Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا عجز عن القيام صلى قاعدا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن الحصين : صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب وكيف يقعد فيه قولان أحدهما : يقعد متربعا لأنه بدل عن القيام والقيام يخالف قعود الصلاة فيجب أن يكون بدله مخالفا له والثاني : يقعد مفترشا لأن التربيع قعود العادة والافتراش قعود العبادة ، فكأن الافتراش أولى ، فإن لم يمكنه أن يركع ويسجد أومأ إليهما وقرب وجهه إلى الأرض على قدر طاقته فإن سجد على مخدة أجزاه لأن أم سلمة رضي الله عنهما سجدت على مخدة لرمد بها . + الشرح : حديث عمران رواه البخاري في صحيحه وفعل أم سلمة رواه البيهقي بإسناده : وقوله : أومأ هو بالهمزة والمخدة بكسر الميم سميت به لأنها توضع تحت الخد ، وأم سلمة سبق بيانها كنيت بابنها سلمة وهو صحابي . وأما الأحكام : فأجمعت الأمة على أن من عجز عن القيام في الفريضة صلاها قاعدا ولا إعادة عليه ، قال أصحابنا : ولا ينقص ثوابه عن ثوابه في حال القيام ، لأنه معذور ، وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما . قال أصحابنا : ولا يشترط في العجز أن لا يتأتى القيام ولا يكفى أدنى مشقة بل المعتبر المشقة الظاهرة ، فإذا خاف مشقة شديدة وزيادة مرض أو نحو ذلك أو خاف راكب السفينة الغرق أو دوران الرأس صلى قاعدا ولا إعادة ، وقال إمام الحرمين في باب التيمم : الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه لأن الخشوع مقصود الصلاة والمذهب الأول ولو جلس للغزاة رقيب يرقب العدو فحضرت الصلاة ولو قام لرآه العدو ، أو جلس الغزاة في مكمن ، ولو قاموا لرآهم العدو وفسد التدبير فلهم الصلاة قعودا ، والمذهب وجوب الإعادة لندوره . وحكى المتولي قولا أن صلاة الكمين قاعدا لا تنعقد ، والمذهب الانعقاد ، ولو خافوا أن يقصدهم العدو فصلوا قعدوا ، قال المتولي : أجزأتهم بلا إعادة على الصحيح من الوجهين . قال أصحابنا : وإذا صلى قاعدا لعجزه في الفريضة أو مع القدرة في النافلة لم تتعين لقعوده هيئة مشترطة بل كيف قعد أجزأه لكن يكره الإقعاء ، وقد سبق بيانه في باب صفة الصلاة ، ويكره أن يقعد مادا رجليه ، وأما الأفضل من الهيئات ففي غير حال القيام يقعد على الهيئة المستحبة للمصلي قائما فيتورك في آخر الصلاة ويفترش في سائر الجلسات . وأما القعود الذي هو بدل القيام وفي موضعه ففي الأفضل منه قولان ووجهان أصح القولين : وهو أصح الجميع يقعد مفترشا ، وهو رواية المزني وغيره ، وبه قال أبو حنيفة وزفر والثاني : متربعا ، وهو رواية البويطي وغيره ، وبه قال مالك والثوري والليث وأحمد و إسحاق وأبو يوسف ومحمد ، وذكر المصنف دليلهما وأحد الوجهين متوركا ، حكاه إمام الحرمين والغزالي في البسيط وغيرهما لأنه أعون للمصلي . والثاني : يقعد ناصبا ركبته اليمنى جالسا على رجله اليسرى وهو مشهور عند الخراسانيين واختاره القاضي حسين لأنه أبلغ في الأدب ، وأما ركوع القاعد فأقله أن ينحني قدر ما يحاذي جبهته ما وراء ركبته من الأرض ، وأكمله أن ينحنى بحيث يحاذي جبهته موضع سجوده ، وأما سجوده فكسجود القائم ، فإن عجز عن الركوع والسجود على ما ذكرنا أتى بالممكن وقرب جبهته قدر طاقته ، فإن عجز عن خفضها أومأ لقوله صلى الله عليه وسلم وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم رواه البخاري ومسلم ، وسبق بيانه في صفة الصلاة .
ولو قدر القاعد على ركوع القاعد وعجز عن وضع الجبهة على الأرض نظر إن قدر على أقل ركوع القاعد أو أكمله بلا زيادة فعل الممكن مرة عن الركوع وجب الاقتصار في الانحناء للركوع على قدر الكمال ليتميز عن السجود ، ويجب أن يقرب جبهته من الأرض للسجود أكثر ما يقدر عليه . قال الرافعي : حتى قال أصحابنا : لو قدر أن يسجد على صدغه أو عظم رأسه الذي فوق جبهته وعلم أنه إذا فعل ذلك كانت جبهته أقرب إلى الأرض لزمه ذلك . وهذا الذي نقله الرافعي حكاه الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي وقطع به هو والأصحاب ، قال القاضي أبو الطيب : قال أصحابنا : لم يقصد الشافعي بذلك أن الصدغ محل السجود ، بل قصد أنه إذا سجد عليه كان أقرب إلى الأرض بجبهته من الإيماء ، ولو سجد على مخدة ونحوها وحصلت صفة السجود بأن نكس ورفع أعاليه إذا شرطنا ذلك أو كان عاجزا عن الزيادة على ذلك أجزأه ، وعليه يحمل فعل أم سلمة رضي الله عنها ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب ، والله أعلم . فرع : إذا لم يمكنه القيام على قدميه لقطعهما أو لغيره ، وأمكنه النهوض على ركبتيه فهل يلزمه النهوض قال إمام الحرمين : تردد فيه شيخي ، ونقل الغزالي في تدريسه فيه وجهين أحدهما : يجوز له القعود لأن هذا لا يسمى قياما ، ولأنه ليس معهودا والثاني : يلزمه قال : وهو اختيار إمامي لأنه أقرب إلى القيام .
قال المصنف رحمه الله تعالى : قال في الأم : وإن قدر أن يصلي قائما منفردا ويخفف القراءة وإذا صلى مع الجماعة صلى بعضها من قعود ، فالأفضل أن يصلي منفردا لأن القيام فرض والجماعة نفل ، فكأن الإنفراد أولى فإن صلى مع الإمام وقعد في بعضها صحت صلاته ، وإن كان بظهره علة لا تمنعه من القيام وتمنعه من الركوع والسجود لزمه القيام ، ويركع ويسجد على قدر طاقته ( فإن لم يمكنه أن يحني ظهره حتى رقبته ، فإن أراد أن يتكىء على عصا كان له ذلك وإن تقوس ظهره حتى صار كأنه راكع رفع رأسه في موضع القيام على قدر طاقته ويحني ظهره في الركوع على قدر طاقته ) . + الشرح : هذه المسائل على ما ذكرناها ، وفي المسألة الأولى وجه أن صلاته جماعة أفضل قاله الشيخ أبو حامد والمذهب ما نص عليه ، وقطع به جمهورهم ، قال أصحابنا ولو كان بحيث لو اقتصر على الفاتحة أمكنه القيام ، وإذا زاد السورة عجز صلى بالفاتحة وترك السورة ، لأن المحافظة على القيام أولى ، فلو شرع في السورة فعجز قعد ولا يلزمه قطع السورة ليركع ، كما قلنا فيما إذا صلى مع الإمام وقعد بعضها . أما إذا عجز عن القيام منتصبا كمن تقوس ظهره لزمانة أو كبر أو غيرهما وصار كراكع فيلزمه القيام على حسب إمكانه ، فإذا أراد الركوع زاد في الانحناء إن قدر ، هذا هو الصحيح ، وبه قطع العراقيون والبغوي والمتولي ، وهو المنصوص في الأم وقال إمام الحرمين والغزالي : يلزمه أن يصلي قاعدا . قالا : فإن قدر عند الركوع على الارتفاع إلى حد الراكعين لزمه ذلك ، والمذهب الأول ، ولو كان بظهره علة تمنعه الانحناء دون القيام فقد قال المصنف والأصحاب : يلزمه القيام ويركع ويسجد بحسب طاقته فيحني صلبه قدر الإمكان ، فإن لم يطق حنى رقبته ورأسه ، فإن احتاج فيه إلى شيء يعتمد عليه أو إلى أن يميل إلى جنبه لزمه ذلك ، فإن لم يطق الانحناء أصلا أومأ إليهما ، وقال أبو حنيفة : لا يلزمه القيام ، دليلنا حديث عمران . وبمثل مذهبنا قال مالك وأحمد . ولو أمكنه القيام والاضطجاع دون القعود قال البغوي : يأتي بالقعود قائما لأنه قعود وزيادة والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان بعينه وجع وهو قادر على القيام فقيل له : إن صليت مستلقيا أمكن مداواتك ففيه وجهان أحدهما : لا يجوز له ترك القيام لما روي أن ابن عباس لما وقع في عينه الماء حمل إليه عبد الملك الأطباء على البرد فقيل : إنك تمكث سبعا لا تصلي إلا مستلقيا فسأل عائشة وأم سلمة فنهتاه والثاني : يجوز لأنه يخاف الضرر من القيام فأشبه المرض . + الشرح : قال أصحابنا : إذا كان قادرا على القيام فأصابه رمد أو غيره من وجع العين أو غيره وقال له طبيب موثوق بدينه ومعرفته : إن صليت مستلقيا أو مضطجعا أمكن مداواتك وإلا خيف عليك العمى ، فليس للشافعي في المسألة نص ولأصحابنا فيها وجهان مشهوران كما ذكر المصنف أصحهما : عند الجنهور يجوز له الاستلقاء والاضطجاع ، ولا إعادة عليه والثاني : لا يجوز ، وبه قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي ، ودليلهما في الكتاب ، ولو قيل له : إن صليت قاعدا أمكنت المداواة قال إمام الحرمين : يجوز القعود قطعا ، قال الرافعي : ومفهوم كلام غيره أنه على الوجهين ، والمختار أنه على الوجهين ، وممن جوز له الاستلقاء في أصل المسألة من العلماء أبو حنيفة ، وممن منعه عائشة و أم سلمة ومالك والأوزاعي ، وينكر على المصنف قوله في التنبيه : احتمل أن يجوز له ترك القيام ، واحتمل أن لا يجوز فأوهم أنه لا نقل في المسألة مع أن الوجهين فيها مشهوران ، وهو ممن ذكرهما في المهذب . وأما الأثر الذي ذكره المصنف عن ابن عباس وسؤاله عائشة وأم سلمة فقد رواه البيهقي بإسناد ضعيف عن أبي الضحى : أن عبد الملك أو غيره بعث إلى ابن عباس بالأطباء على البرد ، وقد وقع الماء في عينيه ، فقالوا : تصلي سبعة أيام مستلقيا على قفاك فسأل أم سلمة وعائشة عن ذلك فنهتاه ورواه البيهقي بإسناد صحيح عن عمرو بن دينار قال : لما وقع في عين ابن عباس الماء أراد أن يعالج منه فقيل : تمكث كذا وكذا يوما لا تصلي إلا مضطجعا فكرهه وفي رواية قال ابن عباس : أرأيت إن كان الأجل قبل ذلك وأما الذي حكاه الغزالي في الوسيط أنه استفتى عائشة وأبا هريرة فباطل ، لا أصل لذكر أبي هريرة ، وهذا المذكور في المهذب ورواية البيهقي من استفتاء عائشة وأم سلمة أنكره بعض العلماء وقال : هذا باطل من حيث إن عائشة وأم سلمة توفيتا قبل خلافة عبد الملك بأزمان ، وهذا الإنكار باطل فإنه لا يلزم من بعثه أن يبعث في زمن خلافته ، بل بعث في خلافة معاوية وزمن عائشة وأم سلمة ، ولا يستكثر بعث البرد من مثل عبد الملك فإنه كان قبل خلافته من رؤساء بني أمية وأشرافهم وأهل الوجاهة والتمكن وبسطة الدنيا ، فبعث البرد ليس بصعب عليه ، ولا على من دونه بدرجات ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن عجز عن القيام والقعود صلى على جنبه ، ويستقبل القبلة بوجهه ، ومن أصحابنا من قال : يستلقي على ظهره ويستقبل القبلة برجليه والمنصوص في البويطي هو الأول ، والدليل عليه ما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يصلي المريض قائما فإن لم يستطع صلى جالسا فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة ، فإن لم يستطع صلى مستلقيا على قفاه ورجلاه إلى القبلة ، وأومأ بطرفه ، ولأنه إذا اضطجع على جنبه استقبل القبلة بجميع بدنه ، وإذا استلقى لم يستقبل القبلة إلا برجليه ، ويومىء إلى الركوع والسجود فإن عجز عن ذلك أومأ بطرفه لحديث علي رضي الله عنه . + الشرح : حديث علي رضي الله عنه رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف وقال : فيه نظر ، وقوله : أومأ هو بالهمز قال أصحابنا : إذا عجز عن القيام والقعود يسقط عنه القعود والقيام ، والعجز المعتبر المشقة الشديدة . وفوات الخشوع كما قدمناه في العجز عن القيام . وقال إمام الحرمين : لا يكفي ذلك بل يشترط فيه عدم تصور القعود أو خيفة الهلاك أو المرض الطويل إلحاقا له بالمرض المبيح للتيمم ، والمذهب الأول ، وبه قطع الجمهور ، وفي كيفية صلاة هذا العاجز ثلاثة أوجه الصحيح : المنصوص في الأم والبويطي يضطجع على جنبه الأيمن مستقبلا بوجهه ومقدم بدنه القبلة كالميت في لحده ، فعلى هذا لو اضطجع على يساره صح ، وكان مكروها وبهذا قال مالك وأحمد وداود ، وروى عن عمر وابنه والثاني : أنه يستلقي على قفاه ويجعل رجليه إلى القبلة ويضع تحت رأسه شيئا ليرتفع ويصير وجهه إلى القبلة لا إلى السماء ، وبه قال أبو حنيفة والثالث : يضطجع على جنبه ويعطف أسفل قدميه إلى القبلة حكاه الفوارني وإمام الحرمين و الغزالي في البسيط وصاحب البيان وآخرون . وحكى جماعة الوجهين الأولين قولين . قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط وغيرهما هذا الخلاف في الكيفية الواجبة ، فمن قال بكيفية لا يجوز غيرها بخلاف الخلاف السابق في كيفية القعود فإنه في الأفضل ، لاختلاف أمر الاستقبال بهذا دون ذاك ، ثم إن هذا الخلاف في القادر على هذه الهيئات فأما من لا يقدر إلا على واحدة فتجزئه بلا خلاف . ثم إذا صلى على هيئة من هذه المذكورات وقدر على الركوع والسجود أتى بهما وإلا أومأ إليهما منحنيا برأسه وقرب جبهته من الأرض بحسب الإمكان ، ويكون السجود أخفض من الركوع ، فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه ، هذا كله واجب . فإن عجز عن الإيماء بالطرف أجرى أفعال الصلاة على قلبه . فإن اعتقل لسانه وجب أن يجري القرآن والأذكار الواجبة على قلبه كما يجب أن يجري الأفعال . قال أصحابنا : وما دام عاقلا لا يسقط عنه فرض الصلاة ولو انتهى ما انتهى ، ولنا وجه حكاه صاحبا العدة والبيان وغيرهما أنه إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الصلاة ، وهو مذهب أبي حنيفة وهذا شاذ مردود ومخالف لما عليه الأصحاب ، وأما حكاية صاحب الوسيط عن أبي حنيفة أنه قال : تسقط الصلاة إذا عجز عن القعود فمنكرة مردودة ، والمعروف عنه أنه إنما يسقطها إذا عجز عن الإيماء بالرأس ، وحكى أصحابنا هذا عن مالك أيضا ، وعن أبي حنيفة رواية أنه لا يصلي في الحال ، فإن برىء لزمه القضاء ، والمعروف عن مالك وأحمد كمذهبنا .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا افتتح الصلاة قائما ثم عجز قعد وأتم صلاته . وإن افتتحها قاعدا ثم قدر على القيام قام وأتم صلاته لأنه يجوز أن يؤدي جميع صلاته قاعدا عند العجز وجميعها قائما عند القدرة ، فجاز أن يؤدي بعضها قاعدا عند العجز وبعضها قائما عند القدرة وإن افتتح الصلاة قاعدا ثم عجز اضطجع وإن افتتحها مضطجعا ثم قدر على القيام أو القعود قام أو قعد لما ذكرنا . + الشرح : قال أصحابنا : إذا عجز في أثناء صلاته المفروضة عن القيام جاز القعود وإن عجز عن القعود جاز الاضطجاع ويبني على ما مضى من صلاته ولو صلى قاعدا للعجز فقدر على القيام في أثنائها وجبت المبادرة بالقيام ويبني ، ولو صلى مضطجعا فأطاق القيام أو العقود في أثنائها وجب المبادرة بالمقدور ويبني ، ثم إن تبدل الحال من الكمال إلى النقص بأن عجز في أثنائها وانتقل إلى الممكن في أثناء الفاتحة وجب إدامة قراءتها في هويه ، وإن تبدل من النقص إلى الكمال بأن قدر القاعد على القيام لخفة المرض وغيره فإن كان قبل القراءة قام وقرأ قائما وكذا إن كان في أثناء الفاتحة قام وقرأ بقيتها بعد الانتصاب قائما ، ويجب ترك القراءة حتى ينتصب فإن قرأ في حال النهوض لم يحسب ، وإن قدر بعد القراءة قبل الركوع لزمه القيام ليهوي منه إلى الركوع ، ولا يلزمه الطمأنينة في هذا القيام لأنه ليس مقصودا لنفسه ، ويستحب في هذه الأحوال أن يعيد الفاتحة ليقع في حال الكمال نص عليه واتفقوا عليه . ولو قدر في حال ركوعه قاعدا فإن كان قبل الطمأنينة لزمه الارتفاع إلى حد الراكعتين عن قيام ، ولا يجوز أن يرتفع قائما ثم يركع ، فإن فعله بطلت صلاته ، لأنه زاد قياما ، وإن كان بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه فيجب الاعتدال قائما ثم يسجد ، ولا يجوز الانتقال إلى ركوع القائمين فإن خالف بطلت صلاته لأنه زاد ركوعا ، ولو وجد القدرة في الاعتدال قاعدا فإن كان قبل الطمأنينة لزمه أن يقوم ليعتدل ويطمئن ، وإن كان بعدها فوجهان . أحدهما : يلزمه أن يقوم ليقع السجود من قيام وأصحهما : لا يقوم لئلا يطول الاعتدال وهو ركن قصير فإن اتفق ذلك في الثانية من الصبح قبل القنوت لم يقنت قاعدا ، فإن فعل بطلت صلاته لأنه زاد قعودا في غير موضعه وإنما حقه أن يقوم فيقنت قائما والله أعلم . هذا كله حكم صلاة الفرض ، أما صلاة النافلة قاعدا فقد ذكرها المصنف في أول باب صفة الصلاة وسبق شرحها هناك كاملا وبالله التوفيق . فرع : قال الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد والأصحاب : ولو ركع المصلي فريضة فعرضت له علة منعته الاعتدال سقط عنه الاعتدال فيسجد . قالوا : فلو زالت العلة قبل دخوله في السجود لزمه العود إلى الاعتدال لتمكنه منه ، وإن زالت بعد تلبسه بالسجود أجزأه ، ولم يجز العود إلى الاعتدال لأنه سقط بالعجز فلو أتى به كان زائدا قياما ، وذلك مبطل للصلاة . فرع : في مذاهب العلماء إذا افتتح الصلاة قائما ثم عجز قعد وبنى عليها بالاجماع ، نقل الاجماع فيه الشيخ أبو حامد وغيره ، وإن افتتحها قاعدا للعجز ثم قدر على القيام قام وبنى عندنا ، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف والجمهور ، وقال محمد : تبطل صلاته وإن افتتحها مضطجعا أو قاعدا ثم قدر في أثنائها على القعود أو القيام لزمه ذلك ويبني على ما صلى ، وهكذا لو كان يصلي عاريا فاستتر على قرب أو كان المصلي أميا فتلقن الفاتحة فيبني ، وبهذا كله قال مالك و أحمد وداود ، وقال أبو حنيفة تبطل صلاته ويجب استئنافها . & باب صلاة المسافر &
قال المصنف رحمه الله تعالى : يجوز القصر في السفر لقوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا النساء : 101 قال يعلى بن أمية : قلت لعمر رضي الله عنه : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم وقد أمن الناس . قال عمر : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ولا يجوز القصر إلا في الظهر والعصر والعشاء الآخرة لاجماع الأمة . ويجوز ذلك في سفر الماء كما يجوز للراكب في البر . + الشرح : حديث يعلى رواه مسلم ، وفيه التصريح بجواز القصر من غير خوف . وفيه جواز قول ( تصدق الله علينا ) وقد كرهه بعض السلف ، والصواب الذي عليه الجمهور لا كراهة فيه ، وقد ذكرته واضحا في آخر كتاب الأذكار ، وقوله تعالى : و وإذا ضربتم في الأرض النساء : 101 الضرب في الأرض هو السفر . أما حكم المسألة : فيجوز القصر في السفر في الظهر والعصر والعشاء ولا يجوز في الصبح والمغرب ولا في الحضر . وهذا كله مجمع عليه . وإذا قصر الرباعيات ردهن إلى ركعتين ، سواء كان خوف أم لا . وقال ابن عباس : الواجب في الخوف ركعة . وحكى هذا عن الحسن البصري ، والجمهور على الأول ، وتأولوا الحديث الثالث في صحيح مسلم عن ابن عباس : فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة على أن المراد ركعة مع الإمام وينفرد بالأخرى كما هو المشروع فيها . ويجوز القصر في سفر الماء في السفينة لأنه سفر داخل في نص القرآن والسنة . وسواء فيه من ركب مرة أو مرات ، والملاح الذي معه أهله وماله ويديم السير في البحر ، والمكاري وغيرهم ، فكلهم لهم القصر إذا بلغ سفرهم مسافة لو قدرت في البر بلغت ثمانية وأربعين ميلا هاشمية ، لكن الأفضل لهم الإتمام ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وداود وغيرهم ، إلا أن أبا حنيفة يشترط ثلاث مراحل وقال الحسن بن صالح وأحمد بن حنبل : لا يجوز للملاح القصر لأنه مقيم في أهله وماله . دليلنا أنه مسافر . وما قالوه ينتقض بالذي يديم كراء الإبل وغيرها والسير في البر فإن له القصر .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز القصر إلا في مسيرة يومين ، وهو أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ فذلك ستة عشر فرسخا ، لما روي عن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك وسأل عطاء ابن عباس : أأقصر إلى عرفة فقال : لا . فقال : إلى منى فقال : لا لكن إلا جدة وعسفان والطائف . قال مالك : بين مكة والطائف وجدة وعسفان أربعة برد ، ولأن في هذا القدر تتكرر مشقة الشد والترحال وفيما دونه لا تتكرر . قال الشافعي : ( وأحب أن لا يقصر في أقل من ثلاثة أيام ) وإنما استحب ذلك ليخرج من الخلاف ، لأن أبا حنيفة لا يبيح القصر إلا في ثلاثة أيام . + الشرح : البرد بضم الباء والراء وكل فرسخ ثلاثة أميال هاشمية فالمجموع ثمانية وأربعون ميلا هاشمية . والميل ستة آلاف ذراع ، والذراع أربع وعشرون أصبعا معتدلة معترضة ، والأصبع ست شعيرات معتدلات معترضات . وقوله والترحال بفتح التاء وأما الأثر عن ابن عمر وابن عباس فسنذكره في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : لا يجوز القصر إلا في سفر يبلغ ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمي سواء في هذا جميع الأسفار المباحة . هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور . وحكى الشيخ أبو علي السنجي ، وصاحب البيان عنه قولا للشافعي أنه يجوز القصر مع الخوف ، . ولا يشترط ثمانية وأربعون ميلا ، وهذا شاذ مردود والذي تطابقت عليه نصوص الشافعي وكتب الأصحاب أنه يشترط في جميع الأسفار ثمانية وأربعون ميلا هاشمية ، وهو منسوب إلى بني هاشم ، وذلك أربعة برد كما ذكره المصنف . وذلك بالمراحل مرحلتان قاصدتان سير الأثقال ودبيب الأقدام . هكذا نص الشافعي عليه واتفقوا عليه . قال الشيخ أبو حامد وصاحبا الشامل والبيان وغيرهم : للشافعي رحمه الله سبعة نصوص في مسافة القصر . قال في موضع : ثمانية وأربعون ميلا وفي موضع ستة وأربعون ، وفي موضع أكثر من أربعين ، وفي موضع أربعون ، وفي موضع يومان ، وفي موضع ليلتان ، وفي موضع يوم وليلة . قالوا : قال أصحابنا : المراد بهذه النصوص كلها شيء واحد وهو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية . وحيث قال : ستة وأربعون أراد سوى ميل الابتداء وميل الانتهاء وحيث قال أكثر من أربعين أراد أكثر بثمانية . وحيث قال أربعون أراد أربعين أموية ، وهي ثمانية وأربعون هاشمية ، فإن أميال بني أمية أكثر من الهاشمية كل خمسة ستة . وحيث قال يومان أي بلا ليلة . وحيث قال : ليلتان أي بلا يوم ، وحيث قال يوم وليلة أرادهما معا فلا اختلاف بين نصوصه وهل التقدير بثمانية وأربعين ميلا تحديد أم تقريب فيه وجهان حكاهما الرافعي وغيره أصحهما : تحديد ، لأن في تقديرا بالأميال ثابتا عن الصحابة بخلاف تقدير القلتين ، فإن الأصح أنه تقريب لأنه لا توقيف في تقديره بالأرطال . قال الشافعي والأصحاب : والأفضل أن لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام للخروج من خلاف أبي حنيفة وغيره ممن سنذكره في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا : فإن كان السير في البحر اعتبرت المسافة بمساحتها في البر حتى لو قطع قدر ثمانية وأربعين ميلا في ساعة أو لحظة جاز له القصر ، لأنها مسافة صالحة للقصر ، فلا يؤثر قطعها في زمن قصير ، كما لو قطعها في البر على فرس جواد في بعض يوم ، فلو شك في المسافة اجتهد نقله الرافعي وغيره ، وقد نص الشافعي في الأم أنه إذا شك في المسافة لم يجز القصر وهو محمول على من لم يظهر له شيء بالاجتهاد ولو حبستهم الريح في المراسي وغيرها ، قال الشافعي والأصحاب : هو كالإقامة في البر بغير نية الإقامة .
فرع : يشترط في كون السفر مرحلتين أن يكون بينه وبين المقصد مرحلتان فلو قصد موضعا بينه وبينه مرحلة بنية أن لا يقيم فيه لم يكن له القصر لا ذاهبا ولا راجعا ، وإن كان له مشقة مرحلتين متواليتين لأنه لا يسمى سفرا طويلا ، وحكى الرافعي أن الحناطي حكى وجها أنه يقصر ، والصواب الأول ، وبه قطع الأصحاب والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في المسافة المعتبرة لجواز القصر قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز القصر في مرحلتين وهو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية ، ، ولا يجوز في أقل من ذلك ، وبه قال ابن عمر وابن عباس والحسن البصري و الزهري ومالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال عبد الله بن مسعود وسويد بن غفلة بفتح الغين المعجمة والفاء والشعبي و النخعي والحسن بن صالح والثوري وأبو حنيفة : لا يجوز القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام ، وعن أبي حنيفة أنه يجوز في يومين وأكثر الثالث ، وبه قال أبو يوسف ومحمد ، وقال الأوزاعي وآخرون : يقصر في مسيرة يوم تام ، قال ابن المنذر : وبه أقول وقال داود : يقصر في طويل السفر وقصيره ، قال الشيخ أبو حامد : حتى قال : لو خرج إلى بستان خارج البلد قصر . واحتج لداود باطلاق الكتاب والسنة جواز القصر بلا تقييد للمسافة وبحديث يحيى بن يزيد قال : سألت أنسا عن قصر الصلاة فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين رواه مسلم ، وعن جبير بن نفير قال : خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا فصلى ركعتين . فقلت به ، فقال : رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين ، فقلت له ، فقال : أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل رواه مسلم . واحتج لمن شرط ثلاثة أميال بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تسافر امرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم رواه البخاري ومسلم ورواه مسلم كذلك من رواية أبي سعيد الخدري ، وذكروا مناسبات لا اعتماد عليها ، واحتج أصحابنا برواية عطاء بن أبي رباح أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك رواه البيهقي بإسناد صحيح وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة جزم ، فيقتضي صحته عنده كما قدمناه مرات ، وعن عطاء قال : سئل ابن عباس أأقصر الصلاة إلى عرفة فقال : لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح وروى مالك بإسناده الصحيح في الموطأ عن ابن عمر أنه قصر في أربعة برد . وأما الحديث الذي رواه الدارقطني والبيهقي عن إسماعيل بن عياش عن عبد الوهاب ابن مجاهد عن أبيه وعطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد من مكة فهو حديث ضعيف جدا لأن عبد الوهاب مجمع على شدة ضعفه ، وإسماعيل أيضا ضعيف لا سيما في روايته عن غير الشاميين . والجواب عما احتج به أهل الظاهر من اطلاق الآية والأحاديث أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم القصر صريحا في دون مرحلتين . وأما حديث أنس فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال بل معناه أنه كان إذا سافر سفرا طويلا فتباعد ثلاثة أميال قصر ، وليس التقييد بالثلاثة لكونه لا يجوز القصر عند مفارقة البلد ، بل لأنه ما كان يحتاج إلى القصر إلا إذا تباعد هذا القدر ، لأن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يسافر عند دخول وقت الصلاة إلا بعد أن يصليها فلا تدركه الصلاة الأخرى إلا وقد تباعد عن المدينة .
وأما حديث شرحبيل وقوله : إن عمر رضي الله عنه صلى بذي الحليفة ركعتين فمحمول على ما ذكرناه في حديث أنس وهو أنه كان مسافرا إلى مكة أو غيرها فمر بذي الحليفة ، وأدركته الصلاة فصلى ركعتين لا أن ذا الحليفة غاية سفره . وأما الجواب عما احتج به القائلون باشتراط ثلاثة أيام فهو أن الحديث الذي ذكروه ليس فيه أن السفر لا ينطلق إلا على مسيرة ثلاثة أيام ، وإنما فيه أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بغير محرم هذا السفر الخاص ، ويدل على هذا أنه ثبت عن أبي سعيد رواية أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم مسيرة يوم ، وفي رواية له ليلة ، وفي رواية أبي داود لا تسافر بريدا ورواه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد . قال البيهقي : وهذه الروايات الصحيحة في الأيام الثلاثة واليومين واليوم صحيحة ، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم . فقال : لا ، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم ، فقال : لا ، وسئل عن يوم ، فقال : لا ، فأدى كل منهم ما حفظ ، ولا يكون شيء من هذا حدا للسفر ، يدل عليه حديث ابن عباس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم رواه البخاري ومسلم هذا كلام البيهقي ، فحصل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد تحديد ما يقع عليه السفر بل أطلقه على ثلاثة أيام وعلى يومين وعلى يوم وليلة وعلى يوم وعلى ليلة وعلى بريد وهو مسيرة نصف يوم فدل على أن الجميع يسمى سفرا والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان للبلد الذي قصده طريقان يقصر في أحدهما ولا يقصر في الآخر فسلك الأبعد لغرض يقصد في العادة قصر ، وإن سلكه ليقصر ففيه قولان قال في الإملاء : له أن يقصر لأنه مسافة تقصر في مثلها الصلاة ( فجاز له القصر فيها كما لو لم يكن له طريق سواه ) وقال في الأم ليس له القصر لأنه طول الطريق للقصر فلا يقصر كما لو مشى في مسافة قريبة طولا وعرضا حتى طال . + الشرح : قال أصحابنا : إذا كان لمقصده طريقان فإن بلغ كل واحد مسافة القصر فسلك الأبعد قصر في جميعه بلا خلاف ، سواء سلكه لغرض أم لمجرد القصر لأنه سافر مسافة القصر ، ولا يمكنه دون مسافة القصر ، وإن بلغ أحد طريقيه مسافة القصر ونقص الآخر عنها فإن سلك الأبعد لغرض من الطريق أو سهولته أو كثرة الماء أو المرعى أو زيارة أو عيادة أو بيع متاع أو غير ذلك من المقاصد المطلوبة دينا أو دنيا فله الترخص بالقصر وغيره من رخص السفر بلا خلاف ، ولو قصد التنزه فهو غرض مقصود فيترخص ، وتردد فيه الشيخ أبو محمد الجويني ، والمذهب الترخص ، وبه قطع المحققون ، وإن لم يكن غرض سوى الترخص ففيه طريقان : أحدهما : لا يترخص قطعا وأشهرهما على قولين أظهرهما : عند الأصحاب لا يترخص ، ودليل الجميع في الكتاب . فرع : ذكرنا أنه إذا كان لمقصده طريقان يقصر في أحدهما فسلكه لغير غرض لم يجز القصر عندنا على الأصح وقال أبو حنيفة وأحمد والمزني وداود : يجوز .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن سافر إلى بلد يقصر إليه الصلاة ونوى أنه إن لقي عبده أو صديقه في بعض الطريق رجع لم يقصر لأنه لم يقطع على سفر تقصر فيه الصلاة ، وإن نوى السفر إلى بلد ثم منه إلى بلد آخر فهما سفران فلا يقصر حتى يكون كل واحد منهما مما تقصر فيه الصلاة . + الشرح : قال أصحابنا : يشترط للقصر أن يعزم في الابتداء على قطع مسافة القصر ، فلو خرج لطلب آبق أو غريم أو غير ذلك ونوى أنه متى لقيه رجع ولا يعرف موضعه لم يترخص ، وإن طال سفره وبلغ مراحل ، كما سنذكره في الهائم ، إن شاء الله تعالى ، فلو وجده وعزم على الرجوع إلى بلده ، فإن كان بينهما مسافة القصر قصر إذا ارتحل عن ذلك الموضع ، فلو علم في ابتداء السفر موضعه وأنه لا يلقاه قبل مرحلتين جاز القصر ، ولو نوى في الابتداء الخروج في طلب الآبق والغريم ودابته الضالة أو المسروقة وغيرها على أنه لا بد له من وصول الموضع الفلاني وهو مرحلتان سواء وجده قبله أم لا فله القصر بلا خلاف ، نص عليه الشافعي والأصحاب . ولو نوى مسافة القصر ثم نوى إن وجد الغريم رجع ، فإن عرضت له هذه النية مسافة القصر ثم نوى إن وجد الغريم رجع ، فإن عرضت له هذه النية قبل مفارقة عمران البلد لم يترخص ، وإن عرضت بعد مفارقة العمران فوجهان حكاهما البغوي و الرافعي أصحهما : يترخص ما لم يجده ، فإذا وجده صار مقيما لأنه ثبت لسبب الرخصة فلا يتغير حتى يوجد المغير والثاني : لا يترخص كما لو عرضت النية في العمران . ولو نوى قصد موضع في مسافة القصر ثم نوى بعد مفارقة العمران الإقامة أربعة أيام فصاعدا في بلد في وسط الطريق ، قال البغوي وغيره : إن كان من مخرجه إلى البلد المتوسط مسافة القصر ترخص قطعا ما لم يدخل المتوسط ، وإن كان أقل فوجهان أصحهما : يترخص ما لم يدخله لأنه انعقد سبب الرخصة فلا يتغير ما لم يوجد المغير ، فإن نوى أن يقيم في المتوسط دون أربعة أيام فهو سفر واحد فله القصر في جميع طريقه وفي البلد المتوسط بلا خلاف . أما إذا خرج بنية السفر إلى بلد ثم منه إلى آخر ونوى أن يقيم في الأول أربعة أيام أو نوى بلدا ثم بلدا ثم بلدا ثالثا ورابعا وأكثر بنية الإقامة أربعة أيام في كل مرحلة فإن كان بين البلد والذي يليه مسافة القصر قصر وإلا فلا . وإن كان بين بلدين منها دون الباقي قصر بين البلدين دون الباقي ، لأنها أسفار متعددة ، ولو نوى بلدا دون مرحلتين ، ثم نوى في أثناء طريقه مجاوزته فابتدأ سفره من حين غير النية فإنما يترخص إذا كان من ذلك الموضع إلى المقصد الثاني مرحلتان ، ولو خرج إلى بلد بعيد ثم نوى في طريقه أن يرجع انقطع سفره ، ولا يجوز له القصر ما دام في ذلك الموضع ، فإذا فارقه فقد أنشأ سفرا جديدا فإنما يقصر إذا توجه منه إلى مرحلتين سواء رجع إلى وطنه أو إلى مقصده الأول أو غيرهما ، نص عليه الشافعي في الأم ، واتفق الأصحاب عليه ، ممن صرح به القاضي أبو الطيب والبغوي والرافعي وغيرهم . قال البغوي : ولو تردد في النية بين أن يرجع أو يمضي صار مقيما في الحال كما لو جزم بالرجوع . فرع : إذا سافر العبد مع مولاه ، والزوجة مع زوجها ، والجندي مع أميره ولا يعرفون مقصدهم قال البغوي و الرافعي : لا يجوز لهم الترخص ، فلو نووا مسافة القصر لم تؤثر نية العبد والمرأة فلا يترخصان ، وتؤثر نية الجندي ويترخص ، لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره ، بخلاف العبد والمرأة ، فلو عرفوا المقصد ترخصوا كلهم .
قال البغوي : فلو نوى المولى والزوج الإقامة لم يثبت حكمها للعبد والمرأة ، بل لهما الترخص عندنا . قال وقال أبو حنيفة : للعبد والمرأة الترخص تبعا للمولى والزوج ، وإن لم يعرفا المقصد ويصيران مقيمين بإقامة المولى والزوج ، ولو أسر الكفار مسلما وسافروا به ولا يعلم أين يذهبون به لم يقصر ، فلو سار معهم يومين قصر بعد ذلك ، نص عليه الشافعي واتفقوا عليه ، أما إذا علم الموضع الذي يذهبون به إليه ، فإن كان نيته أنه إن تمكن من الهرب هرب ، لم يقصر قبل مرحلتين ، وإن نوى قصد ذلك البلد أو غيره ولا معصية في قصده قصر في الحال إن كان بينهما مرحلتان . وهذا الذي قاله الشافعي والأصحاب في الأسير يتعين مجيئه في مسألة العبد والمرأة والجندي ، فإذا ساروا مرحلتين يقصرون . وإن لم يعرفوا المقصد . ولعل البغوي ومن وافقه أرادوا قبل مجاوزة مرحلتين . فرع : قال أصحابنا : يشترط لجواز القصر للمسافر أن يربط قصده بمقصد معلوم فأما الهائم الذي لا يدري أين يتوجه ولا له قصد في موضع ، وراكب التعاسيف ، وهو الذي لا يسلك طريقا ولا له مقصد معلوم فلا يترخصان أبدا بقصر ولا غيره من رخص السفر . وإن طال سفرهما وبلغ مراحل ، فهذا هو المذهب وبه قطع الأصحاب في كل الطرق . وحكى الرافعي وجها أنهما إذا بلغا مسافة القصر لهما الترخص بعد ذلك ، وهذا شاذ غريب ضعيف جدا . قال البغوي وغيره : وكذا البدوي إذا خرج منتجعا . على أنه متى وجد مكانا معشبا أقام به لم يجز له الترخص .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا كان السفر مسيرة ثلاثة أيام فالقصر أفضل من الاتمام لما روى عمران بن الحصين قال : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي ركعتين ركعتين وسافرت مع أبي بكر فكان يصلي ركعتين حتى ذهب ، وسافرت مع عمر فكان يصلي ركعتين حتى ذهب . وسافر مع عثمان فصلى ركعتين ست سنين ثم أتم بمنى فكان الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ، فإن ترك القصر وأتم جاز لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت ، وقصر وأتمت ، فقلت : يا رسول الله أفطرت وصمت ، وقصرت وأتممت ، فقال أحسنت يا عائشة ولأنه تخفيف أبيح للمسافر فجاز تركه كالمسح على الخفين ثلاثا . + الشرح : حديث عمران صحيح رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، ورواه البخاري ومسلم من رواية ابن مسعود وابن عمر بمعناه . وأما حديث عائشة فرواه النسائي والدارقطني والبيهقي بإسناد حسن أو صحيح . قال البيهقي في السنن الكبرى قال الدارقطني : إسناده حسن . وقال في معرفة السنن والآثار : هو إسناد صحيح لكن لم يقع في رواية النسائي عمرة رمضان ، والمشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر إلا أربع عمر ليس منهن شيء في رمضان ، بل كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته فكان إحرامها في ذي القعدة ، وفعلها في ذي الحجة ، هذا هو المعروف في الصحيحين وغيرهما والله أعلم . وقوله : لأنه تخفيف أبيح للسفر قال القلعي : احترز بقوله : تخفيف عن الجمعة : فإن نقصانها عن أربع ليس للتخفيف . قال وقوله أبيح للسفر احتراز مما عفى عنه عن القصاص على الدية ، فإنه تخفيف ولا يجوز له تركه وبذل القصاص منه ، هكذا قاله القلعي ، والأظهر أنه احتراز من أكل الميتة فإنه تخفيف ولا يجوز له تركه لأنه ليس للسفر ، ويصلح أن يكون احترازا ممن غص بلقمة فلم يجد ما يسيغها به إلا خمرا فإنه يجب اساغتها ، وهو تخفيف لا للسفر . أما حكم المسألة : فمذهبنا جواز القصر والإتمام ، فإن كان سفره دون ثلاثة أيام فالأفضل الاتمام للخروج من خلاف أبي حنيفة وموافقيه كما سبق ، كذا إن كان يديم السفر بأهله في البحر فله القصر والأفضل الإتمام . وإن بلغ سفره مراحل وقد سبقت المسألة ، وقد نص الشافعي في الأم على أن الأفضل ترك القصر للخروج من خلاف العلماء ولأنه لا وطن له غيره ، واتفق أصحابنا على هذا . قال أصحابنا : ويستثنى أيضا من وجد من نفسه كراهة القصر لا رغبة عن السنة أو شكا في جوازه . قال الشافعي والأصحاب : القصر لهذا أفضل بلا خلاف ، بل يكره له الإتمام حتى تزول هذه الكراهة وهكذا الحكم في جميع الرخص في هذه الحالة ، وإن كان سفره ثلاثة أيام فصاعدا ، ولم يكن مدمن سفر البحر وغيره ولا بترك القصر رغبة عنه ، فهل الأفضل الإتمام أم القصر فيه ثلاث طرق أصحها : وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين : القصر أفضل . والثاني : حكاه جماعات من الخراسانيين ، وحكاه من العراقيين القاضي أبو الطيب و الماوردي وابن الصباغ وغيرهم فيه قولان ، وحكاهما الماوردي وجهين أصحهما : القصر أفضل والثاني : الإتمام أفضل ، وهو قول المزني قال الماوردي : وهو قول كثيرين من أصحابنا . قال القاضي أبو الطيب : نص عليه الشافعي في الجامع الكبير للمزني . والطريق الثالث : أنهما سواء في الفضيلة حكاه جماعة منهم الحناطي وصاحب البيان وغيرهما ، وسنوضح دليل المسألة في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما صوم رمضان في السفر لمن لا يتضرر به ففيه طريقان قطع العراقيون والجمهور بأنه أفضل من الإفطار لأنه يحصل براءة الذمة .
وحكى جماعة من الخراسانيين فيه قولين أصحهما : هذا والثاني : الفطر أفضل ، وسنوضح المسألة في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى . فرع : في بيان أقسام الرخص الشرعية هي أقسام أحدها : رخصة واجبة ولها صور منها : من غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلا خمرا وجبت اساغتها به وهي رخصة نص الشافعي على وجوبه ، واتفق الأصحاب عليه . ومنها أكل الميتة للمضطر رخصة واجبة على الصحيح ، وفيه وجه حكاه المصنف وغيره في بابه أنه لا يجب الثاني : رخصة تركها أفضل وهو المسح على الخف ، اتفق أصحابنا على أن غسل الرجل أفضل منه ، وسبقت المسألة بدليلها في بابه ، وكذلك ترك الجمع بين الصلاتين أفضل بالاتفاق ، كما سنوضحه في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى ، ومثله التيمم في حق من لم يجد الماء إلا بأكثر من ثمن المثل وهو واجد له يندب له أن يشتريه ويتوضأ ويترك رخصة التيمم ، وكذ الصوم في السفر لمن لا يتضرر به أفضل من الفطر على المذهب كما سبق ، وكذا اتيان الجمعة والجماعة لمن سقطت عنه بعذر سفر ونحوه الثالث : رخصة يندب فعلها وذلك صور منها القصر والإبراد بالظهر في شدة الحر على المذهب فيهما . فرع في مذاهب العلماء في القصر والإتمام قد ذكرنا أن مذهبنا أن القصر والإتمام جائزان وأن القصر أفضل من الإتمام وبهذا قال عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وعائشة وآخرون ، وحكاه العبدري عن هؤلاء ، وعن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس والحسن البصري ومالك وأحمد وأبي ثور وداود وهو مذهب أكثر العلماء ورواه البيهقي عن سلمان الفارسي في اثني عشر من الصحابة ، وعن أنس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود وابن المسيب وأبى قلابة . وقال أبو حنيفة والثوري وآخرون : القصر واجب . قال البغوي وهذا قول أكثر العلماء ، وليس كما قال . وحكى ابن المنذر وجوب القصر عن ابن عمر وابن عباس وجابر وعمر بن عبد العزيز ورواية عن مالك وأحمد ، قال أبو حنيفة : فإن صلى أربعا وقعد بعد الركعتين قدر التشهد صحت صلاته لأن السلام ليس بواجب عنده وتقع الأخيرتان نفلا وإن لم يقعد هذا القدر بعد الركعتين فصلاته باطلة . واحتج لمن أوجب القصر بأنه المشهور من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحديث عائشة قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر . قال الزهري . قلت لعروة فما بال عائشة تتم قال تأولت ما تأول عثمان رواه البخاري ومسلم . وعن عبد الرحمن ابن يزيد قال صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات : فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، ثم صليت مع أبي بكر بمنى ركعتين ، وصليت مع عمر بمنى ركعتين ، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان رواه البخاري ومسلم . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : صلاة الجمعة ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة السفر ركعتان ، تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم رواه أحمد بن حنبل في مسنده والنسائي وابن ماجه ، ولأنها صلاة يسقط فرضها بركعتين فلم يجز فيها الزيادة كالجمعة والصبح . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة النساء : 101 قال الشافعي ولا يستعمل لا جناح إلا في المباح كقوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم البقرة : 891 وقوله تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء النساء : 632 ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء البقرة : 532 ، ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا النور : 16 .
فإن قالوا هذه اللفظة تستعمل في الواجب أيضا قال الله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما البقرة : 851 ومعلوم أن السعي بينهما ركن من أركان الحج . فالجواب ما أجابت به عائشة رضي الله عنها ، وهو ثابت عنها في الصحيحين قالت أنزلت الآية في الأنصار كانوا قبل الإسلام يطوفون بين الصفا والمروة ، فلما أسلموا شكوا في جواز الطواف بينهما لأنه كان شعار الجاهلية ، فأنزل الله تعالى الآية جوابا لهم . واحتجوا من السنة بحديث عائشة المذكور في الكتاب ، وهو حديث حسن كما سبق عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما . قال البيهقي : قال الدارقطني : إسناده صحيح واحتجوا بحديث عبد الرحمن بن يزيد المقتدم في إتمام عثمان ، وولو كان القصر واجبا لما وافقوه على تركه ، وعن نافع عن ابن عمر قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وأبو بكر بعده وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدرا من خلافته ، ثم إن عثمان صلى بعد أربعا . قال : فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين رواه مسلم . قال أصحابنا : ولأن العلماء أجمعوا على أن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام ، ولو كان الواجب ركعتين حتما لما جاز فعلها أربعا خلف مسافر ولا حاضر كالصبح . فإن قالوا : الصبح لا يصح فعلها خلف الظهر عندنا ، قلنا فكذا ينبغي لكم أن لا تصححوا الظهر في المسافر خلف متم ، ولأنه تخفيف أبيح للسفر فجاز تركه كالفطر والمسح ثلاثا وسائر الرخص . وأجاب أصحابنا عن قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ثبت عنه القصر والإتمام كما ذكرنا من فعله ومن اقراره لعائشة ، فدل على جوازهما ، لكن القصر كان أكثر فدل على فضيلته ، ونحن نقول بها ، والجواب عن حديث فرضت الصلاة ركعتين أن معناه لمن أراد الاقتصار عليهما ويتعين المصير إلى هذا التأويل جمعا بين الأدلة ويؤيده أن عائشة روته وأتمت وتأولت ما تأول عثمان ، وتأويلهما أنهما رأياه جائزا هذا هو الصحيح عند العلماء في تأويله ، وقد قيل فيه غير ذلك مما لا يصح ، وقد أوضحت فساده في شرح صحيح مسلم ، ولأن المخالفين أضمروا فيه : أمرت صلاة السفر إذا لم يقتد بمقيم ، وأضمرنا فيه : إذا أراد القصر ، وليس إضمارهم بأولى من إضمارنا ، ومما يوجب تأويله أن ظاهره أن الركعتين في السفر أصل لا مقصورة ، وإنما صلاة الحضر زائدة ، وهذا مخالف لنص القرآن واجماع المسلمين في تسميتها مقصورة ، ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو اجماعا وجب ترك ظاهره . وأما الجواب عن حديث عمر رضي الله عنه صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر فهو أن معناه صلاة السفر ركعتان لمن أراد الاقتصار عليهما بخلاف الحضر وقوله تمام غير قصر معناه تامة الأجر ، هذا إذا سلمنا صحة الحديث . وهو المختار ، وإلا فقد أشار النسائي إلى تضعيفه فقال : لم يسمعه ابن أبي ليلى من عمر ولكن قد رواه البيهقي عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن عمر بإسناد صحيح لكن ليس في هذه الرواية : قوله على لسان نبيكم وهو ثابت في باقي الروايات . وأما الجواب عن قياسهم على الجمعة والصبح فالفرق أن الجمعة والصبح شرعتا ركعتين من أصلهما لا يقبلان تغييرا بحال بخلاف صلاة السفر فإنها تقبل الزيادة ، بدليل أنه لو اقتدى بمقيم لزمه أربع ، وليس كذلك الجمعة والصبح ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز القصر إلا في سفر ليس بمعصية ، فأما إذا سافر لمعصية كالسفر لقطع الطريق أو قتال المسلمين فلا يجوز القصر ولا الترخص بشيء من رخص المسافرين ، لأن الرخص لا يجوز أن تعلق بالمعاصي ، ولأن في جواز الرخص في سفر المعصية إعانة على المعصية وهذا لا يجوز . + الشرح : قال أصحابنا : إذا خرج مسافرا عاصيا بسفره بأن خرج لقطع الطريق أو لقتال المسلمين ظلما أو آبقا من سيده أو ناشزة من زوجها أو متغيبا عن غريمه مع قدرته على قضاء دينه ونحو ذلك لم يجز له أن يترخص بالقصر ولا غيره من رخص السفر بلا خلاف عند أصحابنا إلا المزني فجوز له ذلك ، وإلا التيمم فقد سبق في بابه أن في العاصي بسفره ثلاثة أوجه أصحها : يلزمه التيمم وإعادة الصلاة والثاني : يلزمه التيمم ولا إعادة والثالث : يحرم التيمم ويجب القضاء ويعاقب على ترك الصلاة ويكون كتاركها مع تمكنه من الطهارة ، لأنه قادر على استباحتها بالتيمم بأن يتوب ويستبيح التيمم وسائر الرخص . هذا كله فيمن خرج عاصيا بسفره ، فأما من خرج بنية سفر مباح ثم نقله إلى معصية ففيه وجهان مشهوران حكاهما الشيخ أبو حامد و البندنيجي وجماعة من العراقيين وإمام الحرمين وجماعات من الخراسانيين . أحدهما : يترخص بالقصر وغيره لأن السفر انعقد مباحا مرخصا فلا يتغير قال إمام الحرمين : وهذا ظاهر النص وأصحهما : لا يترخص من حين نوى المعصية لأن سفر المعصية ينافي الترخص ، وممن صححه القاضي أبو علي البندنيجي والرافعي ، قال صاحب البيان : وهذه المسألة تشبه من سافر مباحا إلى مقصد معلوم ثم نوى في طريقه أن لقيت فلانا رجعت . فهل له استدامة الترخص فيه وجهان . أما إذا أنشأ سفر معصية ثم تاب في أثناء طريقه ونوى سفرا مباحا واستمر في طريقه إلى مقصده الأول ففيه طريقان أصحهما : وبه قطع الأكثرون أن ابتداء سفره من ذلك الموضع فإن كان منه إلى مقصده مرحلتان ترخص بالقصر وغيره ، وإلا فلا . والثاني : حكاه إمام الحرمين عن شيخه أن طرءان سفر الطاعة كطرءان نية سفر المعصية فيكون فيه الوجهان ، هذا كله في العاصي بسفره ، أما العاصي في سفره وهو من خرج في سفر مباح وقصد صحيح ثم ارتكب معاصي في طريقه كشرب الخمر وغيره ، فله الترخص بالقصر وغيره بلا خلاف . لأنه ليس ممنوعا من السفر ، وإنما يمنع من المعصية بخلاف العاصي بسفره . فرع : ليس للعاصي بسفره أكل الميتة عند الضرورة ، هذا هو المذهب ، وبه قطع جماهير الأصحاب ، لأنه تخفيف فلا يستبيحه العاصي بسفره ، وهو قادر على استباحته بالتوبة ، وحكى إمام الحرمين وغيره وجها أنه يجوز لأنه إحياء نفس مشرفة على الهلاك وأما المقيم العاصي إذا اضطر إلى الميتة فيباح له ، هذا هو المذهب ، وبه قطع جمهور الأصحاب ، وحكى البغوي وغيره وجها أنها لا تباح له حتى يتوب . فرع : قال أصحابنا : مما يلحق بسفر المعصية أن يتعب نفسه ويعذب دابته بالركض لغير غرض ، قال الصيدلاني وغيره : وهو حرام ، ولو انتقل من بلد إلى بلد بلا غرض صحيح لم يترخص ، قال الشيخ أبو محمد : السفر لمجرد رؤية البلاد ليس بغرض صحيح فلا يترخص . فرع في مذاهب العلماء مذهبنا جواز القصر في كل سفر ليس معصية سواء الواجب والطاعة والمباح كسفر التجارة ونحوها ولا يجوز في سفر معصية وبهذا قال مالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .
وقال ابن مسعود : لا يجوز القصر إلا في سفر حج أو غزو وفي رواية عنه : لا يجوز إلا في سفر واجب وعن عطاء رواية أنه لا يجوز إلا في سفر طاعة ، ولا يشترط كونه واجبا ، ورواية كمذهبنا ، وقال الأوزاعي و أبو حنيفة والثوري والمزني : يجوز القصر في سفر المعصية وغيره ، دليلنا على الأولين اطلاق النصوص وعلى الآخرين قوله تعالى : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم المائدة : 3 وأيضا ما ذكره المصنف ، وجميع رخص السفر لها حكم القصر في هذا فلا يستبيح العاصي بسفره شيئا حتى يتوب ، ومنها أكل الميتة وجوزه له أبو حنيفة دليلنا الآية .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز القصر إلا أن يفارق موضع الإقامة لقوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة النساء : 101 فعلق القصر على الضرب في الأرض ، فإن كان من أهل بلد لم يقصر حتى يفارق بنيان البلد ، فإن اتصل حيطان البساتين بحيطان البلد ففارق بنيان البلد جاز له القصر لأن البساتين ليست من البلد ، وإن كان من قرية وبجنبها قرية ففارق قريته جاز له القصر . وقال أبو العباس : إن كانت القريتان متقاربتين فهما كالقرية الواحدة فلا يقصر حتى يفارقهما ، والمذهب الأول لأن إحدى القريتين منفردة عن الأخرى وإن كان من أهل الخيام ، فإن كانت خياما مجتمعة لم يقصر حتى يفارق جميعها ، وإن كانت متفرقة قصر إذا فارق ما يقرب من خيمته قال في البويطي : فإن خرجوا من البلد وأقاموا في موضع حتى يجتمعوا ويخرجوا لم يجز لهم القصر لأنهم لم يقطعوا بالسفر ، وإن قالوا : ننتظر يومين وثلاثة فإن لم يجتمعوا سرنا ، جاز لهم أن يقصروا لأنهم قطعوا بالسفر . + الشرح : قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : إن سافر من بلد له سور مختص به اشترط مجاوزة السور سواء كان داخله بساتين ومزارع أم لم يكن لأنه لا يعد مسافرا قبل مجاوزته ، فإذا فارق السور ترخص بالقصر وغيره بمجرد مفارقته ، حتى قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : إذا صار خارج البلد ترخص ، وإن كان ظهره إلى السور يعني ملصقا به ، ولا فرق بين أن يكون خارج السور دور ومقابر متصلة به أم لا ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه حكاه الرافعي وغيره أنه إن كان خارج السور دور أو مقابر ملاصقة اشترط مجاوزتها ، والصحيح الأول ، وعجب من الرافعي في المحرر ترجيحه الثاني مع ترجيحه الأول في الشرح والله أعلم . فإن لم يكن للبلد سور أو كان له سور في بعضه ولم يكن في صوب مقصده فابتداء سفره بمفارقة العمران حتى لا يبقى بيت متصل ولا منفصل والخراب المتخلل للعمران معدود من البلد ، وكذا النهر الحائل بين جانبي بلد يشترط مجاوزة الجانب الآخر ، فإن كان في أطراف البلد مساكن خربت وخلت من السكان ولا عمارة وراءها ، فإن اتخذوا موضعها مزارع أو هجروه بالتحويط على العامر وذهبت أصول الحيطان لم يشترط مجاوزته بلا خلاف . وإن لم يتخذوه مزارع ولا حوطوا على العامر وبقيت أصوله فوجهان أحدهما : لا يشترط مجاوزته مطلقا لأنه ليس مسكونا فأشبه الصحراء والثاني : وهو الصحيح ، وبه قطع العراقيون أو جمهورهم والشيخ أبو محمد الجويني وغيره من الخراسانيين أنه يشترط لأنه يعد من البلاد . أما البساتين والمزارع المتصلة بالبلد فلا يشترط مجاوزتها وإن كانت محوطة . هذا هو الصحيح ، وبه قطع المصنف والجمهور في الطريقتين وحكى المتولي والرافعي وجها أنه يشترط ، وليس بشيء قال الرافعي : فإن كان في البساتين دور أو قصور يسكنها ملاكها بعض فصول السنة اشترط مجاوزتها . هكذا قاله وفيه نظر ، ولم يتعرض له الجمهور ، والظاهر أنه لا يشترط لأنها ليست من البلد فلا يصير منه بإقامة بعض الناس فيها بعض الفصول . قال أصحابنا : لو كان للبلد جانبين بينهما نهر كبغداد فعبر المنشيء للسفر من أحدهما إلى الآخر لم يجز القصر حتى يفارق البنيان في الجانب الثاني . لأنهما بلد واحد . قال القاضي أبو الطيب : ولهذا قال أصحابنا : لو كان بين الجانبين ميدان لم يقصر حتى يجاوز جميع بنيان الجانب الآخر ، وكذا نقله الشيخ أبو حامد أيضا عن الأصحاب ولا خلاف فيه . هذا حكم البلدة الكبيرة ، وأما القرية الصغيرة فقال الرافعي : لها حكم البلدة في كل ما ذكرناه فلا يشترط فيها مجاوزة المزارع المحوطة ولا البساتين .
هذا هو الصواب الذي قاله العراقيون وغيرهم ، وشذ الغزالي عن الأصحاب فقال : إن كانت البساتين أو المزارع محوطة اشترط مجاوزتها وقال إمام الحرمين : لا يشترط مجاوزة المزارع المحوطة ولا البساتين غير المحوطة ، ويشترط مجاوزة البساتين المحوطة . هذا كلام الرافعي ، والمذهب أن القرية كالبلدة فلا يشترط مجاوزة البساتين والمزارع المحوطة ، ويجىء فيها وجه المتولي أما إذا كانت قريتان ليس بينهما انفصال فهما كمحلتين من قرية فيشترط مجاوزتهما بالاتفاق ، وقد نبه عليه المصنف بقوله : لأن إحدى القريتين منفردة عن الأخرى . قال إمام الحرمين وفيه احتمال . وإن انفصلت احداهما عن الأخرى فجاوز قريته جاز القصر ، سواء قربت الأخرى منها أم بعدت . وقال ابن سريج إذا تقاربتا اشترط مفارقتهما والصحيح عند الأصحاب هو الأول . وقال صاحب الحاوي : حتى لو كان بينهما ذراع لم يشترط مجاوزة الأخرى ، بل يقصر بمفارقة قريته . قال الرافعي : ولو جمع سور قرى متفاصلة لم يشترط مجاوزة السور ، وكذا لو قدر ذلك في بلدتين متقاربتين ، ولهذا قلنا أولا : إن ارتحل من بلدة لها سور مختص بها ، وأما المقيم في الصحراء فيشترط مفارقته للبقعة التي يكون فيها رحله وينسب إليه فإن سكن واديا وسار في عرضه فلا بد من مجاوزة عرضه ، نص عليه الشافعي ، قال الأصحاب هذا محمول على الاتساع المعتاد في الأودية ، فإن أفرطت سعته لم يشترط إلا مجاوزة القدر الذي يعد موضع نزوله أو موضع الحلة التي هو منها ، كما لو سافر في طول الوادي فإنه يكفيه ذلك القدر بلا خلاف . وقال القاضي أبو الطيب : كلام الشافعي على ظاهره ويشترط مجاوزة عرضه مطلقا ، وجانبا الوادي كسور البلد ، والمذهب الأول وبه قطع الجمهور ، ولو كان نازلا في ربوة اشترط أن يهبط منها ، وإن كان في وهدة اشترط أن يصعد ، وهذا إذا كانتا معتدلتين كما ذكرنا في الوادي ، ولا فرق في اعتبار مجاوزة عرض الوادي والهبوط والصعود ، بين المنفرد في خيمة ، ومن هو في جماعة أهل خيام ، على التفصيل المذكور . قال أصحابنا : ولو كان من أهل خيام فإنما يترخص إذا فارق الخيام كلها مجتمعة كانت أو متفرقة إذا كانت حلة واحدة ، وهي بمنزلة أبنية البلد ، ولا يشترط مفارقته لحلة أخرى بل الحلتان كبلدتين متقاربتين ، وضبط الصيدلاني التفرق الذي لا يؤثر بأن يكونوا بحيث يجتمعون للسمر في ناد واحد ويستعير بعضهم من بعض فإن كانوا هكذا فهي حلة واحدة قال أصحابنا . ويشترط مع مجاوزة الخيام مجاوزة مرافقها كمطرح الرماد وملعب الصبيان والنادي ومراح الإبل لأنها من موضع إقامتهم ولنا وجه شاذ ضعيف أنه لا يشترط مفارقة الخيام بل يكفي مفارقة خيمته حكاه الرافعي وغيره . فرع في مذاهب العلماء ذكرنا أن مذهبنا إذا فارق بنيان البلد قصر ، ولا يقصر قبل مفارقتها ، وإن فارق منزله وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء ، وحكى ابن المنذر عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله ، وفيهم الأسود بن يزيد وغيره واحد من أصحاب ابن مسعود ، قال : وروينا معناه عن عطاء وسليمان بن موسى قال : وقال مجاهد : لا يقصر المسافر نهارا حتى يدخل الليل ، قال ابن المنذر : لا نعلم أحدا وافقه . وحكى القاضي أبو الطيب وغيره عن مجاهد أنه قال : إن خرج بالنهار لم يقصر حتى يدخل الليل وإن خرج بالليل لم يقصر حتى يدخل النهار ، وعن عطاء أنه قال : إذا جاوز حيطان داره فله القصر ، فهذان المذهبان فاسدان فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة حين خرج من المدينة ، ومذهب عطاء وموافقيه منابذ لاسم السفر .