Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Sección V06/P140–V06/P142

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأما ما تجب الزكاة فيه من غير حول كالعشر وزكاة المعدن والركاز فلا يجوز فيه تعجيل الزكاة . وقال أبو علي ابن أبي هريرة : يجوز تعجيل العشر والصحيح : أنه لا يجوز لأن العشر يجب بسبب واحد وهو ادراك الثمرة وانعقاد الحب . فإذا عجله قدمه على سببه فلم يجز . كما لو قدم زكاة المال على النصاب . + الشرح : قد سبق في أول الباب أن المال الزكوي ضربان أحدهما : يتعلق بالحول وسبق شرحه والثاني : غير متعلق به وهو أنواع منها : زكاة الفطر ، وسبق في بابها أنه يجوز تعجيلها في جميع رمضان ولا يجوز قبله . وفي وجه لا يجوز الليلة الأولى من رمضان ، ووجه يجوز قبل رمضان ، وأوضحناها في بابها ، ومنها زكاة المعدن والركاز فلا يجوز تقديمها على الحصول بلا خلاف لما ذكره المصنف ومنها زكاة الزرع تجب باشتداد الحب والثمار ببدو الصلاح ، كما سبق في بابيهما ، وليس المراد أن ذلك وقت الأداء بل هو وقت ثبوت حق الفقراء ، وإنما يجب الإخراج بعد تنقية الحب وتجفيف الثمار . قال أصحابنا : والإخراج بعد مصير الرطب تمرا والعنب زبيبا ليس تعجيلا بل واجب حينئذ ولا يجوز التعجيل قبل خروج الثمرة بلا خلاف وفيما بعده أوجه الصحيح : عند المصنف والأصحاب يجوز بعد بدو الصلاح لا قبله والثاني : يجوز قبله من حين خروج الثمرة . والثالث : لا يجوز قبل الجفاف . وأما الزرع فالإخراج عنه بعد التنقية واجب وليس تعجيلا ولا يجوز التعجيل قبل التسنبل وانعقاد الحب ، وبعده فيه ثلاثة أوجه الصحيح : جوازه بعد الاشتداد والإدراك ومنعه قبله والثاني : جوازه بعد التسنبل وانعقاد الحب والثالث : لا يجوز قبل التنقية . فرع : ضبط جماعة من أصحابنا في هذا الباب ما يجوز تقديمه من الحقوق المالية على وقت وجوبه وما لا يجوز فمنها : الزكاة والفطرة وسبق بيانهما ومنها : كفارة اليمين والقتل والظهار ، ولها تفصيل مذكور في أبوابها ومنها : كفارة الجماع في نهار رمضان لا يجوز تقديمها على الجماع ، هذا هو المذهب وبه قطع القاضي أبو الطيب في المجرد هنا وآخرون ، وفي وجه حكاه الرافعي وغيره أنه يجوز . ولو قال : إن شفى الله مريضي فلله علي عتق رقبة فأعتق قبل الشفاء لا يجزئه على أصح الوجهين ومنها : لا يجوز للشيخ الهرم والحامل والمريض الذي لا يرجي برؤه تقديم الفدية على رمضان ، ويجوز بعد طلوع الفجر من يوم رمضان للشيخ عن ذلك اليوم ، ويجوز قبل الفجر أيضا على المذهب ، وبه قطع الدارمي ، وقال الروياني : فيه احتمالان لوالدي . قال الزيادي : وللحامل تقديم الفدية على الفطر ولا يقوم إلا فدية يوم واحد ولو أراد تعجيل فدية تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر ففي صحته وجهان كتعجيل كفارة الحنث بمعصيته ، ولا يجوز تقديم الأضحية قبل يوم العيد بلا خلاف ومنها : دم التمتع والقران . فأما القران فيجوز بعد الإحرام بالحج والعمرة ولا يجوز قبلهما والتمتع يجوز بعد الإحرام بالحج ولا يجوز قبل الإحرام بالعمرة قطعا وفيما بين ذلك ثلاثة أوجه الصحيح : يجوز بعد الفراغ من العمرة وإن لم يحرم بالحج ولا يجوز قبل فراغها والثاني : لا يجوز قبل الإحرام بالحج والثالث : يجوز قبل الفراغ من العمرة ، قال القاضي أبو الطيب في المجرد : لو أحرم بالحج فأراد تقديم جزاء الصيد فإن كان بعد جرحه فالمذهب جوازه لوجود السبب ، وإلا فالمذهب منعه لعدم السبب ، قال : والإحرام ليس سببا للجزاء ، قال : وهذا ككفارة قتل الآدمي إن فعلها بعد الجرح جاز ، وإلا فلا .

Sección V06/P142–V06/P143

فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها : قال إمام الحرمين وغيره : لا يحتاج مخرج الزكاة إلى لفظ أصلا بل يكفيه دفعها وهو ساكت ، لأنها في حكم دفع دين إلى مستحقه ، قال الإمام وجمهور أصحابنا الخراسانيين والمحققون من غيرهم : ولا تحتاج صدقة التطوع أيضا إلى لفظ ، قال الإمام : وبهذا علم الناس كافة كالزكاة ، وأما الهبة والمنحة فلا بد فيهما من اللفظ ، وأما الهدية فالمذهب أنها لا تحتاج إلى لفظ ، وفيها وجه ضعيف وسنعيد إيضاح هذا كله في باب الهبة ، وفي الزكاة وجه شاذ عن ابن أبي هريرة أنه يشترط لفظه وسنوضح المسألة إن شاء الله تعالى في آخر قسم الصدقات . & باب قسم الصدقات & القسم هنا وقسم الفئ والقسم بين الزوجات كله بفتح القاف وهو مصدر بمعنى القسمة ومنه الحديث اللهم هذا قسمي فيما أملك وأما : القسم بكسر الكاف فهو النصيب وليس مرادا هنا . وأعلم أن هذا الباب ذكره المزني وجميع شراح مختصره وجماهير الأصحاب في آخر ربع البيوع ، مقرونا بقسم الفيء والغنيمة ، ووجه ذكره هناك أن الزكاة تشارك الغنيمة في أن الإمام يقسمها بعد الجمع ، وذكره الإمام الشافعي في الأم هنا متصلا بكتاب الزكاة ، وتابعه المصنف والجرجاني والمتولي وآخرون ، وهو أحسن . والله أعلم .

Sección V06/P143–V06/P145

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز لرب المال أن يفرق زكاة الأموال الباطنة بنفسه . وهي الذهب والفضة وعروض التجارة والركاز . لما روى عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في المحرم : هذا شهر زكاتكم فمن كان عنده دين فليقض دينه ثم ليزك بقية ماله ويجوز أن يوكل من يفرق لأنه حق مال فجاز أن يوكل في أدائه كدين الآدميين . ويجوز أن تدفع إلى الإمام لأنه نائب عن الفقراء . فجاز الدفع إليه كولي اليتيم . وفي الأفضل ثلاثة أوجه : أحدها : أن الأفضل أن يفرق بنفسه . وهو ظاهر النص . لأنه على ثقة من أدائه . وليس على ثقة من أداء غيره والثاني : أن الأفضل أن يدفع إلى الإمام عادلا كان أو جائزا لما روي أن المغيرة بن شعبة قال لمولى له وهو على أمواله بالطائف : كيف تصنع في صدقة مالي قال : منها ما أتصدق به ، ومنها ما أدفع إلى السلطان . فقال : وفيم أنت من ذاك فقال : إنهم يشترون بها الأرض ويتزوجون بها النساء . فقال : ادفعها إليهم . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ندفعها إليهم ولأنه أعرف بالفقراء وقدر حاجاتهم . ومن أصحابنا من قال : إن كان عادلا فالدفع إليه أفضل وإن كان جائرا فتفرقته بنفسه أفضل . لقوله صلى الله عليه وسلم : فمن سئلها على وجهها فليعطها ومن سئل فوقه فلا يعطه ولأنه على ثقة من أدائه إلى العادل . وليس على ثقة من أدائه إلى الجائر . لأنه ربما صرفه في شهواته . فأما : الأموال الظاهرة وهي الماشية والزروع والثمار والمعادن ففي زكاتها قولان ( قال في القديم ) يجب دفعها إلى الإمام ، فإن فرقها بنفسه لزمه الضمان ، لقوله عز وجل : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها التوبة : 301 ولأنه مال للإمام فيه حق المطالبة ، فوجب الدفع إليه كالخراج والجزية . ( وقال في الجديد ) يجوز أن يفرقها بنفسه لأنها زكاة فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة المال الباطن . + الشرح : الأثر المذكور عن عثمان صحيح ، رواه البيهقي في سننه الكبير في كتاب الزكاة في باب الدين مع الصدقة بإسناد صحيح عن الزهري عن السائب بن يزيد الصحابي أنه سمع عثمان بن عفان خطيبا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هذا شهر زكاتكم فمن كان منكم عليه دين فليقض دينه حتى تخلص أموالكم فتؤدوا منها الزكاة قال البيهقي : ورواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان عن شعيب ، وينكر على البيهقي هذا القول ، لأن البخاري لم يذكره في صحيحه هكذا ، وإنما ذكر عن السائب بن يزيد أنه سمع عثمان بن عفان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزد على هذا ، ذكره في كتاب الاعتصام في ذكر المنبر ، وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن البخاري كما ذكرته ، ومقصود البخاري به إثبات المنبر ، وكأن البيهقي أراد أن البخاري روى أصله لا كله . والله أعلم . وأما حديث المغيرة فرواه البيهقي في السنن الكبير بإسناد فيه ضعيف يسير ، وسمي في روايته مولى المغيرة فقال : هو هنيد يعني بضم الهاء . وهو هنيد الثقفي مولى المغيرة ، وأما الحديث الآخر فمن سئلها على حقها فهو صحيح في صحيح البخاري ، لكن المصنف غيره هنا . وفي أول باب صدقة الابل ، وقد سبق بيانه هناك ، وقد جاءت أحاديث وآثار في هذا المعنى ، منها عن جرير بن عبد الله قال : جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن أناسا من المصدقين يأتوننا فيظلموننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرضوا مصدقيكم رواه مسلم في صحيحه .

Sección V06/P145–V06/P147

وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله فقال : نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله ، ولك أجرها وإثمها على من بدلها رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده . وعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال : اجتمع عندي نفقة فيها صدقة يعني بلغت نصاب الزكاة فسألت سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري أن أقسمها أو أدفعها إلى السلطان فأمروني جميعا أن أدفعها إلى السلطان ما اختلف علي منهم أحد وفي رواية فقلت لهم هذا السلطان يفعل ما ترون فأدفع إليهم زكاتي فقالوا كلهم : نعم فادفعها رواهما الإمام سعيد بن منصور في مسنده . وعن جابر بن عتيك الصحابي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سيأتيكم ركب مبغضون ، فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا فلأنفسهم ، وإن ظلموا فعليها ، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم رواه أبو داود والبيهقي وقال : إسناده مختلف . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أدفعوا صدقاتكم إلى من ولاه الله أمركم فمن بر فلنفسه ومن أثم فعليها رواه البيهقي بإسناد صحيح أو حسن ، وعن قزعة مولى زياد بن أبيه أن ابن عمر قال : ادفعوها إليهم وإن شربوا بها الخمر رواه البيهقي بإسناد صحيح أو حسن . قال البيهقي : وروينا في هذا عن جابر بن عبد الله وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم . ومما جاء في تفريقها بنفسه ما رواه البيهقي بإسناد عن أبي سعيد المقبري وإسمه كيسان قال جئت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمائتي درهم فقلت : يا أمير المؤمنين هذه زكاة مالي قال : وقد عتقت قلت : نعم قال : اذهب بها أنت فاقسمها والله أعلم . وأما قول المصنف : لأنه حق مال فاحتراز من الصلاة ونحوها وقوله : لأنه مال للإمام فيه حق المطالبة احتراز من دين الآدمي . أما أحكام الفصل : ففيه مسائل احداها قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى : للمالك أن يفرق زكاة ماله الباطن بنفسه ، وهذا لا خلاف فيه ، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين ، والأموال الباطنة هي الذهب والفضة والركاز وعروض التجارة وزكاة الفطر ، وفي زكاة الفطر وجه أنها من الأموال الظاهرة ، حكاه صاحب البيان : وجماعة ، ونقله صاحب الحاوي عن الأصحاب ثم اختار لنفسه أنها باطنة ، وهذا هو المذهب وبه قطع جمهور الأصحاب منهم القاضي أبو الطيب والمحاملي في كتابيه وصاحب الشامل والبغوي وخلائق ، وهو ظاهر نص الشافعي ، وهو المشهور ، وبه قطع الجمهور ، ذكر أكثرهم المسألة في باب زكاة الفطر ، قال أصحابنا : وإنما كانت عروض التجارة من الأموال الباطنة وإن كانت ظاهرة ، لكونها لا تعرف للتجارة أم لا ، فإن العروض لا تصير للتجارة إلا بشروط سبقت في بابها ، والله أعلم . وأما : الأموال الظاهرة وهي الزروع والمواشي والثمار والمعادن ففي جواز تفريقها بنفسه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : وهو الجديد جوازه والقديم منعه ووجوب دفعها إلى الإمام أو نائبه ، وسواء كان الإمام عادلا أو جائرا يجب الدفع إليه ، على هذا القول لأنه مع الجور نافذ الحكم ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور . وحكى البغوي وغيره وجها أنه لا يجب الصرف إليه إن كان جائرا على هذا القول ، لكن يجوز .

Sección V06/P147–V06/P148

وحكى الحناطي والرافعي وجها أنه لا يجوز الدفع إلى الجائر مطلقا وبهذا الوجه جزم الماوردي في آخر باب نية الزكاة ، قال : وسواء كان جائرا في الزكاة وغيرها ، أو جائرا فيها ، يصرفها في غير مصارفها عادلا في غيرها ، وهذا الوجه ضعيف جدا بل غلط وهو مردود بما سبق من الأحاديث والآثار ، وكذا الوجه الذي حكاه البغوي ضعيف أيضا . قال أصحابنا : وعلى هذا القول القديم لو فرق بنفسه لم يجزئه ، وعليه دفعها ثانيا إلى الإمام أو نائبه ، قالوا وعليه أن ينتظر بها مجيء الساعي ويؤخرها ما دام يرجوه ، فإذا أيس منه فرقها بنفسه وأجزأته لأنه موضع ضرورة . الثانية : له أن يوكل في صرف الزكاة التي له تفريقها بنفسه ، فإن شاء وكل في الدفع إلى الإمام والساعي ، وإن شاء في التفرقة على الأصناف وكلاهما جائز بلا خلاف ، وإنما جاز التوكيل في ذلك مع أنها عبادة لأنها تشبه قضاء الديون ، ولأنه قد تدعو الحاجة إلى الوكالة لغيبة المال وغير ذلك . قال أصحابنا : سواء وكله في دفعها من مال الموكل أو من مال الوكيل فهما جائزان بلا خلاف . قال البغوي في أول باب نية الزكاة : ويجوز أن يوكل عبدا أو كافرا في إخراج الزكاة ، كما يجوز توكيله في ذبح الأضحية . الثالثة : له صرفها إلى الإمام والساعي ، فإن كان الإمام عادلا أجزأه الدفع إليه بالإجماع وإن كان جائرا أجزأه على المذهب الصحيح المشهور ، ونص عليه الشافعي وقطع به الجمهور وفيه الوجه السابق عن الحناطي والماوردي . الرابعة : في بيان الأفضل : قال أصحابنا : تفريقه بنفسه أفضل من التوكيل بلا خلاف لأنه على ثقة من تفريقه بخلاف الوكيل ، وعلى تقدير خيانة الوكيل لا يسقط الفرض عن المالك ، لأن يده كيده ، فما لم يصل المال إلى المستحقين لا تبرأ ذمة المالك بخلاف دفعها إلى الإمام فإنه بمجرد قبضه تسقط الزكاة عن المالك . قال الماوردي وغيره : وكذا الدفع إلى الإمام أفضل من التوكيل لما ذكرناه . وأما التفريق بنفسه والدفع إلى الإمام ففي الأفضل منهما تفصيل . قال أصحابنا : إن كانت الأموال باطنة والإمام عادلا ففيها وجهان أصحهما : عند الجمهور الدفع إلى الإمام أفضل للأحاديث السابقة ، ولأنه يتيقن سقوط الفرض به بخلاف تفريقه بنفسه ، فقد يصادف غير مستحق ، ولأن الإمام أعرف بالمستحقين وبالمصالح وبقدر الحاجات وبمن أخذ قبل هذه المرة من غيره ولأنه يقصد لها ، وهذا الوجه قول ابن سريج وأبي إسحاق . قال المحاملي في المجموع والتجريد : هو قول عامة أصحابنا وهو المذهب . وكذا قاله آخرون . قال الرافعي هذا هو الأصح عند الجمهور من العراقيين وغيرهم ، وبه قطع الصيدلاني وغيره والثاني : تفريقها بنفسه ( أفضل ) وبه قطع البغوي . قال المصنف : وهو ظاهر النص ، يعني قول الشافعي في المختصر ، وأحب أن يتولى الرجل قسمان بنفسه ليكون على يقين من أدائها عنه . هذا نصه وهو ظاهر فيما قاله المصنف ، وتأوله الأكثرون القائلون بالأول على أن المراد أنه أولى من الوكيل لا من الدفع إلى الإمام ، وتعليله يؤيد هذا التأويل ، لأن أداءها عنه يحصل بيقين بمجرد الدفع إلى الإمام وإن جار فيها لا إلى الوكيل . أما إذا كان الإمام جائرا فوجهان حكاهما المصنف والأصحاب . أحدهما : الدفع إليه أفضل لما سبق وأصحهما : التفريق بنفسه أفضل ليحصل مقصود الزكاة . هكذا صححه الرافعي والمحققون .

Sección V06/P148–V06/P149

وأما الأموال الظاهرة فظاهر كلام جماعة من العراقيين أنها على الخلاف إذا جوزنا له تفريقها بنفسه ، وصرح به الغزالي ، ولكن المذهب أن دفعها إلى الإمام أفضل وجها واحدا ليخرج من الخلاف ، قال الرافعي : هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، ونقل الماوردي الاتفاق عليه ، فحصل في الأفضل أوجه أصحها : أن دفعها إلى الإمام أفضل إن كانت ظاهرة مطلقا أو باطنة وهو عادل ، وإلا فتفريقها بنفسه أفضل والثاني : بنفسه أفضل مطلقا والثالث : الدفع إليه مطلقا والرابع : الدفع إلى العادل أفضل ، وبنفسه أفضل من الجائر والخامس : في الظاهرة الدفع أفضل والباطنة بنفسه والسادس : لا يجوز الدفع إلى الجائر . فرع : قال الرافعي حكاية عن الأصحاب : لو طلب الإمام زكاة الأموال الظاهرة وجب التسليم إليه بلا خلاف بذلا للطاعة ، فإن امتنعوا قاتلهم الإمام ، وإن كانوا مجيبين إلى إخراجها بأنفسهم ، لأن في منعهم افتياتا على الإمام ، فإن لم يطلب الإمام ولم يأت الساعي وقلنا : يجب دفعها إلى الإمام أخرها رب المال ما دام يرجو مجيء الساعي ، فإذا أيس منه فرقها بنفسه ، نص على الشافعي ، فمن أصحابنا من قال : هذا تفريع على جواز تفريقها بنفسه ، ومنهم من قال : هو جائز على القولين صيانة لحق المستحقين عن التأخير . وهذا هو الصحيح ، وهو الذي رجحه المصنف في آخر الفصل الذي بعد هذا وجمهور الأصحاب ، ثم إذا فرق بنفسه وجاء الساعي مطالبا صدق رب المال في إخراجها بيمينه ، واليمين مستحبة وقيل : واجبة . وأما الأموال الباطنة فقال الماوردي : ليس للولاة نظر في زكاتها ، بل أصحاب الأموال أحق بتفرقتها . فإن بذلوها طوعا قبلها الإمام منهم . فإن علم إمام من رجل أنه لا يؤديها بنفسه فهل له أن يقول : إما أن تفرقها بنفسك وإما أن تدفعها إلي لأفرقها فيه وجهان يجريان في النذور والكفارات . قلت أصحهما : له المطالبة ، بل الصواب أنه يلزمه المطالبة كما يلزمه إزالة المنكرات ، والله أعلم . فرع : لو طلب الساعي زيادة على الواجب لا يجب دفع الزيادة إليه وهل يجوز الامتناع من أداء القدر الواجب إليه لتعديه أم لا خوفا من مخالفة ولاة الأمور فيه وجهان مشهوران أصحهما : الثاني ، وقد سبقت المسألة في أول باب صدقة الإبل ، والله أعلم .

Sección V06/P149–V06/P151

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه ، ومنهم من يبخل ، فوجب أن يبعث من يأخذ ولا يبعث إلا حرا عدلا ثقة ، لأن هذا ولاية وأمانة . والعبد والفاسق ليسا من أهل الولاية والأمانة . ولا يبعث إلا فقيها لأنه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ ويحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها . ولا يبعث هاشميا ولا مطلبيا . ومن أصحابنا من قال يجوز لأن ما يأخذه على وجه العوض . والمذهب الأول لما روي أن الفضل بن العباس رضي الله عنهما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يوليه العمالة على الصدقة فلم يوله . وقال : أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس وفي مواليهم وجهان أحدهما : لا يجوز لما روى أبو رافع قال : ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال : اتبعني تصب منها . فقلت : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال لي : إن مولى القوم من أنفسهم ، وإنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة والثاني : يجوز لأن الصدقة إنما حرمت على بني هاشم وبني المطلب للشرف بالنسب . وهذا لا يوجد في مواليهم . وهو بالخيار بين أن يستأجر العامل بأجرة معلومه ثم يعطيه ذلك من الزكاة . وبين أن يبعثه من غير شرط ثم يعطيه أجرة المثل من الزكاة . + الشرح : أما الحديث الأول وهو بعث النبي صلى الله عليه وسلم فصحيح مشهور مستفيض رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة وفي الصحيحين عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : استعمل ابن اللبنية على الصدقات والأحاديث في الباب كثيرة . وأما حديث الفضل فرواه مسلم من رواية عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قال : أتيت أنا والفضل بن عباس رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه أن يؤمرنا على بعض الصدقات فنؤدي إليه كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون ، فسكت طويلا ثم قال : إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس وفي رواية لمسلم أيضا إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس ، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد وليس في صحيحه أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس وأما حديث أبي رافع فرواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح وقول المصنف لا يبعث إلا حرا عدلا ثقة لا حاجة إلى قوله ثقة لأن العدل لا يكون إلا ثقة . وقوله روي أن الفضل ينكر عليه قوله روي بصيغة تمريض في حديث صحيح ، وقد سبق التنبيه عن أمثال هذا ، والغرض بتكراره التأكيد في تحفظه وقوله يوليه العمالة بفتح العين ، وهي العمل . وأما بضمها فهي المال المأخوذ على العمل ، وليس مرادا هنا . أما الأحكام : ففيها مسائل . إحداها : قال أصحابنا : يجب على الإمام بعث السعاة لأخذ الصدقات لما ذكره المصنف ، والسعاة جمع ساع وهو العامل ، واتفقوا على أنه يشترط فيه كونه مسلما حرا عدلا فقيها في أبواب الزكاة ولا يشترط فقهه في غير ذلك . قال أصحابنا : هذا إذا كان التفويض للعامل عاما في الصدقات ، فأما إذا عين له الإمام شيئا معينا يأخذه فلا يعتبر فيه الفقه . قال الماوردي في الأحكام السلطانية : وكذا لا يعتبر في هذا المعين الإسلام والحرية لأنه رسالة لا ولاية ، وهذا الذي قاله من عدم اشتراط الإسلام مشكل والمختار اشتراطه .

Sección V06/P151

الثانية : هل يجوز كون العامل هاشميا أو مطلبيا فيه وجهان مشهوران ، ذكر المصنف دليلهما أصحهما : عند المصنف والبغوي وجمهور الأصحاب لا يجوز قال أصحابنا الخراسانيون : هذان الوجهان مبنيان على أن ما يأخذه العامل أجرة أو صدقة ، وفيه وجهان ( إن قلنا ) أجرة جاز وإلا فلا . وهو يشبه الإجارة من حيث التقدر بأجرة المثل ، ويشبه الصدقة من حيث إنه لا يشترط عقد إجارة ، ولا مدة معلومة ، ولا عمل معلوم . قال البغوي وآخرون : ويجري الوجهان فيما لو كان العامل من أهل الفيء ، وهي المرتزقة الذين لهم حق في الديوان ، قال صاحب الشامل والأصحاب : والوجهان في الهاشمي والمطلبي هما فيمن طلب على عمله سهما من الزكاة . فأما إذا تبرع بعمله بلا عوض أو دفع الإمام إليه أجرته من بيت المال فإنه يجوز كونه هاشميا أو مطلبيا بلا خلاف . قال الماوردي في الأحكام السلطانية : يجوز كونه هاشميا ومطلبيا إذا أعطاه من سهم المصالح . الثالثة : هل يجوز أن يكون العامل من موالي بني هاشم وبني المطلب فيه وجهان ذكر المصنف دليهما أصحهما : لا يجوز ، وهذان الوجهان تفريع على قولنا : لا يجوز أن يكون العامل هاشميا ولا مطلبيا ، فأما إذا جوزناه فمولاهم أولى قال الرافعي : ومنهم من حكى هذين الوجهين قولين . الرابعة : الإمام بالخيار إن شاء بعث العامل من غير شرط وأعطاه بعد مجيئه أجرة المثل من الزكاة ، وإن شاء استأجره بأجرة معلومة من الزكاة وكلاهما جائز باتفاق الأصحاب أما : الأول فللأحاديث الصحيحة في ذلك ، لأن الحاجة تدعو إليه لجهالة العمل فتؤخر الأجرة حتى يعرف عمله فيعطي بقدره وأما الثاني : فهو القياس والأصل ولا شك في جوازه ، قال أصحابنا : وإذا سمي له شيئا فإن شاء سماه إجارة ، وإن شاء جعالة ، ولا يسمى أكثر من أجرة المثل ، فإن زاد فوجهان حكاهما جماعة منهم الدارمي أصحهما : تفسد التسمية وله أجرة المثل من الزكاة والثاني : لا تفسد ، بل يكون قدر أجرة المثل من الزكاة والباقي يجب في مال الإمام لأنه صحيح العبارة والالتزام .

Sección V06/P151–V06/P153

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويبعث لما سوى زكاة الزروع والثمار في المحرم لما روي عن عثمان رضي الله عنه إنه قال في المحرم هذا شهر زكاتكم ولأنه أول السنة فكان البعث فيه أولى . والمستحب للساعي أن يعد الماشية على الماء إن كانت ترد الماء . وفي أفنيتهم إن لم ترد الماء . لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم أو عند أفنيتهم فإن أخبره صاحب المال بالعدد وهو ثقة قبل منه . وإن بذل له الزكاة أخذها . ويستحب أن يدعو له لقوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم التوبة : 301 والمستحب أن يقول : اللهم صل على آل فلان لما روى عبد الله بن أبي أوفي قال : جاء أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة ماله فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى وبأي شيء دعا جاز . قال الشافعي رضي الله عنه أحب أن يقول آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت وإن ترك الدعاء جاز لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم ولم يأمره بالدعاء . + الشرح : حديث عثمان سبق قريبا ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما ، وهذا لفظ رواية البيهقي وأما : لفظ رواية أبي داود ففيها لا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم وقوله : في رواية الكتاب عند مياههم أو عند أفنيتهم . قال البيهقي : هو شك من أبي داود الطيالسي أحد الرواة ورواه البيهقي أيضا من رواية عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال توحذ صدقات أهل البادية على مياههم وبأفنيتهم ويحتمل أن أو في رواية الكتاب ليست للشك كما قاله البيهقي . بل للتقسيم كما هو مقتضي حديث عائشة ، ومعناه إن كانت ترد الماء فعلى الماء ، وإلا فعند دورهم . وأما حديث ابن أبي أوفى فرواه البخاري ومسلم ، وحديث معاذ رواه البخاري ومسلم أيضا من رواية ابن عباس ومن رواية معاذ وقوله : أفنيتهم جمع فناء بكسر الفاء وبالمد وهو ما امتد مع جوانب الدار ، وقوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم أي تطهرهم بها من ذنوبهم ، والقراءة المشهورة التي قرأ بها القراء السبعة تطهرهم برفع الراء على أنه صفة لا جواب ، وقرىء في غير السبع بالجزم على الجواب . وقوله تعالى : وتزكيهم قيل : تصلحهم ، وقيل ترفعهم من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين ، وقيل تنمي أموالهم وصل عليهم أي ادع لهم ، وقرىء في السبع أن صلواتك سكن لهم وإن صلاتك سكن لهم أي رحمة ، وقيل طمأنينة ، وقيل وقار ، وقيل تثبيت . واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث كنية ابنه عبد الله أبو محمد ، ويقال : أبو إبراهيم وأبو معاوية الأسلمي ، وأبو أوفى وابنه صحابيان جليلان مشهوران ، وشهد ابنه بيعة الرضوان ، وهو آخر من توفي من الصحابة بالكوفة ، توفي سنة ست ، وقيل سبع أو ثمان وثمانين من الهجرة رضي الله عنه . وقوله : ( آجرك الله ) في لغتان قصر الهمزة ومدها ، والقصر أجود وطهورا بفتح الطاء أي مطهرا وقوله ( آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا ، وبارك لك فيما أبقيت ) أحسن من قوله في التنبيه فإنه وسط قوله وبارك لك فيما أبقيت وتأخيره أولى لتكون الدعوتان الأولتان اللتان من نوع واحد المتعلقتان بالمدفوع متصلتين ، ولا يفصل بينهما ، والله أعلم .

Sección V06/P153–V06/P155

أما الأحكام : ففيه مسائل : إحداها : قال أصحابنا : الأموال ضربان ( ضرب ) لا يتعلق بالحول وهو المعشرات فيبعث الإمام الساعي لأخذ زكواتها وقت وجوبها ، وهو إدراكها بحيث يصلهم وقت الجذاذ والحصاد ( وضرب ) يتعلق بالحول وهو المواشي وغيرها ، فالحول يختلف في حق الناس . قال الشافعي في المختصر والأصحاب : ينبغي للساعي أن يعين شهرا يأتيهم فيه . قال الشافعي والأصحاب : ويستحب أن يكون ذلك الشهر هو المحرم صيفا كان أو شتاء ، لأنه أول السنة الشرعية ، قالوا : وينبغي أن يخرج إليهم قبل المحرم ليصلهم في أوله ، وهذا الذي ذكرناه من تعيين الشهر مستحب ومتى خرج جاز ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الأصحاب وفيه وجه شاذ حكاه الرافعي أنه واجب والصواب الأول . الثانية : يستحب للساعي عد الماشية على الماء إن كانت ترده ، وإلا فعند أفنيتهم ، ولا يكلفهم ردها من الماء إلى الأفنية ولا يلزمه أن يتبعها في المراعي فإن كان لرب المال ماشيتان عند مائين أمر بجمعهما عند أحدهما ، وإن كانت لا ترد ماء لكنها تكتفي بالكلأ في الربيع ولا تحضر الأفنية ، فللساعي أن يكلفهم إحضارها إلى الأفنية صرح به المحاملي وغيره وهو مفهوم من نص الشافعي . ولو خرج إليها كان أفضل قال أصحابنا : وإذا أخبره صاحبها بعددها وهو ثقة ، فله أن يصدقه وبعمل بقوله لأنه أمين ، وإن لم يصدقه أو لم يختبره أو اختبره وصدقه وأراد الاحتياط بعدها عدها ، والأولى أن تجمع في حظيرة ونحوها ، وينصب على الباب خشبة معترضة ، وتساق لتخرج واحدة واحدة ، ويثبت كل شاة إذا بلغت المضيق ، فيقف المالك أو نائبه من جانب ، والساعي أو نائبه من جانب ، وبيد كل واحد منهما قضيب يشير به إلى كل شاة أو يصيبان به ظهرها ونحو ذلك فهو أضبط فإن اختلفا بعد العد وكان الفرض يختلف بذلك أعاد العد . الثالثة : إذا أخذ الساعي الزكاة استحب أن يدعو للمالك للآية والحديث المذكورين ، ولا يتعين دعاء ، لكن يستحب ما حكاه المصنف عن الشافعي ، وهذا الدعاء سنة وليس بواجب ، هذا هو المذهب وبه قطع المصنف والأصحاب وقال صاحب الحاوي : إن لم يسأله المالك الدعاء لم يجب ، وإن سأله فوجهان : أصحهما : يندب ولا يجب ، والثاني : يجب وحكى الحناطي والرافعي وجها أنه يجب مطلقا لظاهر القرآن والسنة ولقول الشافعي في مختصر المزني ، فحق على الوالي إذا أخذ الصدقة أن يدعو له ، ويجيب هذا القائل عن حديث معاذ بأنه كان معلوما عنده ، لأنه كان من حفاظ القرآن ، والآية صريحة فلا يحتاج إلى بيانه له ، كما لم يبين له في هذا الحديث نصب الزكاة لكونها كانت معلومة له ، وهذا الوجه حكاه أصحابنا عن داود وأهل الظاهر ، ووافقونا على أن المالك إذا دفع الزكاة إلى الفقراء لا يلزمهم الدعاء ، فحمل الأصحاب الآية والحديث وكلام الشافعي على الاستحباب قياسا على أخذ الفقراء . وأما إذا دفع المالك إلى الأصناف دون الساعي ، فالمذهب الصحيح وبه قطع الجمهور أنه ( يستحب لهم أن يدعوا له كما ) يستحب للساعي ، وحكى صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد أنه لا يستحب ، وليس بشيء وأما صفة الدعاء فقد ذكرناها ، وقال المصنف : يستحب أن يقول : اللهم صل على آل فلان ، وتابعه على هذا صاحب البيان ، وقال صاحب الحاوي : إن قال : اللهم صل عليهم فلا بأس وهذا الذي قالوه خلاف المذهب وخلاف ما قطع به الأكثرون فقد صرح الأكثرون بأنه تكره الصلاة على غير الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ابتداء في هذا الموضع وغيره ، وإنما يقال تبعا فيقال : صلى الله على النبي وعلى آله وأزواجه ونحو ذلك .

Sección V06/P155–V06/P156

وقال المتولي : لا تجوز الصلاة على غير الأنبياء ابتداء ، ومقتضى عبارته التحريم ، والمشهور الكراهة ، وقيل : إنه خلاف الأولى ، ولا يسمى مكروها فحصل أربعة أوجه أصحها : مكروه والثاني : حرام والثالث : خلاف الأولى والرابع : مستحب عند أخذ الصدقة ، وقد جمع الرافعي كلام إمام الحرمين وسائر الأصحاب فيه ولخصه فقال : قال الأئمة لا يقال : اللهم صل على فلان وإن ورد في الحديث ، لأن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، كما أن قولنا : عز وجل مخصوص بالله تعالى ، وكما لا يقال : محمد عز وجل وإن كان عزيزا جليلا ، لا يقال : أبو بكر أو علي صلى الله عليهما وسلم وإن صح المعنى ، قالوا : وإنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه منصبه ، فله أن يقوله لمن شاء بخلافنا ، قال : وهل ذلك مكروه كراهة تنزيه أم مجرد ترك أدب فيه وجهان الصحيح : الأشهر أنه مكروه ، وبه قطع القاضيحسين والغزالي في الوسيط . ووجهه إمام الحرمين بأن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود ، وقد ثبت نهي مقصود عن التشبه بأهل البدع وقد صار هذا شعارا لهم ، وظاهر كلام الصيدلاني والغزالي في الوجيز أنه خلاف الأولى . وصرح صاحب العدة بنفي الكراهة . وقال : الصلاة بمعنى الدعاء تجوز على كل أحد . أما بمعنى التعظيم فتختص بالأنبياء ولا خلاف أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم ، فيقال : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته وأتباعه وأصحابه ، لأن السلف استعملوه وأمرنا به في التشهد . قال الشيخ أبو محمد : والسلام بمعنى الصلاة ، فإن الله تعالى قرن بينهما فلا يفرد به غائب غير الأنبياء ، ولا بأس به على سبيل المخاطبة للأحياء والأموات من المؤمنين ، فيقال سلام عليكم . هكذا قال : لا بأس به ، وليس بجيد بل الصواب أنه سنة للأحياء والأموات . وهذه الصيغة لا تستعمل في المسنون ، وكأنه أراد أنه لا يمنع منه في المخاطبة بخلاف الغيبة . وأما استحبابه في المخاطبة فمعروف . والله تعالى أعلم . فرع : يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار فيقال : رضي الله عنه أو رحمة الله عليه أو رحمه الله ونحو ذلك ، وأما ما قاله بعض العلماء أن قول رضي الله عنه مخصوص بالصحابة ، ويقال في غيرهم رحمه الله فقط فليس كما قال ، ولا يوافق عليه ، بل الصحيح الذي عليه الجمهور استحبابه ، ودلائله أكثر من أن تحصر ، فإن كان المذكور صحابيا ابن صحابي قال : قال ابن عمر رضي الله عنهما وكذا ابن عباس ، وكذا ابن الزبير وابن جعفر وأسامة بن زيد ونحوهم ليشمله وأباه جميعا .

Sección V06/P156–V06/P157

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن منع الزكاة أو غل أخذ منه الفرض وعزره على المنع والغلول . وقال في القديم : يأخذ الزكاة وشطر ماله ، ومضى توجيه القولين في أول الزكاة ، وإن وصل الساعي قبل وجوب الزكاة ورأى أن يستسلف فعل ، وإن لم يسلفه رب المال لم يجبره على ذلك لأنها لم تجب بعد فلا يجبر على أدائه . وإن رأى أن يوكل من يقبضه إذا حال الحول فعل ، فإن رأى أن يتركه حتى يأخذه مع زكاة القابل فعل ، وإن قال رب المال : لم يحل الحول على المال فالقول قوله ، وإن رأى تحليفه حلفه احتياطا ، وإن قال : بعته ثم اشتريته ولم يحل الحول عليه . أو قال أخرجت الزكاة عنه قلنا يجوز أن يفرق بنفسه ففيه وجهان أحدهما : يجب تحليفه لأن يدعى خلاف الظاهر ، فإن نكل عن اليمين أخذ منه الزكاة والثاني : يستحب تحليفه ولا يجب لأن الزكاة موضوعة على الرفق ، فلو أوجبنا اليمين خرجت عن باب الرفق ويبعث الساعي لزكاة الثمار والزرع في الوقت الذي يصادف فيه الإدراك ويبعث معه من يخرص الثمار ، فإن وصل قبل وقت الإدراك ورأى أن يخرص الثمار ويضمن رب المال زكاتها فعل ، وإن وصل وقد وجبت الزكاة وبذل له أخذها ودعا له ، فإن كان الإمام أذن للساعي في تفريقها فرقها ، وإن لم يأذن له حملها إلى الإمام . + الشرح : فيه مسائل : إحداها : إذا لزمته زكاة فمنعها أو غلها ، أي كتمها ، وخان فيها أخذ الإمام أو الساعي الفرض منه ، والقول الصحيح الجديد أنه لا يأخذ شطر ماله . وقال في القديم يأخذه ، وسبق شرح القولين بدليلهما وفروعهما في أول كتاب الزكاة . قال الشافعي في المختصر في آخر باب صدقة الغنم السائمة : ولو غل صدقته عزر إذا كان الإمام عادلا إلا أن يدعي الجهالة ولا يعزر إن لم يكن الإمام عادلا هذا نصه ، قال أصحابنا : إذا كتم ماله أو بعضه عن الساعي أو الإمام ثم اطلع عليه أخذ فرضه ، فإن كان الإمام أو الساعي جائرا في الزيادة ، بأن يأخذ فوق الواجب أو لا يصرفها مصارفها لم يعزره ، لأنه معذور في كتمه ، وإن كان عادلا فإن لم يدع المالك شبهة في الإخفاء عزره لأنه عاص آثم بكتمانه ، وإن ادعى شبهة بأن قال لم أعلم تحريم كتمانها أو قال ظننت أن تفرقتي بنفسي أفضل من نحو ذلك ، فإن كان ذلك محتملا في حقه لقرب إسلامه أو لقلة اختلاطه بالعلماء ونحوهم لم يعزره ، قال السرخسي فإن اتهمه فيه حلفه ، وإن كان ممن لا يخفى عليه لاختلاطه بالعلماء ونحوهم لم يقبل قوله وعزره وأما مانع الزكاة فيعزر على كل تقدير ، إلا إن يكون قريب عهد بالإسلام ، يخفى عليه وجوبها أو نحوه . الثانية : إذا وصل الساعي أصحاب الأموال ، فإن كان حول صاحب المال قد تم أخذ الزكاة ودعا له كما سبق . وإن كان الحول لم يتم على جميعهم أو بعضهم سأله الساعي تعجيل الزكاة ، ويستحب للمالك اجابته وتعجيلها ، فإن عجلها برضاه أخذها ودعا له وإن امتنع لم يجبر لما ذكره المصنف ، ثم إن رأى الساعي المصلحة في أن يوكل من يأخذها عند حلولها ويفرقها على أهلها فعل ، وإن رأى أن يؤخرها ليأخذها منه في العام المقبل فعل ، ويكتبها لئلا ينساها أو يموت فلا يعلمها الساعي بعده . ورووا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخر الزكاة عام الرمادة وكان عام مجاعة وإن رأى أن يرجع في وقت حلولها ليأخذها فعل ، وإن وثق بصاحب المال فوض التفريق إليه لأنه يجوز تفريقه بغير إذن فبالإذن أولى . الثالثة : إذا اختلف الساعي ورب المال .

Sección V06/P157–V06/P158

قال أصحابنا : إن كان قول المالك لا يخالف الظاهر بأن قال : لم يحل الحول بعد ، أو قال : هذه السخال اشتريتها وقال الساعي : بل تولدت من النصاب ، أو قال تولدت بعد الحول فقال الساعي قبله . أو قال الساعي : كانت ماشيتك نصابا ثم توالدت ، فقال المالك : بل تمت نصابا بالتوالد ، فالقول قول المالك في جميع هذه الصور ونظائرها مما لا يخالف الظاهر فإن رأى الساعي تحليفه حلفه . واليمين هنا مستحبة ، فإن امتنع منها لم يكلف بها ولا زكاة عليه بلا خلاف ، لأن الأصل براءته ولم يعارض الأصل ظاهر ، وإن كان قول المالك مخالفا للظاهر بأن قال : بعته ثم اشتريته في أثناء الحول ولم يحل حوله بعد ، أو قال فرقت الزكاة بنفسي وجوزنا ذلك له ونحو ذلك ، فالقول قول المالك بيمينه بلا خلاف . وهل اليمين مستحبة أم واجبة فيه وجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : مستحبة ، صححه المحاملي في كتابيه وآخرون ، وقطع به جماعة منهم المحاملي في المقنع . فإن قلنا مستحبة فنكل لم يجبر على اليمين ولا زكاة عليه ، وإن قلنا : واجبة فامتنع أخذت منه الزكاة . قال أصحابنا : وليس هذه أخذا بالنكول بل بالوجوب السابق والسبب المتقدم ، ومعناه أن الزكاة انعقد سبب وجوبها ، ويدعي مسقطها ولم يثبته بيمينه ولا بغيرها ، والأصل عدمه فبقي الوجوب ، هذا هو المشهور وبه قطع الأصحاب إلا أبا العباس بن القاص فقال : هذه المسألة حكم فيها بالنكول على هذا الوجه . قال أصحابنا وهذا غلط . قال القاضي أبو الطيب والأصحاب : ونظير هذا اللعان ، فإن الزوج إذا لاعن لزم المرأة حد الزنا فإن لاعنت سقط ، وإن امتنعت لزمها الحد لا بامتناعها بل بلعان الزوج ، وإنما لعانها مسقط لما وجب بلعانه ، فإذا لم تلاعن بقي الوجوب وهكذا الزكاة . والله أعلم . ولو قال المالك هذا المال الذي في يدي وديعة وقال الساعي بل هو ملك لك فوجهان مشهوران في الشامل وغيره أحدهما : أن دعواه لا تخالف الظاهر فيكون القول قوله بيمينه استحبابا قطعا ، لأن ما في يد الإنسان قد يكون لغيره وأصحهما : أنها مخالفة للظاهر وصححه صاحب الشامل ، وبه قطع القاضي أبو الطيب في تعليقه والنبدنيجي والمحاملي في كتابيه وغيرهم . والله أعلم . الرابعة : يستحب أن يخرج الساعي لأخذ زكاة الثمار والزروع في الوقت الذي يصادف إدراكها وحصولها ، وقد سبق شرح هذه المسألة قريبا ، ويستحب أن يكون مع الساعي من يخرص ليخرص ما يحتاج إلى خرصه وينبغي أن يكون خارصان ذكران حران ليخرج من الخلاف السابق في ذلك . والله أعلم . الخامسة : إذا قبض الساعي الزكاة فإن كان الإمام أذن له في تفريقها في موضعها فرقها ، وأن أمره بحملها حيث يجوز الحمل إما لعدم من يصرف إليه في ذلك الموضع أو لقرب المسافة إذا قلنا به أو لكون الإمام والساعي يريان جواز النقل حملها ، وإن لم يأذن له في التفرقة ولا أمره بالحمل فمقتضى عبارة المصنف وغيره وجوب الحمل إلى الأمام . وهكذا هو لأن الساعي نائب الإمام فلا يتولى إلا ما أذن له فيه ، وإذا أطلق الولاية في أخذ الزكوات لم يقتض الصرف إلى المستحقين . واعلم أن عبارة المصنف تقتضي الجزم بجواز نقل الزكاة للإمام والساعي ، وأن الخلاف المشهور في نقل الزكاة إنما هو في نقل رب المال خاصة وهذا هو الأصح ، وقد قال الرافعي : ربما اقتضى كلام الأصحاب طرد الخلاف في الإمام والساعي ، وربما اقتضى جواز النقل للإمام والساعي التفرقة حيث شاء ، قال : وهذا أشبه ، وهذا الذي رجحه هو الراجح الذي تقتضيه الأحاديث . والله أعلم .

Sección V06/P158–V06/P159

فرع : قال أصحابنا : لا يجوز للإمام ولا للساعي بيع شيء من مال الزكاة من غير ضرورة ، بل يوصلها إلى المستحقين بأعيانها لأن أهل الزكاة أهل رشد لا ولاية عليهم . فلم يجز بيع مالهم بغير إذنهم ، فإن وقعت ضرورة بأن وقف عليه بعض الماشية أو خاف هلاكه أو كان في الطريق خطر ، أو احتاج إلى رد جبران ، أو إلى مؤنة النقل ، أو قبض بعض شاة ، وما أشبهه جاز البيع للضرورة كما سبق في آخر باب صدقة الغنم أنه يجوز دفع القيمة في مواضع للضرورة . قال أصحابنا : ولو وجبت ناقة أو بقرة أو شاة واحدة ، فليس للمالك بيعها وتفرقة ثمنها على الأصناف بلا خلاف ، بل يجمعهم ويدفعها إليهم ، وكذا حكم الإمام عند الجمهور ، وخالفهم البغوي فقال : إن رأى الإمام ذلك فعله ، وإن رأى البيع وتفرقة الثمن فعله ، والمذهب الأول . قال أصحابنا : وإذا باع في الموضع الذي لا يجوز فيه البيع فالبيع بالطل ، ويسترد المبيع ، فإن تلف ضمنه . والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : إذا تلف من الماشية شيء في يد الساعي أو المالك إن كان بتفريط ، بأن قصر في حفظها أو عرف المستحقين وأمكنه التفريق عليهم ، فأخر من غير عذر ضمنها لأنه متعد بذلك ، وإن لم يفرط لم يضمن كالوكيل ، وناظر مال اليتيم ، إذا تلف في يده شيء بلا تفريط لا يضمن والله أعلم . وفي فتاوى القفال أن الإمام إذا لم يفرق الزكاة بعد التمكن ولا عذر له حتى تلفت عنده ضمنها كما سبق ، قال : والوكيل بتفرقة الزكاة ، لو أخر تفرقتها حتى تلف المال لم يضمن ، قال : لأن الوكيل لا يجب عليه التفريق بخلاف الإمام . فرع : قال أصحابنا : لو جمع الساعي الزكاة ثم تلفت في يده بلا تفريط قبل أن تصل إلى الإمام استحق أجرته في بيت المال لأنه أجير ، وممن صرح به صاحب الشامل والبيان ، ونقله صاحب البيان عن صاحب الفروع .

Sección V06/P159–V06/P161

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يسم الماشية التي يأخذها في الزكاة ، لما روى أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إبل الصدقة ولأن بالوسم تتميز عن غيرها فإذا شردت ردت إلى موضعها ، ويستحب أن يسم الإبل والبقر في أفخاذها لأنه موضع صلب ، فيقل الألم بوسمه ، ويخف الشعر فيه فيظهر ، ويسم الغنم في آذانها ، ويستحب أن يكتب في ماشية الزكاة لله ، أو زكاة ، وفي ماشية الجزية جزية أو صغار ، لأن ذلك أسهل ما يمكن . + الشرح : حديث أنس رواه البخاري ومسلم ، ولفظهما قال أنس أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه : فوافيته وفي يده الميسم يسم إبل الصدقة وفي رواية يسم غنما . أما أحكامه وفروعه ففيه مسائل : إحداها : قال الشافعي وسم الماشية التي للزكاة والجزية وهذا الاستحباب متفق عليه عندنا ، ونقل صاحب الشامل وغيره أنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، قال العبدري : وبه قال أكثر الفقهاء ، وقال أبو حنيفة : يكره الوسم لأنه مثلة ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ، ولأنه تعذيب للحيوان ، وهو منهي عنه . واحتج أصحابنا بحديث أنس المذكور ، وبآثار كثيرة عن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة رضي الله عنهم ، ولأن الحاجة تدعو إلى الوسم لتتميز إبل الصدقة من إبل الجزية وغيرها ، ولأنها ربما شردت فيعرفها واجدها بعلامتها فيردها ، ولأن من أخرجها يكره له شراؤها فيعرفها لئلا يشتريها . وممن ذكر هذا المعنى الإمام الشافعي واعتمده ، واعترض عليه بأنه وإن عرف أنها صدقة لا يعرف كونها صدقته ، وإنما يكره شراء صدقته لا صدقة غيره ، وأجاب الأصحاب بأنه إذا عرف أنها صدقة احتاط فاجتنبه ، وقد يعرف أنها صدقته لاختصاص ذلك النوع من الصدقه به ، ولغير ذلك من المصالح وأما : احتجاج أبي حنيفة بالمثلة والتعذيب فهو عام وحديثنا والآثار خاصة باستحباب الوسم ، فخصصت ذلك العموم ووجب تقديمها عليه . والله أعلم . الثانية : قال أصحابنا وأهل اللغة : الوسم أثر كية ، ويقال : بعير موسوم وقد وسمه وسما وسمة . والميسم الشيء الذي يوسم به . وجمعه مياسم ومواسم . وأصله من السمة وهي العلامة ، ومنه موسم الحج لأنه معلم يجمع الناس وفلان موسوم بالخير وعليه سمة الخير أي علامته . قال أصحابنا : يستحب وسم الإبل والبقر في أصول أفخاذها ، والغنم في آذانها لما ذكره المصنف ، فلو وسم في غيره جاز إلا الوجه فمنهى عن الوسم فيه باتفاق أصحابنا وغيرهم من العلماء ، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا موسوم الوجه فأنكر ذلك رواه مسلم وعن جابر رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه ، وعن الوسم في الوجه رواه مسلم ، وعن جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم : مر على حمار قد وسم في وجهه فقال : لعن الله الذي وسمه رواه مسلم . واختلفت عبارات أصحابنا في كيفية النهي عن الوسم في الوجه فقال البغوي : لا يجوز الوسم ، وقال صاحب العدة : الوسم على الوجه منهي عنه بالاتفاق ، وهو من أفعال الجاهلية ، وقال الرافعي : يكره ، والمختار التحريم ، كما أشار إليه البغوي ، وهو مقتضى اللعن ، وقد ثبت اللعن في الحديث كما ذكرناه . والله أعلم . الثالثة : ينبغي أن يميز بين سمة الزكاة والجزية ، قال الشافعي والأصحاب : يستحب أن يكتب في ماشية الجزية جزية أو صغار .

Sección V06/P161–V06/P162

وأما : ماشية الزكاة فقال الشافعي والأصحاب يستحب أن يكتب عليها صدقة ، أو زكاة ، أو لله ، وقد نص الشافعي في مختصر المزني على أنه يكتب لله ، وصرح به الأصحاب منهم المصنف وابن كج والدارمي و القاضي أبو الطيب في المجرد والمحاملي وصاحب الشامل والغزالي والبغوي وصاحب العدة وطلائق آخرون قال صاحب الشامل : يكتب صدقة أو زكاة ، قال : فإن كتب عليها لله كان أبرك وأولى . قال الرافعي : نص الشافعي على كتابة لله ، قال : واستبعده بعض من شرح الوجيز وبعض من شرح المختصر من المتقدمين ، لأن الدواب تتمعك وتضرب أفخاذها بأذنابها وهي نجسة وينزه اسم الله تعالى عنها . قال الرافعي والجواب عن هذا بأن إثبات اسم الله تعالى هنا لغرض التمييز والإعلام ، لا على قصد الذكر قال : ويختلف التعظيم والاحترام بحسب اختلاف المقصود . ولهذا يحرم على الجنب قراءة القرآن ، ولو أتى ببعض ألفاظه لا على قصد القراءة لم يحرم . هذا كلام الرافعي . الرابعة : قال الشافعي في المختصر والأصحاب : يستحب أن تكون سمة الغنم ألطف من سمة البقر . قال أصحابنا : وسمة البقر ألطف من سمة الإبل . ودليله ظاهر . الخامسة : قال أصحابنا : الوسم مباح في الحيوانات التي ليست للصدقة ولا للجزية . ولا يقال : مندوب ولا مكروه وأما : حيوانهما فيستحب وسمه كما سبق . وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من رواية ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يكوي في الجاعرتين وهما أصل الفخذين ولفظ رواية مسلم يوهم أن الذي كان يكوي في الجاعرتين هو النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو العباس بن عبد المطلب أو أنه ابن عباس كما أوضحته في شرح مسلم . فرع : قال البغوي والرافعي : لا يجوز خصاء حيوان لا يؤكل لا في صغره ولا في كبره . قال ويجوز خصاء المأكول في صغره لأن فيه غرضا وهو طيب لحمه ولا يجوز في كبره . ووجه قولهما أنه داخل في عموم قوله تعالى إخبارا عن الشيطان ولآمرنهم فليغيرن خلق الله فخصص منه الختان والوسم ونحوهما وبقي الباقي داخلا في عموم الذم والنهي . فرع : الكي بالنار إن لم تدع إليه حاجة حرام لدخوله في عموم تغيير خلق الله وفي تعذيب الحيوان وسواء كوى نفسه أو غيره من آدمي أو غيره وإن دعت إليه حاجة . وقال أهل الخبرة : أنه موضع حاجة جاز في نفسه وفي سائر الحيوان ، وتركه في نفسه للتوكل أفضل . لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قيل : يدخل من أمتك الجنة سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب قال : وهم الذي لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون متفق عليه . وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب قالوا : ومن هم يا رسول الله قال : هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون رواه مسلم . وعن عمران أيضا قال : وكان يسلم علي حتى اكتويت فتركت ثم تركت الكي فعاد رواه مسلم ومعناه أنه كان به مرض فاكتوى بسببه وكانت الملائكة تسلم عليه قبل الكي لفضله وصلاحه ، فلما اكتوى تركوا السلام عليه ، فعلم ذلك فترك الكي مرة أخرى ، وكان محتاجا إليه فعادوا وسلموا عليه رضي الله عنه ، والله أعلم .

Sección V06/P162

فرع : يكره إنزاء الحمير على الخيل لحديث علي رضي الله عنه قال : أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة فركبها فقلت : لو حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون رواه أبو داود بإسناد صحيح ، قال العلماء : وسبب النهي أنه سبب لقلة الخيل ولضعفها . فرع : يحرم التحريش بين البهائم . لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحريش بين البهائم . رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح لكن فيه أبو يحيى القتات ، وفي توثيقه خلاف ، وروى له مسلم في صحيحه ، والله أعلم .

Sección V06/P162

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز للساعي ولا للإمام أن يتصرف فيما يحصل عنده من الفرائض حتى يوصلها إلى أهلها ، لأن الفقراء أهل رشد لا يولي عليهم ، فلا يجوز التصرف في مالهم بغير إذنهم ، فإن أخذ نصف شاة أو وقف عليه شيء من المواشي وخاف هلاكه أو خاف أن يؤخذ في الطريق جاز له بيعه ، لأنه موضع ضرورة ، وإن لم يبعث الإمام الساعي وجب على رب المال أن يفرق الزكاة بنفسه على المنصوص لأنه حق للفقراء ، والإمام نائب عنهم ، فإذا ترك النائب لم يترك من عليه أداؤه ومن أصحابنا من قال . إن قلنا : إن الأموال الظاهرة يجب دفع زكاتها إلى الإمام لم يجز أن يفرق بنفسه لأنه مال توجه حق القبض فيه إلى الإمام ، فإذا لم يطلب الإمام لم يفرق كالحراج والجزية . + الشرح : هذه المسائل كما ذكرها وسبق شرحها قريبا قبل الوسم . ومسألة النص سبق شرحها مع نظائرها أول الباب . والله أعلم .

Sección V06/P162–V06/P163

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يصح أداء الزكاة إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى ولأنها عباده محضة فلم تصح من غير نية كالصلاة ، وفي وقت النية وجهان أحدهما : يجب أن ينوي حال الدفع لأنه عبادة يدخل فيها بفعله فوجبت النية في ابتدائها كالصلاة والثاني : يجوز تقديم النية عليها لأنه يجوز التوكيل فيها ونيته غير مقارنة لأداء الوكيل ، فجاز تقديم النية عليها بخلاف الصلاة ، ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال ، فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه لأن الصدقة قد تكون نفلا فلا تنصرف إلى الفرض إلا بالتعيين . ولا يلزمه تعيين المال المزكى عنه . وإن كان له نصاب حاضر ونصاب غائب فأخرج الفرض فقال : هذا عن الحاضر أو الغائب أجزأه ، لأنه لو أطلق النية لكانت عن أحدهما فلم يضر تقييده بذلك . فإن قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته ، وإن لم يكن سالما فهو عن الحاضر فإن كان الغائب هالكا أجزأه ، لأنه لو أطلق وكان الغائب هالكا لكان هذا عن الحاضر . وإن قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته أو تطوع لم يجزه لأنه لم يخلص النية للفرض . وإن قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته ، وإن لم يكن سالما فهو تطوع وكان سالما أجزأه لأنه أخلص النية للفرض ، ولأنه لو أطلق النية لكان هذا مقتضاه فلم يضر التقييد . وإن كان له من يرثه فأخرج مالا وقال : إن كان قد مات مورثي فهذا عن زكاة ما ورثته منه وكان قد مات لم يجزه لأنه لم يبن النية على أصل لأن الأصل بقاؤه ، وإن وكل من يؤدي الزكاة ونوى عند الدفع إلى الوكيل ، ونوى الوكيل عند الدفع إلى الفقراء أجزأه . وإن نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجزه ، لأن الزكاة فرض على رب المال فلم تصح من غير نية ، وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل ففيه طريقان ، من أصحابنا من قال : يجوز قولا واحدا لأن الذي عليه الفرض قد نوى في وقت الدفع إلى الوكيل ، فتعين المدفوع للزكاة ، فلا يحتاج بعد ذلك إلى النية . ومن أصحابنا من قال يبني على جواز تقديم النية ، فإن قلنا يجوز أجزأه ، وإن قلنا : لا يجوز لم يجزه ، وأن دفعها إلى الإمام ولم ينو ففيه وجهان أحدهما : يجزئه وهو ظاهر النص ، لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفى بهذا الظاهر عن النية . ومن أصحابنا من قال : هو ظاهر النص لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الغرض فاكتفى بهذا الظاهر عن النية ومن أصحابنا من قال لا يجزئه ، وهو الأظهر لأن الإمام وكيل للفقراء ، ولو دفع إلى الفقراء لم يجز إلا بالنية عند الدفع ، فكذلك إذا دفع إلى وكيلهم ، وتأول هذا القائل قول الشافعي رحمه الله على من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهرا فإنه يجزئه ، لأنه تعذرت النية من جهته ، فقامت نية الإمام مقام نيته . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وسبق بيانه في أول باب نية الوضوء . وسبق هناك بيان الاحتراز بقوله عبادة محضة وإنما قاس على الصلاة للرد على الأوزاعي . فإنه قال : لا تفتقر الزكاة إلى نية . ووافق على افتقار الصلاة إلى النية . وهذا القياس الذي ذكره المصنف ينتقض بالعتق والوقف والوصية .

Sección V06/P163–V06/P166

وقوله : ( وفي وقت النية وجهان أحدهما يجب أن ينوي في حال الدفع لأنها عبادة يدخل فيها بفعله فوجبت النية في ابتدائها كالصلاة ) فقوله : بفعله احتراز من الصوم وفي الفصل مسائل : إحداها : لا يصح أداء الزكاة إلا بالنية في الجملة . وهذا لا خلاف فيه عندنا وإنما الخلاف في صفة النية وتفريعها وبوجوبها قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وأبو ثور وداود وجماهير العلماء . وشذ عنهم الأوزاعي فقال : لا تجب ويصح أداؤها بلا نية كأداء الديون . ودليلنا ما ذكره المصنف وتخالف الدين فإن الزكاة عبادة محضة كالصلاة . وأجاب القاضي أبو الطيب في تعليقه بأن حقوق الآدمي لما لم يفتقر المتعلق منها بالبدن كالقصاص وحد القذف إلى نية ، لم يفتقر المتعلق بالمال وحقوق الله تعالى المتعلقة بالبدن إلى النية فكذا المتعلقة بالمال وأجاب صاحب الشامل والتتمة بأن الدين ليس عبادة وإن كان فيه حق لله تعالى ، ولهذا يسقط بإسقاط صاحبه ، فالمغلب فيه حقه . قال أصحابنا : فإن نوى بقلبه دون لفظ لسانه أجزأه بلا خلاف ، وإن لفظ بلسانه ولم ينو بقلبه ففيه طريقان أحدهما : لا يجزئه وجها واحدا ، وبه قطع العراقيون والسرخسي وغيره من الخراسانيين . والطريق الثاني : فيه وجهان أحدهما : يكفيه اللفظ باللسان دون نية القلب والثاني : لا يكفيه ويتعين القلب ، وهذا الطريق مشهور في كتب الخراسانيين ، ذكره الصيدلاني والفوراني و إمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون . قال الرافعي وهو الأشهر . قال : ومنهم من حكى هذا الخلاف قولين ، واتفق القائلون بهذا الطريق على أن الأصح اشتراط نية القلب . وممن قال بالاكتفاء باللسان القفال . ونقله الصيدلاني وإمام الحرمين والغزالي قولا للشافعي . وأشار القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد إلى هذا فقال : قال الشافعي في الأم : سواء نوى في نفسه أو تكلم فإنما أعطى فرض مال . فأقام اللسان مقام النية ، كما أقام أخذ الإمام مقام النية . قال وبينه في الأم فقال إنما منعني أن أجعل النية في الزكاة كنية الصلاة افتراق الصلاة والزكاة في بعض حالهما ، ألا ترى أنه يجوز دفع الزكاة قبل وقتها ويجزىء أن يأخذها الوالي بغير طيب نفسه فتجزىء عنه وهذا لا يوجد في الصلاة ، هذا آخر كلام القاضي أبي الطيب . وقال إمام الحرمين : المنصوص للشافعي أن النية لا بد منها . قال : وقال الشافعي في موضع آخر : إن قال بلسانه هذا زكاة مالي أجزأه قال : واختلف أصحابنا في هذا النص فقال صاحب التقريب فيما حكاه عنه الصيدلاني ، أراد الشافعي لفظ اللسان مع نية القلب ، قال : وقالت طائفة يكفي اللفظ ولا تجب نية القلب وهو اختيار القفال . قال : واحتج القفال بأمرين أحدهما : أن الزكاة تخرج من مال المرتد ولا تصح نيته والثاني : جواز النية في أداء الزكاة . ولو كانت نية القلب متعينة لوجبت على المكلف بها مباشرتها ، لأن النيات سر العبادات والإخلاص فيها ، قال الإمام : فقد حصل في النية قولان أحدهما : يكفي اللفظ أو نية القلب ، أيهما أتى به كفاه والثاني : وهو المذهب تعيين نية القلب ، قال البغوي في توجيه قول القفال في الاكتفاء باللفظ : لأن النيابة في الزكاة جائزة ، فلما ناب شخص عن شخص فيها جاز أن ينوب القلب عن اللسان . قال : ولا يرد علينا الحج حيث تجزىء فيه النيابة ويشترط فيه نية القلب لأنه لا ينوب فيه من ليس من أهل الحج ، وفي الزكاة ينوب فيها من ليس من أهل وجوب الزكاة عليه ، فإنه لو استناب عبدا أو كافرا في أداء الزكاة جاز ، هذا كلام البغوي ، وفي استنابة الكافر في إخراجها نظر ، ولكن الصواب الجواز كما يجوز استنابته في ذبح الأضحية .