Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Sección V01/P214–V01/P215

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن استعمل في نفل الطهارة كتجديد الوضوء والدفعة الثانية والثالثة ففيه وجهان أحدهما : لا تجوز الطهارة لأنه مستعمل في طهارة فهو كالمستعمل في رفع حدث والثاني : يجوز لأنه ماء لم يرفع به حدث ولا نجس فهو كما لو غسل به ثوب طاهر . + الشرح : الوجهان مشهوران واتفق الجماهير في جميع الطرق على أن الصحيح أنه ليس بمستعمل وهو ظاهر نص الشافعي ، وقطع به المحاملي في المقنع والجرجاني في كتابيه ، قال الشيخ أبو حامد وغيره : الوجه غلط ، وشذ إمام الحرمين عن الأصحاب فقال : الأصح أنه مستعمل ، قال المحاملي في المجموع : هذان الوجهان خرجهما ابن سريج ، قال : ومذهب أبي حنيفة أنه مستعمل ، قال أصحابنا : ويجري الوجهان في جميع أنواع نفل الطهارة كتجديد الوضوء والغسلة الثانية والثالثة وغسل الجمعة وسائر الأغسال المسنونة ، وماء المضمضة والاستنشاق ، واتفقوا على أن المستعمل في الغسلة الرابعة ليس بمستعمل لأنها ليست بنفل . وأما الجنب إذا اغتسل بماء قليل فالمرة الأولى مستعملة وفي الثانية والثالثة الوجهان لأنهما نفل . وقال الماوردي : ليست الثانية والثالثة مستعملتين قطعا لأن تكرار الثلاثة مأثور في الوضوء وإزالة النجاسة دون الغسل . وهذا الذي قاله ضعيف وشاذ بل الصواب الذي عليه الجمهور استحباب الثلاث في الغسل ، وسنوضحه إن شاء الله تعالى في بابه ونبين خلائق ممن صرح به . وأما تجديد الغسل فالصحيح أنه لا يستحب ، وفي وجه يستحب ، فعلى هذا الوجه في كونه مستعملا الوجهان وعلى الصحيح ليس بمستعمل قطعا ذكره إمام الحرمين ، وأما الماء الذي استعمله الصبي فالمذهب أنه مستعمل وبه قطع البغوي لأنه رفع حدثا ، وحكى القاضي حسين وجها آخر أنه غير مستعمل لأنه لم يؤد به فرضا ، ولهذا الفصل فروع سأذكرها في آخر الباب إن شاء الله تعالى والله أعلم .

Sección V01/P215–V01/P217

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما المستعمل في النجس فينظر فيه ، فإن انفصل عن المحل متغيرا فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم : الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه وإن كان غير متغير ففيه ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه طاهر وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق لأنه ماء لا يمكن حفظه من النجاسة فلم ينجس من غير تغير كالماء الكثير إذا وقع فيه نجاسة والثاني : أنه ينجس وهو قول أبي القاسم الأنماطي لأنه ماء قليل لاقى نجاسة فأشبه إذا وقعت فيه نجاسة والثالث : أنه إن انفصل والمحل طاهر فهو طاهر ، وإن انفصل والمحل نجس فهو نجس وهو قول أبي العباس بن القاص لأن المنفصل من جملة الباقي في المحل ، فكان حكمه في النجاسة والطهارة حكمه . فإن قلنا : إنه طاهر فهل يجوز الوضوء به فيه وجهان ، قال ابن خيران : يجوز وقال سائر أصحابنا : لا يجوز وقد مضى توجيههما . + الشرح : أما الحديث المذكور فسبق في أول الباب ما يفسد الماء من النجاسات أنه صعيف ولكن يحتج على نجاسة الماء المتغير بنجاسة بالإجماع كما سبق هناك ، وأما أبو العباس فهو ابن سريج الإمام المشهور ، وهذا أول موضع جاء ذكره فيه في المهذب وقد ذكرت في فصول مقدمة الكتاب أنه متى أطلق في المهذب أبا العباس فهو ابن سريج وهو أحمد بن عمر بن سريج الإمام البارع ، قال المصنف في الطبقات : كان القاضي أبو العباس بن سريج من عظماء الشافعيين وأئمة المسلمين ، وكان يقال له : الباز الأشهب ، وولي القضاء بشيراز وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي قال : وفهرست كتبه يعني مصنفاته تشتمل على أربعمائة مصنف ، وقام بنصرة مذهب الشافعي . تفقه على أبي القاسم الأنماطي وأخذ عنه فقهاء الإسلام وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق ، توفي ببغداد سنة ست وثلثمائة رحمه الله . قلت : وهو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه . أما حكم الفصل : فغسالة النجاسة إن انفصلت متغيرة الطعم أو اللون أو الريح بالنجاسة فهي نجسة بالإجماع والمحل المغسول باق على نجاسته . وإن لم يتغير فإن كانت قلتين فطاهرة بلا خلاف ومطهرة على المذهب . وقيل : في كونها مطهرة وجهان ، وسنذكرهما إن شاء الله تعالى . وإن كانت دون القلتين فثلاثة أوجه ، وحكاها الخراسانيون أقوالا أصحها الثالثة وهو : أنه إذا انفصل وقد طهر المحل فطاهرة وإلا فنجسة . قال الخراسانيون : وهذا هو الجديد وصححه الجمهور في الطريقتين وقطع به المحاملي في المقنع والجرجاني في البلغة وشذ الشاشي فصحح في كتابيه المعتمد والمستظهري أنها طاهرة مطلقا ، وهو ظاهر في كلام المصنف في التنبيه ، والمختار ما صححه الجمهور ، قالوا : والقول بالطهارة مطلقا هو القديم وبالنجاسة مطلقا خرجه الأنماطي من رفع الحدث . ووجه التخريج أنه انتقل إليه المنع كما في المستعمل في رفع الحدث قالوا : فالجديد يقول حكم الغسالة حكم المحل بعد الغسل ، والقديم حكمها قبل الغسل والمخرج لها حكم المحل قبل الغسل ويتخرج على هذا الخلاف غسالة ولوغ الكلب ، فإذا وقع من الأولى شيء على ثوب أو غيره فعلى القديم لا يجب غسله ، وعلى الجديد يغسل ستا ، وعلى المخرج سبعا ، ولو وقع من السابعة لم يغسل على الجديد والقديم ، ويغسل على المخرج مرة ، ومتى وجب الغسل عنها فإن سبق التعفير بالتراب لم يجب وإلا وجب ، وفي وجه ضعيف لكل غسلة سبع حكم المحل فيغسل منها مرة . وهذا كله إذا لم يزد وزن الغسالة فإن كانت النجاسة ببول مثلا فغسل فزاد وزن الغسالة ولم يتغير فطريقان : المذهب القطع بأنها نجسة ، والثاني فيها الأقوال أو الأوجه .

Sección V01/P217–V01/P218

هذا كله في الغسل الواجب فإذا غسل المحل النجس غسلة واحدة فزالت النجاسة وحكمنا بطهارة المحل فهذه الغسالة طاهرة على الأصح كما ذكرنا وهل هي مطهرة في إزالة النجاسة مرة أخرى فيه الطريقان السابقان في أن المستعمل في الحدث هل يستعمل مرة أخرى في الحدث أصحهما : لا ، والثاني على قولين . فإذا قلنا : هي مطهرة في إزالة النجس ففي الحدث أولى ، وإن قلنا : ليست مطهرة في النجس وهو المذهب فهل هي مطهرة في الحدث فيه الوجهان المذكوران في الكتاب والصحيح ليست مطهرة وأما الغسلة الثانية والثالثة في إزالة النجاسة فطاهرتان بلا خلاف ، وهل هما مطهرتان في إزالة النجاسة فيه الوجهان المذكوران في المستعمل في نفل الطهارة أصحهما : مطهرتان ، فإن قلنا : مطهرتان ، فإن قلنا : مطهرتان في النجاسة ففي الحدث أولى وإلا فالوجهان . وأما الغسلة الرابعة فمطهرة بلا خلاف لأنها ليست مشروعة ، وإذا بلغ المستعمل في النجاسة الطاهر قلتين فالمذهب أنه مطهر قولا واحدا لحديث القلتين ، وبهذا قطع الجرجاني في التحرير والبلغة وغيره ، وحكى البغوي فيه الوجهين في المستعمل في الحدث والله أعلم . فرع : في مسائل تتعلق بالباب إحداها : قد تقرر أن المستعمل في طهارة الحدث في المرة الأولى يحكم بأنه مستعمل بلا خلاف ، واختلف الأصحاب في علة كونها مستعملة على وجهين أحدهما : كونها أدى بها عبادة فعلى هذا المستعمل في نقل الطهارة ليس بطهور ، وأصحهما أن العلة كونها أدى بها فرض الطهارة والمراد بفرض الطهارة ما لا تجوز الصلاة ونحوها ووطء المغتسلة عن حيض إلا به لا ما يأثم بتركه فيدخل فيه غسل الكتابية عن الحيض ، ووضوء الصبي والوضوء للنافلة ، ولا تدخل الغسلة الرابعة على الوجهين فليست عبادة . وقولنا : أدى بها فرض الطهارة ، هذه هي العبارة الصحيحة المشهورة التي قالها الأكثرون منهم إمام الحرمين والغزالي في البسيط ، وخالفهم الغزالي في الوسيط فقال : العلة انتقال المنع ، وهذه العبارة غريبة قل أن توجد لغيره وفيها تجوز إذ ليس هنا انتقال محقق ، ولكنها صحيحة في الجملة والله أعلم . الثانية : الحنفي إذا توضأ بماء هل يصير مستعملا حكى صاحب البيان فيه ثلاثة أوجه بناء على جواز اقتداء الشافعي به أحدها : أنه كالشافعي إن نوى صار مستعملا وإلا فلا ، فإنه لا يصح وضوؤه حينئذ والثاني : لا يصير وإن نوى ، لأنه لا يعتقد وجوب النية والثالث : يصير وإن لم ينو لأنه محكوم بصحة صلاته ولهذا لا يقتل بالاتفاق ، وهذا الثالث أصح . الثالثة : لو غسل المتوضىء رأسه بدل مسحه فوجهان مشهوران حكاهما أبو علي الطبري في الإفصاح والماوردي في الحاوي ، والدارمي في الاستذكار وآخرون قالوا : حكاهما أبو علي بن أبي هريرة أحدهما : لا يصير مستعملا لأن المستحق في الرأس المسح والثاني : يصير لأن الزيادة في الاستعمال على قدر الحاجة لا يمنع مصيره مستعملا كما لو توضأ بصاع من يكفيه نصف صاع ، فإن الكل مستعمل ، وهذا الثاني هو الأصح ، وممن صححه الشاشي في كتابيه المعتمد والمستظهري . الرابعة : لو غمس المستيقظ من النوم يده في الإناء قبل غسلها فقد ارتكب مكروها ولا يصير الماء مستعملا ، هذا هو المذهب وهو المشهور ، وبه قطع القاضي حسين وغيره ، وحكى صاحب البيان فيه طريقين أحدهما هذا والثاني : في مصيره مستعملا وجهان كالمستعمل في نفل الطهارة ، وهذا قول أبي علي الطبري . الخامسة : قال القاضي حسين وإمام الحرمين لو تقاطر من أعضاء المتطهر قطرات في الإناء فإن كان قدرا لو كان مخالفا للماء لغيره لم تجز الطهارة به وهذه المسألة تقدمت في آخر الباب الأول مبسوطة .

Sección V01/P218–V01/P219

السادسة : إذا جرى الماء من عضو المتطهر إلى عضوه الآخر فإن كان محدثا صار بانفصاله عن الأول مستعملا فلا يرفع الحدث عن الثاني وسواء في ذلك اليدان وغيرهما ، وهذا هو الصحيح الذي قطع به صاحب الحاوي وغيره ، وحكى صاحب البيان في باب التيمم وجها أنه إذا انتقل من يد إلى يد لا يصير مستعملا لأن اليدين كعضو واحد ، ولهذا لا ترتيب فيهما والصواب الأول لأنهما عضوان متميزان ، وإنما عفونا عن ذلك في العضو الواحد للضرورة ، وإن كان المتطهر جنبا فقال صاحب الحاوي والبحر : فيه وجهان ، أحدهما : يصير مستعملا فلا يرفع الجنابة عن العضو والذي انتقل إليه كالحدث ، قالا : وأصحهما لا يصير مستعملا حتى ينفصل عن كل البدن لأنه كله كعضو . وقال الفوراني والمتولي وصاحب العدة : إذا صب الجنب على رأسه الماء فسقط من الرأس إلى البطن وخرق الهواء صار مستعملا لانفصاله ، وحكى إمام الحرمين هذا الكلام عن بعض المصنفين ويعني به صاحب الإبانة الفوراني قال الإمام : وفي هذا فضل نظر فإن الماء إذا كان يتردد على الأعضاء وهي متفاوتة الخلقة وقع في جريانه بعض التقاذف من عضو إلى عضو لا محالة ، ولا يمكن الاحتراز من هذا ، كيف ولم يرد الشرع بالاعتناء بهذا أصلا فما كان من هذا الجنس فهو عفو قطعا . وأما التقاذف الذي لا يقع إلا ندارا فإن كان عن قصد فهو مستعمل ، وإن اتفق ذلك بلا قصد لم يمتنع أن يعفى عنه فإن الغالب على الظن أنه كان يقع أمثال هذا من الأولين ، وما وقع عنه بحث من وسائل ولا تنبيه من مرشد . السابعة : إذا غمس المتوضىء يده في إناء فيه دون القلتين فإن كان قبل غسل الوجه لم يصر الماء مستعملا ، سواء نوى رفع الحدث أم لا ، وإن كان بعد غسل الوجه فهذا وقت غسل اليد ففيه تفصيل ذكره إمام الحرمين وجماعات من الخراسانيين ، قالوا : إن قصد غسل اليد صار مستعملا وارتفع الحدث عن الجزء الأول من اليد وهو الذي قارنته النية ، وهل يرتفع عن باقي اليد فيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى بين الخضري والجماعة ، المذهب أنه يرتفع . وإن قصد بوضع يده في الإناء أخذ الماء لم يصر مستعملا وإن وضع اليد ولم يخطر له واحدة من الثنتين فالمشهور الذي قطع به الإمام والجمهور أنه يصير مستعملا لأن من نوى وعزبت نيته ثم غسل بقية الأعضاء بلا قصد ارتفع حدثه ، وقال الغزالي : المشهور أنه مستعمل ويتجه أن يقال : هيئة الاغتراف صارفة للملاقاة إلى هذه الجهة بحكم العادة فلا يصير مستعملا ، وهذا الاحتمال الذي ذكره الغزالي قطع به البغوي في آخر باب الغسل بأنه لا يصير مستعملا . والجنب بعد النية كالمحدث بعد غسل وجهه إذ لا ترتيب في حقه فهذا وقت غسل يده وقال صاحب التتمة : إذا أدخل الجنب يده ناويا غسل الجنابة ليقلب الماء على رأسه ولم يقصد أن يكون أخذه لرأسه دون يده قال المحققون : ترتفع الجنابة عن يده إذا أخرجها ويصير مستعملا ، فإن قلب الماء الذي في يده على رأسه لم يرتفع حدثه ، قال : ومن أصحابنا من قال : لا يصير مستعملا لأنه لا يقصد من حيث العادة غسل اليد وإنما يجعلها آلة فتصير كقصد الاغتراف ، فعلى هذا يجب غسل اليد بعد هذا قال : والمحدث بعد غسل الوجه ، كالجنب والله أعلم .

Sección V01/P219–V01/P221

الثامنة : قد سبق أن الماء ما دام مترددا على العضو لا يصير مستعملا بالنسبة إلى ذلك العضو ، فإذا نزل جنب في ماء واغتسل فيه نظر إن كان قلتين ارتفعت جنابته ولا يصير مستعملا بلا خلاف ، صرح به أصحابنا في جميع الطرق ، وصرحوا بأنه لا خلاف فيه وقد ذكره المصنف في قوله : ولأنه لو توضأ فيه أو اغتسل وهو قلتان لم يثبت له حكم الاستعمال وكذا لو اغتسل في قلتين جماعات مجتمعين أو متفرقين ارتفعت جنايتهم ولم يصر مستعملا ، وقد نقل الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق نص الشافعي رحمه الله على أن الجماعات إذا اغتسلوا في القلتين لا يصير مستعملا ، وكذا صرح به البغوي في باب الغسل وخلائق لا يحصون ولا نعلم فيه خلافا . وإنما نبهت على هذا لأن في كتاب الانتصار لأبي سعد بن أبي عصرون أنه لو اغتسل جماعة في ماء لو فرق على قدر كفايتهم استوعبوه أو ظهر تغيره لو خالفه صار مستعملا في أصح الوجهين وهذا الذي ذكرناه شاذ منكر مردود لا يعرف ولا يعرج عليه ، وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به . ونحو هذا ما ذكره صاحب البيان قال : ذكر صاحب الشامل أنه لو انغمس في قلتين أو أدخل يده فيه بنية غسل الجنابة ففيه وجهان أصحهما ترتفع جنابته ولا يصير مستعملا . والثاني : ترتفع ويصير مستعملا . وهذا النقل غلط من صاحب البيان ، ولم يذكر صاحب الشامل هذا الذي زعمه ، بل ذكر مسألة المستعمل إذا جمع فبلغ قلتين هل يعود طهورا فيه الوجهان لكن في عبارته بعض الخفاء فأوقع صاحب البيان في ذلك الوهم الباطل وليس في عبارته لبس وإشكال كبير بحيث يلتبس هذا الالتباس . فحصل أنه ليس في المسألة خلاف ما دام الماء قلتين . أما إذا نزل في دون قلتين فينظر إن نزل بلا نية فلما صار تحت الماء نوى الغسل ارتفعت الجنابة في الحال ولا يصير الماء مستعملا بالنسبة إليه حتى ينفصل منه ، هكذا قاله الأصحاب واتفقوا عليه وفيه نظر ، لأن الجنابة ارتفعت وإنما قالوا لا يصير الماء مستعملا ما دام الماء على العضو للحاجة إلى رفع الحدث عن باقيه ، ولا حاجة هنا فإن الجنابة ارتفعت بلا خلاف ، وهذا الإشكال ذكره الرافعي وغيره وهو ظاهر . وأما بالنسبة إلى غير هذا المغتسل فيصير في الحال مستعملا على الصحيح الذي قطع به الجمهور . وممن قطع به الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق والمتولي والروياني وغيرهم وفيه وجه أنه لا يصير حتى ينفصل كما في حق المغتسل ، ذكره البغوي وهو غريب ضعيف . قال إمام الحرمين : ولو كان المنغمس فيه متوضئا فهو كالجنب وأما إذا نزل الجنب ناويا فقد صار الماء بنفس الملاقاة مستعملا بالنسبة إلى غيره على الصحيح ، وفيه وجه البغوي وارتفعت الجنابة عن القدر الملاقي للماء من بدنه أول نزوله ، وكذا لو نزل إلى وسطه مثلا بلا نية ثم نوى ارتفعت جنابة ذلك القدر من بدنه بلا خلاف ، وهل ترتفع جنابة الباقي من بدنه في الصورتين إذا تمم الانغماس فيه وجهان أحدهما : لا ، وقد صار مستعملا قاله أبو عبد الله الخضري بكسر الخاء وإسكان الضاد المعجمتين من كبار أصحابنا الخراسانيين ومتقدميهم . والثاني : وهو المنصوص وهو الصحيح باتفاق الأصحاب يرتفع لأنه إنما يصير مستعملا إذا انفصل ، ولأنه لو ردد الماء عليه لم يصر مستعملا حتى ينفصل وهاتان القاعدتان وافق عليهما الخضري . قال إمام الحرمين : قول الخضري غلط ، وقد ذكر صاحب الإبانة والعدة أن الخضري رجع عنه ، وصورة المسألة إذا تمم غسل الباقي بالانغماس كما ذكرناه أولا ، أما لو اغترف الماء بإناء أو يده وصبه على رأسه أو غيره فلا ترتفع جنابة ذلك القدر الذي اغترف له بلا خلاف ، صرح به المتولي والروياني وغيرهما وهو واضح لأنه انفصل .

Sección V01/P221–V01/P223

ولو نزل جنبان في دون قلتين نظر إن نزلا بلا نية ثم لما صارا تحت الماء نويا معا إن تصور ذلك ارتفعت جنابتهما وصار مستعملا ، فإن نوى أحدهما قبل الآخر ارتفعت جنابة السابق بالنية ، وصار الماء مستعملا بالنسبة إلى الآخر وغيره وفيه وجه البغوي وإن نزلا مع النية دفعة واحدة ارتفعت جنابة أول جزء من كل منهما وصار مستعملا في الحال فلا ترتفع عن باقيهما لأنه كالمنفصل عن بدن كل واحد منهما بالنسبة إلى غيره وفيه وجه البغوي . فإن قيل : كيف حكمتم في هذه الصورة بكونه مستعملا كله مع أن الذي لاقى البدن شيء يسير ، وقد يفرض في بعض الصور أنه لو قدر مخالفا لون باقي الماء لما غيره فالجواب ما أجاب به إمام الحرمين أنه إذا نزل فيه فقد اتصل به جميع الماء ولم يختص الاستعمال بملاقي البشرة لا إسما ولا إطلاقا والله أعلم . التاسعة : إذا كان تحت المسلم كتابية فانقطع حيضها لزمها الغسل وإذا اغتسلت بنية غسل الحيض صح غسلها وحل للزوج الوطء وهل يلزمها إعادة هذا الغسل إذا أسلمت وجهان سنوضحهما إن شاء الله تعالى في باب نية الوضوء أصحهما يجب ، فإن قلنا : لا يجب فقد أدت به عبادة وارتفع حدثها فيصير مستعملا ، وإن قلنا : يجب ، ففي صيرورته مستعملا وجهان أصحهما يصير ، وهما مبنيان على الوجهين السابقين في أن المقتضى لكون الماء مستعملا هل هو تأدى العبادة به أم أداء الفرض وانتقال المنع فمن قال بالأول لم يجعل هذا مستعملا ، ومن قال بالثاني جعله . هكذا ذكر المسألة إمام الحرمين وتابعه الغزالي ثم الرافعي وآخرون ، وأما الفوراني وتابعاه صاحبا التتمة والعدة فقالوا : هل يصير مستعملا وجهان إن قلنا لا تجب الإعادة صار وإلا فلا ، والمختار ما ذكره الإمام . العاشرة : إذا كان على بعض أعضاء المتوضىء أو المغتسل نجاسة حكمية فغسله مرة بنية رفع الحدث أو رفع الحدث والنجس معا طهر عن النجاسة بلا خلاف ، وهل يطهر عن الحدث وجهان : الأصح يطهر وستأتي المسألة مبسوطة في آخر باب نية الوضوء إن شاء الله تعالى والله أعلم . الحادية عشرة : يجوز الوضوء في النهر والقناة الجارية ولا كراهة في ذلك عندنا وعند الجمهور . وحكى الخطابي عن بعض الناس أنه كره الوضوء في مشارع المياه الجارية وكان يستحب أن يؤخذ له الماء في ركوة ونحوها ، ويزعم أنه من السنة لأنه لم يبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ في نهر أو شرع في ماء جار ، ودليلنا أنه ماء طهور ولم يثبت فيه نهي فلم يكره . وأما قوله : لم يتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم في نهر فسببه أنه لم يكن بحضرته نهر ، ولو كان لم تثبت كراهته حتى يثبت النهي والله أعلم . & باب الشك في نجاسة الماء والتحري فيه &

Sección V01/P223–V01/P224

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا تيقن طهارة الماء وشك في نجاسته توضأ به لأن الأصل بقاؤه على الطهارة ، وإن تيقن نجاسته وشك في طهارته لم يتوضأ به ، لأن الأصل بقاؤه على النجاسة ، وإن لم يتيقن طهارته ولا نجاسته توضأ به لأن الأصل طهارته . + الشرح : هذه الصور الثلاث متفق عليها كما قاله المصنف ، فإن قيل كيف جعل الماء ثلاثة أقسام ، ثالثها : أن لا يتيقن طهارة ولا نجاسة ، معلوم أن الماء أصله الطهارة فالصورة الثالثة كالأولى وداخلة فيها . فالجواب : أن مراده تقسيم الماء بالنسبة إلى حال هذا المتوضىء لا بالنسبة إلى أصل الماء ، ولهذا المتوضىء ثلاثة أحوال أحدها أن يكون قد عهد هذا الماء طاهرا وتيقن ذلك بأن اغترفه من ماء كثير لا تغير فيه ثم شك في نجاسته الثاني : أن يكون عهده نجسا وشك في طهارته بأن كان دون قلتين ولاقته نجاسة ثم صب عليه ماء لا يزيد عليه ، وشك هل بلغ قلتين فيطهر أم لا فيبقى نجسا فالأصل بقاؤه نجسا فيحكم بنجاسته الثالث : ألا يكون له به عهد وشك فيه فالأصل طهارته . ولهذا قال المصنف في الصورة الأولى : توضأ به لأن الأصل بقاؤه على الطهارة ، وفي الثالثة : توضأ به لأن الأصل طهارته ، ولم يقل الأصل بقاؤه على الطهارة لأنه لم يعهده طاهرا لكون أصل الماء الطهارة . والأصل في هذا الباب أعني باب العمل على الأصل وعدم تأثير الشك في المياه والأحداث والثياب والطلاق والإعتاق وغير ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شكا إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال : لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا رواه البخاري ومسلم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر هذا الباب فرع حسن في مسائل تتعلق بهذه القاعدة . وقوله : الشك في نجاسة الماء والتحري اعلم أن مراد الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والصوم والطلاق والعتق وغيرها هو التردد بين وجود الشيء وعدمه ، سواء كان الطرفان في التردد سواء أو أحدهما راجحا ، فهذا معناه في استعمال الفقهاء في كتب الفقه . وأما أصحاب الأصول ففرقوا بينهما فقالوا : التردد بين الطرفين إن كان على السواء فهو الشك ، وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم . وأما التحري في الأواني والقبلة وأوقات الصلاة والصوم وغيرها فهو طلب الصواب والتفتيش عن المقصود ، والتحري والاجتهاد والتأخي بمعنى ، قال الأزهري تحريت الشيء وتأخيته إذا قصدته والله أعلم .

Sección V01/P224–V01/P225

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن وجده متغيرا ولم يعلم بأي شيء تغير توضأ به ، لأنه يجوز أن يكون تغير بطول المكث ، وإن رأى حيوانا يبول في ماء ثم وجده متغيرا وجوز أن يكون تغيره بالبول لم يتوضأ به ، لأن الظاهر أن تغيره من البول . + الشرح : المكث اللبث وهو بضم الميم وفتحها والضم أفصح ، قال الله تعالى : لتقرأه على الناس على مكث الإسراء : 601 فأما المسألة الأولى وهي إذا رآه متغيرا ولم يعلم بأي شيء تغير فهو طاهر بلا خلاف لما سبق من القاعدة . وأما الثانية : فصورتها أن يرى حيوانا يبول في ماء هو قلتان فأكثر ولا تعظم كثرته عظما لا يغيره ذلك البول ، ويكون البول كثيرا بحيث يحتمل ذلك الماء التغير بذلك البول وهذا معنى قوله : وجوز أن يكون تغيره بالبول وإنما حكم بالنجاسة هنا عملا بالظاهر مع أن الأصل للطهارة ، ولم يجيء فيه الخلاف في المقبرة المشكوك في نبشها وشبهها ، لأن الظاهر هنا استند إلى سبب معين وهو البول فترجح بذلك على الأصل وعمل بالظاهر قولا واحدا ، كما إذا أخبره عدل بولوغ كلب فإنه يرجح الظاهر ، وهو قول العدل ويحكم بالنجاسة قولا واحدا ، ويترك الأصل ، لكون الظاهر مستندا إلى سبب معين ، وإنما محل الخلاف في أصل وظاهر مستنده عام غير معين ، كغلبة الشك نحو المقبرة ونظائرها . وسنوضح هذا الأصل في مسائل الفرع في آخر الباب إن شاء الله تعالى . ثم إن ظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين أن يكون رأى الماء قبل البول غير متغير أو لم يكن رآه ، هكذا أطلق المسألة أكثر أصحابنا ، وكذا أطلقها الشافعي في الأم ، وقال صاحب التهذيب نص الشافعي أن الماء ينجس فقال صاحب التلخيص : هو على إطلاقه ، ومنهم من قال : صورته أن يكون رآه قبل البول غير متغير ثم رآه عقبه متغيرا ، فإن لم يكن رآه قبل البول أو رآه وطال عهده فهو على طهارته ، هذا كلام صاحب التهذيب . وقال القفال في شرح التلخيص : قال أصحابنا : صورة المسألة أنه رأى الحيوان يبول في الغدير فلما انتهى إلى شط الغدير فوجده متغيرا ، فأما إذا انتهى إليه فوجده غير متغير فتغير بعد ذلك فلا يحكم بنجاسته بل يستعمله ، وذكر الدارمي أنه لو رأى نجاسة حلت في ماء فلم يغيره فمضى عنه ثم رجع فوجده متغيرا لم يتطهر به ، وهذا الذي ذكره فيه نظر والله أعلم .

Sección V01/P225–V01/P227

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن رأى هرة أكلت نجاسة ثم وردت على ماء قليل فشربت منه ففيه ثلاثة أوجه أحدها : أنها تنجسه لأنا تيقنا نجاسة فمها والثاني : أنها إن غابت ثم رجعت لم تنجسه لأنه يجوز أن تكون قد وردت على ماء فطهر فمها فلا ينجس ما تيقنا طهارته بالشك والثالث : لا ينجس بكل حال لأنه لا يمكن الاحتراز منها فعفى عنها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : أنها من الطوافين عليكم أو الطوافات . + الشرح : هذه الأوجه مشهورة ودلائلها كما ذكره المصنف وأصحها عند الجمهور الوجه الثاني ، وهو أنها إن غابت وأمكن ورودها على ماء كثير بحيث إذا ولغت فيه طهر فمها ثم رجعت فولغت لم ينجس ما ولغت فيه ، وإن ولغت قبل أن تغيب أو بعد أن غابت ولم يمكن ورودها على الماء الموصوف نجسته . ودليل هذا الصحيح أنها إذا غابت ثم ولغت فقد تيقنا طهارة الماء وشككنا في نجاسة فمها ، فلا ينجس الماء المتيقن بالشك ، وإذا لم تغب وولغت فهي نجاسة متيقنة . وليس في الحديث أن الهرة كانت نجسة الفم . وما يستدل به القائل بالطهارة مطلقا من عسر الاحتراز عنها لا يسلم ، فإن العسر إنما هو في الاحتراز من مطلق الولوغ ، لا من ولوغ بعد تيقن النجاسة وحكي عن المصنف أنه صحح أنها لا تنجسه بحال ، وهذا هو الأحسن عند الغزالي في الوجيز ، ودليله الحديث وعموم الحاجة وعسر الاحتراز وقد قال الله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج : 87 وفي تنجيس هذا حرج ، وقد علم أن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بحضرته ماء كثير يطهر فمها ، ولم يعلل صلى الله عليه وسلم بورودها الماء بل بعسر لاحتراز . وخالف صاحب الحاوي الأصحاب فقال : إن ولغت قبل أن تغيب نجسته وإن غابت فوجهان الأصح تنجسه . ذكره في مسألة اشتراط الماء في إزالة النجاسة ، والمشهور تصحيحه ما قدمناه من الفرق بين غيبتها وعدمها . وكذا نقل الرافعي عن معظم الأصحاب تصحيحه . ثم صورة المسألة إذا تيقنا نجاسة فمها بأكل نجاسة أو ولوغها في ماء نجس أو نجاسة فمها بدم أو غيره ، ولا فرق في هذا كله بين ولوغها في ماء ناقص عن قلتين أو مائع آخر والله أعلم . فرع : وأما الحديث المذكور فصحيح رواه الأئمة الأعلام مالك في الموطأ والشافعي في مواضع ، وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم . وهذا الحديث عمدة مذهبنا في طهارة سؤر السباع وسائر الحيوان ، غير الكلب والخنزير وفرع أحدهما ، فأنا أنقله بلفظه واختلاف طرقه لشدة الحاجة إلى تحقيقه . فلفظ رواية مالك عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة قالت : دخل أبو قتادة فسكبت له وضوءا فجاءت هرة لتشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة : فرآني أنظر إليه ، فقال : أتعجبين يا ابنة أخي قلت : نعم فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات هذا لفظ رواية مالك ورواية الترمذي مثلها بحروفها إلا أن رواية مالك أو الطوافات بأو ورواية الترمذي : إنما هي من الطوافين والطوافات بالواو وبحذف عليكم . وفي رواية الدرامي وأبي داود عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة ، ثم في رواية أبي داود : والطوافات وفي رواية الدارمي : أو الطوافات بأو وفي رواية ابن ماجه عن كبشة بنت كعب وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة وفيها : والطوافات بالواو ، ورواه الربيع عن الشافعي عن مالك بالإسناد . وقال في كبشة : وكانت تحت ابن أبي قتادة ، أو أبي قتادة ، قال البيهقي : الشك من الربيع ، وقال فيه : أو الطوافات بأو .

Sección V01/P227–V01/P230

وقال البيهقي : ورواه الربيع في موضع آخر عن الشافعي ، وقال : وكانت تحت ابن أبي قتادة ، ولم يشك ، ورواه الشافعي بإسناده عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أو مثل معناه . وروى أبو داود وابن ماجه هذا الحديث أيضا من رواية عائشة وفيه زيادة قالت عائشة : وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضلها . قال الترمذي : حديث أبي قتادة حسن صحيح قال : وهو أحسن شيء في الباب . قال البيهقي : إسناده صحيح وعليه الاعتماد . وأما لفظة : أو الطوافات فرويت بأو وبالواو كما ذكرنا ، قال صاحب مطالع الأنوار : ويحتمل أو أن تكون للشك ويحتمل أن تكون للتقسيم ، ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث ، وهذا الذي قاله محتمل ، وهو الأظهر لأنه للنوعين كما جاء في روايات الواو ، قال أهل اللغة : الطوافون الخدم والمماليك ، وقيل : هم الذين يخدمون برفق وعناية . ومعنى الحديث أن الطوافين من الخدم والصغار الذين سقط في حقهم الحجاب والاستئذان في غير الأوقات الثلاث التي ذكرها الله تعالى إنما سقط في حقهم دون غيرهم للضرورة وكثرة مداخلتهم بخلاف الأحرار البالغين ، فكذا يعفى عن الهرة للحاجة ، وقد أشار إلى نحو هذا المعنى أبو بكر بن العربي في كتابه عارضة الأحوذي في شرح الترمذي . وذكر أبو سليمان الخطابي أن هذا الحديث يتأول على وجهين : أحدهما أنه شبهها بخدم البيت ومن يطوف على أهله للخدمة . والثاني : شبهها بمن يطوف للحاجة والمسألة ومعناه الأجر في مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للحاجة والمسألة ، وهذا التأويل الثاني قد يأباه سياق قوله صلى الله عليه وسلم : إنها ليست بنجس والله أعلم . فرع : سؤر الحيوان مهموز ، وهو ما بقي في الإناء بعد شربه أو أكله . ومراد الفقهاء بقولهم : سؤر الحيوان طاهر أو نجس : لعابه ورطوبة فمه ، ومذهبنا أن سؤر الهرة طاهر غير مكروه وكذا سؤر جميع الحيوانات من الخيل والبغال والحمير والسباع والفأرة والحيات وسام أبرس وسائر الحيوان المأكول وغير المأكول . فسؤر الجميع وعرقه طاهر غير مكروه إلا الكلب والخنزير وفرع أحدهما ، وحكى صاحب الحاوي مثل مذهبنا عن عمر بن الخطاب وعلي وأبي هريرة والحسن البصري وعطاء والقاسم بن محمد . وكره أبو حنيفة وابن أبي ليلى سؤر الهرة وكذا كرهه ابن عمر . وقال ابن المسيب وابن سيرين : يغسل الإناء من ولوغه مرة ، وعن طاوس قال : يغسل سبعا ، وقال جمهور العلماء : لا يكره كقولنا . وقال أبو حنيفة : الحيوان أربعة أقسام أحدها : مأكول كالبقر والغنم فسؤره طاهر والثاني : سباع الدواب كالأسد والذئب فهي نجسة والثالث : سباع الطير كالبازي والصقر فهي طاهرة السؤر إلا أنه يكره استعماله وكذا الهر . الرابع : البغل والحمار مشكوك في سؤرهما لا يقطع بطهارته ولا بنجاسته ولا يجوز الوضوء به ، واختلف قوله في سؤر الفرس والبرذون . واحتج من منع الطهارة بسؤر السباع بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع والدواب فقال : إذا كان الماء قلتين لم ينجس قالوا : فهذا يدل على أن لورود السباع تأثيرا في تنجيس الماء ، ولأنه حيوان لبنه نجس فكذا سؤره كالكلب .

Sección V01/P230–V01/P232

واحتج أصحابنا بحديث أبي قتادة في الهرة ليست بنجس وهو صحيح كما سبق بيانه ، قال البيهقي وغيره من أصحابنا : هذا الحديث هو عمدة المذهب ، واحتجوا برواية الشافعي عن إبراهيم بن محمد وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : أتتوضأ بما أفضلت الحمر قال : نعم وبما أفضلت السباع وهذا الحديث ضعيف لأن الإبراهيمين ضعيفان جدا عند أهل الحديث لا يحتج بهما . وإنما ذكرت هذا الحديث وإن كان ضعيفا لكونه مشهورا في كتب الأصحاب ، وربما اعتمده بعضهم فنبهت عليه ولم يذكره الشافعي والمحققون من أصحابنا معتمدين عليه بل تقوية واعتضادا . واعتمدوا حديث أبي قتادة وقد قال البيهقيفي حديث الإبراهيمين : إذا ضمت أسانيده بعضها إلى بعض أخذت قوة . ومما احتج أصحابنا به ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج في ركب فيه عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو بن العاص : يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع فقال عمر بن الخطاب : يا صاحب الحوض لا تخبره فإنما نرد على السباع وترد . وموضع الدلالة أن عمر قال : نرد على السباع وترد علينا ولم يخالفه عمرو ولا غيره من الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا الأثر إسناده صحيح إلى يحيى بن عبد الرحمن لكنه مرسل منقطع ، فإن يحيى وإن كان وثقه فلم يدرك عمر بل ولد في خلافة عثمان ، هذا هو الصواب . قال يحيى بن معين : يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عمر باطل ، وكذا قاله غير ابن معين إلا أن هذا المرسل له شواهد تقوية والمرسل عند الشافعي إذا اعتضد احتج به كما سبق بيانه في مقدمة الكتاب ، وهو حجة عند أبي حنيفة مطلقا فيحتج به عليهم . واحتج أصحابنا من القياس بأنه حيوان يجوز بيعه فكان سؤره طاهرا كالشاة . فإن قال المخالف : لا حجة لكم في هذه الأحاديث لأنها محمولة على ماء كثير فالجواب : أن الحديث عام فلا يخص إلا بدليل . فإن قالوا : هذا الخبر ورد قبل تحريم لحوم السباع ، فالجواب من أوجه أجاب بها الشيخ أبو حامد وغيره أحدها : هذا غلط فلم تكن السباع في وقت حلالا ، وقائل هذا يدعى نسخا والأصل عدمه الثاني : هذا فاسد إذ لا يسألون عن سؤره وهو مأكول اللحم ، فإنه لا فرق حينئذ بين السباع وغيرها الثالث : لو صح هذا وكان لحمها حلالا ثم حرم ، بقي السؤر على ما كان من الطهارة حتى يرد دليل تنجيسه . وأما الجواب عما احتجوا به من الخبر فمن أوجه أحدها : أنه تمسك بدليل الخطاب وهم لا يقولون به الثاني : أن السؤال كان عن الماء الذي ترده الدواب والسباع فتشرب منه وتبول فيه غالبا الثالث : أن الكلاب كانت من جملة ما يرد فالتنجيس بسببها ، ويدل على دخول الكلاب في ذلك أوجه : أحدها : أنه جاء في رواية : الدواب والسباع والكلاب الثاني : أنها من جملة السباع الثالث : أنها داخلة في الدواب . وأما قياسهم على الكلب فهو قياس في مقابلة النص فلا يقبل ولأن الكلب ورد الشرع بتغليظ نجاسته وغسلها سبعا للتنفير منه ، وأن الملائكة عليهم السلام لا تدخل بيتا فيه كلب ، وليس غيره في معناه فلا يصح قياسه عليه ، وهذا ما يتعلق بسؤر السباع جملة . وأما الهرة فاستدل أصحاب أبي حنيفة رحمه الله لكراهة سؤرها بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا ومن ولوغ الهرة مرة ولأنها لا تجتنب النجاسة فكره سؤرها .

Sección V01/P232–V01/P233

واحتج أصحابنا بحديث أبي قتادة وحديث عائشة وغير ذلك مما قدمناه واضحا ، ولأنه حيوان يجوز اقتناؤه لغير حاجة فكان سؤره طاهرا غير مكروه كالشاة . وأما الجواب : عن حديث أبي هريرة فهو أن قوله : من ولوغ الهرة مرة ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل هو مدرج في الحديث من كلام أبي هريرة موقوفا عليه ، كذا قاله الحفاظ ، وقد بين البيهقي وغيره ذلك ونقلوا دلائله وكلام الحفاظ فيه ، قال البيهقي : وروي عن أبي صالح عن أبي هريرة يغسل الإناء من الهرة كما يغسل من الكلب ، وليس بمحفوظ ، وعن عطاء عن أبي هريرة وهو خطأ من ليث بن أبي سليم ، إنما رواه ابن جريج وغيره عن عطاء من قوله ، قال : وروى عن ابن عمر كراهة الوضوء بفضل الهرة . قال الشافعي رحمه الله : الهرة ليست بنجس فنتوضأ بفضلها ونكتفي بالخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكون في أحد قال خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة ، قال أصحابنا : ولو صح حديث أبي هريرة لم يكن فيه دليل لأنه متروك الظاهر بالاتفاق ، فإن طاهره يقتضي وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة ولا يجب ذلك بالإجماع . قال البيهقي : وزعم الطحاوي أن حديث أبي هريرة صحيح ولم يعلم أن الثقة من أصحابه ميزه من الحديث وجعله من قول أبي هريرة . وأما قولهم : لا تجتنب النجاسة فمنتقض باليهودي وشارب الخمر فإنه لا يكره سؤرهما والله أعلم .

Sección V01/P233–V01/P235

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن ورد على ماء فأخبره رجل بنجاسته لم يقبل حتى يبين بأي شيء نجس لجواز أن يكون رأى سبعا ولغ فيه فاعتقد أنه نجس بذلك . فإن بين النجاسة قبل منه كما يقبل ممن يخبره بالقبلة ، ويقبل في ذلك قول الرجل والمرأة والحر والعبد ، لأن أخبارهم مقبولة . ويقبل قول الأعمى لأن له طريقا إلى العلم بالحس والخبر ، ولا يقبل فيه قول صبي ولا فاسق ولا كافر ، لأن أخبارهم لا تقبل . + الشرح : إذا أخبره ثقة بنجاسة أو ماء أو ثوب أو طعام وغيره فإن بين سبب النجاسة وكان ذلك السبب يقتضي النجاسة بلا خلاف لأن خبره مقبول ، وهذا من باب الخبر لا من باب الشهادة ، ويقبل في هذا المرأة والعبد والأعمى بلا خلاف لأن خبرهم مقبول ولا يقبل فاسق وكافر بلا خلاف ، ولا مجنون وصبي لا يميز ، وفي الصبي المميز وجهان الصحيح لا يقبل وبه قطع الجمهور كما قطع به المصنف ، ونقله البندنيجي والروياني عن نص الشافعي لأنه لا يوثق بقوله . والثاني : يقبل لأنه غير متهم ، حكاه جماعات من الخراسانيين وصاحب البيان وقطع به المحاملي في المجموع والقاضي أبو الطيب ، وقال البغوي : هو الأصح ، وطردوا الوجهين في روايته حديث النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ، والصحيح المنع مطلقا ، أما ما تحمله في الصبا وهو مميز ثم بلغ ورواه وأخبر به فيقبل على المشهور الذي قطع به الجمهور ، وفيه خلاف ضعيف سنوضحه في موضعه ، حيث ذكره المصنف من كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى . هذا إذا بين سبب النجاسة ، فإن لم يبين لم يقبل ، هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب ، قال الشيخ أبو حامد : نص عليه الشافعي رواه عنه المزني في الجامع الكبير . ثم إن الجمهور أطلقوا المسألة كما أطلقها المصنف . ممن أطلقها الشيخ أبو حامد والماوردي وابن الصباغ والمتولي وغيرهم ، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي وغيرهما : قال الشافعي : فإن كان يعلم من حال المخبر أنه يعلم أن سؤر السباع طاهر وأن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس قبل قوله عند الإطلاق ، هكذا نقل هؤلاء نص الشافعي ، وكذا قطع بهذا التفصيل في الفروق والبغوي والروياني وغيرهم ، ونقله صاحب العدة عن أصحابنا العراقيين ، ونقل صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد أنه نقله عن نص الشافعي ولم أر لأحد من أصحابنا تصريحا بمخالفته فهو إذن متفق عليه ، ومن أطلق المسألة فكلامه محمول على ما ذكره الإمام الشافعي صاحب المذهب ثم كبار أصحابنا . فرع : لو أخبره بنجاسته عدلان فهما كالعدل على التفصيل المتقدم ذكره الماوردي وهو ظاهر . فرع : قال أصحابنا : إذا أخبره مقبول الخبر بالنجاسة وجب قبوله ولا يجوز الاجتهاد بلا خلاف كما لا يجتهد المفتي إذا وجد النص ، وكما لا يجتهد إذا أخبره ثقة عن علم بالقبلة ووقت الصلاة وغير ذلك ، وقول المصنف : فإن بين النجاسة قبل منه أي لزمه قبوله . فرع : قال أصحابنا يقبل قول الكافر والفاسق في الإذن في دخول الدار وحمل الهدية كما يقبل قول الصبي فيهما ولا أعلم في هذا خلافا ، ذكر أكثر أصحابنا هذه المسألة في باب استقبال القبلة ، وممن ذكرها هناك صاحب الحاوي والقاضي أبو الطيب في تعليقه ، وقال : سمعت أبا الحسن الماسرجسي يقول : يقبل قول الكافر في ذلك . قلت : ودليل هذه الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدايا الكفار .

Sección V01/P235

فرع : قول المصنف : يقبل في ذلك قول الأعمى لأن له طريقا إلى العلم بالحس والخبر الحس بالحاء يعني يدركه بإحدى الحواس الخمس ، وأما الخبر فهو السماع من ثقة واحد أو جماعة ، واعلم أن أصحابنا وغيرهم من الفقهاء يطلقون لفظ العلم واليقين والمعرفة ويريدون به الإعتقاد القوي ، سواء كان علما حقيقيا أو ظنا ، وهذا نحو ما قدمناه في استعمالهم لفظ الشك والله أعلم .

Sección V01/P235–V01/P237

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان معه إناءان فأخبره رجل أن الكلب ولغ في أحدهما قبل قوله ولم يجتهد لأن الخبر مقدم على الاجتهاد كما نقوله في القبلة ، وإن أخبره رجل أنه ولع في هذا دون ذاك وقال آخر : بل ولع في ذاك دون هذا حكم بنجاستهما ، لأنه يمكن صدقهما بأن يكون ولغ فيهما في وقتين ، وإن قال أحدهما : ولغ في هذا دون ذاك في وقت معين ، وقال الآخر : بل ولغ في ذلك دون هذا في ذلك الوقت بعينه فهما كالبينتين إذا تعارضتا ، فإن قلنا : أنهما تسقطان سقط خبرهما وجازت الطهارة بهما ، لأنه لم يثبت نجاسة واحد منهما ، وإن قلنا : لا تسقطان أراقهما أو صب أحدهما في الآخر ثم تيمم . + الشرح : أما المسألة الأولى وهي إذا أخبره ثقة بولوغ الكلب في أحد الإناءين بعينه فصورتها أن يكون له إناءان يعلم أن الكلب ولغ في أحدهما ولا يعلم عنه كذا صورها الإمام الشافعي في حرملة وكذا نقله عنه المحاملي في كتابيه ، وكذا صورها الشيخ أبو حامد وآخرون وهو واضح فيجب قبول خبره ويحكم بنجاسة ذلك المعين وطهارة الآخر ، وهذا لا خلاف فيه وحينئذ لا يجوز الاجتهاد . وأما المسألة الثانية وهي إذا أخبره ثقة بولوغه في ذا ، وثقة بولوغه في ذاك ، فيحكم بنجاستهما بلا خلاف أيضا نص عليه الشافعي في الأم وحرملة واتفق عليه الأصحاب لما ذكر المصنف من احتمال الولوغ في وقتين ، ومتى أمكن صدق المخبرين الثقتين وجب العمل بخبرهما . وأما المسألة الثالثة : وهي إذا أخبره ثقة بولوغه في ذا دون ذاك حين بدا حاجب الشمس يوم الخميس ، فقال الآخر : بل ولغ في ذاك دون ذا في ذلك الوقت ، فقد اختلف الأصحاب فيها فقطع الصيدلاني والبغوي بأنه يجتهد فيهما ويستعمل ما غلب على ظنه طهارته ، ولا يجوز أخذ أحدهما بغير اجتهاد لأن المخبرين اتفقا على نجاسة أحدهما فلا يجوز إلغاء قولهما ، وقطع أصحابنا العراقيون وجمهور الخراسانيين بأن المسألة تبنى على القولين المشهورين في البينتين إذا تعارضتا أصحهما تسقطان والثاني : يستعملان وفي الاستعمال ثلاثة أقوال : أحدها : بالقرعة والثاني : بالقسمة والثالث : يوقف حتى يصطلح المتنازعان . قالوا : إن قلنا يسقطان سقط خبر الثقتين وبقي الماء على أصل الطهارة ، فيتوضأ بأيهما شاء ، وله أن يتؤضأ بهما جميعا ، قالوا : لأن تكاذبهما وهن خبرهما ولا يمكن العمل بقولهما للتعارض فسقط ، قالوا : وإن قلنا تستعملان لم يجيء قول القسمة بلا خلاف وامتناعه واضح ، وأما القرعة فقطع الجمهور بأنها لا تجيء أيضا كما قطع به المصنف وحكى صاحب المذهب بضم الميم وإسكان الذال وجها أنه يقرع ويتوضأ بما اقتضت القرعة طهارته . وحكى هذا الوجه صاحب البيان وأشار إليه المحاملي في المجموع فقال : ويمكن الإقراع وهو شاذ ضعيف ، وأما الوقف فقد جزم المصنف بأنه لا يجيء فإنه جزم بأنه على قول الاستعمال يريقهما ووافقه على هذا صاحبه الشاشي صاحب المستظهري وهو شاذ . والصحيح الذي عليه الجمهور مجيء الوقف ، وممن صرح به الشيخ أبو حامد وصاحباه القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي في كتابيه المجموع والتجريد والبندينجي وصاحب الشامل وآخرون من العراقيين وصاحبا التتمة ، والبحر وآخرون من الخراسانيين ، قال القاضي أبو الطيب وصاحبا الشامل والتتمة وغيرهم : فعلى هذا يتيمم ويصلي ويعيد الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء محكوم بطهارته ، ووجه جريان الوقف أنه ليس هنا ما يمنعه بخلاف القسمة والقرعة . ووجه قول المصنف : لا يجيء الوقف القياس على من اشتبه عليه إناءان واجتهد وتحير فيهما ، فإنه يريقهما ويصلي بالتيمم بلا إعادة ، لأنه معذور في الإراقة ولم يقولوا بالوقف فكذا هنا .

Sección V01/P237–V01/P238

فهذا ما ذكره الأصحاب واختار الشيخ أبو عمرو بن الصلاح أنه يجتهد على جميع أقوال الاستعمال ، لأن قول المخبرين على هذا القول مقبول ، وقد اتفقا على نجاسة أحد الإناءين دون الآخر فيجب العمل بذلك ويميز بالاجتهاد لأنه طريق للتمييز في هذا الباب بخلاف البينتين . وسلك إمام الحرمين طريقة أخرى انفرد بها فقال : إذا تعارض خبراهما وكان أحد المخبرين أوثق وأصدق عنده اعتمده كما إذا تعارض خبران وأحد الروايتين أوثق ، قال فإن استويا فلا تعلق بخبرهما . هذا كلام الإمام ومقتضاه : أنه إذا كان المخبر في أحد الطرفين أكثر رجح وعمل به وقد ذكر مثله صاحب البحر وهو الصحيح بل الصواب ، وخالف في ذلك صاحب البيان فقال : لا فرق بين أن يستوي المخبرون وبين أن يكون أحد الطرفين أكثر فالحكم واحد . وهذا الذي قاله ليس بشيء ، وليس هذا من باب الشهادات التي لها نصاب لا تأثير للزيادة عليه فلا يقع فيها ترجيح بزيادة العدد ، بل هو من باب الأخبار التي يترجح فيها بالعدد . ودليله أنه يقبل في النجاسة قول الثقة الواحد والعبد والمرأة بلا خلاف ، بخلاف الشهادة . فهذا ما ذكره الأصحاب وحاصله أوجه أرجحها عند الأكثرين أنه يحكم بطهارة الإناءين فيتوضأ بهما والثاني : يحكم بنجاسة أحدهما ويجب الاجتهاد وبه قطع الصيدلاني والبغوي الثالث : يقرع وهو ضعيف أو غلط والرابع : يوقف حتى يبين ويصلي بالتيمم ويعيد ، وهذه الأوجه إذا استوى المخبران في الثقة ، فإن رجح أحدهما أو زاد العدد عمل به على المذهب كما سبق والله أعلم . فرع : قوله : إن قلنا : تستعملان ، هو بالتاء المثناة فوق وكذا كل مؤنثتين غائبتين فبالمثناة فوق ، سواء ما له فرج حقيقي وغيره قال الله تعالى : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا آل عمران : 221 ، ووجد من دونهم امرأتين تذودان القصص : 32 ، إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا فاطر : 14 ، فيهما عينان تجريان الرحمن : 05 وإنما نبهت بهذا لكثرة ما يلحن في ذلك والله أعلم . فرع : قال ثقة : ولغ الكلب في هذا الإناء في وقت بعينه ، وقال آخر : كان هذا الكلب في ذلك الوقت في مكان آخر ، فوجهان محكيان في المستظهري وغيره أصحهما أنه طاهر للتعارض كما سبق والثاني : نجس لأن الكلاب تشتبه وقال صاحب المستظهري : وهذا الوجه ليس بشيء . فرع : أدخل كلب رأسه في إناء وأخرجه ولم يعلم هل ولغ فيه قال صاحب الحاوي وغيره : إن كان فمه يابسا فالماء طاهر بلا خلاف ، وإن كان رطبا فوجهان أحدهما : يحكم بنجاسة الماء لأن الرطوبة دليل ظاهر على ولوغه فصار كالحيوان إذا بال في ماء لأن الرطوبة دليل ظاهر في ولوغه فصار كالحيوان إذا بال في ماء ثم وجده متغيرا حكم بنجاسته بناء على هذا السبب المعين ، وأصحهما : أن الماء باق على طهارته لأن الطهارة يقين ، والنجاسة مشكوك فيها ، ويحتمل كون الرطوبة من لعابه وليس كمسألة بول الحيوان ، لأن هناك تيقنا حصول النجاسة وهو سبب ظاهر في تغير الماء ، بخلاف هذا والله أعلم .

Sección V01/P238–V01/P239

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن اشتبه عليه ماءان طاهر ونجس تحرى فيهما فما غلب على ظنه طهارته منهما توضأ به لأنه سبب من أسباب الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال ، فجاز له الاجتهاد فيه عند الاشتباه كالقبلة . + الشرح : إذا اشتبه ماءان طاهر ونجس ففيه ثلاثة أوجه ، الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور وتظاهرت عليه نصوص الشافعي رحمه الله أنه لا تجوز الطهارة بواحد منهما إلا إذا اجتهد وغلب على ظنه طهارته بعلامة تظهر ، فإن ظنه بغير علامة تظهر لم تجز الطهارة به والثاني : تجوز الطهارة به إذا ظن طهارته وإن لم تظهر علامة بل وقع في نفسه طهارته ، فإن لم يظن لم تجز . حكاه الخراسانيون وصاحب البيان والثالث : يجوز استعمال أحدهما بلا اجتهاد ، ولا ظن ، لأن الأصل طهارته حكاه الخراسانيون أيضا . قال إمام الحرمين وغيره : الوجهان الأخيران ضعيفان . والتفريع بعد هذا على المذهب وهو وجوب الاجتهاد واشتراط ظهور علامة ، سواء عندنا كان عدد الطاهر أكثر أو أقل حتى لو اشتبه إناء طاهر بمائة إناء نجسة تحرى فيها ، وكذلك الأطعمة والثياب ، وهذا مذهبنا وبمثله قال بعض أصحاب مالك ، وكذا قال بمثله أبو حنيفة في القبلة والأطعمة والثياب ، وأما الماء فقال : لا يتحرى إلا بشرط أن يكون عدد الطاهر أكثر من عدد النجس ، وقال أحمد وأبو ثور والمزني : لا يجوز التحري في المياه بل يتيمم ، وهذا هو الصحيح عند أصحاب مالك . ثم اختلف هؤلاء فقال أحمد : لا يتيمم حتى يريد الماء في إحدى الروايتين وقال المزني وأبو ثور : يتيمم ويصلي ولا إعادة وإن لم يرقه ، وقال عبد الملك بن الماجشون بكسر الجيم وضم الشين المعجمة من أصحاب مالك : يتوضأ بكل واحد ويصلي بعد الوضوءين ولا يعيد الصلاة وقال محمد بن سلمة من أصحاب مالك : يتوضأ بأحدهما ثم يصلي ثم يتوضأ بالآخر ثم يعيد الصلاة ، ونقل القاضي أبو الطيب عن أكثر العلماء جواز الاجتهاد في الثياب . قال ابن الماجشون ومحمد بن سلمة : يصلي في كل ثوب مرة ، وأجمعت الأمة على الاجتهاد في القبلة . احتج لأحمد والمزني بأنه إذا اجتهد قد يقع في النجس ، ولأنه اشتبه طاهر بنجس فلم يجز الاجتهاد كما لو اشتبه ماء وبول ، وأما الماجشون وابن سلمة فقالا : هو قادر على إسقاط الفرض بيقين باستعمالهما فلزمه ، واحتج أصحابنا على الطائفتين بالقياس على القبلة ، وبالقياس على الاجتهاد في الأحكام وفي التقويم المتلفات وإن كان قد يقع في الخطأ . وأما الجواب عن الماء والبول من أوجه أحدها : أن الاجتهاد يرد الماء إلى أصله بخلاف البول والثاني : أن الاشتباه في الماء يكثر فدعت الحاجة إلى الاجتهاد فيهما بخلاف الماء والبول والثالث : أن إلحاق المياه بالقبلة أولى ، وأما قول ابن الماجشون فضعيف بل باطل ، لأن أمره بالصلاة بنجاسة متيقنة وبالوضوء بماء نجس ، وأما أبو حنيفة فاحتج له في اشتراط زيادة عدد الطاهر بحديث الحسن بن علي رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك حديث حسن رواه الترمذي والنسائي ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح . قالوا : فكثرة النجس تريب فوجب تركه والعدول إلى ما لا ريب فيه وهو التيمم قالوا : ولأن الأصول مقررة على أن كثرة الحرام واستواء الحلال والحرام يوجب تغليب حكمه في المنع كأخت أو زوجة اختلطت بأجنبية ، ولأنه استوى الطاهر والنجس فأشبه الماء والبول ، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا واجد فلم يجز التيمم ، وقياسا على الثياب والأطعمة والقبلة فإنه يجوز الاجتهاد فيها باتفاقنا مع زيادة عدد الخطأ .

Sección V01/P239–V01/P241

فإن قالوا : إنما جاز الاجتهاد في الثياب لأنها أخف حكما بدليل أنه يعفي عن النجاسة اليسيرة فيها ، فالجواب من وجهين أحدهما : لا نسلم أن الماء يخالف الثياب في هذا بل يعفى عن النجاسة فيه إذا بلغ قلتين ، وكذا في دون القلتين إذا كانت نجاسة لا يدركها الطرف أو ميتة لا نفس لها سائلة على الأصح فيهما الثاني : أن هذا الفرق لما لم يوجب فرقا بينهما إذا زاد عدد الطاهر لم يوجبه إذا استويا . فإن قالوا : إنما جاز الاجتهاد في الثياب لأن الضرورة تبيحها إذا لم يجد غيرها بخلاف الماء ، فالجواب من وجهين . أحدهما : لا نسلم أن الثوب النجس تباح الصلاة فيه لعدم غيره بل يصلي عاريا ولا إعادة . الثاني : لا يجوز اعتبار الاشتباه بحال الضرورة بل بحال الاختيار وهما فيه سواء . وأما الجواب : عن الحديث فهو أن الريبة زالت بغلبة الظن بطهارته وبقيت الريبة في صحة التيمم مع وجود هذا الماء ، وأما قياسهم على الأجنبية المشتبهة بأخته فجوابه من وجهين أحدهما : أنه قياس فاسد لأن الأخت مع أجنبية أو أجنبيات لا يجري فيهن التحري بحال ، بل إن اختلطت الأخت بمحصورات لم يجز نكاح واحدة منهن . وإن اختلطت بغير محصورات نكح من أراد منهن بلا تحر . وإذا لم يجز فيهن التحري بحال وقد اتفقنا على جريانه في الماء إذا كان الطاهر أكثر لم يصح إلحاق أحدهما بالآخر الثاني : أن الاشتباه في النساء نادر بخلاف الماء فدعت الحاجة إلى التحري فيه دونهن . وأما قياسهم على اختلاط زوجته بأجنبيات فجوابه من أربعة أوجه أحدها : ندرة ذلك بخلاف الماء الثاني : أن التحري يرد الشيء إلى أصله فالماء يرجع إلى أصله وهو الطهارة فأثر فيه الاجتهاد ، وأما الوطء فالأصل تحريمه الثالث : أن في مسألة الزوجة لو زاد عدد المباح لم يتحر بخلاف الماء الرابع : إذا تردد في فرع بين أصلين ألحق بأشبههما به وشبه المياه بالثياب والقبلة أكثر فألحق بها دون الزوجة . وأما قياسهم على الماء والبول فجوابه من أوجه ، أحدها : التحري يرد الماء إلى أصله وهو الطهارة بخلاف البول الثاني : الاشتباه في المياه يكثر وتعم به البلوى بخلاف الماء والبول الثالث : لا نسلم أن امتناع التحري في الماء والبول لعدم زيادة الطاهر ، بل لأن البول ليس مما يجتهد فيه بحال ولهذا ، لو زاد عدده لم يجز التحري والله أعلم . فرع : قول المصنف : توضأ به لأنه سبب من أسباب الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال فجاز الاجتهاد فيه عند الاشتباه كالقبلة الضمير في لأنه يعود إلى الوضوء أو التطهير الذي دل عليه قوله توضأ به ، وقوله : سبب أراد به الشرط ، فإن الوضوء شرط للصلاة لا سبب لها فإن الشرط ما يعدم الحكم لعدمه ، والسبب ما توصل به إلى الحكم ، فتساهل المصنف بإطلاق السبب على الشرط واحترز به عن الشك في عدد الركعات والركوع والسجود وغير ذلك من أجزاء الصلاة . وقوله : من أسباب الصلاة أي شروطها وقد صرح بما ذكرناه في باب طهارة البدن فيما إذا اشتبه ثوبان فقال : تحرى فيهما ، لأنه شرط من شروط الصلاة ، وفيه احتراز من الذكاة فإنها شرط ، ولكن ليست شرطا في الصلاة بل في حل الحيوان ولا يدخلها الاجتهاد فيما إذا اشتبهت ميتة بمذكاة . وقوله : يمكن التوصل إليه بالاستدلال احتراز مما إذا شك هل توضأ أم لا أو هل غسل عضوه أم لا ، ومن القبلة في حق الأعمى ، وقاس المصنف على القبلة لأنها مجمع على الاجتهاد فيها . وقوله : فجاز الاجتهاد فيه عند الاشتباه كالقبلة كلام صحيح ومراده الرد على من منع الاجتهاد كما سبق .

Sección V01/P241

وإذا ثبت جوازه فقد يجب إذا لم يقدر على غيره وضاق وقت الصلاة ، وقد لا يجب بأن لا يكون كذلك ، وقد يعترض على المصنف فيقال : كان ينبغي أن يقول : فوجب الاجتهاد ، وهذا اعتراض باطل لما ذكرناه . فرع : أما كيفية الاجتهاد فقال صاحب البيان : قال أصحابنا العراقيون هو أن ينظر إلى الإناءين ويميز الطاهر منهما بتغير لون أو ريح أو اضطراب فيه أو رشاش حوله أو يرى أثر كلب إلى أحدهما أقرب ونحو ذلك ، فإذا فعل ذلك غلب على ظنه نجاسة أحدهما لوجود بعض هذه العلامات وطهارة الآخر لعدمها قال : فأما ذوق الماء فلا يجوز لاحتمال نجاسته ، قال : وأما الخراسانيون فقالوا : هل يحتاج إلى نوع دليل فيه وجهان ، أحدهما : نعم كالمجتهد في الأحكام والثاني : لا ، قال : وهذا ليس بشيء وهذا الذي حكاه عن العراقيين هو كذلك في كتبهم ، وكذا نقله أيضا البغوي عن العراقيين . وقد قدمنا ثلاثة أوجه في أنه يشترط العلامة أم يكفيه الظن بلا علامة أو يجوز الهجوم بلا علامة ولا ظن ولا اجتهاد والصحيح اشتراط العلامة كما إذا اشتبهت القبلة فإنه لا بد من علامة بلا خلاف وكذا القاضي والمفتي يشترط ظهور دليل له بلا خلاف ، قال إمام الحرمين : ولأن الأمور الشرعية لا تبنى على الإلهامات والخواطر ، ومن اكتفى بالظن قال : يجوز استعماله اعتمادا على الأصل والظاهر . وفرق القاضي حسين وصاحبه البغوي وغيرهما بينه وبين القبلة بأن جهة القبلة مشاهدة . ولها علامات ظاهرة تعلم بها إذ أتقن النظر علما يقينا . والأواني لا طريق إلى اليقين فيها فكفى الظن والله أعلم .

Sección V01/P241–V01/P243

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن انقلب أحدهما قبل الاجتهاد ففيه وجهان ، أحدهما : أنه يتحرى في الثاني ، لأنه ثبت جواز الاجتهاد فيه فلم يسقط بالانقلاب والثاني : وهو الأصح لا يجتهد لأن الاجتهاد يكون بين أمرين ، فإن قلنا : يجتهد فما الذي يصنع فيه وجهان قال أبو علي الطبري : يتوضأ به لأن الأصل فيه الطهارة فلا يزال اليقين بالشك ، وقال القاضي أبو حامد : يتيمم ولا يتوضأ لأن حكم الأصل زال بالاشتباه بدليل أنه منع من استعماله من غير تحر فوجب التيمم . + الشرح : حاصل ما ذكره ثلاثة أوجه أصحها عند أكثر الأصحاب لا يتحرى في الباقي بل يتيمم ويصلي ولا يعيد ، لأنه ممنوع من استعماله غير قادر على الاجتهاد فسقط فرضه بالتيمم والثاني : يتوضأ به بلا اجتهاد والثالث : يجتهد فإن ظهر له نجاسته تركه ويتيمم ، وإن ظن طهارته توضأ به ولا إعادة على التقديرين ودليل الأوجه مذكور في الكتاب ، وممن صحح الأول المصنف ، ولو قلبه صاحبه فهو كما لو انقلب ففيه الأوجه ، صرح به الشيخ أبو حامد والمحاملي والغزالي وغيرهم . وأما قول المصنف لا يزال حكم اليقين بالشك ، فهي عبارة مشهور للفقهاء قد أكثر المصنف وغيره منها وأنكرها بعض أهل الأصول على الفقهاء ، وقال : الشك إذا طرأ لم يبق هناك يقين لأن اليقين الإعتقاد الجازم ، والشاك متردد وهذا الإنكار فاسد لأن مرادهم أن حكم اليقين لا يزال بالشك لا أن اليقين نفسه مع الشك . فإن ذلك محال لا يقوله أحد ، ودليل هذه القاعدة وهي كون حكم اليقين لا يزال بالشك الحديث الذي ذكرناه في أول الباب والله أعلم . وأبو علي الطبري والقاضي أبو حامد تقدم بيانهما قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن اجتهد فيهما فلم يغلب على ظنه شيء أراقهما أو صب أحدهما في الآخر وتيمم ، فإن تيمم وصلى قبل الإراقة أو الصب أعاد الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء طاهر بيقين . + الشرح : إذا اجتهد فلم يظهر له شيء فليرقهما أو يخلطهما ثم يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه بلا خلاف ، بخلاف ما لو أراق ماء تيقن طهارته في الوقت لغير عذر وتيمم فإنه يعيد الصلاة على وجه لأنه مقصر ، وهنا معذور . ولو أراق الماءين في مسألتنا قبل الاجتهاد فهو كإراقة الماء الذي تيقن طهارته سفها ، فإن كان قبل الوقت فلا إعادة . وإن كان في الوقت فلا إعادة في أصح الوجهين لكنه يعصى قطعا ، قال أصحابنا : ولو اجتهد فظن طهارة إناء فأراقه أو أراقهما فهو كالإراقة سفها على ما ذكرنا . فأما إذا تيمم وصلى قبل الإراقة فتيممه باطل وتلزمه إعادة الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء طاهر بيقين ، هكذا قطع به الجمهور وهو الصحيح ، وفي البيان وجه آخر أنه لا إعادة لأنه ممنوع من هذين الماءين . فكانا كالعدم ، كما لو حال بينه وبينه سبع . وهذا وإن كان له وجه فالمختار الأول لأن معه ماء طاهرا وقد ينسب إلى تقصير في الاجتهاد وله طريق إلى إعدامه بخلاف السبع . وذكر صاحب الحاوي في الإراقة المذكورة فيما إذا لم يغلب على ظنه شيء وجهين : أحدهما : أنها واجبة ليصح تيممه بلا إعادة والثاني : قال وهو قول جمهور أصحابنا : لا تجب الإراقة لكن تستحب لأنه ليس معه ماء يقدر على استعماله فجاز له التيمم ويلزمه الإعادة لأن معه ماء طاهرا فلو كانا لو خلطا بلغا قلتين وجب خلطهما بلا خلاف والله أعلم .