Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال المصنف رحمه الله تعالى : وسجود السهو سنة لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري : كانت الركعة نافلة له والسجدتان ولأنه فعل لما لا يجب فلا يجب . + الشرح : سبق بيان حديث أبي سعيد وسجود السهو سنة عندنا ليس بواجب . وقال أبو حنيفة : هو واجب يأثم بتركه وليس بشرط لصحة الصلاة . وقال بعض أصحاب أبي حنيفة : هو سنة كقولنا . وقال القاضي عبد الوهاب المالكي : الذي يقتضيه مذهبنا أنه واجب في سهو النقصان ، وأوجبه أحمد في الزيادة والنقصان . قال الشيخ أبو حامد : مذهبنا أنه سنة ليس بواجب ، وبه قال العلماء كافة إلا مالكا فأوجبه ، واختاره الكرخي الحنفي وحكاه عن أبي حنيفة قال : لكن ليس هو شرطا لصحة الصلاة . وقال مالك : إن كان السهو لنقص وسلم ولم يسجد حتى طال الفصل لزمه استئناف الصلاة .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومحله قبل السلام لحديث أبي سعيد وحديث ابن بحينة ، ولأنه يفعل لإصلاح الصلاة فكان قبل السلام ، كما لو نسي سجدة من الصلاة . ومن أصحابنا من قال : فيه قول آخر أنه إن كان السهو زيادة كان محله بعد السلام . والمشهور هو الأول ، لأن بالزيادة يدخل النقص في صلاته كما يدخل بالنقصان ، فإن لم يسجد حتى سلم فلم يتطاول الفصل سجد ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خمسا وسلم ثم سجد ، وإن طال ففيه قولان أحدهما : يسجد لأنه جبران فلم يسقط بالتطاول كجبران الحج . وقال في الجديد : لا يسجد ، وهو الأصح لأنه يفعل لتكميل الصلاة ، فلم يفعل بعد تطاول الفصل ، وكما لو نسي سجدة من الصلاة فذكرها بعد السلام وبعد تطاول الفصل ، وكيف يسجد بعد السلام فيه وجهان . قال أبو العباس بن القاص : يسجد ثم يتشهد لأن السجود في الصلاة بعده تشهد فكذلك هذا ، وقال أبو إسحاق : لا يتشهد وهو الأصح ، لأن الذي ترك هو السجود فلا يعيد معه غيره . + الشرح : حديث أبي سعيد وابن بحينة سبق بيانهما . وحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خمسا وسلم ثم سجد رواه البخاري ومسلم من رواية ابن مسعود رضي الله عنه . أما حكم الفصل : ففي محل سجود السهو طريقان حكاهما إمام الحرمين وآخرون أحدهما : في المسألة ثلاثة أقوال الصحيح منها أنه قبل السلام ، فإن أخره لم يعتد به والثاني : إن كان السهو زيادة فمحله بعد السلام ، وإن كان نقصا فقبله ولا يعتد به بعده والثالث : إن شاء قدمه وإن شاء أخره ، وهما سواء . والطريق الثاني يجزىء التقديم والتأخير وإنما الأقوال في بيان الأفضل ففي قول التقديم أفضل ، وفي قول التقديم والتأخير سواء في الفضيلة ، وفي قول إن كان زيادة فالتأخير أفضل وإلا فالتقديم . قال إمام الحرمين ووجه هذه الطريقة صحة الأخبار في التقديم والتأخير . قال : والطريقة المشهور الأولى وتحمل الأقوال في الاجزاء والجواز كما سبق ، هذا كلام الإمام . وقال صاحب الحاوي : لا خلاف بين الفقهاء ، يعني جميع العلماء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده ، وإنما اختلفوا في المسنون والأولى ، فمذهب الشافعي وما نص عليه في القديم والجديد أن الأولى فعله قبل السلام في الزيادة والنقصان ، وبه قال أبو هريرة وسعيد بن المسيب والزهري وربيعة والأوزاعي والليث . وقال أبو حنيفة والثوري : الأولى فعله بعد السلام في الزيادة والنقصان . وبه قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر رضي الله عنهم ، وقال مالك : إن كان لنقصان فالأولى فعله قبل السلام ، وإن كان لزيادة فالأولى فعله بعد السلام ، وقد أشار إليه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك ، والمشهور من مذهبه في القديم والجديد أنه قبل السلام فيهما ، هذا كلام صاحب الحاوي ، والمذهب أنه قبل السلام ، وسبقت أدلة هذه المذاهب والجمع بين الأحاديث في أول الباب . ومما استدلوا به لأبي حنيفة حديث عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لكل سهو سجدتان بعد السلام وهذا حديث ضعيف ظاهر الضعف والله أعلم . قال أصحابنا فإذا قلنا بالمذهب : أنه قبل السلام فسلم قبل السجود نظرت فإن سلم عامدا عالما بالسهو فوجهان حكاهما الخراسانيون أصحهما : عندهم وبه قطع إمام الحرمين والغزالي وغيرهما أنه فوت السجود ولا يسجد والثاني : يسجد إن قرب الفصل وإلا فلا . وهذا هو مقتضى إطلاق المصنف وغيره من العراقيين . ونص عليه الشافعي في باب صلاة الخوف من البويطي .
فعلى هذا إذا سجد لا يكون عائدا إلى الصلاة بلا خلاف بخلاف ما إذا سلم ناسيا وسجد ، فإن فيه خلافا ، وإن سلم ناسيا فإن طال الفصل فقولان الجديد : الأظهر لا يسجد والقديم : يسجد . وذكر المصنف دليلهما وإن لم يطل بل ذكر على قرب فإن بدا له أن لا يسجد فذاك والصلاة ماضية على الصحة وحصل التحلل بالسلام ، هذا هو الصحيح وبه قطع الأكثرون ، وفيه وجه أنه يجب السلام مرة أخرى ، وذلك السلام غير معتد به حكاه الرافعي وغيره والمذهب الأول ، وإن أراد أن يسجد فالصحيح المنصوص الذي قطع به المصنف والجمهور أنه يسجد لحديث ابن مسعود رضي الله عنه . والثاني : لا يسجد لفوات محله ، وهذا غلط لمخالفته السنة . فإذا قلنا بالصحيح هنا أو بالقديم عند طول الفصل : أنه يسجد فسجد فهل يكون عائدا إلى حكم الصلاة فيه وجهان مشهوران اللخراسانيين أرجحهما : عند البغوي لا يكون عائدا وأصحهما : عند الأكثرين يكون عائدا ، وبه قال الشيخ أبو زيد وصححه القفال وإمام الحرمين والغزالي في الفتاوي والروياني وغيرهم ، ويتفرع على الوجهين منها : لو تكلم عامدا أو أحدث في السجود بطلت صلاته على الوجه الثاني دون الأول . ومنا لو كان السهو في صلاة جمعة وخرج الوقت وهو في السجود فاتت الجمعة على الوجه الثاني دون الأول ، ومنها هل يكبر للافتتاح ويتشهد إن قلنا بالثاني لم يكبر ولم يتشهد ، لأنه لم يصح فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ، قال البغوي : والصحيح أنه يسلم سواء قلنا يتشهد أم لا ، للأحاديث الصحيحة السابقة في أول الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام ثم سلم ، وأما طول الفصل ففي حده الخلاف السابق في أول الباب والأصح الرجوع إلى العرف ، وحاول إمام الحرمين ضبط العرف فقال : إذا مضى زمن يغلب على الظن أنه ترك السجود قصدا أو نسيانا فهو طويل وإلا فقصير ، قال : ولو سلم وأحدث ثم انغمس في ماء على قرب الزمن فالظاهر أن الحدث فاصل ، وإن لم يطل الزمان ، ولنا قول أن الاعتبار في الفصل بمفارقة المجلس وعدمها ، وقد سبق بيانه وهو شاذ ، والصحيح الذي عليه الأصحاب اعتبار العرف ، ولا يضر مفارقة المجلس ، واستدبار القبلة إذا قرب الفصل ، لحديث ذي اليدين رضي الله عنه . هذا كله تفريع على قولنا : يسجد قبل السلام ، فإن قلنا بعده فليسجد عقبه فإن طال الفصل عاد الخلاف ، وإذا سجد لم يحكم بعوده إلى الصلاة بلا خلاف ، صرح به الرافعي وغيره ، وهل يتحرم للسجدتين ويتشهد ويسلم قال إمام الحرمين : حكمه حكم سجود التلاوة وقطع الشيخ أبو حامد في تعليقه بأنه يتشهد ويسلم ، ونقله عن نصه في القديم ، وادعى الاتفاق عليه ، فإن قلنا : يتشهد فوجهان وقيل قولان الصحيح : المشهور أنه يتشهد بعد السجدتين كسجود التلاوة والثاني : يتشهد قبلهما ليلهما السلام . وإن قلنا يسجد للزيادة بعد السلام وللنقص قبله فسها سهوين بزيادة ونقص فوجهان أصحهما : وبه قطع المتولي : يسجد قبل السلام ، ليقع السلام بعد جبرها والثاني : وبه قطع البندنيجي في كتابه الجامع : يسجد بعد السلام للزيادة المحضة وللزيادة والنقص ، وللزيادة المتوهمة كمن شك في عدد الركعات . فرع : في مذاهب العلماء فيمن نسي سجود السهو فمتى يؤمر بتداركه قد ذكرنا مذهبنا . وقال أبو حنيفة : يسجد متى ذكره وإن طال الزمان ما لم يتكلم . وقال الحسن البصري : ما لم يصرف وجهه عن القبلة وإن تكلم . وقال أحمد : ما دام في المسجد وإن تكلم واستدبر القبلة . وقال مالك : إن كان السهو زيادة سجد متى ذكره ولو بعد شهر ، وإن كان لنقص سجد أن قرب الفصل ، وإن طال استأنف الصلاة .
فرع : سجود السهو سجدتان بينهما جلسة ، ويسن في هيئتها الافتراش ويتورك بعدهما إلى أن يسلم ، وصفة السجدتين في الهيئة والذكر صفة سجدات الصلاة والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : والنفل والفرض في سجود السهو واحد ، ومن أصحابنا من حكى قولا في القديم أنه لا يسجد للسهو في النفل ، وهذا لا وجه له لأن النفل كالفرض في النقصان فكان كالفرض في الجبران . + الشرح : حاصل ما ذكره طريقان أصحهما : وبه قطع الجمهور أنه يسجد للسهو في صلاة النفل والثاني : على قولين الجديد : يسجد ، والقديم لا يسجد وهذا الطريق حكاه المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم من العراقيين ، ولم يذكره جمهور الخراسانيين والشيخ في صلاة النفل وبه قال جميع العلماء إلا ابن سيرين . فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها : لو دخل في صلاة ثم ظن أنه لم يكبر للإحرام فاستأنف التكبير والصلاة ثم علم أنه كان كبر فإن علم بعد فراغ الثانية عاد إلى الأولى فأكملها ويسجد للسهو في الحالين ، نقله صاحب البحر عن نص الشافعي وغيره . المسألة الثانية : لو أراد القنوت في غير الصبح لنازلة وقلنا به فنسيه لم يسجد للسهو على أصح الوجهين ذكره في البحر . المسألة الثالثة : لو نوى المسافر القصر وصلى أربع ركعات ناسيا ونسي في كل ركعة سجدة حصلت له الركعتان وتمت صلاته فيسجد للسهو ويسلم ولا يصير ملتزما الاتمام لأنه لم ينوه ، وكذا لو صلى الجمعة أربعا ناسيا ونسي في كل ركعة سجدة يسجد للسهو ويسلم ، وهاتان المسألتان مفروضتان فيما إذا كان قد ترك السجدات بحيث تحصل له ركعتان ، وقد سبق في أوائل الباب تفصيله واضحا . المسألة الرابعة : لو جلس في تشهد في رباعية وشك هل هو التشهد الأول أم الثاني فتشهد شاكا ثم قام ، ثم بان الحال سجد للسهو سواء بان أنه الأول أو الثاني لأنه وإن بان الأول فقد قام شاكا في زيادة هذا القيام ، فإن بان الحال عقب شكه قبل التشهد فلا سجود ، وفي المسألة وجه آخر أنه لا يسجد متى زال شكه قبل السلام ، والأول أصح ، وقد سبقت المسألة في أثناء الباب في فرع من القواعد المتكررة . المسألة الخامسة : لو سلم من صلاة وأحرم بأخرى ثم تيقن أنه نسي سجدة من الأولى لم تنعقد الثانية ، لأنه حين أحرم بها لم يكن خرج من الأولى وأما الأولى فإن قصر الفصل بنى عليها ، وإن طال وجب استئنافها . المسألة السادسة : لو جلس بعد سجدتين في الركعة الثانية من الرباعية ظانا أنها الركعة الأولى وجلس بنية جلسة الاستراحة فبان له أنها الثانية تشهد ولم يسجد للسهو نقله الشيخ أبو حامد في باب صفة الصلاة عن نص الشافعي ، واتفق الأصحاب عليه . المسألة السابعة : إذا صلى رباعية فنسي وقام إلى خامسة فإن ذكر قبل السجود فيها عاد إلى الجلوس وتشهد وسجد للسهو وسلم ، وهذا مجمع عليه ، وإن ذكر بعد السجود فمذهبنا أنه يتشهد ويسجد للسهو ويسلم وصحت صلاته فرضا ، وقال أبو حنيفة : إن جلس بعد الرابعة قدر التشهد تمت صلاته بذلك ، لأن السلام عنده ليس بشرط وتكون الخامسة نافلة فتضم إليها أخرى ، وإن لم يجلس عقب الرابعة بطلت فريضته بقيامه إلى الخامسة ، وتضم إليها أخرى ، وتكون نفلا ، وهذا الذي قالوه تحكم لا أصل له . المسألة الثامنة : إذا صلى المغرب أربعا سهوا سجد سجدتين وسلم ، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، قال الشيخ أبو حامد : وقال قتادة والأوزاعي : يصلي ركعة أخرى ثم يسجد سجدتين لتصير صلاته وترا . المسألة التاسعة : المسبوق يقوم بعد سلام إمامه فيصلي ما بقي عليه ولا يسجد للسهو قال الشيخ أبو حامد : وبهذا قال العلماء كافة إلا ما روى عن ابن عمر وابن الزبير و أبي سعيد الخدري أنهم قالوا : يسجد ، وحكاه عنهم أبو داود السجستاني في سننه في باب مسح الخف كأنهم جعلوا فعله مع الإمام كالسهو .
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم وما فاتكم فأتموا ولم يأمر بسجود سهو ، وحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وراء عبد الرحمن بن عوف حين فاتته ركعة فتداركها ولم يسجد للسهو ، والحديثان في الصحيح مشهوران . المسألة العاشرة : لا يسجد لحديث النفس والأفكار بلا خلاف . & باب الساعات التي نهى عن الصلاة فيها &
قال المصنف رحمه الله تعالى : هي خمسة اثنان نهى عنهما لأجل الفعل ، وهي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ، والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : حدثني أناس أعجبهم إلي عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس وثلاث نهى عنها لأجل الوقت وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع وعند الاستواء حتى تزول ، وعند الاصفرار حتى تغرب ، والدليل عليه ما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر موتانا : حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة ، وحين تضيف الشمس للغروب وهل يكره التنفل لمن صلى ركعتي الفجر فيه وجهان أحدهما : يكره ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليبلغ الشاهد منكم الغائب أن لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين والثاني : لا يكره لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا بعد الصبح حتى تطلع الشمس . + الشرح : حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم ولفظه عندهما عن ابن عباس : شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق وبعد العصر حتى تغرب وأما حديث عقبة بن عامر فرواه مسلم وفيه زيادة : وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول وأما حديث ابن عمر فرواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وإسناده حسن إلا أن فيه رجلا مستورا ، وقد قال الترمذي أنه حديث غريب . وأما ألفاظ الفصل : فقوله : لأجل الفعل سبق أن اللغة الفصيحة أن يقول : من أجل ، وقوله : وهي بعد صلاة الصبح كان ينبغي أن يقول : وهما ، وقوله : نقبر فيهن هو بضم الباء وكسرها لغتان فصيحتان ، وقوله : قائم الظهيرة هو حال الاستواء ، وقوله : تضيف هو بفتح أوله والضاد المعجمة وتشديد الياء المثناة تحت المفتوحة وبعدها فاء ، أي تميل ، والمراد بالسجدتين ركعتا سنة الفجر ، وعقبة بن عامر من مشهوري الصحابة رضي الله عنهم وهو جهني في كنيته سبعة أقوال أحدها : أبو حماد سكن مصر وتولاها لمعاوية ، وتوفي بها سنة ثمان وخمسين . أما حكم المسألة : فتكره الصلاة في هذه الأوقات الخمسة التي ذكرها المصنف ، فالوقتان الأولان تتعلق كراهيتهما بالفعل ، ومعناه أنه لا يدخل وقت الكراهة لمجرد الزمان وإنما يدخل إذا فعل فريضة الصبح وفريضة العصر ، وأما الأوقات الثلاثة فتتعلق الكراهة فيها بمجرد الزمان هكذا قال المصنف والجمهور أن أوقات الكراهة خمسة وقال جماعة : هي ثلاثة من صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس ، ومن العصر حتى تغرب ، وحال الاستواء وهو يشمل الخمسة ، والعبارة الأولى أجود لأن من لم يصل الصبح حتى طلعت الشمس يكره له التنفل حتى ترتفع قيد رمح ، وكذا من لم يصل العصر حتى اصفرت الشمس يكره له التنفل حتى تغرب وهذا يفهم من العبارة الأولى دون الثانية ولأن حال اصفرار الشمس يكره التنفل فيه على العبارة الأولى بسببين ، وعلى الثانية بسبب .
وأعلم : أن الكراهة عند طلوع الشمس تمتد حتى ترتفع قدر رمح ، هذا هو الصحيح وبه قطع المصنف في التنبيه والجمهور ، وفيه وجه حكاه الخراسانيون أن الكراهة تزول إذا طلع قرص الشمس بكماله ، ويستدل له بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب الشمس رواه البخاري ومسلم ، وروياه أيضا من رواية أبي سعيد الخدري ويستدل للمذهب بحديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال : قلت يا نبي الله أخبرني عن الصلاة قال : صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني الشيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ، ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار رواه مسلم . وتحمل رواية الطلوع على الطلوع مرتفعة بدليل حديث عمرو بن عبسة جمعا بين الأحاديث ، وقد أوضحت هذه الروايات والجمع بينها في شرح صحيح مسلم ولا خلاف أن وقت الكراهة بعد العصر لا يدخل بمجرد دخول العصر ، بل لا يدخل حتى يصليها . وأما في الصبح ففيه ثلاثة أوجه الصحيح : الذي عليه الجمهور أنه لا يدخل بطلوع الفجر ، بل لا يدخل حتى يصلي فريضة الصبح والثاني : يدخل بصلاة سنة الصبح والثالث : بطلوع الفجر ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وأكثر العلماء ويستدل له مع ما ذكره المصنف من حديث ابن عمر بحديث حفصة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لم يصل إلا ركعتين خفيفتين رواه البخاري ومسلم . ويجاب عنه للمذهب بأن هذا ليس فيه نهي ، وحديث ابن عمر تقدم الكلام في إسناده فإن ثبت يؤول على موافقة غيره والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يكره في هذه الأوقات ما لها سبب كقضاء الفائتة ، والصلاة المنذورة وسجود التلاوة ، وصلاة الجنازة ، وما أشبهها لما روى عن قيس بن قهد رضي الله عنه قال : رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح فقال ما هاتان الركعتان فقلت لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان الركعتان فإن دخل المسجد في هذه الأوقات ليصلي التحية لا لحاجة غيرها ففيه وجهان أحدهما : يصلي لأنه وجد سبب الصلاة وهو الدخول والثاني : لا يصلي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تتحروا بصلاتكم طلوع شمس ولا غروبها وهذا يتحرى بصلاته طلوع الشمس وغروبها . + الشرح : حديث قيس بن قهد ، بقاف مفتوحة ثم هاء ساكنة ثم دال ، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وإسناده ضعيف فيه انقطاع ، قال الترمذي : الأصح أنه مرسل ، ووري عن قيس بن قهد كما ذكره المصنف ، ورواه أبو داود والأكثرون : قيس بن عمرو وهو الصحيح عند جمهور أئمة الحديث وقد أشرت إلى ذلك في تهذيب الأسماء وكيف كان فمتن الحديث ضعيف عند أهل الحديث ويغني عنه ما سنذكره من الأحاديث الصحيحة في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما حديث : لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فرواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . أما حكم المسألة : فمذهبنا أن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات إنما هو عن صلاة لا سبب لها ، فأما ما لها سبب فلا كراهة فيها . والمراد بذات السبب التي لها سبب متقدم عليها ، فمن ذوات الأسباب : الفائتة فريضة كانت أو نافلة إذا قلنا بالأصح إنه يسن قضاء النوافل فله في هذه الأوقات قضاء الفرائض والنوافل الراتبة وغيرها وقضاء نافلة اتخذها وردا ، وله فعل المنذورة ، وصلاة الجنازة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الكسوف وصلاة الطواف ولو توضأ في هذه الأوقات فله أن يصلي ركعتي الوضوء ، صرح به جماعة من أصحابنا منهم الرافعي ، ويكره فيها صلاة الاستخارة صرح به البغوي وغيره ، وتكره ركعتا الإحرام بالحج على أصح الوجهين ، في كتاب الحج والثاني : لا يكره حكاه البغوي وغيره ، لأن سببهما إرادة الإحرام وهو متقدم ، وهذا الوجه قوي . وفي صلاة الاستسقاء وجهان للخراسانيين أصحهما : لا يكره ، وحكاه الإمام والغزالي في البسيط عن الأكثرين ، وقطع به القاضي أبو الطيب في تعليقه والعبدري لأن سببها متقدم والثاني : تكره كصلاة الاستخارة ، وهكذا عللوه ، قال الرافعي : وقد يمنع الأول كراهة صلاة الاستخارة ، وأما تحية المسجد فقال أصحابنا : إن دخلوه لغرض كاعتكاف أو لطلب علم أو انتظار صلاة ونحو ذلك من الأغراض صلى التحية ، وإن دخله لا لحاجة بل ليصلي التحية فقط فوجهان أرجحهما : الكراهة ، كما لو تعمد تأخير الفائتة ليقضيها في هذه الأوقات فإنه يكره لقوله صلى الله عليه وسلم لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها والثاني : لا يكره واختاره الإمام و الغزالي في البسيط . وحكى صاحب البيان وغيره وجها في كراهة تحية المسجد في هذه الأوقات من غير تفصيل ، وهذا غلط نبهت عليه لئلا يغتر به وقد حكاه الصيدلاني وإمام الحرمين والغزالي في البسيط عن أبي عبد الله بن الزبيري ، واتفقوا على أنه غلط . فرع : لو فاتته راتبة أو نافلة اتخذها وردا فقضاها في هذه الأوقات فهل له المداومة على مثلها في وقت الكراهة فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والمتولي وغيرهم أحدهما : نعم حكاه أبو حامد عن أبي إسحاق المروزي للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاته ركعتا سنة الظهر فقضاهما بعد العصر وداوم عليهما بعد العصر رواه البخاري ومسلم . وأصحهما : لا .
وتلك الصلاة من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن صححه الشيخ أبو حامد . فرع : في مذاهب العلماء في جواز الصلاة التي لها سبب في هذه الأوقات : قد ذكرنا أن مذهبنا أنها لا تكره وبه قال علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وابنه وأبو أيوب والنعمان بن بشير وتميم الداري وعائشة رضي الله عنهم . وقال أبو حنيفة : لا يجوز شيء من ذلك ووافقنا جمهور الفقهاء في إباحة الفوائت في هذه الأوقات ، وقال أبو حنيفة : تباح الفوائت بعد الصبح والعصر ، ولا تباح في الأوقات الثلاثة إلا عصر يومه فتباح عند اصفرار الشمس ، وتباح المنذورة في هذه الأوقات عندنا ولا تباح عند أبي حنيفة . قال ابن المنذر : وأجمع المسلمون على إباحة صلاة الجنائز بعد الصبح والعصر ونقل العبدري في كتاب الجنائز عن الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق أن صلاة الجنازة منهي عنها عند طلوع الشمس ، وعند غروبها وعند استوائها ، ولا تكره في الوقتين الآخرين ونقل القاضي عياض في شرح صحيح مسلم عن داود الظاهري أنه أباح الصلاة لسبب وبلا سبب في جميع الأوقات ، والمشهور من مذهب داود منع الصلاة في هذه الأوقات ، سواء ما لها سبب ولا سبب لها ، وهو رواية عن أحمد . واحتج لأبي حنيفة وموافقيه بعموم الأحاديث الصحيحة في النهي ، واحتج أصحابنا بحديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من نسى صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها رواه البخاري ومسلم ، وهذا لفظ مسلم . وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد العصر فلما انصرف قال : يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين . بعد العصر أنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن اللتين بعد الظهر فهما هاتان الركعتان بعد العصر رواه البخاري ومسلم ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : صلاتان لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهما سرا ولا علانية ، ركعتان قبل صلاة الصبح وركعتان بعد صلاة العصر رواه البخاري ومسلم . وعن يزيد بن الأسود رضي الله عنه قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجته وصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف ، فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه قال علي بهما فجيء بهما ترعد فرائصها قال ما منعكما أن تصليا معنا فقالا : يا رسول الله إنا قد كنا صلينا في رحالنا قال : فلا تفعلا فإذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح . والجواب عن أحاديث النهي أنها عامة وهذه خاصة ، والخاص مقدم على العام سواء تقدم عليه أو تأخر ، فإن قيل : لا حجة في حديثي أم سلمة وعائشة لأن هذه المداومة على الصلاة بعد العصر مخصوصة بالنبي صلى الله عليه وسلم قلنا : في المسألة وجهان لأصحابنا سبقا أحدهما : جواز مثل هذا لكل أحد وأصحهما : لا تباح المداومة لغير النبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون الاستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم في أول يوم والله أعلم . فرع : في بيان حديثين يستشكل الجمع بينهما وهما حديث النهي عن الصلاة بعد الصبح والعصر وغيرهما مع حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين فإذا دخل المسجد في بعض هذه الأوقات فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أن يصلي تحية المسجد للحديث فيها ، والجواب عن أحاديث النهي أنها مخصوصة كما سبق .
فإن قيل : حديث النهي عام في الصلوات خاص في بعض الأوقات وحديث التحية عام في الأوقات خاص في بعض الصلوات فلم رجحتم تخصيص حديث النهي دون تخصيص حديث التحية قلنا : حديث النهي دخله التخصيص بالأحاديث التي ذكرناها في صلاة العصر وصلاة الصبح ، وبالإجماع الذي نقلناه في صلاة الجنازة . وأما حديث تحية المسجد فهو على عمومه لم يأت له مخصص ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الداخل يوم الجمعة في حال الخطبة بالتحية بعد أن قعد . ولو كانت التحية تترك في وقت لكان هذا الوقت ، لأن يمنع في حال الخطبة من الصلاة إلا التحية ، ولأنه تكلم في الخطبة وبعد أن قعد الداخل وكل هذا مبالغة في تعميم التحية . فرع : عن وهب بن الأجدع عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة وفي رواية ( نقية ) رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن وظاهره يخالف الأحاديث الصحيحة في تعميم النهي من حين صلاة العصر إلى غروب الشمس ويخالف أيضا ما عليه مذاهب جماهير العلماء وجوابه مر .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تكره يوم الجمعة عند الاستواء لمن حضر الصلاة لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة ولأنه يشق عليه من كثرة الخلق أن يخرج لمراعاة الشمس ويغلبه النوم إن قعد ، فعفي عن الصلاة ، وإن لم يحضر الصلاة ، ففيه وجهان أحدهما : يجوز للخبر والثاني : لا يجوز لأنه لا مشقة عليه في مراعاة الشمس . + الشرح : هذا الحديث ضعيف رواه أبو داود من رواية أبي قتادة ، وقال : هو مرسل : وذكره البيهقي من رواية أبي قتادة وأبي سعيد وأبي هريرة وعمرو بن عنبسة وابن عمر ، وضعف أسانيد الجميع ثم قال : والاعتماد على أن النبي صلى الله عليه وسلم استحب التبكير إلى الجمعة ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء . أما حكم المسألة : فليوم الجمعة مزية في نفي كراهة الصلاة ، وفي ذلك أوجه أحدها : أنه تباح الصلاة بلا كراهة في جميع الأوقات يوم الجمعة لكل أحد والثاني : وهو الأصح يباح لكل أحد عند استواء الشمس خاصة ، سواء حضر الجمعة أم لا والثالث : تباح عند الاستواء لمن حضرها دون غيره ، وصححه القاضي أبو الطيب والرابع : تباح عنده لمن حضرها وغلبه النعاس والخامس : تباح عنده لمن حضرها وغلبه النعاس وكان قد بكر إليها ، ودلائلها تفهم مما ذكره المصنف والبيهقي ، وقال أبو حنيفة لا تباح فيه كغيره من الأيام والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تكره الصلاة في هذه الأوقات بمكة لما روى أبو ذر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الطواف بالبيت صلاة ولا خلاف أن الطواف يجوز فكذلك الصلاة . الشرح حديث أبي ذر ضعيف رواه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي وضعفه ويغني عنه حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار رواه أبو داود والترمذي في كتاب الحج والنسائي وابن ماجه وغيرهما في كتاب الصلاة ، وهذا لفظ الترمذي ، وقال : هو حديث حسن صحيح ، وهو الأشبه بالآثار ، ويحتمل جميع الصلوات ، قلت : ويؤيد الأول رواية أبي داود لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت يصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار . وأما حديث الطواف بالبيت صلاة فروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي موقوفا على ابن عباس وهو الأصح . كذا قاله الحفاظ ورواه الترمذي في آخر كتاب الحج عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه . فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير قال الترمذي : وروي عن ابن طاووس وغيره عن طاووس عن ابن عباس موقوفا قال : ولا نعرفه مرفوعا إلا من رواية عطاء بن السائب ، قلت : وعطاء ضعيف لا يحتج به والله أعلم . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : لا تكره الصلاة بمكة في هذه الأوقات سواء في ذلك صلاة الطواف وغيرها ، هذا هو الصحيح المشهور عندهم وفيه وجه أنه إنما تباح صلاة الطواف حكاه الخراسانيون ، وجماعة من العراقيين منهم الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمارودي ، وحكاه صاحب الحاوي عن أبي بكر القفال الشاشي ، والمذهب الأول قال صاحب الحاوي : وبه قال أبو إسحاق المروزي وجمهور أصحابنا ، والمراد بمكة البلدة وجميع الحرم الذي حواليها . وفي وجه إنما تباح في نفس البلدة دون باقي الحرم ، وفي وجه ثالث حكاه صاحب الحاوي عن القفال الشاشي إنما تباح في نفس المسجد الذي حول الكعبة ، لا فيما سواه من بيوت مكة وسائر الحرم ، والصحيح الأول ، صححه الأصحاب وحكاه صاحب الحاوي عن أبي إسحاق المروزي هذا تفصيل مذهبنا . وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد : لا تباح الصلاة بمكة في هذه الأوقات لعموم الأحاديث ، دليلنا حديث جبير والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بالباب احداها : اختلف أصحابنا في أن النهي حيث ثبت في هذه الأوقات هل هو كراهة تنزيه أم تحريم على وجهين أحدهما : كراهة تنزيه ، وبه قطع جماعة تصريحا ، منهم البندنيجي في آخر باب الصلاة بالنجاسة والثاني : وهو الأصح كراهة تحريم لثبوت الأحاديث في النهي ، وأصل النهي للتحريم . وقد صرح بالتحريم الماوردي في كتابه الاقناع وصاحب الذخائر وغيرهما . الثانية : لو أحرم بصلاة مكروهة في هذه الأوقات ففي انعقادها وجهان حكاهما الخراسانيون أصحهما : عندهم : لا تنعقد كالصوم يوم العيد والثاني : تنعقد كالصلاة في أعطان الإبل والحمام ، ولأن هذا الوقت تقبل الصلاة في الجملة بخلاف يوم العيد .
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله : مأخذ الوجهين أن النهي يعود إلى نفس الصلاة أم إلى أمر خارج قال : ولا يحملنا هذا على أن نقول هي كراهة تحريم لأنه خلاف ما دل عليه إطلاقهم ، وذلك أن نهي التنزيه أيضا يضاد الصحة إذا رجع إلى نفس الصلاة ، لأنها لو صحت لكانت عبادة مأمورا بها ، والأمر والنهي راجعان إلى نفس الشيء يتناقضان ، كما تقرر في أصول الفقه . ولو نذر أن يصلي في هذه الأوقات ، فإن قلنا تنعقد صح نذره وإلا فلا ، وإذا صح نذره فالأولى أن يصلي في وقت آخر ، فإن صلى فيه أجزأه ، كمن نذر أن يضحي بشاة يذبحها بسكين مغصوب يصح نذره ويذبحها بغير مغصوب ، فإن ذبح بالمغضوب عصي وأجزأه . ولو نذر صلاة مطلقة فله أن يصليها في هذه الأوقات بلا خلاف لأن لها سببا . & باب صلاة الجماعة &
قال المصنف رحمه الله تعالى : اختلف أصحابنا في الجماعة فقال أبو العباس وأبو إسحاق : هي فرض كفاية يجب اظهارها في الناس ، فإن امتنعوا من إظهارها قوتلوا عليها وهو المنصوص في الإمامة . والدليل عليه ما روى أبو الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان . عليك بالجماعة فإنما يأخذ الذئب من الغنم القاصية ومن أصحابنا من قال : هي سنة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة . + الشرح : حديث أبي الدرداء رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح ، وحديث أبي هريرة رواه البخاري ومسلم ، واسم أبي الدرداء عويمر بن زيد بن قيس ، وقيل اسمه عامر ولقبه عويمر ، وهو أنصاري خزرجي شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعد أحد من المشاهد ، واختلف في شهوده أحدا ، وكان فقيها حكيما زاهدا ، ولي قضاء دمشق لعثمان ، توفي بدمشق سنة إحدى وقيل اثنتين وثلاثين وقبره بباب الصغير ، وقوله صلى الله عليه وسلم ولا بدو هو البادية . واستحوذ أي استولى وغلب ، والقاصية المنفردة . وفي حديث أبي هريرة بخمس وعشرين درجة ، وفي رواية في الصحيح بسبع وعشرين درجة ، والجمع بينهما من ثلاثة أوجه أحدها : أنه لا منافاة فذكر القليل لا ينفي الكثير ، ومفهوم العدد باطل عنه الأصوليين والثاني : أن يكون أخبر أولا بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها الثالث : أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة ، وتكون لبعضهم خمس وعشرون ، ولبعضهم سبع وعشرون بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيئاتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك والله أعلم . وأما حكم المسألة : فالجماعة مأمور بها للأحاديث الصحيحة المشهورة واجماع المسلمين وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا أحدها : أنها فرض كفاية والثاني : سنة ، وذكر المصنف دليلهما والثالث : فرض عين لكن ليست بشرط لصحة الصلاة ، وهذا الثالث قول اثنين من كبار أصحابنا المتمكنين في الفقه والحديث ، وهما أبو بكر بن خزيمة وابن المنذر . قال الرافعي : وقيل إنه قول الشافعي ، والصحيح أنها فرض كفاية وهو الذي نص عليه الشافعي في كتاب الإمامة كما ذكره المصنف . وهو قول شيخي المذهب ابن سريج وأبي إسحاق وجمهور أصحابنا المتقدمين ، وصححه أكثر المصنفين وهو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة ، وصححت طائفة كونها سنة ، منهم الشيخ أبو حامد ، فإذا قلنا إنها فرض كفاية فامتنع أهل بلد أو قرية من إقامتها قاتلهم الإمام ولم يسقط عنهم الحرج إلا إذا أقاموها ، بحيث يظهر هذا الشعار فيهم ففي القرية الصغيرة يكفي إقامتها في موضع واحد ، وفي البلدة والقرية الكبيرة يجب إقامتها في البيوت فوجهان أصحهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي : لا يسقط الحرج عنهم لعدم ظهورها والثاني : يسقط إذا ظهرت في الأسواق واختاره بعضهم . أما إذا قلنا أنها سنة فهي سنة متأكدة . قال أصحابنا : يكره تركها ، صرح به الشيخ أبو حامد وابن الصباغ وآخرون ، فعلى هذا لو اتفق أهل بلد أو قرية على تركها فهل يقاتلون فيه وجهان أصحهما : لا يقاتلون كسنة الصبح والظهر وغيرهما . وبهذا قطع البندنيجي والثاني : يقاتلون لأنه شعار ظاهر ، وقد سبق بيان الوجهين في باب الأذان ، وهما جاريان في الأذان ، والجماعة والعيد إذا قلنا إنها سنن .
فرع : لو أقام الجماعة طائفة يسيرة من أهل البلد وأظهروها في كل البلد ولم يحضرها جمهور المقيمين في البلد حصلت الجماعة ولا إثم على المتخلفين ، كما إذا صلى على الجنازة طائفة يسيرة ، هكذا قاله غير واحد ، وظاهر الحديث الصحيح في الهم بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة يخالف هذا ، ولكن هم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريقهم ولم يفعل ، ولو كان واجبا لما تركه والله أعلم . فرع : في أهل البوادي قال إمام الحرمين : عندي فيهم نظر يحتمل أن يقال لا يتعرضون لهذا الفرض بل يكون سنة في حقهم ، ويحتمل أن يقال : يتعرضون له إذا كانوا ساكنين قال : ولا شك أن المسافرين لا يتعرضون لهذا الفرض ، قال : وكذا إذا قل عدد ساكني قرية ، هذا كلام إمام الحرمين ، والمختار أن أهل البوادي الساكنين والعدد القليل في القرية يتوجه عليهم فرض الكفاية في الجماعة للحديث الصحيح السابق عن أبي الدرداء ما من ثلاثة في قرية ولا بدو . فرع : قال أصحابنا : لا تكون الجماعة في حق النساء فرض عين ولا فرض كفاية ، ولكنها مستحبة لهن ، ثم فيه وجهان . أحدهما : يستحب لهن استحبابا كاستحباب الرجال وأصحهما : وبه قطع الشيخ أبو حامد وغيره لا تتأكد في حقهن كتأكدها في حق الرجال ، فلا يكره لهن تركها ، وإن كره للرجال مع قولنا : هي لهن سنة . قال الشافعي والأصحاب : ويؤمر الصبي بحضور المساجد وجماعات الصلاة ليعتادها . فرع : الخلاف المذكور في أن الجماعة فرض كفاية أم سنة هو المكتوبات الخمس المؤديات ، أما الجمعة ففرض عين وأما المنذورة فلا تشرع فيها الجماعة بلا خلاف ، وأما النوافل فسبق في باب صلاة التطوع ما يشرع له الجماعة منها وما لا يشرع ، وذكرنا في آخر ذلك الباب أن ما لا يشرع له الجماعة منها لو فعل جماعة لم يكره وبسطنا دليله . وأما المقضية من المكتوبات فليست الجماعة فيها فرض عين ولا كفاية بلا خلاف ولكن يستحب الجماعة في المقضية التي يتفق الإمام والمأموم فيها بأن يفوتهما ظهر أو عصر ، ودليله الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فاتته هو وأصحابه صلاة الصبح صلاها بهم جماعة . قال القاضي عياض في شرح صحيح مسلم لا خلاف بين العلماء في جواز الجماعة في القضاء إلا ما حكي عن الليث بن سعد من منع ذلك ، وهذا المنقول عن الليث إن صح عنه مردود بالأحاديث الصحيحة وإجماع من قبله . وأما القضاء خلف الأداء والأداء خلف القضاء وقضاء صلاة خلف من يقضي غيرها فكله جائز عندنا إلا أن الانفراد بها أفضل للخروج من خلاف العلماء ، فإن في كل ذلك خلافا للسلف سنذكره في بابه إن شاء الله تعالى . فرع في مذاهب العلماء في حكم الجماعة في الصلوات الخمس قد ذكرنا أن مذهبنا : الصحيح إنها افرض كفاية ، وبه قال طائفة من العلماء ، وقال عطاء والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر : هي فرض على الأعيان ليست بشرط للصحة وقال داود : هي فرض على الأعيان وشرط في الصحة وبه قال بعض أصحاب أحمد وجمهور العلماء على أنها ليست بفرض عين واختلفوا هل هي فرض كفاية أم سنة وقال القاضي عياض : ذهب أكثر العلماء إلى أنها سنة مؤكدة لا فرض كفاية واحتج لمن قال فرض عين بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار رواه البخاري ومسلم .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : من سره أن يلقى الله تعالى غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله تعالى شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وأنهن من سنن الهدى ، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف رواه مسلم . وعن أبي هريرة قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال : يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له ، فلما ولى دعاه فقال له : هل تسمع النداء بالصلاة قال : نعم . قال : فأجب رواه مسلم وعن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني رجل ضرير البصر ، شاسع الدار ، ولي قائد لا يلازمني ، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي قال : هل تسمع النداء قال : نعم . قال : لا أجد لك رخصة رواه أبو داود بإسناد صحيح أو حسن وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر ، قالوا : وما العذر قال : خوف أو مرض ، لم تقبل منه الصلاة التي صلى رواه أبو داود بإسناد ضعيف وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله رواهما الدارقطني وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه موقوفا عليه لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد رواه البيهقي . واحتج : أصحابنا والجمهور على أنها ليست بفرض عين بقوله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر ، وروياه من رواية أبي هريرة وقال بخمس وعشرين درجة ورواه البخاري أيضا من رواية أبي سعيد قالوا : ووجه الدلالة أن المفاضلة إنما تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين . والجواب : عن حديث الهم بتحريق بيوتهم من وجهين أحدهما : جواب الشافعي وغيره أن هذا ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون فرادى ، وسياق الحديث يؤيد هذا التأويل . وقوله في حديث ابن مسعود : رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق صريح في هذا التأويل والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم قال : لقد هممت ولم يحرقهم ولو كان واجبا لما تركه . فإن قيل : لو لم يجز التحريق لما هم به . قلنا : لعله هم به بالاجتهاد ثم نزل وحي بالمنع منه أو تغير الاجتهاد ، وهذا تفريع على الصحيح في جواز الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم أما حديث ابن مسعود فليس فيه تصريح بأنه فرض عين وإنما فيه بيان فضلها وكثرة محافظته عليها . وأما حديث الأعمى فجوابه ما أجاب به الأئمة الحفاظ الفقهاء أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة والحاكم أبو عبد الله والبيهقي ، قالوا : لا دلالة فيه لكونها فرض عين ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعتاب حين شكا بصره أن يصلي في بيته ، وحديثه في الصحيحين . قالوا : وإنما معناه لا رخصة لك تلحقك بفضيلة من حضرها . وأما حديث ابن عباس فتقدم بيان ضعفه .
وأما حديث جابر وأبي هريرة فضعيفان في إسنادهما ضعيفان وأحدهما مجهول وهو محمد بن سكين قال ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل في ترجمة محمد بن سكين : سمعت أبي يقول : هذا حديث منكر ، ومحمد بن سكين مجهول وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه ثم قال : وفي إسناده نظر . وضعفه البيهقي أيضا وغيره من الأئمة والله أعلم . واحتج أصحابنا في كونها فرض كفاية وردا على من قال أنها سنة بحديث مالك بن الحويرث قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون : فأقمنا عنده عشرين ليلة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا . فظن أنا اشتقنا أهلنا فسألنا عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه . فقال : ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم رواه البخاري ومسلم وبحديث أبي الدرداء السابق ما من ثلاثة في قرية ولا بدو الحديث والله أعلم . فرع : في الإشارة إلى بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في فضل صلاة الجماعة . فمنها حديث صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة وهو في الصحيحين كما سبق . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا رواه البخاري ومسلم والتهجير : التبكير إلى الصلاة . وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله رواه مسلم ، وفي رواية الترمذي : ومن صلى العشاء والفجر في جماعة . فرع : آكد الجماعات في غير الجمعة جماعة الصبح والعشاء للحديثين السابقين في الفرع قبله . فرع : في الإشارة إلى بعض الأحاديث الصحيحة في فضل المشي إلى المساجد وكثرة الخطى وانتظار الصلاة ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح رواه البخاري ومسلم . وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها مشيا ، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة رواه مسلم . وعن جابر بن عبد الله قال : كانت ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن لكم بكل خطوة درجة رواه مسلم . وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : كان رجل لاأعلم رجالا أبعد من المسجد منه وكان لا تخطية صلاة ، فقيل له أو قلت له : لو اشتريت حمارا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء قال : ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع الله لك ذلك كله رواه مسلم .
وعن جابر قال : أراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد ، قالوا : نعم يا رسول الله ، وقد أردنا ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم ، دياركم تكتب آثاركم رواه مسلم ، وذكره البخاري بمعناه من رواية أنس . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث ، اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه ، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة رواه البخاري ومسلم . وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، وشاب نشأ في عبادة ربه ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله رب العالمين . ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه رواه البخاري ومسلم . وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا : بلى يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط فذلكم الرباط رواه مسلم . وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة وذلك أن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا تهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه ، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه ، يقولون : اللهم ارحمه ، اللهم اغفر له ، اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ، ما لم يحدث فيه رواه البخاري ومسلم ، وهذا لفظ مسلم ، والأحاديث في المسألة كثير مشهورة وفيما أشرت إليه أبلغ كفاية ، وأما فضل الصلوات فقد ذكرت جملة من الأحاديث الواردة فيه في آخر الباب الأول من كتاب الصلاة ، وبالله التوفيق .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأقل الجماعة اثنان : إمام ومأموم ، لما روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الإثنان فما فوقهما جماعة . + الشرح : هذا الحديث رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد ضعيف جدا ورواه البيهقي أيضا من رواية أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف ، ويغني عنه حديث مالك بن الحويرث قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي فلما أردنا الاقفال من عنده قال لنا : إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما رواه البخاري ومسلم ، قال أصحابنا : أقل الجماعة اثنان إمام ومأموم ، فإذا صلى رجل برجل أو بامرأة أو أمته أو بنته أو غيرهم أو بغلامه أو بسيدته أو بغيرهم حصلت لهما فضيلة الجماعة التي هي خمس أو سبع وعشرون درجة ، وهذا لا خلاف فيه . ونقل الشيخ أبو حامد وغيره فيه الإجماع .