Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Sección V01/P475–V01/P478

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يغسل رجليه وهو فرض لما روى جابر رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأنا أن نغسل أرجلنا . + الشرح : هذا الحديث رواه الدارقطني بإسناد ضعيف ، ويغني عنه ما سنذكره من الأحاديث وغيرها إن شاء الله تعالى ، وراوي هذا الحديث هو جابر بن عبد الله الأنصاري السلمي بفتح السين واللام المدني أبو عبد الله وقيل : أبو عبد الرحمن ، وقيل : أبو محمد شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة ، توفي بالمدينة سنة ثلاث وسبعين وقيل : ثمان وسبعين وقيل : ثمان وستين ، والصحيح الأول ، وتوفي وله أربع وتسعون سنة رضي الله عنه . وأما حكم المسألة : فقد أجمع المسلمون على وجوب غسل الرجلين ولم يخالف في ذلك من يعتد به ، كذا ذكره الشيخ أبو حامد وغيره ، وقالت الشيعة الواجب مسحهما ، وحكى أصحابنا عن محمد بن جرير أنه مخير بين غسلهما ومسحهما ، وحكاه الخطابي عن الجبائي المعتزلي وأوجب بعض أهل الظاهر الغسل والمسح جميعا واحتج القائلون بالمسح بقوله تعالى : وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم بالجر على إحدى القراءتين في السبع ، فعطف الممسوح على الممسوح ، وجعل الأعضاء أربعة ، قسمين مغسولين ثم ممسوحين ، وعن أنس أنه بلغه أن الحجاج خطب فقال : أمر الله تعالى بغسل الوجه واليدين وغسل الرجلين ، فقال أنس : صدق الله وكذب الحجاج : وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم قرأها جرا ، وعن ابن عباس إنما هما غسلتان ومسحتان ، وعنه أمر الله بالمسح ويأبى الناس إلا الغسل وعن رفاعة في حديث المسيىء صلاته قال له النبي صلى الله عليه وسلم : إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى ، فيغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ورجليه وعن علي رضي الله عنه أنه توضأ فأخذ حفنة من ماء فرش على رجله اليمنى وفيها نعله ثم صنع باليسرى كذلك ، ولأنه عضو يسقط في التيمم فكان فرضه المسح كالرأس . واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم أنه غسل رجليه منها حديث عثمان وحديث علي وحديث ابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن زيد والربيع بنت معوذ وعمرو بن عبسة وغيرها من الأحاديث المشهورة في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأى جماعة توضئوا وبقيت أعقابهم تلوح لم يمسها الماء فقال : ويل للأعقاب من النار رواه البخاري ومسلم من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ، ورويا نحوه من رواية أبي هريرة . وفي هذا تصريح بأن استيعاب الرجلين بالغسل واجب ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدميه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ارجع فأحسن وضوءك رواه مسلم ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا وذكر الحديث إلى أن قال : ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال : هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف قريبا ، وهذا من أحسن الأدلة في المسألة .

Sección V01/P478–V01/P480

وعن عمرو بن عبسة في حديثه الطويل المشهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما منكم من أحد يقرب وضوءه فيمضمض إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه مع الماء ، إلى أن قال : ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء رواه مسلم بهذا اللفظ وفي رواية قال عمرو بن عبسة سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من سبع مرار ، قال البيهقي . روينا في الحديث الصحيح عن عمرو بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله تعالى قال البيهقي وفي هذا دلالة أن الله تعالى أمر بغسلهما . وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة وذكر الحديث إلى أن قال : فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب رواه مسلم . وعن لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وخلل بين الأصابع وهو حديث صحيح سبق بيانه في فصل المضمضة وسنعيده في تخليل الأصابع قريبا إن شاء الله تعالى ، وفيه دلالة للغسل ، والأحاديث في المسألة كثيرة جدا وفيما ذكرناه كفاية قال أصحابنا : ولأنهما عضوان محدودان فكان واجبهما الغسل كاليدين . وأما الجواب عن احتجاجهم بقوله تعالى : وأرجلكم فقد قرئت بالنصب والجر فالنصب صريح في الغسل ، وتكون معطوفة على الوجه واليدين ، وأما الجر فأجاب أصحابنا وغيرهم عنه بأجوبة أشهرها أن الجر على مجاورة الرؤوس مع أن الأرجل منصوبة وهذا مشهور في لغة العرب ، وفيه أشعار كثيرة مشهورة وفيه من مأثور كلامهم كثير ، من ذلك قولهم : ( هذا جحر ضب خرب ) بجر خرب على جوار ضب وهو مرفوع صفة لجحر ، ومنه في القرآن : إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم هود : 62 فجر أليما على جوار يوم وهو منصوب صفة لعذاب فإن قيل : إنما يصح الاتباع إذا لم يكن هناك واو ، فإن كانت لم يصح والآية فيها واو قلنا : هذا غلط فإن الاتباع مع الواو مشهور في أشعارهم ، من ذلك ما أنشدوه . لم يبق إلا أسير غير منفلت وموثق في عقال الأسر مكبول فخفض موثقا مجاورته منفلت وهو مرفوع معطوف على أسير . فإن قالوا : الاتباع إنما يكون فيما لا لبس فيه ، وهذا فيه لبس قلنا : لا لبس هنا لأنه حدد بالكعبين والمسح لا يكون إلى الكعبين بالاتفاق . والجواب الثاني : أن قراءتي الجر والنصب يتعادلان ، والسنة بينت ورجحت الغسل فتعين . الثالث : ذكره جماعات من أصحابنا منهم الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي والقاضي أبو الطيب وآخرون ، ونقله أبو حامد في باب المسح على الخف عن الأصحاب أن الجر محمول على مسح الخف ، والنصب على الغسل إذا لم يكن خف . الرابع : أنه لو ثبت أن المراد بالآية المسح لحمل المسح على الغسل جمعا بين الأدلة والقراءتين لأن المسح يطلق على الغسل كذا نقله جماعات من أئمة اللغة ، منهم أبو زيد الأنصاري وابن قتيبة وآخرون ، وقال أبو علي الفارسي : العرب تسمي خفيف الغسل مسحا ، وروى البيهقي بإسناده عن الأعمش قال : كانوا يقرءونها وكانوا يغسلون .

Sección V01/P480–V01/P481

وأما الجواب عن احتجاجهم بكلام أنس فمن أوجه أشهرها عند أصحابنا : أن أنسا أنكر على الحجاج كون الآية تدل على تعيين الغسل ، وكان يعتقد أن الغسل إنما علم وجوبه من بيان السنة فهو موافق للحجاج في الغسل مخالف له في الدليل والثاني : ذكره البيهقي وغيره أنه لم ينكر الغسل إنما أنكر القراءة فكأنه لم يكن ( يرى ) قراءة النصب وهذا غير ممتنع ويؤيد هذا التأويل أن أنسا نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ما دل على الغسل وكان أنس يغسل رجليه الثالث : لو تعذر تأويل كلام أنس كان ما قدمناه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وفعل الصحابة وقولهم مقدما عليه . وأما قول ابن عباس فجوابه من وجهين ، أحسنهما : أنه ليس بصحيح ولا معروف عنه وإن كان قد رواه ابن جرير بإسناده في كتابه ( اختلاف العلماء ) إلا أن إسناده ضعيف ، بل الصحيح الثابت عنه أنه كان يقرأ : وأرجلكم بالنصب ويقول : عطف على المغسول ، هكذا رواه عنه الأئمة الحفاظ الأعلام منهم أبو عبيد القاسم بن سلام وجماعات القراء والبيهقي وغيره بأسانيدهم ، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه توضأ فغسل رجليه وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ . والجواب الثاني نحو الجواب السابق في كلام أنس . وأما حديث رفاعة فهو على لفظ الآية فيقال فيه ما قيل في الآية . وأما حديث علي فجوابه من أوجه أحسنها أنه ضعيف ضعفه البخاري وغيره من الحفاظ فلا يحتج به لو لم يخالفه غيره ، فكيف وهو مخالف للسنن المتظاهرة والدلائل الظاهرة الثاني : لو ثبت لكان الغسل مقدما عليه لأنه ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالث : جواب البيهقي والأصحاب أنه محمول على أنه غسل الرجلين في النعلين فقد ثبت عن علي من أوجه كثيرة غسل الرجلين فوجب حمل الرواية المحتملة على الروايات الصحيحة الصريحة . وأما قياسهم على الرأس فمنتقض برجل الجنب فإنه يسقط فرضها في التيمم ولا يجزىء مسحها بالاتفاق والله أعلم .

Sección V01/P481–V01/P483

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب إدخال الكعبين في الغسل لقوله تعالى : وأرجلكم إلى الكعبين قال أهل التفسير : مع الكعبين ، والكعبان هما العظمان النائتان عند مفصل الساق والقدم ، والدليل عليه ما روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه وقال : أقيموا صفوفكم ، فلقد رأيت الرجل منا يلصق كعب بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه فدل على أن الكعب ما قلناه . + الشرح : حديث النعمان حديث حسن رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما بأسانيد جيده ، وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة جزم فقال في أبواب تسوية الصفوف . وقال النعمان بن بشير : ( رأيت الرجل منا يلصق كعبه بكعب صاحبه ) وقد قدمنا أن تعليقات البخاري إذا كانت بصيغة جزم كانت صحيحة وقوله وروى النعمان : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا هو من باب تلوين الخطاب ، وفيه حذف تقديره : قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا ، ولو أتى المصنف بلفظة ( قال ) كما هي في روايات الحديث لكان أحسن وقوله صلى الله عليه وسلم : أقيموا صفوفكم معناه أتموها واعتدلوا واستووا فيها : وقوله : يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه اخبار عن شدة مبالغتهم في إقامة الصفوف وتسويتها . والمنكب بفتح الميم وكسر الكاف سبق بيانه في فصل غسل اليدين . وقول المصنف : ( العظمان الناتئان ) هو بالنون في أوله وبعد الألف تاء مثناة فوق ثم همزة ومعناه الناشزان المرتفعان . وقوله : ( مفصل الساق ) هو بفتح الميم وكسر الصاد ، والساق مؤنثة غير مهموزة وفيها لغة قليلة بالهمزة ، وقد قرىء بها في السبع في قوله تعالى : وكشفت عن ساقيها النحل : 44 وغيره . وأما النعمان بن بشير راوي الحديث فكنيته أبو عبد الله وهو أنصاري خزرجي ، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو وأبوه بشير صحابيان ، وأم النعمان عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة صحابية وولد النعمان سنة اثنتين من الهجرة وقتل بقرية من قرى حمص سنة أربع وستين وقيل : سنة ستين رضي الله عنه . أما أحكام الفصل ففيه مسألتان : إحداهما : أنه يجب إدخال الكعبين في الغسل وهذا لا خلاف فيه عندنا وبه قال الجمهور وخالف فيه زفر وابن داود ، وقد سبق بيان ذلك ودليله في غسل اليدين ، وقول المصنف قال أهل التفسير أي كثيرون منهم فإنهم مختلفون كما سبق . المسألة الثانية : أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم ، وهذا مذهبنا وبه قال المفسرون وأهل الحديث وأهل اللغة والفقهاء ، وقال الشيعة : هنا النائتان في ظهر القدمين فعندهم أن في كل رجل كعبا واحدا ، وحكاه الخطابي في كتابه الزيادات في شرح ألفاظ مختصر المزني عن أبي هريرة وأهل الكوفة ، وحكاه أصحابنا عن محمد بن الحسن . قال المحاملي : ولا يصح عنه ، وحكاه الرافعي وجها لنا وليس بشيء ، وليس لهؤلاء المخالفين حجة تذكر . ودليلنا عليهم الكتاب والسنة واللغة والاشتقاق . أما الكتاب فقوله تعالى : وأرجلكم إلى الكعبين قال أصحابنا : هذا يقتضي أن يكون في كل رجل كعبان ولا يجيء هذا إلا على ما قلناه ، ولو كان كما قالوه لقال إلى الكعاب كما قال إلى المرافق . وأما السنة فعن عثمان رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثم اليسرى كذلك رواه مسلم . وحديث النعمان المذكور في الكتاب وهو صحيح كما سبق وموضع الدلالة قوله : يلصق كعبه بكعب صاحبه وهذا لا يكون إلا في الكعب الذي قلنا ، ونظائر هذا في الأحاديث كثيرة .

Sección V01/P483

وأما الاشتقاق فهو أن الكعب مشتق من التكعب وهو النتو مع الاستدارة ومنه سميت الكعبة ومنه كعب ثدي المرأة وهذه صفة الكعب الذي قلناه لا الذي قالوه ، وقال الخطابي : وقالت العرب : كعب أدرم وهو المندمج الممتلىء ولا يوصف ظهر القدم بالدرم . وأما نقل اللغة فقال الماوردي المحكي عن قريش ونزار كلها : مضر وربيعة لا يختلف لسان جميعهم أن الكعب اسم للناتىء بين الساق والقدم ، قال : وهم أولى بأن يعتبر لسانهم في الأحكام من أهل اليمن لأن القرآن نزل بلغة قريش . وقال صاحب كتاب العين : الكعب ما أشرف فوق الرسغ ونقله أبو عبيد عن الأصمعي وهو قول أبي زيد النحوي الأنصاري والمفضل ابن سلمة وابن الأعرابي وهؤلاء أعلام أهل اللغة ، قال الواحدي : ولا يعرج على قول من قال : الكعب في ظهر القدم لأنه خارج عن اللغة والأخبار وإجماع الناس فهذه أقوال أئمة اللغة المصرحة بما قلنا ، قال الروياني : فإن قيل للبهائم في كل رجل كعب فينبغي أن يقال كذا في الآدمي ، قلنا : خلقة الآدمي تخالف البهائم لأن كعب البهيمة فوق ساقها وكعب الآدمي في أسفله فلا يلزم اتفاقهما والله أعلم .

Sección V01/P483–V01/P486

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يبدأ باليمنى قبل اليسرى لما ذكرناه في اليد ، فإن كانت أصابعه منفرجة فالمستحب أن يخلل بينها لقوله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة : وخلل بين الأصابع وإن كانت ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل وجب التخليل لقوله صلى الله عليه وسلم : خللوا بين أصابعكم لا يخلل الله بينها بالنار . + الشرح : حديث لقيط صحيح سبق بيانه في المضمضة ، والحديث الآخر رواه الدارقطني من رواية عائشة رضي الله عنها بإسناد ضعيف ، وفي التخليل أحاديث منها حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه : توضأ فخلل بين أصابع قدميه ثلاثا قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت رواه الدارقطني ولابيهقي بإسناد جيد ، وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء واجعل الماء بين أصابع يديك ورجليك رواه أحمد بن حنبل والترمذي وقال : حديث حسن غريب . وهذا كلام الترمذي . وهذا الحديث من رواية صالح مولى التوأمة وقد ضعفه مالك فلعله اعتضد فصار حسنا كما قاله الترمذي . وعن المستورد بن شداد قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره رواه أحمد بن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وهو حديث ضعيف فإنه من رواية عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف عند أهل الحديث . أما الأحكام : فهنا مسألتان إحداهما : يستحب في غسل الرجلين تقديم اليمنى بل يكره تقديم اليسرى وقد سبق بيان هذا ودليله في فصل اليدين : وقول المصنف يبدأ باليمنى قبل اليسرى هو من باب التأكيد ولا حاجة إلى قوله قبل اليسرى وقد سبق هذا في فصل غسل اليدين . المسألة الثانية : في التخليل قال أصحابنا إن كانت أصابع رجليه منفرجة استحب التخليل ولا يجب وحديث لقيط محمول على الاستحباب أو على ما إذا لم يصل الماء إلى ما بينها إلا بالتخليل ، وإن كانت ملتفة وجب إيصال الماء إلى ما بينها ، ولا يتعين في إيصاله التخليل بل بأي طريق أوصله حصل الواجب ، ويستحب مع إيصاله التخليل ، فالتخليل مستحب مطلقا وإيصال الماء واجب وقول المصنف وشيخه القاضي أبي الطيب والقاضي حسين والماوردي والبغوي والمتولي وغيرهم إن كانت ملتفة وجب التخليل ، أرادوا به إيصال الماء لأنهم فرضوا المسألة فيما إذا لم يصل الماء إلا بالتخليل . وأما كيفية التخليل فقال الخراسانيون : يخلل بخنصر يده اليسرى ويكون من أسفل القدم مبتدئا بخنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر اليسرى ، ممن ذكره هكذا القاضي حسين والغزالي والبغوي والمتولي وصاحب العدة وغيرهم ، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : يستحب أن يخلل بخنصر يده اليمنى من تحت الرجل . وقال إمام الحرمين : لست أرى لتعيين اليد اليمنى أو اليسرى في ذلك أصلا إلا النهي عن الاستنجاء باليمين وليس تخليل الأصابع مشابها له فلا حجلا عى المتوضىء في استعمال اليمين أو اليسار ، فإن الأمر كذلك في غسل الرجلين وخلل الأصابع جزء منها ، ولم يثبت عندي في تعيين إحدى اليدين شيء . وذكر الغزالي في البسيط أن مستند الأصحاب في تعيين اليسرى الاستنجاء ، ثم ذكر قول إمام الحرمين ، وذكر الرافعي هذا المشهور عن الخراسانيين من استحباب خنصر اليسرى ونقله عن معظم الأئمة ، ثم حكى عن أبي طاهر الزيادي أنه قال : يخلل ما بين كل أصبعين من أصابع رجليه بأصبع من أصابع يده ليكون بماء جديد ويترك الإبهامين فلا يخلل بهما لما فيه من العسر .

Sección V01/P486–V01/P487

فحصل من مجموع هذا أن التخليل من أسفل الرجل ويبدأ من خنصر اليمين وفي الأصبع التي يخلل بها أوجه الأشهر أنها خنصر اليسرى ، والثاني : خنصر اليمنى ، قاله القاضي أبو الطيب الثالث : قول أبي طاهر الرابع : قول الإمام أنه لا يتعين في استحباب ذلك يد وهو الراجح المختار هذا حكم تخليل أصابع الرجلين وأما أصابع اليدين فلم يتعرض له الجمهور وجاء فيه حديث ابن عباس الذي قدمناه ، ونقل الترمذي استحباب تخليلهما عن إسحاق بن راهويه ، قال الرافعي : سكت الجمهور عنه وقال ابن كج : يستحب لحديث لقيط فإن الأصابع تشملها وحديث ابن عباس ، قال : وعلى هذا يكون تخليلهما بالتشبيك بينهما والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بغسل الرجلين إحداها : اختلفوا في كيفيته المستحبة في غسلهما قال الشافعي رحمه الله في الأم : ينصب قدميه ثم يصب عليهما الماء بيمينه أو يصب عليه غيره ، هذا نصه وكذا قال البغوي وغيره . قال البغوي : ويدلكهما بيساره ويجتهد في ذلك العقب لا سيما في الشتاء فإن الماء يتجافى عنها ، وكذا أطلق المحاملي في اللباب وآخرون استحباب الابتداء بأصابع رجله وقال الصيمري وصاحبه الماوردي إن كان يصب على نفسه بدأ بأصابع رجله كما نص عليه وإن كان غيره يصب عليه بدأ من كعبيه إلى أصابعه . والمختار ما نص عليه وتابعه عليه الأكثرون من استحباب الابتداء بالأصابع مطلقا . الثانية : إذا كان لرجله أصبع أو قدم زائدة أو انكشطت جلدتها فحكمه ما سبق في اليد . الثالثة : إذا قطع بعض القدم وجب غسل الباقي فإن قطع فوق الكعب فلا فرض عليه ويستحب غسل الباقي كما سبق في اليد . الرابعة : قال الدارمي : إذا لم يكن له كعبان قدر بقدرهما . الخامسة : قال الشافعي رضي الله عنه في الأم والأصحاب : إن كانت أصابعه ملتحمة بعضها في بعض لا يلزمه شقها بل لا يجوز لكن يغسل ما ظهر قال أصحابنا : فإن كان على رجله شقوق وجب إيصال الماء باطن تلك الشقوق ، وقد ذكر المصنف مثله في فصل غسل اليدين ، فإن شك في وصول الماء إلى باطنها أو باطن الأصابع لزمه الغسل ثانيا حتى يتحقق الوصول ، هذا إذا كان شكه في أثناء الوضوء ، فأما إذا شك بعد الفراغ ففيه خلاف نذكره إن شاء الله تعالى في آخر الباب في المسائل الزائدة . قال أصحابنا : فلو أذاب في شقوق رجليه شحما أو شمعا أو عجينا أو خضبهما بحناء وبقي جرمه لزمه إزالة عينه لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة . فلو بقي لون الحناء دون عينه لم يضره ويصح وضوؤه ، ولو كان على أعضائه أثر دهن مائع فتوضأ وأمس بالماء البشرة وجرى عليها ولم يثبت صح وضوؤه ، لأن ثبوت الماء ليس بشرط ، صرح به المتولي وصاحبا العدة والبحر وغيرهم . فرع : لو تنفطت رجله لم تنشق كفاه غسل ظاهرها ، فلو انشقت بعد وضوئه لم يلزمه غسل ما ظهر بالانشقاق كما سبق فيمن حلق شعره بعد الطهارة ، فإن تطهر بعد ذلك لزمه غسل ما ظهر ، فإن كان قد عاد الالتحام لم يلزمه شقه والله أعلم .

Sección V01/P487–V01/P489

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يغسل فوق المرفقين وفوق الكعبين لقوله صلى الله عليه وسلم : تأتي أمتي يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة وفي رواية لمسلم عن نعيم قال : رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم غسل اليسرى حتى أشرع في العضد ، ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم اليسرى حتى أشرع في الساق ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله هذا لفظ رواية مسلم وعن أبي حازم قال : كنت خلف أبي هريرة رضي الله عنه وهو يتوضأ للصلاة فكان يمر يده حتى تبلغ إبطيه فقلت يا أبا هريرة ما هذا الوضوء فقال : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء رواه مسلم بلفظه هنا ، ورواه البخاري بمعناه في أواخر الكتاب في كتاب اللباس في إتلاف الصور ، وفيه التصريح ببلوغ أبي هريرة رضي الله عنه بالماء إبطيه وعن نعيم أنه رأى أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل رواه مسلم والغرة بياض في وجه الفرس ، والتحجيل في يديه ورجليه ، ومعنى الحديث يأتون بيض الوجوه والأيدي والأرجل . وأما حكم المسألة : فاتفق أصحابنا على استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين ، ثم إن جماعة منهم أطلقوا استحباب ذلك ولم يجدوا غاية الاستحباب بحد كما أطلقه المصنف رحمه الله ، وقال جماعة : يستحب إلى نص الساق والعضد وقال القاضي حسين وآخرون : يبلغ به الإبط والركبة ، وقال البغوي : نص العضد فما فوقه ونصف الساق فما فوقه والله أعلم . فرع : اختلفت عبارات الأصحاب في المراد بتطويل الغرة فظاهر كلام المصنف رحمه الله أنها في اليدين والرجلين ، وكذا قاله إمام الحرمين رحمه الله في كتابه الأساليب في الخلاف في مسألة تكرار مسح الرأس ، ثم في مسألة مسح الأذنين ، وصاحب العدة وغيرهما ، وقال الغزالي رحمه الله : إذا قطعت يده فوق المرفق استحب إمساس الماء ما بقي من عضده ، فإن تطويل الغرة مستحب ، وهذا مما أنكر على الغزالي لتصحريحه بأن الغرة تكون في اليد ، ولا خلاف عند أهل اللغة وغيرهم في أن الغرة مختصة بالوجه . وقال القاضي حسين في تعليقه : إسباغ الوضوء سنة إطالة للغرة ، وهو أن يستوعب جميع الوجه بالغسلة حتى يغسل جزءا من رأسه ويغسل اليدين إلى المنكبين ، والرجلين إلى الركبتين . وقال المتولي : تطويل الغرة سنة ، وهو أن يغسل بعض مقدم رأسه مع الوجه وتطويل التحجيل سنة ، وهو أن يغسل بعض العضد مع المرفق وبعض الساق مع القدم . وقال الرافعي رحمه الله : اختلف الأصحاب في ذلك ففرق بعضهم بين الغرة والتحجيل فقالوا تطويل الغرة غسل مقدمات الرأس مع الوجه وكذا صفحة العنق ، وتطويل التحجيل غسل بعض العضد والساق وغايته استيعاب العضد والساق ، قال : وفسر كثيرون تطويل الغرة بغسل شيء من العضد والساق ، وأعرضوا عما حوالي الوجه ، قال : والأول أولى وأوفق لظاهر الحديث . وقال الرافعي في موضع آخر عند استحباب غسل باقي العضد بعد القطع .

Sección V01/P489–V01/P490

إن قيل : كيف قال الغزالي يغسل الباقي لتطويل الغرة ، والغرة إنما هي في الوجه والذي في اليد التحجيل قلنا : تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن ، فيجوز أن يكون قوله لتطويل الغرة إشارة إلى النوع ، على أن أكثرهم لا يفرقون بينهما ويطلقون تطويل الغرة في اليد قال ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل وإنما يمكن الإطالة في اليد لأن الوجه يجب استيعابه ، قال الرافعي : وهذا الاحتجاج ليس بشيء لأن الإطالة في الوجه أن يغسل إلى اللبة وصفحة العنق وهو مستحق نص عليه الأئمة ، هذا كلام الرافعي . قلت : الصحيح أن الغرة غير التحجيل لقوله صلى الله عليه وسلم : فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله فهذا صريح في المغايرة بينهما ، ورواية الاقتصار على الغرة لا تخالف هذا لأن في هذا زيادة ، وزيادة الثقة مقبولة ، ولأنه قد يطلق أحد القرينين ويكون الآخر مرادا كقوله تعالى : سرابيل تقيكم الحر النحل : 18 أي والبرد ، وإذا ثبت تغايرهما فأحسن ما فيه ما قدمناه عن المتولي والرافعي ، ومرادهما غسل جزء يسير من الرأس وما يلاصق الوجه من صفحة العنق ، وهذا غير الجزء الواجب الذي لا يتم غسل الوجه إلا به . فرع : هذا الذي ذكرناه من استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين هو مذهبنا لا خلاف فيه بين أصحابنا ، وهو مذهب أبي هريرة كما سبق . وقال أبو الحسن بن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري : هذا الذي قاله أبو هريرة لم يتابع عليه ، والمسلمون مجمعون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد الله ورسوله ولم يجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم قط مواضع الوضوء فيما بلغنا ، وهذا الذي قاله ابن بطال من الإنكار على أبي هريرة خطأ ، لأن أبا هريرة لم يفعله من تلقاء نفسه ، بل أخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كما قدمناه عنه ، ولأن تفسير الراوي إذا لم يخالف الظاهر يجب قبوله على المذهب الصحيح لأهل الأصول وأما نقله الإجماع فلا يقبل مع خلاف أبي هريرة وأصحابنا ، وأما كون أكثر العلماء لم يذكروه ولم يقولوا به فلا يمنع كونه سنة بعد صحة الأحاديث فيه ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : فمن زاد على هذا فقد أساء فالمراد زاد في العدد فغسل أكثر من ثلاث مرات ، كما سنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى والله أعلم .

Sección V01/P490–V01/P494

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يتوضأ ثلاثا ثلاثا لما روى أبي بن كعب رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ، ثم توضأ مرتين مرتين وقال : من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين ، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا وقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ، ووضوء خليلي إبراهيم صلى الله عليه وسلم . + الشرح : حديث أبي هذا ضعيف رواه ابن ماجه في سننه هكذا من رواية أبي بإسناد ضعيف ، رواه ابن ماجه أيضا والبيهقي وغيرهما من رواية ابن عمر وإسناده أيضا ضعيف ، قال الإمام الحافظ أبو بكر الحازمي : قد روي هذا الحديث من أوجه من غير واحد من الصحابة وكلها ضعيفة قال : وحديث ابن عمر في الباب نحو حديث أبي ، قال : وليس في حديثهما : ووضوء خليلي إبراهيم قلت : قوله ليس في حديثهما : ووضوء خليلي إبراهيم ليس بصحيح ، بل ذلك موجود في حديث ابن عمر رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده ، كذلك رأيته فيه . وذكر القاضي حسين في تعليقه في حديث أبي هذا خلافا لأصحابنا منهم من قال : فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الوضوءات في مجالس ، لأنه لو كان في مجلس لصار غسل كل عضو ست مرات وذلك مكروه ، ومنهم من قال : كان في مجلس واحد للتعليم ، ويجوز مثل ذلك للتعليم ، ورجح صاحب البحر كونه في مجالس . قلت : الظاهر أن هذا الخلاف لم ينقلوه عن رواية بل قالوه بالاجتهاد ، وظاهر رواية ابن ماجه وغيره أنه كان في مجلس واحد وهذا كالمتعين ، لأن التعليم لا يكاد يحصل إلا في مجلس ، وكيف كان فالحديث ضعيف لا يحتج به كما قدمناه ، وإذا ثبت ضعفه تعين الاحتجاج بغيره ، وفي ذلك أحاديث كثيرة صحيحة منها حديث عثمان رضي الله عنه أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : فتوضأ ثلاثا ثلاثا رواه مسلم . وفي رواية البيهقي وغيره : أن عثمان رضي الله عنه توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا قالوا : نعم ومنها حديث علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا رواه أحمد بن حنبل رضي الله عنه والترمذي والنسائي قال الترمذي : هذا أحسن شيء في هذا الباب وأصح . وعن شقيق بن سلمة قال : رأيت عثمان وعليا رضي الله عنهما يتوضآن ثلاثا ثلاثا ويقولان ، هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه بإسناد صحيح : ومنها حديث عمرو بن شعيب الذي ذكره المصنف بعد هذا وهو صحيح والله أعلم . أما حكم المسألة : فالطهارة ثلاثا ثلاثا مستحبة في جميع أعضاء الوضوء بإجماع العلماء إلا الرأس ففيه خلاف للسلف سنفرده بفرع إن شاء الله تعالى ومذهبنا المشهور أن مسح الرأس يكون ثلاثا كغيره ، وحكى بعض أصحابنا عن بعض العلماء أنه لا يستحب الثلاث ، وعن بعضهم أنه أوجب الثلاث وكلاهما غلط ولا يصح هذا عن أحد فإن صح فهو مردود بالأحاديث الصحيحة والله أعلم .

Sección V01/P494–V01/P496

فرع : أبي بن كعب الراوي هنا هو أبو المنذر ، ويقال أبو الطفيل ، أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري بالنون شهد العقبة الثانية وبدرا وثبت في الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليه لم يكن الذين كفروا وقال : أمرني الله أن أقرأ عليك وفي حديث الترمذي أقرؤكم أبي وهو أحد كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ، توفي في خلافة عمر وقيل : عثمان ، وقد أوضحت ذلك في مناقبه في تهذيب الأسماء . فرع : في تكرار مسح الرأس ، مذهبنا المشهور الذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه في كتبه وقطع به جماهير الأصحاب أنه يستحب مسح الرأس ثلاثا كما يستحب تطهير باقي الأعضاء ثلاثا ، وحكى أبو عيسى الترمذي في كتابه عن الشافعي وأكثر العلماء رحمهم الله إن مسح الرأس مرة ، ولا أعلم أحدا من أصحابنا حكى هذا عن الشافعي رضي الله عنه لكن حكى أبو عبد الله الحناطي بالحاء المهملة ثم صاحب البيان والرافعي وغيرهما وجها لبعض أصحابنا أن السنة في مسح الرأس مرة ، وحكاه الحناطي والرافعي في مسح الأذنين أيضا ومال البغوي إلى اختياره في مسح الرأس ، وحكى بعض تلامذته أنه كان يعمل به وأشار أيضا إلى ترجيحه البيهقي كما سأذكره عنه قريبا إن شاء الله تعالى . ومذهب الشافعي وأصحابه رضي الله عنهم استحباب الثلاث وهو مذهب داود ورواية عن أحمد وحكاه ابن المنذر عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير وعطاء وزاذان وميسرة رضي الله عنهم . وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن ابن سيرين أنه قال : يمسح رأسه مرتين ، وقال أكثر العلماء : إنما يسن مسحه واحدة هكذا حكاه عن أكثر العلماء الترمذي وآخرون ، قال ابن المنذر وممن قال به عبد الله بن عمر وطلحة بن مصرف والحكم وحماد والنخعي و مجاهد وسالم بن عبد الله والحسن البصري وأصحاب الرأي وأحمد وأبو ثور رضي الله عنهم ، وحكاه غير ابن المنذر عن غيرهم أيضا وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه واختاره ابن المنذر . فأما ابن سيرين فاحتج له بحديث الربيع بنت معوذ : أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه مرتين وعن عبد الله بن زيد مثله . وأما القائلون بمسحة واحدة فاحتجوا بالأحاديث المشهورة في الصحيحين وغيرهما من روايات جماعات من الصحابة في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه مسح رأسه مرة واحدة مع غسله بقية الأعضاء ثلاثا ثلاثا منها رواية عثمان وابن عباس وعبد الله بن زيد رضي الله عنهم ، وروي ذلك أيضا من رواية عبد الله بن أبي أوفى وسلمة بن الأكوع والربيع بنت معوذ وغيرهم ، وقد قال أبو داود في سننه وغيره من الأئمة : الصحيح في أحاديث عثمان وغيره مسح الرأس مرة ، وقد سلم لهم البيهقي هذا واعترف به ولم يجب عنه مع أنه المعروف بالانتصار لمذهب الشافعي رضي الله عنه . قالوا : ولأنه مسح واجب فلم يسن تكراره كمسح التيمم والخف ، ولأن تكراره يؤدي إلى أن يصير المسح غسلا ، ولأن الناس أجمعوا قبل الشافعي رضي الله عنه على عدم التكرار فقوله خارق للإجماع .

Sección V01/P496–V01/P498

واحتج الشافعي والأصحاب رحمهم الله بأحاديث وأقيسة أحدها : وهو الذي اعتمده الشافعي حديث عثمان رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا رواه مسلم ، ووجه الدلالة منه أن قوله : توضأ يشمل المسح والغسل ، وقد منع البيهقي وغيره الدلالة من هذا لأنها رواية مطلقة وجاءت الروايات الثابتة في الصحيح المفسرة مصرحة بأن غسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا ومسح الرأس مرة ، فصرحوا بالثلاث في غير الرأس ، وقالوا في الرأس : ومسح برأسه ولم يذكروا عددا ثم قالوا بعده : ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ، وجاء في روايات في الصحيح ثم غسل يديه ثلاثا ثم مسح برأسه مرة ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ، فلم يبق فيه دلالة . الحديث الثاني : عن عثمان رضي الله عنه : أنه توضأ فمسح رأسه ثلاثا وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ هكذا رواه أبو داود بإسناد حسن ، وقد ذكر أيضا الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله أنه حديث حسن ، وربما ارتفع من الحسن إلى الصحة بشواهده وكثرة طرقه ، فإن البيهقي وغيره رووه من طرق كثيرة غير طريق أبي داود . الحديث الثالث : عن علي رضي الله عنه أنه توضأ فمسح رأسه ثلاثا ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل رواه البيهقي من طرق وقال : أكثر الرواة رووه عن علي رضي الله عنه دون ذكر التكرار ، قال : وأحسن ما روي عن علي رضي الله عنه فيه ما رواه عنه ابنه الحسن بن علي رضي الله عنهما فذكره بإسناده عنه وذكر مسح الرأس ثلاثا وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ، وإسناده حسن . وروي عن أبي رافع وابن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه مسح رأسه ثلاثا واعتمد الشيخ أبو حامد الاسفرايني حديث أبي بن كعب السابق وقد سبق أنه ضعيف لا يحتج به . وأما الأقيسة فقالوا : أحد أعضاء الطهارة فسن تكراره كغيره ، وقالوا : ولأنه إيراد أصل على أصل فسن تكراره كالوجه وفيه أحتراز من التيمم ومسح الخف ، قال الشيخ أبو حامد : عادة أصحابنا الخراسانيين في هذا أنهم يقولون أصل في الطهارة المبعضة ، يحترزون عن غسل الجنابة فإنه لا يتبعض ، قال : وإنما فعلوا هذا لأنهم لا يعرفون المذهب في غسل الجنابة والمذهب أنه يسن تكرار الغسل فيه . وأما الجواب عما احتج به ابن سيرين من حديث الربيع فمن أوجه أحدها : أنه ضعيف رواه البيهقي وغيره من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف عند أكثر أهل الحديث والثاني : لو صح لكان حديث الثلاث مقدما عليه لما فيه من زيادة الثالث : أنه محمول على بيان الجواز وأحاديث الثلاث للاستحباب جمعا بين الأحاديث . وأما حديث عبد الله بن زيد فرواه النسائي بإسناد صحيح والجواب عنه من الوجهين الآخرين وقد أشار البيهقي إلى منع الاحتجاج به من حيث إن سفيان بن عيينة انفرد عن رفقته فرواه مرتين والباقون رووه مرة ، فعلى هذا يجاب عنه بالأوجه الثلاثة . وأما دليل القائلين بمسحة واحدة فأجاب أصحابنا عنها بأجوبة كثيرة من أحسنها أنه نقل عن رواتها المسح ثلاثا وواحدة كما سبق فوجب الجمع بينهما فيقال الواحدة لبيان الجواز والثنتان لبيان الجواز وزيادة الفضيلة على الواحدة ، والثلاث للكمال والفضيلة .

Sección V01/P498–V01/P499

ويؤيد هذا أنه روي الوضوء على أوجه كثيرة فروي على هذه الأوجه المذكورة ، وروى غسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وروى على غير ذلك ، وهذا يدل على التوسعة وأنه لا حرج كيف توضأ على أحد هذه الأوجه ، ولم يقل أحد من العلماء يستحب غسل بعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين مع أن حديثه هكذا في الصحيحين ، فعلم بذلك أن القصد بما سوى الثلاث بيان الجواز فإنه لو واظب صلى الله عليه وسلم على الثلاث لظن أنه واجب ، فبين في أوقات الجواز بدون ذلك وكرر بيانه في أوقات وعلى أوجه ليستقر معرفته ولاختلاف الحاضرين الذين لم يحضروا الوقت الآخر . فإن قيل : فإذا كان الثلاث أفضل فكيف تركه في أوقات فالجواب ما قدمناه أنه قصد صلى الله عليه وسلم البيان وهو واجب عليه صلى الله عليه وسلم فثوابه فيه أكثر وكان البيان بالفعل آكد وأقوى في النفوس وأوضح من القول . وأما قول أبي داود وغيره فجوابه من وجهين أحدهما : أنه قال : الأحاديث الصحاح وهذا حديث حسن غير داخل في قوله والثاني : أن عموم إطلاقه مخصوص بما ذكرناه من الأحاديث الحسان وغيرها . وأما الجواب عن قياسهم على التيمم ومسح الخف فهو أنهما رخصة فناسب تخفيفهما والرأس أصل فإلحاقه بباقي أعضاء الوضوء أولى . وأما قولهم : تكراره يؤدي إلى غسله ، فلا نسلمه لأن الغسل جريان الماء على العضو ، وهذا لا يحصل بتكرار المسح ثلاثا . وقد أجمع العلماء على أن الجنب لو مسح بدنه بالماء وكرر ذلك لا ترتفع جنابته بل يشترط جري الماء على الأعضاء . وأما قولهم : خرق الشافعي رضي الله عنه الإجماع فليس بصحيح فقد سبق به أنس بن مالك وعطاء وغيرهما كما قدمناه عن حكاية ابن المنذر ، وابن المنذر هو المرجوع إليه في نقل المذاهب باتفاق الفرق والله أعلم .

Sección V01/P499–V01/P501

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن اقتصر على مرة وأسبغ أجزأه لقوله صلى الله عليه وسلم : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به . + الشرح : أجمع العلماء على أن الواجب مرة واحدة ، وممن نقل الإجماع فيه ابن جرير في كتابه اختلاف العلماء وآخرون وحكى الشيخ أبو حامد وغيره أن بعض الناس أوجب الثلاث ، وحكاه صاحب الإبانة عن ابن أبي ليلى ، وهذا مذهب باطل لا يصح عن أحد العلماء ، ولو صح لكان مردودا بإجماع من قبله والأحاديث الصحيحة منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة ، رواه البخاري وحديث عبد الله بن زيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل بعض أعضائه ثلاثا وبعضها مرتين رواه البخاري ومسلم وفي رواية للبخاري عن عبد الله بن زيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين والأحاديث في هذا كثيرة مشهورة وهو مجمع عليه ولم يثبت عن أحد خلافه . وأما احتجاج المصنف بحديث : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به فباطل لأنه حديث ضعيف سبق بيانه والاعتماد على ما ذكرته من الأحاديث الصحيحة والإجماع . وقوله : وأسبغ أي عمم الأعضاء واستوعبها ، ومنه درع سابغة وثوب سابغ والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : قال خالف بين الأعضاء فغسل بعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثا جاز لما روى عبد الله بن زيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين . + الشرح : هذا الحكم مجمع عليه وحديث عبد الله بن زيد هذا رواه البخاري ومسلم من طرق هكذا ، وفيه زيادة حسنة وهي أنه مسح رأسه مرة واحدة ، وهذه الزيادة لائقة هنا ليكون الحديث جامعا لطهارة بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثا كما ذكره المصنف ، وعبد الله بن زيد تقدم بيانه في مسح الرأس والله أعلم .

Sección V01/P501–V01/P502

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإذا زاد على الثلاث كره لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم : توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال : هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم . + الشرح : أما حديث عمرو بن شعيب هذا فصحيح رواه أحمد بن حنبل وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة . وليس في رواية أحد من هؤلاء قوله : أو نقص إلا رواية أبي داود فإنه ثابت فيها ، وليس في رواياتهم تصريح بمسح الرأس ثلاثا ، وقد قدمت في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب أن جمهور المحدثين صححوا الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأن المصنف قطع في كتابه اللمع بأنه لا يحتج به لاحتمال الإرسال وبينت سبب الاختلاف فيه هناك واضحا ، وأن الصحيح جواز الاحتجاج به . واختلف أصحابنا في معنى : أساء وظلم فقيل : أساء في النقص وظلم في الزيادة فإن الظلم مجاوزة الحد ووضع الشيء في غيره موضعه ، وقيل : عكسه لأن الظلم يستعمل بمعنى النقص كقوله تعالى : آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا الكهف : 32 وقيل : أساء وظلم في النقص وأساء وظلم أيضا في الزيادة ، واختاره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح لأنه ظاهر الكلام ويدل عليه رواية الأكثرين فمن زاد فقد أساء وظلم ولم يذكروا النقص . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : إذا زاد على الثلاث كره كراهة تنزيه ولا يحرم . هكذا صرح به الأصحاب ، قال إمام الحرمين : الغسلة الرابعة وإن كانت مكروهة فليست معصية قال : ومعنى أساء ترك الأولى وتعدى حد السنة ، وظلم أي وضع الشيء في غير موضعه . وقال الشيخ أبو حامد في التعليق : قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : أحب ألا يتجاوز الثلاث فإن جاوزها لم يضره قال أبو حامد : أراد بقوله : لم يضره أي لا يأثم ، قال : وأصحابنا يقولون : تحرم الزيادة قال : وليس ظاهر المذهب هذا والمراد بالإساءة في الحديث غير التحريم لأنه يستعمل أساء فيما لا إثم فيه ، وذكر الروياني في البحر وجها في تحريم الزيادة قال : وليس بشيء ، وقال الماوردي : الزيادة على الثلاث لا تسن وهل تكره فيه وجهان ، قال أبو حامد الإسفرايني : لا تكره وقال سائر أصحابنا : تكره وهو الأصح ، هذا كلام الماوردي . وأما نص الشافعي رضي الله عنه في الأم فقال : لا أحب الزيادة على ثلاث فإن زاد لم أكرهه أي لم أحرمه ، فحصل ثلاثة أوجه أحدها : تحرم الزيادة والثاني : لا تحرم ولا تكره لكنها خلاف الأولى والثالث : وهو الصحيح بل الصواب تكره كراهة تنزيه ، فهذا هو الموافق للأحاديث وبه قطع جماهير الأصحاب ، وقد أشار الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه إلى نقل الإجماع على ذلك فإنه قال في أول الكتاب في كتاب الوضوء : بين النبي صلى الله عليه وسلم أن فرض الوضوء مرة ، وتوضأ أيضا مرتين وثلاثا ولم يزد قال : وكره أهل العلم الإسراف فيه ، وأن يجاوز فعل النبي صلى الله عليه وسلم . فرع : المشهور في كتب الفقه وشروح الحديث وغيرها لأصحابنا وغيرهم أن قوله صلى الله عليه وسلم : فمن زاد أو نقص معناه زاد على الثلاث أو نقص منها ولم يذكر أصحابنا وغيرهم مع كثرة كتبهم وحكاياتهم والوجوه الغريبة والمذاهب المشهورة والمهجورة الراجحة والمرجوحة غير هذا المعنى ، وقال البيهقي في كتابه السنن الكبرى : ويحتمل أن المراد بالنقص نقص العضو يعني لم يستوعبه . وهذا تأويل غريب ضعيف مردود .

Sección V01/P502–V01/P503

ومقتضاه أن تكون الزيادة في العضو وهي غسل ما فوق المرفق والكعب إساءة وظلما ، ولا سبيل إلى ذلك بل هو مستحب كما سبق ، والبيهقي ممن نص على استحبابه وعقد فيه بابين أحدهما : باب استحباب إمرار الماء على العضد والثاني : باب الإشراع في الساق ، وذكر فيهما حديث أبي هريرة والله أعلم . فإن قيل : كيف يكون النقص عن الثلاث إساءة وظلما ومكروها وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله كما سبق في الأحاديث الصحيحة ، قلنا : ذلك الاقتصار كان لبيان الجواز فكان في ذلك الحال أفضل لأن البيان واجب والله أعلم . فرع : إذا زاد على الثلاث فقد ارتكب المكروه ولا يبطل وضوؤه ، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة وحكى الدارمي في الاستذكار عن قوم أنه يبطل كما لو زاد في الصلاة وهذا خطأ ظاهر . فرع : إذا شك فلم يدر أغسل مرتين أم ثلاثا فمقتضى كلام الجمهور أنه يبني على حكم اليقين وأنهما غسلتان فيأتي بثالثة ، وحكى إمام الحرمين وجهين أحدهما : قول والده الشيخ أبي محمد الجويني رحمه الله أن يقتصر على ما جرى ولا يأتي بأخرى لأنه متردد بين الرابعة وهي بدعة والثالثة وهي سنة ، وترك سنة أولى من اقتحام بدعة بخلاف المصلي يشك في عدد الركعات فإنه يأخذ بالأقل ليتيقن أداء الفرض ، والشك هنا ليس في فرض . والوجه الثاني : يغسل أخرى كالصلاة ، والبدعة إنما هي تعمد غسله رابعة بلا سبب ، مع أن الرابعة وإن كانت مكروهة فليست معصية ، هذا كلام إمام الحرمين ، والصحيح أنه يأتي بأخرى والله أعلم . فرع : قال الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق : لو توضأ فغسل الأعضاء مرة مرة ثم عاد فغسلها مرة مرة ثم عاد كذلك ثالثة لم يجز قال : ولو فعل مثل ذلك في المضمضة والاستنشاق جاز قال : والفرق أن الوجه واليد متباعدان ينفصل حكم أحدهما عن الآخر فينبغي أن يفرغ من أحدهما ثم ينتقل إلى الآخر : وأما الفم والأنف فكعضو فجاز تطهيرهما معا كاليدين والله أعلم .

Sección V01/P503–V01/P504

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب أن يرتب الوضوء فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه ، وحكى أبو العباس بن القاص قولا آخر أنه إن نسي الترتيب جاز والمشهور هو الأول والدليل عليه قوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق المائدة : 6 الآية فأدخل المسح بين الغسلين وقطع حكم النظير عن النظير ، فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب ولأنه عبادة يشتمل على أفعال متغايرة يرتبط بعضها ببعض فوجب فيها الترتيب كالصلاة والحج . + الشرح : هذا الذي نقل ابن القاص قول قديم كذا ذكره في كتابه التلخيص ، قال إمام الحرمين : هذا القول إن صح فهو مرجوع عنه فلا يعد من المذهب قال أصحابنا : إن ترك الترتيب عمدا لم يصح وضوؤه بلا خلاف وإن نسيه فطريقان المشهور القطع ببطلان وضوئه والثاني : على قولين : الجديد بطلانه والقديم صحته وسنوضح دليلهما في فرع في مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وقوله : ولأنه عبادة تشتمل على أفعال فيه احتراز من الخطبة فإنها أقوال ولا يشترط ترتيب أركانها عند أصحابنا العراقيين . وقوله : متغايرة يعني فرضا ونفلا وفيه احتراز من الطواف وقيل : قوله : أفعال متغايرة كلاهما احتراز من الغسل ، والأول أصح ، وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد الاسفرايني وغيره . وقوله : يرتبط بعضها ببعض معناه إذا غسل وجهه ويديه لا يستبيح شيئا مما حرم على المحدث ثم يتم وضوءه ، وفيه احتراز من الزكاة فإن كل جزء من المخرج عبادة تحتاج إلى نية عند الدفع ولا تقف صحة بعضها على بعض . وأورد المصنف في تعليقه على هذه العلة ما إذا كان في بعض بدن الجنب جبيرة فإن طهارته تشتمل على أفعال متغايرة مسحا وغسلا ، ولا يجب فيها الترتيب وأجاب عنه بأن الغسل هو الأصل وهو غير مشتمل على أفعال متغايرة . وقوله : فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب معنى قصد أراد فأطلق القصد على الإرادة وقد سبق إيضاح هذا وبسط الكلام فيه في باب نية الوضوء والله أعلم . فرع : قد ذكر المصنف رحمه الله قولين في أن نسيان ترتيب الوضوء هل يكون عذرا ويصح الوضوء أم لا والأصح أنه ليس بعذر ، ومثله لو نسي الماء في رحله وصلى بالتيمم وكذا لو صلى أو صام أو توضأ بالاجتهاد فصادف قبل الوقت ، أو الإناء النجس ، أو تيقن الخطأ في القبلة ، أو صلى بنجاسة ناسيا أو جاهلا أو نسي القراءة في الصلاة أو رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة شدة الخوف فبان شجرا ، أو دفع الزكاة إلى من ظنه فقيرا فبان غنيا ، أو مرض وقال أهل الخبرة : أنه معضوب فأحج عن نفسه فبرىء أو غلطوا في الوقوف بعرفة فوقفوا في اليوم الثامن ، أو باعه حيوانا على أنه بغل فبان حمارا أو عكسه . ففي كل هذه المسائل خلاف ، فالأصح أنه لا يعذر في شيء منها . والخلاف في بعضها أقوى منه في بعضها ، والخلاف في كلها قولان إلا مسألة الوقوف والبيع فهو وجهان ، ومثله مسائل منه هذا النوع مختلف فيها لكن الأصح فيها أنه يصح ويعذر . منها : لو نوى الصلاة خلف زيد هذا فكان عمرا أو على هذا الميت زيد فكان عمرا ، أو صلى على هذا الرجل فكان امرأة وعكسه أو باع مال مورثه وهو يظنه حيا فكان ميتا أو شرط في الزوج أو الزوجة نسبا أو وصفا فبان خلافه سواء كان أعلى من المشروط أم لا ، وأشباه هذا كثيرة ، وسنوضحها في مواضعها إن شاء الله تعالى ، ومقصودي بهذا الفرع وشبهه جمع النظائر والتنبيه على الضوابط وبالله التوفيق .

Sección V01/P504–V01/P506

فرع في مذاهب العلماء في ترتيب الوضوء قد ذكرنا أن مذهبنا أنه واجب حكاه أصحابنا عن عثمان بن عفان وابن عباس ورواية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وبه قال قتادة وأبو ثور وأبو عبيد و إسحاق بن راهويه وهو المشهور عن أحمد ، وقالت طائفة : لا يجب حكاه البغوي عن أكثر العلماء وحكاه ابن المنذر عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء ومكحول و النخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك وأصحابهما والمزني وداود واختاره ابن المنذر ، وقال صاحب البيان : واختاره أبو نصر البندنيجي من أصحابنا ، واحتج لهم بآية الوضوء ، والواو لا تقتضي ترتيبا فكيفما غسل المتوضىء أعضاءه كان ممتثلا للأمر ، قالوا : روى ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم رجليه ثم مسح رأسه ولأنها طهارة فلم يجب فيها ترتيب كالجنابة وكتقديم اليمين على الشمال والمرفق على الكعب ، ولأنه لو اغتسل المحدث دفعة واحدة ارتفع حدثه فدل على أن الترتيب لا يجب . واحتج أصحابنا بالآية قالوا : وفيها دلالتان : إحداهما التي ذكرها المصنف وهي أن الله تعالى ذكر ممسوحا بين مغسولات ، وعادة العرب إذا ذكرت أشياء متجانسة وغير متجانسة جمعت المتجانسة على نسق ثم عطفت غيرها لا يخالفون ذلك إلا لفائدة ، فلو لم يكن الترتيب واجبا لما قطع النظير عن نظيره . فإن قيل : فائدته استحباب الترتيب فالجواب من وجهين أحدهما : أن الأمر للوجوب على المختار وهو مذهب جمهور الفقهاء والثاني : أن الآية بيان للوضوء الواجب لا للمسنون فليس فيها شيء من سنن الوضوء . الدلالة الثانية : أن مذهب العرب إذا ذكرت أشياء وعطفت بعضها على بعض تبتدىء الأقرب فالأقرب ، لا يخالف ذلك إلا لمقصود ، فلما بدأ سبحانه بالوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين دل على الأمر بالترتيب وإلا لقال فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برؤوسكم واغسلوا أيديكم وأرجلكم . وذكر أصحابنا من الآية دليلين آخرين ضعيفين لا فائدة في ذكرهما إلا للتنبيه على ضعفهما لئلا يعول عليهما أحدهما : أن الواو للترتيب ونقلوه عن الفراء وثعلب وزعم الماوردي أنه قول أكثر أصحابنا واستشهدوا عليه بأشياء وكلها ضعيفة الدلالة . وكذلك القول بأن الواو للترتيب ضعيف . قال إمام الحرمين في كتابه الأساليب : صار علماؤنا إلى أن الواو للترتيب وتكلفوا نقل ذلك عن بعض أئمة العربية واستشهدوا بأمثلة فاسدة قال : والذي نقطع به أنها لا تقتضي ترتيبا ومن ادعاه فهو مكابر ، فلو اقتضت لما صح قولهم : تقاتل زيد وعمرو . كما لا يصح تقاتل : زيد ثم عمرو . وهذا الذي قاله الإمام هو الصواب المعروف لأهل العربية وغيرهم . الدليل الثاني : نقله أصحابنا عن أبي علي بن أبي هريرة ونقله إمام الحرمين عن علماء أصحابنا أن الله تعالى قال : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم المائدة : 6 فعقب القيام بغسل الوجه بالفاء ، والفاء للترتيب بلا خلاف ، ومتى وجب تقديم الوجه تعين الترتيب إذ لا قائل بالترتيب في البعض ، وهذا استدلال باطل وكأن قائله حصل له ذهول واشتباه فاخترعه وتوبع عليه تقليدا . ووجه بطلانه أن الفاء وإن اقتضت الترتيب لكن المعطوف على ما دخلت عليه الواو مع ما دخلت عليه كشيء واحد كما هو مقتضى الواو ، فمعنى الآية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الأعضاء فأفادت الفاء ترتيب غسل الأعضاء على القيام إلى الصلاة لا ترتيب بعضها على بعض ، وهذا مما يعلم بالبديهة ولا شك أن السيد لو قال لعبده إذا دخلت السوق فاشتر خبزا وتمرا لم يلزمه تقديم الخبز بل كيف اشتراهما كان ممتثلا بشرط كون الشراء بعد دخول السوق كما أنه هنا يغسل الأعضاء بعد القيام إلى الصلاة .

Sección V01/P506–V01/P508

واحتج الأصحاب من السنة بالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وكلهم وصفوه مرتبا مع كثرتهم وكثرة المواطن التي رأوه فيها وكثرة اختلافهم في صفاته في مرة ومرتين وثلاث وغير ذلك ، ولم يثبت فيه مع اختلاف أنواعه صفة غير مرتبة وفعله صلى الله عليه وسلم بيان للوضوء المأمور به . ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز كما ترك التكرار في أوقات . واحتجوا بحديث فيه ذكر الترتيب صريحا بحرف ثم لكنه ضعيف غير معروف واحتجوا من القياس بما ذكره المصنف رحمه الله : عبادة تشتمل على أفعال متغايرة الخ ولأنه عبادة تشتمل على أفعال يبطلها الحدث فوجب ترتيبها كالصلاة ، وفيه احتراز من الغسل فإن قالوا : الوضوء ليس عبادة فقد سبق تقرير كونه عبادة في أول باب نية الوضوء . وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية فهو أنها دليل لنا كما سبق . وعن حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه ضعيف لا يعرف ، وعن قياسهم على غسل الجنابة أن جميع بدن الجنب شيء واحد فلم يجب ترتيبه كالوجه بخلاف أعضاء الوضوء فإنها متغايرة متفاصلة . والدليل على أن بدن الجنب شيء واحد أنه لو جرى الماء من موضع منه إلى غيره أجزأه كالعضو الواحد في الوضوء ، بخلاف الوضوء فإنه لو انتقل من الوجه إلى اليد لم يجزه . وأما الجواب عن تقديم اليمين فمن وجهين أحدهما : أن الله تعالى رتب الأعضاء الأربعة وأطلق الأيدي والأرجل ولو وجب ترتيبهما لقال : وأيمانكم والثاني : أن اليدين كعضو لانطلاق اسم اليد عليهما فلم يجب فيهما ترتيب كالخدين بخلاف الأعضاء الأربعة ، وأما الجواب عن قولهم : المحدث إذا انغمس وارتفع حدثه ، فهو أن من أصحابنا من قال : يرتفع ومن أصحابنا من منع كما سنوضح المسألة قريبا إن شاء الله تعالى ، فإن منعنا فذاك ، وإلا فالتريب يحصل في لحظات لطيفة ، ولأن الغسل يرفع الحدث الأكبر فالأصغر أولى . وذكر إمام الحرمين في الأساليب الأدلة من الطرفين ثم قال الوضوء يغلب فيه التعبد والاتباع لأنا إذا أوجبنا الترتيب في الصلاة للاتباع مع أنا نعلم أن المقصود منها الخشوع والابتهال إلى الله تعالى فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه تنكيس الوضوء ولا التخيير فيه ولا التنبيه على جوازه ، ولم يؤثر عن فعل علماء المسلمين وعامتهم إلا الترتيب كما لم ينقل في أركان الصلاة إلا الترتيب وطريقهما الاتباع ، واستثنى منه تقديم اليمين بالإجماع والله أعلم .

Sección V01/P508

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن غسل أربعة أنفس أعضاءه الأربعة دفعة واحدة لم يجزه إلا غسل الوجه لأنه لم يرتب . + الشرح : هذاالذي جزم به المذهب الصحيح وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه أنه يصح وضوؤه حكاه القاضي حسين والمتولي والشاشي ، كما لو استأجر المعضوب رجلين ليحجا عنه حجة الإسلام وحجة نذر في سنة واحدة فحجها فيها فإنه يحصل له الحجتان على الصحيح المنصوص . وفيه وجه مخرج من الوضوء . والفرق على المذهب أن الواجب في الوضوء الترتيب ولم يحصل ، وفي الحج ألا يقدم على حجة الإسلام غيرها ولم يقدم .