ولو قال المدين : ادفع إلي عن زكاتك حتى أقضيك دينك ففعل أجزأه عن الزكاة وملكه القابض ولا يلزمه دفعه إليه عن دينه ، فإن دفعه أجزأه قال القفال : ولو قال رب المال للمدين : اقض ما عليك على أن أرده عليك عن زكاتي فقضاه صح القضاء ولا يلزمه رده إليه . وهذا متفق عليه . وذكر الروياني في البحر أنه لو أعطى مسكينا زكاة وواعده أن يردها إليه ببيع أو هبة أو ليصرفها المزكي في كسوة المسكين ومصالحه ففي كونه قبضا صحيحا احتمالان قلت الأصح لا يجزئه كما لو شرط أن يرد إليه عن دينه عليه . قال القفال : ولو كانت له حنطة عند فقير وديعة فقال : كل منها لنفسك كذا ، ونوى ذلك عن الزكاة ففي أجزائه عن الزكاة وجهان ، وجه المنع أن المالك لم يكله وكيل الفقير لنفسه لا يعتبر . ولو كان وكله بشراء ذلك القدر فاشتراه وقبضه ثم قال له الموكل : خذه لنفسك ، ونواه زكاة أجزأه ، لأنه لا يحتاج إلي كيله . والله تعالى أعلم . فرع : لو مات رجل وعليه دين ولا تركة له هل يقضي من سهم الغارمين فيه وجهان حكاهما صاحب البيان أحدهما : لا يجوز ، وهو قول الصيمري ومذهب النخعي وأبي حنيفة وأحمد والثاني : يجوز لعموم الآية ، ولأنه يصح التبرع بقضاء دينه كالحي ، ولم يرجح واحدا من الوجهين ، وقال الدارمي : إذا مات الغارم لم يعط ورثته عنه . وقال ابن كج : إذا مات وعيه دين فعندنا لا يدفع في دينه من الزكاة ولا يصرف منها في كفنه ، وإنما يدفع إلى وارثه إن كان فقيرا ، وبنحو هذا قال أهل الرأي ومالك . قال وقال أبو ثور : يقضي دين الميت وكفنه من الزكاة ، ثم قال ابن كج بعد هذا بأسطر : إذا استدان لإصلاح ذات البين ثم مات دفع ما يفك به تركته ، والله تعالى أعلم .

Sección V06/P199–V06/P200

قال المصنف رحمه الله تعالى : وسهم في سبيل الله ، وهم الغزاة إذا نشطوا غزوا ، أما من كان مرتبا في ديوان السلطان من جيوش المسلمين فإنهم لا يعطون من الصدقة بسهم الغزاة ، لأنهم يأخذون أرزاقهم وكفايتهم من الفيء ، ويعطى الغازي مع الفقر والغنى ، للخبر الذي ذكرناه في الغارم ويعطى ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والفرس إن كان فارسا ، وما يعطى السائس وحمولة تحمله إن كان راجلا والمسافة مما تقصر فيها الصلاة ، فإن أخذ ولم يغز استرجع منه . + الشرح : قوله ( نشطوا ) بفتح النون وكسر الشين ( والديوان ) بكسر الدال على الفصيح المشهور . وحكي فتحها وأنكره الأصمعي والأكثرون . وهو فارسي معرب . وقيل عربي وهو غريب ( والحمولة ) بفتح الحاء ، وهي الدابة التي يحمل عليها من بعير أو بغل أو حمار . ومذهبنا أن سهم سبيل الله المذكور في الآية الكريمة يصرف إلى الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان بل يغزون متطوعين ، وبه قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى . وقال أحمد رحمه الله تعالى في أصح الروايتين عنه : يجوز صرفه إلى مريد الحج . وروي مثله عن ابن عمر رضي الله عنهما . واستدل له بحديث أم معقل الصحابية رضي الله عنها قالت : لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله ، وأصابنا مرض فهلك أبو معقل ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجه جئته فقال : يا أم معقل ما منعك أن تخرجي معنا قالت : لقد تهيأنا فهلك أبو معقل وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه ، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله ، قال : فهلا خرجت عليه فإن الحج في سبيل الله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج فقالت امرأة لزوجها : أحجني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما عندي ما أحجك عليه ، فقالت أحجني على جملك فلان ، قال ذلك حبيسي في سبيل الله عز وجل ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله وإنها سألتني الحج معك ، قالت أحجني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : ما عندي ما أحجك عليه ، فقالت : أحجني على جملك فلان ، فقلت : ذلك حبيسي في سبيل الله ، فقال : أما أنك لو حججتها عليه كان في سبيل الله ( قال ) وأنها أمرتني أن أسألك ما يعدل حجة معك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقرئها السلام ورحمة الله وبركاته وأخبرها أنها تعدل حجة ( معي ) يعني عمرة في رمضان رواهما أبو داود في سننه في أواخر كتاب الحج في باب العمرة والثاني إسناده صحيح وأما الأول حديث أم معقل فهو من رواية محمد بن إسحاق وقال فيه ( عن ) وهو مدلس والمدلس إذا قال ( عن ) لا يحتج به بالاتفاق . واحتج أصحابنا بأن المفهوم في الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله تعالى هو الغزو ، وأكثر ما جاء في القرآن العزيز كذلك . واحتج الأصحاب أيضا بحديث أبي سعيد السابق في فصل الغارمين لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة فذكر منهم الغازي ، وليس في الأصناف الثمانية من يعطي باسم الغزاة إلا الذين نعطيهم من اسهم سبيل الله تعالى . وأما الحديثان اللذان احتجوا بهما فالأول : ضعيف كما سبق والجواب : عن الثاني أن الحج يسمى سبيل الله ، ولكن الآية محمولة على الغزو لما ذكرناه .

Sección V06/P200–V06/P202

والله تعالى أعلم قال المصنف والأصحاب رحمهم الله تعالى : وأما الغزاة المرتبون في ديوان السلطان ولهم فيه حق فلا يعطون من الزكاة بسبب الغزو بلا خلاف ، وإن كان فيهم وصف آخر يستحقون به أعطوا به ، بأن يكون غارما أو ابن سبيل ، قال أصحابنا : فإن أراد رجل من المرتزقة المرتبين في الديوان أن يصير من أهل الزكوات المتطوعين بالغزو ويترك سهمه من الديوان جعل من أهل الصدقات ، وكذا لو أراد واحد من أهل الصدقات أن يصير من المرتزقة جعل منهم ، فيعطي من الفيء ولا يعطي من الصدقات ، قال أصحابنا : ولا حق لأهل الصدقات في الفيء ، ولا أهل الفيء في الصدقات . فإن احتاج المسلمون إلى من يكفيهم شر الكفار ولا مال في بيت المال ، فهل يجوز إعطاء المرتزقة من الزكاة من سهم سبيل الله تعالى فيه قولان مشهوران في طريقة خراسان أصحهما : لا يعطون كما لا يصرف الفيء إلى أهل الصدقات والثاني : يعطون لأنهم غزاة ، قال أصحابنا : فعلى الأول يجب على أغنياء المسلمين أعانتهم . قال المصنف والأصحاب : ويعطى الغازي مع الفقر والغنى للحديث السابق ولأن فيه مصلحة للمسلمين . قال أصحابنا : ويعطي ما يستعين به على الغزو فيعطى نفقته وكسوته مدة الذهاب والرجوع والمقام في الثغر ، وإن طال ، وهل يعطى جميع المؤنة أم ما زاد بسبب السفر فيه وجهان أصحهما : الجميع ، وهو مقتضى كلام الجمهور ، ويجريان في ابن السبيل ، ويعطى ما يشتري به الفرس إن كان يقاتل فارسا ، وما يشتري به السلاح وآلات القتال ، ويصير ذلك ملكا للغازي ، ويجوز أن يستأجر له الفرس والسلاح من مال الزكاة ، ويختلف الحال بكثرة المال وقلته ، فإن كان يقاتل راجلا لم يعط للفرس شيئا ، ويعطي ما يحمل عليه الزاد ويركبه في الطريق إن كان ضعيفا أو كان السفر مسافة القصر . قال أصحابنا : ويسلم الإمام إلى الغازي ثمن الفرس والسلاح والآلات . ثم الغازي يشتريها . قال القاضي أبو الطيب والأصحاب : فلو استأذنه الإمام في شراها له بمال الزكاة فأذن جاز ، فلو أراد الإمام أن يشتري ذلك بمال الزكاة ويسلمه إلى الغازي بغير إذنه هل يجوز فيه وجهان . أحدهما : لا يجوز ، بل يتعين تسليم مال الزكاة إلى الغازي أو إذنه وبه قطع جماعة من العراقيين ، وهو ظاهر عبارة آخرين منهم وأصحهما : يجوز ، وهو الذي صححه الخراسانيون وتابعهم الرافعي على تصحيحه ، وقطع به جماعة منهم ، قال الخراسانيون : الإمام بالخيار إن شاء سلم الفرس والسلاح والآلات إلى الغازي أو ثمن ذلك تمليكا له فيملكه ، وإن شاء استأجر ذلك له ، وإن شاء اشترى من سهم سبيل الله سبحانه وتعالى أفراسا وآلات الحرب وجعلها وقفا في سبيل الله ، ويعطيهم عند الحاجة ما يحتاجون إليه ثم يردونه إذا انقضت حاجتهم وتختلف المصلحة في ذلك بحسب قلة المال وكثرته . وأما : نفقة عيال الغازي فقال الرافعي في بعض شروح المفتاح : أنه يعطي نفقته ونفقة عياله ذهابا ومقاما ورجوعا . قال : وسكت المعظم عن نفقة العيال ، ولكن إعطاؤه إياها ليس بعيدا كما ينظر في استطاعة الحج إلى نفقة العيال . فيعتبر غناه لعياله كنفسه . والله تعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : إنما يعطى الغازي من الزكاة إذا حضر وقت الخروج ليهيء به أسباب سفره ، فإن أخذ ولم يخرج إلى الغزو استرجع منه ، كذا قاله المصنف والأصحاب ، واتفقوا عليه ، وقد سبق في فصل المكاتب بيان كم يمهل في الخروج . قال أصحابنا : وكذا لو مات في الطريق أو امتنع الغزو بسبب آخر استرد ما بقي معه ، ذكره البغوي وآخرون . ولو غزا ورجع وبقي معه شيء من النفقة فإن لم يقتر على نفسه . وكان الباقي قدرا صالحا استرد منه .

Sección V06/P202

لأنا تبينا أن المدفوع إليه كان زائدا . وإن لم يقتر لم يفضل لم يسترد بلا خلاف . لأنا دفعنا إليه كفايته فلم نرجع عليه بما قتر كالفقير إذا أعطيناه كفايته فقتر وفضل فضل عنده لا يسترجع منه ، والله أعلم .

Sección V06/P202–V06/P203

قال المصنف رحمه الله تعالى : وسهم لابن السبيل وهو المسافر أو من ينشيء السفر وهو محتاج في سفره . فإن كان سفره طاعة أعطي ما يبلغ به مقصده ، وإن كان ( في ) معصية لم يعط لأن ذلك إعانة على المعصية . وإن كان سفره في مباح ففيه وجهان أحدهما : لا يعطى لأنه غير محتاج إلى هذا السفر والثاني : يعطى لأن ما جعل رفقا بالمسافر في طاعة ( الله ) جعل رفقا بالمسافر في مباح كالقصر والفطر . + الشرح : السبيل في اللغة الطريق ويؤنث ويذكر وسمي المسافر ابن السبيل للزومه للطريق كلزوم الولد والدته والمقصد بكسر الصاد وقوله : غير محتاج إلى هذا السفر مما ينكر من حيث أن المباح يحتاج إليه لمصالح المعاش . قال الشافعي والأصحاب : ابن السبيل ضربان أحدهما : من أنشأ سفرا من بلد كان مقيما به سواء وطنه وغيره والثاني : غريب مسافر يجتاز بالبلد . فالأول يعطى مطلقا بلا خلاف . وأما الثاني : فالمذهب الصحيح الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي رضي الله عنه ، وقطع به العراقيون وغيرهم ، أنه يعطي أيضا مطلقا ، وحكى جماعات من الخراسانيين فيه وجهين الصحيح : هذا والثاني : لا يعطى من صدقة بلد يجتاز به إذا منعنا نقل الصدقة ، وهذا ضعيف أو غلط . قال أصحابنا : وإنما يعطى المسافر بشرط حاجته في سفره ولا يضر غناه في غير سفره . فيعطي من ليس معه كفايته في طريقه وإن كان له أموال في بلد آخر سواء كانت في البلد الذي يقصده أو غيره إذا لم يكن في بلد الإعطاء ، قال أصحابنا : فإن كان سفره طاعة كحج وغزوة وزيارة مندوبة ونحو ذلك دفع إليه بلا خلاف وإن كان معصية كقطع الطريق ونحوه لم يدفع إليه بلا خلاف ، وإن كان مباحا كطلب آبق وتحصيل كسب أو استيطان في بلد أو نحو ذلك فوجهان مشهوران ، ذكر المصنف دليلهما أصحهما : يدفع إليه ، ولو سافر لتنزه أو تفرج فطريقان مشهوران المذهب : أنه كالمباح فيكون على الوجهين والثاني : لا يعطي قطعا لأنه نوع من الفضول وإذا أنشأ سفر معصية ثم قطعه في أثناء الطريق وقصد الرجوع إلى وطنه أعطى من حينئذ من الزكاة . لأنه الآن ليس سفر معصية ، وممن صرح به القاضي أبو الطيب في المجرد وغيره من أصحابنا . وحكى ابن كج فيه وجهين الصحيح : هذا والثاني : لا يعطى قال : وهو غلط . قال أصحابنا : ويعطى ابن السبيل من النفقة والكسوة ما يكفيه إلى مقصده أو موضع ماله إن كان له مال في طريقه هذا إن لم يكن معه مال لا يكفيه أعطى ما يتم به كفايته . قال ابن الصباغ والأصحاب : ويهيأ له ما يركبه إن كان سفره مما تقصر فيه الصلاة أو كان ضعيفا لا يقدر على المشي ، وإن كان قويا وسفره دون ذلك لم يعط المركوب ، ويعطى ما نيقل عليه زاده إلا أن يكون قدرا يعتاد مثله أن يحمله بنفسه ، قال السرخسي : وصفة تهيئة المركوب أنه إن اتسع المال اشترى له مركوب ، وإن ضاق اكترى له . قال أصحابنا : ويعطى ابن السبيل سواء كان قادرا على الكسب أم لا ، وسنعيد المسألة في آخر الباب إن شاء الله تعالى ، قال الرافعي : وهل يعطى جميع مؤنة سفره أم ما زاد بسبب السفر فيه وجهان الصحيح : الجميع وهو ظاهر كلام الجمهور ، قال أصحابنا : ويعطى كفايته في ذهابه ورجوعه إن كان يريد الرجوع ، وليس له في مقصده مال ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الأصحاب ونص عليه الشافعي .

Sección V06/P203–V06/P204

وحكى الرافعي وجها أنه لا يعطى للرجوع في ابتداء سفره ، وإنما يعطى عند رجوعه ، ووجها عن الشيخ أبي زيد أنه إن كان عزمه أن يصل الرجوع بالذهاب أعطى للرجوع ، وإن كان عزمه إقامة مدة لم يعط للرجوع ، والمذهب الأول . قال أصحابنا : وأما نفقته في إقامته في المقصد فإن كانت إقامته دون أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج أعطي لها ، لأنه في حكم المسافر ، وله القصر والفطر وسائر الرخص ، وإن كانت أربعة أيام فأكثر غير يومي الدخول والخروج لم يعط لها لأنه خرج عن كونه مسافرا ابن سبيل ، وانقطعت رخص السفر ، بخلاف الغازي فإنه يعطى مدة الإقامة في الثغر وإن طالت ، والفرق أن الغازي يحتاج إليه لتوقع الفتح ، ولأنه لا يزول بالإقامة اسم الغازي بل يتأكد ، بخلاف المسافر ، وفيه وجه عن صاحب التقريب أن ابن السبيل يعطى وإن طال مقامه إذا كان مقيما لحاجة يتوقع تنجزها والمذهب الأول . قال أصحابنا : وإذا رجع ابن السبيل وقد فضل معه شيء استرجع منه سواء قتر على نفسه أم لا ، وقيل إن قتر على نفسه بحيث لو لم يقتر لم يفضل لم يرجع بالفاضل ، والمذهب الأول ، وسبق في فصل الغازي بيان هذا وبيان الفرق بينه وبين الغازي حيث لا يسترجع منه إذا قتر ، لأن ما يأخذه الغازي يأخذه عوضا لحاجتنا إليه ، وقيامه بالغزو وقد فعل ذلك ، وابن السبيل يأخذه لحاجته إلينا وقد زالت ، قال أصحابنا : وكذا يسترد منه المركوب ، هذا هو المذهب ، وحكى الرافعي وجها أنه لا يسترد وهو غريب ضعيف جدا . فرع : قال أصحابنا : إذا ادعى رجل أنه يريد السفر أو الغزو صدق وأعطي من الزكاة بلا بينة ولا يمين ، وقد سبق بيان هذا في فصل المكاتب ، والله تعالى أعلم . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أن ابن السبيل يقع على منشىء السفر والمجتاز ، وقال أبو حنيفة ومالك : لا يعطي المنشيء بل يختص بالمجتاز . فرع : لو وجد ابن السبيل من يقرضه كفايته وله في بلده وفادة لم يلزمه أن يقترض منه ، بل يجوز صرف الزكاة إليه صرح به ابن كج في كتاب التجريد .

Sección V06/P204–V06/P205

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب أن يسوي بين الأصناف في السهام ولا يفضل صنفا على صنف ، لأن الله تعالى سوى بينهم ، والمستحب أن يعم كل صنف إن أمكن ، وأقل ما يجزىء أن يصرف إلى ثلاثة من كل صنف لأن الله تعالى أضاف إليهم بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة ، فإن دفع إلى اثنين ضمن نصيب الثالث ، وقد قدر الضمان قولان أحدهما القدر المستحب وهو الثلث والثاني : أقل جزء من السهم لأن هذا القدر هو الواجب فلا يلزمه ضمان ما زاد . + الشرح : فيه مسائل : إحداها : يجب التسوية بين الأصناف ، فإن وجب لكل صنف ثمن وإن وجد منهم خمسة وجب لكل صنف خمس ، ولا يجوز تفضيل صنف على صنف بلا خلاف عندنا سواء اتفقت حاجاتهم وعددهم أم لا ، ولا يستثنى من هذا إلا العامل فإن حقه مقدر بأجرة عمله ، فإن زاد سهمه أو نقص فقد سبق بيانه وإلا المؤلفة ففي قول يسقط نصيبهم كما سبق . الثانية : التسوية بين آحاد الصنف ليست واجبة ، سواء استوعبهم أو اقتصر على ثلاثة منهم أو أكثر ، وسواء اتفقت حاجاتهم أو اختلفت ، لكن يستحب أن يفرق بينهم على قدر حاجاتهم فإن استوت سوى ، وإن تفاضلت فاضل بحسب الحاجة استحبابا ، فرق الأصحاب بين التسوية بين الأصناف حيث وجبت وآحاد الصنف حيث استحبت ، بأن الأصناف محصورون ، فيمكن التسوية بلا مشقة بخلاف آحاد الصنف ، قال البغوي وليس هذا كما لو أوصى لفقراء بلد محصورين فإنه يجب تعميمهم والتسوية بينهم ، وهنا في الزكاة لو كانوا محصورين وجب تعميهم ولا تجب التسوية بينهم ، لأن الحق في الوصية لهم على التعيين حتى لو لم يكن هناك فقير تبطل الوصية ، وههنا لم يثبت الحق لهم على التعيين ، وإنما تعينوا لفقد غيرهم ، ولهذا لو لم يكن في البلد مستحقون لا تسقط بل يجب نقلها إلى بلد آخر . وهذا الذي ذكرناه من التسوية بين آحدا الصنف ، وأنها ليست واجبة ، هكذا أطلقه الجمهور . وقال المتولي : هذا إذا قسم المالك ، فأما إذا قسم الإمام فلا يجوز له التفضيل عند تساوي الحاجات ، لأن عليه تعميم جميع آحاد الصنف كما سنوضحه إن شاء الله تعالى فلزمه التسوية ، والمالك لا يلزمه التعميم فلا يلزمه التسوية . الثالثة : أطلق المصنف وكثيرون أنه يستحب تعميم كل صنف إن أمكن . وقال ابن الصباغ وكثيرون : إن قسم الإمام لزمه استيعاب آحاد الصنف ، لأنه يمكنه ، وليس المراد أنه يستوعب بزكاة كل شخص جميع الآحاد ، ولكن يستوعبهم من الزكوات الحاصلة في يده ، وله أن يخص بعضهم بنوع من المال وآخرين بنوع ، وله صرف زكاة شخص واحد إلى صنف واحد ، وإلى شخص واحد ، وإن قسم المالك ولم يمكنه الاستيعاب فليس هو بواجب ولا مندوب ، وإن أمكنه ، قال المصنف وكثيرون : هو مستحب ، وقال المتولي يجب إن كانوا محصورين ، وقال البغوي : يجب إن لم تجوز نقل الزكاة ، وإن جوزناه استحب . وقال الرافعي : إن قسم الإمام لزمه الاستيعاب وإن قسم المالك ففيه كلام المتولي والبغوي ، وجزم الرافعي في المحرر بوجوب الاستيعاب إن قسم الإمام ، وكذا إن قسم المالك وكانوا محصورين ، وهذا هو المذهب ، وينزل إطلاق الباقين عليه ، والله تعالى أعلم . وحيث لا يجب الاستيعاب ، قال أصحابنا : يجوز الدفع إلى المستحقين المقيمين بالبلد والغرباء الموجودين حال التفرقة ، ولكن المستوطنون أفضل لأنهم جيرانه .

Sección V06/P205–V06/P206

قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى : وحيث لا يجب الاستيعاب يشترط أن لا ينقص عن ثلاثة من كل صنف ، لما ذكره المصنف ، إلا العامل فيجوز أن يكون واحدا بلا خلاف ، وعجب كون المصنف لم يستثنه هنا مع أنه استثناه في التنبيه ، ولا خلاف في اشترط ثلاثة من كل صنف من الباقين إلا ابن السبيل ففيه طريقان المذهب : وبه قطع الجمهور يشترط ثلاثة والثاني : فيه وجهان أصحهما : ثلاثة والثاني : يجوز واحد ، لأن الله تعالى لم يذكره بالجمع بخلاف باقي الأصناف ، وهذا الوجه حكاه القاضي أبو الطيب عن شيخه أبي الحسن الماسرجسي وحكاه آخرون بعده . قال القاضي أبو الطيب : لم يقل أحد من أصحاب الشافعي رضي الله عنه هذا غير الماسرجسي ، قال : قال أبو إسحاق : وابن السبيل ، وإن كان موحدا فهو اسم جنس كباقي الأصناف . قال الرافعي : قال بعضهم : ولا يبعد طرد الوجه في الغزاة لقول الله سبحانه وتعالى وفي سبيل الله بغير جمع ، والله تعالى أعلم . قال أصحابنا : ولو صرف جميع نصيب الصنف إلى اثنين مع وجود ثالث غرم لثالث بلا خلاف ، وفي قدر الغرم قولان مشهوران ذكرهما المصنف أصحهما : أقل جزء لأنه القدر الذي كان يجب عليه والثاني : الثلث وصححه القاضي أبو الطيب في المجرد ، قال : لأن المفاضلة باجتهاده ما لم يظهر خيانته ، فإذا ظهرت خيانته سقط اجتهاده فلزمه الثلث ، ولو صرف جميع نصيب الصنف إلى واحد ، فعلى الأول يلزمه أقل ما يجوز صرفه إليهما ، وعلى الثاني الثلثان ، ثم إن الجمهور أطلقوا القولين . وقال صاحب العدة : إذا قلنا يضمن الثلث ففيه وجهان أحدهما : المراد إذا استووا في الحاجة ، فلو كانت حاجة الثالث حين استحقوا التفرقة مثل حاجة الآخرين جميعا ضمن له نصف السهم ليكون معه مثلهما ، لأنه يستحب التفرقة على قدر حوائجهم والثاني : أنه لا فرق ، وهذا الثاني هو الصحيح . ومراده إذا كان الثلاثة متعينين ولو لم يوجد إلا دون ثلاثة من صنف أعطى لمن وجده ، وهل يصرف باقي السهم إليه إذا كان مستحقا أم ينقل إلى بلد آخر قال المتولي : هو كما لم يوجد بعض الأصناف في بلد ، وسيأتي بيانه إن شاء تعالى هذا آخر كلامه ، والصحيح أنه يصرف إليه ، وممن صححه الشيخ نصر المقدسي ونقله هو وصاحب العدة وغيرهما عن نص الشافعي رضي الله عنه ودليلهما ظاهر . قال أصحابنا . وهذان القولان في أصل المسألة كالخلاف في أضحية التطوع إذا أكلها كلها ، كم يضمن وفي الوكيل إذا باع بغبن فاحش كم يضمن وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى ، والله أعلم .

Sección V06/P206–V06/P208

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن اجتمع في شخص واحد سببان ففيه ثلاثة طرق ، من أصحابنا من قال : لا يعطى بالسببين ، بل يقال له اختر أيهما شئت فنعطيك به ومنهم : من قال : إن كانا سببين متجانسين مثل أن يستحق بكل واحد منهما لحاجته إلينا كالفقير الغارم لمصلحة نفسه ، أو يستحق بكل واحد منهما لحاجتنا إليه كالغازي الغارم لإصلاح ذات البين لم يعط إلا بسبب واحد ، وإن كانا سببين مختلفين وهو أن يكون بأحدهما يستحق لحاجتنا إليه ، وبالآخر يستحق لحاجته إلينا أعطي بالسببين كما قلنا في الميراث إذا اجتمع في شخص واحد جهتا فرض لم يعط بهما وإن اجتمع فيه جهة فرض وجهة تعصيب أعطي بهما ومنهم : من قال : فيه قولان أحدهما : يعطي بالسببين ، لأن الله تعالى جعل للفقير سهما ، وللغارم سهما ، وهذا فقير وغارم والثاني : يعطى بسبب واحد ، لأنه شخص واحد فلا يأخذ سهمين كما لو تفرد بمعنى واحد . + الشرح : هذه الطرق الثلاثة مشهورة وأصحها : طريقة القولين صححها أصحابنا ، ونقلها صاحب الشامل عن أكثر الأصحاب وأصح القولين أنه لا يعطي إلا بسبب واحد يختار أيهما شاء ، ممن صححه القاضي أبو الطيب في المجرد ، وصاحب العدة ، والشيخ نصر المقدسي في تهذيبه ، والرافعي وآخرون ، وقطع به جماعة من أصحاب المختصرات منهم سليم الرازي في الكفاية ونصر المقدسي في الكافي ، وهو المنصوص في المختصر ، والقول الآخر وهو مذهب أبي حنيفة ، وحكى الدارمي طريقا رابعا أنه يعطي بهما إلا بالفقر والمسكنة لاستحالة وجودهما في حالة واحدة ، وهذا الطريق لا حقيقة له ، لأن الأصحاب تكلموا في الممكن ، والله تعالى أعلم . قال الرافعي : إذا جوزنا إعطاءه بسببين جاز بأسباب أيضا ، قال : وقال الحناطي : ويحتمل أن لا يعطى إلا بسببين . قال الخراسانيون : فإن قلنا لا يعطى بسببين بأن كان عاملا فقيرا فوجهان مبنيان على الوجهين فيما يأخذه العامل هل هو أجرة أم زكاة إن قلنا أجرة أعطى بهما وإلا فلا . قال الشيخ نصر المقدسي إذا قلنا : لا يعطى إلا بسبب واحد فأخذ بالفقر . كان لغريمه أن يطالبه بدينه ، ويأخذ ما حصل له ، وكذا إن أخذ بكونه غارما ، فإذا أخذه وبقي فقيرا وجب إعطاؤه من سهم الفقراء ، لأنه الآن محتاج ، والله تعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : إذا فقد بعض الأصناف فلم يوجدوا في البلد ولا غيره قسمت الزكاة بكمالها على الموجودين من باقي الأصناف بلا خلاف ، وعجيب كون المصنف ترك هذه المسألة مع ذكره لها في التنبيه . قال أصحابنا : والفرق بين هذا وبين ما لو أوصى لرجلين فرد أحدهما الوصية فإن المردود يكون للورثة لا للموصى له الآخر ، أن المال للورثة لولا الوصية ، والوصية تبرع ، فإذا لم تتم أخذ الورثة المال وأما : الزكاة فدين لزمه فلا يسقط بفقد المستحق لهذا لو لم يجد أحدا من الأصناف لم يسقط ، بل يصبر حتى يجدهم أو بعضهم بخلاف ما لو ردت الوصايا كلها ، فإنها ترجع إلى الورثة ، والله أعلم .

Sección V06/P208–V06/P209

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان الذي يفرق الزكاة رب المال سقط سهم العامل ، لأنه لا عمل له فيقسم الصدقة على سبعة لكل صنف سهم على ما بيناه ، فإن كان في الأصناف أقارب له لا يلزمه نفقتهم ، فالمستحب أن يخص الأقارب ، لما روت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله يقول : الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي القرابة صدقة وصلة . + الشرح : هذا الحديث صحيح رواه البيهقي في السنن الكبير بإسناد صحيح ولفظه أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح وروى الترمذي والنسائي بإسنادهما عن سلمان بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم : الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان ، صدقة وصلة . وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الرحم شجنة من الله تعالى من وصلها وصله الله ، ومن قطعها قطعه الله . رواه البخاري ومسلم والشجنة بكسر الشين وضمها وفتحها ثلاث لغات ، ومعناه أن قرابة الإنسان لقريبه سبب واصل بينهما . وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه رواه البخاري ومسلم ، وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة جمعت معظمها في رياض الصالحين . أما أحكام الفصل : فقوله : إن كان الذي يفرق الزكاة رب المال سقط سهم العامل ، هو كما قال ، وهو ظاهر ، وسبق مثله وأما : قوله : إن كان في الأصناف أقارب له لا يلزمه نفقتهم استحب أن يخص الأقرب ، فمتفق عليه أيضا لما ذكرنا من الأحاديث . قال أصحابنا : يستحب في صدقة التطوع وفي الزكاة ، والكفارة صرفها إلى الأقارب إذا كانوا بصفة الاستحقاق ، وهم أفضل من الأجانب ، قال أصحابنا : والأفضل أن يبدأ بذي الرحم المحرم كالإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات ، ويقدم الأقرب فالأقرب ، وألحق بعض أصحابنا الزوج والزوجة بهؤلاء لحديث زينب امرأة ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه رواه مسلم ثم بذي الرحم غير المحرم كأولاد العم وأولاد الخال ، ثم المحرم بالرضاع ، ثم بالمصاهرة ثم المولى من أعلى وأسفل ثم الجار ، فإن كان القريب بعيد الدار في البلد قدم على الجار الأجنبي ، وإن كان الأقارب خارجين عن البلد ، فإن منعنا نقل الزكاة قدم الأجنبي وإلا فالقريب ، وكذا القول في أهل البادية ، فحيث كان القريب والجار الأجنبي بحيث يجوز الصرف إليهما قدم القريب . والله تعالى أعلم .

Sección V06/P209–V06/P210

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب صرف الزكاة إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال صلى الله عليه وسلم : أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم فإن نقل إلى الأصناف في بلد آخر ففيه قولان أحدهما : يجزئه لأنهم من أهل الصدقات فأشبه أصناف البلد الذي فيه المال والثاني : لا يجزئه لأنه حق واجب لأصناف بلد ، فإذا نقل عنهم إلى غيرهم لا يجزئه كالوصية بالمال لأصناف بلد ، ومن أصحابنا من قال : القولان في جواز النقل ففي أحدهما يجوز والثاني لا يجوز . فأما إذا نقل فإنه يجزىء قولا واحدا والأول هو الصحيح . فإن كان له أربعون شاة عشرون في بلد وعشرون في بلد آخر . قال الشافعي رضي الله عنه : إذا أخرج الشاة في أحد البلدين كرهت وأجزأه ، فمن أصحابنا من قال : أنما أجاز ذلك على القول الذي ( يقول ) يجوز نقل الصدقة ، فأما على القول الآخر فلا يجوز حتى يخرج في كل بلد نصف شاة . ومنهم من قال : يجزئه ذلك قولا واحدا ، لأن في إخراج نصف شاة في كل بلد ضررا في التشريك بينه وبين الفقراء ، والصحيح هو الأول لأنه قال : ( كرهت وأجزأه ) فدل على أنه أحد القولين ولو كان قولا واحدا لم يقل : كرهت . وفي الموضع الذي ينقل إليه طريقان ، من أصحابنا من قال : القولان فيه إذا نقل إلى مسافة تقصر فيها الصلاة ، فأما إذا نقل إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، فإنه يجوز قولا واحدا لأن ذلك في حكم البلد ، بدليل أنه لا يجوز فيه القصر ( والفطر ) والمسح . ومنهم من قال : القولان في الجميع وهو الأظهر . + الشرح : حديث معاذ رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عباس رضي الله عنهما ، وينكر على المصنف قوله فيه : روي بصيغة التمريض . وقوله لا يجوز فيه القصر والفطر والمسح يعني المسح على الخف ثلاثة أيام وهذا متفق عليه . وقد نبه عليه المصنف هنا وفي آخر الحضانة وفي تغريب الزاني ولم يذكره في مظنته ، وهما باب المسح على الخف وباب صلاة المسافر . أما الأحكام : فحاصل المذهب أنه ينبغي أن يفرق الزكاة في بلد المال ، فلو نقلها إلى بلد آخر مع وجود المستحقين فللشافعي رضي الله عنه في المسألة قولان . وللأصحاب فيها ثلاث طرق أصحها : عندهم أن القولين في الأجزاء وعدمه أصحهما : لا يجزئه والثاني : يجزئه . ولا خلاف في تحريم النقل والطريق الثاني : أنهما في التحريم وعدمه أصحهما : يحرم والثاني : لا يحرم ولا خلاف أنه يجزىء . وهذان الطريقان في الكتاب والثالث : حكاه صاحب الشامل أنهما في الجواز والأجزاء معا أصحهما : لا يجوز ولا يجزئه والثاني : يجوز ويجزئه ، وتعليل الجميع في الكتاب ، والأصح عند الأصحاب الطريق الأول والأصح : من القولين أنه لا يجزئه ، وهو محكي عن عمر ابن عبد العزيز وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد والنخعي والثوري ومالك وأحمد ، وبالأجزاء قال أبو حنيفة . والصحيح : أنه لا فرق بين النقل إلى مسافة ودونها كما صححه المصنف وكذا صححه الجمهور . فحصل من مجموع الخلاف أربعة أقوال أصحها : لا يجزىء النقل مطلقا ولا يجوز والثاني : يجزىء ويجوز والثالث : يجزىء ولا يجوز والرابع : يجزىء ويجوز لدون مسافة القصر ، ولا يجزىء ولا يجوز إليها ، وإذا منعنا النقل ولم نعتبر مسافة القصر ، فسواء نقل إلى قرية بقرب البلد أم بعيدة ، صرح به صاحب العدة .

Sección V06/P210–V06/P212

واعلم أن صاحب الشامل ذكر المسألة في أول قسم الصدقات في موضعها ، كما ذكرها المزني والأصحاب ، وذكر في النقل إلى دون مسافة القصر الطريقين وذكر أن الأصح أنها على القولين . ثم ذكر في أواخر الباب في مسألة أصحاب الخيام الذين لا يرتحلون أن أصحاب الخيام الذين لا يرتحلون يجوز الصرف إلى من بينه وبينه ما لا تقصر فيه الصلاة . قال وكذلك البلد إذا كان في سواده في موضع لا تقصع فبه الصلاة ، كأهل البلد قال : واحتج الشافعي بأن من هو من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة فهو من حاضريه . قال فأما إذا كان بلدين بينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة فلا ينقل من أحدهما إلى الآخر : لأن أحدهما لا يضاف إلى الآخر ولا ينسب . هذا كلام صاحب الشامل ، وذكر مثله الشيخ أبو حامد ، وهو مخالف في ظاهره لما قاله صاحب العدة ، والله تعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : في نقل الكفارات والنذور عن البلد الذي وجبت فيه ونقل وصية أوصى للفقراء وغيرهم ، ولم يذكر بلدا طريقان أحدهما : وبه قطع جماعة من العراقيين لها حكم الزكاة فيجري فيها الخلاف كالزكاة وأصحهما : عند الخراسانيين وتابعهم الرافعي عليه القطع بالجواز ، لأن الأطماع لا تمتد إليها إلى امتدادها إلى الزكوات . وهذا هو الصحيح . فرع : حيث جاز النقل أو وجب فمؤنته على رب المال . قال الرافعي : ويمكن تخريجه على الخلاف السابق في أجرة الكيال ، وهذا الذي قاله محتمل فيما إذا وجب النقل ، أما إذا لم يجب ونقله رب المال فيجب الجزم بأنها على رب المال . فرع : قال الرافعي : الخلاف في جواز النقل وعدمه ظاهر فيما إذا فرق رب المال زكاته ، أما إذا فرق الإمام فربما اقتضى كلام الأصحاب طرد الخلاف فيه وربما دل على جواز النقل له والتفرقة كيف شاء . قال : وهذا أشبه . هذا كلامه . وقد ذكر المصنف في أوائل هذا الباب في أواخر الفصل الأول قبل وسم الماشية أن الساعي ينقل الصدقة إلى الامام إذا لم يأذن له في تفرقتها ، وهذا نقل وقدمنا هناك أن الراجح القطع بجواز النقل لإمام والساعي ، وهو ظاهر الأحاديث ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لو كان المالك ببلد والمال ببلد آخر فالاعتبار ببلد المال لأنه سبب الوجوب ويمتد إليه نظر المستحقين فيصرف العشر إلى الأصناف بالأرض التي حصل منها العشر وزكاة النقدين والمواشي والتجارة إلى أصناف البلد الذي تم في حولها . فرع : لو كان ماله عند تمام الحول ببادية وجب صرفه إلى الأصناف في أقرب البلاد إلى المال ، فإن كان تاجرا مسافرا صرفها حيث حال الحول . فرع : إذا كان له مال في مواضع متفرقة وحال الحول وهي متفرقة صرف زكاة كل طائفة من ماله ببلدها ، ولا يجوز أن يصرف الجميع في بلد واحد إذا منعنا النقل ، هذا إذا لم يقع تشقيص ، فإن وقع بأن ملك أربعين شاة عشرين ببلد وعشرين ببلد آخر فأدى شاة في أحد البلدين . قال الشافعي رضي الله عنه : كرهت ذلك وأجزأه ، وللأصحاب فيه طريقان حكاهما المصنف بدليلهما أحدهما : وهو قول أبي حفص بن الوكيل من أصحابنا إن هذا جائز إن جوزنا نقل الصدقة ، وعليه فرعها الشافعي رضي الله عنه ، وإن منعنا نقلها وجب في كل بلد نصف شاة ، ورجح المصنف هذا الطريق بما ليس بمرجح واستدل من كلام الشافعي رضي الله عنه بما لا دلالة فيه .

Sección V06/P212

والطريق الثاني : هو المذهب وهو ظاهر النص وقطع به أكثر المتقدمين وكثير من المصنفين ، ورجحه جمهور الباقين أنه يجوز قولا واحدا ، سواء منعنا نقل الصدقة أم لا ، وعلله الأصحاب بعلتين إحداهما : أن له في كل بلد مالا فيخرج في أيهما شاء ، لأنه يصدق عليه أنه أخرج في بلد ماله والثانية : أن عليه ضررا في التشقيص . قال الرافعي : وفرعوا عليهما ما لو كان له مائة ببلد ومائة ببلد ، فعلى الأولى له إخراج الشاتين في أحد البلدين ، وعلى الثانية لا يجوز ذلك بل يجب في كل بلد شاة . وهذا هو المذهب في هذه الصورة ، وبه قطع جماعة ، والله أعلم .

Sección V06/P212–V06/P213

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وجبت عليه الزكاة وهو من أهل الخيم الذين ينتجعون لطلب الماء والكلأ فإنه ينظر فيه فإن كانوا متفرقين كان موضع الصدقة من عند المال إلى حيث تقصر فيه الصلاة . فإذا بلغ حدا تقصر فيه الصلاة لم يكن ذلك موضع الصدقة . وإن كان في حلل مجتمعة ففيه وجهان أحدهما : أنه كالقسم قبله والثاني : أن كل حلة كالبلد . + الشرح : قوله الخيم هو بفتح الخاء وإسكان الياء ، والواحدة خيمة كتمرة وتمر ببيضة وبيض ، ويجوز خيم بكسر الخاء وفتح الياء كبدرة وبدر ، وقيل : إنه على هذه اللغة محذوف الألف من خيام كما في قوله تعالى : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس المائدة : 79 وقرىء قيما ، وقالوا ما ذكرناه ( والحلل ) بكسر الحاء جمع حلة بكسرها أيضا ، وهم الحي النازلون . قال أصحابنا : أرباب أموال الزكاة ضربان أحدهما : المقيمون في بلد أو قرية أو موضع من البادية ، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا فعليهم صرف زكاتهم إلى من في موضعهم من الأصناف سواء المقيمون عندهم المستوطنون والغرباء المجتازون . الضرب الثاني : أهل الخيام المتنقلون وهم صنفان أحدهما : قوم مقيمون في موضع من البادية لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا إلا لحاجة ، فلهم حكم الضرب الأول فيصرفون زكاتهم إلى من في موضعهم ، فإن نقلوا عنه كانوا كمن نقل من بلد إلى بلد . الصنف الثاني : أهل خيام ينتقلون للجهة ، وهم الذين إذا أخصب موضع رحلوا إليه وإذا أجدب موضع رحلوا منه ، فينظر فيهم فإن كانت حللهم متفرقة صرفوا الزكاة إلى جيران المال ، وهم من كان من المال على مسافة لا يقصر فيها الصلاة ، قال أصحابنا : فيجوز الدفع إلى هؤلاء قولا واحدا ، ولا يجيء فيهم الخلاف السابق في النقل من بلد إلى بلد لا تقصر إليه الصلاة ، لأنه لا يعد نقلا ، فإن نقلت عنهم إلى مسافة تقصر فيها الصلاة من موضع كان فيه الخلاف في النقل من بلد إلى بلد تقصر إليه الصلاة ، واتفق أصحابنا على جميع هذا المذكور قال أصحابنا : فإن كان مع أهل الخيام قوم من الأصناف ينتقلون بانتقالهم وينزلون بنزولهم فالصرف إليهم أفضل من الصرف إلى جيرانهم الذين لا يظعنون بظعنهم لأنهم أشد جوارا ، فإن صرف إلى الآخرين جاز ، هذا كله فيمن خيامهم متفرقة فإن كانت مجتمعة وكل حلة متميزة عن الآخرى تنفرد عنها في الماء والمرعى فوجهان مشهوران أحدهما : أنهم كالمتفرقين وأصحهما : أن كل حلة كقرية فعلى هذا النقل منها كالنقل من القرية . وأما أهل الخيام الذين لا قرار لهم ، بل يطوفون البلاد أبدا فيصرفونها إلى من معهم ، فإن لم يكن معهم فإلى أقرب البلاد إليهم عند تمام الحول ، والله تعالى أعلم .