Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Sección V04/P396–V04/P398

ويحرم على المرأة أن تتشبه بالرجل في ذلك ، وقد سبقت هذه المسألة في هذا الباب وذكرنا كلام صاحب المعتمد فيها ودعواه أنه مكروه وليس بحرام ورددناه عليه ، ومما استدلوا به للتحريم حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال رواه البخاري ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة ، والمرأة تلبس لبسة الرجل رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وعن ابن أبي مليكة قال : قيل لعائشة : إن امرأة تلبس النعل فقالت : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجلة من النساء رواه أبو داود بإسناد حسن ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقرة يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا رواه مسلم . قيل : معنى كاسيات أي من نعمة الله عاريات من شكرها ، وقيل : معناه تستر بعض بدنها وتكشف بعضه اظهارا لجمالها ونحوه ، وقيل تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها وهو المختار ، ومعنى مائلات عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه ، مميلات أي يعلمن غيرهن فعلهن المذموم ، وقيل يمشين متبخترات مميلات لأكتافهن ، وقيل مائلات يمتشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا ، ومميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة ، ومعنى رؤوسهن كأسنمة البخت ، أي يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو نحوها والله أعلم . المسألة الحادية والعشرون : يستحب إذا جلس أن يخلع نعليه ونحوهما ، وأن يجعلهما وراءه أو بجنبه إلا لعذر كخوف عليهما أو غيره ، لحديث ابن عباس قال : من السنة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيجعلهما بجنبه رواه أبو داود بإسناد حسن . المسألة الثانية والعشرون : يجوز اتخاذ الستور على الأبواب ونحوها إذا لم تكن حريرا ولا فيها صور محرمة للأحاديث الصحيحة المشهورة فيها . الثالثة والعشرون : يجوز القعود متربعا ومفترشا ومتروكا ومحتبيا والقرفصاء والإستلقاء على القفا ، ومد الرجل ، وغير ذلك من هيئات القعود ونحوها ، ولا كراهة في شيء من ذلك إذا لم يكشف عورته ، ولم يمد رجله بحضرة الناس وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على ذلك منها : حديث ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة محتبيا بيديه ، ووصف بيديه الاحتباء ، وهو القرفصاء رواه البخاري ، وعن عبد الله بن زيد أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا احدى رجليه على الأخرى رواه البخاري ومسلم . وعن جابر بن سمرة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة ، وعن الشريد بن سويد قال : مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس هكذا ، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري ، و اتكأت على إلية يدي فقال : أتقعد قعدة المغضوب عليهم رواه أبو داود بإسناد صحيح .

Sección V04/P398–V04/P400

المسألة الرابعة والعشرون : إذا أراد النوم استحب أن يضطجع على شقه الأيمن ، وكذا يستحب في كل اضطجاع أن يكون على شقه الأيمن ، ويكره الاضطجاع على بطنه ، ويستحب أن يكون على وضوء ، وأن يذكر الله تعالى ، وأفضل أذكار هذا الموضع ما ثبت في الأحاديث منها : حديث البراء قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا آوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال : اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، ونبيك الذي أرسلترواه البخاري بهذا اللفظ ، وفي رواية له في كتاب الأدب من صحيحه ، ورواه هو ومسلم من طرق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للبراء إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل وذكر نحوه وفيه واجعلهن آخر ما تقول وعن حذيفة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول : اللهم باسمك أموت وأحيا ، وإذا استيقظ قال : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور رواه البخاري ، وعن عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن رواه البخاري ومسلم عن طخفة الغفاري بطاء مهملة مكسورة ثم خاء معجمة ساكنة ثم فاء قال بينما أنا مضطجع في المسجد على بطني إذا رجل يحركني برجله ، فقال : إن هذه ضجعة يبغضها الله فنظرت ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود بإسناد صحيح . المسألة الخامسة والعشرون : يكره لمن قعد في مكان أن يفارقه قبل أن يذكر الله تعالى فيه لحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قعد مقعدا لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة ، ومن اضطجع مضجعا لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة رواه أبو داود بإسناد حسن ، الترة بكسر المثناة من فوق النقص ، وقيل التبعة ، وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيهم فيه إلا كان عليهم ترة ، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم رواه الترمذي وقال حديث حسن . المسألة السادسة والعشرون : في آداب المجلس والجليس . عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن تفسحوا وتوسعوا . وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه رواه البخاري ومسلم . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن . وفي رواية لأبي داود ولا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما وعن سمرة قال : كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهي رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وعن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من جلس وسط الحلقة رواه أبو داود بإسناد حسن ، وفي رواية الترمذي بمعناه ، وقال حديث حسن صحيح .

Sección V04/P400–V04/P402

وعن أبي سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خير المجالس أوسعها رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم : سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر ما كان في مجلسه ذاك رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وفي هذا الفصل أحاديث كثيرة صحيحة ، وقد ذكرت منها جملة في كتاب الأذكار والرياض . المسألة السابعة والعشرون : روى البخاري في صحيحه في باب ما ذكر في بني إسرائيل وكان من كتاب الأنبياء عن عائشة أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته وتقول إن اليهود تفعله . المسألة الثامنة والعشرون : في آداب تتعلق بالرؤبا في المنام . & باب صلاة الجمعة & هي بضم الميم وإسكانها وفتحها . حكاهن الواحدي عن الفراء والمشهور الضم وبه قريء في السبع ، والإسكان تخفيف منه ، ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناس ، كما يقال : همزة وضحكة للمكثر من ذلك قال : والفتح لغة بني عقيل . وقال الزمخشري : قريء في الشواذ باللغات الثلاث ، وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية العروبة . قال الواحدي : وكان يسمى عروبة والعروبة ولهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى : ويوم الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت ، وأراد إيضاحه لمن يعرف العروبة ولا يعرف الجمعة . وبهذا التفسير يظهر خطأ من اعترض على الشافعي في هذا ، وزعم أنه إخبار بالمعلوم وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة وزاد مالك في الموطأ وأبو داود وغيرهما بأسانيد على شرط البخاري ومسلم وفيه تيب عليه وفيه مات وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس قوله مصيخة بالخاء المعجمة ، وفي رواية أبي داود مسيخة بالسين ، أي مصغية ، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له ، فهم لنا فيه تبع ، اليهود غدا والنصارى بعد غد رواه البخاري ومسلم . قيل : معنى بيد أنهم غير أنهم ، وقيل مع أنهم ، وقال سعيد بن المسيب : أحب الأيام أن أموت فيه ضحى يوم الجمعة .

Sección V04/P402–V04/P403

قال المصنف رحمه الله تعالى : صلاة الجمعة واجبة لما روى جابر رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اعلموا أن الله تعالى فرض عليكم الجمعة ، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل أو جائر استخفافا أو جحودا فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره . + الشرح : هذا الحديث رواه ابن ماجه والبيهقي وضعفه ، وهو بعض من حديث طويل فيه قواعد من الأحكام ، لكنه ضعيف ، في إسناده ضعيفان ويغني عنه قول الله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله الجمعة : 9 وحديث طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة : عبد مملوك ، وامرأة أو صبي ، أو مريض رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، إلا أن أبا داود قال : طارق بن شهاب رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا . وهذا الذي قاله أبو داود لا يقدح في صحة الحديث ، لأنه إن ثبت عدم سماعه يكون مرسل صحابي ومرسل الصحابي حجة عند أصحابنا ، وجميع العلماء إلا أبا إسحاق الإسفراييني . وعن حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رواح الجمعة واجب على كل محتلم رواه النسائي صحيح على شرط مسلم . أما حكم المسألة : فالجمعة فرض عين على كل مكلف غير أصحاب الأعذار والنقص المذكورين . هذا هو المذهب وهو المنصوص للشافعي في كتبه ، وقطع به الأصحاب في جميع الطرق إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وصاحب الشامل وغيرهما عن بعض الأصحاب أنه غلط ، فقال : هي فرض كفاية ، قالوا : وسبب غلطه أن الشافعي قال : من وجبت عليه الجمعة وجبت عليه صلاة العيدين قالوا : وغلط من فهمه لأن مراد الشافعي من خوطب بالجمعة وجوبا خوطب بالعيدين متأكدا ، واتفق القاضي أبو الطيب وسائر من حكى هذا الوجه على غلط قائله ، قال القاضي أبو إسحاق المروزي : لا يحل أن يحكي هذا عن الشافعي ، ولا يختلف أن مذهب الشافعي أن الجمعة فرض عين ونقل ابن المنذر في كتابيه كتاب الإجماع وكتاب الأشراف إجماع المسلمين على وجوب الجمعة ، ودليل وجوبها ما سبق ، وذكر الشيخ أبو حامد في تعليقه أن الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة ، وفيما قاله نظر .

Sección V04/P403–V04/P404

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تجب الجمعة على صبي ولا مجنون ، لأنه لا تجب عليهما سائر الصلوات فالجمعة أولى ، ولا تجب على المرأة لما روى جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا على امرأة أو مسافر أو عبد أو مريض ولأنها تختلط بالرجال وذلك لا يجوز . + الشرح : حديث جابر رواه أبو داود والبيهقي وفي إسناده ضعف ، ولكن له شواهد ذكرها البيهقي وغيره ، ويغني عنه حديث طارق بن شهاب السابق والإجماع ، فقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع أن المرأة لا جمعة عليها ، وقوله : ولأنها تختلط بالرجال وذلك لا يجوز ، ليس كما قال فإنها لا يلزم من حضورها الجمعة الاختلاط ، بل تكون وراءهم . وقد نقل ابن المنذر وغيره الاجماع على أنها لو حضرت وصلت الجمعة جاز ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة المستفيضة أن النساء كن يصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده خلف الرجال ولأن اختلاط النساء بالرجال إذا لم يكن خلوة ليس بحرام . أما حكم الفصل : فقال أصحابنا : من لا يلزمه الظهر لا تلزمه الجمعة ، ومن يلزمه الظهر تلزمه الجمعة ، إلا أصحاب الأعذار المذكورين ، فلا تجب على صبي ولا مجنون ولا مغمي عليه ، وسائر من زال عقله أو انغمر بسبب غير محرم ، ويجب على السكران ومن زال عقله بسبب محرم ، وقد سبق تفصيله وتفريعه في أول كتاب الصلاة ، والكافر الأصلي لا يطالب بها ، وهل هو مخاطب بها تزاد في عقوبته بسببها في الآخرة فيه خلاف سبق في أول كتاب الصلاة والصحيح أنه مخاطب . وتجب على المرتد ولا تصح منه ، ودليل عدم الوجوب في الصبي والمجنون والكافر سبق هناك ، ولا تجب على امرأة بالإجماع . قال أصحابنا : ولا تجب على الخنثى المشكل للشك في الوجوب . وممن صرح به القاضي أبو الفتوح والبغوي وصاحب البيان قال البندنيجي : يستحب للعجوز حضور الجمعة . قال : ويكره للشابة حضور جميع الصلوات مع الرجال إلا العيدين .

Sección V04/P404–V04/P405

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تجب على المسافر للخبر ، ولأنه مشغول بالسفر وأسبابه ، فلو أوجبنا عليه انقطع عنه ، ولا تجب على العبد للخبر ، ولأنه ينقطع عن خدمة مولاه ، ولا تجب على المريض للخبر ، ولأنه يشق عليه القصد ، وأما الأعمى فإنه إن كان له قائد لزمته ، وإن لم يكن له قائد لم تلزمه لأنه يخاف الضرر مع عدم القائد ، ولا يخاف مع القائد . + الشرح : في هذه القطعة مسائل إحداها : لا تجب الجمعة على المسافر هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، وحكاه ابن المنذر وغيره عن أكثر العلماء ، وقال الزهري والنخعي : إذا سمع النداء لزمته ، قال أصحابنا : ويستحب له الجمعة للخروج من الخلاف ، ولأنها أكمل ، هذا إذا أمكنه . قال أصحابنا : ويستحب أيضا للخنثى والصبي ، واتفق أصحابنا على سقوط الجمعة عن المسافر ، ولو كان سفره قصيرا ، وقد سبق بيانه في مواضع ، فإن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج لزمته بلا خلاف ، وفي انعقادها به خلاف ذكره المصنف بعد هذا ، وإن نوى إقامة دون أربعة أيام فلا جمعة عليه هذا كله في غير سفر المعصية ، أما سفر المعصية فلا تسقط الجمعة بلا خلاف ، ، وقد سبق بيانه في صلاة المسافر وباب مسح الخف وغيرهما . المسألة الثانية : لا تجب على العبد ولا المكاتب وسواء المدبر وغيره ، هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء ، قال ابن المنذر : أكثر العلماء على أن العبد والمدبر والمكاتب لا جمعة عليهم ، وهو قول عطاء و الشعبي والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومالك وأهل المدينة ، والثوري وأهل الكوفة وأحمد وإسحاق وأبي ثور . قال : قال بعض العلماء : تجب الجمعة على العبد ، فإن منعه السيد فله التخلف ، وعن الحسن وقتادة والأوزاعي وجوبها على عبد يؤدي الضريبة وهو الخراج ، وقال داود : تجب عليه مطلقا ، وهي رواية عن أحمد ، دليلنا حديث طارق بن شهاب السابق ، وأما من بعضه حر وبعضه رقيق فلا جمعة عليه على الصحيح ، وبه قطع الجمهور ، وسواء كان بين وبين سيده مهايأة أم لا ، وفيه وجه مشهور حكاه جماعة من الخراسانيين أنه إن كان بينه وبين سيده مهايأة وصادف يوم الجمعة حريته لزمته وهو ضعيف ، لأن له حكم العبد في معظم الأحكام ، ولا خلاف أنه لا تنعقد به الجمعة ، قال أصحابنا ويستحب للسيد أن يأذن له فيها وحينئذ يستحب له حضورها ولا تجب . المسألة الثالثة : لا تجب الجمعة على المريض سواء فاتت الجمعة على أهل القرية بتخلفه لنقصان العدد أم لا لحديث طارق وغيره . قال البندنيجي : لو تكلف المريض المشقة وحضر كان أفضل ، قال أصحابنا : المرض المسقط للجمعة هو الذي يلحق صاحبه بقصد الجمعة مشقة ظاهرة غير محتملة . قال المتولي : ويلتحق بالمريض في هذا من به اسهال كثير ، قال : إن كان بحيث لا يضبط نفسه حرم عليه حضور الجماعة ، لأنه لا يؤمن تلويثه المسجد ، قال إمام الحرمين : فهذا المرض المسقط للجمعة أخف من المرض المسقط للقيام في الفريضة ، وهو معتبر بمشقة الوحل والمطر ونحوهما . المسألة الرابعة : الأعمى إن وجد قائدا متبرعا أو بأجرة المثل وهو واجدها لزمته الجمعة وإلا فلا تجب عليه ، هكذا أطلقه المصنف والجمهور ، وقال القاضي حسين والمتولي : تلزمه إن أحسن المشي بالعصا بلا قائد ، هذا تفصيل مذهبنا ، وممن قال بوجوب الجمعة على الأعمى الذي يجد قائدا . مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد وداود وقال أبو حنيفة : لا تجب .

Sección V04/P405

فرع : قال أصحابنا : تجب الجمعة على الزمن إن وجد مركوبا ملكا ، أو بإجارة أو إعارة ، ولم يشق عليه الركوب وإلا فلا تلزمه ، قالوا : والشيخ الهرم العاجز عن المشي له حكم الزمن .

Sección V04/P405–V04/P407

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تجب على المقيم في موضع لا يسمع النداء من البلد الذي تقام فيها الجمعة أو القرية التي تقام فيها الجمعة لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجمعة على من سمع النداء والاعتبار في سماع النداء أن يقف المؤذن في طرف البلد والأصوات هادئة ، والريح ساكنة ، وهو مستمع ، فإذا سمع لزمه وإن لم يسمع لم يلزمه . + الشرح : هذا الحديث رواه أبو داود وغيره . قال أبو داود : وروي موقوفا على ابن عمرو ، والذي رفعه ثقة . قال البيهقي وله شاهد فذكر حديثا شاهدا له وراوي الحديث الذي ذكره المصنف عبد الله بن عمرو بن العاص ، وإنما نبهت عليه لئلا يصحف بابن عمر بن الخطاب ، وفي النداء لغتان كسر النون وضمها والكسر أفصح وأشهر . قال الشافعي والأصحاب : إذا كان في البلد أربعون فصاعدا من أهل الكمال وجبت الجمعة على كل من فيه وإن اتسعت خطة البلد فراسخ ، وسواء سمع النداء أم لا وهذا مجمع عليه ، أما المقيمون في غير قرية ونحوها فإن بلغوا أربعين من أهل الكمال لزمتهم الجمعة بلا خلاف ، فإن فعلوها في قريتهم فقد أحسنوا ، وإذا دخلوا البلد وصلوها مع أهله سقط الفرض عنهم . قال الشافعي والأصحاب : وكانوا مسيئين بتعطيلهم الجمعة في قريتهم ، هذا هو المذهب ، وفيه وجه ضعيف حكاه . . . . والرافعي أنهم غير مسيئين ، لأن أبا حنيفة لا يجوز الجمعة في قرية ففيما فعلوه خروج من الخلاف ، وغلط الأصحاب قائله . أما إذا نقصوا عن أربعين من أهل الكمال فلهم حالان . أحدهما : أن لا يبلغهم النداء من قرية تقام فيها جمعة فلا جمعة عليهم ، حتى لو كانت قريتان أو قرى متقاربة يبلغ بعضها النداء من بعضها ، وكل واحدة ينقص أهلها عن أربعين لم تصح الجمعة بإجتماعهم في بعضها بلا خلاف لأنهم غير متوطنين في محل الجمعة . الثاني : أن يبلغهم النداء من قرية أو بلدة تقام فيها الجمعة فيلزمهم الجمعة قال الشافعي والأصحاب : المعتبر نداء رجل عالي الصوت يقف على طرف البلد من الجانب الذي يلي تلك القرية ، ويؤذن والأصوات هادئة والرياح ساكنة ، فإذا سمع صوته من وقف في طرف تلك القرية الذي يلي بلد الجمعة وقد أصغى إليه ولم يكن في سمعه خلل ولا جاوز سمعه في الجودة عادة الناس وجبت الجمعة على كل من في القرية وإلا فلا ، وفي وجه مشهور أن المعتبر أن يقف في وسط البلد الذي فيه الجمعة . ووجه ثالث : المعتبر وقوفه في نفس الموضع الذي يصلي فيه الجمعة ، واتفق الأصحاب على ضعف الوجهين . قال إمام الحرمين : هذا الوجه ساقط لأن البلد قد يتسع خطته بحيث إذا وقف المنادي في وسط لا يسمعه الطرف ، فكيف يتعدى إلى قرية . قال أصحابنا : ولا يعتبر وقوفه على موضع عال كمنارة أو سور ونحوهما ، وهكذا أطلقه الأصحاب . وقال القاضي أبو الطيب : قال أصحابنا : لا يعتبر ذلك إلا أن يكون البلد كطبرستان فإنها بين غياض وأشجار تمنع الصوت ، فيعتبر فيها الارتفاع على شيء يعلو الغياض والأشجار ، ولو بلغ النداء من وقف في طرف القرية دون من وقف في وسطها لزم جميع أهل القرية الجمعة ، صرح به إمام الحرمين والمتولي وغيرهما ، لأن القرية الواحدة لا يختلف حكمها قال الإمام وغيره : ولو كان فيهم من جاوز العادة في حدة السماع فلا تعويل على سماعه .

Sección V04/P407–V04/P408

ولو كانت قرية على قلة جبل فسمع اهلها النداء لعلوها ، بحيث لو كانت على أرض مستوية لم يسمعوا ، أو كانت قرية في واد ونحوه لا يسمع أهلها النداء لانخفاضها ، ولو كانت على أرض مستوية لسمعوا فوجهان أصحهما : وبه قال القاضي أبو الطيب الاعتبار بتقدير الاستواء ، فلا تجب الجمعة على العالية ، وتجب على المنخفضة . والثاني : عكسه اعتبارا بنفس السماع ، وبه قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي أما إذا سمع أهل القرية الناقصون عن أربعين النداء من بلدين فأيهما حضروه جاز والأولى حضور أكثرهما جماعة ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء فيمن تجب عليه الجمعة إذا كان خارج البلد ونقص عددهم عن أربعين قد ذكرنا أن مذهبنا وجوبها على من بلغه نداء البلد دون غيره ، وبه قال ابن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق ، قال ابن المنذر : وقال ابن عمر بن الخطاب وأنس وأبو هريرة و معاوية والحسن ونافع مولى ابن عمر وعكرمة وعطاء والحاكم والأوزاعي وأبو ثور فتجب على من يمكنه إذا فعلها أن يرجع إلى أهله فيبيت فيهم ، وقال الزهري : تجب على من بينه وبين البلد ستة أميال . وقال مالك والليث : ثلاثة أميال وقال محمد بن المنذر وربيعة أربعة أميال ، وهي رواية عن الزهري ، وقال أبو حنيفة وسائر أهل الرأي ، لا تجب على من هو خارج البلد سواء سمع النداء أم لا . وحكى الشيخ أبو حامد عن عطاء أنها تجب على من هو على عشرة أميال . واحتج لأبي حنيفة بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر واحتج لابن عمر وموافقيه بحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة على من آواه الليل إلى أهله دليلنا حديث ابن عمرو بن العاص المذكور في الكتاب . وأما حديث لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر فجوابه من وجهين أحدهما : أنه ضعيف جدا والثاني : لو صح لكان معناه لا تصح إلا في مصر ، وأما حديث أبي هريرة فضعيف جدا ، وممن ضعفه الترمذي والبيهقي ، وفي إسناده رجل منكر الحديث وآخر مجهول ، قال الترمذي ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء .

Sección V04/P408–V04/P409

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تجب على خائف على نفسه أو ماله لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر قالوا : يا رسول الله وما العذر قال خوف أو مرض ولا تجب على من في طريقه إلى المسجد مطر تبتل به ثيابه لأنه يتأذى بالقصد ، ولا تجب على من له مريض يخاف ضياعه لأن حق المسلم آكد من فرض الجمعة ، ولا تجب على من له قريب أو صهر أو ذو ود يخاف موته ، لما روي أنه استصرخ على سعيد بن زيد وابن عمر يسعى إلى الجمعة فترك الجمعة ومضى إليه وذلك لما بينهما من القرابة فإنه ابن عمه ولأنه يلحقه بفوات ذلك من الألم أكثر مما يلحقه من مرض أو أخذ مال . + الشرح : حديث ابن عباس صحيح رواه أبو داود ، وسبق بيانه في باب صلاة الجماعة ، وحديث الاستصراخ على سعيد بن زيد رواه البخاري في صحيحه في الباب الثاني في فضل من شهد بدرا ، وقوله فإنه ابن عمه يعني مجازا فإنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وابن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل . وقوله استصرخ : هو من الصراخ وهو الصوت ، يقال صرخ يصرخ بضم الراء في المضارع وقوله ذو ود هو بضم الواو ، أي صديق . وقوله يخاف ضياعه : بفتح الضاد . أما الأحكام : فقال أصحابنا : كل عذر سقطت به الجماعة في غير الجمعة سقطت به الجمعة إلا الريح في الليل لعدم تصوره ، وفي الوحل ثلاثة أوجه عند الخراسانيين الصحيح : عنهم وبه قطع العراقيون وجماعات من الخراسانيين أنه عذر في الجمعة والجماعة . والثاني ليس بعذر فيها والثالث : هو عذر في الجماعة دون الجمعة حكاه الرافعي عن حكاية أبي المكارم صاحب العدة ، قال : وبه أفتى أئمة طبرستان وهذا غريب ضعيف ، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم جمعة ، يوم ردغ ، أي طين وزلق : لا تقل حي على الصلاة ، قل : الصلاة في الرحال ، وكأنهم أنكروا ذلك فقال : فعل هذا من هو خير مني ، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجمعة عزيمة ، وأني كرهت أن أخرجكم تمشون في الطين والدحض ، وفي رواية قال ذلك في يوم مطر . وهذه الرواية لا تقدح في الاحتجاج به لأنه ليس فيه أن المطر كان موجودا فلم يعلل سقوط الجمعة إلا بالطين ، والله أعلم . فهذا الذي ذكرته من الضابط هو الذي ذكره الأصحاب ، ويدخل في هذا الصور التي ذكرناها المصنف وغيرها مما سبق بيانه في باب صلاة الجماعة ، ولو قال المصنف : عبارة الأصحاب لكان أحسن وأخصر وأعم . أما التمريض فقال : إن كان للمريض متعهد يقوم بمصالحه وحاجته نظران كان ذا قرابة زوجة أو مملوكا أو صهرا أو صديقا ونحوهم فإن كان مشرفا على الموت أو غير مشرف لكن يستأنس بهذا الشخص حضره وسقطت عنه الجمعة بلا خلاف ، وإن لم يكن مشرفا ولا يستأنس به لم تسقط عنه على المذهب ، وفيه وجه حكاه الشيخ أبو حامد في تعليقه عن أبي علي بن أبي هريرة وحكاه أيضا الرافعي أنها تسقط لأن القلب متعلق به ، ولا يتقاصر عن عذر المطر ، وإن كان أجنبيا ليس له حق بوجه من الأمور السابقة لم تسقط الجمعة عن المتخلف عنده بلا خلاف ، هذا كله إذا كان له متعهد ، فإن لم يكن متعهدا قال إمام الحرمين وغيره : إن خاف هلاكه إن غاب عنه فهو عذر يسقط الجمعة ، سواء كان قريبا أو جنبيا ، قالوا : لأن انقاذ المسلم من الهلاك فرض كفاية .

Sección V04/P409

وإن كان يلحقه بغيبته ضرر ظاهر لا يبلغ دفعه مبلغ فروض الكفاية ففيه ثلاثة أوجه أصحها : أنه عذر أيضا والثاني : لا والثالث : عذر في القريب ونحوه دون الأجنبي ولو كان له متعهد لا يتفرغ لخدمته لاشتغاله بشراء الأدوية ونحوه فهو كمن لا متعهد له لفوات مقصود المتعهد .

Sección V04/P409–V04/P410

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن لا جمعة عليه لا تجب عليه ، وإن حضر الجامع إلا المريض ومن في طريقه مطر لأنه إنما لم تجب عليهما للمشقة وقد زالت بالحضور . + الشرح : هذا الذي قاله المصنف ناقص يرد عليه الأعمى الذي لا يجد قائدا وغيره ممن سنذكره إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا : إذا حضر النساء والصبيان والعبيد والمسافرون الجامع فلهم الإنصراف ويصلون الظهر ، وخرج ابن القاص وجها في العبد أنه إذا حضر لزمته الجمعة ، قال إمام الحرمين : هذا الوجه غلط باتفاق الأصحاب ، وأما الأعمى الذي لا يجد قائدا فإذا حضر لزمته ولا خلاف لزوال المشقة . وأما المريض فأطلق المصنف والأكثرون أنه لا يجوز له الانصراف ، بل إذا حضر لزمته الجمعة ، ( والأولى التفصيل فإن حضر قبل دخول الوقت فله الانصراف مطلقا ، ) وإن كان بعد دخول الوقت وقبل إقامة الصلاة ونيتها فإن لم تلحقه زيادة مشقة بانتظارها لزمته ، وإن لحقته لم تلزمه بل له الانصراف . وهذا التفصيل حسن واستحسنه الرافعي فقال : لا يبعد حمل كلام الأصحاب عليه قال : وألحقوا بالمرض الأعذار الملحقة به ، وقالوا : إذا حضروا لزمتهم الجمعة ، قال : ولا يبعد أن يكونوا على التفصيل أيضا إن لم يزد ضرر المعذور بالصبر إلى فراغ الجمعة لزمته ، وإن زاد فله الانصراف ويصلي الظهر في منزله ، هذا كله إذا لم يشرعوا في صلاة الجمعة فإن أحرم بها الذين لا تلزمهم ثم أرادوا قطعها قال في البيان : لا يجوز ذلك للمريض والمسافر ، وفي جوازه للعبد والمرأة وجهان حكاهما الصيمري ، ولم يصحح أحدهما . والصحيح أنه يحرم عليهما قطعها لأنها انعقدت عن فرضهما فتعين إتمامها ، وقد سبق في باب التيمم ومواقيت الصلاة وغيرهما أن من دخل في الفريضة في أول وقتها حرم عليه قطعها ، نص عليه الشافعي في الأم واتفق عليه الأصحاب إلا احتمالا لإمام الحرمين .

Sección V04/P410–V04/P412

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن اتفق يوم عيد ويوم جمعة فحضر أهل السواد فصلوا العيد جاز أن ينصرفوا ويتركوا الجمعة لماروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في خطبته : أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليصل ومن أراد أن ينصرف فلينصرف ولم ينكر عليه أحد ، ولأنهم إذا قعدوا في البلد لم يتهيأوا بالعيد ، فإن خرجوا ثم رجعوا للجمعة كان عليهم في ذلك مشقة والجمعة تسقط بالمشقة . ومن أصحابنا من قال : تجب عليهم الجمعة لأن من لزمته الجمعة في غير يوم العيد وجبت عليه في يوم العيد كأهل البلد ، والمنصوص في الأم هو الأول . + الشرح : هذا الأثر عن عثمان رضي الله عنه رواه البخاري في صحيحه : ، والعالية بالعين المهملة هي قرية بالمدينة من جهة الشرق وأهل السواد هم أهل القرى ، والمراد هنا أهل القرى الذين يبلغهم النداء ويلزمهم حضور الجمعة في البلد في غير العيد وينكر على المصنف قوله ( روي عن عثمان ) بصيغة التمريض مع أنه حديث صحيح وقد سبق التنبيه على نظائره . وقوله ( يتهيأ ) مهموز . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : إذا اتفق يوم جمعة يوم عيد وحضر أهل القرى الذين تلزمهم الجمعة لبلوغ نداء البلد فصلوا العيد لم تسقط الجمعة بلا خلاف عن أهل البلد ، وفي أهل القرى وجهان الصحيح المنصوص للشافعي في الأم والقديم أنها تسقط والثاني : لا تسقط ، ودليلها في الكتاب ، وأجاب هذا الثاني عن قول عثمان ونص الشافعي فحملهما على من لا يبلغه النداء . فإن قيل : هذا التأويل باطل لأن من لا يبلغه النداء لا جمعة عليه في غير يوم العيد ففيه أولى فلا فائدة في هذ القول له . فالجواب : أن هؤلاء إذا حضروا البلد يوم الجمعة غير يوم العيد يكره لهم الخروج قبل أن يصلوا الجمعة ، صرح بهذا كله المحاملي والشيخ أبو حامد في التجريد وغيرهما من الأصحاب ، قالوا فإذا كان يوم عيد زالت تلك الكراهة فبين عثمان و الشافعي زوالها ، والمذهب ما سبق وهو سقوطها عن أهل القرى الذين يبلغهم النداء . فرع في مذاهب العلماء في ذلك قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب الجمعة على أهل البلد وسقوطها عن أهل القرى وبه قال عثمان بن عفان وعمر بن عبد العزيز وجمهور العلماء ، وقال عطاء بن أبي رباح : إذا صلوا العيد لم تجب بعده في هذا اليوم صلاة الجمعة ، ولا الظهر ، ولا غيرهما إلا العصر لا على أهل القرى ولا أهل البلد ، قال ابن المنذر : وروينا نحوه عن علي بن أبي طالب و ابن الزبير رضي الله عنهم وقال أحمد : تسقط الجمعة عن أهل القرى وأهل البلد ولكن يجب الظهر ، وقال أبو حنيفة : لا تسقط الجمعة عن أهل البلد ولا أهل القرى . واحتج الذين أسقطوا الجمعة عن الجميع بحديث زيد بن أرقم وقال : شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا فصلى العيد ثم رخص في الجمعة وقال : من شاء أن يصلي فليصل رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد جيد ، ولم يضعفه أبو داود وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أخر أمر الجمعة وإنا مجتمعون رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد ضعيف واحتج لأبي حنيفة بأن الأصل الوجوب .

Sección V04/P412

واحتج عطاء بما رواه هو قال : اجتمع يوم جمعة ويوم عيد على عهد ابن الزبير فقال : عيدان اجتمعا فجمعها جميعا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم ، وعن عطاء قال صلى ابن الزبير في يوم عيد يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال : أصاب السنة رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح على شرط مسلم و احتج أصحابنا بحديث عثمان وتأولوا الباقي على أهل القرى لكن قول ابن عباس من السنة مرفوع وتأويله أضعف .

Sección V04/P412–V04/P413

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن لا جمعة عليه مخير بين الظهر والجمعة ، فإن صلى الجمعة أجزأه عن الظهر ، لأن الجمعة إنما سقطت عنه لعذر ، فإذا حمل على نفسه وفعل أجزأه ، كالمريض إذا حمل على نفسه فصلى من قيام ، وأن أراد أن يصلي الظهر جاز لأنه فرضه غير أن المستحب أن لا يصلي حتى يعلم أن الجمعة قد فاتت ، لأنه ربما زال العذر فليصلي الجمعة ، فإن صلى في أول الوقت ثم زال عذره والوقت باق لم تجب عليه الجمعة . وقال ابن الحداد إذا صلى الصبي الظهر ثم بلغ والوقت باق لزمه الجمعة ، وإن صلى غيره من المعذورين لم تلزمه الجمعة ، لأن ما صلى الصبي ليس بفرض وما صلى غيره فرض ، والمذهب الأول ، لأن الشافعي نص على أن الصبي إذا صلى في غير الجمعة الظهر ، ثم بلغ والوقت باق لم تجب عليه إعادة الظهر ، فكذلك الجمعة فإن صلى المعذور الظهر ثم صلى الجمعة سقط الفرض بالظهر وكانت الجمعة نافلة . وحكى أبو إسحاق المروزي أنه قال في القديم : يحتسب الله له بأيتهما شاء ، والصحيح هو الأول ، وإن أخر المعذور الصلاة حتى فاتت الجمعة صلى الظهر في الجماعة قال الشافعي : واجب اخفاء الجماعة لئلا يتهموا في الدين ، قال أصحابنا : فإن كان عذرهم ظاهرا لم يكره إظهار الجماعة لأنهم لا يتهمون مع ظهور العذر . + الشرح : قال أصحابنا : المعذور في ترك الجمعة ضربان أحدهما : من يتوقع زوال عذره ووجوب الجمعة عليه كالعبد والمريض والمسافر ونحوهم ، فلهم أن يصلوا الظهر قبل الجمعة ، لكن الأفضل تأخيرها إلى اليأس من الجمعة لاحتمال تمكنه منها ويحصل اليأس برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية ، هذا هو الصحيح المشهور ، وحكى إمام الحرمين وغيره وجها أنه يراعي تصور الإدراك في حق كل واحد ، فإذا كان منزله بعيدا فانتهى الوقت الذي بحيث لو ذهب لم يدرك الجمعة حصل الفوات في حقه . الضرب الثاني : من لا يرجو زوال عذره كالمرأة والزمن ففيه وجهان أصحهما : وبه قطع الماوردي والدارمي والخراسانيون وهو ظاهر تعليل المصنف أنه يستحب لهم تعجيل الظهر في أول الوقت ، محافظة على فضيلة أول الوقت والثاني : يستحب تأخيرها حتى تفوت الجمعة كالضرب الأول ، لأنهم قد ينشطون للجمعة ، ولأن الجمعة صلاة الكاملين فاستحب كونها المتقدمة ، ولو قيل بالتفصيل لكان حسنا وهو أنه إن كان هذا الشخص جازما بأنه لا يحضر الجمعة وإن تمكن استحب تقديم الظهر وإن لو تمكن أو نشط حضرها استحب التأخير والله أعلم . قال الشافعي والأصحاب : ويستحب للمعذورين الجماعة في ظهرهم وحكى . . . والرافعي أنه لا يستحب لهم الجماعة لأن الجماعة المشروعة هذا الوقت الجمعة ، وبهذا قال الحسن بن صالح وأبو حنيفة والثوري ، والمذهب الأول كما لو كانوا في غير البلد ، فإن الجماعة تستحب في ظهرهم بالإجماع فعلى هذا قال الشافعي : أستحب لهم إخفاء الجماعة لئلا يتهموا في الدين وينسون إلى ترك الجمعة تهاونا قال جمهور الأصحاب : هذا إذا كان عذرهم خفيا . فإن كان ظاهرا لم يستحب الإخفاء لأنهم لا يتهمون حينئذ ، ومنهم من قال : يستحب الإخفاء مطلقا عملا بظاهر نصه لأنه قد لا يفطن للعذر الظاهر ، وقد يتهم صاحبه مع العلم بعذره لاقتصاره على الظهر مع أنه مندوب إلى الجمعة ، وممن حكى هذا الوجه الرافعي ، وإذا كان العذر خفيا فعبارة الشافعي : أحب اخفاء الجماعة كما حكاه المصنف ، وكذا اقتصر عليها كثيرون ، وقال المتولي : يكره اخفاء الجماعة وفي كلام المصنف إشارة إليه بقوله : إن كان عذرهم ظاهرا لم يكره اظهار الجماعة .

Sección V04/P413–V04/P416

قال أصحابنا : وإذا صلى المعذور الظهر ثم زال عذره وتمكن من الجمعة أجزأته ظهره ، ولا تلزمه الجمعة بالاتفاق إلا الصبي على قول ابن الحداد وهو ضعيف باتفاق الأصحاب كما ضعفه المصنف ، ولا الخنثى المشكل إذا زال إشكاله فيلزمه بلا خلاف لأنا تبينا أنها كانت واجبة عليه ، وهو الآن متمكن ، وهذا يرد على المصنف ، ويجاب عنه بأنه أراد أصحاب الأعذار الذين ذكرهم هو ، ولم يذكر الخنثى ، أما إذا 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 الظهر ، والجمعة بدل عنه لما أثم بترك الجمعة إلى الظهر ، كما لا يأثم بترك الصوم إلى العتق في الكفارة ، وقال أبو إسحاق : إن اتفق أهل بلد على فعل الظهر أثموا بترك الجمعة إلا أنه يجزيهم لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة ، والصحيح أنه لا يجزئهم ( على قوله الجديد ) لأنهم صلوا الظهر : وفرض الجمعة متوجه عليهم . + الشرح : قال أصحابنا : من لزمته الجمعة لا يجوز أن يصلي الظهر قبل فوات الجمعة بلا خلاف ، لأنه مخاطب بالجمعة ، فإن صلى الظهر قبل فوات الجمعة فقولان مشهوران الجديد : بطلانها والقديم : صحتها ، وذكر المصنف دليلهما واتفق الأصحاب على أن الصحيح بطلانها ، قال الأصحاب : هما مبنيان على أن الفرض الأصلي يوم الجمعة إذا فالجديد يقول : الجمعة ، والقديم : الظهر ، والجمعة بدل ، وهذا باطل إذ لو كانت بدلا لجاز الاعراض عنها والاقتصار على الأصل ، واتفقوا أنه لا يجوز ترك الجمعة ، وإنما القولان في أنه إذا عصى بفعل الظهر هل يحكم بصحتها قال أبو إسحاق المروزي : القولان فيما إذا ترك آحاد أهل البلد الجمعة وصلوا الظهر ، أما إذا تركها جميع أهل البلد وصلوا الظهر فيأثمون ويصح ظهرهم على القولين ، وقال جمهور الأصحاب : لا فرق بين ترك الجميع والآحاد ، ففي الجديد لا يصح ظهرهم في الحالين ، لأنهم صلوها ، وفرض الجمعة متوجه عليهم ، وهذا هو الصحيح عند جميع المصنفين كما صححه المصنف . فإن قلنا بالجديد في أصل المسألة ففرض الجمعة باق ويجب عليه حضورها فإن حضرها وصلاها فذاك . وإن فاتته لزمه قضاء الظهر ، وهل تكون صلاته الأولى باطلة أم يتبين وقوعها نفلا فيه القولان السابقان في نظائرها ، كمن صلى الظهر قبل الزوال فقد سبقت جملة من نظائرها في أول باب صفة الصلاة . وإن قلنا : بالقديم فهل يسقط عنه الخطاب بالجمعة فيه طريقان . أحدهما : وبه قطع إمام الحرمين والغزالي فيه قولان . والثاني : وهو الصحيح ، وبه قطع الأكثرون : لا يسقط بل يبقى الخطاب بوجوب الجمعة ما دامت ممكنة ، وإنما معنى صحة الظهر الاعتداد بها حتى لو فاتت الجمعة أجزأته الظهر ، وسواء قلنا : يسقط أم لا . فإذا صلى الجمعة ففي الفرض منهما طريقان أحدهما : الفرض إحداهما مبهمة ، ويحتسب الله تعالى بما شاء وأصحهما : وأشهرهما فيه أربعة أقوال أصحها : الفرض الظهر والثاني : الجمعة والثالث : كلاهما ، وهو قوي والرابع : إحداهما مبهمة ، هذا كله إذا صلى الظهر قبل رفع الإمام رأسه من ركوع الثانية فلو صلاها بعد رفع رأسه من ركوع الثانية وقبل سلامه فطريقان حكاهما صاحبا الشامل والمستظهري أحدهما : صحتها قطعا ، لأن الجمعة فاتت وأصحهما : طرد القولين الجديد والقديم قالا : وهو ظاهر نص الشافعي لأنها لا يتحقق فواتها إلا بسلام الإمام لاحتمال عارض بعدها ، فيجب استئنافها ، ولو اتفق أهل البلد على ترك الجمعة وصلوا الظهر فالفوات في حقهم إنما يتحقق بخروج الوقت أو ضيقه ، بحيث لا يسع ركعتين والله أعلم .

Sección V04/P416

فرع في مذاهب العلماء فيمن لزمته الجمعة فصلى الظهر قبل فواتها ذكرنا أن الصحيح عندنا أنه لا تصح صلاته ، وبه قال الثوري ومالك وزفر وأحمد وإسحاق وداود . وقال أبو حنيفة وصاحباه وأبو ثور : يجزئه الظهر ، لكن قال أبو حنيفة : تبطل الظهر بالسعي إلى الجمعة ، وقال صاحباه : لا تبطل إلا بالاحرام بالجمعة ، وقال علي : أنه يلزمه السعي إلى الجمعة ما لم تفت .

Sección V04/P416–V04/P417

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن لزمته الجمعة وهو يريد السفر فإن كان يخاف فوت السفر جاز له ترك الجمعة ، لأنه ينقطع عن الصحبة فيتضرر ، وإن لم يخف الفوت لم يجز أن يسافر بعد الزوال ، لأن الفرض قد توجه عليه فلا يجوز تفويته بالسفر ، وهل يجوز قبل الزوال فيه قولان أحدهما : يجوز لأنه لم تجب ( عليه ) فلا يحرم التفويت كبيع المال قبل الحول والثاني : لا يجوز وهو الأصح ، لأنه وقت لوجوب التسبب بدليل أن من كان داره على بعد لزمه القصد قبل الزوال ووجوب التسبب كوجوب الفعل : فإذا لم يجز السفر بعد وجوب الفعل لم يجز بعد وجوب التسبب . + الشرح : قال أصحابنا : الأعذار المبيحة لترك الجمعة تبيح تركها سواء كانت قبل زوال الشمس أو حدثت بعده ، إلا السفر ففيه صور . إحداها : إذا سافر قبل الفجر جاز بلا خلاف بكل حال . الثانية : أن يسافر بعد الزوال ، فإن كان يصلي الجمعة في طريقه بأن يكون في طريقه موضع يصلي فيه الجمعة ، ويعلم أنه يدركها فيه جاز له السفر ، وعليه أن يصليها فيه ، وهذا لا خلاف فيه ، وقد أهمله المصنف مع أنه ذكره في التنبيه وذكره الأصحاب ، وإن لم يكن في طريقه موضع يصلي فيه الجمعة فإن كان عليه ضرر في تأخير السفر بأن تكون الرفقة الذين يجوز لهم السفر خارجين في الحال ، ويتضرر بالتخلف عنهم جاز السفر لما ذكره المصنف هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، ونقل الرافعي أن الشيخ أبا حاتم القزويني حكى فيه وجهين ، والصواب الجزم بالجواز . الثالثة : أن يسافر بين الزوال وطلوع الفجر ، فحيث جوزناه بعد الزوال فهنا أولى ، وإلا فقولان مشهوران ذكر المصنف دليليهما أصحهما : عند المصنف والأصحاب لا يجوز وهو نصه في أكثر كتبه الجديدة والثاني : يجوز ، نص عليه في القديم وحرملة واختلفوا في محلهما ، واتفقوا على جريانها في السفر المباح الذي طرفاه كالتجارة ، فأما الطاعة واجبة كانت أم مستحبة فقطع العراقيون بجريان القولين في سفرها ، وقطع القاضي حسين والبغوي وغيرهما من الخراسانيين بجوازه وخصوا القولين بالمباح ، وقال المتولي : في الطاعة طريقان المذهب : الجواز والثاني : قولان ، وحيث حرمنا السفر فسافر لا يجوز له الترخص ما لم تفت الجمعة ثم حيث بلغ وقت فواتها يكون ابتداء سفره ، ذكره القاضي حسين والبغوي . فرع في مذاهب العلماء في السفر يوم الجمعة وليلتها أما ليلتها قبل طلوع الفجر فيجوز عندنا وعند العلماء كافة إلا ما حكاه العبدري عن إبراهيم النخعي أنه قال : لا يسافر بعد دخول العشاء من يوم الخميس حتى يصلي الجمعة وهذا مذهب باطل لا أصل له ، وأما السفر يوم الجمعة بعد الزوال إذا لم يخف فوت الرفقة ولم يصل الجمعة في طريقه فلا يجوز عندنا ، وبه قال مالك وأحمد وداود ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وعائشة وابن المسيب ومجاهد . وقال أبو حنيفة : يجوز ، وأما السفر بين الفجر والزوال فقد ذكرنا أن الأصح عندنا تحريمه ، وبه قال ابن عمر وعائشة والنخعي ، وجوزه عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وأبو عبيدة والحسن وابن سيرين ومالك وابن المنذر . واحتج لهم بحديث ابن رواحة رضي الله عنه ، وهو حديث ضعيف جدا وليس في المسألة حديث صحيح .

Sección V04/P417–V04/P418

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما البيع ( فينظر فيه ) فإن كان قبل الزوال لم يكره ، وإن كان بعده وقبل ظهور الإمام كره ، فإن ظهر الإمام وأذن المؤذن حرم لقوله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع الجمعة : 9 فإن تبايع رجلان أحدهما من أهل فرض الجمعة والآخر ليس من أهل فرضها أثما جميعا ، لأن أحدهما من أهل فرض الجمعة والآخر ليس من أهل فرضها أثما جميعا ، لأن أحدهما توجه عليه الفرض فاشتغل عنه ، والآخر شغله عنه ، ولا يبطل البيع لأن النهي لا يختص بالعقد ، فلم يمنع صحته كالصلاة في أرض مغصوبة . + الشرح : فيه مسائل إحداها : قال الشافعي في الأم والأصحاب : إذا تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة لم يحرم بحال ولم يكره الثانية : إذا تبايع رجلان من أهل فرضها أو أحدهما من أهل فرضها فإن كان قبل الزوال لم يكره ، وإن كان بعده وقبل ظهور الإمام ، أو قبل جلوسه على المنبر وقبل شروع المؤذن في الأذان بين يدي الخطيب ، كره كراهة تنزيه ، وإن كان بعد جلوسه على المنبر وشروع المؤذن في الأذان حرم البيع على المتبايعين جميعا ، سواء كانا من أهل الفرض أو أحدهما ، ولا يبطل البيع ، ودليل الجميع في الكتاب ، وقال البندنيجي وصاحب العدة إذا كان أحدهما من أهل الفرض دون الآخر حرم على صاحب الفرض وكره للآخر ، ولا يحرم ، وهذا شاذ باطل ، والصواب الجزم بالتحريم عليهما ، نص عليه الشافعي في الأم ، واتفق الأصحاب عليه ، ودليله في الكتاب . قال أصحابنا : ويحصل التحريم بمجرد شروع المؤذن في الأذان لظاهر الآية الكريمة ، فإن أذن قبل جلوسه على المنبر كره البيع ولم يحرم ، نص على الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، ونقله ابن الصباغ عن النص ، وصرح به أيضا المتولي وآخرون ، وحيث حرمنا البيع فهو في حق من جلس له في غير المسجد . إما إذا سمع النداء فقام في الحال قاصدا الجمعة ، فتبايع في طريقه وهو يمشي ولم يقف ، أو قعد في الجامع فباع فلا يحرم لكنه يكره ، صرح به المتولي وغيره وهو ظاهر لأن المقصود أن لا يتأخر عن السعي إلى الجمعة . الثالثة : حيث حرمنا البيع حرمت عليه العقود والصنائع وكل ما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة ، وهذا متفق عليه ، وممن صرح به الشيخ في تهذيبه ولا يزال التحريم حتى يفرغوا من الجمعة . فرع في مذاهب العلماء إذا تبايعا بيعا محرما بعد النداء مذهبنا صحته ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه . وقال أحمد وداود في رواية عنه : لا يصح .

Sección V04/P418–V04/P419

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تصح الجمعة إلا في ابنية ( مجتمعة ) يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة ، من بلد أو قرية ، لأنه لم تقم الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أيام الخلفاء إلا في بلد أو قرية ، ولم ينقل أنها أقيمت في بدو ، فإن خرج أهل البلد إلى خارج البلد فصلوا الجمعة لم يجز لأنه ليس بوطن فلم تصح فيه الجمعة كالبدو وإن انهدم البلد فأقام أهله على عمارته فحضرت الجمعة لزمهم إقامتها لأنهم في موضع الاستيطان . + الشرح : قال أصحابنا : يشترط لصحة الجمعة أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها شتاء أو صيفا من تنعقد بهم الجمعة ، قال الشافعي والأصحاب : سواء كان البناء من أحجار أو أخشاب أو طين أو قصب أو سعف أو غيرها ، وسواء فيه البلاد الكبار ذوات الأسواق والقرى الصغار ، والأسراب المتخذة وطنا ، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح الجمعة فيها بلا خلاف ، لأنها لا تعد قرية ، ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف ، وقد أهمل المصنف اشتراط كونها مجتمعة مع أنه ذكره في التنبيه واتفقوا عليه . وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاء أو صيفا لم تصح الجمعة فيها بلا خلاف ، وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفا وهي مجتمعة بعضها إلى بعض فقولان ، حكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه ، و ابن الصباغ والمتولي وصاحب العدة والشاشي وآخرون أصحهما : باتفاق الأصحاب لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم ، وبه قطع الأكثرون ، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثاني : تجب عليهم وتصح منهم ، نص عليه في البويطي والله أعلم . قال أصحابنا : ولا يشترط إقامتها في مسجد ، ولكن تجوز في ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البلدة معدودة من خطتها ، فلو صلوها خارج البلد لم تصح بلا خلاف ، سواء كان بقرب البلد أو بعيدا منه ، وسواء صلوها في ركن أم ساحة ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلوا كما رأيتموني أصلي ولم يصل هكذا ، ولو انهدمت أبنية القرية أو البلدة فأقام أهلها على عمارتها لزمتهم الجمعة فيها سواء كانوا في سقائف ومظال أم لا ، لأنه محل الاستيطان نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، قال القاضي أبو الطيب : ولا يتصور انعقاد الجمعة عند الشافعي في غير بناء إلا في هذه المسألة .