Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Sección V08/P064–V08/P066

وقال الحسن بن صالح وأبو حنيفة : يخرج لها . وقال أبو ثور : لا يخرج ، فإن خرج استأنف . فرع : قال ابن المنذر : أجمعوا على أنه يطاف بالصبي ويجزئه ، قال وأجمعوا على أنه يطاف بالمريض ويجزئه إلا عطاء فعنه قولان أحدهما : هذا والثاني : يستأجر من يطوف عنه . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أن الشرب في الطواف مكروه أو خلاف الأولى فإن خالف وشرب لم يبطل طوافه ، وقال ابن المنذر : رخص فيه طاوس وعطاء وأحمد وإسحاق ، وبه أقول ، قال : ولا أعلم أن أحدا منعه . فرع : لو طافت المرأة منتقبة وهي غير محرمة فمقتضى مذهبنا كراهته ، كما يكره صلاتها منتقبة . وحكى ابن المنذر عن عائشة أنها كانت تطوف منتقبة ، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وابن المنذر ، وكرهه طاوس وجابر بن زيد . فرع : لو حمل محرم محرما وطاف به ونوى كل واحد منهما الطواف بنفسه فقد ذكرنا أن في المسألة ثلاثة أقوال عندنا أصحها : يقع الطواف للحامل والثاني : للمحمول والثالث : لهما ، وممن قال لهما أبو حنيفة وابن المنذر ، وقال مالك للحامل ، وعن أحمد روايتان رواية للحامل ورواية لهما . فرع : لو بقي شيء من الطواف المفروض ولو طوفة أو بعضها ، لم يصح حتى يتمه ولا يتحلل حتى يأتي به . هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء ، وسبق خلاف أبي حنيفة وغيره فيه . فرع : مذهبنا أنه يكفي للقارن لحجه وعمرته طواف واحد عن الإفاضة وسعي واحد ، وبه قال أكثر العلماء منهم : ابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة وطاوس وعطاء والحسن البصري ومجاهد ومالك والماجشون وأحمد وإسحاق وابن المنذر وداود . وقال الشعبي والنخعي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة : يلزمه طوافان وسعيان . وحكى هذا عن علي وابن مسعود . قال ابن المنذر : لا يصح هذا عن علي رضي الله عنه وأقرب ما احتج به لأبي حنيفة ما جاء عن علي رضي الله عنه في ذلك ، وهو ضعيف لا يحتج به ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى . واحتج الشافعي والأصحاب بحديث عائشة رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا ، قالت : فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا أطوافا أخر بعدما رجعوا من منى بحجهم . وأما الذين كانوا أجمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا رواه البخاري ومسلم ، وعن جابر رضي الله عنه قال : لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول رواه مسلم . وهذا محمول على من كان منهم قارنا . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منها جميعا رواه الترمذي وقال حديث حسن ، قال : وقد رواه جماعة موقوفا على ابن عمر قال : والموقوف أصح ، هذا كلام الترمذي ، ورواه البيهقي بإسناد صحيح مرفوعا . وأما المروي عن علي رضي الله عنه في طوافين وسعيين فضعيف باتفاق الحفاظ ، كما سبق عن حكاية ابن المنذر .

Sección V08/P066–V08/P067

قال الشافعي : احتج بعض الناس في طوافين وسعيين برواية ضعيفة عن علي وروى البيهقي هذا الذي أشار إليه الشافعي بإسناده عن مالك بن الحارث عن أبي نصر قال : لقيت عليا رضي الله عنه وقد أهللت بالحج ، وأهل هو بالحج والعمرة ، فقلت : هل أستطيع أن أفعل كما فعلت قال ذلك لو كنت بدأت بالعمرة ، قلت : كيف أفعل لو أردت ذلك ، قال : تهل بهما جميعا ثم تطوف لهما طوافين وتسعى لهما سعيين . قال البيهقي : أبو نصر هذا مجهول ، قال وقد روى بإسناد ضعيف عن علي مرفوعا وموقوفا قال وقد ذكرته في الخلافيات ، قال : ومداره على ( الحسن بن عمارة ) وحفص بن أبي داود وعيسى بن عبد الله وحماد بن عبد الرحمن ، وكلهم ضعفاء لا يحتج بروايتهم . فرع : قد ذكرنا أنه إذا كان عليه طواف فرض ، فنوى بطوافه غيره انصرف إلى الفرض نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، هذا مذهبنا ، وقال أحمد : لا يقع عن فرضه إلا بتعيين النية قياسا على الصلاة ، وقياس أصحابنا على الإحرام بالحج ، وعلى الوقوف وغيره . فرع : ركعتا الطواف سنة على الأصح عندنا ، وبه قال مالك وأحمد وداود وقال أبو حنيفة : واجبتان . فرع : قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن ركعتي الطواف تصحان حيث صلاهما إلا مالكا فإنه كره فعلهما في الحجر ، وقال الجمهور : يجوز فعلها في الحجر كغيره ، وقال مالك إذا صلاهما في الحجر أعاد الطواف والسعي إن كان بمكة ، فإن لم يصلهما حتى رجع إلى بلاده أراق دما ولا إعادة عليه ، قال ابن المنذر : لا حجة لمالك على هذا لأنه إن كانت صلاته في الحجر صحيحة فلا إعادة ، سواء كان بمكة أو غيرها ، وإن كانت باطلة فينبغي أن يجب إعادتها وإن رجع إلى . . . . فأما وجوب الدم فلا أعلمه يجب في شيء من أبواب الصلاة ، هذا كلام ابن المنذر ونقل أصحابنا عن سفيان الثوري أن هذه الصلاة لا تصح إلا خلف المقام ، ونقل ابن المنذر عن سفيان الثوري أنه يصليها حيث شاء من الحرم . فرع : قد ذكرنا أن الأصح عندنا أن ركعتي الطواف سنة . وفي قول واجبة ، فإن صلى فريضة عقب الطواف أجزأته عن صلاة الطواف إن قلنا هي سنة وإلا فلا ، وممن قال يجزئه عطاء وجابر بن زيد والحسن البصري وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن الأسود وإسحاق قال ابن المنذر : ورويناه عن ابن عباس قال : ولا أظنه يثبت عنه . وقال أحمد : أرجو أن يجزئه ، وقال الزهري ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر : لا يجزئه . فرع : قد ذكرنا أن الولي يصلي صلاة الطواف عن الصبي الذي لا يميز وقال ابن عمر ومالك لا يصلي عنه فرع : فيمن طاف أطوفة ولم يصل لها ، ثم صلى لكل طواف ركعتين ، قد ذكرنا أن مذهبنا أنه جائز بلا كراهة ولكن الأفضل أن يصلي عقب كل طواف ، وحكاه ابن المنذر عن المسور وعائشة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وأبي يوسف ، قال وكره ذلك ابن عمر والحسن والزهري ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن ، ووافقهم ابن المنذر ، ونقله القاضي عياض عن جماهير العلماء .

Sección V08/P067–V08/P068

دليلنا أن الكراهة لا تثبت إلا بنهي الشارع ولم يثبت في هذا نهى ، فهذا هو المعتمد في الدليل وأما : الحديث الذي رواه البيهقي بإسناده عن أبي هريرة قال : طاف النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أسباع جميعا ثم أتى المقام فصلى خلفه ست ركعات ، يسلم من كل ركعتين يمينا وشمالا ، قال أبو هريرة : أراد أن يعلمنا فهذا الحديث إسناده ضعيف لا يصح الاحتجاج به ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، فهو ضعيف أيضا ، والله أعلم .

Sección V08/P068–V08/P069

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يسعى وهو ركن من أركان الحج ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم فلا يصح السعي إلا بعد طواف ، فإن سعى ثم طاف لم يعتد بالسعي ، لما روى ابن عمر قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين ثم طاف بين الصفا والمروة سبعا ، قال الله تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فنحن نصنع ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم والسعي أن يمر سبع مرات بين الصفا والمروة لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نبدأ بالذي بدأ الله به وبدأ بالصفا حتى فرغ من آخر سعيه على المروة فإن مر من الصفا إلى المروة حسب ذلك مرة ، وإذا رجع من المروة إلى الصفا حسب ذلك مرة أخرى ، وقال أبو بكر الصيرفي : لا يحسب رجوعه من المروة إلى الصفا مرة ، وهذا خطأ لأنه استوفى ما بينهما بالسعي فحسب مرة ، كما لو بدأ من الصفا وجاء إلى المروة . فإن بدأ بالمروة وسعى إلى الصفا لم يجزه ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ابدأوا بما بدأ الله به ويرقي على الصفا حتى يرى البيت فيستقبله ويقول : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له . له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لما روى جابر قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصفا فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى إذا رأى البيت توجه إليه وكبر ثم قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم دعا ثم قال مثل هذا ثلاثا ثم نزل . ثم يدعو لنفسه بما أحب من أمر الدين والدنيا ، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يدعو بعد التهليل والتكبير لنفسه ، فإذا فرغ من الدعاء نزل من الصفا ويمشي حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد نحو من ستة أذرع ، فيسعى سعيا شديدا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس ثم يمشي حتى يصعد المروة ، لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه فإذا صعد مشى حتى يأتي المروة والمستحب أن يقول بين الصفا والمروة : رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم ، لما روت صفية بنت شيبة عن امرأة من بني نوفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك فإن ترك السعي ومشى في الجميع جاز ، لما روي أن ابن عمر رضي الله عنه كان يمشي بين الصفا والمروة وقال : إن أمشي فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا شيخ كبير وإن سعى راكبا جاز ، لما روى جابر قال طاف النبي صلى الله عليه وسلم في طواف حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس ، ويسألوه .

Sección V08/P069–V08/P071

والمستحب إذا صعد المروة أن يفعل مثل ما فعل على الصفا ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل على المروة مثل ما فعل على الصفا قال في الأم : فإن سعى بين الصفا والمروة ولم يرق عليهما أجزأه : وقال أبو حفص بن الوكيل : لا يجزئه حتى يرقى عليهما ، ليتيقن أنه استوفى السعي بينهما . وهذا لا يصح لأن المستحق هو السعي بينهما وقد فعل ذلك ، وإن كانت امرأة ذات جمال فالمستحب أن تطوف وتسعى ليلا ، فإن فعلت ذلك نهارا مشت في موضع السعي وإن أقيمت الصلاة أو عرض عارض قطع السعي فإذا فرغ بنى ، لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يطوف بين الصفا والمروة فأعجله البول فتنحى ، ودعا بماء فتوضأ ثم قام فأتم على ما مضى . + الشرح : أما حديث يا أيها الناس اسعوا ، فإن الله كتب عليكم السعي فرواه الشافعي وأحمد في مسنده والدارقطني والبيهقي من رواية حبيبة بنت تجراء بتاء مثناة فوق مفتوحة ثم جيم ساكنة ثم راء وحبيبة بفتح الحاء وتخفيف الباء هذا هو المشور ، ويقال حبيبة بضم الحاء وتشديد الياء وحديثها هذا ليس بقوى . في إسناده ضعف . قال ابن عبد البر في الاستيعاب : فيه اضطراب . وأما حديث ابن عمر الأول فرواه البخاري ومسلم إلى قوله : أسوة حسنة . وأما حديث جابر الأول فرواه مسلم في جملة حديث جابر الطويل . وأما حديث ابدأوا بما بدأ الله به فرواه مسلم من رواية جابر لكن لفظه أبدأ على الخبر والذي في نسخ المهذب ابدأوا بواو الجمع على الأمر ، وفي رواية النسائي فابدأوا بلفظ الأمر وإسنادها صحيح على شرط مسلم . وأما حديث جابر الثاني فرواه مسلم لكن في لفظه مخالفة ، وهذا لفظ مسلم قال فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله تعالى وكبره ، وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم دعا بين ذلك ، قال مثل هذا ثلاث مرات ، ثم نزل إلى المروة هذا لفظ رواية مسلم ، وفي روايتين للنسائي بإسنادين على شرط مسلم قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير زاد : يحيي ويميت كما وقع في المهذب . وأما دعاء ابن عمر المذكور بعد التكبير والتهليل لنفسه فصحيح ، رواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر . وأما حديث جابر في المشي والسعي فصحيح رواه مسلم بمعناه ، وهذا لفظه قال : ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي ، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا هذا لفظ مسلم ، وفي رواية أبي داود ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة . وفي رواية النسائي ثم نزل حتى إذا تصوبت قدماه في بطن المسيل فسعى حتى صعدت قدماه ثم مشى حتى أتى المروة فصعد عليها ثم بدا له البيت وأما حديث رب اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم فرواه البيهقي موقوفا على ابن مسعود وابن عمر من قولهما .

Sección V08/P071–V08/P072

وأما حديث ابن عمر أنه كان يمشي بين الصفا والمروة إلى آخره فرواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بلفظه هذا المذكور في المهذب ، قال الترمذي هو حديث حسن صحيح ، وفيما قاله نظر ، لأن جميع طرقه تدور على عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان بضم الجيم عن ابن عمر وفي هذا نظر ، لأن عطاء اختلط في آخر عمره وتركوا الاحتجاج بروايات من سمع منه آخرا ، والراوي عنه في الترمذي ممن سمع منه آخرا ولكن رواه النسائي من رواية سفيان الثوري عن عطاء ، وسفيان ممن سمع منه قديما ، وكثير بن جمهان مستور . وقد رواه أبو داود ولم يضعفه فهو أيضا حسن عنده . وأما حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه فرواه مسلم بهذا اللفظ وأما حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا فرواه مسلم بهذا اللفظ . وأما ألفاظ الفصل فقوله : وهزم الأحزاب وحده ، أي الطوائف التي تحزبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحصروا المدينة . وقوله وحده معناه هزمهم بغير قتال منكم ، بل أرسل عليهم ريحا وجنودا لم تروها . قوله فبدأ بالصفا فرقي عليه ، هو بكسر القاف ، يقال رقي يرقي كعلم يعلم ، قال الله تعالى : أو ترقى في السماء وقوله الميل الأخضر هو العمود قوله معلق بفناء المسجد بكسر الفاء والمد والمراد ركن المسجد ، وعبارة الشافعي . المعلق في ركن المسجد ومعناه المبني فيه . والمراد بالمسجد المسجد الحرام قوله وحذاء دار العباس هكذا ذكره المصنف هنا . وفي التنبيه . وكذا ذكره كثير من الأصحاب وهو غلط في اللفظ ، وصوابه حذف لفظة حذاء ، بل يقال المعلقين بفناء المسجد ودار العباس ، وكذا ذكره الشافعي في مختصر المزني والدارمي والماوردي والقاضي حسين وأبو علي والمسعودي وصاحب العدة وآخرون بحذف لفظة حذاء ، وهو الصواب ، لأنه في نفس حائط دار العباس . وقال صاحب التتمة : وجدار دار العباس بجيم وبراء بعد الألف وهذا حسن ، والمراد بالجدار الحائط ، والعباس صاحب هذه الدار ، وهو أبو الفضل العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنه وأما صفية بنت شيبة فصحابية على المشهور . وقيل تابعية ، وسبق ذكرها في آخر باب محظورات الإحرام . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : إذا فرغ من ركعتي الطواف فالسنة أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه ، ثم يخرج من باب الصفا إلى المسعى ، ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكره المصنف ، وبيناه في آخر فصل الطواف . وقال الماوردي في الحاوي : إذا استلم الحجر استحب أن يأتي الملتزم ويدعو فيه ويدخل الحجر ويدعو تحت الميزاب . وذكر الغزالي في الإحياء أنه يأتي الملتزم إذا فرغ من الطواف قبل ركعتيه ثم يصليهما . وقال ابن جرير الطبري : يطوف ثم يصلي ركعتيه ثم يأتي الملتزم ثم يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ثم يخرج إلى الصفا ، وكل هذا شاذ مردود على قائله لمخالفته الأحاديث الصحيحية ، بل الصواب الذي تظاهرت به الأحاديث الصحيحة ثم نصوص الشافعي وجماهير الأصحاب وجماهير العلماء من غير أصحابنا أنه لا يشتغل عقب صلاة الطواف بشيء ، إلا استلام الحجر الأسود ، ثم الخروج إلى الصفا والله تعالى أعلم . ثم إذا أراد الخروج للسعي فالسنة أن يخرج من باب الصفا ، فيأتي سفح جبل الصفا فيرقى عليه قدر قامة حتى يرى البيت وهو يتراءى له من باب المسجد باب الصفا .

Sección V08/P072–V08/P073

لا من فوق جدار المسجد ، بخلاف المروة ، فإذا صعده استقبل الكعبة وهلل وكبر فيقول : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد ، الله أكبر على ما هدانا ، والحمد لله على ما أولانا ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له . له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أنجز وعده ، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، ثم يدعو بما أحب من أمر الدين والدنيا والآخرة لنفسه ولمن شاء . واستحبوا أن يقول : اللهم إنك قلت ادعوني أستجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد ، وإني أسألك كما هديتني إلى الإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم ، لما روى مالك في الموطأ عن نافع أنه سمع ابن عمر يقول هذا على الصفا وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم . وروى البيهقي عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول على الصفا اللهم اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك ، وجنبنا حدودك ، اللهم اجعلنا نحبك ، ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ، ونحب عبادك الصالحين ، اللهم حببنا إليك وإلى ملائكتك وإلى أنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين ، اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى ، واغفر لنا في الآخرة والأولى واجعلنا من أئمة المتقين وبإسناده عن نافع أن ابن عمر كان يقول عند الصفا اللهم أحيني على سنة نبيك صلى الله عليه وسلم وتوفني على ملته وأعذني من مضلات الفتن قال أصحابنا : ولا يلبي على الصفا . هذا هو المذهب ، وفيه وجه أنه يلبي إن كان حاجا وهو في طواف القدوم ، وبه جزم الماوردي والقاضي حسين وأبو علي البندنيجي والمتولي وصاحب العدة . قال أصحابنا : ثم يعيد هذا الذكر والدعاء ثانيا ويعيد الذكر ثالثا ، وهل يعيد الدعاء ثالثا فيه وجهان أحدهما : لا يعيده ، وبه قطع أبو علي البندنيجي والقاضي حسين وصاحب العدة والرافعي وآخرون وأصحهما : يعيده ، وبه قطع الماوردي والمصنف في التنبيه والروياني في البحر وآخرون ، وهذا هو الصواب لحديث جابر الذي ذكرنا قريبا عن صحيح مسلم وغيره ، وهو صريح في الدعاء ثلاثا ، فإذا فرغ من الذكر والدعاء نزل من الصفا متوجها إلى المروة فيمشي على سجية مشيه المعتاد ، حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر المعلق بركن المسجد على يساره قدر ست أذرع ثم يسعى سعيا شديدا حتى يتوسط بين الميلين الأخضرين اللذين أحدهما في ركن المسجد والآخر متصل بدار العباس رضي الله عنه ، ثم يترك شدة السعي ويمشي على عادته حتى يأتي المروة فيصعد عليها حتى يظهر له البيت إن ظهر ، فيأتي بالذكر والدعاء الذي قاله على الصفا ، فهذه مرة من سعيه ثم يعود من المروة إلى الصفا ، فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه ، فإذا وصل إلى الصفا صعده وفعل من الذكر والدعاء ما فعله أولا . وهذا مرة ثانية من سعيه ، ثم يعود إلى المروة كما فعل أولا ثم يعود إلى الصفا ، وهكذا حتى يكمل سبع مرات يبدأ بالصفا ويختم بالمروة . ويستحب أن يدعو بين الصفا والمروة في مشيه وسعيه . ويستحب قراءة القرآن فيه ، فهذه صفة السعي . فرع : في بيان واجبات السعي وشروطه وسننه وآدابه .

Sección V08/P073–V08/P075

أما الواجبات فأربعة أحدها : أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة ، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه ، حتى لو كان راكبا اشترط أن يسير دابته حتى تضع حافرها على الجبل أو إليه ، حتى لا يبقى من المسافة شيء ، ويجب على الماشي أن يلصق في الإبتداء والإنتهاء رجله بالجبل ، بحيث لا يبقى بينهما فرجة ، فيلزمه أن يلصق العقب بأصل ما يذهب منه ، ويلصق رءوس أصابع رجليه بما يذهب إليه . هذا كله إذا لم يصعد على الصفا وعلى المروة ، فإن صعد فهو الأكمل وقد زاد خيرا . وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه في الأحاديث الصحيحة السابقة . وهكذا عملت الصحابة فمن بعدهم ، وليس هذا الصعود شرطا واجبا بل هو سنة متأكدة ، ولكن بعض الدرج مستحدث فليحذر من أن يخلفها وراءه ، فلا يصح سعيه حينئذ ، وينبغي أن يصعد في الدرج حتى يستيقن . هذا هو المذهب . ولنا وجه أنه يجب الصعود على الصفا والمروة قدرا يسيرا ولا يصح سعيه إلا بذلك ليستيقن قطع جميع المسافة كما يلزمه غسل جزء من الرأس في غسل الوجه ليستيقن إكمال الوجه ، حكاه المصنف والأصحاب عن أبي حفص ابن الوكيل من أصحابنا ، واتفقوا على تضعيفه . والصواب أنه لا يجب الصعود ، وهو نص الشافعي ، وبه قطع الأصحاب للحديث الصحيح السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى راكبا ومعلوم أن الراكب لا يصعد . قال أصحابنا : وأما استيقان قطع جميع المسافة فيحصل بما ذكرناه من إلصاق العقب والأصابع ، وهذا الذي ذكرناه عن ابن الوكيل أن مذهبه أنه يشترط صعود الصفا والمروة بشيء قليل هو المشهور عنه ، الذي نقله عنه الجمهور . ونقل البغوي وغيره عنه أنه يشترط صعودهما قدر قامة رجل ، والصحيح عنه الأول . والواجب الثاني : الترتيب ، وهو أن يبدأ من الصفا ، فإن بدأ بالمروة لم يحسب مروره منها إلى الصفا ، فإذا عاد من الصفا كان هذا أول سعيه ، ويشترط أيضا في المرة الثانية أن يكون ابتداؤها من المروة ، وفي الثالثة من الصفا ، والرابعة من المروة ، والخامسة من الصفا ، والسادسة من المروة ، والسابعة من الصفا ويختم بالمروة ، فلو أنه لما أراد العودة من المروة إلى الصفا للمرة الثانية عدل عن موضع السعي وجعل طريقه في المسجد أو غيره ، وابتدأ المرة الثانية من الصفا أيضا لم يحسب له تلك المرة على المذهب ، وبه قطع ابن القطان وابن المرزبان والدارمي والماوردي والقاضي أبو الطيب والجمهور . وحكى الروياني وغيره وجها شاذا أنها تحسب والصواب الأول ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سعي هكذا وقال : لتأخذوا عني مناسككم . قال الماوردي : ولو نكس السعي فبدأ أولا بالمروة ، وختم السابعة بالصفا لم تجزه المرة الأولى التي بدأها من المروة ، وتصير الثانية التي بدأها من الصفا أولى ، ويحسب ما بعدها فيحصل له ست مرات ويبقى عليه سابعة فيبدؤها من الصفا فإذا وصل المروة تم سعيه . قال الماوردي : وكذا الحكم فيما لو نسي بعض السبع ، فإن نسي السابعة أتى بها يبدؤها من الصفا ، ولو نسى السادسة وسعى السابعة حسبت له الخمس الأول ولا تحسب السادسة والسابعة ، لأن الترتيب شرط ، فلا تصح السابعة حتى يأتي بالسادسة ، فيلزمه سادسة يبدؤها من المروة ، ثم سابعة يبدؤها من الصفا ، فيتم سعيه بوصوله المروة ، وقال : لو نسي الخامس لم يعتد بالسادس وجعل السابع خامسا ثم أتى بالسادس ثم السابع .

Sección V08/P075–V08/P076

قال : وكذا الحكم لو ترك شيئا من المسعى لم يستوفه في سعيه ، فلو ترك ذراعا من المرة السابعة فله ثلاثة أحوال أحدها : أن يتركه من آخر السابعة ، فيعود ويأتي بالذراع ويجزئه ، فإن رجع إلى بلده قبل الإتيان به كان على إحرامه الثاني : أن يتركه من أول السابعة فيلزمه أن يأتي بالسابعة بكمالها من أولها إلى آخرها ، كمن ترك الآية الأولى من الفاتحة يلزمه استئناف الفاتحة بكمالها . الثالث : أن يتركه من وسط السابعة فيحسب ما مضى منها ويلزمه أن يأتي بما تركه وما بعده إلى آخر السابعة . ولو ترك ذراعا من السادسة لم تحسب السابعة ، لأنها لا تحسب حتى تصح السادسة . وأما السادسة فحكمها كما ذكرناه في السابعة إذا ترك منها ذراعا ، ويجىء فيها الأحوال الثلاثة والله أعلم . الواجب الثالث : إكمال سبع مرات يحسب الذهاب من الصفا إلى المروة مرة ، والرجوع من المروة إلى الصفا مرة ثانية ، والعود إلى المروة ثالثة ، والعود إلى الصفا رابعة ، وإلى المروة خامسة وإلى الصفا سادسة ، ومنه إلى المروة سابعة ، فيبدأ بالصفا ويختم بالمروة ، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به جماهير الأصحاب المتقدمين والمتأخرين وجماهير العلماء . وعليه عمل الناس ، وبه تظاهرت الأحاديث الصحيحة . وقال جماعة من أصحابنا : يحسب الذهاب من الصفا إلى المروة ، والعود منها إلى الصفا مرة واحدة ، فتكون المرة من الصفا إلى الصفا ، كما أن الطواف تكون المرة من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ، وكما أن في مسح الرأس يحسب الذهاب من مقدمه إلى مؤخره والرجوع مرة واحدة . وممن قال هذا من أصحابنا أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي وأبو علي بن خيران ، وأبو سعيد الاصطخري وأبو حفص ابن الوكيل وأبو بكر الصيرفي . وقال به أيضا محمد بن جرير الطبري وهذا غلط ظاهر . دليلنا الأحاديث الصحيحة ، منها حديث جابر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى سبعا ، بدأ بالصفا وفرغ على المروة والفرق بينه وبين الطواف الذي قاسوا عليه أن الطواف لا يحصل فيه قطع المسافة كلها الا بالمرور من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ، وأما هنا فيحصل قطع المسافة كلها بالمرور إلى المروة ، وإذا رجع إلى الصفا حصل قطعها مرة أخرى ، فحسب ذلك مرتين . واعلم أنهم اختلفوا في حكاية قول الصيرفي ، فحكى الشيخ أبو حامد والماوردي والجمهور عنه أنه يقول : يحسب الذهاب من الصفا إلى المروة والعودة إلى الصفا ، كلاهما مرة واحدة ولا يحسب أحدهما مرة . وحكى القاضي أبو الطيب في تعليقه أنه قال : إذا وصل المروة في المرة الأولى حصل له مرة من السبع ، قال : وعوده إلى الصفا ليس بشيء فلا يحسب له ، وإنما هو توصل إلى السعي ، قال : حتى لو عاد مارا في المسجد لا بين الصفا والمروة جاز ، وحسب كل مرة من الصفا إلى المروة ، والمشهور عنه ما قدمناه عن الشيخ أبي حامد والجمهور ، والروايتان عنه باطلتان ، والصواب في حكم المسألة ما قدمناه عن الجمهور أن الذهاب مرة والعود أخرى ، والله تعالى أعلم . قال أصحابنا : لو سعى أو طاف وشك في العدد قبل الفراغ لزمه الأخذ بالأقل ، فلو اعتقد إتمام سعيه فأخبره عدل أو عدلان ببقاء شيء ، قال الشافعي والأصحاب : لا يلزمه الإتيان به لكن يستحب والله أعلم . الواجب الرابع : قال أصحابنا : يشترط كون السعي بعد طواف صحيح سواء كان بعد طواف القدوم أو طواف الزيارة ، ولا يتصور وقوعه بعد طواف الوداع ، لأن طواف الوداع هو الواقع بعد فراغ المناسك ، فإذا بقي السعي لم يكن المفعول طواف الوداع .

Sección V08/P076–V08/P077

واستدل الماوردي لاشتراط كون السعي بعد طواف صحيح بالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم سعي بعد الطواف وقال صلى الله عليه وسلم لتأخذوا عني مناسككم وإجماع المسلمين ، ونقل الماوردي وغيره الإجماع في اشتراط ذلك وشذ إمام الحرمين فقال في كتابه الأساليب : قال بعض أئمتنا : لو قدم السعي على الطواف اعتد بالسعي ، وهذا النقل غلط ظاهر مردود بالأحاديث الصحيحة وبالإجماع الذي قدمناه عن نقل الماوردي ، والله أعلم . فرع : قال صاحب البيان : قال الشيخ أبو نصر : يجوز لمن أحرم بالحج من مكة إذا طاف للوداع لخروجه إلى منى أن يقدم السعي بعد هذا الطواف ، قال وبمذهبنا هذا قال ابن عمر وابن الزبير والقاسم بن محمد . وقال مالك وأحمد وإسحاق : لا يجوز ذلك له ، وإنما يجوز للقادم . دليلنا أنه إذا جاز ذلك لمن أحرم من خارج مكة جاز للمحرم منها . هذا نقل صاحب البيان ، ولم أر لغيره ما يوافقه ، وظاهر كلام الأصحاب أنه لا يجوز السعي إلا بعد طواف القدوم أو الإفاضة كما سبق ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : ولو سعى ثم تيقن أنه ترك شيئا من الطواف لم يصح سعيه ، فيلزمه أن يأتي ببقية الطواف إن قلنا يجوز تفريقه وهو المذهب وإلا فيستأنف ، فإذا أتى ببقيته أو استأنفه أعاد السعي ، والله أعلم . فرع : الموالاة بين مراتب السعي سنة على المذهب ، فلو تخلل فصل يسير أو طويل بينهن لم يضر ، وإن كان شهرا أو سنة أو أكثر ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور . وقال الماوردي : إن فرق يسيرا جاز ، وإن فرق كثيرا ، فإن جوزنا التفريق الكثير بين مرات الطواف وهو الأصح ، فههنا أولى ، وإلا ففي السعي وجهان أحدهما : وهو قول أصحابنا البصريين : لا يجوز والثاني : وهو قول أصحابنا البغداديين : يجوز ، لأن السعي أخف من الطواف ، ولهذا يجوز مع الحدث وكشف العورة ، هذا نقل الماوردي . وقال أبو علي البندنيجي إن فرق يسيرا لم يضر وجاز البناء ، وكذا إن فرق كثيرا لعذر ، كالخروج للصلاة المكتوبة والطهارة وغيرهما ، وإن فرق كثيرا بلا عذر فقولان . قال في الأم : يبني ، وفي القديم يستأنف ، والله أعلم . وأما الموالاة بين الطواف والسعي فسنة ، فلو فرق بينهما تفريقا قليلا أو كثيرا جاز وصح سعيه ما لم يتخلل بينهما الوقوف ، فإن تخلل الوقوف لم يجز أن يسعى بعده قبل طواف الإفاضة ، بل يتعين حينئذ السعي بعد طواف الإفاضة بالإتفاق صرح به القفال وأبو على البندنيجي والبغوي والمتولي وصاحب العدة وآخرون ولا نعلم فيه خلافا إلا أن الغزالي قال في الوسيط فيه تردد ولم يذكر شيخه التردد ، بل حكى قول البندنيجي وسكت عليه . واحتج له المتولي بأنه دخل وقت الطواف المفروض فلم يجز أن يسعى سعيا تابعا لطواف نفل مع إمكان طواف فرض ، وهذا الذي ذكرناه من الموالاة بين الطواف والسعي سنة ، وأنه لو تخلل زمان طويل كسنة وسنتين وأكثر جاز أن يسعى ويصح سعيه ويكون مضموما إلى السعي الأول ، وهو المذهب وبه قطع جماهير الأصحاب في طريقتي العراق وخراسان ، وكلهم يمثلون بما أخره سنتين جاز ، وممن صرح بذلك وقطع به الشيخ أبو حامد والقفال ، والقاضيان أبو الطيب وحسين في تعليقهما وأبو علي السنجي والمحاملي والفوراني والبغوي وصاحب العدة و البيان وخلائق لا يحصون .

Sección V08/P077–V08/P079

وقال الماوردي : هل تشترط الموالاة بين الطواف والسعي فيه وجهان أحدهما : وهو قول أصحابنا البغداديين لا تشترط الموالاة ، بل يجوز تأخيره يوما وشهرا وأكثر لأنهما ركنان فلا تشترط الموالاة بينهما كالوقوف وطواف الإفاضة والثاني : تشترط الموالاة بينهما ، فإن فرق كثيرا لم يصح السعي ، وهو قول أصحابنا البصريين ، لأن السعي لما افتقر إلى تقديم الطواف ليمتاز عما لغير الله تعالى افتقر إلى الموالاة بينه وبينه ليقع الميز به ، ولا يحصل الميز إذ أخره . هذا نقل الماوردي . وقال المتولي : في اشتراط الموالاة بين الطواف والسعي قولان مبنيان على القولين في الموالاة في الوضوء . قال ووجه الشبه أنهما ركنان في عبادة ، وأمكن الموالاة في الوضوء . قال ووجه الشبه أنهما ركنان في عبادة ، وأمكن الموالاة بينهما فصار كاليد مع الوجه في الوضوء ، والصواب ما قدمناه عن الجمهور قياسا على تأخير طواف الإفاضة عن الوقوف ، فإنه يجوز تأخيره سنين كثيرة ، ولا آخر له ما دام حيا بلا خلاف ، والله أعلم . فرع : في سنن السعي . وهي جميع ما سبق في كيفية السعي سوى الواجبات المذكورة ، وهي سنن كثيرة إحداها : يستحب أن يكون عقب الطواف وأن يواليه ، فإن أخره عن الطواف أو فرق بين مراته جاز على المذهب ما لم يتخلل بينهما الوقوف كما سبق ، وفيه خلاف ضعيف سبق الآن . الثانية : يستحب أن يسعى على طهارة من الحدث والنجس ساترا عورته ، فلو سعى محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء أو عليه نجاسة أو مكشوف العورة ، جاز وصح سعيه بلا خلاف ، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقد حاضت : ( اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ) رواه البخاري ومسلم وسبق بيانه مرات . الثالثة : الأفضل أن يتحرى زمان الخلوة لسعيه وطوافه ، وإذا كثرت الزحمة فينبغي أن يتحفظ من أيدي الناس وترك هيئة من هيئات السعي أهون من إيذاء مسلم ومن تعريض نفسه للأذى ، وإذا عجز عن السعي في موضعه لزحمة تشبه في حركته بالساعي كما قلنا في الرمل . قال الشافعي في الأم والأصحاب : يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة ، فإن طافت نهارا جاز وتسدل على وجهها ما يستره من غير مماسته البشرة . الرابعة : الأفضل أن لا يركب في سعيه إلا لعذر كما سبق في الطواف ، لأنه أشبه بالتواضع . لكن سبق هناك خلاف في تسمية الطواف راكبا مكروها ، واتفقوا على أن السعي راكبا ليس بمكروه ، لكنه خلاف الأفضل لأن سبب الكراهة هناك عند من أثبتها خوف تنجس المسجد بالدابة ، وصيانته من امتهانه بها . وهذا المعنى منتصف في السعي . وهذا معنى قول صاحب الحاوي الركوب في السعي أخف من الركوب في الطواف . ولو سعي به غيره محمولا جاز لكن الأولى سعيه بنفسه إن لم يكن صبيا صغيرا أو له عذر كمرض ونحوه . الخامسة : أن يكون الخروج إلى السعي من باب الصفا السادسة : أن يرقى على الصفا وعلى المروة قدر قامة في كل واحد منهما السابعة : الذكر والدعاء على الصفا والمروة كما سبق بيانه . ويستحب أن يقول في مروره بينهما رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم ، اللهم آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، وأن يقرأ القرآن وسبق بيان أدلة كل هذا . الثامنة : يستحب أن يكون سعيه في موضع السعي الذي سبق بيانه سعيا شديدا فوق الرمل .

Sección V08/P079–V08/P080

والسعي مستحب في كل مرة من السبع ، بخلاف الرمل فإنه مختص بالثلاث الأول ، كما أن السعي الشديد في موضعه سنة ، فكذلك المشي على عادته في باقي المسافة سنة ، ولو سعى في جميع المسافة أو مشي فيها صح وفاته الفضيلة ، والله أعلم . فرع : أما المرأة ففيها وجهان الصحيح : المشهور ، وبه قطع الجمهور أنها لا تسعى في موضع السعي ، بل تمشي جميع المسافة ، سواء كانت نهارا أو ليلا في الخلوة لأنها عورة ، وأمرها مبني على الستر ، ولهذا لا ترمل في الطواف والثاني : أنها إن سعت في الليل حال خلو المسعى استحب لها السعي في موضع السعي كالرجل ، والله أعلم . فرع : قال الشيخ أبو محمد الجويني : رأيت الناس إذا فرغوا من السعي صلوا ركعتين على المروة ، قال : وذلك حسن وزيادة طاعة ، ولكن لم يثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . هذا كلام أبي محمد ، وقال أبو عمرو ابن الصلاح : ينبغي أن يكره ذلك لأنه ابتداء شعار ، وقد قال الشافعي رحمه الله ليس في السعي صلاة . وهذا الذي قاله أبو عمرو أظهر ، والله أعلم . فرع : قال الشافعي والأصحاب : لا يجوز السعي في غير موضع السعي ، فلو مر وراء موضع السعي في زقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه ، لأن السعي مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره كالطواف . قال أبو علي البندنيجي في كتابه الجامع : موضع السعي بطن الوادي . قال الشافعي في القديم : فإن التوى شيئا يسيرا أجزأه . وإن عدل حتى يفارق الوادي المؤدي إلى زقاق العطارين لم يجز وكذا قال الدارمي : إن التوي في السعي يسيرا جاز ، وإن دخل المسجد أو زقاق العطارين فلا ، والله أعلم . فرع : قال الدارمي : يكره أن يقف في سعيه لحديث ونحوه ، فإن فعله أجزأه . فرع : قد سبق في فصل الطواف أنه يسن الاضطباع في جميع المسعى ، وذكرنا وجها شاذا عن حكاية الدارمي عن ابن القطان أنه إنما يضطبع في موضع السعي الشديد دون موضع المشي . وهذا غلط ، والله أعلم . فرع : السعي ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا له ، ولا يجبر بدم ولا يفوت ما دام صاحبه حيا ، فلو بقي منه مرة من السعي أو خطوة لم يصح حجه ، ولم يتحلل من إحرامه حتى يأتي بما بقي ، ولا يحل له النساء وإن طال ذلك سنين ، ولا خلاف في هذا عندنا إلا ما شذ به الدارمي فقال : قال أبو حنيفة : إن ترك السعي عمدا أو سهوا لزمه في كل شوط إطعام مسكين نصف صاع إلى أربعة أشواط ففيها الدم . قال وحكى ابن القطان عن أبي علي قولا آخر كمذهب أبي حنيفة وهذا القول شاذ وغلط ، والله أعلم . فرع : قال الشافعي والأصحاب : إذا أتى بالسعي بعد طواف القدوم وقع ركنا ولا يعاد بعد طواف الإفاضة ، فإن أعاده كان خلاف الأولى . وقال الشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين وغيرهما : يكره إعادته لأنه بدعة ، ودليل المسألة حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول رواه مسلم ، يعني بالطواف السعي لقوله تعالى : فلا جناح عليه أن يطوف بهما . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أنه لو سعى راكبا جاز ، ولا يقال مكروه ، لكنه خلاف الأولى ولا دم عليه ، وبه قال أنس بن مالك وعطاء ومجاهد . قال ابن المنذر : وكره الركوب عائشة وعروة وأحمد وإسحاق ، وقال أبو ثور : لا يجزئه ويلزمه الإعادة . وقال مجاهد لا يركب إلا لضرورة .

Sección V08/P080–V08/P082

وقال أبو حنيفة : إن كان بمكة أعاده ولا دم ، وإن رجع إلى وطنه بلا إعادة لزمه دم . دليلنا الحديث الصحيح السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى راكبا . فرع : في مذاهب العلماء في حكم السعي . مذهبنا أنه ركن من أركان الحج والعمرة لا يتم واحد منهما إلا به ، ولا يجبر بدم ، ولو بقي منه خطوة لم يتم حجه ولم يتحلل من إحرامه . وبه قالت عائشة ومالك وإسحاق وأبو ثور وداود وأحمد في رواية . وقال أبو حنيفة : هو واجب ليس بركن بل ينوب عنه . وقال أحمد في رواية : ليس هو بركن ولا دم في تركه ، والأصح عنه أنه واجب ليس بركن فيجبر بالدم . وقال ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وابن الزبير وأنس وابن سيرين : هو تطوع ليس بركن ولا واجب ولا دم في تركه وحكى ابن المنذر عن الحسن وقتادة والثوري أنه يجب فيه الدم ، وعن طاوس أنه قال : من ترك من السعي أربعة أشواط لزمه دم ، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع وليس هو بركن ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وعن عطاء رواية أنه تطوع لا شيء في تركه ، ورواية فيه الدم . قال ابن المنذر : إن ثبت حديث بنت أبي تجرأة الذي قدمناه أنها سمعت النبي يقول : اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي فهو ركن . قال الشافعي : وإلا فهو تطوع قال : وحديثها رواه عبد الله بن المؤمل وقد تكلموا فيه . واحتج القائلون بأنه تطوع بقوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما وفي الشواذ قراءة ابن مسعود ( فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ) ورفع الجناح في الطواف بهما يدل على أنه مباح لا واجب . واحتج أصحابنا بحديث صفية بنت شيبة من بني عبد الدار أنهن سمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استقبل الناس في المسعى وقال : يا أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن ، والجواب عن الآية ما أجابت عائشة رضي الله عنها لما سألها عروة بن الزبير عن هذا فقالت إنما نزلت الآية هكذا ، لأن الأنصار كانوا يتحرجون من الطواف بين الصفا والمروة ، أي يخافون الحرج فيه ، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى الآية رواه البخاري ومسلم . فرع : لو سعى قبل الطواف لم يصح سعيه عندنا ، وبه قال جمهور العلماء ، وقدمنا عن الماوردي أنه نقل الإجماع فيه ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد . وحكى ابن المنذر عن عطاء وبعض أهل الحديث أنه يصح ، حكاه أصحابنا عن عطاء وداود . دليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سعي بعد الطواف ، وقال صلى الله عليه وسلم : لتأخذوا عني مناسككم . وأما حديث ابن شريك الصحابي رضي الله عنه قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا فكان الناس يأتونه ، فمن قائل : يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف ، أو أخرت شيئا ، أو قدمت شيئا ، فكان يقول : لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم ، فذلك الذي هلك وخرج فرواه أبو داود بإسناد صحيح كل رجاله رجال الصحيحين إلا أسامة بن شريك الصحابي وهذا الحديث محمول على ما حمله الخطابي وغيره ، وهو أن قوله : سعيت قبل أن أطوف ، أي سعيت بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة ، والله أعلم . فرع : مذهبنا أن الترتيب في السعي شرط ، فيبدأ بالصفا ، فلو بدأ بالمروة لم يعتد به ، وبهذا قال الحسن البصري والأوزاعي .

Sección V08/P082

قال مالك وأحمد وداود وجمهور العلماء وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة أيضا ، والمشهور عن أبي حنيفة : أنه ليس بشرط فيصح الإبتداء بالمروة . وعن عطاء روايتان إحداهما : كمذهبنا والثانية : يجزي الجاهل . دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم ابدأوا بما بدأ الله به وهو حديث صحيح كما سبق ، والله أعلم . فرع : لو أقيمت الصلاة المكتوبة وهو في أثناء السعي قطعه وصلاها ثم بنى عليه ، هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء ، منهم ابن عمر وابنه سالم وعطاء وأبو حنيفة وأبو ثور ، قال ابن المنذر : هو قول أكثر العلماء ، وقال مالك : لا يقطعه للصلاة إلا أن يضيق وقتها . فرع : مذهبنا ومذهب الجمهور أن السعي يصح من المحدث والجنب والحائض ، وعن الحسن أنه إن كان قبل التحلل أعاد السعي ، وإن كان بعده فلا شيء عليه ، دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها وقد حاضت اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت رواه البخاري ومسلم .

Sección V08/P082–V08/P084

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويخطب الإمام اليوم السابع من ذي الحجة بعد الظهر بمكة ، ويأمر الناس بالغدو من الغد إلى منى ، وهي إحدى الخطب الأربع المسنونة في الحج ، والدليل عليه ما روى ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان التروية بيوم خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم ويخرج إلى منى في اليوم الثاني ويصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ويبيت بها إلى أن يصلي الصبح ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم التروية بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة فإذا طلعت الشمس سار إلى الموقف ، لما روى جابر رضي الله عنه قال ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ثم ركب فأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها فإذا زالت الشمس خطب الإمام وهي الخطبة الثانية من الخطب الأربع ، فيخطب خطبة خفيفة ويجلس ثم يقوم إلى الثانية ، ويبتدىء المؤذن بالأذان حتى يكون فراغ الإمام مع فراغ المؤذن ، لما روى أن سالم بن عبد الله قال للحجاج إن كنت تريد أن تصيب السنة فأقصر الخطبة وعجل الوقوف ، فقال ابن عمر رضي الله عنهما : صدق ثم يصلي الظهر والعصر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم . + الشرح : أما حديث ابن عمر الأول في الخطبة قبل يوم التروية بيوم فرواه البيهقي بلفظه المذكور في المهذب وإسناده جيد . وأما حديث ابن عباس فصحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم بمعناه وهذا لفظه : عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى ورواه مسلم في صحيحه من رواية جابر قال فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى وأهلوا بالحج وركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة وروى البخاري ومسلم من رواية أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم التروية بمنى وفي رواية للبخاري الظهر والعصر وأما حديث جابر وقوله ثم مكث قليلا فرواه مسلم كما ذكرنا الآن عنه . وأما حديث سالم فرواه البخاري في صحيحه بلفظه هنا . وأما حديث الجمع بين الظهر والعصر يوم عرفة ، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله : اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فرواه البخاري من رواية ابن عمر ، ورواه مسلم من رواية جابر في حديثه الطويل والله أعلم . وقوله يوم التروية هو بفتح التاء المثناة ، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة سمي بذلك لأنهم كانوا يتروون بحمل الماء معهم من مكة إلى عرفات ، وسبق بيانه مرات ، ويسمى يوم التروية يوم النقلة أيضا ، لأن الناس ينتقلون فيه من مكة إلى منى . وأما نمرة فبفتح النون وكسر الميم ، ويجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها ، فتصير ثلاثة أوجه كما سبق مرات في نظائرها ، ونمرة موضع معروف بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات ، والله أعلم . أما الأحكام : ففيها مسائل إحداها : قال أصحابنا : إذا فرغ المحرم من السعي بين الصفا والمروة ، فإن كان معتمرا متمتعا أو غير متمتع ، فليحلق رأسه أو يقصره ، فإذا فعل صار حلالا تحل له النساء وكل شيء كان حرم عليه بالإحرام ، سواء كان متمتعا أو معتمرا غير متمتع ، سواء ساق هديا أم لا ، ولا خلاف في هذا كله عندنا ، وقد قدمت مذاهب العلماء في ذلك الباب الأول من كتاب الحج فإن كان المعتمر متمتعا أقام بمكة حلالا يفعل ما أراد من الجماع وغيره ، فإن أراد أن يعتمر تطوعا كان له ذلك ، بل يستحب له ذلك .

Sección V08/P084–V08/P086

ويستحب له الإكثار من الاعتمار ، وقد سبقت المسألة بدلائلها ، ومذاهب العلماء فيها في الباب الأول من كتاب الحج . فإذا كان يوم التروية أحرم من مكة بالحج ، وكذا من أراد الحج من أهل مكة يحرم به يوم التروية ، سواء كان من المستوطنين بها أم الغرباء ، وقد سبق بيان هذا واضحا في باب مواقيت الحج . وإن كان الذي فرغ من السعي حاجا مفردا أو قارنا ، فإن وقع سعيه بعد طواف الإفاضة فقد فرغ من أركان الحج كلها ، وإنما بقي عليه المبيت بمنى ورمي أيام التشريق . وإن وقع سعيه بعد طواف القدوم فليمكث بمكة إلى وقت خروجهم إلى منى فإذا كان اليوم السابع من ذي الحجة خطب الإمام بعد صلاة الظهر عند الكعبة خطبة فردة ، وهي أول الخطب الأربع المشروعة في الحج ، ويأمر الناس في هذه الخطبة بأن يتأهبوا إلى الذهاب إلى منى في الغد ، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة المسمى يوم التروية ، ويعلمهم المناسك التي بين أيديهم إلى الخطبة الثانية المشروعة يوم عرفة بنمرة ، فيذكر أن السنة أن يخرجوا غدا قبل الزوال أو بعده ، كما سنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى إلى منى ، وأن يصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ويبيتوا بها ويصلوا بها الصبح ويمكثوا حتى تطلع الشمس على ثبير ، ثم يسيروا إلى نمرة ويغتسلوا للوقوف ولا يصوموا ولا يدخلوا عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جمعا ، وأن يحضروا الصلاتين والخطبتين مع الإمام ويذكر لهم غير ذلك مما يحتاجون إليه ويأمر المتمتعين أن يطوفوا قبل الخروج ، وهذا الطواف مستحب لهم ليس بواجب . قال الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والأصحاب : فلو كان اليوم السابع يوم جمعة خطب للجمعة وصلاها ، ثم خطب هذه الخطبة لأن السنة في هذه الخطبة التأخير عن الصلاة . وشرط خطبة الجمعة تقدمها على الصلاة . فلا تدخل إحداها في الأخرى والله أعلم . قال الماوردي : إن كان الإمام الذي خطب هذه الخطبة يوم السابع محرما افتتح الخطبة بالتلبية ، وإن كان حلالا افتتحها بالتكبير . قال : وإن كان الإمام مقيما بمكة استحب أن يحرم ويصعد المنبر محرما ثم يخطب . وهذا الذي ذكره من إحرام الإمام غريب محتمل . فرع : الخطب المشروعة في الحج أربعة إحداهن : يوم السابع من ذي الحجة بمكة عند الكعبة ، وقد ذكرناها قريبا واضحة الثانية : يوم عرفة بقرب عرفات الثالثة : بمنى الرابعة : يوم النفر الأول بمنى أيضا ، وهو الثاني من أيام التشريق قال أصحابنا : ويذكر لهم في كل واحدة من هذه الخطب ما بين أيديهم من المناسك وأحكامها ، وما يتعلق بها إلى الخطبة الأخرى . قال الشافعي : وإن كان الذي يخطب فقيها قال : هل من سائل قال أصحابنا : وكل هذه الخطب الأربع أفراد وبعد صلاة الظهر إلا التي بعرفات ، فإنهما خطبتان وقبل صلاة الظهر وبعد الزوال ، وسيأتي إيضاحهن في موضعهن إن شاء الله تعالى . فرع : أيام المناسك سبعة أولها : بعد الزوال السابع من ذي الحجة ، وآخرها بعد الزوال الثالث عشر منه وهو آخر أيام التشريق ، فالسابع لا يعرف له اسم مخصوص ، والثامن يسمى يوم التروية كما سبق ، والتاسع يوم عرفة ، والعاشر يوم النحر ، والحادي عشر يوم القمر بفتح القاف وتشديد الراء سمي بذلك لأنهم يقرون فيه بمنى أو يقيمون مطمئنين ، والثاني عشر يوم النفر الأول ، والثالث عشر يوم النفر الثاني وأما قول الصيمري والماوردي وصاحب البيان : إن الناس اختلفوا في تسمية الثامن يوم التروية ، فقيل لأنهم يتروون الماء كما قدمناه ، وقيل لأن آدم رأى فيه حواء ، وقيل لأن جبريل أرى فيه إبراهيم المناسك فكلام فاسد ونقل عجيب ، والصواب ما قدمناه .

Sección V08/P086–V08/P087

فرع : السنة للخليفة إذا لم يحضر الحج بنفسه أن ينصب أميرا على الحجيج يقيم لهم المناسك ويطيعونه فيما ينوبهم . وسيأتي في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى فصل حسن في صفات هذا الأمر وشروطه وأحكامه وما يتعلق بولايته ، ودليل ما ذكرناه الأحاديث الصحيحة ، فقد فتحت مكة سنة ثمان من الهجرة في رمضان فولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد مكة ، وأقام المناسك للناس تلك السنة ، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الحج ، فحج بالناس وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة حجة الوداع ، ثم استمر الخلفاء الراشدون على الحج بالناس . وإذا لم يحضروا استنابوا أميرا ، وولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة عشر سنين حجهن كلهن ، وقيل حج تسع سنين منها ، والله أعلم . المسألة الثانية : السنة أن يخرج الإمام أو نائبه والحجيج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة . قال الشافعي والأصحاب : ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة بحيث يصلون الظهر في أول وقتها بمنى . هذا هو الصحيح المشهور من نصوص الشافعي والأصحاب . وفيه قول ضعيف أنهم يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون . وقال الشيخ أبو حامد في تعليقه : قال الشافعي : يأمرهم بالغدو إلى منى وقال الشافعي في موضع آخر : يأمرهم بالرواح . قال أبو حنيفة : وكل هذا قريب إلا أنهم يصلون الظهر بمنى ، وذكر صاحب البيان هذين النصين للشافعي ثم قال : وليست على قولين ، بل هم مخيرون بين أن يغدوا بكرة وبين أن يروحوا بعد الزوال ، قال : وهذا الثاني أولى . هذا كلامه وليس كما قال . وقال صاحب الحاوي : إذا زالت الشمس في اليوم الثامن خرج إلى منى ولم يصل الظهر بمكة وإن خرج قبل الزوال جاز ، فحصل خلاف في وقت استحباب الخروج المذهب : أنه بعد الصبح . قال أصحابنا : فإن كان يوم جمعة خرجوا قبل طلوع الفجر ، لأن السفر يوم الجمعة بعد الفجر وقبل الزوال إلى حيث لا تصلي الجمعة حرام في أصح القولين ومكروه في الآخر ، فينبغي الاحتراز منه بالخروج قبل الفجر ، لأنهم لا يصلون الجمعة بمنى ولا بعرفات لأن من شروط الجمعة دار الإقامة . قال الشافعي والأصحاب : فإن بنى بها قرية واستوطنها أربعون من أهل الكمال أقاموا الجمعة وصلاها معهم الحجيج . قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : وإذا كان يوم جمعة استخلف الإمام من يصلي الجمعة بالناس بمكة ، وسار هو إلى منى فصلى بها الظهر . هذا كلام القاضي . وقال المتولي : ولو تركوا الخروج أول النهار ، وصلوا الجمعة في وقتها بمكة كان أولى لأنها فرض والخروج إلى منى مستحب ، وهذا خلاف ما قال القاضي أبو الطيب ، وخلاف متقضى كلام الجمهور ، والله أعلم . فرع : قال الشافعي والأصحاب : يستحب لمن أحرم من مكة وأراد الخروج إلى عرفات أن يطوف بالبيت ويصلي ركعتين ثم يخرج ، نص عليه الشافعي في البويطي ، واتفق الأصحاب عليه ، ونقله الشيخ أبو حامد عن نصه في البويطي ثم قال : وهذا يتصور في صورتين ، وهما المتمتع والمكي إذا أحرما بالحج من مكة الثالثة : إذا خرجوا يوم التروية إلى منى فالسنة أن يصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح كما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة وهذا لا خلاف فيه والسنة أن يبيتوا بمنى ليلة التاسع ، وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب فلو تركه فلا شيء عليه لكن فاتته الفضيلة . وهذا الذي ذكرناه من كونه سنة لا خلاف فيه . وأما قول القاضي أبي الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وإمام الحرمين والغزالي والمتولي إنه ليس بنسك فمرادهم ليس بواجب ولم يريدوا أنه لا فضيلة فيه والله تعالى أعلم .

Sección V08/P087–V08/P089

الرابعة : قال الشافعي والأصحاب : فإذا بات بمنى ليلة التاسع وصلى بها الصبح فالسنة أن يمكث بها حتى تطلع الشمس على ثبير بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة وهو جبل معروف هناك ، فإذا طلعت عليه سار متوجها إلى عرفات . قال بعض العلماء يستحب أن يقول في مسيره هذا ( اللهم إليك توجهت ولوجهك الكريم أردت ، فاجعل ذنبي مغفورا ، وحجي مبرورا ، وارحمني ولا تخيبني ، إنك على ذلك وعلى كل شيء قدير ) ويستحب أن يكثر من التلبية . قال الماوردي في كتابه الحاوي . قال الشافعي : واختار أن يسلك الطريق التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غدوه إلى عرفات ، وهي من مزدلفة في أصل المأزمين على يمين الذاهب إلى عرفات ، يقال له طريق ضب . هذا كلام الماوردي في الحاوي . وقال في كتابه الأحكام السلطانية : يستحب أن يسير على طريق ضب ويعود على طريق المأزمين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وليكون عائدا في طريق غير التي ذهب فيها كالعيد . وذكر الأرزقي نحو هذا . قال الأرزقي : وطريق ضب طريق مختصر من المزدلفة إلى عرفة وهو في أصل المأزمين عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة . وأما قول القاضي حسين في تعليقه : يستحب أن يسلك في ذهابه من منى إلى عرفات طريق المأزمين لأنه طريق الأئمة فهو متأول على ما ذكره الماوردي والأرزقي والله أعلم . قال أصحابنا : ويسيرون ملبين ذاكرين الله لحديث محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة : كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كان يهل المهل منا فلا ينكر عليه ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية للبخاري وذكرها في صلاة العيد كان يلبي الملبي لا ينكر عليه ويكبر المكبر لا ينكر عليه وهو بمعنى الرواية الأولى . وعن ابن عمر قال غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر رواه مسلم . الخامسة : قال أصحابنا : يستحب إذا وصلوا نمرة أن تضرب بها قبة الإمام ومن كان له قبة ضربها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الماوردي : ويستحب أن ينزل بنمرة حيث نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منزل الخلفاء اليوم ، وهو إلى الصخرة الساقطة بأصل الجبل على يمين الذاهب إلى عرفات ، وكذا روى الأرزقي في هذا التقييد عن عطاء ، قال الأرزقي وغيره : نمرة عند الجبل الذي عليه أنصاف الحرم عن يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفات تريد الموقف . قال أصحابنا : ولا يدخل عرفات إلا في وقت الوقوف بعد الزوال وبعد صلاة الظهر والعصر مجموعتين ، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى . وأما ما يفعله معظم الناس في هذه الأزمان من دخولهم أرض عرفات قبل وقت الوقوف فخطأ وبدعة ومنابذة للسنة . والصواب أن يمكثوا بنمرة حتى تزول الشمس ويغتسلوا بها للوقوف ، فإذا زالت الشمس ذهب الإمام والناس إلى المسجد المسمى مسجد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ويخطب الإمام فيه قبل صلاة الظهر خطبتين كما قدمنا بيانه ، يبين لهم في الأولى منهما كيفية الوقوف وشرطه وآدابه ، ومتى الدفع من عرفات إلى مزدلفة وغير ذلك من المناسك التي بين أيديهم إلى الخطبة التي تكون بمنى يوم النحر بعد الزوال ، وهذه المناسك التي يذكرها في خطبة عرفة هي معظم المناسك ، ويحرضهم فيها على إكثار الدعاء والتهليل وغيرهما من الأذكار والتلبية في الموقف ، ويخفف هذه الخطبة ، لكن لا يبلغ تخفيفها تخفيف الثانية .

Sección V08/P089–V08/P090

قال الماوردي : قال الشافعي : وأقل ما عليه في ذلك أن يعلمهم ما يلزمهم من هذه الخطبة إلى الخطبة الآتية ، قال : فإن كان فقيها قال : هل من سائل وإن لم يكن فقيها لم يتعرض للسؤال . قال أصحابنا : فإذا فرغ من هذه الخطبة جلس للاستراحة قدر قراءة سورة الإخلاص ، ثم يقوم إلى الخطبة الثانية ، بحيث يفرغ منها من فراغ المؤذن من الأذان . هذا هو المشهور ، وحكاه ابن المنذر عن الشافعي ، وبه قطع الماوردي والقاضي أبو الطيب وأبو علي البندنيجي والمحاملي والمصنف في التنبيه والبغوي . وقال الفوراني والمتولي وطائفة قليلة : يفرغ مع فراغه من الإقامة . قال الماوردي وغيره : ويستحب أن يخطب على منبر إن وجد ، وإلا فعلى مرتفع من الأرض أو على بعير ، واستدلوا له بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربت له القبة بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له ، فأتى بطن الوادي فخطب الناس رواه مسلم . قوله فرحلت بتخفيف الحاء ، أي جعل الرحل عليها . السادسة : قال الشافعي والأصحاب : السنة إذا فرغ من الخطبتين أن ينزل فيصلي بالناس الظهر ثم العصر جامعا بينهما ، وقد سبق بيان صفة الجمع وشروطه في باب صلاة المسافرين ، ودليل استحباب الجمع ما قدمته قريبا في أول هذا الفصل من الأحاديث الصحيحة ، ويكون هذا الجمع بأذان للأولى ، وإقامتين لكل صلاة إقامة ، كما قررناه في باب الأذان إذا جمع في وقت الأولى . قال الشافعي والأصحاب : ويسر القراءة . وهذا لا خلاف فيه عندنا ، وقال أبو حنيفة : يجهر كالجمعة . دليلنا أنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهر ، فظاهر الحال الإسرار ، وهل هذا الجمع بسبب النسك أم بسبب السفر فيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أحدهما : بسبب النسك ، فيجوز الجمع لكل أحد هناك ، سواء كان من أهل مكة أو عرفات أو المزدلفة أو غيرهم أو مسافرا ، وبهذا قطع الصيمري والماوردي في الحاوي . والوجه الثاني : أنه بسبب السفر ، فعلى هذا من كان سفره طويلا جمع ، ومن كان قصيرا كالمكي وغيره ممن هو دون مرحلتين ، ففي جواز الجمع له القولان المشهوران في الجمع في السفر القصير الأصح : الجديد لا يجوز ( والقديم ) جوازه وبهذا الوجه قطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وآخرون . واحتج من قال بالجواز بأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بنمرة وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة ، ومعه حينئذ أهل مكة وغيرهم وأجاب القاضي أبو الطيب وغيره بأن الأصح أنه لم يثبت أن أهل مكة ومن في معناهم جمعوا : والله أعلم . وأما القصر فلا يجوز إلا لمن كان سفره طويلا ، وهو مرحلتان ، وهذا لا خلاف فيه عندنا . قال أصحابنا : فإذا كان الإمام مسافرا استحب له القصر بالناس ، فإذا سلم قال : يا أهل مكة ومن سفره قصير أتموا فإنا قوم سفر ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الظهر والعصر في هذا الموضع ، والله أعلم . قال أصحابنا : فيجوز للإمام المسافر أن يقصر الصلاتين ويجمعهما في وقت الظهر كما ذكرنا ، ويجوز أن يقصرهما ويجمعهما في وقت العصر ، ويجوز أن يقصرهما ولا يجمعهما ، بل يصلي كل واحدة في وقتها ، ويجوز أن يجمعهما ولا يقصرهما بل يتمهما ، ويجوز أن يتم إحداهما ويقصر الأخرى . هذا كله جائز بلا خلاف عندنا كسائر صلوات السفر ، لكن الأفضل والسنة جمعهما في أول وقت الظهر مقصورتين والله أعلم .

Sección V08/P090–V08/P092

قال الشافعي والأصحاب : فلو فات إنسانا من الحجيج الصلاة مع الإمام جاز له الجمع والقصر في صلاته وحده ، إن كان مسافرا كسائر صلوات السفر ، وسنذكر فيه مذهب أبي حنيفة إن شاء الله تعالى قال أصحابنا : فإن كان مكيا ونحوه ممن سفره دون مسافة القصر ، فلا يجوز له القصر ولا الجمع إلا إذا قلنا بالضعيف أنه يجوز الجمع في السفر القصير . قال أصحابنا : ولو جمع بعض الناس قبل الإمام منفردا أو في جماعة أخرى ، أو صلى إحدى الصلاتين مع الإمام والأخرى منفردا جمعا وقصرا جاز بشرطه ، وكذلك القول في الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة ، ولكن السنة صلاتهما مع الإمام والله أعلم وإذا كان الإمام مسافرا وصلى بهم قصرا وجمعا لزمه نية القصر والجمع ، كما سبق في باب صلاة المسافر . وأما المأمومون فيلزمهم نية القصر بلا خلاف عندنا ، وهل يلزمهم نية الجمع فيه وجهان حكاهما صاحب الحاوي أصحهما : يلزمهم نية الجمع ، كما يلزمهم نية الجمع في غير عرفات . فعلى هذا يوصي بعضهم بعضا بذلك ، ويعلم عالمهم بذلك جاهلهم والثاني : لا يلزمهم لأن الموضع موضع وللمشقة في إعلام جميعهم ، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع هناك من غير أن ينادي بالجمع ، ولا أخبرهم بأن نيته واجبة ، وقد كان فيهم من هو قريب العهد بالإسلام ومن لا يعلم وجوب هذه النية . ومن قال بالأول قال : هذا كله ينتقض بنية القصر ، فقد اتفقنا على وجوبها مع وجود هذه الأمور فيها ، والله أعلم . فرع : قال الشافعي والأصحاب : إذا دخل الحجاج مكة ونووا أن يقيموا بها أربعا ، لزمهم إتمام الصلاة ، فإذا خرجوا يوم التروية إلى منى ، ونووا الذهاب أو إلى أوطانهم عند فراغ مناسكهم ، وكان لهم القصر من حين خرجوا لأنهم أنشأوا سفرا تقصر فيه الصلاة . فرع : ويسن له فعل السنن الراتبة للظهر والعصر ، كما يسن لغيره من الجامعين القاصرين ، وقد سبق بيان هذا في صلاة المسافر وفي صلاة التطوع ، فيصلي أولا سنة الظهر التي قبلها ، ثم يصلي الظهر ، ثم العصر ، ثم سنة الظهر التي بعدها ثم سنة العصر . قال الشافعي والأصحاب : ولا ينتفلون بعد الصلاتين بغير السنن الراتبة ، بل يبادرون بتعجيل الوقوف . وحكى ابن كج والرافعي وجها أنه لا بأس بتنفل المأموم بعد الصلاتين بغير السنن الرواتب ، بخلاف الإمام فإنه لا يتنفل بغير الرواتب قطعا لأنه متبرع ، والمذهب الأول . فرع : قال الشافعي والأصحاب : لو وافق يوم عرفة يوم الجمعة لم يصلوا الجمعة هناك ، لأن من شرطها دار الإقامة ، وأن يصليها مستوطنون ، وقد سبق أن الشافعي والأصحاب قالوا : لو بنى بها قرية واستوطنها أربعون كاملون صليت بها الجمعة ولم يصل النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة بعرفات مع أنه ثبت في الصحيحين من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يوم عرفة الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم جمعة . والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في مسائل تتعلق بالفصل . إحداها : ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب في الحج أربع خطب ، وهي يوم السابع بمكة من ذي الحجة ، ويوم عرفة بمسجد إبراهيم ، ويوم النحر بمنى ، ويوم النفر الأول بمنى أيضا ، وبه قال داود . وقال مالك وأبو حنيفة : خطب الحج ثلاث . يوم السابع والتاسع ، ويوم النفر الثاني ، قالا ولا خطبة في يوم النحر . وقال أحمد ليس في السابع خطبة وقال زفر خطب الحج ثلاث ، يوم الثامن ، ويوم عرفة ، ويوم النحر . ولقد ذكرنا دليلنا في خطبة السابع ، وخطبة يوم عرفة .