Qur'an&Sunnah

Muhâsibî — er-Riâye li-Hukûkillâh

Sección V00/P435–V00/P436

فإذا ذكر نفسه العقاب عند الذنوب ، تخويفا لها ليتوب من الذنوب، وذكرها الرجاء عند التوبة، ليردع نفسه عن القنوط، وتسخو بالتوبة لرجاء المغفرة عند اعتراض القنوط القاطع عن العمل أنه لا يتقبل منه ، فرجا القبول وغفران الذنوب لا فسخا بالتوبة نفسا، وبالعمل لرجاء الرحمة والعفو والصفح والتجاوز ، فقد وضع الخوف والرجاء بالموضع الذي وضعهما الله عز وجل فيه ، وأدب نفسه بأدب الله عز وجل في كتابه، ولم يغتر ولم يقنط من رحمة ربه عز وجل. ومن قلب هذين المعنيين من الخوف والرجاء، وذكر الرجاء عند الذنوب، ونسي اا الخوف والحذر ، فطيب نفسه بذكر الرجاء، فقل خوفه وزال حذره، فأقام عن المعاضي متمنيا ، فذلك المغتر بالله عز وجل ، المتأدب بغير آدبه ، والواضع الرجاء في غير موضعه، والتارك لاستعمال الخوف في موضعه عند الحاجة إليه، فهذه صفة المغترين من العاصين الموحدين . وإنما مثله في ذلك مثل عبد له مولى، إذا عاقب مملوكه عاقبه بأشد العقوبة وأعظمها ، وهو مع ذلك رحيم عظيم الرحمة ، يعفو كثيرا ، ويعاقب فيبالغ في العقوبة سورة البقرة، الآية: 195. في ط: به. ============================================================ فعقوبته على قدر عفوه، فقال لعبده مع عظيم هذا الخطر: إن أنت أتيتني غدا يوم السبت رضيت عنك، وأعطيتك من المال كذا وكذا ، واعتقتك وزوجتك وأخدمتك، وإن تأخرت إلى بعد غد، يوم الأحد، فأتيتني يوم الأحد، لم أعطك من ذلك شيئا، وغضبت عليك وعذبتك عذابا شديدا ، وسجنتك سجنا طويلا ، فعرضت للعبد لذة، إن أصابها اشتغل عن مولاه ان يأتيه يوم السبت وتأخر الذهاب إلى يوم الأحد، فاشتغل بلذته، ورجى نفسه عفو مولاه ورحمته ناسيا مع ذلك شدة عقوبته، وإن ذكرها ذكرها بغير تعظيم لها ذكرا لا يمنعه عن الشغل يوم السبت، وتأخير الذهاب إلى يوم الأحد، لما غلب على قلبه من حلاوة لذته . فاثر إصابة لذته على طاعة مولاه، في إتيانه يوم السبت الذي وعده فيه بالرضا والثواب، فأخر الذهاب إليه إلى يوم الأحد، لئلا تفوته لذته، وقد علم انه قدا توعده إن آتاه يوم الأحد ان يغضب عليه، وججرمه ما وعده، ويعاقبه بأش العقوبة ، فتشاغل يوم السبت بلذته، وهو طيب النفس بما تذكره نفسه من الرجاء، فقد قطعه ذكر الرجاء عن خوف العقوبة ، تاركا للذهاب في اليوم الذي وعده فيه النواب، ويرجو الثواب والعفو مع التأخير للذهاب في اليوم الذي توعده فيه بالغضب والعقاب، وهو ناس للعقوبة، تارك للذهاب، لينجز ما وعده من الثواب ي يوم السبت ، متمن لعفوه. يقول لنفسه أذهب يوم الأحد، فيعفو عني مولاي ويرضى، ويعطيني ما وعدني سن المال، ويزوجني ويخدمني، قد أنساه هذا الذي ترجتيه نفسه خوف مولاه وحذره، ولم ينرك لذته القاطعة له عن طاعة مولاه، ألم يك هذا مغررا بنفسه، خاطرا ببدنه ، تاركا للوثيفة والاحتياط لنفسه ، معرضا نفسه هلكتها ، مضيعا لطلب رضا مولاه وتنجز توابه؟ .

Sección V00/P436–V00/P438

و كذلك لو قال له مولاه : إذا عملت كذا وكذا محكما تامأ أعطيتك الف دينار، وإن أفسدته لم أعطك شيئا وضربتك الف سوط، فترك إحكامه للذة شغلته ، وأفسده على عمد للذة آثرها ، لا ينالها إلا بفساد ذلك العمل ، فأثرها وهو يعلم ان ============================================================ العمل يفسد ، كراهة الشغل عنها بإحكام ذلك، أو كراهة تحمل مكروه: من تعب على بدنه ، أو قلة في غذائه، وهو مع ذلك طيب النفس ، يطيبها ويرجيها الف دينار غير خائف لما توعد به من ضرب آلف سوط الم يك مغرورا قد غرته نفسه، فوضع الرجاء في غير موضعه، وازال الخوف الذي يبعثه على طاعة مولاه عن موضعه، ولم يضع وعد مولاه وتوعده كل واحدة منهما في موضع ينتفع به، فكذلك المغتر بالله عز وجل، أقام على ما أوجب عليه حرمان جواره، والحلول في عذابه ، طيب النفس راجيا للثواب، غير خائف من العذاب، أفليس هذا مغترا خاطرا بنفسه؟ وإن كان مولاه عظيم العفو قد يفعل ذلك له وقد لا يفعل ألم يك فد اغتر وخاطر بنفسه، وغرته نفسه وخدعته؟ لأن العقاب في الحكم عليه يقين لا شك فيه ، والرجاء للمغفرة من غير توبة مع الأصرار شك لا يقين فيه . فهو تارك للوثيقة، مغرر بنفس ليس لها خلف لا يأمن ان يبدو له من الله عز وجل غير ما يحتسب، وذلك ان الذي وجب عليه لا يشك فيه ، كما وصف الله عز وجل المغترين، فقال:{وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) قيل في بعض التفسير : أعمال كانوا يرون أنها خيرا فصارت شرا، فذلك رجاء كاذب. قلت: اليس الرجاء مبسوطا للموحدين وإن عظمت ذنوبهم، والإياس محرما عليهم؟ قال: آجل، وليس هذا موضعه الذي وضع فيه ، ولكنه موضع خوف من اله وقد يكون العبد عاصيا مغترا فإن عارضه القنوط قمعه بالرجاء، من أجل التوحيد ، لا فقفمع به القنوط الذي هو معصية لمولاه، لئلا يجمع معصية وقنوطا فيكونا ذنبين فإن طيب بعد ذلك نفسه بذكر الرجاء، فجراه على المقام على معاصي الله عز وجل، فقد اغتر بالله عز وجل ، لأن الله عز وجل جعل الرجاء مزيلا للقنوط الذي ينع من التوبة والعمل، باعثا على الطاعة والقربة إليه، وجعل الخوف مانعا من الأمن والاغترار ، مزيلا عن الإقامة على الذنوب، مانعا لمواقعتها عند الهم بها . سورة الزمر، الآية: 47 . ============================================================ الم تسمع إلى قوله عز وجل: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن اهوى فإن الجنة هي المأوى) ؟ فالخوف مانع من الذنب قبل مواقعته مهيج على التوبة بعد إصابته . فهذا فرق ما بين الرجاء والغرة بالله عز وجل. ولقد أعلمنا الله عز وجل على لسان النبي له أن الغرة تشتمل في آخر الزمان على آخر هذه الأمة، بذكر الرجاء في غير موضعه، فذمهم النبي عوالله بذلك وأخبر أن ذلك عند ذهاب الحق وأهله، وغلبة الباطل على آخر هذه الأمة، رواه عن معقل بن يسار أنه قال لله: يأتي على الناس زمان يخلق فيه القرآن في قلوب الرجال كما تخلق الثياب على الأبدان ، يكون أمرهم كله طمعا لا خوف معه، إن أحسن أحدهم قال : يتقبل م ني، وإن أساء قال : يغفر لي" فأخبر الله أن ذلك عند ذهاب الفهم والعقل عن الله عز وجل من قلوبهم حتى بخلق فيها فهم كتابه ، والأخذ فيه بآدبه ، يقلبون ادابه فيضعون الطمع موضع الخوف والإشفاق والوجل. وبذلك وصف الله عز وجل النصارى في كتابه فقال - بعد ما فرغ من أخباره عن بني إسرائيل - فقال: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون رض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا)) . قال مجاهد هم النصارى، يأخذون ما أشرف هم من الدنيا من حلال أو حرام يشتهونه ، يأخذونه ويتمنون المغغرة وإن يجدوا الغد مثله يأخذوه. وقال سعيد بن جبير: يعملون بالذنوب ويقولون سيغفر لنا وإن ياتيهم عرض مثله يأخذوه، قال : الذنوب.

Sección V00/P438–V00/P440

وقال ابن عباس رضي الله عنه : ألا يقولوا على الله إلا الحق ما يتمنون على اله سورة النازعات، الآية: 40 . أخرجه : الترمذي في سننه ، الباب 73، 79 من كتاب الفتن . سورة الأعراف، الآية: 169. 440 ============================================================ عز وجل من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها ، يخبرك أنهم يفترون فيصيبون الذنوب، ويغترون فيقيمون عليها، ويعاودونها، يرجون المغفرة يعدونها أنفسهم مع معاصي الله عز وجل؛ وعلى ذلك عامة عصا المسلمين من غير قطع بالمغفرة، ولكن غرة تطيب بها أنفسهم، يظنونها رجاء صادقا وهي غرة بالله عز وجل، وخدعة عن طريق النجاة، كما وصف المغترين من هذه الأمة أنهم إن أذنبوا قالوا : يغفر لنا، فلا يفزغون، ولا يرهبون فيتوبوا، وإن أحسنوا قالوا: يتقبل منا فلا يشفقون، ولا يوجلون، قال الخوف عنهم، فلم يخافوا عقوبة على ذنوبهم، ولم يشفقوا على إحسانهم فيحذروا على اعماهم، لتخلص بالقبول إلى ربهم عز وجل. باب الغرة من أهل النسك وأصنافهم واختلافهم، وغرة أهل العلم قلت : فما الغرة ممن أظهر النسك وعد هو نفسه من الديانين؟ قال : أولئك في الغرة أصناف مختلفون : فمغتر بالعلم، ومغتر بالقليل من العمل لا ومغترر بالبصر بالحجاح والجدال، ومغتر بالستر والاإمهال، ومغتر بالثناء من الناس والتعظيم منهم له، ومغتر بذكر آبائه الصالحين. فأما المغترون بالعلم فهم فرق شتى على قدر منازلهم فيه . فمنهم فرقة تغتر بكثرة الرواية وحسن الحفظ مع تضييع واجب حق الله عز وجل، وتخيل نفس أحدهم إليه وعدوه أن مثله لا يعذب، لأنه من العلماء، وأئمة العباد الحافظين على المسلمين علمهم، ويعمى عليه أكثر ذنوبه ، فلا يرى أن مثله في ما بلغ من العلم يرائي ولا يعجب ولا يتكبر ولا يحسد، وإنما يفعل ذلك الجهاد الذين لا يعرزفون العلم ولا يحفظونه، فيقل خوفه وحذره من عذاب الله عز وجل ويغفل التفقد لنفسه ، إذ كان يرى أن مثله لا يعمل بالأخلاق الدنية، لأنه قد ارتفع بالعلم عن ذلك، فلا يتهم نفسه، فإذا لم يتهمها لم يتغقد من نفسه ، الأخلاق المذمومة عند ============================================================ اله عز وجل، ولم يجذرها ، لأنه إنما يتفقدها الجاهل، فأما مثله فقد ارتفع بالعلم عن ذلك، فيضمر ما يكره الله عز وجل : من الرياء والعجب وغيره ، ويغتاب ويهمز ويلمز، ويتكبر على العباد، ويسيء بهم الظن ، ويشمت بالمصائب والبلاء، وهو يرى آنه بريء من جميع ذلك، إذ لم يضع نفسه موضع التهمة ، فيتفقدها عند دعائها إلى ما كره الله عز وجل، فلو تفقد نفسه علم ذلك كله حين تعرض بالدعاء إلى ما كره الله عز وجل ، فهو يعد نفسه من الورعين العالمين بالله عز وجل، وهو عند اله عز وجل من الفاجرين والجهال به ، الذين لا يخافونه ولا يحذرون عقابه . وقد يعلم بعض هذه الفرقة بكثير من ذنوبه، فلا يفزعه ذلك، ولا يرهب من اله عز وجل من آجله ، يرى آنه قد قام مقاما من العلم لا يعذب مثله ، فهذه الفرقة الفاجرة ممن حفظ وأكثر روايته . قلت : فيم ينفي ذلك؟ قال : ينفيه بمعرفته آن العلم حجة عليه، وأن الله عز وجل حمله ما أعظم به عليه حجته، وشدد عليه به في القيامة المسألة ضيع العمل، فلم يقم بواجب الحق لله عز وجل، وبترك ما نهي عنه في ظاهره وباطنه، كان عند الله عز وجل أعظم وأشد عذابا من الجاهل. وإنما جعل الله عز وجل العلم وعلمه عباده، ليعرفوا به ما أوجب عليهم واحب، فيقوموا لله عز وجل بذلك، وليعرفوا ما حرم الله عز وجل فيجانبوه، ويعرفوا بهما فيخافوه، وجعزيل نوابه فيرجوه، وعظيم عذابه فيحذروه، فإن لم يغلب الحذر على قلبه والخوف من الله عز وجل فهو جاهل في العلم ، لأن الله عز وجل وصف العلماء بذلك، فقال عز وجل: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) . قيل في التفسير : أعلمهم بالله عز وجل: أشدهم له خشية .

Sección V00/P440–V00/P443

سورة فاطر، الآية: 28. ============================================================ وقال خالد الربعي : " فاتحة الزبور، ورأس الحكمة، خشية الله عز وجل" . وقال عبد الله [بن مسعود ]: " ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن إنما العالم من خشي الله عز وجل". وقال عبد الله بن مسعود : "كفى بخشية الله عز وجل علما، وكفى بالاغترار ابالله جهلا". اي إن العالم هو الخائف من الله عز وجل، وإن المغتر هو الجاهل، حفظ العل م وراه، أو لم يحفظه. كما قال في كتابه، حين ذكر بلعم بن ياعورا : {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) . قيل في التفسير : يقول الله عز وجل: سواء على هذا العبد : آتيته الحكمة أو لم أوته. و قال داود عالله : "إلهي، ما علم من ل يخشك، وما حكمة من ضيع أمرك"؟ فمن ضيع آمر الله عز وجل بعد علم فهو جاهل بالله عز وجل، إذ كان اعظم جرأة من الجاهل على الله عز وجل ، فلو كان هذا عالمأ بالله عز وجل لما اجترأ بأعظم من جرأة الجاهل ، فلا علم للمغتر ، بل هو أشدة جهلا بالله عز وجل من الجاهل الذي لا يعرف العلم. ولعله لو عرف كما عرف هذا المغتر الذي أكثر الرواية للعلم ما ضيع آمر الله عز وجل، فهو شر من الجاهل. كما روي عن أبي الدرداء : "ويل للذي لا يعلم مرة، ولو شاء الله لعلمه، وويل لعالم سبع مرات" أي : الحجة عليه أضعاف، وكذلك العذاب. سورة الأعراف، الآية: 176. في ط : إذا كان، خطأ، والسياق يقتضي ما أثبتناه . ============================================================ فإذا تذكر هذا وأمثاله حذر الله عز وجل، وازداد مع العلم وجلا وحزنا، كا قال أبو الدرداء: "كم يزدد علما يزدد وجعا" . وقال الله عز وجل: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ... إلى قوله ...ويخرون للأذقان يبكون) . وقال عز وجل: { إذا تتلى عليهم آيات الرتحمن خروا سجدا وبكيا) . فوصف العلماء من قبلنا ومن هذه الأمة بالوجل والإشفاق ، والدليل على ذلك البكاء مع سجودهم إذا تتلى عليهم اياته، وهي أعظم العلم وأشرفه ، وينفي اغترار الذي عماه عن ذنبه ، حتى يخيل إليه أنه لا يعتقد مثله الأخلاق المذمومة عند الله عز وجل لما حفظ من العلم. فينفي غرته بذلك : آن يعلم أن حفظه للعلم لم يجزيه دون معرفة معانيه، فيما دل عليه من المحبوب لله عز وجل والمكروه، حتى يعرف معاني العلم في المحبوب لله عز وجل والمكروه، وأنه إن عرف معانيه لم تجزه معرفته بذلك دون القيام ب اوجب الله عز وجل بعد معرفته به ، والانتهاء عما حرم الله عز وجل عليه . فإن علم أن ذلك لا يجزيه فالزم قلبه طلب معرفة معاني العلم، وحمل نفسه بعد المعرفة على القيام بما أحب الله عز وجل، وترك ما كره الله تعالى ، عرف أنه معطل من معرفة معانيه دون القيام به ، فلم يغتر، وعلم أن ما علم فهو] عليه وبال، إذ شارك الجاهل في جهله بعد معرفة العلم، وعظمت عليه الحجة إذ جهل معانيه بعد علمه بجفظه تلاوته وروايته، فهو اشد بلاء من الجاهل الذي لم يعرف تلاوة العلم ولا حفظ روايته، وقد شارك أيضا الجاهل في تضييعه العمل به بعد حفظه العلم . فإذا ألزم قلبه [ذلك] انتفت عنه الغرة بما حفظ من العلم، واهتم بطلب معانيه، سورة الإسراء، الآية: 108، 109. سورة مريم، الآية: 58. ============================================================ والتفكر فيه، والقيام به، فلم يغتر بما حفظ، وعد نفسه جاهلا بالعلم بعد حفظه له وأسوأ حالا ممن لم يحفظه ولم يدرسه ولم يروه.

Sección V00/P443–V00/P445

باب الغرة بالفقه والفرقة الثانية : يغتر أحدهم بالفقه في العلم بالحلال والحرام، وبالبصر بالفتيا والقضاه، فهو يغتر كغرة الحافظ للعلم وأعظم [منه] غرة، حتى لايرى أن أحدا أعلم بالله عز وجل منه، لأنه قد علم الحلال والحرام والفتيا والقضاء، فهو القائم لأمة بدينها، ومفزعها إليه (عند حاجتها) ، ولولا مثله ضاع الدين (واندثر الشرع) ، وما عرف حلال من حرام، واستصغر أهل الرواية والحفظ إذ لم يفقهوا الحلال والحرام، ويعلموا الحكم والقضاء. فهو عند نفسه القائم بالدين دون غيره، وأن الله عز وجل لا يعذب مثله، وأنه لا يعتقد ما كره الله عز وجل، لأن مثله لايركن إلى ماكره الله عز وجل، ولا يطمع الشيطان في مثله ، إنما يطمع فيمن جهل حلال الله وحرامه ، فيغتر بذلك فيقل حذره من الله عز وجل ورهبته له ، وتعمى عليه أكثر ذنونبه مما لم يفقه عن الله عز وجل في تركها والقيام في حقه فيما أحل وحرم. قلت: فبم ينفي ذلك؟ قال : بمعرفته آن الفقه عن الله عز وجل فيما عظم من نفسه، وأخبر به من جلاله وهيبته، ونفاذ قدرته، وما وعد من نوابه، وتوعد به عن عقابه اعظم الفقه وأشرفه، وأنه لن ينفع الفقه في الحرام والحلال إلا بالفقه في ذلك .ا لان من فقه عن الله عز وجل ما أخبر من عظمته وجلاله وهيبته ، ونفاذ قدرته، وملكه للأشياء في الضر والنفع دون غيره، وما وعد من توابه ، وتواعد به (1 و 2) ما بين الحاصرتين : سقط من ط. في ط: فيما أخبر. 445 ============================================================ من عقابه، هاب الله عز وجل، وأجله واستحياه، وعبده كأنه يعاينه ، لما فقه عنه من عظمته وجلاله وعظم ربوبيته، ولما فقه عن الله عز وجل في وعده ووعيده، حتى كانه يشاهد الجنة والنار بقلبه، اشتد خوفه من الله عز وجل، ورهبته له ، لم عاين بقلبه من آليم عذابه، واشتد شوقه إلى جواره والقرب منه ، لما استقر في قلبه من عظيم ثوابه وكريم النعيم في جواره. فحينئذ يهاب الله عز وجل ويخافه، فيترك كل ما فقه فيه من حرامه ، ويرجو الله عز وجل، ويشتاق إلى جواره، فيتحمل كل مكروه في القيام بحقه الذي ينال به ما وعد من جزيل ثوابه، فهو تارك لما كره الله عز وجل، عامل بما أحب الله عز وجل، لما وقر في قلبه من الفقه من الله عز وجل ، لأنه مزعج له عن كل ما كره مولاه، باعث له على القيام بحقه. فإذا فقه في ذلك عرف أنه معطل من الفقه، وأنه إنما فقه فيما وجب عليه به الحجة، وأنه ليس من الفقهاء عن الله عز وجل، لقوله سبحانه : إنما يخشى الله من عباده العلماء) . وأن الفقيه الخائف لله عز وجل، كما قال تعالى: {قد فصتلنا الآيات لقوم يفقهون) . وقال النبي عالله : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"5، . فمن آراد الله عز وجل به خيرا وفقه للفقه عنه ، والفقه فيما أحل وحرم، فخافه ورجاه، فجانب ما علم من الحرام، وقام بما علم من واجب الحق لله عز وجل عليه . وهذا هو مقام الاحسان، وهو : اليقين، وهو حقيقة الايمان التي عبر عنها حارثة رضي الله عنه حينا سأله النبي عن حقيقه إيمانه، فقال: "... كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا" وقد أقره النبي الله وقال: " عرفت فالزم". في ط: به. سورة فاطر، الآية: 28. سبق تخريچه. سورة الأنعام، الآية: 98. 446 ============================================================ ومن ضيع حق الله تعالى وركب ما نهي عنه بعد معرفته به ، فلم يوفق للخير، ولكن ابتلى بما عظمت عليه فيه الحجة، واشتد عليه البلاء، وصار به من فجار العلماء بالحكم والفتيا، مع التعرض لغضب الله عز وجل . وقد يطلب بما يفقه (من دين الله) الدنيا لا الآخرة، فإذا عرف ذلك لم يعدا نفسه ففيها بغير خشية لله عز وجل.

Sección V00/P445–V00/P447

كما روي عن الشعي أنه قيل له : أفتنا أيها العالم، يدلك هذا أنهم يعلمون أنه عالم بالفتيا. فأجابهم: " إن العالم من فقه عن الله عز وجل ما توعده به فخافه" . وقال: " إنما العالم من خشي الله" . وقيل للحسن البصري: إن فقهاءنا لا يقولون ذلك في شيء استفتوا فيه. فقالا لسائله: "هل رأيت فقيها قط؟ الفقيه القائم ليله، والصائم نهاره، الزاهد في الدنيا". خبرك أن الفقية من فقه عن الله عز وجل، فأزعجه ذلك إلى كل ما أحب ربه عز وجل، حتى زهد في الدنيا فجانبها بما فقه عن الله عز وجل في فنائها، وشدة الحساب عليها ، ونقصان من ركن إليها من أوليائه من الثواب؛ وعذاب من ركن إلى حرامها من أعدائه، وفقه عنه مما آخبر به دوام نعيمه وجزيل نوابه ، فأسهر ليله وصام نهاره ورفض الدنيا ليناله. وروي عنه أيضا أن رجلا سأله عن شيء فأفتاه فيه بفتيا، فقال له الرجل : إن فهاءنا لايقولون ذلك، فقال الحسن : وهل رأيت فقيها قط؟ الفقيه يداري ولايماري، يفسر حكمة الله عز وجل، فإن قبلت حمد الله تعالى ، وإن ردت حمد الله تعالى. خبر أن الفقيه من فقه عن الله عز وجل فعظمه بقلبه ، وأيقن أنه لا نافع ولا ضار ما بين الحاصرتين: سقط من ط. في ط: منا. 447 ============================================================ غيره، فهان عليه شأن الخلق ، فلم يخفهم فيداهنهم فيكمتم ما علمه الله من حكمته ، ولكن أظهرها، فإن قبلت حمد الله عز وجل ، إذ أخذ عنه ما يؤجر فيه ، ووفق عباده لقبول الحق، ولم يفرح لقيام المنزلة عندهم، وإن ردت حمد الله عز وجل ، إذ وفقه لنشر الحق فأجره، وإن رده الخلق ، لم يغتم لسقوط منزلته عندهم، ولا ذمهم ولا خافهم دون ربه عز وجل [فهو] قائم بما عليه، حامد له على كل حال، متوكل عليه دون خلقه. فإذا عرف العبد ذلك وألزمه قلبه، اهتم بالخوف من الله عز وجل فيما فقه وعلم اا فإذا اهتم بالخوف من الله عز وجل فيما فقه وعلم، اهتم بالعمل فيما علمه الله عز وجل وفقفهه ، فإذا اهتم بطلب الخوف والعمل لله عز وجل ، اهتم بالفقه عنه بطلب الخوف فحينئذ يعد نفسه من الجهال المضيعين (لحقوق الله) ، حتى يرى نفسه خائفة راجية ، قائمة بأمر الله عز وجل في نفسه وفي خلقه ، لأن الفقهاء الأمر عليهم أعظم منه على الجهال، لأن الله عز وجل أوجب عليهم أن يقوموا به في أنفسهم وفي الخلق ، لأ ن ه أخذ عليهم الميثاق فيما علمهم أن يبينوه للناس ولا يكتموه. فإذا علم ذلك زال عنه الاغترار بالله عز وجل، فلزم قلبه الحذر والخوف فيما علم ليقوم لله عز وجل به ، ويتفقد حق الله سبحانه في ظاهره ، وباطنه، وعلانيته وسريرته، واهتم بمعرفة ذلك من نفسه فلم يغم عليه ذنوبه دون معرفتها، ولم يقنع بمعرفتها دون تركها من خشية الله عز وجل، فهو مهتم بالعمل فيما علم وفقه، خائف من المسألة من اله عز وجل عن ذلك، فلا يكون عنه حجة. كما يروى عن آبي الدرداء أنه قال : ما أخاف أن يقال لي : يا عويمر ماذا علمت الا في ا: ولم يداهنهم، والمداهنة : الرياء. في ط: وفقه. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط في ط: فلم يعم 448 ============================================================ ولكن أخاف أن يقال لي: يا عويمر ماذا عملت فيم علمت، ولن يؤتي الله عز وجل امرعا علما في الدنيا إلا سأله عما عمل فيه يوم القيامة. وروي أيضا أنه قال: إن قلت: علمت قيل لي: فما عملت فيما علمت، فإذا أنا لا حجة لي . فبذلك ينفي الفقيه الغرة بربه تعالى.

Sección V00/P447–V00/P448

باب الغرة بعلم العمال لله تعالى من علم الصدق والإخلاص، ونفي الرياء والأخلاق المذمومةا ووصف الخخوف والرجاء والحب ومنهم فرقة علمت العلم، وعملت بمعانيه في حقوق الله عز وجل التي تحق لله عز وجل على عباده، من حقه وحته، وخوفه ورجائه، وحسن التوكل عليه، والرضا بقدره، ومعاني ما ذم الله ونهى عنه من الأخلاق الدنية والمذمومة عنده، كالرياء والعجب والكبر والحسد وسوء الظن ، وأشباه ذلك من أعمال القلوب، ومن الكذب والغيبة، فحسنت عبارتهم بذلك، ويصفون تعظيم الله عز وجل وحبه، والحياة منه وخوفه، ورجاءه والتوكل عليه، والرضاء عنه والاخلاص له ، فيذسون الأخلاقا المذمومة عنده من أعمال القلوب والجوارح، فلا يشك أحد منهم عند نفسه أنه لايصف خلقا مما يقرب إلى الله إلا وهو قائم به، ولا خلقا ذمه الله إلا وهو مجانب له ، لأنه علم أنه لم يعبر بلسانه إلا عما في قلبه ، فيظن أنه لم يعظم الله بلسانه إلا وهو معظم له بقلبه، إذ كان إنما يؤدي لسانه عن قلبه. و كذلك الحياء من الله عز وجل، وجميع الأخلاق الكريمة، فلولا أن هذه الأخلاق ساكنة قلبه، لازمة له ، معتقد ها بالعمل بها ما علمها ، ولا أحسن أن يصفها، إن كان وصفه بلسانه إنما هو ترجمة عما في قلبه، ولولا أن ما يصف من حقوق الله عز وجل، والقربة إليه ساكنة قلبه، وأنه قائم بها ، لما ألزم معرفتها قلبه، ولا عبر عنها بلسانه . وكذلك ما يصف، من تضييع حقوق الله عز وجل، وما نهي عنه ، مما ذمه وأحبط العمل من أجله، مما لايعرف إلا بشدة التفقد له . ============================================================ اما المغتر فهو يرى آنه من الخائفين لله عز وجل، وهو من الأمنين ، ومن الراجين له، وهو من المغترين المضيعين، و[ يرى أنه] من الراضين عنه وهو من الساخطين عليه، ومن المتوكلين عليه وهو من المتوكلين على غيره، قليلة بالله ثفته، ومن المخلصين له وهو من المرائين، حتى أنه لقد يصف الإخلاص بترك الإخلاص ليقال مخلص ل ويصف الرياء ليقال قد فطن إلى مذهب الرياء قلمه، فغره حسن وصغه ، وبيان عبارته بلسانه، ومعرفة قلبه بجملة ذلك كله، وإنما ذلك كله لمعرفته بغير اعتقاد نية، ولا عمل بضمير ولا جارحة، إلا الشيء اليسير الذي لا يعري أن يناله عامة المسلمين.ا قتل: وكيف عرف بقلبه، ووصف بلسانه ما هو منسلخ من العمل به؟ قال : تلك معرفة اللسان من الكتاب والعلم، وحفظ كلام المتكملين ، ممن عمل منهم يقول، فهو يصف الاخلاص لمعرفته بجمله ويصف الخوف لمعرفته ما الخخوف، لأنه تكلف الخوف حتى خاف الله وحذره. م وصف الخوف بعد القيام به ، وكذلك جميع أخلاق الدين ، وكذلك يصف الرياء بجملة المعرفة له مما هو في العلم، وما دل عليه العلماء، من غير تفقد له من قلبه، خذرا من الله عز وجل أن يطلع على قلبه وهو معتقد للرياء، فيمقته ويحبط في [يوم) القيامة عمله ، فيكون قد تفقده بحذر من الله عز وجل، ونفاه واتقاه وجانبه، ثم وصغه بعد حذره من الله عز وجل من آجله، ونفيه إياه عن قلبه . ولكن يصف ما عرفه من العلم من محبة الله عز وجل وما يكره ، من غير تفقد منه لنفسه، ولا قيام لله بما يحب في جميع ذلك. يعني يقول: إن الاخلاص الحق هو : عدم ملاحظة الانسان لاخلاصه ، ونسيان نفسه فيه ، ونسبته إلى الله تعالى، وكونه صادر عن ملكة من المملكات يجري دون آن يشعر به . في ط: لمعرفته بجملها. في ط: ما هو.

Sección V00/P448–V00/P450

450 ============================================================ قلت : هذه الغرة المستحكمة، كيف له بأن ينفيها بذلك من بعد (ما) علم أنه مغتر، وما الدليل عنده أنه مغتر بجميع ذلك غير قائم به قال إن الوصف للعلم غير العمل به فليبل (الإنسان ) نفسه عند العمل بذلك فانه يبين له أنه مغتر، لأنه إنما خاف من الله عز وجل، وسكن الخوف قلبه فيما يرى أنه يعذبه بذنبه، كما قال رضي الله عنه : "لا يخاف أحدكما إلا ذنبه" . وإن كان الله عز وجل يستأهل أن يخافه العبد وإن لم يذنب ذنبا، كما خافته الملائكة وإن لم تذنب ذنبا . لأن أول منازل الخائفين الخوف من الذنوب، فاذا بلا نفسه واختبرها عند أول منازل الخائفين، فافتقد الحخوف منها، فلم يچده، علم آنه اغتر بما يصف بلسانه، وانه ليس من أهله. فاذا عرض له فرض في باطنه أو ظاهره، سرا أو علانية نظر ، هل تسارع نفسه إلى القيام به حذرا من الله عز وجل من تضييعه؟ وإذا عرض له ذنب مما يسخط منه ربه عز وجل نظر، هل تسارع نفسه إلى تركه خوفا من الله عز وجتل، آن يحل به غضبه؟ فإذا تفقد نفسه عند القيام بالغرض وترك الذنب ، فوجدها مضيعة لفرض الله عز وجل غير خائفة، وراكنة إلى الذنب غير فارغة منه ، علم أنه لو كان الخوف ساكنا قلبه، قائما به حذرا من ربه عز وجل، لا شتد هيجانه عند تضييع الغروض، وركوب الذنوب، إذا ادعت نفسه آنها تخاف الله ، وأن مايصف من الخوف هو ساكن فيها . وإذا هاج الخوف أعظم مما كان يجده عند وصفه له ، من غير أن يعرض فرض ولا ذنب، إذ كان في ذلك غضب الله عز وجل، وإيجاب النار عليه . فلهما افتقد ذلك، ولم ير من قلبه فزعا من الله عز وجل، ورأى نفسه متمادية في ط: أن ينقي الغرة. (2 و 3) ما بين الحاصرتين: سقطت من ط بلا نفسه آي: اختبرها. 451 ============================================================ متسوفة ، علم أن الأمن هو الساكن في قلبه ، إذ كان هو المستولي عليه عند حاجته الى الخوف، والخخوف قد زايله عند حاجته إليه. وأولى حال يكون الخوف فيها من الخائفين الحال التي توعد الله عز وجل فيها بسخطه وعقابه، فلما فقد الخوف عند تضييع الفرض وركوب الذنب، علم أن الخوف زائل عن قلبه، وأن الأمن حال فيه. وكذلك جميع ما يصف بلسانه. وإن هو قام ببعض وضيع بعضا، علم أنه لم يلزم قلبه من الخوف إلا بقدر ما حفظ من حق الله عز وجل، وأن الخوف فيه صعيف، بخلاف ما كان يرى. و كذلك يصف الزهد في الدنيا، حتى إذا أوتي منها شيئا تشاغل به عن نفسه، وآثر به هواه ولذته وأخرجه رياء للعباد، فعلم أن الزهد لو كان ساكنأ قلبه لرفض الدنيا، و نبذها عند الظفر بها ، وما آثر على الله عز وجل وعلى الآخرة ما هو زاهد فيه ومبغض له. وكذلك يصف الحب لله عز وجل، وهو عامة ليله ونهاره ناس له عند اعتراض حبته، وإن أراد نفسه على الخلوة والأنس بربه عز وجل استوحش ذلك ، وثقل عليه فان خلا بخير، لم يجد للخلوة بمناجاه ربه عز وجل ، نورا في قلبه ولا حلاوة لذكره وإن عرض الأنس بالمخلوقين استراح إلى ذلك ، وملأ قلبه حلاوته . فهل رأيت حبيبا ينسى حبيبه ، ويؤثر محبة نفسه عليه؟ أو يستوحش من الأنس به ويستانس بغيره، وإن كان حائلا بينه وبينه؟ هذا كذب من الحب غير صادق صاحبه، إلا حب التوحيد الذي لو زال عنه كان كافرا. أي: تؤجل وتماطل في العمل والترك.

Sección V00/P450–V00/P452

لقد نفذ الإمام المحاسبي هذه القاعدة السلوكية، فرفض ميرائه من أبيه لأنه كان قدريا، أو واقفيا من الخوارج. ودرج السلف من قبله على هذا السلوك، فرفض ابن أدهم الإمارة، ورفض الثوري عطايا ============================================================ ويصف التوكل عليه إن واتته الدنيا، وأعطاه الله ما يحب، فإن خولف هواه بضيق العيش، أو عرض له خوف مخلوق، أو طمع لما في يديه ، اضطرب قلبه، فخاف غير اله، وطمع فيما في أيدي العباد ، واهتم لابطاء رزقه ، وتسخط ما قل منه ، فهل يتعلق هذا بشيء من توكل الواثقين بالله عز وجل؟ وإنما يحتاج إلى التوكل عند هذه الحال . و كذلك يصف الإخلاص، فإذا عرض العمل هاج الرياء، وافتقد الإخلاص وإنما تاج إلى الإخلاص عند العمل ، ونفى الرياء عند العمل من العمل ، لئلا يحبط الله عز وجل العمل عند الفقر في القيامة إليه ، فلما افتقد الإخلاص عند الحاجة إليه وهاج الرياء عند ذلك، وغلب عليه علم أن الإخلاص لم يكن ساكنا قلبه، ولو كان لما افتقده عند الحاجة إليه ، إلا عند الغفلة ثم يفزع إلى الرجوع، كالحائد عن الطريق الذي يؤم المسير عليه . وكذلك يعرض له عند العمل العجب والكبر وغيره، فيركن إلى عامة ما كره الله عز وجل عند العمل، كالعجب والكبر، وجميع ما كان يذم بلسانه ، فإذا افتقد عامة ما كان يصف من الأخلاق المحمودة المقربة إلى الله عز وجل عند موضع الحاجة إليها الاا وغلبت عليه الأخلاق المذمومة عند الحاجة منه إلى مجانبتها ، علم أنه كان مغترأ بما كان يصف بلسانه. قلت : كيف يصف بلسانه ما ليس في قلبه منه شيء إلا معرفته فيغتر بذلك؟ قال: إن أصول ذلك في قلبه في عقد إيمانه، لأنه يحب الله عز وجل، حب التوحيد الذي لو فارقه كان كافرا بالله تعالى. وكذلك لا يأمن الله عز وجل، لايمانه أن له عقابا وعذابا، ولو لم يعلم أن له ذلك في ط: لما في أيدي العباد. أي: في حال إبطاء الرزق أو ضيقه، أو خوف الخلق . أي : إن تصفية العمل من الرياء والآفات الأخرى جزء من العمل غير منفصل عنه . الذي يقصد العودة إليه. ============================================================ كان كافرا معاندا. و كذلك يخلص لله التوحيد والفرض ، لا يعبد إلها غيره، (ولا يؤدي فرضا إلا له الا ويكون) عقده على ذلك. و كذلك يؤمن أنه مالك للضر والنفع، مدبر الأشياء، ولو لم يعلم ذلك كان كافرا .ا فلما لزمت هذه الأصول التي هي عقود التوحيد قلبه، ووصف معالي منازل الخائفين والراجين، والمحبين والمتوكلين والمخلصين، مع معرفته بذلك مما وجده في العلم، وما وصف على القائمين لله عز وجل بجميع ذلك ، ظن أنه لم يصف شيئا من ذلك ولم يعرفه الا أنه من أهله. وإذا رجع إلى قلبه لم يجده يعرى من آن يدين في عقود إيمانه بجميع ذلك فاجتمعت هذه الجملة من الايمان في قلبه مع معرفة المنازل العالية التي كانت عن هذه الأصول، ووجد عنده منها الشيء اليسير ، فلما وصفها بلسانه لم يشك أنه من أهلها والقائمين لله بها، دون عوام المسلمين، إذ لم يعرفوها ، ولم يصفوها إلا الشيء اليسير منها، الذي يناله كثير من عوام المسلمين. فلما تفقد نفسه عند الحاجة إليها، فرآها له مفارقة، لم يبق فيه منها إلا عقود تدين الابمان ، علم أنه من شر عوام المسلمين، وأنه زائل عما كان يصف من معالي الدرجات ال ومحامد الأخلاق، وراكن الى ما كان يصف من الذم ، ويخيل إليه أنه تارك له ناج منه، فعرف غرته بذلك عند تفقده ذلك من نفسه. فان كان مع ذلك ممن يدعو العباد إلى ما كان يصف بلسانه ويعرفه، من غير قيام له عز وجل به كما وصفت لك ، علم حين تفقد ذلك من نفسه أنه أشد: بلاء وغرة ممن كان لا يدعو العباد إلى ذلك، وأنه كان مغترا بما يصف ويعرف، فيعلم آنه شر منه .

Sección V00/P452–V00/P455

لأنه أظهر الدعاء إلى الله عز وجل وهو فار منه، وأنه كان يخوف بالله وهو له امن ، ويذ كر بالله وينساه، ويقرب إلى الله عز وجل ويتباعد منه ، ويحض على التوكل ما بين الحاصرتين: سقط من ط 454 ============================================================ على الله وهو غير واثق به ، وعلى الرضا عنه وهو ساخط عليه ، وعلى الاخلاص له وهو معامل لغير5. فحينتذ تعظم حسرته، وتشتد ندامته، ويحق له (العذاب من الله تعالى) : الم تسمع ما يروي أسامة بن زيد عن النبي عوالله أنه قال : " يؤتى بالعالم يوم القيامة، فيرمى به في النار ، فتندلق أقتابه، فيدور به كما يدور الحمار بالرحى، فيطيف به أهل النار ، فيقولون له : ما لك؟ فيقول : كنت آمر بالخير ولا آتيه ، وأنهي عن الشر وآتيه ولا انتهي عنه" . وقال النبي له في حديث أنس رضي الله عنه : "مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بالمقاريض، فقلت لجبرائيل: من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون" . وفي حديث غير الحسن: "لئن عدت إلى هذا الثانية لأجعلنك نكالا بين العابدين). فالمغتر بجملة معرفته بما يصف بلسانه وإن لم يدع العباد إليه، عظيم البلاء، إذ خيل إليه بل كان عند نفسه موقنا أنه قائم بعامة ما يعرف ويصف، فلما تفقد نفسه عند مواقع الأعمال التي ينال بها رضاء الله، وافتقد ذلك من نفسه، علم أنه بالله عز وجل عظيم الغرة، حقيق بشدة الحسرة والندامة . وهذا الذي جمع مع غرته من الله عز وجل بذلك دعاء العباد إلى ذلك، حتى قام مقام الدعاة إلى الله، القائمين بحقه عند نفسه وعند العباد، هو أعظم حسرة وندامة وتأسفا على ما قطع من عمره بالغرة والغفلة عن الله عز وجل. وإنما أطلت الوصف في هذه الفرقة لأنها عظيمة غرتها ، قد غلب ذلك على كثير من يتعبد ويرى آنه من النساك العاملين لله عز وجل. ما بين الحاصرتين: سقط من ط. سبق تخريجه. سبق تخريچه. ============================================================ باب الغرة بحفظ كلام المذكرين والقصص واحاديث الزهد وغيره و فرقة ممن ترى انها من اهل العلم يحفظ احدهم كلام المذكرين ، وأحاديث الزهد والذم للدنيا، لا يعرف معنى ما يقول، ولا ما يذكر به من الحديث، أكثر من أنه قدا حبب إليه ذلك وخف عليه . فمنهم من يذكر به الناس. ومنهم من يذكره لجلسائه وإخوانه غير عارف بما يقول، وهو مع ذلك مغت بذلك. يرى انه من العاملين لله عز وجل، والعلماء به ، والعارفين لذم الدنيا ، يرى ان مثله لا يعذب، وهو مع ذلك تعمى عليه اكثر ذنوبه، لاغتراره بما يقول ويروي ويرى انه إذ حفظ من الذكر ، ومن الأحاديث في الزهد ما حفظ قد جاوز مرتبة أهل الدنيا والرغبة فيها، وأنه غير مراء ولا متكبر ولا معجب، ولا يأتي كثيرا من الذنوب، وإنما يفعل ذلك العوام الذي لا يعرفون ما يعرف هو، فهو مغتر بما يقول ويروي ويكتب. قلت: فبم ينفي الغرة بذلك؟ . قال: يرجع إلى نفسه، فينظر : اين خوفه مما يذكر من الخوف والرقة؟ وكيف حفظه لجوارحه عما كره الله عز وجل؟ وهل قلبه طاهر من كل ما يسخط الله عز وجل عند دواعيه ونوازعه؟ أهو كما يصف به القلوب من الطهارة ونفي الأدناس عنها وهل هو كما يروي من الحديث في خشيتها ورقتها؟ وهل يراه مؤثرا للدنيا على محبة ربه عز وجل فيما أوجب فعله، وأوجب تركه ، وندب إلى القربة به؟ فإنه حينيذ يرى نفسه تغلبه إلى استعمال جوارحه فيما كره الله عز وجل من الكلام بلسانه ، والنظر بعينه ، وسائر جوارحه من المشي وغيره فيما عليه ولا هو له . وإنما نشأت خفته على النفس ما يرى من منازل العاملين به ، السالكين له، واحترام الناس هم ============================================================ وكذلك قلبه يجده ينازعه إذا تفقده عند دواعيه إلى الرياء والكير، والعجب والحسد وغير5.

Sección V00/P455–V00/P457

وكذلك يجد نفسه مؤثرة للدنيا على حبة ربه عز وجل في اكثر احواله . فاذا علم بذلك من نفسه، علم انه كان يصف الخوف لله عز وجل، وهو غير خائف منه، ويصف طهارة القلوب ورقتها وقلبه دنس قاس، ويصف الزهد في الدنيا ويروي الآثار فيه ، وهو في الدنيا راغب، ولها على الآخرة مؤثر، فيعلم بذلك انه كان مغترا بما يصف ويروي ويكتب، من حسن القول واداب الصالحين، والزهد في الدنيا والذم لها، فتزول عنه بذلك غرته. ولا يقنع بذلك من نفسه دون ان يراها كما يصف، او الغالب عليها مطالبة ذلك، ليظفر بذلك إذا علم انه كان منسلخا من أكثر ما كان يصف ويقول ويرى ويكتب . اي : الغالب عليها الجد في طلب الكمال في هذا السلوك . يجب ان نلاحظ ان المحاسبي قد بنى علاجه لكافة الأمراض القلبية على محاسبة النفس كما رأينا فيا مضى، وكما نرى هنا . وهذه المحاسبة عبارة عن كشف صريح لعناصر النقص في داخل النفس ، وهو ما يقره الآن علماء التحليل النفسي العلاجي. ويجب ان يوضع في الاعتبار ان هذا الكشف وتلك المواجهة بين الانسان ونفسه يجب ان تأخذ طابع الدوام والإدمان حتى يمكن الاقتناع بفداحة الخطأ، ومن ثم يمكن محاولة الرجوع عنه . وقد أكد المحاسبي فن الإدمان هذا في (آداب النفوس) حينما عرض لفكرة التطهير، وقرر ان الانقطاع إلى فكرة واحدة خاطئة، والإدمان على مواجهة النفس بها يغضل عمل النوافل ، ويجدي في العلاج، ثم يأخذ الإنسان في فكرة اخرى، وهكذا . ومن هنا يظهر قصور التحليل النفسي العلاجي الحديث إذ لا يعني بهذا التنظيم والإلحاح على تلك المواجهة. ومن هنا كذلك نعلم ان ما يسميه المحدثون بالتحليل النفسي هو ما عناه المحاسبي في فكرة المحاسبة. وقد درج عنى المحاسبة أئمة السلوك من بعده، حتى جعلوا لها وقتا من كل يوم 457 ============================================================ باب الغرة بالجدل وحسن البصر بالاحتجاج والرد على أهل الأديان وفرقة جدلة خصمة ، مغترة بالحجدال والرد على المختلفين، من أهل الأهواء، وأهل الأديان ، يتأول في ذلك انه لا يصح لعبد عمل حتى يصح إيمانه ، والقول بسنة نبي الله قاللله ، فليس عند احدهم احد يعرف ربه ، ولا يقول عليه الحق غيره، أو من كان منله. م هم فرقتان: فرقة ضالة مضلة، لا تفطن لضلالتها ، لاتساعها في الحجاج، ومعرفتها بدقائق مذاهب الكلام، وحسن العبارة بالرد على من خالفها ، فهم عند انفسهم من القائلين على الله عز وجل وبالحق ، والرادين لكل ضلالة، لا احد اعلم منهم بالله ، ولا أولى به منهم، وكل الأمم ضالة سواهم وأن الله عز وجل لا يعذب مثلهم، بل لا ينجو احد في زمانهم غيرهم، وغيرهم، من المغترين يدعي ذلك وينتحله ، ويشهد عليهم بالأكفار ، فهم فرق كثيرة يكفر بعضها بعضا، وكل فرقة منها مغترة، لا ترى ان احدا يقول عليه بالحق غيرها. و الفرقة الثانية من المغترة بالجدل والبصر بالحجاج، تقول بالحق، ولا تدين بغيره وقد اغترت بالجدل، ترى انه لا يصح لها قول دون الفحص والنصر، وقيام الحجة على من خالفها، وقد اغترت بذلك، حقى قطعت اعمارها بالاشتغال عن الله عز وجل وعمى عليها أكثر ذنوبها وخطئها وهي تظن ان ذلك اولى بها ، وأقرب لها إلى ربها ال وهي أيضا لا تسلم في مجادلتها من أن تخطىء في تأويلها وقولها ، إلا أن اعتقادها السنة ردائم] مع اغترارها. قلت: فبم ينفيان الغرة بذلك قال : أما الفرقة الضالة فإنها تنفي ذلك بأن ترجع إلى أنفسها، فتعلم ان من القرآن ============================================================ حكما ومتشابها ، وكذلك من السنة، فلا يقضي بمتشابه على محكم، ولكن يقضي بالمحكم على المتشابه، وأن الخطأ في التأويل لا يحصى، فتتهم نفسها، وتعلم أن الله عز وجل سائلها عما تدين به ، وأن الجماعة قد مضت على الهدى، وسنة نبيها عالله ، ولا خرج من إجماعها، وإن حسن ذلك في عقولها .

Sección V00/P457–V00/P459

فان تثبتت كما وصفت لك أبصرت ضلالتها، ولم تغتر بشدة حجاجها، إذ علمت أن غيرها ممن خالفها شديد الحجاج، بصير بالجدل، وهو عندها ضال مضل ، فكذلك لا تأمن ان تكون عند الله عز وجل كذلك وإن أبصرت بالحجدل والخصومات . فإن اتهمت نفسها على الآراء والتأويل، وتثبتت عند المتشابه فقضت بالمحكم عليه، وتوقفت فيما لم يجعل الله لها النظر فيه ، ولم تخرج عن إجماع من مضى زالت عنها غرتتها، وثابت إلى ربها من ضلالتها. وأما الفرقة المصيبة للحق مع غرتها عن الله عز وجل بالخصومات والجدل عما هو اولى بها ، فإنما تنفي غرتها بذلك، بأن تعلم أن الله عز وجل تعبد من مضى بما تعبدها به، وقد أدرك كثير منهم من [ ناسا] من أهل البدع والأهواء، فما جعل عمره ولا دينه غرضا للخصومات، ولا اشتغل بذلك عن النظر لنفسه، والعمل ليوم فقره، الا أن يرى موضع حاجة يظن أنه إن تكلم [ فيه] بالحق قبل منه ، فيقول بالحق ويحذر أن يخطىء على الله عز وجل، فيرد الباطل بالباطل، فكانوا على ذلك ، وذموا الجدل والخصومات ورووا ذلك عن نبيهم عه كما] رواه عنه أبو أمامة انه قال : في ط: وليقضي. أي: وإن حسن الخروج عن السنة والاجماع في نفوسها ابتداعا . هذا عنصر جديد من عناصر العلاج النفسي عند المحاسبي، إذ هو لون من الإقناع القائم على الموازنة ولا يكتفي بمجرد مواجهة النفس وكشف خداعها، بالخطأ دون دليل كما ترى. 4) في ط: بالحكم خطأ في ط: وأوقفت. في ط: ولم يخرج من إجماع من مضى. وهو ما فعله المحاسبي حين غضب منه الإمام احمد بن حنبل . انظر تحقيق الخلاف في مقدمة [الوصايا] وو أعمال القلوب والجوارح] للمؤلف، من تحقيقنا . 459 ============================================================ "ما ضل قوم قط إلا أوتوا الحجدل" . وذم الله عز وجل ذلك فقال: وهو ألد الخصام) . وقال تعالى لقريش: بل هم قوم خصمون) . فذم المراء والجدل. فليرجع المؤمن إلى نفسه فليقل لها : إنما تدعين إلى الإتباع والسنة بجدلك لأهل الأهواء، ودعاؤك لهم بالجدل والمراء ترك للسنة ؛ لأن النبي عالله نهى بسنته عن الجدل والخصومات، وغضب على أصحابه، حتى كأنما فقىء في وجهه حب الرمان حمرة من الغضب، إذ خرج عليهم وهم يختصمون، وهم كانوا أولى الخلق بالفهم والبصر بالحجاج فقال: "أبهذا بعثت، ام بهذا امرتم، أن تضربوا كتاب الله عز وجل بعضه بعض؟ أنظروا إلى ما آمرتم به فاعملوا به، وما نهيتم عنه فانتهوا عنه" م هو في نفسه عالله قد بعث إلى جميع أهل الأديان، فما جادلهم إلا بما تلا عليهم من التنزيل، ولو شاء كلمهم بالمقاييس ودقيق الكلام، ولو كان ذلك هدى كان هو أولى به ، وعليه أقوى، فلم يقم الحجة إلا بالتنزيل، وأضرب عن جدلهم بالدقائق، وعلم ان ذلك لله عز وجل رضى ومحبة، فترك الجدل والخصومات من السنة . ويرجع إليها أيضا بأخرى من التذكرة: إني لو نجوت وعطب أهل الأرض من أهل الأهواء ما ضرفي ذلك، ولوعطبت ونجوا ما نفعني، فإقامتي الحجتة عليهم وتركي أن أقيم الحجة على نفسي لله عز وجل في تضييعي امره، حتى أؤدي ما أمرفي به ربي، وانتهي عما نهاني عنه، وأربح ايام عمري ليوم فقري وفاقتي اولى بي، فقد شغلوني عن نفسي وعن العمل في نجاتي ومع ذلك ما يؤمنني ان اقيم الحجة ببعض التأويل والقياس أرى أنه هدى وهو عند اخرجه : الترمذي في سننه ، تفسير سورة 43 من كتاب التفسير . وابن ماجه في سننه، الباب7 من المقدمة. واحمد بن حنبل في مسنده 252/55، 256. سورة البقرة، الآية: 204. سورة الزخرف، الآية: 58. ============================================================ اله عز وجل ضلال وكذب عليه. وقد تبين لي ذلك فيما مضى من عمري، قد كنت اقول القول ثم يتبين لي انه خطأ فأرجع عنه ، فما كانت حالي عند ربي لو أقمت على حالي تلك.

Sección V00/P459–V00/P461

و كذلك لا آمن مثلها ثم أموت عليها قبل ان أعرف خطئي، فإذا أنا قد أهلكت نفسي بطلبي نجاة غيري. ومع ذلك إنه لو كانت المجادلة من السنة ، ولم اكن أشغل بها عن العمل لآخري ، لا وأمنت الخطأ في حجاجي، لما كان لكلامهم موضع فيه مزدجر في آخرتي ، إذ لم أر أحدا منهم رجع عن قوله، ولا تاب من بدعته، فلو كان ذلك كذلك لكنت معنتا بننفسي، فكيف وقد نهيت عن الجدل وهو يشغلني عن العمل لنجاتي؟ ومع ذلك تعرض للخطأ على الله عز وجل، والكذب عليه في دينه وأنا لا أشعر . فاذا رجع إلى نفسه بذلك أبصر غرته، واهتم بنفسه وعلم أنه كان في غرور وزخرف من رآيه، وأنه قد مضى [طوال] عمره بترك ما هو اولى به ، فحينئذ يهتم لعمل، ويتفقد عيوبه، ويقدم التوبة منها قبل لقاء ربه عز وجل. باب الغرة بالعبادة والعمل قلت: فالغرة بالعبادة والعمل كيف هي؟ قال: منهم فرقة تتكلف الرضا والزهد والتوكل والحب لله عز وجل على غير حقيقة ولا معرفة بما هو أولى (منه) ، يتقلل احدهم من اللباس والطعام زهدا في الدنيا الا و بعضهم يخرج إلى الحج بغير زاد ويدع المكاسب ، يؤم التوكل بذلك، ومنهم من تخيل إليه نفسه أنه يشتاق إلى الحجنة، ومنهم من يدعي حب الله عز وجل، يلهج بذلك ويجالس عليه، ويصعق عند ذكره وكل هذه الفرق مغترة بالله عز وجل، تتكلم بما يكره الله تعالى وهي لا تشعر، ما بين الحاصرتين: سقطت من ط ============================================================ وترائي بما تعمل، وتتكبر وتعجب، وتأتي كثيرا مما يكره الله عز وجل وهي لا تشعر ، لم تعرف التقوى إلا بالاسم ولم تتكلفها في جوارحها وباطنها ، ولا تعلمها ولم تطلبها وهي ترى أنها قد قطعت مقام] التقوى، وصارت إلى الزهد والتوكل والرضا، الا ومعالي الدرجات الكبرى، وهي عامة قراء زمانك، الغالب عليهم اتباع أهوائهم في طاعتهم وتقشفهم. قلت : هذه الفرقة أولى بالرحمة من الفرق التي وصفت قبلها ، إذ كابدت أهواءها الا وحملت المكروه على أبدانها ووسمت بالتشمير عند العباد ، وظنت ذلك من أنفسها لأن كل الفرق اغترت من غير كثير مؤنة تحملتها ، ولا إدخال المشقة على أنفسها وهذه قد رفضت الدنيا فيما ترى، وحرمتها أنفسها ، وهي راكنة إلى بعض الدنيا وهي لا تشعر ، فهي أولى بالرحمة من غيرها ، وقد خشيت ان يكون [هذا هو] الغالب علىا أهل زماننا . فكيف لها بأن تعرف غرتها، وتنفيها وتجانبها بعد معرفتها؟ والنغي بعد المعرفة على هذا أيسر، إذ عرفت غرتها ، لأنها قد تحملت من المكروه ما هو أشدة من النفي قال : لا تفعل ، فإن مجانبة الهوى مع العمل اليسير أعظم وأشد على النفس من تحمل ال المكروه والشدائد في الأعمال الكثيرة إذا كان معها الهوى قلت: فبين لي غرتها، فإنها على حال نفي الغرة عليها أسهل. قال: أجل، لأنها أسخى المغترين أنفسا بالأعمال ، وأشدهم تحملا للمكروه في ظاهر الطاعات، فالذي تعرف بها غرتها أن ترجع إلى أنفسها بدعائها إلى العزم على طلب التقوى، وتعريف النفس أنها أصل الطاعات، ولا تزكو الأعمال إلا بها. حتى إذا عرفتها ما هي في السر والعلانية، امتحنت أنفسها عند دواعيها إلى كل خير وشر في باطنها حتى تعلم: هل طهرت قلوبها من كل مكروه يكره الله عز وجل؟ ولا زال غالبا عليهم الى عصرنا هذا . ============================================================ وهل طهرت جوارحها من معاصي الله عز وجل؟ وما الذي هو آولى بها آن تبدأ به في الوجوب من الفروض عليها فمن ان منها متقللا من الدنيا من غذائها ولباسها ، نظر كيف صحة معاشه، فإن كان صحيحا طيبا نظر، هل ترك شيئا يچب عليه فضيعه مع تقلله؟ وكيف ضمير وحركات جوارحه في ليله ونهاره؟

Sección V00/P461–V00/P463

فان رآه غير قائم بحق الله عز وجل في ذلك أو في عامته ، علم انه قد كان يرى انه كان من الزاهدين، وهو عند الله عز وجل من الفاجرين ، فإذا تفقد نفسه علم انه كان مضيعا للتقوى مع تزهده، وأنه كان مخدوعا مغرورا. م ينظر ماذا كان يريد بتقلله؟ وكيف كان ارتياح قلبه بعلم إخوانه وغيرهم بتقلله؟ وبحمدهم حين يسمعه أو يبلغه عنهم؟ وهل كان قائما على قلبه بنني ذلك خوفا من الله عز وجل. فإن رأى قلبه أنه قد كان أغفل ذلك، علم أن الغرة كانت عليه مستحكمة ، قدا علق قلبه بأعلى الدرجات فيما يرى، واشتغل عما هو أولى به منها ، ثم لم يخلصها أيضا مع ما اشتغل بها عما هو اولى به منها، فحق الله عز وجل كان عنده مضبعا، وعمله لا يأمن أن يكون عند الله عز وجل محبطا، وقد كان يرى أنه قد من عليه بالزهد أو بعض الزهد، ولعل غذاءه الذي كان يتقلل منه حرام أو شبهه ، قد كان أولى به تركه كله للورع، فهو آخذ للقليل الذي [كان] ينبغي له أن يتركه ورعا، وهو يرى ر أنه] يأخذ القوت، ويقدم الغضل زهدا في الدنيا ورفضا لها . فاذا تبين له ذلك زالت عنه بإذن الله عز وجل غرته، واهتم بالتقوى وإخلاص العمل لربه عز وجل. وكيف لاتزول عنه غرته بعد معرفته بنفسه، وقد كان يعدها من قبل معرفتها أنه قد جاز أهل الورع، وهو عنهم منقطع ، لأنه لم يك يأتي عليه يوم من أيامه إلا الله آي: ارتفع عنهم وزاد عليهم. ============================================================ عز وجل مطلع فيه على ما يكن في صدره، مما كره مولاه ونهى عنه ، من الرياء وغيره . وكذلك جوارحه، قل يوم إلا وقد يكون من بعضها ما يكره مولاه فإن سلمت جوارحه لم يكد يسلم قلبه ، فلا يقيم على الغرة بعد هذه المعرفة عاقل من ربه عز وجل. وأما المغتر بترك الأعمال، والخروج بغير زاد ، فإن نظر بصحتة النظر الطلب الاتباع لأئمة الراشدين، وحذرا من خوف المحدثات، فلم يعرف أحدا من السابقين سبقه إلى ذلك. و تدبر الآثار فإذا هي تحض على ترك ما تدين به من [ترك] العمل و[تحث على] حمل الزاد، و[ تقرر] أن الفضل في العمل وحمل الزاد على اليقين بأن الأرزاق الى الله عز وجل، ولا رازق إلا الله عز وجل، اتباعا للنبي اله ولأئمة الهدى وقطع عن النفس خطراتها إلى طمع المخلوقين، وأن يكون هو المأجور في نفسه بما يغذوها به دون غيره، فيكون له ذلك الأجر الذي يؤجر فيه غيره، فإذا علم ذلك علم أنه كان لطريق الصالحين وأئمة العباد في تدينه وقوله مخالفا. وأيضا أن لو كان ذلك جائزا نظر، هل أحكم ما سواه من التقوى في باطنه وجوارحه ومطحمه وملبسه؟ وكيف كان إخلاصه فيما كان يظهر من توكله؟. فإذا عرف أنه كان على مخالفة الاتباع، وأنه مع ذلك قد كان مضيعا لكثير من حقوق الله في باطنه وجوارحه، زالت عنه غرته، واتبع واهتع لما هو أولى به ، فإن كان متقيا في باطنه وظاهره من قبل، علم أنه كان على حال قد كان [ فيها] مغترأ بما كان يتدين به من قوله، إذ لايعرف له إماما سبقه إلى قوله، وإذ الآثار تدل على خلاف قوله. وكذلك جميع الفرق من المتقشفين على غير الصدق ولا التقوى ، فعلى نحو من ذلك التفقد لأنفسها، حتى تعرف غرتها، فتخاف الله عز وجل بما هو أولى بها 464 ============================================================ باب الغرة بالورع في المطعم والملبس دون سائر الأشياء في أعماله الباطنة والظاهرة ومنهم فرقة لاترى أنه يجب عليها من الورع في زمانها إلا الورع في غذائها من المطعم والملبس. فلما نظرت وحملت أنفسها عليه، ظنت أنها إذا بلغت أصعب الدرجات من الورع وأعزها في زمانها، قد أحكمت التقوى وقامت به ، فعمي ببعض الورع أكثر الورع عليها في قلوبها وجوارحها. قلت: فيم تنفي ذلك؟

Sección V00/P463–V00/P465

قال: أن تعلم أن الله عز وجل لم يرض منه بالحلال وحده، وأنه قد يعذب من طاب مطعمه إذا لم يخف الله عز وجل في غير ذلك، وأنه قد يغضب مما يقول أو يضمر أوا يستمع إليه أو يخطو أو يبطش. فإذا عرفت ذلك زالت عنها غرتها. باب الغرة بالعزلة والفرار من الناس وفرقة قد غلب عليها الاستيحاش من النار والخلوة، وهي مع ذلك تتصنع بفرارها، وتحب أن تشتهر به ، وترتاح قلوبها بذكر العباد لذلك منها، مع تكبر على العامة، وعجب بأعمالها، قد عمي عليها أكثر ذنوبها ، عدت أنفسها أنها أنيسة بالله عز وجل، مستوحشة من خلقه. قلت: فبم تنفي غرتها بذلك: . قال : تتفكر في عظيم حق الله عز وجل ، وواجب طاعته، وكثرة عدد ما يلزمها من جانبة ما كره ربها عز وجل ونهى عنه في ظاهرها وباطنها، هل أحصت ذلك كله حتى لم تضيع لله عز وجل حقا، ولم تركب نهيا مما نهى الله عز وجل عنه. ============================================================ فإذا تفكر أحدهم في ذلك علم أنه يقيم بحقوق الله عز وجل كلها في طول عمره ، ولم يسلم مما كره أن يأتيه بجارحة أو بقلب، وأن القليل من عمله الذي يغتر به تعتوره الآفات التي تفسده أو تحبطه، من الرياء والعجب، والكبر والحسد وسوء الغذاء ، أو بعض ما بمقت الله عز وجل عليه فيحبط به العمل من تضييع الفرض، وإتيان ما نهى الله عز وجل عنه. وقد تهدد بذلك المؤمنين من عباده فقال: (يا أيها الذين آمنوا لاترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي إلى قوله: (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) . فتهددهم بحبط أعمالهم إن جهروا بالقول للنبي الله ، حتى كان أبو بكر الصديق ر ضي الله عنه يكلمه فيستعيده الحديث مرارا ، ما يفهم عنه النبي الله ، وقال: " والذي بعشك بالحق لا أكملك إلا كأخي السرار" وهو صديق الأمة، خوفأ مما تهدد الله عز وجل به. فمن يأمن حبط عمله بعد قوله ذلك خير الخلق بعد النبي عه وتهدده إياهم بهذا؟ وقال النبي عالله : " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب" . وقال: "من ترك صلاة العصر حبط عمله" . فمن يامن آن يحبط عمله بتضييع بعض ما آوجب الله عز وجل وافترضه . وروي عن ابن عباس : "لا تقبل صلاة من رجل في بطنه لقمة من حرام" . يقصد : الحرام أو الشبهات في الغذاء. سورة الحجرات، الآية:2. آخرجه : مسلم في صحيحه، حديث 65 من كتاب الزكاة. والترمذي في سننه ، سورة 36،2 من كتاب التفسير، والباب 41 من كتاب الأدب . والدارمي في مسنده، الباب التاسع من كتاب الرقاق. ومسند أحمد بن حنبل 328/2. أخرجه : البخاري في صحيحه، الباب 15، 34 من كتاب المواقيت . والنسائي في سننه ، الباب15 من كتاب الصلاة، وأحمد بن حنبل في المسند 349/5، 350، 357، 360، 442/6. أخرجه أحمد في الزهد وفيه اختلاف في اللفظ. ============================================================ وروي عن ابن عمر عن النبي له أنه قال: " من اشترى ثوبا بعشرة دراهم فيها درهم من حرام لم تقبل منه صلاة حتى يضعه عنه" : فاي مال ينجو في زماننا من أن يخالطه الحرام؟ فلو سلم عمله القليل من الآفات التي تفسده، لم يأمن أن يكون قد عمل عملا قدا يغضب الله عز وجل عليه به ، فأحبط علمه، أو أحبط بعض ما مضى من عمله وإن لم يغضب الله عز وجل عليه . هذا لو سلم من الأفات التي تفسد ببعضها، كالرياء الذي لا يقبل الله عز وجل الأعمال إذا كان فيها. بالكتاب والسنة ثبت ذلك عند أهل العلم والمعرفة : أن الرياء محبط للعمل إذا اعتقد [5] عامله ، أو العجب كما جاء : أن صلاة المدل لاترتفع فوق رأسه، أو كالحسد الذي جاء ( فيه) : " إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" .

Sección V00/P465–V00/P467

فحقوق الله عز وجل عظيمة، والطاعة واجبة ، والمعاصي في الظاهر والباطن كثيرة رو] التي لا يكاد يسلم منها ، والقليل من عمله تعتوره الآفات التي تخالطه فتفسده . وبتضييع بعض الحقوق الواجبة لا يأمن العبد في تضييعه إياها أن يحبط عمله . ولو خلص من الآفات وسلم من الذنوب، ولم يضيع حقا، ولا ركب نهيا، ولا غفل غفلة خاف الزلل منها وهو لا يشعر - وذلك يكاد يستحيل من مثلنا - لكان في عظيم ما يطلب من النجاة من العذاب، والفوز بجوار الرحمن عز وجل عمله يسيرا حقيرا في جنب ذلك، ما لا يقوم عمله بشكر بعض نعم الدنيا دون نعم الدين، فعمله صغير عندما آنعم الله عز وجل عليه، وعندما يطلب. ولو أن أهل السموات وأهل الأرضين سخرهم الله عز وجل له ، فدأبوا واجتهدوا آخرجه : أحمد في مسنده من حديث ابن عمر بسند فيه مجهول، ولفظه: " إن الله لا يقبل صلاة عبد ي شمن توبه درهم حرام". ما بين الحاصرتين: سقطت من ط. أخرجه : إبن ماجه في سننه، الباب 22 من كتاب الزهد . وآبو داود في سننه ، الباب 44 من كتاب الأدب. 2 ============================================================ له، لكانت النجاة من عذاب الله عز وجل أعظم وأكبر من عملهم له ، وكذلك الحلول ي جوار الله عز وجل. فكيف بعمله الضعيف مع كثرة الزلل والخطأ، وغلبة الغفلة والنسيان عليه في طول عمره، مع أنه لا يأمن من الآيات التي تفسد عمله عليه ، فلذلك أشفق أولونا رحمهم الله. فالرياء لا يشك أن الله عز وجل لا يقبل العمل إذا اعتقده عامله . وأما العجب وما سواه فأخاف أن يحبط الله عز وجل به الأعمال، ولا أقطع به . ولتعرض هذه الفرقة وجلها وشفقتها على وجل السابقين : أين وجلهم منه باب الغرة بالغزو والحج وقيام الليل وصيام النهار ومنهم فرقة اغترت بالغزو والحج وقيام الليل وصيام النهار، فقد خيل إلى أحدهم انه من عمال الله عز وجل، والمشتغلين به والذابين عن محارمه . فقد عمي على احدهم ذنبه، فهو غير مصحح لمطعمه وملبسه من الشبهات وغير ذلك، وجوارحه منتشرة عليه في أكثر عمره فيما يكره ربه عز وجل، وهو غير متفقد لنفسه ، لا يخيل إليه أنه ينبغي لمثله أن يتفقد نفسه، وإن علم منها ببعض التفريط هان عليه لما عنده من العبادة والعلم والغزو والحج وهو مع ذلك غير متفقد للاخلاص فيما يعمل، ولاعارف به دون تفقده. قلت: فبم تنفي ذلك؟ قال : بتفقدها أنفسها، حتى تعرف أنها كانت مشتغلة بالنوافل عن واجب الحق ل والقيام بالغرض. فإذا تفقد ذلك أحدهم من نفسه، علم أنه كان يعة نفسه ممن جاز التقوى، وعلا في درجات النوافل، يخيل إليه أنه لا يعذب مثله ، وأنه [ من ] خاصة الله عز وجل من خلقه هو ومن كان مثله، وقد كان مع ذلك مضيعا للخوف من الله عز وجل في 468 ============================================================ أوجب ونهى عنه ، فحينئذ يهتم بالتقوى، ويزداد إن قدر على ما كان يعمل، رجاء أن يكفر ما مضى من التضييع لحق الله عز وجل والتصنع بعمله . باب الغرة ممن أم التقوى واحسن التفقد لظاهره وداخله ومنهم فرقة آهل بصر ونظر وتفقد لجوارحها، ولكثير من خطرات قلوبها يؤمون التقوى ويريدونها ، ولا يحبون أن يبدوا بشيء من الأعمال غيرها . فهم مع ما خصوا به من بين العابدين في زمانهم يغترون بها، قد زايلهم الوجل والاشفاق، يخيل إلى أحدهم أن العذاب إنما يرفع عن العباد به ، ويدعو الله عز وجل و الغالب عليه أنه مستحق للااجابة ، غير وجل ولا مشفق أن يكون من أعداء الله لبعض ما سلف منه، أو لبعض ما يكون منه في ضميره وجوارحه، آو بأمر يختم له به ، فيشتى فيموت وهو عدو لله عز وجل على شر أحواله.

Sección V00/P467–V00/P469

قلت: فكيف يغترون وهم معتقدون للتقوى ويطلبونها ويؤمونها: قال : أعجبوا بتفقدهم فظنوا أنهم ناجون، واستصغروا من سواهم لمعرفتهم بتضييع العباد لحق الله عز وجل في زمانهم قلت: فكيف تنفي غرتها بذلك؟ قال : تعرض وجلها وشفقتها على وجل السابقين، فتنظر أين وجلها من وجلهم فإنها تجدهم قد تمنوا - مع ما قد قاموا به لله عز وجل مما لم يأت بأقل القليل منه - انهم كانوا بهائم، إعظاما للأمر وخوفا من الرب عز وجل . وبذلك وصفهم الله عز وجل فقال: { يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) . فليتفكروا ويتذكروا آي رب يعبدون، وأي ثواب يطلبون، ومن أي عذاب سورة المؤمنون، الآية: 60. 469 ============================================================ بون، وما بين ايديهم من الأهوال وعظيم الخطر، وما أحصى عليهم من الذنوب وسابق علم الله عز وجل فيهم. فانهم إذا تفكروا في ذلك كانوا - مع معرفتهم بتضييع العباد لحق الله عز وجل في زمانهم، وبما من الله عز وجل عليهم من الطاعات والتقوى - يرون آنهم شر أهل زمانهما. كما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال : " لا يبلغ عبد حقيقة الايمان حتى ينظر إلى الناس كالأباعر في ذات الله عز وجل، ثم يرجع إلى نفسه فتكون عنده أحقر حافر). وكيف لا يكون كذلك والرب جل جلاله لا يؤدي حقه، ولا يبلغ قدر عظمته ولا تحصى نعمه، وعذابه عذاب لا يقام له به ، وثوابه ثواب لا صبر عن دونه ، حتى لو أن أحدهم كشف له عن عبادات الملائكة ، لعلم أنهم مقصرون عما يحق لله عز وجل وعلى قدر يوم القيامة بأهواله وزلازله وشدائده، فكيف بضعيف عمل أحدهم فحينئذ تزول عنهم غرتهم، ويغلب على قلوبهم مع إحسانهم الشفق والوجل والحزن والحذر ، وترك الطأنينة والسكون إلى شيء من أعمالهم. أنا يرجون الله عز وجل وتجاوزه، وإن لم يفعل ذلك بهم عطبوا ، إذ لله عز وجل الفضل عليهم على كل حال، وأنه قد كان منهم ما قد استوجبوا به العذاب. وإذ هم لا يشهدون لأنفسهم بالسلامة في أعمالهم، لما يجدون من كثرة منازعة انفسهم إلى ما يفسد أعمالهم، ولما يعرفون من كثرة غفلاتهم، خوفا من إحصاء الله عز وجل عليهم ما قد كانوا عنه يغغلون، وإياه ينسون. فيبدو هم ما لم يكونوا يحتسبون، كما وصف الله عز وجل به المغترين. قيل في التفسير : أعمال كانوا يرون أنها خير صارت شرا. فبذلك ونحوه ينفون الغرة بأعمالهم ============================================================ باب الغرة بتقديم العزوم بإخلاص الأعمال والعزم على الرضى والتوكل ومجانبة دناءة الأخلاق ومنهم فرقة الغالب منها تقديم العزوم لله سبحانه بإخلاص العمل له في كل ما تعمل، والعزم على الرضا والتوكل، وما أشبه ذلك ، وترك الكبر والعجب وسوء الظن والكذب والغضب، وإشفاء الغيظ بما لا يحل. فلما سخت انفسها بالعزم على ذلك ونحوه، عدت أنفسها من أهله، والقائمين لله عز وجل به ، بعزمها على الإخلاص ، فإذا عرض العمل سهت وغفلت فراءت و كذلك سائر ما كره الله عز وجل، إلا القليل من ذلك تنتبه له فتدعه . غرتها عزومها، فحكمت لأنفسها بذلك، فلم تتفقد أنفسها عند ذلك، ولم تتهمها عند تضييعه، إذ رأتها قد سخت بالعزم على ذلك، فلم تف بما عزمت عليه، ولم تصدق في أكثر ما عاهدت، غفلة وسهوا. قلت: فبم تنفي غرتها بذلك قال : بمعرفتها ان العزم على العمل ليس بالعمل ، وأن العزم على العمل أقل مؤنة على النفس من العمل ، لأن العزم لا تعب فيه ولا مؤنة على النفس ، ولا ترك لذة بعد مقدرة عليها، أن النفس قد تعزم ثم تضيع العمل، كراهة تحمل المؤنة والتعب، وقدا تعزم على ترك اللذة ثم تواقعها عند الظفر ، لأن المحنة عند المقدرة أشد على النفس ، لا لأن شهوتها تهيج إذا أحست بلدتها ومحبتها وظفرت بها.

Sección V00/P469–V00/P471

من هنا يظهر ان النفس تهيج وتنعقد على حب اللذة والراحة إذا احست بهما، وهذا الأحساس ناشء عن الفكرة المعروفة عند الصوفية بالخواطر الملازمة ، وقد آلح المحاسبي في محاولاته النفسية على فكرة نفي الخواطر ومقاومتها، وعدم الركون إليها . وأكد الصوفية من بعده وأخصهم العلامة سيدي مصطفى بن كمال الدين البكري ان الاستمرار مع الخاطر بما يساوي دقيقة من الزمان يكون عقدة النفس على حب اللذة. انظر (العرائس القدسية المفصحة عن الدسائس النفسية) خط بدار الكتب المصرية ففيه متفرقات في الموضوع. ============================================================ فإذا علمت ان ذلك كذلك، لم تحكم لأنفسها بذلك دون الوفاء لله عز وجل بالعمل بما أوجب، والترك لما كره، وأن العزم المتقدم طاعة منها ، وإنما يكون العازم عليها من أهلها إذا قام لله عز وجل بها كما عزم، فلا يحكم لنفسه احد منهم بالحلم إلا عند الغضب، لأن العزم الأول على الحلم نية أن يحلم [هو] لا حلم، ولا (العزم على) الإخلاص إلا في العمل ، لأن العزم الأول على الإخلاص نية الإخلاص إذا عمل عملا ان يخلصه، لا إخلاص في [أثناء] العمل. و كذلك جميع الأعمال التي تقدم العزم عليها ، إلا ما كان من أعمال القلوب التي ليس فيها للجوارح عمل، كاعتقاد السنة والتدين بها ، وما أشبه ذلك . فأما العزم على العمل فلا يغتر به ، فيغفل عن نفسه، فيضيع العمل، ويركن إلى ما عزم على تركه دون ان يتفقد نفسه، ويأخذها بالوفاء بما عزمت عليه . وبذلك وصف الله عز وجل أولياءه فقال:{ رجال صدقوا ما عاهدوا اله عليه) . باب الغرة بطول ستر الله تعالى وإمهاله للعبد ومنهم فرقة اغترت بطول ستر الله عز وجل عليها، وإمهاله لها، فلما دام ها الستر فلم يظهر للعامة منها إلا خير، وأثنت عليها وعظمتها، [ ف] اغترت بذلك ، وظنت أن ذلك لم يكن إلا ولها عند الله عز وجل منزلة عظيمة ، وأنه محب لها ، وهي مع ذلك كثير تخليطها، كثيرة التصنع للعباد، ولا تعرى من العجب بعملها والكبر على من دونها، قليلة الفطنة لكثير ذنوبها ، قليلة الوجل والإشفاق ، لما رأت من الستر وحب الاخوان، وثناء العوام. فاغترت وظن انها ناجية، وأن الله عز وجل عنها راض ، وأنه لو كان سخط عليها ما بين الحاصرتين: سقط من ط. سورة الأحزاب، الآية: 23. ============================================================ م أسلفت من الذنوب لما ستر عليها، ولا حببها إلى كثير من الناس ، ولا نشر لها ال الثناء، فهي مغترة بذلك غير متفقدة لأنفسها ، ولا تكاد تظن بها أكثر ذنوبها ، قليل خوفها وحذرها. قلت: فبم ينفي أحدهم ذلك قال: بمعرفته بنفسه وأن الستر عليه حجة من الله عز وجل عليه ، ليعلمه أنه لم عجل عليه ولم يهتك ستره، ليستحي من ربه عز وجل، الذي ستر قبيحه، وأظهر له من الجميل ما لم يعمله. فالستر عليه حجة من الله عز وجل، ليس بغرة، وثناء الناس إنما كان لستر الله عز وجل عليه، ولو أظهر الله عز وجل لهم ما يعلم منه لأبغضوه ومقتوه، وهو لا يحب ان يعلموا منه ما يعلم الله عز وجل منه من ذنوبه فيمقتوه، والله عز وجل اولى ان يخافه ان يكون قد مقته بما سلف من ذنوبه، او قد مقته ببعض ما هو عليه مقيم وإنما أثنى الناس عليه لستر الله عز وجل عليه ، ولو علموا منه ما علم الله عز وجل منه ما أثنوا عليه ، فثناؤهم عليه طاعة منهم لربهم عز وجل بجسن ظنهم به ، فهولا يغره ظنهم على غير يقين منهم بما عنده، حت ينسيه ما يعلمه يقينا ان الله عز وجل يعلمه منه، فلا ينسى اليقين من نفسه لظن الناس به خلاف ما هو عليه، وذلك عبادة منهم ربهم عز وجل، وحسن ظن منهم به.

Sección V00/P471–V00/P474

فكيف يخيل إليه ويرى انه كما يقولون، وهو عالم من نفسه خلاف ما يظنون؟ كا قال علي عليه السلام إذ أثنى الناس عليه او كما قال غيره: " اللهم انت تعلم وهم لا يعلمون، فلا تؤاخذني بما يقولون" . ومر مطرف وابن عون برجل، فقال الرجل : من احب ان ينظر إلى رجلين من أهل الحجنة فلينظر إلى هذين ، فقالا : اللهم انت تعرفنا ولا يعرفنا ، اي إنه يتكلم بالظن على غير علم، وأنت عالم. في ط: ابن أون، ولم نعلم له أصلا. ============================================================ وكان أبو البختري الطائي وأصحابه إذا أثنى على أحدهم، وضع شقه نحو الأرض وقال : تواضعت لربي، إني أذل ان اكون كما يقولون، تواضعا لله عز وجل ان يرىا أن له قدرا بما سمع من تنائهم عليه، فلا ينسيه ظنهم يقينه بنفسه. ومع ذلك لا يأمن أن يكون ثناؤهم عليه استدراجا من الله عز وجل ، ليغتر بالثناء لا ويستأنس الى الستر والإهمال، ثم يأخذه بغتة بعقوبة، أو يهتك ستره عنه، أو يموت على ذنبه ولم يتب منه ، فلا يأمن ذلك، إذ علم أنه على خلاف ما يثنون عليه. كما يروى عن ابي تميمة الهجيمي انه قيل له : كيف اصبحت؟ قال : بين ذنب واله ما آدري ما فعل فيه، أغفره وعفى عنه، أو غضب علي من أجله؟ وثناء من هؤلاء الناس ، والله ما أستأهله ولا أنا كذلك . لا يأمن ان يكون استدراجا من ربه عز وجل إذ علم من نفسه خلاف ما يثنون عليه به ، والله عز وجل يعلم خلاف ما يقولون فيه ، فهو لا يأمن مقته على ما يعلم أنهم لو علموا به لمقتوه وابغضوه عليه. فلا يعد الستر إلا توكيدا للحجة عليه، واستدراجا له . فبذلك ينفي الغرة بستر الله عز وجل وإمهاله له ، وثناء العباد عليه . 474 ============================================================ مه و باب في فكر الحسد ووصفه وتفسير حرمه من مباحه قلت: ما الحسد؟ وما الدليل عليه من العلم قال: إن الحسد في الكتاب والسنة على وجهين، وهما موجودان في اللغة . فأحدهما غير محرم، فبعضه فرض، وبعضه فضل، وبعضه مباح، وبعضه خرج إلى النقص والحرام. وأما الوجه الآخر فمحرم كله، ولا يخرج إلا إلى ما لا يحل. قلت: فما الحسد الذي ليس بمحرم قال: المنافسة. قلت: ما الدليل على آن المنافسة حسد؟ قال: قول الله عز وجل: { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) . وقال تعالى: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم)) . وقال: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) . ولا تكون المسابقة من العبد إلا أن يسابق غيره. سورة المطففين، الآية: 26. سورة الحديد، الآية: 21. سورة آل عمران، الآية: 133. ============================================================ وقال على عليه السلام وذكر العامل لله عز وجل ، فقال : "ويباهي العباد بعبادة ر به" . يعني ينافسهم ويسابقهم، كما يرى العبدين من عبيد أهل الدنيا يتباهيان عندا مولاهما أي لا يخطىء أحدهما قبل الآخر، جزعا ان يسبقه إلى محبة مولاه ويقصر هو عنها، فتكون منزلته عند مولاه احسن من منزلة الآخر، نفاسة ان يسبقه إلى الحظوة عند مولاه، ولا ينال هو الحظوة معه عند مولاه، كما نالها هو عند مولاه. وقال النبي علله : "لا حسد إلا في اثنتين" فنهى عن الحسد وأخبر أنه لا يجوز عند الله عز وجل إلا فيهما، فقوله : إلا اثنتين، أي : الحسد فيهما جائز . وقال النبي لله : " لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله عز وجل، مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله، عز وجل، علما فهو يعمل به ويعلمه الناس" .

Sección V00/P474–V00/P476

م فسر في حديث آخر لأبي كبشة الأنصاري عنه كيف ذلك الحسد؟ فقال مالله : مثل هذه الأمة مثل أربعة : رجل آتاه الله مالأ ولم يؤته علما، ورجل آتاه الله عز وجل علما ولم يؤته مالا، فيقول ربة العلم: لو ان لي مثل مال فلان كنت اعمل فيه بمثل عمله، فهما في الأجر سواء، ويقول رب المال لو ان في مثل علم فلان كنت اعمل فيه بمثل عمله" . فذلك هو الحسد الذي هو منافسة، أحب ان يلحق به ، وغمه ان يكون دونه ، ولم يچب له شرا. وقد تسمى العرب الحسد المحرم منافسة، لأنهما جميعا في اللغة حسد ، فيقول الرجل للرجل: نفست علي، أي : حسدتني . وقال قثم بن العباس والمطلب بن ربيعة لما أرادا أن يأتيا النبي فيسألاه ان اخرجه: البخاري في صحيحه، الباب 5 من كتاب التمني، والباب 45 من كتاب التوحيد . الحديث السابق. اخرجه: ابن ماجه من حديث أبي كبشة الأنصاري بسند جيد، ورواه الترمذي بزيادة، وقال : حسن صحيح. ============================================================ يؤمرهما على الصدقة لعلي رضي الله عنه حين قال لهما لا تذهبا إليه فإنه لا يؤمر كما عليها، فقالا : ما ذاك إلا نفاسة منك ، والله لقد زوجك ابنته فما نفسنا ذلك عليك اي هذا منك حسد، وما حسدناك على تزويجك فاطمة. قلت: ففسر لي هذا الحسد الذي هو منافسة تفسيرا تميز به بينه وبين الحسد المحرم. قال: هو آن يرى بغيره نعمة في دين او دنيا، فيغتم ألا يكون انعم الله عليه بمثل تلك النعمة ، فيجب ان يلحق به ويكون مثله ، لا يغتم من أجل المنعم عليه نفاسة منه عليه، ولكن غما الا يكون مثله. فهذا الحسد الذي هو منافسة. فإن كان الذي رأى بغيره من النعم قياما بفرض الله ، عز وجل، وانتهاء عا حرم الله عز وجل، فحسد على ذلك، وأحب ان يكون مثله ، وتمنى ذلك ، وسأل اله عز وجل ذلك، كان ذلك عليه فرضا واجبا ان يحاسده على ذلك ، ليؤدي فرض اله تعالى ، لأنه إن لم يغتم ويجزن بتخلفه عمن قام بغرض الله عز وجل عليه واجتناب ما نهى عنه، ولم يحب ان يكون مثله، كان عاصيا مقيما على تضييع الفرائض، وركوب المحارم، ولا يغتم، بتركها، ولا يحب أن يطيع الله عز وجل، كم أطاعه الورعون في القيام بحقه. وإن كان ما رأى بغيره من نعم الدين فضلا وتطوعا فاغتم ان يقصر عن منزلته وأحب ان يلحق به ، ويكون مثله، فذلك فضل منه وتطوع إذ أحب ان يتقرب إلى اله عز وجل، كما تقرب غيره، واغتم ان يقصر عن القربة إلى الله عز وجل بما يحب من طاعته. وإن كان ما رأى بغيره من النعم مباحا له فيما يتقلب فيه من لذته ونعيمه بالفضول فيما أحل له، فاغتم الا يكون له مثله، واحب ان يلحقه به ، فيوسع عليه كما في ط: وانتهى. في ط: واجتنب. ============================================================ وسع على من نافسه، وأن يلحق به فيكون متنعما مثله ، فذلك مباح له ، وليس بمحرم عليه ، إلا انه نقص من الغضل ومن الزهد ، إلا ان يخرج إلى السخط على الله عز وجل فيكون السخط على الله عز وجل لا يحل له ؛ لا أن السخط منافسة، لأنه يحب السعة والتنعم بجلال الله، عز وجل، وليس محبته تلك بسخط، وإن كانت محبته نقصا من الفضل. وإن كان ما يرى من غيره محرما لا يحل له كاكتساب الحرام، وإنفاقه المال فيما لا يل له ، والعمل بالمعاصي في التلذذ بها ، فاغتم ألا يكون مثله، وأحب ان يكون مثله، ويصيب من المال واللذة مثل ما أصاب من ذلك، فذلك منه لا يچوز له . ولم يحسده الحسد المحرم من قبل الغش له ، ولكن حسده حسد منافسة في الحرام ا ا ا ا ا الا ا ال لا ان يراه به.

Preguntas