Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Sección V06/P268–V06/P270

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال فإن غم عليهم وجب عليهم أن يستكملوا شعبان ثم يصوموا ، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا . + الشرح : هذا الحديث رواه هكذا النسائي بإسناد صحيح ، ورواه مسلم من رواية ابن عباس ولفظه إن الله قد أمده لرؤيته فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ورواه الترمذي ولفظه لا تصوموا قبل رمضان ، صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن حالت دونه غيابة فأكملوا ثلاثين يوما قال الترمذي حديث حسن صحيح ( الغيابة ) السحابة . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم فاقدروا ثلاثين وفي رواية له فإذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن أغمي عليكم فاقدروا له وفي رواية فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما وفي رواية فإن غبي عليكم فأكملوا العدء وفي رواية فإن أغمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين هذه الروايات كلها في صحيح مسلم . وفي رواية البخاري فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان ، فإذا غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام رواه أبو داود والدارقطني وقال : إسناده صحيح . وعن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصوموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وفي الباب أحاديث كثيرة بمعنى ماذكرته . واختلف العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : فإن غم عليكم فاقدروا له فقال أحمد بن حنبل وطائفة قليلة : معناه ضيقوا له وقدروه تحت السحاب ، وأوجب هؤلاء صيام ليلة الغيم . وقال مطرف بن عبد الله وأبو العباس بن سريج وابن قتيبة وآخرون : معناه قدروه بحساب المنازل ، وقال مالك وأبو حنيفة و الشافعي وجمهور السلف والخلف : معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما . قال أهل اللغة : يقال قدرت الشيء بتخفيف الدال أقدره وأقدره بضمها وكسرها وقدرته بتشديدها ، وأقدرته بمعنى واحد وهو من التقدير . قال الخطابي وغيره : ومنه قوله تعالى : فقدرنا فنعم القادرون المرسلات : 32 . واحتج الجمهور بالروايات التي ذكرناها وكلها صحيحة صريحة : فأكملوا العدة ثلاثين واقدروا له ثلاثين ، وهي مفسرة لرواية فاقدروا له المطلقة . قال الجمهور : ومن قال بتقدير تحت السحاب فهو منابذ لصريح باقي الروايات ، وقوله مردود ، ومن قال بحساب المنازل فقوله مردود بقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا الحديث . قالوا : ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم ، لأنه لا يعرف الحساب إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار ، فالصواب ما قاله الجمهور ، وما سواه فاسد مردود بصرائح الأحاديث السابقة . وقوله صلى الله عليه وسلم : بتشديد الميم وتخفيفها والغين مضمومة فيهما ، ويقال غبي بفتح الغين وكسر الباء ، وقد غامت السماء وتغيمت وأغامت وغيمت وأغمت ، وقوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته المراد رؤية بعضكم ، وهل هو عدل أم عدلان ، فيه الخلاف المشهور . والله أعلم .

Sección V06/P270–V06/P271

قال أصحابنا وغيرهم : ولا يجب صوم رمضان إلا بدخوله ، ويعلم دخوله برؤية الهلال ، فإن غم وجب استكمال شعبان ثلاثين ثم يصومون ، سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة غيما قليلا أو كثيرا ، ودليله ما سبق . والله أعلم . فرع : ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : شهرا عيد لا ينقصان ، رمضان وذو الحجة معناه لا ينقص أجرهما والثواب المرتب وإن نقص عددهما ، وقيل : معناه لا ينقصان معا غالبا من سنة واحدة ، وقيل لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان ، لأن فيه المناسك والعشر ، حكاه الخطابي وهو ضعيف باطل ، والصواب الأول ولم يذكر صاحب التتمة غيره ، ومعناه أن قوله صلى الله عليه وسلم : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر ونظائر ذلك ، فكل هذه الفضائل تحصل ، سواء تم عدد رمضان أم نقص . قال صاحب التتمة : وإنما خص هذين الشهرين لتعلق العبادة بهما ، وهي الصوم والحج .

Sección V06/P271–V06/P273

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن أصبحوا يوم الثلاثين وهم يظنون أنه من شعبان فقامت البينة أنه من رمضان ( لزمه ) قضاء صومه ، لأنه بان أنه من رمضان ، وهل يلزمهم إمساك بقية النهار فيه قولان أحدهما : لا يلزمهم لأنهم أفطروا بعذر فلم يلزمهم إمساك بقية النهار كالحائض إذا طهرت والمسافر إذا أقام والثاني : يلزمهم لأنه أبيح لهم الفطر بشرط أنه من شعبان . وقد بان أنه من رمضان فلزمهم الإمساك ، وإن رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة لما روى شقيق بن سلمة قال : أتانا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض ، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس وإن رأوا الهلال في بلد ولم يروه في آخر فإن كانا بلدين متقاربين وجب على أهل البلدين الصوم ، وإن كان متباعدين وجب على من رأى ولم يجب على من لم ير ، لما روى كريب قال : قدمت الشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمت المدينة فقال عبد الله بن عباس متى رأيتم الهلال فقلت ليلة الجمعة ، فقال : أنت رأيت قلت : نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال لكنا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه ، قلت : أو لا تكتفي برؤية معاوية قال هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . + الشرح : حديث كريب رواه مسلم ، وحديث شقيق عن عمر رضي الله عنه رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح ، ذكره البيهقي في موضعين من كتاب الصيام ثانيهما أو آخر الكتاب في شهادة الاثنين على هلال شوال ، وقال في هذا الموضع هذا أثر صحيح عن عمر رضي الله عنه ، وقوله ( بخانقين ) هو بخاء معجمة ونون ثم قاف مكسورتين وهي بلد بالعراق قريبة من بغداد ، وكريب هذا هو بضم الكاف ، وهو مولى ابن عباس . أما الأحكام : ففيه مسائل إحداها : إذا ثبت كون يوم الثلاثين من شعبان فأصبحوا مفطرين ، فثبت في أثناء النهار كونه من رمضان وجب قضاؤه بلا خلاف وفي إمساك بقية النهار طريقان أحدهما : فيه قولان أصحهما : وجوبه والثاني : لا يجب ، وذكر المصنف دليلهما ، وبهذا الطريق قطع المصنف وقليلون من العراقيين والخراسانيين والثاني : يجب الإمساك قولا واحدا ، وهذا نصه في المختصر وبه قطع كثيرون أو الأكثرون من العراقيين والخراسانيين ، منهم الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في المجرد وصاحب الحاوي والدارمي والمحاملي وآخرون من العرقيين والبغوي والسرخسي وآخرون من الخراسانيين . قال المتولي : والخلاف في وجوب الإمساك إذا لم يكن أكل قبل ثبوت كونه من رمضان ، فإن كان أكل وقلنا : لا يجب الإمساك قبل الأكل فهنا أولى وإلا فوجهان أصحهما : يحب لحرمة اليوم ، وإذا أوجبنا الإمساك فأمسك ، فهل هو صوم شرعي أم لا فيه وجهان حكاهما صاحب الحاوي والمحاملي وصاحب الشامل وآخرون ، واتفقوا على أن الصحيح أنه ليس بصوم شرعي . قال صاحب الحاوي : قال أبو إسحاق المروزي : يسمى صوما شرعيا ، قال : وقال أكثر أصحابنا ليس هو بصوم شرعي وإنما هو إمساك شرعي لأنه لا يجزئه عن صوم رمضان ولا عن غيره بلا خلاف ، هكذا ذكره هؤلاء الوجهين في أنه صوم شرعي أم لا . ونسبوا القول بأنه صوم إلى أبي إسحاق . وقال القاضي أبو الطيب في المجرد : فيه وجهان أحدهما : أنه إمساك شرعي يثاب عليه والثاني : لا يثاب عليه . هكذا ذكرهما القاضي . وقال صاحب الشامل : يجب أن يقال في إمساكه ثواب ، وإن لم يكن ثواب صوم . قال : وحكى الشيخ أبو حامد عن أبي إسحاق أنه إذا لم يكن أكل ثم أمسك يكون صائما من حين أمسك .

Sección V06/P273–V06/P274

قال صاحب الشامل : وهذا لا يجيء على أصل الشافعي لأنه واجب فلا يصح بنية من النهار ، ولأنه لا يصح عن رمضان ولا نفل . قال : وينبغي أن يكون ما قاله أبو إسحاق إنه إمساك شرعي يثاب عليه ، هذا كلامه ، فحصل في المسألة ثلاثة أوجه الصحيح : أنه يثاب على إمساكه ولا يكون صوما والثاني : يكون صوما والثالث : لا يثاب عليه ، وهو الذي حكاه القاضي وهذان الوجهان فاسدان ، والله أعلم . المسألة الثانية : إذا رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة ، سواء رأوه قبل الزوال أو بعده ، هذا مذهبنا لا خلاف فيه ، وبه قال أبو حنيفة ومالك ومحمد وقال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف وعبد المالك بن حبيب المالكي : إن رأوه قبل الزوال فلليلة الماضية أو بعده فللمستقبلة ، سواء أول الشهر وآخره ، قال : إن كان في أول الشهر ورأوه فللماضية ، وبعده للمستقبلة ، وإن رأوه في آخر رمضان بعد الزوال فللمستقبلة ، وقبله فيه روايتان عنه أحدهما : للماضية والثانية : للمستقبلة ، واحتج لمن فرق بين ما قبل الزوال وبعده بما رواه البيهقي بإسناده عن إبراهيم النخعي قال : كتب عمر رضي الله عنه إلى عتبة بن فرقد : إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس لتمام ثلاثين فأفطروا ، وإذا رأيتموه بعدما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تصوموا . واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف عن شقيق بن سلمة عن عمر رضي الله عنه وبما رواه البيهقي بإسناده الصحيح عن سالم بن عبد الله بن عمر أن ناسا رأوا هلال الفطر نهارا فأتم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما صيامه إلى الليل وقال : لا حتى يرى من حيث يروه بالليل وفي رواية قال ابن عمر : لا يصلح أن يفطروا حتى يروه ليلا من حيث يرى وروينا في ذلك عن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ، وأما ما احتجوا به من رواية إبراهيم النخعي فلا حجة فيه فإنه منقطع لأن إبراهيم لم يدرك عمر ولا قارب زمانه ، والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يروه في غيره ، فإن تقارب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد ، ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف وإن تباعدا فوجهان مشهوران في الطريقتين أصحهما : لا يجب الصوم على أهل البلد الآخر ، وبهذا قطع المصنف والشيخ أبو حامد والبندنيجي وآخرون ، وصححه العبدري والرافعي والأكثرون . والثاني : يجب وبه قال الصيمري وصححه القاضي أبو الطيب والدارمي وأبو علي السنجي وغيرهم ، وأجاب هؤلاء عن حديث كريب عن ابن عباس أنه لم يثبت عنده رؤية الهلال في بلد آخر بشهادة عدلين ، والصحيح الأول . وفيما يعتبر به البعد والقرب ثلاثة أوجه أصحها : وبه قطع جمهور العراقيين والصيدلاني وغيرهم أن التباعد يختلف باختلاف المطالع ، كالحجاز والعراق وخراسان ، والتقارب أن لا يختلف ، كبغداد والكوفة والري وقزوين ، لأن مطلع هؤلاء مطلع هؤلاء ، فإذا رآه هؤلاء فعدم رؤيته للآخرين لتقصيرهم في التأمل أو لعارض ، بخلاف مختلفي المطلع . والثاني : الاعتبار باتحاد الأقليم واختلافه ، فإن اتحد فمتقاربان وإلا فمتباعدان وبهذا قال الصيمري وآخرون . والثالث : أن التباعد مسافة القصر ، والتقارب دونها ، وبهذا قال الفوراني وإمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون من الخراسانيين ، وادعى إمام الحرمين الاتفاق عليه ، لأن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين ، وقواعد الشرع تأبى ذلك ، فوجب اعتبار مسافة القصر التي علق الشرع بها كثيرا من الأحكام ، وهذا ضعيف ، لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر ، فالصحيح اعتبار المطالع كما سبق .

Sección V06/P274–V06/P275

فعلى هذا لو شك في اتفاق المطالع لم يلزم الذين لم يروا الصوم ، لأن الأصل عدم الوجوب ، ولأن الصوم إنما يجب بالرؤية للحديث ، ولم تثبت الرؤية في حق هؤلاء ، لعدم ثبوت قربهم من بلد الرؤية ، هذا الذي ذكرته هو المشهور للأصحاب في الطريقين ، وانفرد الماوردي و السرخسي بطريقين آخرين ، فقال الماوردي : إذا رأوه في بلد دون بلد فثلاثة أوجه : أحدها : يلزم الذين لم يروا ، لأن فرض رمضان لا يختلف باختلاف البلاد وقد ثبت رمضان . والثاني : لا يلزمهم لأن الطوالع والغوارب قد تختلف لاختلاف البلدان وإنما خوطب كل قوم بمطلعهم ومغربهم ، ألا ترى الفجر قد يتقدم طلوعه في بلد ويتأخر في بلد آخر ، وكذلك الشمس قد يتعجل غروبها في بلد ويتأخر في آخر ثم كل بلد يعتبر طلوع فجره وغروب شمسه في حق أهله فكذلك الهلال . الثالث : إن كانا من إقليم لزمهم ، وإلا فلا ، هذا كلام الماوردي . وقال السرخسي : إذا رآه أهل ناحية دون ناحية ، فإن قربت المسافة لزمهم كلهم ، وضابط القرب أن يكون الغالب أنه إذا أبصره هؤلاء لا يخفى عليهم إلا لعارض ، سواء في ذلك مسافة القصر أو غيرها ، قال : فإن بعدت المسافة فثلاثة أوجه أحدها : يلزم الجميع ، واختاره أبو علي السنجي والثاني : لا يلزمهم والثالث : إن كانت المسافة بينهما بحيث لا يتصور أن يرى ولا يخفى على أولئك بلا عارض لزمهم ، وإن كانت بحيث يتصور أن يخفى عليهم فلا . فحصل في المسألة ست وجوه : أحدها : يلزم جميع موضع منها والثاني : يلزم أهل إقليم بلد الرؤية دون غيرهم والثالث : يلزم كل بلد يوافق بلد الرؤيا في المطلع دون غيره ، وهذا أصحها . والرابع : يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم وهو فيما حكاه السرخسي والخامس : يلزم من دون مسافة القصر دون غيرهم والسادس : لا يلزم غير بلد الرؤية ، وهو فيما حكاه الماوردي ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء فيما إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيرهم مذهبنا ، ونقل ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق بن راهويه أنه لا يلزم غير أهل بلد الرؤية ، وعن الليث والشافعي وأحمد : يلزم الجميع ، قال : ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي ، يعني مالكا وأبا حنيفة . فرع : لو شرع في الصوم ببلد ثم سافر إلى بلد بعيد لم يروا فيه الهلال حين رآه أهل البلد الأول ، فاستكمل ثلاثين من حين صام فإن قلنا لكل بلد حكم نفسه فوجهان أصحهما : يلزمه الصوم معهم ، لأنه صار منهم والثاني : يفطر لأنه التزم حكم الأول . وإن قلنا : تعم الرؤية كل البلاد لزم أهل البلد الثاني موافقته في الفطر ، إن ثبت عندهم رؤية البلد الأول بقوله أو بغيره ، وعليهم قضاء اليوم الأول ، وإن لم يثبت عندهم لزمه هو الفطر ، كما لو رأى هلال شوال وحده ، ويفطر سرا . ولو سافر من بلد لم يروا فيه إلى بلد رؤي فيه فعيدوا اليوم التاسع والعشرين من صومه فإن عممنا الحكم أو قلنا له حكم البلد الثاني عيد معهم ، ولزمه قضاء يوم وإن لم نعمم الحكم وقلنا له حكم البلد الأول لزمه الصوم . ولو رأى الهلال في بلد وأصبح معيدا معهم . فسارت به سفينة إلى بلد في حد البعد . فصادف أهلها صائمين . قال الشيخ أبو محمد : يلزمه إمساك بقية يومه . إذا قلنا لكل بلد حكم نفسه ، واستبعد إمام الحرمين والغزالي الحكاية . قال الرافعي : وتتصور هذه المسألة في صورتين .

Sección V06/P275–V06/P276

إحداهما : أن يكون ذلك اليوم يوم الثلاثين من صوم البلدين لكن المنتقل إليهم لم يروه والثانية : أن يكون التاسع والعشرين المنتقل إليهم لتأخر صومهم بيوم . قال : وإمساك بقية النهار في الصورتين إن لم يعمم الحكم كما ذكرنا وجواب الشيخ أبي محمد مبني على أن لكل بلد حكمه ، وأن للمنتقل حكم البلد المنتقل إليه ، وإن عممنا الحكم فأهل البلد الثاني إذا عرفوا في أثناء اليوم أنه عيد ، فهو شيبة بما سبق في باب صلاة العيد إذا شهدوا برؤية الهلال يوم الثلاثين . ولو اتفق هذا السفر لعدلين وقد رأيا الهلال بأنفسهما ، وشهدا في البلد الثاني فهذه شهادة رؤية الهلال يوم الثلاثين ، فيجب الفطر في الصورة الأولى ، وأما الثانية فإن عممنا الحكم بجميع البلاد لم يبعد أن يكون كلامهما على التفصيل السابق في باب صلاة العيد ، فإن قبلنا شهادتهم قضوا يوما ، وإن لم نعمم الحكم لم يلتفت إلى قولهما . ولو كان عكسه بأن أصبح صائما فسارت به سفينة إلى قوم معيدين ، فإن عممنا الحكم أو قلنا له حكم المنتقل إليه أفطر وإلا فلا ، وإذا أفطر قضى يوما إذ لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوما .

Sección V06/P276–V06/P277

قال المصنف رحمه الله تعالى : وفي الشهادة التي يثبت بها رؤية الهلال شهر رمضان قولان ، قال في البويطي : لا تقبل إلا من عدلين ، لما روى الحسين بن حريث الجدلي ( جديلة قيس ) قال : خطبنا أمير مكة الحارث بن حاطب فقال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك لرؤيته فإن لم نره فشهد شاهدان عدلان نسكنا بشهادتهما وقال : في القديم والجديد : يقبل من عدل واحد وهو الصحيح ، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته ، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بالصيام ولأنه إيجاب عبادة ، فقبل من واحد احتياطا للفرض ( فإن قلنا ) يقبل من واحد ، فهل يقبل من العبد والمرأة فيه وجهان : أحدهما : يقبل ، لأن ما قبل فيه قول الواحد قبل من العبد والمرأة كأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني : لا يقبل ، وهو الصحيح لأن طريقها طريق الشهادة ، بدليل أنه لا يقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل فلم يقبل من العبد والمرأة كسائر الشهادات ، ولا يقبل في هلال الفطر إلا شاهدان ، لأن إسقاط فرض ، فاعتبر فيه العدد احتياطا للفرض ، فإن شهد واحد على رؤية هلا رمضان فقبل قوله وصاموا ثلاثين يوما وتغيمت السماء ففيه وجهان أحدهما : أنهم لا يفطرون لأن إفطار بشاهد واحد والثاني : أنهم يفطرون وهو المنصوص في الأم ، لأنه بينة ثبت بها الصوم فجاز الإفطار باستكمال العدد منها كالشاهدين . وقوله : إن هذا إفطار بشاهد لا يصح لأن الذي ثبت بالشاهد هو الصوم ، والفطر ثبت على سبيل التبع وذلك يجوز كما نقول : إن النسب لا يثبت بقول أربع نسوة ثم لو شهد أربع نسوة بالولادة ثبتت الولادة وثبت النسب على سبيل التبع للولادة وإن شهد إثنان على رؤية هلال رمضان فصاموا ثلاثين يوما والسماء مصحية فلم يروا الهلال ففيه وجهان . قال أبو بكر بن الحداد : لا يفطرون لأن عدم الهلال مع الصحو يقين والحكم بالشاهدين ظن ، واليقين يقدم على الظن ، وقال أكثر أصحابنا : يفطرون لأن شهادة اثنين يثبت بها الصوم والفطر ، فوجب أن يثبت بها الفطر . وإن غم عليهم الهلال وعرف رجل الحساب ومنازل القمر وعرف بالحساب أنه من شهر رمضان ففيه وجهان . قال أبو العباس : يلزمه الصوم لأنه عرف الشهر بدليل فأشبه إذا عرف بالبينة والثاني : أنه لا يصوم ، لأنا لم نتعبد إلا بالرؤية . ومن رأى هلال رمضان وحده صام وإن رأى هلال شوال وحده أفطر وحده لقوله صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ويفطر لرؤيته هلال شوال سرا ، لأنه إذا أظهر الفطر عرض نفسه للتهمة وعقوبة السلطان . + الشرح : حديث الحسين بن حريث صحيح رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي وغيرهم ، وقال الدارقطني والبيهقي : هذا إسناد متصل صحيح ، وحديث ابن عمر صحيح ، رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم قال الدارقطني : تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة .

Sección V06/P277–V06/P279

وقوله : حسين بن حريث هكذا وقع في المهذب حريث بضم الحاء وهو غلط فاحش وصوابه حسين بن الحارث ، وهذا لا خلاف فيه وهو مشهور في رواية هذا الحديث ، وفي جميع كتب الحديث وكتب الأسماء حسين بن الحارث وقوله : الجدلي ( جديلة قيس ) يعني أنه من بني جديلة قبيلة معروفة من قيس عيلان بالعين المهملة احتراز من جديلة طيء وغيرها ، وقد أوضحت حاله وحال قبيلته في تهذيب الأسماء واللغات وقوله : الحارث بن حاطب هو صحابي مشهور ، وقد أوضحت حاله في التهذيب ، وفي سنن أبي داود وغيره أن عبد الله بن عمر وافقه على رواية هذا الحديث وصدقه فيه . وقوله : ننسك هو بضم السين وكسرها لغتان مشهورتان وهو العبادة ومن قال بالمذهب : إنه يثبت الهلال بعدل واحد ، أجاب عن حديث الحسين بن الحارث بأن النسك ههنا عيد الفطر ، وكذا ترجم له البيهقي وغيره على ثبوت هلال شوال بعدلين . وأما الأحكام : ففي الفصل مسائل : إحداها : في الشهادة رمضان ثلاث طرق أصحها : وأشهرها وبه قطع المصنف والجمهور في المسألة قولان أصحهما : باتفاق الأصحاب يثبت بعدل ، وهو نصه في القديم ، ومعظم كتبه في الجديد ، للأحاديث الصحيحة في ذلك منها : ما ذكره المصنف وغير ذلك والثاني : وهو نصه في البويطي لا يثبت إلا بعدلين . والطريق الثاني : القطع بثبوته بعدل للأحاديث والثالث : حكاه الماوردي والسرخسي إن ثبتت الأحاديث ثبت بعدل وإلا فقولان أحدهما : يشترط عدلان كسائر الشهور والثاني : بعدل للإحتياط ، وهذا الطريق محتمل ، ولكن الأحاديث قد ثبتت ، فالحاصل أن المذهب ثبوته بعدل ، قال أصحابنا : فإن شرطنا عدلين فلا مدخل للنساء والعبيد في هذه الشهادة ، ويشترط لفظ الشهادة ويختص بمجلس القاضي ، ولكنها شهادة حسبة لا ارتباط لها بالدعوى ، وإن اكتفينا بعدل فهل هو بطريق الرواية أم بطريق الشهادة فيه وجهان مشهوران وحكاهما السرخسي قولين . قال الدارمي : القائل شهادة هو أبو علي بن أبي هريرة ، والقائل رواية هو أبو إسحاق المروزي ، واتفقوا على أن أصحهما : أنه شهادة فعلى هذا لا يقبل فيه العبد والمرأة ، ونص عليه في الأم . قال القاضي أبو الطيب في المجرد : وبهذا قال جميع أصحابنا غير أبي إسحاق والثاني : أنه رواية فيقبل من العبد والمرأة ، وفي اشتراط لفظ الشهادة طريقان أحدهما : يشترط قطعا وأصحهما : وبه قال الجمهور فيه وجهان مبنيان على أنه شهادة أم رواية إن قلنا شهادة شرط وإلا فلا . وأما الصبي المميز الموثوق به فلا يقبل قوله إن شرطنا اثنين أو قلنا شهادة . وهذا لا خلاف فيه . وإن قلنا رواية فطريقان ( المذهب ) وبه قطع الجمهور لا يقبل قطعا والثاني : فيه وجهان بناء على الوجهين المشهورين في قبول روايته إن قبلناها قبل هذا ، وإلا فلا ، وبهذا الطريق قطع إمام الحرمين . وأما الكافر والفاسق والمغفل فلا يقبل قولهم فيه بلا خلاف ، ولا خلاف في اشتراط العدالة الظاهرة فيمن نقبله . وأما العدالة الباطنة ، فإن قلنا يشترط عدلان اشترطت ، وإلا فوجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون . قالوا وهما جاريان في رواية المستور الحديث والأصح : قبول رواية المستور . وكذا الأصح قبول قوله هنا والصيام به ، وبهذا قطع صاحب الإبانة والعدة والمتولي . قال أصحابنا : ولا فرق في كل ما ذكرناه بين كون السماء مصحية أو مغيمة . فرع : إذا أخبره من يثق به كزوجته وجاريته وصديقه وغيرهم ممن يثق به ويعتقد صدقه أنه رأى هلال رمضان ولم يذكر ذلك عند القاضي ، فقد قطعت طائفة بأنه يلزمه الصوم بقوله ، ممن صرح بوجوب ذلك على المقول له أبو الفضل بن عبدان والغزالي في الإحياء والبغوي وغيرهم . وقال إمام الحرمين وصاحب الشامل : إن قلنا أنه رواية لزم الصوم بقوله .

Sección V06/P279–V06/P280

المسألة الثانية : هل يثبت هلال رمضان بالشهادة على الشهادة . فيه طريقان مشهوران حكاهما البغوي وآخرون أصحهما : وبه قطع الأكثرون ، وأشار إليه المصنف ثبوته كسائر الأحكام والثاني : فيه قولان كالحدود لأنه من حقوق الله تعالى التي ليست مالية ، والمذهب الأول ، وقاسه البغوي وآخرون على الزكاة وإتلاف حصر المسجد ونحوها ، فإنه يقبل فيه الشهادة على الشهادة بلا خلاف ، بخلاف الحدود فإنها مبنية على الدرء والإسقاط . قال البغوي وآخرون : فعلى هذا عدد الفروع مبني على الأصول ، فإن شرطنا العدد في الأصول فحكم الفروع هنا حكمهم في سائر الشهادات ، فيشترط أن يشهد على شهادة كل واحد شاهدان ، وهل يكفي شهادة رجلين على شهادة شاهدي الأصل جميعا ، فيه القولان المشهوران أصحهما : يكفي ، وعلى هذا لا مدخل لشهادة النساء والعبيد ، وإن اكتفينا بواحد فإن قلنا سبيله سبيل الرواية فوجهان أحدهما : يكفي واحد كرواية الحديث والثاني : يشترط اثنان . قال البغوي : وهو الأصح لأنه ليس بخبر من كل وجه ، بدليل أنه لا يجوز أن يقول أخبرني فلان عن فلان أنه رأى الهلال ، فعلى هذا هل يشترط إخبار حرين ذكرين ، أم يكفي امرأتان أو عبدان ، فيه وجهان أصحهما الأول . وقال الشيخ أبو علي السنجي وإمام الحرمين : الأصح الإكتفاء بواحد عن واحد . إذا قلنا أنه رواية ، وبهذا قطع الدارمي ونقل الشيخ أبو علي الإجماع على أنه لا يقبل قول الفرع : حدثني فلان أن فلانا رأى الهلال ، قال إمام الحرمين : والقياس يقتضي قبوله إذا اكتفينا بواحد في الأصل والفرع ، قال : ولا نسلم دعواه الإجماع من نزاع واحتمال ظاهر . أما إذا قلنا طريقه طريق الشهادة فهل يكفي شهادة واحد على شهادة واحد أم يشترط اثنان فيه وجهان ، وقطع البغوي باشتراط اثنين وهو الأصح ، وأما شهادة الفرع بحضرة الأصل على شهادته فقطع المصنف وغيره بأنها لا تقبل ، ولا يبعد تخريج خلاف فيه على قولنا رواية ، كما في رواية الحديث ، والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا قبلنا في هلال رمضان عدلا وصمنا على قوله ثلاثين يوما فلم نر الهلال بعد الثلاثين فهل نفطر فيه وجهان مشهوران ، أصحهما عند المصنف وجماهير الأصحاب وهو نصه في الأم نفطر والثاني : لانفطر ، لأنه إفطار مبني على قول عدل واحد ، والمذهب يفطرون ، لأنها حجة شرعية ثبت بها هلال رمضان . فثبت الإفطار بعد استكمال العدد منها كالشاهدين ، وأبطل الأصحاب قول الآخر . قالوا : لأن الذي ثبت بالشاهد إنما هو الصوم وحده . وأما الفطر فثبت تبعا كما أن شهادة النساء لا تقبل على النسب استقلالا . ولو شهد أربع نسوة بالولادة ثبتت وثبت النسب تبعا لها بلا خلاف فكذا هنا ، ثم القولان جاريان سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة . هذا هو المذهب وبه صرح المتولي وآخرون ، وهو مقتضى كلام الأكثرين ، ونقله الرافعي عن مفهوم كلام الجمهور . وقال أبو المكارم في العدة : الوجهان إذا كانت مصحية ، فإن كانت مغيمة أفطرنا بلا خلاف لاحتمال وجوده واستتاره بالغيم . وقال المصنف والقاضي أبو الطيب في المجرد وآخرون : إذا صمنا بشهادة عدل ثلاثين وكانت السماء مغيمة ففي الفطر الوجهان ففرضوا المسألة فيما إذا غيمت . وقال البغوي : قيل الوجهان إذا كانت مصحية ، فإن تغيمت وجب الفطر قطعا قال : وقيل هما في الغيم والصحو والمذهب طردهما في الحالين .

Sección V06/P280–V06/P281

أما إذا صمنا بقول عدلين ثلاثين يوما ولم نر الهلال ، فإن كانت السماء مغيمة أفطرنا بلا خلاف ، وإن كانت مصحية فطريقان أحدهما : نفطر قولا واحدا وهو نص الشافعي في الأم وحرملة ، وبه قطع كثيرون وأشهرهما : وبه قطع المصنف وكثيرون فيه وجهان الصحيح : وقول جمهور أصحابنا المتقدمين نفطر لأن أول الشهر ثبت وقد أمرنا بإكمال العدة إذا لم نر الهلال ، وقد أكملناها فوجب الفطر والثاني : لا نفطر ، لأن عدم الرؤية مع الصحو يقين فلا نتركه بقول شاهدين وهو ظن . وهذا قول أبي بكر بن الحداد حكاه عنه المصنف والأصحاب . قال إمام الحرمين : هذا مزيف غير معدود من المذهب ، وإنما يجري على مذهب أبي حنيفة . قال الرافعي : ونقل قول ابن الحداد عن ابن سريج أيضا ، قال : وفرع بعضهم عليه أنه لو شهد اثنان على هلال شوال فأفطرنا ثم لم نر الهلال بعد ثلاثين والسماء مصحية ، قضينا صوم أول يوم أفطرناه ، لأنه بان أنه من آخر رمضان لكن لا كفارة على من جامع فيه لأن الكفارة على من أثم بالجماع ، وهذا لم يأثم لعذره وأما على المذهب وقول الجمهور فلا قضاء . المسألة الرابعة : قال المصنف : إذا غم الهلال وعرف رجل الحساب ومنازل القمر ، وعرف بالحساب أنه من رمضان فوجهان ، قال ابن سريج يلزمه الصوم لأنه عرف الشهر بدليل ، فأشبه من عرفه بالبينة ، وقال غيره لا يصوم لأنا لم نتعبد إلا بالرؤية ، هذا كلام المصنف ووافقه على هذه العبارة جماعة ، وقال الدارمي : لا يصوم بقول منجم ، وقال قوم : يلزم ، قال : فإن صام بقوله فهل يجزئه عن فرضه فيه وجهان . وقال صاحب البيان : إذا عرف بحساب المنازل إن غدا من رمضان أو أخبره عارف بذلك فصدقه فنوى وصام بقوله فوجهان أحدهما : يجزئه ، قاله ابن سريج واختاره القاضي أبو الطيب لأنه سبب حصل له به غلبة ظن فأشبه ما لو أخبره ثقة عن مشاهدة والثاني : لا يجزئه لأن النجوم والحساب لا مدخل لهما في العبادات ، قال : وهل يلزمه الصوم بذلك ، قال ابن الصباغ : أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا . وذكر صاحب المهذب أن الوجهين في الوجوب . هذا كلام صاحب البيان وقطع صاحب العدة بأن الحاسب والمنجم لا يعمل غيرهما بقولهما ، وقال المتولي : لا يعمل غير الحاسب بقوله وهل يلزمه هو الصوم بمعرفة نفسه الحساب فيه وجهان أصحهما لا يلزمه ، وقال الرافعي : لا يجب بما يقتضيه حساب المنجم عليه ولا على غيره الصوم ، قال الروياني : وكذا من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به على أصح الوجهين ، وأما الجواز فقال البغوي : لا يجوز تقليد المنجم في حسابه ، لا في الصوم ولا في الفطر ، وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه فيه وجهان ، وجعل الروياني الوجهين فيما إذا عرف منازل القمر وعلم به وجود الهلال ، وذكر أن الجواز اختيار ابن سريج والقفال والقاضي أبي الطيب ، قال : فلو عرفه بالنجوم لم يجز الصوم به قطعا ، قال الرافعي : ورأيت في بعض المسودات تعدية الخلاف في جواز العمل به إلى غير المنجم ، هذا آخر كلام الرافعي . فحصل في المسألة خمسة أوجه أصحها : لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك لكن يجوز لهما دون غيرهما ولا يجزلهما عن فرضهما . والثاني : يجوز لهما ويجزئهما والثالث : يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجم والرابع : يجوز لهما ويجوز لغيرهما تقليدهما والخامس : يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم ، والله أعلم .

Sección V06/P281–V06/P283

المسألة الخامسة : من رأى هلال رمضان وحده لزمه الصوم ، ومن رأى هلال شوال وحده لزمه الفطر ، وهذا لا خلاف فيه عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته رواه البخاري ومسلم ، بيانه ، قال أصحابنا : ويفطر لرؤية هلال شوال سرا لئلا يتعرض للتهمة في دينه وعقوبة السلطان ، قال أصحابنا : ولو رؤي رجل يوم الثلاثين من رمضان يأكل بلا عذر عزر ، فلو شهد بعد الأكل إنه رأى الهلال البارحة لم تقبل شهادته ، لأنه متهم في إسقاط التعزير عن نفسه بخلاف ما لو شهد أولا فردت شهادته ، ثم أكل لا يعزر لعدم التهمة حال الشهادة . قال أصحابنا : وإذا رأى هلال رمضان وحده ولم يقبل القاضي شهادته فالصوم واجب عليه كما ذكرنا ، فلو صام وجامع في ذلك اليوم لزمته الكفارة بلا خلاف لأنه من رمضان في حقه هذا تفصيل مذهبنا في المسألتين وهذا الذي ذكرناه من لزوم الصوم برؤيته هلال رمضان وحده ، ووجوب الكفارة لو جامع فيه مذهب عامة العلماء ، وقال عطاء و الحسن وابن سيرين وأبو ثور وإسحاق بن راهوية : لا يلزمه وقال أبو حنيفة : يلزمه الصوم ، ولكن إن جامع فيه فلا كفارة ، وما ذكرناه من لزوم الفطر لمن رأى هلال شوال ، قال به أكثر العلماء ، وقال مالك والليث وأحمد : لا يجوز له الأكل فيه . دليلنا في المسألتين الحديث ولأن يقين نفسه أبلغ من الظن الحاصل بالبينة ، والله أعلم . المسألة السادسة : لا يثبت هلال شوال ولا سائر الشهور غير هلال رمضان إلا بشهادة رجلين حرين عدلين ، لحديث الحارث بن حاطب السابق قريبا ، وقياسا على باقي الشهادات التي ليست مالا ، ولا المقصود منها المال ، ويطلع عليها الرجال غالبا ، مع أنه ليس فيه احتياط للعبادة بخلاف هلال رمضان ، هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة إلا أبا ثور ، فحكى أصحابنا عنه أنه يقبل في هلال شوال عدل واحد كهلال رمضان ، وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور وطائفة من أهل الحديث . قال إمام الحرمين : قال صاحب التقريب : لو قلت بما قاله أبو ثور لم أكن مبعدا وقال الدارمي : هلال ذي الحجة هل يثبت بما يثبت به هلال رمضان أم لا يثبت إلا بعدلين فيه وجهان ، وهذا شاذ ضعيف . والله أعلم . فرع : إذا قلنا يثبت هلال رمضان بقول واحد ، فإنما ذلك في الصوم خاصة فأما الطلاق والعتق وغيرهما مما علق على رمضان فلا يقع به بلا خلاف ، وكذا لا يحل الدين المؤجل إليه ولا تنقضي العدة ولا يتم حول الزكاة والجزية والدية المؤجلة وغير ذلك من الآجال بلا خلاف ، بل لا بد في كل ما سوى الصوم من شهادة رجلين عدلين كاملي العدالة ظاهرا وباطنا ، وممن صرح بهذا المتولي والبغوي والرافعي وآخرون . فرع : قال المتولي : لو شهد عدل بإسلام ذمي مات لم تقبل شهادته وحده في إثبات إرث قريبه المسلم منه ، وحرمان قريبه الكافر بلا خلاف ، وهل تقبل في الصلاة عليه فيه وجهان بناء على القولين في صوم رمضان بقول عدل واحد وجزم القاضي حسين في فتاويه بأنه لا يقبل ذكره في آخر كتاب الصيام والردة .

Sección V06/P283–V06/P285

فرع : قال صاحب الشامل والبيان وغيرهما ، وهذا لفظ صاحب البيان قال الشافعي : وإن عقد رجل عنده أن غدا من رمضان في يوم الشك فصام ، ثم بان أنه من رمضان أجزأه قال : قال أصحابنا : أراد الشافعي بذلك إذا أخبره برؤية الهلال من يثق بخبره من رجل أو امرأة أو عبد فصدقه ، وإن لم يقبل الحاكم شهادته ، ونوى الصوم وصام ثم بان أنه من رمضان أجزأه لأنه نوى الصوم بظن وصادفه فأشبه البينة ، قال البندنيجي : وكذا لو أخبره صبي عاقل ، فأما إذا صام اتفاقا من غير مستند فوافق فإنه لا يجزئه بلا خلاف . فرع : لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان ، ولم ير الناس الهلال فرأى إنسان النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له : الليلة أول رمضان لم يصح الصوم بهذا المنام لا لصاحب المنام ولا لغيره ، ذكره القاضي حسين في الفتاوى وآخرون من أصحابنا ، ونقل القاضي عياض الإجماع عليه ، وقد قررته بدلائله في أول شرح صحيح مسلم ، ومختصره أن شرط الراوي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظا حال التحمل ، وهذا مجمع عليه ، ومعلوم إن النوم لا تيقظ فيه ، ولا ضبط ، فترك العمل بهذا المنام لاختلاط ضبط الراوي ، لا للشك في الرؤية ، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من رآني في المنام فقد رآني حقا ، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي والله تعالى أعلم . فرع في مذاهب العلماء في هلال رمضان ذكرنا أن مذهبنا ثبوته بعدلين بلا خلاف ، وفي ثبوته بعدل خلاف الصحيح ثبوته ، وسواء أصحت السماء أو غيمت ، وممن قال : يثبت بشاهد واحد عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وآخرون ، وممن قال : يشترط عدلان عطاء وعمر بن عبد العزيز ومالك و الأوزاعي والليث والماجشون وإسحاق بن راهويه وداود وقال الثوري : يشترط رجلان أو رجل وامرأتان ، كذا حكاه ابن المنذر . وقال أبو حنيفة : إن كانت السماء مغيمة ثبت بشهادة واحد ، ولا يثبت غير رمضان إلا باثنين ، قال : وإن كانت مصحية لم يثبت رمضان بواحد ولا به قال : وفي الحديثين السابقين كفاية ، ثم روى البيهقي بإسناده ما رواه الشافعي في المسند وغيره بإسناد الصحيح إلى فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم : أن رجلا شهد عند علي رضي الله عنه على رؤية هلال رمضان فصام ، وأحسبه قال : وأمر الناس بالصيام ، وقال : أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان . والجواب : عما احتج به أبو حنيفة من وجهين أحدهما : أنه مخالف للأحاديث الصحيحة ، فلا يعرج عليه والثاني : أنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم لحسن نظره أو غير ذلك ، وليس هذا ممتنعا ولهذا لو شهد برؤيته اثنان أو واحد وحكم به حاكم لم ينقض بالإجماع ، ووجب الصوم بالإجماع ، ولو كان مستحيلا لم ينفذ حكمه ووجب نقضه ، والجواب عما احتج به الآخرون أن المراد بقوله : ننسك هلال شوال جمعا بين الأحاديث ، أو محمول على الاستحباب والاحتياط ، ولا بد من أحد هذين التأويلين للجمع بين الأحاديث . وحكى الماوردي عن بعض الشيعة أنهم أسقطوا حكم الأهلة ، واعتمدوا العدد للحديث السابق عن الصحيحين شهرا عيد لا ينقصان وبالحديث المروي صومكم يوم نحركم ودليلنا عليهم الأحاديث المذكورة هنا مع الأحاديث السابقة صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته والأحاديث المشهورة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الشهر تسع وعشرون أي قد يكون تسعا وعشرين ، وفي روايات الشهر هكذا ، وهكذا ، وهكذا ، وأشار بأصابعه العشر ، وحبس الإبهام في الثالثة رواه البخاري ومسلم .

Sección V06/P285–V06/P287

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : لما صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين رواه أبو داود والترمذي ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ما صمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمت معه ثلاثين رواه الدارقطني ، وقال إسناده حسن صحيح وعن أبي هريرة مثله رواه ابن ماجه . والجواب : عن شهرا عيد لا ينقصان أي لا ينقص أجرهما أو لا ينقصان في سنة واحدة معا غالبا ، وقد سبق هذان التأويلان فيه مع غيرهما . والجواب : عن حديث صومكم يوم نحركم أنه ضعيف بل منكر باتفاق الحفاظ وإنما الحديث الصحيح في هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن ورواه أبو داود بإسناد حسن ولفظه الفظر يوم تفطرون وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحى الناس رواه الترمذي وقال : هو حديث حسن صحيح ، والله تعالى أعلم . فرع : قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أنه لا تقبل شهادة النساء في هلال رمضان ، وحكاه ابن المنذر عن الليث والماجشون المالكي ، ولم يحك عن أحد قبولها .

Sección V06/P287–V06/P288

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأن اشتبهت الشهور على أسير لزمه أن يتحرى ويصوم ، كما يلزمه أن يتحرى في وقت الصلاة وفي القبلة ، فإن تحرى وصام فوافق الشهر أو ما بعده أجزأه ، فإن وافق شهرا بالهلال ناقصا وشهر رمضان الذي صامه الناس كان تاما ففيه وجهان أحدهما : يجزئه ، وهو قول الشيخ أبي حامد الأسفرايني رحمه الله تعالى لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين ، ولهذا لو نذر صوم شهر فصام شهرا ناقصا بالأهلة أجزأه والثاني : أنه يجب عليه صوم يوم ، وهو اختيار شيخنا القاضي أبي الطيب ، وهو الصحيح عندي لأنه فاته صوم ثلاثين ، وقد صام تسعة وعشرين يوما فلزمه صوم يوم وإن وافق صومه شهرا قبل رمضان . قال الشافعي : لا يجزئه . ولو قال قائل : يجزئه كان مذهبنا ، قال أبو إسحاق المروزي : لا يجزئه قولا واحدا . وقال سائر أصحابنا : فيه قولان أحدهما : يجزئه لأنه عبادة تفعل في السنة مرة ، فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ ، كالوقوف بعرفة إذا أخطأ الناس ووقفوا قبل يوم عرفة والثاني : لا يجزئه وهو الصحيح لأنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء فلم يعتد له بما فعله ، كما لو تحرى في وقت الصلاة قبل الوقت . + الشرح : قوله : عبادة تفعل في السنة مرة احتراز من الخطأ في الصلاة قبل الوقت والاحتراز في قوله تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء سبق بيانه في استقبال القبلة . وهذا الذي قاسه على الوقوف بعرفة قبل يوم عرفة تفريع على الضعيف من الوجهين وهو أنه يجزئهم ، وبه قطع المصنف ، والأصح أنه لا يجزئهم كما سنوضحه في بابه إن شاء الله تعالى . أما أحكام هذا الفصل : فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى : إذا اشتبه رمضان على أسير أو محبوس في مطمورة أو غيرهما وجب عليه الاجتهاد لما ذكره المصنف ، فإن صام بغير اجتهاد ووافق رمضان لم يجزئه بلا خلاف ، كما قلنا فيمن اشتبهت عليه القبلة فصلى إلى جهة بغير اجتهاد ، ووافق أو اشتبه عليه وقت الصلاة فصلى بلا اجتهاد ووافق فإنه لا يجزئه بلا خلاف ويلزمه الإعادة في الصوم وغيره بلا خلاف ، وإن اجتهد وصام فله أربعة أحوال أحدها : أنه يستمر الإشكال ولا يعلم أنه صادف رمضان أو تقدم أو تأخر ، فهذا يجزئه بلا خلاف ولا إعادة عليه . وعلل الماوردي وغيره بأن الظاهر من الاجتهاد الإصابة . الحال الثاني : أن يوافق صومه رمضان فيجزئه بلا خلاف عندنا . قال الماوردي : وبه قال العلماء كافة إلا الحسن بن صالح فقال : عليه الإعادة لأنه صام شاكا في الشهر ، قال : ودليلنا إجماع السلف قبله . وقياسا على من اجتهد في القبلة ووافقها . وأما الشك فإنما يضر إذا لم يعتضد باجتهاد بدليل القبلة . الحال الثالث : أن يوافق صومه ما بعد رمضان فيجزئه بلا خلاف نص عليه الشافعي رضي الله عنه ، واتفق عليه الأصحاب رحمهم الله تعالى لأنه صام بنية رمضان بعد وجوبه ، ولا يجيء فيه الخلاف في اشتراط نية القضاء المذكور في الصلاة ، وفرق الأصحاب بأن هذا موضع ضرورة ، ولكن هل يكون هذا الصوم قضاء أم أداء فيه وجهان مشهوران عند الخراسانيين وغيرهم ، وحكاهما جماعة منهم قولين أصحهما : قضاء لأنه خارج وقته . وهذا شأن القضاء . والثاني : أداء للضرورة . قال أصحابنا : ويتفرع على الوجهين ما إذا كان ذلك الشهر ناقصا وكان رمضان تاما .

Sección V06/P288–V06/P289

وقد ذكر المصنف فيه الوجهين ، قال أصحابنا : إن قلنا : قضاء لزمه صوم يوم آخر ، وإن قلنا : أداء فلا يلزمه ، كما لو كان رمضان ناقصا والأصح : أنه يلزمه ، وهذا هو مقتضى التفريع على القضاء والأداء ، وصرح بتصحيحه القاضي أبو الطيب والمصنف والأكثرون ، وقطع به الماوردي . ولو كان بالعكس فصام شهرا تاما وكان رمضان ناقصا ، فإن قلنا : قضاء فله أفطار اليوم الأخير وهو الأصح وإلا فلا ، ولو كان الشهر الذي صامه ورمضان تامين أو ناقصين أجزأه بلا خلاف . هذا كله إذا وافق غير شوال وذي الحجة . فإن وافق شوالا حصل منه تسعة وعشرون يوما إن كمل وثمانية وعشرين يوما إن نقص . لأن صوم العيد لا يصح . فإن جعلناه قضاء وكان رمضان ناقصا فلا شيء عليه إن تم شوال . ويقضي يوما إن نقص بدل العيد . وإن كان رمضان تاما قضى يوما إن تم شوال وإلا فيومين ، وإن جعلناه أداء لزمه قضاء يوم على كل تقدير بدل يوم العيد ، وإن وافق ذا الحجة حصل منه ستة وعشرون يوما إن تم وخمسة وعشرون يوما إن نقص ، لأن فيه أربعة أيام لا يصح صومها ، العيد وأيام التشريق ، فإن جعلناه قضاء وكان رمضان ناقصا قضي ثلاثة أيام إن تم ذو الحجة وإلا فأربعة أيام ، وإن كان رمضان تاما قضى أربعة إن تم ذو الحجة وإلا فخمسة . وإن جعلناه أداء قضي أربعة أيام بكل حال . هكذا ذكر الأصحاب وهو تفريع على المذهب أن أيام التشريق لا يصح صومها ، فإن صححناها لغير المتمتع فذو الحجة كشوال كما سبق . الحال الرابع : أن يصادف صومه ما قبل رمضان فينظر أن أدرك رمضان بعد بيان الحال لزمه صومه بلا خلاف لتمكنه منه في وقته . وإن لم يبن الحال إلا بعد مضي رمضان فطريقان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : القطع بوجوب القضاء ، وأصحهما وأشهرهما فيه قولان أصحهما : وجوب القضاء والثاني : لا قضاء ، قال الخراسانيون : هذا الخلاف مبني على أنه إذا صادف ما بعد رمضان هل هو أداء أم قضاء إن قلنا أداء للضرورة أجزأه هنا ولا قضاء لأنه كما جعل أداء بعد وقته للضرورة كذا قبله ، وإن قلنا : قضاء لم يجزئه ، لأن القضاء لا يكون قبل دخول الوقت ، والصحيح أنه قضاء ، فالصحيح وجوب القضاء هنا ، وهذا البناء إنما يصح على طريقة من جعل الخلاف في القضاء والأداء قولين . وأما من حكاه وجهين فلا يصح بناء قولين على وجهين ، ولو صام شهرا ثم بان له الحال في بعض رمضان لزمه صيام ما أدركه من رمضان بلا خلاف ، وفي قضاء الماضي منه طريقان أحدهما : القطع بوجوبه وأصحهما : وأشهرهما أنه على الطريقين فيما إذا بان له بعد مضي جميع رمضان ، والله تعالى أعلم . فرع : إذا صام الأسير ونحوه بالاجتهاد فصادف صومه الليل دون النهار لزمه القضاء بلا خلاف لأنه ليس وقتا للصوم فوجب القضاء كيوم العيد ، وممن نقل الاتفاق عليه البندنيجي . فرع : ذكر المصنف في قياسه أنه لو تحرى في وقت الصلاة فصلى قبل الوقت أنه يلزمه الإعادة يعني قولا واحدا ولا يكون فيه الخلاف الذي في الصوم إذا صادف ما قبل رمضان . وهذا على طريقته وطريقة من وافقه من العراقيين ، وإلا فالصحيح أن الخلاف جاز في الصلاة أيضا ، وقد سبق بيانه في باب مواقيت الصلاة وفي باب الشك في نجاسة الماء .

Sección V06/P289–V06/P290

وذكرنا هناك أن منهم من طرد الخلاف في المجتهد في الأواني إذا تيقن أنه توضأ بالماء النجس وصلى ، هل تلزمه إعادة الصلاة ويقرب منه الخلاف في تيقن الخطأ في القبلة ، وفي الصلاة بنجاسة جاهلا أو ناسيا ، أو نسي الماء في رحله وتيمم أو نسي ترتيب الوضوء ، أو نسي الفاتحة في الصلاة ، أو صلوا صلاة شدة الخوف لسواد رأوه فبان أنه ليس عدوا أو بان بينهم خندق ، أو دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقرة من سهم الفقراء فبان غنيا ، أو أحج عن نفسه لكونه معضوبا فبرأ ، أو غلطوا ووقفوا بعرفات في اليوم الثامن . وفي كل هذه الصور خلاف بعضه كبعض ، وبعضه مرتب على بعض أو أقوى من بعض . والصحيح في الجميع أنه لا يجزئه ، وكل هذه المسائل مقررة في مواضعها مبسوطة ، وقد سبقت مجموعة أيضا في باب طهارة البدن ، والله تعالى أعلم . فرع : قد ذكرنا أن الأسير ونحوه إذا اشتبهت عليه الشهور يتحرى ويصوم بما يظهر بالعلامة أنه رمضان ، فلو تحرى فلم يظهر له شيء قال ابن الصباغ : قال الشيخ أبو حامد : يلزمه أن يصوم على سبيل التخمين . ويلزمه القضاء كالمصلي إذا لم تظهر له القبلة بالاجتهاد فإنه يصلي ويقضي . قال ابن الصباغ : هذا عندي غير صحيح لأن من لم يعلم دخول رمضان بيقين ولا ظن لا يلزمه الصيام ، كمن شك في وقت الصلاة فإنه لا يلزمه أن يصلي . هذا كلام ابن الصباغ . وذكر المتولي في المسألة وجهين : أحدهما : قول الشيخ أبي حامد . والثاني : قال : وهو الصحيح لا يؤمر بالصوم لأنه لم يعلم دخول الوقت ولا ظنه فلم يؤمر به . كمن شك في دخول وقت الصلاة بخلاف القبلة ، فإنه تحقق دخول وقت الصلاة ، وإنما عجز عن شرطها فأمر بالصلاة بحسب الإمكان لحرمة الوقت . وهذا الذي قاله ابن الصباغ والمتولي هو الصواب ، وهو متعين ، ولعل الشيخ أبا حامد أراد إذا علم أو ظن أن رمضان قد جاء أو مضى ولم يعلم ولا ظن عينه ، لكنه لو كان هذا لكان يصوم ولا يقضي لأنه يقع صومه في رمضان أو بعده ، والله أعلم . فرع : لو شرع في الصوم بالاجتهاد فأفطر بالجماع في بعض الأيام ، فإن تحقق أنه صادف رمضان لزمته الكفارة ، لأنه وطىء في نهار رمضان الثابت بنوع دلالة ، فأشبه من وطىء بعد حكم القاضي بالشهر بقول عدل واحد ، وإن صادف شهرا غيره فلا كفارة ، لأن الكفارة لحرمة رمضان ولم يصادف رمضان وممن ذكر المسألة المتولي . فرع في مذاهب العلماء في صيام الأسير بالاجتهاد ذكرنا أن مذهبنا أنه إن ما بعده أجزأه ، وإن صادف ما قبله لم يجزئه على الصحيح ، وبهذا كله قال مالك وأبو حنيفة و أبو ثور وخالف الحسن بن صالح فقال : لا يجزئه ، وإن صادف رمضان ، وعليه القضاء ، وسبق الاستدلال عليه ، ولو كان صام رمضان بنية التطوع لم يجزئه عن فرضه عندنا وعند الجمهور ، وقال أبو حنيفة : يجزئه . فرع : إذا لم يعرف الأسير ونحوه الليل ولا النهار ، بل استمرت عليه الظلمة دائما فهذه مسألة مهمة قل من ذكرها ، وقد حكى الإمام أبو بكر المروزي من أصحابنا فيه ثلاثة أوجه للأصحاب . أحدها : يصوم ويقضي لأنه عذر نادر والثاني : لا يصوم لأن الجزم بالنية لا يتحقق مع جهالة الوقت والثالث : يتحرى وصوم ولا يقضي كيوم الغيم في الصلاة قلت : الأصح أنه يلزمه التحري والصوم ولا قضاء عليه ، هذا إذا لم يظهر له فيما بعد الخطأ ، فإن تبين أنه صادف الليل لزمه القضاء بلا خلاف ، والله تعالى أعلم .

Sección V06/P290–V06/P292

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام إلا بالنية ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى ولأنه عبادة مخصة فلم يصح من غير نية كالصلاة ، وتجب النية لكل يوم ، لأن صوم كل يوم عبادة منفردة يدخل وقتها بطلوع الفجر ، ويخرج وقتها بغروب الشمس لا يفسد بفساد ما قبله ، ولا بفساد ما بعده ، فلم يكفه نية واحدة كالصلوات ، ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصوم الواجب ( إلا ) بنية من النهار ، لما روت حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له وهل تجوز نيته مع طلوع الفجر فيه وجهان ( من ) أصحابنا من قال : يجوز لأنه عبادة فجازت بنية تقارن ابتداءها كسائر العبادات ، وقال أكثر أصحابنا : لا يجوز إلا بنية من الليل ، لحديث حفصة رضي الله عنها ، ولأن أول وقت الصوم يخفى ، فوجب تقديم النية عليه بخلاف سائر العبادات ، فإذا قلنا بهذا فهل تجوز النية في جميع الليل فيه وجهان ( من ) أصحابنا من قال : لا تجوز إلا في النصف الثاني ، قياسا على أذان الصبح . والدفع من المزدلفة . وقال أكثر أصحابنا : يجوز في جميع الليل لحديث حفصة ، ولأنا لو أوجبنا النية في النصف الثاني ضاق على الناس ذلك وشق ، وإن نوى بالليل ثم أكل أو جامع لم تبطل نيته . وحكي عن أبي إسحاق أنه قال : تبطل لأن الأكل ينافي الصوم فأبطل النية ، والمذهب الأول ، وقيل : إن أبا إسحاق رجع عن ذلك ، والدليل أن الله تعالى أجل الأكل إلى طلوع الفجر ، فلو كان الأكل يبطل النية لما جاز أن يأكل إلى الفجر لأنه يبطل النية . + الشرح : حديث إنما الأعمال بالنيات رواه البخاري ومسلم من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وسبق بيانه واضحا في باب نية الوضوء ، وحديث حفصة رضي الله عنها رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد كثيرة الاختلاف ، وروى مرفوعا كما ذكره المصنف ، وموقوفا من رواية الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن أخته حفصة وإسناده صحيح في كثير من الطرق ، فيعتمد عليه ، ولا يضر كون بعض طرقه ضعيفا أو موقوفا ، فإن الثقة الواصل له مرفوعا معه زيادة علم ، فيجب قبولها كما سبق تقريره مرات ، وأكثر الحفاظ رواية لطرقه المختلفة النسائي ثم البيهقي . وذكره النسائي في طرق كثيرة موقوفا على حفصة ، وفي بعضها موقوفا على عبد الله بن عمر ، وفي بعضها عن عائشة وحفصة موقوفا عليهما ، وقال الترمذي : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح . وقال البيهقي : هذا حديث قد اختلف على الزهري في إسناده وفي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : وعبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه ، وهو من الثقات الأثبات . وقال الدارقطني : رفعه عبد الله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء . ورواه البيهقي من رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له قال البيهقي : قال الدارقطني : إسناده كلهم ثقات قلت والحديث حسن يحتج به اعتمادا على رواية الثقات الرافعين ، والزيادة من الثقة مقبولة ، والله تعالى أعلم . وفي بعض الروايات يبيت الصيام من الليل وفي بعضها يجمع ، ويجمع بالتخفيف والتشديد ، وكله بمعنى ، والله تعالى أعلم وأما قول المصنف : ولأنه عبادة محضة فاحتراز من العدة والكتابة وقضاء الدين ونحوها .

Sección V06/P292–V06/P294

أما أحكام الفصل : ففيه مسائل : والأصحاب رحمهم الله تعالى : لا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب والمندوب إلا بالنية ، وهذا لا خلاف فيه عندنا ، فلا يصح صوم في حال من الأحوال إلا بنية لما ذكره المصنف ، ومحل النية القلب ولا يشترط نطق اللسان بلا خلاف ، ولا يكفي عن نية القلب بلا خلاف ولكن يستحب التلفظ مع القلب كما سبق في الوضوء والصلاة . الثانية : تجب النية كل يوم سواء رمضان وغيره ، وهذا لا خلاف فيه عندنا ، فلو نوى في أول ليلة من رمضان صوم الشهر كله لم تصح هذه النية لغير اليوم الأول لما ذكره المصنف ، وهل تصح لليوم الأول فيه خلاف ، والمذهب صحتها له ، وبه قطع أبو الفضل بن عبدان وغيره ، وتردد فيه الشيخ أبو محمد الجويني من حيث إن النية قد فسد بعضها . الثالثة : تبييت النية شرط في صوم رمضان وغيره من الصوم الواجب ، فلا يصح صوم رمضان ، ولا القضاء ، ولا الكفارة ، ولا صوم فدية الحج وغيرها من الصوم الواجب بنية من النهار بلا خلاف ، وفي صوم النذر طريقان ( المذهب ) وبه قطع الجمهور وهو المنصوص في المختصر : لا يصح بنية من النهار والثاني : فيه وجهان بناء على أنه يسلك به في الصفات مسلك واجب الشرع أم جائزه ومندوبه ( إن قلنا ) كواجب ، لم يصح بنية النهار ، وإلا فيصح كالنفل وممن حكى هذا الطريق المتولي هنا والغزالي وجماعات من الخراسانيين في كتاب النذور ، والمذهب يفرق بين هذه المسألة وباقي مسائل الخلاف في النذر ، هل يسلك به مسلك الواجب أم المندوب بأن الحديث هنا عام في اشتراط تبييت النية للصوم خص منه النفل بدليل ، وبقي النذر على العموم ، والله أعلم . قال أصحابنا : فلو نوى قبيل غروب الشمس بلحظة ، أو عقب طلوع الفجر بلحظة ، لم يصح بلا خلاف ، ولو نوى مع الفجر فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : عند المصنف وسائر المصنفين أنه لا يجوز ، وهو قول أكثر أصحابنا المتقدمين كما ذكره المصنف ، وقطع به الماوردي والمحاملي في كتبه وآخرون ، والمعتمد في دليله ما ذكره المصنف . وأما : ما ذكره صاحب الشامل حيث ذكر هذا ثم قال : ولأن من أصحابنا من أوجب إمساك جزء من الليل ليكمل له الصوم جميع النهار ، فوجب تقديم النية ليستوعبه فغلط ، لأن الصوم لا يجب فيه إمساك جزء من الليل لقوله تعالى : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر البقرة : 781 وإنما يجب إمساك جزء من الليل بعد غروب الشمس ليتحقق كمال النهار ، والله أعلم . فرع : لو نوى بعد الفجر وقبل الزوال في غير رمضان صوم قضاء أو نذر لم ينعقد لما نواه ، وفي إنعقاده نفلا وجهان ، حكاهما المتولي قال : وهما مبنيان على القولين فيمن صلى الظهر قبل الزوال . فرع : لا يصح صوم الصبي المميز في رمضان إلا بنية من الليل ولهذا قلنا في المسألة الثالثة : تبييت النية شرط في صوم رمضان وغيره من الواجب . وكذا قال المصنف : لا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بنية من الليل ، وتقديره : لا يصح صوم رمضان من أحد إلا بنية من الليل ، ولا يصح الواجب إلا بنية من الليل . الرابعة : تصح النية في جميع الليل ، ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر قال المتولي وغيره : فلو نوى الصوم في صلاة المغرب صحت نيته . هذا هو المذهب وبه قطع جمهور أصحابنا المتقدمين وجماعات من المصنفين ، وفيه وجه أنه لا تصح النية إلا في النصف الثاني من الليل . حكاه المصنف والأصحاب ولم يبين الجمهور قائله .

Sección V06/P294–V06/P295

وبينه السرخسي في الأمالي فقال : هو أبو الطيب بن سلمة ، واتفق أصحابنا على تغليطه فيه . وأما قول المصنف : فإذا قلنا بهذا فهل تجوز النية في جميع الليل فيه وجهان . فعبارة مشكلة لأنها توهم اختصاص الخلاف بما إذا قلنا : لا تجوز النية مع الفجر . ولم يقل هذا أحد من أصحابنا ، بل الخلاف المذكور في اشتراط النية في النصف الثاني جار سواء جوزنا النية مع الفجر أم لا ، لأن من جوزها مع الفجر لا يمنع صحتها قبله ، وهذا لا خلاف فيه فلا بد من تأويل كلام المصنف . والله تعالى أعلم . وأما قياس ابن سلمة على أذان الصبح والدفع من المزدلفة فقياس عجيب وأي علة تجمعهما ، ولو جمعتهما علة فالفرق ظاهر لأن اختصاص الأذان والدفع بالنصف الثاني لا جرح فيه بخلاف النية ، فقد يستغرق كثير من الناس النصف الثاني بالنوم فيؤدي إلى تفويت الصوم ، وهذا حرج شديد لا أصل له ، والله أعلم . الخامسة : إذا نوى بالليل الصوم ثم أكل أو شرب أو جامع أو أتى بغير ذلك من منافيات الصوم لم تبطل نيته . وهكذا لو نوى ونام ثم انتبه قبل الفجر ، لم تبطل نيته ولا يلزمه تجديدها . هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي . وقطع به جمهور الأصحاب ، إلا ما حكاه المصنف وكثيرون ، بل الأكثرون عن أبي إسحاق المروزي إنه قال تبطل نيته بالأكل والجماع وغيرهما من المنافيات ، ويجب تجديدها ، فإن لم يجددها في الليل لم يصح صومه ، قال : وكذا لو نوى ونام ثم انتبه قبل الفجر لزمه تجديدها ، فإن لم يجددها لم يصح صومه ، ولو استمر نومه إلى الفجر لم يضره وصح صومه . وهذا المحكى عن أبي إسحاق غلط باتفاق الأصحاب لما ذكره المصنف . قال المصنف وآخرون : وقيل إن أبا إسحاق رجع عنه وقال ابن الصباغ وآخرون : هذا النقل لا يصح عن أبي إسحاق وقال إمام الحرمين : رجع أبو إسحاق عن هذا عام حج وأشهد على نفسه وقال القاضي أبو الطيب في المجرد : هذا الذي قاله أبو إسحاق غلط قال : وحكي أن أبا سعيد الاصطخري لما بلغه قول أبي إسحاق هذا قال : هذا خلاف إجماع المسلمين قال : ويستتاب أبو إسحاق هذا . وقال الدارمي حكى ابن القطان عن أبي بكر المزني أنه حكى للاصطخري قول أبي إسحاق هذا ، فقال : خرق الإجماع ، حكاه المزني لأبي إسحاق بحضرة ابن القطان فلم يتكلم أبو إسحاق . قال : فلعله رجع . فحصل أن الصواب أن النية لا تبطل بشيء من هذا . قال إمام الحرمين : وفي كلام العراقيين تردد في أن الغفلة هل تنزل منزلة النوم يعني أنه إذا تذكر بعدها يجب تجديد النية على الوجه المنسوب إلى أبي إسحاق . قال : والمذهب إطراح كل هذا ، والله أعلم .

Sección V06/P295–V06/P296

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما صوم التطوع فإنه يجوز بنية قبل الزوال ، وقال المزني : لا يجوز إلا بنية من الليل كالفرض ، والدليل على جوازه ما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أصبح اليوم عندكم شيء تطعمون فقالت : لا ، فقال : إني اذا صائم ويخالف الفرض لأن النفل أخف من الفرض ، والدليل عليه أنه يجوز ترك الصيام واستقبال القبلة في النفل مع القدرة ، ولا يجوز في الفرض ، وهل يجوز بنية بعد الزوال فيه قولان : روى حرملة أنه يجوز لأنه جزء من النهار ، فجازت نية النفل فيه ، كالنصف الأول وقال في القديم والجديد : لا يجوز لأن النية لم تصحب معظم العبادة فأشبه إذا نوى مع غروب الشمس ، ويخالف النصف الأول . فإن النية هناك صحبت معظم العبادة ، ومعظم الشيء يجوز أن يقوم مقام كل الشيء ، ولهذا لو أدرك معظم الركعة مع الإمام جعل مدركا للركعة ، ولو أدرك دون المعظم لم يجعل مدركا لها ، فإن صام التطوع بنية من النهار فهل يكون صائما من أول النهار أم من وقت النية فيه وجهان . قال أبو إسحاق : يكون صائما من وقت النية ، لأن ما قبل النية لم يوجد فيه قصد القربة ، فلم يجعل صائما فيه ، أو قال أكثر أصحابنا : إنه صائم من أول النهار لأنه لو كان صائما من وقت النية لم يضرة الأكل قبلها . + الشرح : حديث عائشة رضي الله عنها صحيح رواه مسلم ولفظه قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم : يا عائشة هل عندكم شيء فقلت : يا رسول الله ما عندنا شيء قال : فإني صائم هذا لفظ مسلم ، وفي رواية النسائي قال صلى الله عليه وسلم : إذا أصوم وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أصوم معناه ابتدىء نية الصيام ، هذا مقتضاه ، وسأذكر باقي الأحاديث الواردة بمعناه في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : يصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال ، وشذ عن الأصحاب المزني وأبو يحيى البلخي فقالا : لا يصح إلا بنية من الليل ، وهذا شاذ ضعيف ، ودليل المذهب والوجه في الكتاب ، وهل تصح بنية بعد الزوال فيه قولان أصحهما : بإنفاق الأصحاب ، وهو نصه في معظم كتبه الجديدة ، وفي القديم : لا يصح ، ونص في كتابين من الجديد على صحته ، نص عليه في حرمله ، وفي كتاب اختلاف علي وابن مسعود رضي الله عنهما وهو من جملة كتب الأم . قال أصحابنا : وعلى هذا يصح في جميع ساعات النهار ، وفي آخر ساعة ، لكن يشترط أن لا يتصل غروب الشمس بالنية ، بل يبقى بينهما زمن ولو أدنى لحظة ، صرح به البندنيجي وغيره ، ثم إذا نوى قبل الزوال أو بعده وصححناه ، فهل هو صائم من وقت النية فقط ، ولا يحسب له ثواب ما قبله أم من طلوع الفجر ويثاب من طلوع الفجر ، فيه وجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما أصحهما : عند الأصحاب من طلوع الفجر ، ونقله المصنف والجمهور عن أكثر أصحابنا المتقدمين . قال الماوردي والمحاملي في كتابيه المجموع والتجريد والمتولي : الوجه القائل : يثاب من حين النية ، هو قول أبي إسحاق المروزي ، واتفقوا على تضعيفه . قال الماوردي والقاضي أبو الطيب في المجرد : هو غلط لأن الصوم لا يتبعض . قالوا وقوله لأنه لم يقصد العبادة قبل النية لا أثر له ، فقد يدرك بعض العبادة ويثاب كالمسبوق يدرك الإمام راكعا فيحصل له ثواب جميع الركعة باتفاق الأصحاب وبهذا ردوا على أبي إسحاق ، والله أعلم .