Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Sección V02/P538–V02/P539

السابعة : لو ولغ في ماء قليل أو مائع فأصاب ذلك الماء أو المائع ثوبا أو بدنا أو إناء آخر وجب غسله سبع مرات إحداهن بتراب . الثامنة : قال أصحابنا : لو ولغ في ماء كثير بحيث لم ينقص بولوغه عن قلتين لم ينجسه ولا ينجس الإناء إن لم يكن أصاب جرمه الذي لم يصله الماء مع رطوبة أحدهما . التاسعة : قال أصحابنا : لو وقع الإناء الذي ولغ فيه في ماء قليل نجسه ولم يطهر الإناء وإن وقع في ماء كثير لم ينجس الماء وهل يطهر الإناء فيه خمسة أوجه حكاها الأصحاب مفرقة وجمعها صاحب البيان وغيره أحدهما : يطهر لأنه لو كان كذلك ابتداء لم ينجس والثاني : يحسب ذلك غسلة فيجب بعده ست مرات مع التراب ، لأن الإناء ما لم ينفصل عن الماء فهو في حكم غسلة واحدة والثالث : يحسب ستا ويجب سابعة بتراب والرابع : إن كان الكلب أصاب نفس الإناء حسب ذلك غسلة وإن كان أصاب الماء الذي في الإناء وتنجس الإناء تبعا حسب سبعا لأنه تنجس تبعا للماء الذي وقع الآن فيه والخامس : إن كان الإناء ضيق الرأس حسب مرة وإن كان واسعا طهر ولا حاجة إلى ماء آخر ولا تراب لأن الماء يجول فيه مرارا ولم يصح شيء من الأوجه والأظهر أنه يحسب مرة . العاشرة : لو كانت نجاسة الكلب عينية كدمه وروثه فلم تزل إلا بست غسلات مثلا فهل يحسب ذلك ستا أم واحدة أم لا يحسب شيئا فيه ثلاثة أوجه ولم أر من صرح بأصحها ، ولعل أصحها أنه يحسب مرة كما قال الأصحاب : يستحب غسل النجاسة في غير الكلب ثلاثة مرات فإن لم تزل عينها إلا بغسلات استحب بعد زوال العين غسلة ثانية وثالثة فجعل ما زالت به العين غسلة واحدة . الحادية عشرة : إذا لم يرد استعمال الإناء الذي ولغ فيه الكلب فهل يجب عليه إراقته أم يستحب ولا يجب فيه وجهان حكاهما صاحبا الحاوي و البحر وغيرهما قال صاحبا الحاوي و البحر : الأصح الذي قاله الجمهور مستحب ولا يجب قياسا على باقي المياه النجسة بخلاف الخمر فإنه يجب إراقتها لأن النفوس تطلبها فيخاف الوقوع في شربها والثاني : يجب ويحرم الإنتفاع به لقوله صلى الله عليه وسلم وليرقه حديث صحيح رواه مسلم كما سبق بيانه ، والأمر للوجوب عند جمهور الفقهاء ، ويفرق بينه وبين سائر النجاسات بأن المراد هنا الزجر والتنفير من الكلاب ، والمبالغة في التغليط في ذلك ولهذا غلظ بالعدد والتراب . الثانية عشرة : لو كان الماء أكثر من قلتين وتغير بالنجاسة ثم ولغ فيه كلب ثم أصاب ذلك الماء ثوبا ، قال صاحب البحر : قال القاضي حسين : يجب غسل الثوب سبعا إحداهن بالتراب لأن الماء المتغير بالنجاسة كالخل الذي وقعت فيه نجاسة ، وكذا رأيته في فتاوى القاضي حسين . الثالثة عشرة : لو أدخل الكلب رأسه في إناء فيه ماء أو مائع وأخرجه ولا يعلم هل ولغ فيه أم لا فإن لم يكن على فمه رطوبة فالمائع طاهر ، وإن كانت عليه رطوبة فطاهر أيضا على أصح الوجهين وقد سبقت المسألة في باب المياه . الرابعة عشرة : قال أهل اللغة : يقال ولغ الكلب يلغ بفتح اللام فيهما وحكى أبو عمر الزاهد عن ثعلب عن ابن الأعرابي أن من العرب من يقول : ولغ بكسرها والمصدر منهما ولغا وولوغا ويقال : أولغه صاحبه قال : الولوغ في الكلب والسباع كلها أن يدخل لسانه في المائع فيحركه ، ولا يقال ولغ بشيء من جوارحه غير اللسان ، ولا يكون الولوغ لشيء من الطير إلا الذباب قال : ويقال لحس الكلب الإناء وفقنه ولجنه ولجده بالجيم فيهما كله بمعنى إذا كان فارغا فإن كان فيه شيء قليل ولغ وقال صاحب المطالع : الشرب أعم من الولوغ فكل ولوغ شرب ولا عكس .

Sección V02/P539

قال الجوهري : قال أبو زيد : يقال ولغ الكلب بشرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا والله أعلم . فرع : سؤر الهرة والبغل والحمار والسباع والفأرة وسائر الحيوانات غير الكلب والخنزير وما تولد من أحدهما طاهر لا كراهة فيه عندنا ، فإذا ولغ في طعام جاز أكله بلا كراهة وإذا شرب من ماء جاز الوضوء به . وقد سبقت المسألة في باب الشك في نجاسة الماء وسبق هناك الأوجه في الهرة إذا أكلت نجاسة ثم ولغت في ماء أو مائع والله أعلم .

Sección V02/P539–V02/P541

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجزىء في بول الصبي الذي لم يطعم الطعام النضح وهو أن يبله بالماء وإن لم ينزل عنه ، ولا يجزىء في بول الصبية إلا الغسل لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بول الرضيع : يغسل من بول الجارية وينضح من الغلام . + الشرح : في بول الصبي والصبية اللذين لم يأكلا غير اللبن من الطعام للتغذي ثلاثة أوجه الصحيح أنه يجب غسل بول الجارية ويجزىء النضح في بول الصبي والثاني : يكفي النضح فيهما حكاه الخراسانيون والثالث : يجب الغسل فيهما حكاه المتولي وهذان الوجهان ضعيفان والمذهب الأول ، وبه قطع المصنف والجمهور . قال البغوي : وبول الخنثى كبول الأنثى من أي فرجيه خرج ، ويشترط في النضح إصابة الماء جميع موضع البول ، وأن يغمره ولا يشترط أن ينزل عنه ، والغسل أن يغمره وينزل عنه . هذه عبارة الشيخ أبي حامد والجمهور ، وشرحها أمام الحرمين فقال : النضح أن يغمره ويكاثره بالماء مكاثرة لا يبلغ جريانه وتردده وتقطره بخلاف الغسل فإنه يشترط فيه جريان بعض الماء وتقاطره وإن يشترط عصره . قال الرافعي وغيره : لا يراد الماء ثلاث درجات الأولى : النضح المجرد ، الثانية : مع الغلبة والمكاثرة ، والثالثة : أن يضم إلى ذلك السيلان ، فلا تجب الثالثة قطعا ، وتجب الثانية على أصح الوجهين . والثاني يكفي الأول . وأما حديث علي رضي الله عنه فحديث حسن ، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك . قال الترمذي : حديث حسن ، ذكره في كتاب الصلاة . وقال الحاكم حديث صحيح . قال : وله شاهدان صحيحان فرواه بلفظه أو بمعناه من رواية لبابة بنت الحارث زوجة العباس . ومن رواية أبي السمح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواهما أيضا أبو داود وغيره قال البخاري : حديث أبي السمح هذا حديث حسن وثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن أم قيس بنت محصن رضي الله عنها أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن لها صغير لم يأكل الطعام ، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فبال عليه ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فنصحه عليه ولم يغسله وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتي بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم ، فأتى بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله وذكر أصحابنا في الفرق بين بول الصبي والصبية من حيث المعنى فرقين ، أحدهما : أن بولها أثخن وألصق بالمحل . والثاني : أن الإعتناء بالصبي أكثر فإنه يحمله الرجال والنساء في العادة ، والصبية لا يحملها إلا النساء غالبا ، فالإبتلاء بالصبي أكثر وأعم والله أعلم . هذا كلام الأصحاب في المسألة ، وأما الشافعي فقال في مختصر المزني : يجزىء في بول الغلام الرش ، واستدل بالسنة ثم قال : ولا يبين لي فرق بينه وبين الصبية . ونقل صاحب جمع الجوامع في نصوص الشافعي أن الشافعي نص على جواز الرش على بول الصبي ما لم يأكل ، واحتج بالحديث ثم قال : ولا يبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة ، ولو غسل بول الجارية كان أحب إلى إحتياطا ، وإن رش عليه ما لم تأكل الطعام أجزأ إن شاء الله تعالى .

Sección V02/P541

ولم يذكر عن الشافعي غير هذا ، وقال البيهقي : كأن أحاديث الفرق بين بول الصبي والصبية لم تثبت عند الشافعي ، قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح إنكارا على الغزالي رحمهما الله في قوله : ومنهم من قاس الصبية على الصبي ، وعو غلط لمخالفته النص قال : قوله هذا غير مرضي من وجهين : أحدهما : كونه جعله وجها لبعض الأصحاب مع أنه القول المنصوص للشافعي كما ذكرناه . والثاني : جعله إياه غلطا وهو يرتفع عن ذلك إرتفاعا ظاهرا فإنه المنصوص ، ثم ذكر النص الذي قدمناه ، ثم قال : الفرق بينهما حنيئذ كأنه قول مخرج لا منصوص ، ومع هذا لا يذكر كثير من المصنفين غيره قال : ولا يقوى ما يذكر من الفرق من جهة المعنى قال : وذكر القاضي حسين نص الشافعي أنه لا يبين لي فرق بينهما ثم قال : وأصحابنا يجعلون في بول الصبية قولين أقيسهما : أنه كبول الصبي والثاني : يجب غسله . قال أبو عمرو : ومع ما ذكرناه من رجحان التسوية من حيث نص الشافعي فالصحيح الفرق لورود الحديث من وجوه تعاضدت بحيث قامت الحجة به . فرع في مذاهب العلماء في ذلك مذهبنا المشهور أنه يجب غسل بول الجارية ، ويكفي نضح بول الغلام ، وبه قال علي بن أبي طالب وأم سلمة والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وداود ، وقال مالك وأبو حنيفة والثوري : يشترط غسل بول الغلام والجارية ، وقال النخعي : يكفي نضحهما جميعا ، وهو رواية عن الأوزاعي .

Sección V02/P541–V02/P542

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما سوى ذلك النجاسات ينظر فيه فإن كانت جامدة كالعذرة أزيلت ثم غسل موضعها على ما نبينه إن شاء الله تعالى ، وإن كانت ذائبة كالبول والدم والخمر فإنه يستحب ( أن يغسل ) منه ثلاثا ، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده فندب صلى الله عليه وسلم إلى الثلاث للشك في النجاسة ، فدل على أن ذلك يستحب إذا تيقن ، ويجوز الإقتصار على ( غسل ) مرة لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : كانت الصلاة خمسين ، والغسل من الجنابة سبع مرات ، وغسل الثوب من البول سبع مرات ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا ، والغسل من الجنابة مرة ، وغسل الثوب من البول مرة والغسل الواجب من ذلك أن تكاثر النجاسة بالماء حتى تستهلك فيه ، فإن كانت النجاسة على الأرض أجزأته المكاثرة ، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في بول الأعرابي بذنوب ( من ماء ) وإنما أمر بالذنوب لأن ذلك يغمر النجاسة وتستهلك فيه . وقال أبو سعيد الأصطخري وأبو القاسم الأنماطي : الذنوب تقدير فيجب في بول واحد ذنوب ، وفي بول اثنين ذنوبان ، والمذهب أن ذلك ليس بتقدير لأن ذلك يؤدي إلى أن يطهر البول الكثير من رجل بذنوب ، وما دون ذلك من رجلين لا يطهر إلا بذنوبين وإن كانت النجاسة على الثوب ففيه وجهان : أحدهما : يجزئه المكاثرة كالأرض . والثاني : لا يجزئه حتى يعصر لأنه يمكن عصره بخلاف الأرض ، والأول أصح . وإن كانت النجاسة في إناء فيه شيء ، فوجهان : أحدهما : يجزىء فيه المكاثرة كالأرض والثاني : لا يجزىء حتى يراق ما فيه ثم يغسل لقوله صلى الله عليه وسلم في الكلب يلغ في الإناء : فليهرقه ثم ليغسله سبع مرات . + الشرح : هذه القطعة فيها أحاديث ومسائل . أما الأحاديث فالأول حديث : إذا استيقظ أحدكم رواه مسلم بلفظه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأصله في الصحيحين وقد سبق بيانه وما يتعلق به من الفوائد في أول صفة الوضوء ، وينكر على المصنف قوله فيه : روي بصيغة تمريض ، وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فرواه أبو داود ولم يضعفه ، لكن في إسناده أيوب بن جابر وقد اختلفوا في تضعيفه . وأما حديث : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبوا على بول الأعرابي ذنوبا فرواه البخاري ومسلم من طرق من رواية أنس رضي الله عنه ، ورواه البخاري أيضا بمعناه من رواية أبي هريرة ، وأما حديث : فليهرقه ثم ليغسله سبع مرات فصحيح رواه مسلم ، وقد قدمناه في مواضع من هذا الباب ، وقوله : يلغ هو بفتح اللام كما سبق بيانه . أما المسائل فإحداها : الأعيان النجسة كالميتة والروث وغيرهما لا يطهر بالغسل بل إذا وقعت على طاهر ونجسته لا يمكن تطهيره حتى تزول عين النجاسة ، وهكذا إذا اختلطت هذه النجاسات بتراب وغيره فصب عليه الماء لم يطهر ، قال أصحابنا : ولا طريق إلى طهارة هذه الأرض إلا بأن يحفر ترابها ويرمي ، فلو ألقى عليها ترابا طاهرا أو طينها صحت الصلاة عليها .

Sección V02/P542–V02/P544

الثانية : إذا كانت النجاسة ذائبة كأثر البول والدم والخمر وغيرها استحب غسلها ثلاث مرات ، والواجب مرة واحدة ، ودليلهما ما ذكره المصنف ، وعن أحمد بن حنبل رواية أنه يجب غسل النجاسة كلها سبع مرات كالكلب ودليلنا حديث ابن عمر وهو صريح في المرة وإطلاق الأحاديث الصحيحة المشهورة كحديث غسل دم الحيض : وصبوا عليه ذنوبا من ماء وغير ذلك ، وبمذهبنا قال الجمهور ، قال أصحابنا : فإن لم يزل عين الدم أو طعمه أو طعم سائر النجاسات إلا بغسلات كفاه زوال العين ، ويستحب بعد ذلك غسله ثانية وثالثة لحديث : إذا استيقظ أحدكم . الثالثة : الواجب في إزالة النجاسة الذائبة من الأرض المكاثرة بالماء ، بحيث تستهلك فيه وتطهر الأرض بمجرد ذلك وإن لم ينصب الماء ، سواء كانت الأرض صلبة أم رخوة ، هذا هو الصحيح وفيه وجه أنها لا تطهر حتى ينصب ، حكاه الخراسانيون بناء على اشتراط العصر في الثوب ، ووجه حكاه الخراسانيون وجماعة من العراقيين أنه يشترط كون الماء المصبوب سبعة أمثال البول ، ووجه أنه يشترط في بول كل رجل ذنوب من ماء ، فلو كان مائة ، وجب مائة ذنوب وهذا الوجه هو الذي حكاه المصنف عن الأنماطي والأصطخري . وهذه الأوجه كلها ضعيفة والمذهب الأول . وأما نص الشافعي رحمه الله أنه يصب على البول سبعة أضعافه ، وقوله : وإن بال أثنان لم يطهر إلا بذنوبين محمول على ما إذا لم تحصل المكاثرة إلا بذلك أو على الإستحباب والإحتياط ، ولا يشترط جفاف الأرض بلا خلاف كما لا يشترط جفاف الثوب بلا خلاف ، وإن شرطنا العصر قال أصحابنا : ولو وقع على الأرض والثوب وغيرهما ماء المطر حصلت الطهارة بلا خلاف قال أصحابنا : ثم الخمر والبول والدم وسائر النجاسات الذائبة حكمها ما ذكرنا ، هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وداود والجمهور . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن كانت الأرض رخوة ينزل الماء فيها أجزأه صبه عليها ، وإن كانت صلبة لم يجزئه إلا حفرها ونقل ترابها ، دليلنا حديث بول الأعرابي في المسجد وصب الذنوب عليه ، وأما الحديث الوارد في الأمر بحفره فضعيف . الرابعة : إذا كانت النجاسة على ثوب ونحوه فالواجب المكاثرة بالماء ، وفيه وجه سبعة الأمثال الذي سبق وليس بشيء ، وفي اشتراط العصر وجهان أصحهما لا يشترط بل يطهر في الحال ، وهما مبنيان على الخلاف في طهارة غسالة النجاسة . والأصح طهارتها إذا انفصلت غير متغيرة وقد طهر المحل ولهذا كان الأصح أنه لا يشترط العصر ، فإن شرطناه لم يحكم بطهارة الثوب ما دام الماء فيه ، فإن عصره طهر حنيئذ ، وإن لم يعصره حتى جف فهل يطهر وجهان حكاهما الخراسانيون الصحيح يطهر لأنه أبلغ في زوال الماء . والثاني : لا يطهر لأن الماء الذي وجبت إزالته باق ، ولأن وجوب العصر مفرع على نجاسة الغسالة ، وهي باقية في الثوب حكما ، وهذا ضعيف والمعتمد الجزم بالطهارة . ولو عصره وبقيت رطوبة فهو طاهر بلا خلاف . الخامسة : إذا كانت النجاسة مائعا في إناء فصب عليه ماء غمره ولم يرقه فهل يطهر الإناء وما فيه فيه وجهان ذكرهما المصنف بدليلهما وهما مشهوران ، الصحيح منهما : لا يطهر . ولو غمس الثوب النجس في إناء دون قلتين من الماء فوجهان الصحيح وبه قطع الجمهور : ينجس الماء ولا يطهر الثوب ، وقال ابن سريج : يطهر الثوب ولا ينجس الماء ، ولو ألقت الريح الثوب في الماء وهو دون القلتين نجس الماء ولم يطهر الثوب بلا خلاف ، ووافق ابن سريج على النجاسة هنا ، واستدلوا بهذا على اشتراطه النية في إزالة النجاسة ، وأنكر إمام الحرمين والغزالي وغيرهما هذا الإستدلال .

Sección V02/P544

السادسة : إذا كان داخل الإناء متنجسا فصب فيه ماء غمر النجاسة ، فهل يطهر في الحال قبل إراقة الغسالة وجهان بناء على اشتراط العصر أصحهما الطهارة كالأرض والله أعلم .

Sección V02/P544–V02/P545

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كانت النجاسة خمرا فغسلها وبقيت الرائحة ففيه قولان أحدهما : لا يطهر كما لو بقي اللون والثاني : يطهر لأن الخمر لها رائحة شديدة فيجوز أن تكون لقوة رائحتها تبقى الرائحة من غير جزء من النجاسة ، وإن كانت النجاسة دما فغسله ولم يذهب الأثر أجزأه لما روى أن خولة بنت يسار قالت : يا رسول الله أرأيت لو بقي أثر فقال صلى الله عليه وسلم : الماء يكفيك ولا يضرك أثره . + الشرح : حديث خولة هذا رواه البيهقي في السنن الكبيرة من رواية أبي هريرة بإسناد ضعيف وضعفه ، ثم روى عن إبراهيم المزني الإمام قال : لم نسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث . قال أصحابنا : يجب محاولة إزالة طعم النجاسة ولونها وريحها فإن حاوله فبقي طعم النجاسة لم يطهر بلا خلاف لأنه يدل على بقاء جزء منها ، وإن بقي اللون وحده وهو سهل الإزالة لم يطهر ، وإن كان غيرها كدم الحيض يصيب ثوبا ولا يزول بالمبالغة في الحت والقرص طهر على المذهب . وحكى الرافعي وجها أنه لا يطهر وهو شاذ ، قال الرافعي : والصحيح الذي قطع به الجمهور أن الحت والقرص مستحبان وليسا بشرط ، وفي وجه شاذ هما شرط ، وإن بقيت الرائحة وحدها وهي عسرة الإزالة كرائحة الخمر وبول المبرسم وبعض أنواع العذرة فقولان ، وقيل : وجهان أصحهما يطهر ، وممن حكاه وجهين القاضي أبو الطيب ، قال الشيخ أبو حامد : هما قولان منصوصان وقد ذكر المصنف دليلهما . وإن بقي اللون والرائحة لم يطهر على الصحيح ، وحكى الرافعي فيه وجها . قال صاحب التتمة : وإذا لم تزل النجاسة بالماء وحده ، وأمكن إزالتها باشنان ونحوه وجب . ثم ما حكمنا بطهارته في هذه الصور مع بقاء لون أو رائحة فهو طاهر حقيقة . وهذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور . وفي التتمة وجه أنه يكون نجسا معفوا عنه وليس بشيء ، هذا تلخيص حكم المسألة وما ذكره الأصحاب . وأما قول المصنف : أحدهما لا يطهر كما لو بقي اللون . فمراده لون يسهل إزالته كما ذكرناه ، وهكذا من أطلق من العراقيين أنه لا يطهر مع بقاء اللون مرادهم ما ذكرنا ، وقد نقل الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب الإتفاق على أنه إذا بقي اللون لا يطهر ومرادهما ما ذكرنا ، وقد أنكر بعض الناس على المصنف قوله : كاللون ، وزعم أن صوابه كالطعم قال : لأن اللون لا يضر بقاؤه قطعا وهذا الإنكار خطأ من قائله فإنه بجهالته فهم خلاف الصواب ثم اعترض ، والصواب صحة ما قاله المصنف وحمله على ما ذكرناه فقد صرح غيره بما تأولناه . وأما قول صاحب البيان : القولان في بقاء رائحة الخمر ، فإن بقي رائحة غيرها فقال عامة أصحابنا : لا يطهر ، وقال صاحب التلخيص و الفروع : فيه القولان كالخمر . فليس كما قال بل الصواب الذي عليه الأكثرون طرد القولين في الجميع على ما سبق . وكأن صاحب البيان قلد في هذه الدعوى صاحب العدة على عادته في النقل عنه ، وممن صرح بطردهما في غير الخمر الشيخ أبو حامد والله أعلم .

Sección V02/P545–V02/P546

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان الثوب نجسا فعمسه في إناء فيه دون القلتين من الماء نجس الماء ، ولم يطهر الثوب ، ومن أصحابنا من قال : إن قصد إزالة النجاسة لم ينجسه وليس بشيء لأن القصد لا يعتبر في إزالة النجاسة ولهذا يطهر بماء المطر ويغسل المجنون قال أبو العباس بن القاص : إذا كان ثوب كله نجس فغسل بعضه في جفنه ثم عاد فغسل ما بقي لم يطهر حتى يغسل الثوب كله دفعة واحدة ، لأنه إذا صب على بعضه ماء ورد جزء من البعض الآخر على الماء فنجسه وإذا نجس الماء نجس الثوب . + الشرح : أما المسألة الأولى فسبق بيانها قريبا في المسألة الخامسة من المسائل السابقة ، وقوله : ومن أصحابنا من قال هو ابن سريج ، وقوله : ولهذا يطهر بماء المطر وبغسل المجنون ظاهره أن ابن سريج يوافق على هذا ولا يبعد أنه يخالف فيه فقد نقل عنه اشتراط النية في إزالة النجاسة كما سبق في باب نية الوضوء وأما المسألة الثانية ، وهي مسألة ابن القاص فهي مشهورة عنه لكن قال المحاملي في التجريد في باب المياه : هذا غلط من ابن القاص ، قال : وقال عامة أصحابنا : يطهر الثوب . وقال صاحب البيان : حكى صاحب الإفصاح والشيخ وأبو حامد والمحاملي أن ابن القاص قال : إذا كان الثوب كله نجسا فغسل نصفه ثم عاد إلى ما بقي فغسله لم يطهر حتى يغسله كله قال : لأنه إذا غسل نصفه فالجزء الرطب الذي يلاصق الجزء اليابس النجس ينجس به لأنه ملاصق لما هو نجس ، ثم الجزء الذي بعده ينجس بملاصقته الجزء الأول ثم الذي بعده ينجس بملاصقته حتى ينجس جميع الأجزاء إلى آخر الثوب . قال الشيخ أبو حامد : غلط ابن القاض بل يطهر الثوب لأن الجزء الذي يلاصق الجزء النجس ينجس به ، لأنه لاقى عين النجاسة ، فأما الجزء الذي يلاصق ذلك الجزء فلا ينجس به لأنه لاقى ما هو نجس حكما لا عينا ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في الفأرة تموت في السمن الجامد : ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم فحكم صلى الله عليه وسلم بنجاسة ما لاقى عين النجاسة دون الجزء المتصل بذلك المتنجس ، ولو كان قال ابن القاص لنجس السمن كله . وأما ابن الصباغ فحكى أن ابن القاص قال : إذا غسل نصفه في جفنة ثم عاد فغسل النصف الآخر لم يطهر حتى يغسله كله وحكى عنه العلة التي ذكرها عنه الشيخ أبو حامد قال ابن الصباغ . والحكم كما قاله ابن القاص لكن أخطأ في الدليل ، بل الدليل لما قاله أن الثوب إذا وضع نصفه في الجفنة وصب عليه ماء يغمره لاقى هذا الماء جزءا مما لم يغسله وذلك الجزء نجس وهو وارد على دون القلتين فنجسه وإذا نجس الماء ونجس الثوب . قال صاحب البيان : وعندي أنهما مسألتان فإن غسل نصفه في جفنة فالحكم ما قاله ابن القاص ، وإن غسل نصفه بصب الماء عليه بغير جفنة فالحكم ما قاله الشيخ أبو حامد ، هذا آخر كلام صاحب البيان وقد رأيت أنا المسألة في التلخيص لابن القاص كما نقلها المصنف وابن الصباغ فإنه قال : لو أن ثوبا نجسا كله غسل بعضه في جفنة ثم عاد إلى ما بقى فغسله لم يجز حتى يغسل الثوب دفعة واحدة ، هذا كلامه بحروفه قال القفال في شرحه : في هذه المسألة وجهان الصحيح ما قاله ابن القاص وهو أن جميع الثوب نجس قال : وقال صاحب الإفصاح : يطهر واستدل بحديث فأرة السمن قال القفال : والصواب قول ابن القاص .

Sección V02/P546

واستدل له بنحو ما ذكره ابن الصباغ وفرق بينه وبين السمن بأنه جامد لا يتراد قال : ونظير مسألتنا السمن الذائب فحصل أن الصحيح ما قاله ابن القاص ، ووافقه عليه القفال والمصنف وابن الصباغ وصاحب البيان . ويحمل كلام الآخرين على ما حمله صاحب البيان وعليه يحمل ما نقله الآخر ، فوجهان أحدهما لا يطهر حتى يغسل كله دفعة واحدة وأصحهما أنه إن غسل مع النصف الثاني ما يجاوره من النصف الأول طهر الثوب كله ، وإن اقتصر على النصفين فقط طهر الطرفان وبقي المنتصف نجسا فيغسله وحده والله أعلم .

Sección V02/P546–V02/P548

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أصاب الأرض نجاسة ذائبة في موضع ضاح فطلعت عليه الشمس وهبت عليه الريح فذهب أثرها ففيه قولان ، قال في القديم والإملاء : يطهر لأنه لم يبق شيء من النجاسة فهو كما لو غسل بالماء ، وقال في الأم : لا يطهر وهو الأصح لأنه محل نجس فلا يطهر بالشمس كالثوب النجس . + الشرح : هذان القولان مشهوران وأصحهما عند الأصحاب لا يطهر كما صححه المصنف ، ونقله البندنيجي عن نص الشافعي في عامة كتبه ، وحكى في المسألة طريقين أحدهما : فيه القولان والثاني : القطع بأنها لا تطهر وتأويل نصه على أرض مضت عليه سنون وأصابها المطر ، ثم القولان فيما إذا لم يبق من النجاسة طعم ولا لون ولا رائحة ، وممن قال بأنها لا تطهر مالك وأحمد وزفر وداود وممن قال بالطهارة أبو حنيفة وصاحباه ثم قال العراقيون : هما إذا زالت النجاسة بالشمس أو الريح ، فلو ذهب أثرها بالظل لم تطهر عندهم قطعا ، وقال الخراسانيون : فيه خلاف مرتب وأما الثوب النجس ببول ونحوه إذا زال أثر النجاسة منه بالشمس فالمذهب القطع بأنه لا يطهر وبه قطع العراقيون . ونقل إمام الحرمين عن الأصحاب أنهم طردوا فيه القولين كالأرض قال : وذكر بعض المصنفين يعني الفوراني أنا إذا قلنا : يطهر الثوب بالشمس فهل يطهر بالجفاف في الظل فيه وجهان وهذا ضعيف قال الإمام : ولا شك أن الجفاف لا يكفي في هذه الصورة فإن الأرض تجف بالشمس على قرب ولم ينقلع بعد آثار النجاسة ، فالمعتبر إنقلاع الآثار على طول الزمان بلا خلاف ، وكذا القول في الثياب . وقول المصنف : موضع ضاح هو بالضاد المعجمة قال أهل اللغة : هو البارز والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن طبخ اللبن الذي خلط بطينة السرجين لا يطهر ، لأن النار لا تطهر النجاسة ، وقال أبو الحسن بن المرزبان : إذا غسل طهر ظاهره ، فتجوز الصلاة عليه ولا تجوز الصلاة فيه ، لأن ما فيه من السرجين كالزئبر ( في الثوب ) فيحترق بالنار ، ولهذا يتثقب موضعه فإذا غسل طهر فجازت الصلاة عليه والمذهب الأول . + الشرح : قال أصحابنا : اللبن النجس ضربان مختلط بنجاسة جامدة ، كالروث والعذرة وعظام الميتة وغير مختلط بها ، فالمختلط نجس لا طريق إلى تطهيره لأن الأعيان النجسة لا تطهر بالغسل ، وهذا فيه عين نجسة فإن طبخ أي أحرق فالمذهب أنه لا يطهر ، وبه قطع الجمهور وخرج أبو زيد والخضري وآخرون قولا : أن الناء تؤثر فيطهر خرجوه من القول القديم أن الأرض تطهر بالشمس . قالوا : فالنار أبلغ ، فعلى قول الجمهور لو غسل لم يطهر على الصحيح المنصوص وقال ابن المرزبان والقفال : يطهر ظاهره واختاره ابن الصباغ . قال صاحب البيان : فإذا قلنا : إنه لا يطهر بالإحراق فكسر منه موضع فما ظهر بالكسر نجس لا يطهر بالغسل وتصح الصلاة على ما لم يكسر منه ولكنها مكروهة كما لو صلى في مقبرة غير منبوشة لكونها مدفن النجاسة قال الشافعي والأصحاب : ويكره أن يبني به مسجدا . قال القاضي أبو الطيب : لا يجوز أن يبني به مسجدا ولا يفرش به فإن فرش به وصلى عليه لم تصح صلاته فإن بسط عليه شيئا صحت مع الكراهة ولو حمله مصل ففي صحة صلاته الوجهان فيمن حمل قارورة فيها نجاسة وسد رأسها بنحاس الصحيح أنه لا تصح صلاته . والضرب الثاني : غير المختلط بنجاسة جامدة ، كالمعجون ببول أو بماء نجس أو خمر فيطهر ظاهره بإفاضة الماء عليه ويطهر باطنه بأن ينقع في الماء حتى يصل إلى جميع أجزائه كما لو عجن عجين بماء نجس ، فلو طبخ هذا اللبن طهر على تخريج أبي زيد ظاهره ، وكذا باطنه على الأصح ، وأما على المذهب وقول الجمهور فهو باق على نجاسته ويطهر بالغسل ظاهره دون باطنه ، وإنما يطهر باطنه بأن يدق حتى يصير ترابا ثم يفاض الماء عليه ، فلو كان بعد الطبخ رخوا لا يمنع نفوذ الماء فهو كما قبل الطبخ . وقول المصنف : كالزئبر هو بزاي مكسورة ثم همزة ثم باء موحدة مكسورة على المشهور عند أهل اللغة . قال الجوهري : ويقال بضم الباء وهو ما يعلو الثوب الجديد كالزغب وقوله : قال ابن المرزبان : هو بميم مفتوحة ثم راء ساكنة ثم زاي مضمونة ثم باء موحدة ، والمرزبان بالفارسية وهو معرب وهو زعيم فلاحى العجم وجمعه مرازبة ، ذكر هذا كله الجوهري في صحاحه . وابن المرزبان هذا هو أبو الحسن علي بن أحمد المرزبان البغدادي صاحب ابن القطان ، تفقه عليه الشيخ أبو حامد ، كان إماما في المذهب ورعا ، قال : ما أعلم أن لأحد على مظلمة . وهو يعلم أن الغيبة مظلمة ، توفي في رجب سنة ستة وستين وثلاثمائة ، ذكرت أحواله في الطبقات و التهذيب .

Sección V02/P548–V02/P549

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه على الأرض نظرت فإن كانت نجاسة رطبة لم يجزه ، وإن كانت يابسة فقولان . قال في الجديد : لا يجوز حتى يغسله لأنه ملبوس نجس فلا يجزىء فيه المسح كالثوب . وقال في الإملاء والقديم : يجوز لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر نعليه فإن كان بهما خبث فليمسحه على الأرض ثم ليصل فيهما ولأنه تكرر فيه النجاسة فأجزأ فيه المسح كموضع الإستنجاء . + الشرح : إذا أصابت أسفل الخف أو النعل نجاسة رطبة فدلكه بالأرض فأزال عينها وبقى أثرها نظر إن دلكها وهي رطبة لم يجزئه ذلك ولا يجوز الصلاة فيه بلا خلاف لأنها تنتشر من محلها إلى غيره من أجزاء الخف الظاهرة ، وإن جفت على الخف فدلكها وهي جافة بحيث لم تنتشر إلى غير موضعها منه فالخف نجس بلا خلاف ، ولكن هل يعفي عن هذه النجاسة فتصح الصلاة فيه قولان ، ودليلهما ما ذكره المصنف ، أصحهما عند الأصحاب الجديد : وهو أنه لا تصح الصلاة ، وبه قال أحمد في أصح الروايات عنه والقديم : الصحة ، وبه قال أبو حنيفة واتفقوا على أنه لو وقع هذا الخف في مائع أو فيما دون قلتين من الماء نجسه ، كما لو وقع فيه مستنج بالأحجمار قال الرافعي : إذا قلنا بالقديم وهو العفو فله شروط : أحدها : أن يكون للنجاسة جرم يلتصق بالخف ، أما البول ونحوه فلا يكفي دلكه بحال الثاني : أن يدلكه في حال الجفاف ، وأما ما دام رطبا فلا يكفي دلكه قطعا الثالث : أن يكون حصول النجاسة بالمشي من غير تعمد ، فلو تعمد تلطيخ الخف بها وجب الغسل قطعا ، والقولان جاريان فيما لو أصاب أسفل الخف وأطرافه من طين الشوارع المتيقن نجاسته الكثير الذي لا يعفى عنه ، وسائر النجاسات الغالبة في الطرق كالروث وغيره وأعلم أن الغزالي وصاحبه محمد بن يحيى جزما بالعفو عن النجاسة الباقية على أسفل الخف ، وهذا شاذ مردود والله أعلم . وأما حديث أبي سعيد المذكور في الكتاب فحديث حسن رواه أبو داود بإسناد صحيح ولفظه : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما وروى أبو داود بإسانيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا وطىء أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور رواه من طرق كلها ضعيفة والإعتماد على حديث أبي سعيد . وأجاب في الجديد عن الحديث بأن المراد بالقذر والأذى ما يستقذر ولا يلزم منه النجاسة ، وذلك كمخاط ونخامة وشبههما مما هو طاهر أو مشكوك فيه ، وهذا الحديث وجوابه تقدما في أول الكتاب في مسألة اشتراط الماء لإزالة النجاسة . وأما قول المصنف : لأنه ملبوس نجس فلا يجوز فيه المسح فاحترز بملبوس عن محل الإستنجاء ، وبقوله : نجس عن خف المحرم إذا علق به طيب فإنه يجزيه إزالته بالمسح ، والله أعلم . فرع : في مسائل تتعلق بالباب مختصرة جدا خشية الإطالة ، وفرارا من السآمة والملالة . إحداها : أن إزالة النجاسة التي لم يعص بالتلطخ بها في بدنه ليس على الفور وإنما تجب عند إرادة الصلاة ونحوها لكن يستحب تعجيل إزالتها .

Sección V02/P549–V02/P550

الثانية : إذا نجس الزيت والسمن والشيرج وسائر الأدهان ، فهل يمكن تطهيره فيه وجهان مشهوران ، وقد ذكرهما المصنف في باب ما يجوز بيعه أصحهما : عند الأكثرين لا يطهر بالغسل ولا بغيره لقوله صلى الله عليه وسلم في الفارة تقع في السمن : إن كان مائعا فلا تقربوه ولم يقل اغسلوه ولو جاز الغسل لبينه لهم ، وقياسا على الدبس والخل وغيرهما من المائعات إذا تنجست فإنه لا طريق إلى تطهيرها بلا خلاف والثاني : يطهر بالغسل بأن يجعل في إناء ويصب عليه الماء ويكاثر به ويحرك بخشبة ونحوها تحريكا يغلب على الظن أنه وصل إلى أجزائه ثم يترك حتى يعلو الدهن ثم يفتح أسفل الإناء فيخرج الماء ويطهر الدهن وهذا الوجه قول ابن سريج ورجحه صاحب العدة ، وقال البغوي وغيره : ليس هو بصحيح ، وقال صاحب العدة : لا يطهر السمن بالغسل قطعا وفي غيره الوجهان والمشهور أنه لا فرق . أما الزئبق فقال المحاملي في اللباب وصاحب التهذيب وغيرهما : إن أصابته نجاسة ولم يتقطع بعد إصابتها طهر بصب الماء عليه ، وإن تقطع فهو كالدهن ولا يمكن تطهيره على الأصح . الثالثة : إذا أصابت النجاسة شيئا صقيلا كالسيف والسكين والمرآة ونحوها لم تطهر بالمسح ولا تطهر إلا بالغسل كغيرها ، وبه قال أحمد وداود ، وقال مالك وأبو حنيفة : تطهر بالمسح . الرابعة : إذا سقيت السكين ماء نجسا ثم غسلها طهر ظاهرها وهل يطهر باطنها بمجرد الغسل أم لا يطهر حتى يسقيه مرة ثانية بماء طهور يورده عليها فيه وجهان حكاهما صاحب البيان وآخرون ولو طبخ لحم بماء نجس صار باطنه وظاهره نجسا ، وفي كيفية طهارته وجهان أحدهما : يغسل ثم يعصر كالبساط ، والثاني : يشترط أن يغلي مرة أخرى بماء طهور ، وقطع القاضي حسين في مسألتي السكين واللحم بأنه يجب سقيها وإغلاؤها ، واختار الشاشي أن الغسل كاف فيهما وهو المنصوص قال الشافعي رحمه الله في الأم في كتاب صلاة الخوف : لو أحمى حديدة ، ثم صب عليها سما أو غسلها فيه فشربته ثم غسلت بالماء طهرت لأن الطهارات كلها إنما جعلت على ما يظهر فيه ليس على الأجواف ، هذا نصه بحروفه . قال المتولي : وإذا غسل السكين طهر ظاهره دون باطنه ، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة كما يجوز في اليابسة لكن لا تصح الصلاة وهو حامله ، وإنما جاز استعماله في الرطب مع قولنا بنجاسة باطنة ، لأن الرطوبة لا تصل باطنه إذ لو وصلت لطهرت بالماء . الخامسة : قال صاحب التتمة وغيره : للماء قوة عند الورود على النجاسة ، فلا ينجس بملاقاتها بل يبقى مطهرا ، فلو صبه على موضع النجاسة من الثوب ، فانتشرت الرطوبة في الثوب لا يحكم بنجاسة موضع الرطوبة ، ولو صب في إناء نجس ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور ، فإذا أداره على جوانبه طهرت الجوانب كلها ، هذا كله قبل الإنفصال قال : فلو انفصل الماء متغيرا وقد زالت النجاسة عن المحل فالماء نجس ، وفي المحل وجهان أحدهما : أنه طاهر لانتقال النجاسة إلى الماء والثاني : وهو الصحيح : أن المحل نجس أيضا لأن الماء المنفصل نجس وقد بقيت منه أجزاء في المحل قال : ولو وقع بول على ثوب فغسل بماء موزون فانفصل زائد الوزن فالزيادة بول ، والماء نجس كما لو تغير ، وفي طهارة المحل الوجهان الصحيح لا يطهر قلت : وقد سبق في المياه وجه شاذ أن هذا الماء طاهر مع زيادة الوزن وليس بشيء فالمذهب نجاسته .

Sección V02/P550–V02/P551

السادسة : قال أصحابنا : إذا اختلطت العذرة أو الروث وغيرهما من الأعيان النجسة بتراب نجس ولم يتميز لم يطهر بصب الماء عليها لأن العين النجسة لا تطهر بالغسل وطريقه أن يزال التراب الذي وصلته أو يطرح عليه تراب طاهر يغطيه والأول أولى ، قال صاحب الشامل وغيره : لو طين على النجاسة أو طرح عليها ترابا طاهرا وصلى عليه جاز ، لكن تكره الصلاة لأنه مدفن النجاسة ، وكذا لو دفن ميتة ، وسوى فوقها الطاهر تصح الصلاة عليه وتكره . السابعة : ما ذكر صاحب التتمة بعد أن ذكر الوجهين في مسألة ابن القاص السابقة وهي : إذا غسل نصف الثوب ثم عاد فغسل نصفه قال : لو غسل الثوب عن النجاسة ثم وقعت عليه نجاسة عقب فراغه من غسله ، هل يجب عليه غسل جميع الثوب أم يكفي غسل موضع النجاسة فيه هذان الوجهان ، قلت والصحيح أنه يكفي غسل موضعها وهو الموافق للدليل ولما ذكره الأصحاب هناك . قال : ولو خرز الخف بشعر خنزير رطب صار نجسا ، فإذا غسله هل يطهر ظاهره فيه هذان الوجهان أحدهما : لا يطهر لأن الذي يتخلل ثقب الخف من الخيط نجس لملاصقته الشعر مع الرطوبة فإذا غسل ظاهره اتصلت الرطوبة بالموضع النجس ولا ينفذ الماء فيه ليطهر الجميع فيعود المغسول نجسا والثاني : يطهر فيجوز أن يصلي عليه لا فيه ، ولو عرقت رجله فيه أو أدخلها فيه رطبة لم ينجس ولا تتعدى النجاسة من الخرز الذي في ثقب الخف إلى المغسول وكان القاضي حسين يختار هذا الوجه . الثامنة : صب الماء على ثوب نجس وعصره في إناء وهو متغير ثم صب عليه ماء آخر وعصره فخرج متغير ثم جمع الماءين فزال التغير ، ولم يبلغ قلتين فهو نجس هذا هو الصواب ، وبه قطع الجمهور ، وحكى صاحب المستظهري وجها أنه طاهر وليس بشيء . التاسعة : قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتاب التبصرة في الوسوسة : إذا غسل فمه النجس فليبالغ في الغرغرة ليغسل كل ما هو في حد الظاهر ولا يبتلع طعاما ولا شرابا قبل غسله لئلا يكون أكل نجاسة . العاشرة : إذا كانت أعضاؤه رطبة فهبت الريح فأصابه غبار الطريق أو غبار السرجين لم يضره ، وقد ذكر المصنف المسألة في باب المياه . الحادية عشرة : لو صبغ يده بصبغ نجس أو خصب يده أو شعره بحناء نجس بأن خلط ببول أو خمر أو دم وغسله فزالت العين وبقي اللون فهو طاهر ، هذا هو الصحيح ، وبه قطع الأكثرون منهم البغوي ، ونقله المتولي عن عامة الأصحاب قال : وقال الأستاذ أبو إسحاق : لا يطهر مع بقاء اللون وقال صاحب الحاوي : إن بقي لون النجاسة فنجس ، وإن بقي لون الخضاب فوجهان ، ونقل صاحب المستظهري هذا عن الحاوي ثم ضعفه ، وقال هذا عجيب واعتبار زوال اللون لا معنى له قال : وقد نص الشافعي رحمه الله في موضع آخر أنه يطهر بالغسل مع بقاء اللون والمذهب ما سبق وهو الجزم بالطهارة . قال صاحب الحاوي : فإن قلنا لا يطهر فإن كان الخضاب على شعر كاللحية لم يلزمه حلقه ، بل يصلي فيه ويتركه حتى ينصل لأنه ينصل عن قرب فإذا نصل أعاد الصلوات ، وإن كان على بدن ، وهو مما ينصل كالحناء انتظر فصوله ثم يعيد ما صلى معه ، فإن كان مما لا ينصل كالوشم فإن أمن التلف في إزالته لزمه كشطه لأنه ليس له أمد ينتظر بخلاف الحناء ، وإن خاف التلف فإن كان غيره أكرهه تركه بحاله ، وإن كان هو الذي فعله فوجهان كما لو صلى بعظم نجس والله أعلم . فرع : في استعمال النجاسات في البدن وغيره خلاف وتفصيل نوضحه إن شاء الله تعالى في باب ما يكره لبسه .

Sección V02/P551–V02/P553

الثانية عشر : إذا توضأ إنسان في طست ثم صب ذلك الماء في بئر فيها ماء كثير لم يفسد الماء ولم يجب نزح شيء منه عندنا وعند جماهير العلماء . وقال أبو يوسف : يجب نزح جميعها ، وقال محمد : ينزح منه عشرون دلوا . الثالثة عشرة : لا يشترط في غسل النجاسة فعل مكلف ولا غيره بل يكفي ورود الماء عليها وإزالة العين ، سواء حصل ذلك بغسل مكلف أو مجنون أو صبي أو إلقاء الريح أو نحوها أو بنزول المطر عليه أو مرور السيل أو غيره ، نص عليه الشافعي في الأم ، واتفق عليه لكن يجىء فيه الوجه السابق في اشتراط النية في إزالة النجاسة ، لكنه وجه باطل مخالف للإجماع كما سبق ، قال الشافعي والأصحاب : فلو وقع البول ونحوه على أرض فقلع التراب الذي أصابه فإن استظهر حتى علم أنه لم ينزل البول عن ذلك كان الموضع طاهرا وإلا فلا والله أعلم . 33 = كتاب الصلاة =

Sección V02/P553–V03/P004

قال المصنف رحمه الله تعالى : الصلاة المكتوبة خمس لما روى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال : جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أهل نجد ثائر الرأس ، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا ، فإذا هو يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات في اليوم والليلة ، قال : هل علي غيرهن قال : لا إلا أن تطوع . + الشرح : الصلاة في اللغة الدعاء ، وسميت الصلاة الشرعية صلاة لاشتمالها عليه ، هذا هو الصحيح وبه قال الجمهور من أهل اللغة وغيرهم من أهل التحقيق وقيل في اشتقاقها ومعناه أقوال كثيرة أكثرها فاسدة لا سيما قول من قال : هي مشتقة من صليت العود على النار إذا قومته ، والصلاة تقيم العبد على الطاعة وبطلان هذا الخطأ أظهر من أن نذكره لأن لام الكلمة في الصلاة واو ، وفي صليت ياء ، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية . وأما حديث طلحة فرواه البخاري ومسلم وهو بعض حديث طويل مشهور . وقوله : ثائر أي منتفش شعره وهو برفع الراء وقوله : نسمع ولا نفقه هو بالنون المفتوحة فيهما ، وروي بالياء المثناة من تحت مضمومة ، وكلاهما صحيح لكن النون أصح وأشهر . وقوله : 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 المثناة من تحت مضمومة ، وكلاهما صحيح لكن النون أصح وأشهر . وقوله : 4 @ دوي هو بفتح الدال المهملة هذا هو المشهور وحكى صاحب المطالع ضمها وهو شاذ ضعيف ومعناه بعده في الهواء وعلوه وقوله صلى الله عليه وسلم إلا أن تطوع هو بتشديد الطاء والواو على إدغام إحدى التاءين في الطاء ويجوز تخفيف الطاء على الحذف وأما طلحة الراوي فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم وهو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب ومناقبة كثيرة مشهورة سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة الخير وطلحة الجود قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة وحديثه هذا مشتمل على فوائد كثيرة جمعتها واضحة في أول شرح صحيح البخاري ومختصرها أن فيه بطولة وجوب الصلوات الخمس كل يوم وليلة ووجوب الصيام ووجوب الزكاة وأنه لا يجب من الصلوات إلا الخمس ولا من الصيام غير رمضان وأن من حافظ على الواجبات ولم يفعل شيئا من النوافل دخل الجنة وأن الإيمان والإسلام يطلق على الصلاة والصيام وغيرهما من الطاعات وفيه أنه ليس في المال حق متأصل غير الزكاة وفيه جواز قول رمضان من غير ذكر الشهر وجواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف وتقرير هذه الفوائد وما يتعلق بها موضح هناك أما حكم المسألة فأجمعت الأمة على أن الصلوات الخمس فرض عين وأجمعوا أنه لا فرض عين سواهن واختلفوا في العيد هل هو فرض كفاية أم سنة وفي الوتر هل هو سنة أم واجب مع إجماعهم أنه ليس بفرض وأما صلاة الجنازة ففرض كفاية وأما ركعتا الطواف فالأصح أنهما سنة ومن قال بوجوبهما فإنما وجبتا عنده لعارض وهو الطواف لا بالأصالة فأشبهت المنذورة وقد كان قيام الليل واجبا في أول الإسلام ثم نسخ في حق الأمة وهل نسخ في حق النبي صلى الله عليه وسلم فيه وجهان للأصحابنا قال أكثرهم لم ينسخ والصحيح أنه نسخ ونقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي رحمه الله ويدل عليه حديث سعد بن هشام عن عائشة وهو حديث طويل قال فيه قلت أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ القرآن فذكرته إلى أن قالت فصار قيام الليل تطوعا بعد أن كان فريضة رواه مسلم في صحيحه والله أعلم

Sección V03/P004–V03/P005

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجب ذلك إلا على مسلم بالغ عاقل طاهر ، فأما الكافر فإن كان أصليا لم تجب عليه ، وإذا أسلم لا يخاطب بقضائها لقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولأن في إيجاب ذلك عليهم تنفيرا فعفى عنه ، وإن كان مرتدا وجبت عليه ، وإذا أسلم لزمه قضاؤها لأنه اعتقد وجوبها وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث . + الشرح : أما الكافر المرتد فيلزمه الصلاة في الحال ، وإذا أسلم لزمه قضاء ما فات في الردة لما ذكره المصنف ، هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا . وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية عنه وداود : لا يلزم المرتد إذا أسلم قضاء ما فات في الردة ولا في الإسلام قبلها ، وجعلوه كالكافر الأصلي يسقط عنه بالإسلام ما قد سلف والله أعلم . وأما الكافر الأصلي فاتفق أصحابنا في كتب الفروع على أنه لا يجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام ، فأما في كتب الأصول فقال جمهورهم : هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان ، وقيل لا يخاطب بالفروع . وقيل : يخاطب بالمنهي عنه كتحريم الزنا والسرقة والخمر والربا وأشباهها دون المأمور به كالصلاة ، والصحيح الأول . وليس هو مخالفا لقولهم في الفروع لأن المراد هنا غير المراد هناك ، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم ، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي ، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة ومرادهم في كتب الأصول أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر ، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعا لا على الكفر وحده ، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين وفي الفروع حكم الطرف الآخر ، والله أعلم . فرع : لا يصح من كافر أصلي ولا مرتد صلاة ، ولو صلى في كفره ثم أسلم لم نتبين صحتها بل هي باطلة بلا خلاف . أما إذا فعل الكافر الأصلي قربة لا يشترط النية لصحتها كالصدقة والضياقة وصلة الرحم والاعتاق والقرض والعارية والمنحة وأشباه ذلك فإن مات على كفره فلا ثواب له عليها في الآخرة لكن يطعم بها في الدنيا ويوسع في رزقه وعيشه وإن أسلم فالصواب المختار أنه يثاب عليها في الآخرة للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له بكل حسنة كان زلفها أي قدمها ومعنى حسن إسلامه أي أسلم إسلاما محققا لا نفاق فيه . وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قلت : يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو إعتاق أو صلة رحم أفيها أجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلمت على ما أسلفت من خير وفي رواية الصحيح أسلمت على ما أسلفت لك من الخير قوله : أتحنث أي أتعبد فهذان حديثان صحيحان لا يمنعهما عقل ولم يرد الشرع بخلافهما فوجب العمل بهما . وقد نقل الإجماع على ما ذكرته من إثبات ثوابه إذا أسلم وقد أوضحت المسألة بدلائلها وما يتعلق بها مبسوطا في أول شرحي صحيحي البخاري ومسلم . وأما قول أصحابنا وغيرهم : لا يصح من كافر عبادة ولو أسلم لم يعتد بها . فمرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الآخرة فإن أطلق مطلق أنه لا يثاب عليها في الآخرة وصرح بذلك فهو مجازف غالط مخالف للسنة الصحيحة التي لا معارض لها . وقد قال الشافعي والأصحاب وغيرهم من العلماء إذا لزم الكافر كفارة ظهار أو قتل أو غيرهما فكفر في حال كفره أجزأه ، وإذا أسلم لا يلزمه إعادتها والله أعلم .

Sección V03/P005–V03/P006

فرع : إذا صلى المسلم ثم ارتد ثم أسلم ووقت تلك الصلاة باق لم يجب إعادتها وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه يجب والمسألة مبنية على أصل سبق وهو أن عندنا تبطل الأعمال بالردة إلا أن يتصل بها الموت وعندهم يبطل بنفس الارتداد . احتجوا بقول الله تعالى : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فعلق الحبوط بشرطين : الردة والموت عليها والمعلق بشرطين لا يثبت بأحدهما والآية التي احتجوا بها مطلقة وهذه مقيدة فيحمل المطلق على المقيد . قال الشافعي والأصحاب : يلزم المرتد إذا أسلم أن يقضي كل ما فاته في الردة أو قبلها وهو مخاطب في حال الردة بجميع ما يخاطب به المسلم وإذا أسلم لا يلزمه إعادة ما كان فعله قبل الردة من حج وصلاة وغيرهما والله أعلم . فرع : إذا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر وجبت عليه الصلاة كما لو هاجر فإن تركها لزمه القضاء سواء علم وجوبها أم جهله وهذا مذهبنا . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يلزمه ما لم يعلم وجوبها دليلنا عموم النصوص والله أعلم .

Sección V03/P006

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الصبي فلا تجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ولا يجب عليه القضاء إذا بلغ لأن زمن الصغر يطول فلو أوجبنا القضاء شق فعفى عنه . + الشرح : هذا الحديث صحيح رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم علي وعائشة رضي الله عنهما رواه أبو داود والنسائي في كتاب الحدود من سننهما من رواية علي بإسناد صحيح وروياه هما وابن ماجه في كتاب الطلاق من رواية عائشة ، وقد كرره المصنف في مواضع كثيرة من المهذب ، وقل أن يذكر رواية وقد ذكره في كتاب السير من رواية علي رضي الله عنه ، وأما المسألتان اللتان ذكرهما وهما أن الصلاة لا تجب على صبي ولا صبية ولا يلزمهما قضاؤها بعد البلوغ فمتفق عليهما لما ذكره ، ويقال زمن وزمان لغتان مشهورتان واتفقوا على أن الصبي لا تكليف عليه ولا يأثم بفعل شيء ولا بترك شيء لكن يجب على وليه أداء الزكاة ونفقة القريب من ماله ، وكذا غرامة إتلافه ونحوها والله أعلم .

Sección V03/P006–V03/P008

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما من زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض فلا يجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاثة فنص على المجنون وقسنا عليه كل من زال عقله بسبب مباح . وإن زال عقله بمحرم كمن شرب المسكر أو تناول دواء من غير حاجة فزال عقله وجب عليه القضاء إذا أفاق لأنه زال عقله بمحرم فلم يسقط عنه الفرض . + الشرح : من زال عقله بسبب غير محرم ، كمن جن أو أغمي عليه أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره على شرب مسكر فزال عقله فلا صلاة عليه ، وإذا أفاق فلا قضاء عليه ، بلا خلاف للحديث ، سواء قل زمن الجنون والإغماء أو كثر . هذا مذهبنا ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن كان الإغماء دون يوم وليلة لزمه قضاء ما فات فيه وإن كان أكثر فلا ، ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وقتادة : أن المغمى عليه يقضي ، دليلنا القياس على المجنون وعلى ما فوق يوم وليلة ، أما إذا زال عقله بمحرم بأن شرب المسكر عمدا عالما به مختارا أو شرب دواء لغير حاجة ، وهو مما يزول به العقل ، فزال عقله لم تصح صلاته في ذلك الحال ، فإذا عاد عقله لزمه القضاء . قال الشافعي رحمه الله في الأم : أقل السكر أن يذهب عنه لغلبته بعض ما لم يكن يذهب . وقال الشافعي في موضع آخر : ( السكران من اختل كلامه المنظوم ، وباح بسره المكتوم ) وقال أصحابنا : هو أن تختل أحواله فلا تنتظم أفعاله وأقواله ، وإن كان له بقية تمييز وفهم كلام ، فأما من حصل به بشرب الخمر نشاط وهزة لدبيب الخمر ولكن لم يستول عليه بعد ولم يختل شيء من عقله فهو في حكم الصاحي ، فتصح صلاته في هذه الحال وجميع تصرفاته بلا خلاف ولا ينتقض وضوؤه ، وقد سبق هذا في باب ما ينقض الوضوء ، وسنعيده إيضاحا في كتاب الطلاق وحيث بسطه المصنف والأصحاب إن شاء الله تعالى . فرع : قد ذكرنا أن الجنون والإغماء وما في معناهما مما يزيل العقل بغير معصية يمنع وجوب الصلاة ولا إعادة سواء كثر زمن الجنون والإغماء ونحوهما أم قل ، حتى لو كان لحظة أسقط فرض الصلاة . ويتصور إسقاط الفرض بجنون لحظة وإغماء لحظة فيما إذا بلغ مجنونا وقد بقي من وقت الصلاة لحظة ، ثم زال الجنون عقب خروج الوقت . وحكى أصحابنا عن أبي حنيفة أنه قال : يلزم المغمى عليه بعد الإفاقة قضاء يوم وليلة ، ولا يلزمه ما زاد . وقال أحمد : يلزمه الجميع وإن كثر . وروى هذا عن طاوس وعطاء ومجاهد ، وروي مثل مذهبنا عن مالك وأحمد ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : يجوز شرب الدواء المزيل للعقل للحاجة ، كما أشار إليه المصنف بقوله : شرب دواء من غير حاجة ، وإذا زال عقله والحالة هذه لم يلزمه قضاء الصلوات بعد الإفاقة لأنه زال بسبب غير محرم ، ولو احتيج في قطع يده المتآكلة إلى تعاطي ما يزيل عقله فوجهان أصحهما جوازه ، وسنوضح هذه المسألة إن شاء الله تعالى بفروعها في باب حد الخمر . أما إذا أراد تناول دواء فيه سم ، قال الشيخ أبو حامد في التعليق وصاحب البيان : قال الشافعي رحمه الله في كتاب الصلاة : إن غلب على ظنه أنه يسلم منه جاز تناوله ، وإن غلب على ظنه أنه لا يسلم منه لم يجز ، وذكر في كتاب الأطعمة أن في تناوله إذا كان الغالب منه السلامة قولين ، قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي : فإن حرمناه وزال عقله بتناوله وجب القضاء ، وإن لم نحرمه فلا قضاء .