Qur'an&Sunnah

Ebû Nuaym el-İsfahânî — Hilyetü'l-Evliyâ ve Tabakātü'l-Asfiyâ

Sección V10/P260–V10/P262

أخبرني جعفر بن محمد بن نصر في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال قال أبو القاسم الجنيد بن محمد وسئل عن ما تنهى الحكمة فقال الحكمة تنهى عن كل ما يحتاج أن يعتذر منه وعن كل ما إذا غاب علمه عن غيرك أحشمك ذكره في نفسك فقال له السائل فبم تأمر الحكمة قال تأمر الحكمة بكل ما يحمد في الباقي أثره ويطيب عند جملة الناس خبره ويؤمن في العواقب ضرره قال فمن يستحق أن يوصف بالحكمة قال من إذا قال بلغ المداو الغاية فيما يتعرض لنعته بقليل القول ويسير الإشارة ومن لا يتعذر عليه من ذلك شيء مما يريد لأن ذلك عنده حاضر عتيد قال فبمن تأنس الحكمة وإلى من تستريح وتأوي قال إلى من انحسمت عن الكل مطامعه وانقطعت من الفضل في الحاجات مطالبه ومن اجتمعت همومه وحركاته في ذات ربه ومن عادت منافعه على سائر أهل دهره حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب قال سمعت أبا القاسم الجنيد ابن محمد يقول إن لله عبادا صحبوا الدنيا بأبدانهم وفارقوها بعقود إيمانهم أشرف بهم علم اليقين على ما هم إليه صائرون وفيه مقيمون وإليه راجعون فهربوا من مطالبة نفوسهم الأمارة بالسوء والداعية إلى المهالك والمعينة للأعداء والمتبعة للهوى والمغموسة في البلاء والمتمكنة بأكناف الأسواء إلى قبول داعي التنزيل المحكم الذي لا يحتمل التأويل إذ سمعوه يقول يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لم يحييكم فقرع أسماع فهومهم حلاوة الدعوة لتصفح التمييز وتنسموا بروح ما أدته إليهم الفهوم الطاهرة من أدناس خفايا محبة البقاء في دار الغرور فأسرعوا إلى حذف العلائق المشغلة قلوب المراقبين معها وهجموا بالنفوس على معانقة الأعمال وتجرعوا مرارة المكابدة وصدقوا الله في معاملته وأحسنوا الأدب فيما توجهوا إليه وهانت عليهم المصائب وعرفوا قدر ما يطلبون واغتنموا سلامة الأوقات وسلامة الجوارح وأماتوا شهوات النفوس وسجنوا همومهم عن التلفت إلى مذكور سوى وليهم وحرسوا قلوبهم عن التطلع في مراقي الغفلة وأقاموا عليها رقيبا من علم من لا يخفى عليه مثقال ذذرة في بر ولا بحر ومن أحاط بكل شيء علما وأحاط به خبرا فانقادت تلك النفوس بعد اعتياصها واستبقت منافسة لأبناء جنسها نفوس ساسها وليها وحفظها بارئها وكلأها كافيها فتوهم يا أخي إن كنت ذا بصيرة ماذا يرد عليهم في وقت مناجاتهم وماذا يلقونه من نوازل حاجاتهم تر أرواحا تتردد في أجساد قد أذبلتها الخشية وذللتها الخدمة وتسربلها الحياء وجمعها القرب وأسكنها الوقار وأنطقها الحذار أنيسها الخلوة وحديثها الفكرة وشعارها الذكر شغلها بالله متصل وعن غيره منفصل لا تتلقى قادما ولا تشيع ظاعنا غذاؤها الجوع والظمأ وراحتها التوكل وكنزها الثقة بالله ومعولها الإعتماد ودواؤها الصبر وقرينها الرضا نفوس قدمت لتأدية الحقوق ورقيت لنفيس العلم المخزون وكفيت ثقل المحن لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم سمعت أبا بكر محمد بن أحمد يقول سمعت الجنيد يقول ما من شيء أسقط للعلماء من عين الله من مساكنة الطمع مع العلم في قلوبهم قال وسمعت الجنيد يقول فتح كل باب وكل علم نفيس بذل المجهود سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول قال الجنيد لولا أنه يروى أنه يكون في آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم ما تكلمت عليكم حدثنا عثمان بن محمد ثنا بعض أصحابنا قال قيل للجنيد ما القناعة قال ألا تتجاوز إرادتك ما هو لك في وقتك سمعت علي بن عبدالله الجهضمي يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول سمعت محمد بن الحريض يقول لما قال الجنيد إن بدت عين من الكرم ألحقت المسيء بالمحسن قال أبو العباس بن عطاء متى تبدو فقال له الجنيد هي بادية قال الله سبقت رحمتي غضبي

Sección V10/P262–V10/P264

أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول لو أن العلم الذي أتكلم به من عندي لفني ولكنه من حق بدا وإلى الحق يعود وربما رفع في قلبي أن زعيم القوم أرذلهم سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا عبدالله الدارمي يقول سمعت أبا بكر العطوي يقول كنت عند الجنيد حين مات فختم القرآن ثم ابتدأ من البقرة فقرأ سبعين آية ثم مات رحمه الله حدثنا أبو الحسن علي بن هارون قال سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول وسأله جعفر ما تقول أكرمك الله في الذكر الخفي ما هو الذي لا تعلمه الحفظة ومن أين زاد عمل السر على عمل العلانية سبعين ضعفا فأجابه فقال وفقنا الله وإياكم لأرشد الأمور وأقربها إليه واستعملنا وإياكم بأرضى الأمور وأحبها إليه وختم لنا ولكم بخير فأما الذكر الذي يستأثر الله بعلمه دون غيره فهو ما اعتقدته القلوب وطويت عليه الضمائر مما لا تحرك به الألسنة والجوارح وهو مثل الهيبة لله والتعظيم لله والاجلال لله واعتقاد الخوف من الله وذلك كله فيما بين العبد وربه لا يعلمه إلا من يعلم الغيب والدليل على ذلك قوله عز وجل يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وأشباه ذلك وهذه أشياء امتدح الله بها فهي له وحده جل ثناؤه وأما ما تعلمه الحفظة فما وكلت به وهو قوله ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وقوله كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون فهذا الذي وكل به الملائكة الحافظون ما لفظ به وبدا من لسانه وما يعلنون ويفعلون هو ما ظهر به السعي وما أضمرته القلوب مما لم يظهر على الجوارح وما تعتقده القلوب فذلك يعلمه جل ثناؤه وكل أعمال القلوب ما عقد لا يجاوز الضمير فهو مثل ذلك والله أعلم وما روى في الخبر من فضل عمل السر على عمل العلانية وأن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ضعفا فذلك والله أعلم لأن من عمل لله عملا فأسره فقد أحب أن ينفرد الله عز وجل بعلم ذلك العمل منه ومعناه أن يستغني بعلم الله في عمله عن علم غيره وإذا استغنى القلب بعلم الله أخلص العمل فيه ولم يعرج على من دونه فاذا علم جل ذكره بصدق قصد العبد إليه وحده وسقط عن ذكر من دونه أثبت ذلك العمل في أعمال الخالصين الصالحين المؤثرين الله على من سواه وجازاه الله بعلمه بصدقة من الثواب سبعين ضعفا على ما عمل من لا يحل محله والله أعلم حدثنا علي بن هارون قال سمعت الجنيد بن محمد يقول في كتابه إلى أبي العباس الدينوري من استخلصه الحق بمفرد ذكره وصافاه يكون له وليا منتخبا مكرما مواصلا يورثه غرائب الأنبياء ويزيده في التقريب زلفى ويثبته في محاضر النجوى ويصطنعه للخلة والاصطفاء ويرفعه إلى الغاية القصوى ويبلغه في الرفعة إلى المنتهى ويشرف به من ذروة الذرى على مواطن الرشد والهدى وعلى درجات البررة الاتقياء وعلى منازل الصفوة والأولياء فيكون كله منتظما وعليه بالتمكين محتويا وبأنبائه خبيرا عالما وعليه بالقوة والاستظهار حاكما وبإرشاد الطالبين له إليه قائما وعليهم بالفوائد والعوائد والمنافع دائما ولما نصب له الأئمة من الرعاية لديه به لازما وذلك امام الهداة السفراء العظماء الأجلة الكبراء الذين جعلهمم للدين عمدا وللأرض أوتادا جعلنا الله وإياك من أرفعهم لديه قدرا وأعظمهم في محل عزه أمرا إن ربي قريب سميع سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانىء يقول سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد عن قوله لا أحب الآفلين قال لا أحب من يغبب عن عياني وعن قلبي وفي هذا دلالة أني إنما أحب من يدوم لي النظر إليه والعلم به حتى يكون ذلك موجودا غير مفقود وكذلك رأينا أن أشد الأشياء على المحبين أن يغيب عنهم من أحبوه وأن يفقدوا شاهدهم

Sección V10/P264–V10/P266

سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر يقول سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد عن الايمان ما هو فقال الايمان هو والتصديق الايقان وحقيقة العلم بما غاب عن الأعيان لأن المخبر لي بما غاب عني أن كان عندي صادقا لا يعارضني في صدقه ريب ولا شك أوجب علي تصديقي إياه إن ثبت لي العلم بما أخبر به ومن تأكيد حقيقة ذلك أن يكون تصديق الصادق عندي يوجب علي أن يكون ما أخبرني به كأني له معاين وذلك صفة قوة الصدق في التصديق وقوة الأيقان الموجب لاسم الإيمان وقد روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل اعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك فأمره بحالتين إحداهما أقوى من الاخرى لأني كأني أرى الشيء بقوة العلم به وحقيقة التصديق له أقوى من أن أكون أعلم أن ذلك يراني وإن كان علمي بأنه يراني حقيقة علم موجبة للتصديق والمعنى الاول أولى وأقوى والفضل بجمعهما على تقديم إحداهما على الأخرى قال أحمد وسألته عن علامة الايمان قال الايمان علامته طاعة من آمنت به والعمل بما يحبه ويرضاه وترك التشاغل عنه بشيء ينقضي عنده حتى أكون عليه مقبلا ولموافقته مؤثرا ولمرضاته متحريا لأن من صفة حقيقة علامة الايمان ألا أوثر عليه شيئا دونه ولا أتشاغل عنه بسبب سواه حتى يكون المالك لسري والحاث لجوارحي بما أمرني من آمنت به وله عرفت فعند ذلك تقع الطاعة لله على الاستواء ومخالفة كل الأهواء والمجانبة لما دعت إليه الأعداء والمتاركة لما انتسب إلى الدنيا والاقبال على من هو أولى وهذه بعض الشواهد والعلامات فيما سألت عنه وصفة الكل يطول شرحة قال وسألته ما الايمان فقال هذا سؤال لا حقيقة له ولا معنى ينبىء عن مزيد من علم وإنما هو الايمان بالله جل ثناؤه مجردا وحقيقته في القلوب مفردا وإنما هو ما وقر في القلب من العلم بالله والتصديق وبما أخبر من أموره في سائر سمواته وأرضه مما ثبت في الايقان وإن لم أره بالعيان فكيف يجوز أن يكون للصدق صدق وللآيقان إيقان وإنما الصدق فعل قلبي والايقان ما استقر من العلم عندي فكيف يجوز أن يفعل فعلي وإنما أنا الفاعل أو يعلم علمي وإنما أنا العالم والسؤال في لابتداء غير مستقيم ولو جاز أن يكون للآيمان إيمان وللتصديق تصديق جاز أن يوالي ذلك ويكرر إلى غاية تكثر في العدد وجاز أن يكون كما عاد على ثواب إيماني وثواب تصديقي أن يعود علي إيمان إيماني ثواب وعلى تصديق تصديقي جزاء ولو أردت استقصاء القول في واجب ذلك لا تسع به الكتاب وطال به الخطاب وهذا مختصر من الجواب أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت الجنيد بن محمد يقول أعلم الناس بالآفات أكثرهم بلاء وآفة أخبرنا جعفر وحدثني عنه عثمان قال كنت أمشي مع الجنيد فلقيه الشبلي فقال له يا أبا القاسم ما تقول فيمن الحق حسبه نعتا وعلما ووجودا فقال له يا أبا بكر جلت الألوهية وتعاظمت الربوبية بينك وبين أكابر الطبقة ألف طبقة في أول طبقة منها ذهب الإسم قال وسمعت الجنيد يقول من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتن ومتعلم يتعلم الحقيقة يوصله الله إلى الهداية قال صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق له سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا القاسم المطرز يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول لرجل وهو يكلمه في شيء لا تيأس من نفسك وأنت تشفق من ذنبك وتندم عليه بعد فعلك سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا الحسن المحلي يقول سمعت الجنيد يقول كان التوكل حقيقة واليوم هو علم 1

Sección V10/P266–V10/P268

سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا محمد الخواص يقول سمعت الجنيد يقول منذ عشرين سنة ما ناصيت أحدا إلى حق فعاد إلي وقال الجنيد إذا أصبت من يصبر على الحق فتمسك به قال قلت وأنى به هات من يصبر لي على سماع الحق لا يتعرض إليه أخبرني جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه أبو الحسن بن مقسم قال سمعت الجنيد يقول لو بدت عين من الكرم لألحقت المسيئين بالمحسنين وبقيت أعمال العاملين فضلا لهم سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا محمد المرتعش يقول سمعت الجنيد يقول كتب إلي بعض إخواني من عقلاء أهل خراسان اعلم يا أخي يا أبا القاسم أن عقول العقلاء إذا تناهت تناهت إلى حيرة سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا القاسم المطرز يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول أضر ما على أهل الديانات الدعاوي سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن إسحاق الرازي يقول سمعت العباس بن عبدالله يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول عليكم بحفظ الهمة فان حفظ الهمة مقدمة الأشياء 1 سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن إسحاق الرازي يقول سمعت العباس بن عبدالله يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول المروءة امتحان ذلل الاخوان 2 سمعت أبا الحسن علي بن هارون يقول سمعت الجنيد بن محمد أبا القاسم يقول ورأى رويما وقد تولى القضاء فقال من أراد أن ينظرإلى من خبأ في سره حب الدنيا عشرين سنة فلينظر إلى هذا سمعت أبا الحسن علي بن هارون يقول أخبرني بعض أصحابنا عن أبي القاسم الجنيد قال إنه وقف على سائل فسألته فقال حركني فعل لي فقال الجنيد لا ولكن فعل الله فيك يقتضي منك شكر ما جعله فيك سمعت أبا بكر محمد بن أحمد المفيد يقول حضرت الجنيد يوما فسأله أصحابه فقالوا يا أستاذ متى يكون الله عز وجل مقبلا على عبده فلهى عنهم ولم يجبهم فألحوا عليه وكان ظريفا لا يحب أن يتبشع جوابه على أحد فالتفت إليهم فقال واعجباه يقف بين يدي ربه بلا حضور ويقتضي بهذه الوقفة إقبالا سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت محمد بن سعيد يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول وسئل عن حقيقة الشكر فقال ألا يستعان بشيء من نعمه على معاصيه سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا بكر بن سعيد وأبا بكر ختن الجنيد يقولان سمعنا الجنيد يقول الورع في الكلام أشد منه في الاكتساب أنشدني أبو الحسن بن مقسم قال أنشدني أبو بكر ختن الجنيد قال أنشدني الجنيد بن محمد تحمل عظيم الجرم ممن تحبه وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم قال وأنشدني أناس أمناهم فنموا حديثنا فلما كتمنا السر عنهم تقولوا ولم يحفظوا الود الذي كان بيننا ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا القاسم المطرز يقول سمعت الجنيد يقول لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا القاسم ا لنقاشي الصوفي يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول متى أردت أن تشرف بالعلم وتنسب إليه وتكون من أهله قبل أن تعطى العلم ماله عليك احتجب عنك نوره وبقي عليك وسمه وظهوره ذلك العلم عليك لا لك وذلك أن العلم يشير إلى إستعماله وإذا لم يستعمل العلم في مراتبه رحلت بركاته سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا القاسم النقاشي يقول سمعت الجنيد يقول الإنسان لا يعاب بما في طبعه إنما يعاب اذا فعل بما في طبعه أنشدني أبو الحسن بن مقسم قال أنشدني علي بن الحسن القرشي قال أنشدني الجنيد بن محمد هل من سبيل إلى حبيب أوقفني موقف العبيد والله والله لو بدأني بكل ضرب من الصدود ما كان لي من هواه بد ولو تقطعت بالوجود

Sección V10/P268–V10/P270

سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا القاسم الحفار يقول سمعت الجنيد وقد سأله رجل كيف الطريق إلى الله تعالى فقال توبة تحل الإصرار وخوف يزيل الغرة ورجاء مزعج إلى طريق الخيرات ومراقبة الله في خواطر القلوب سمعت أحمد بن جعفر بن مالك يقول سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول وسأله سائل العناية قبل أم البداية فقال العناية قبل الطين والماء قال وسمعت أبا القاسم الجنيد يقول يامن هو كل يوم في شأن اجعلني من بعض شأنك أخبرنا جعفر بن محمد فيما كتب إلي قال سمعت الجنيد يقول المريد الصادق غني عن علوم العلماء يعمل على بيان يرى وجه الحق من وجوه الحق ويتوقى وجوه الشر من وجوه الشر قال وسمعت الجنيد يقول اعتللت بمكة فقوى علي فيها الوجود حتى لم أقدر أن أقول سبحان الله والحمد لله قال سمعت الجنيد يقول مكثت مدة طويلة لا يقدم أحد البلد من الفقراء إلا سلبت حالي ودفعت إلى حاله فأطلبه حتى إذا وجدته تكلمت بحاله وكنت لا أرى في النوم شيئا إلا رأيته في اليقظة سمعت أبا عمرو العثماني يقول سمعت أبا الحسن يقول سمعت الجنيد يقول ليس يتبشع علي ما يرد علي من العالم لأني قد أصلت أصلا وهو أن الدار دارهم وغم وبلاء وفتنة وأن العالم كله شر ومن حكمه أن يتلقاني بكل ما أكره فان تلقاني بكل ما أحب فهو فضل وإلا فالأصل هو الأول سمعت أبا الحسن الجهضمي يقول سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا عبدالله الفارسي يقول وقف أبو عبدالله المغربي علي الجنيد وقد سئل عن قوله سنقرئك فلا تنسى قال الجنيد سنقرؤك التلاوة فلا تنس العمل وسئل عن قوله ودرسوا ما فيه قال تركوا العمل بما فيه فقال المغربي حرجت أمة أنت بين ظهرانيها لا تفوض أمرها إليك قال ووقف الشبلى عليه فقال ما تقول يا أبا القاسم فيمن وجوده حقيقة لا علما فقال يا أبا بكر بينك وبين أكابر الناس سبعون قدما أدناها أن تنسى نفسك حدثنا الجهضمي ثنا محمد بن الحسن ثنا أبو القاسم بردان الهاوندي قال سمعت الجنيد يقول جئت إلى أبي الحسن السدى يوما فدققت عليه الباب فقال من هذا فقلت جنيد فقال ادخل فدخلت فاذا هو قاعد مستوفز وكان معي أربعة دراهم فدفعتها إليه فقال لي أبشر فانك تفلح فإني احتجت إلى هذه الأربعة دراهم فقلت اللهم ابعثها إلي على يدي رجل يفلح عندك حدثنا علي بن عبدالله ثنا منصور بن أحمد ثنا جعفر الدئلي قال سمعت الجنيد بن محمد يقول البلاء على ثلاثة أوجه على المخلطين عقوبات وعلى الصادقين تمحيص جنايات وعلى الأنبياء من صدق الاختيارات سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول سمعت حكيم بن محمد يقول حضر الجنيد أبو القاسم موضعا فيه قوم يتواجدون على سماع يسمعونه وهو مطرق قيل له يا أبا القاسم ما تراك تتحرك قال وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب

Sección V10/P270–V10/P272

حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد قال سمعت أبا القاسم الجنيد يقول ينبغي للعاقل ألا يفقد من إحدى ثلاثة مواطن موطن يعرف فيه حاله أمزاد أم منتقص وموطن يخلو فيه بتأديب نفسه وإلزامها ما يلزمها ويتقصى فيه على معرفتها وموطن يستحضر عقله برؤيته مجاري التدبير عليه وكيف تقلب فيه الاحكام في آناء الليل وأطراف النهار ولن يصفو عقل لا يصدر إلى فهم هذا الحال الأخير إلا بأحكام ما يجب عليه من إصلاح الحالين الأولين فأما الموطن الذي ينبغي له أن يعرف فيه حاله أمزاد هو أم منتقص فعليه أن يطلب مواضع الخلوة لكي لا يعارضه مشغل فيفسد ما يريد إصلاحه ثم يتوجه إلى موافقة ما ألزم من تأدية الفرض الذي لا يزكو حال قربه إلا بإتمام الواجب من الفرائض ثم ينتصب انتصاب عبد بين يدي سيده يريد أن يؤدي إليه ما أمر بتأديته فحينئذ تكشف له خفايا النفوس الموارية فيعلم أهو ممن أدى ما وجب عليه أم لم يؤد ثم لا يبرح من مقامه ذلك حتى يوقع له العلم ببرهان ما استكشفه بالعلم فان رأى خلللا أقام على إصلاحه ولم يجاوزه إلى عمل سواه وهذه أحوال أهل الصدق في هذا المحل والله يؤيد بنصره من يشاء إن الله لقوي عزيز وأما الموطن الذي يخلو فيه بتأديب نفسه ويتقصى فيه حال معرفتها فإنه ينبغي لمن عزم على ذلك وأراد المناصحة في المعاملة فإن النفوس ربما خبت فيها منها أشياء لا يقف على حد ذلك إلا من تصفح ما هنالك في حين حركة الهوى في محبة فعل الخير المألوف فإن النفس إذا ألفت فعل الخير صار خلقا من أخلاقها وسكنت إلى أنها موضع لما أهلت له وترى أن الذي جرى عليها من فعل ذلك الخير فيها هي له أهل ويرصدها العدو المقيم بفنائها المجعول له السبيل على مجاري الدم فيها فيرى هو بكيده خفي غفلتها فيختلس منها بمساءلة الهوى ما لا يمكنه الوصول إلى اختلاسه في غير تلك الحال فإن تألم لوكزته منه وعرف طعنته أسرع بالأمانة إلى من لا تقع الكفاية منه إلا به فاستقصى من نفسه علم الحال التي منا وصل عدوه إليه فحرسها بلياذة اللجأ وإلقاء الكنف وشدة الافتقار وطلب الاعتصام كما قال النبي بن النبي بن النبي الكريم بن الكريم بن الكريم كذا قال النبي صلى الله عليه وسلم الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم السلام وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين وعلم يوسف عليه السلام أن كيد الأعداء مع قوة الهوى لا ينصرف بقوة النفس فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم وأما الموطن الذي يستحضر فيه عقله لرؤية مجارى الأحكام وكيف يقلبه التدبير فهو أفضل الأماكن وأعلى المواطن فإن الله أمر جميع خلقه أن يواصلوا عبادته ولا يسأموا خدمته فقال وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فألزمهم دوام عبادته وضمن لهم عليها في العاجل الكفاية وفي الأخرى جزيل الثواب فقال يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وهذه كلها تلزم كل الخلق ووقف ليرى كيف تصرف الأحكام وقد عرض لرفيع العلم والمعرفة ألا يعلم أنه قال كل يوم هو في شأن يعني شأن الخلق وأنت أيها الواقف أترى أنك من الخلق الذي هو في شأنهم أو ترى شأنك مرضيا عنده ولن يقدر أحد على استحضار عقله إلا بانصراف الدنيا وما فيها عنه وخروجها من قلبه فاذا انقضت الدنيا وبادت أهلها وانصرفت عن ا لقلب خلا بمسامرة رؤية التصرف واختلاف الأحكام وتفصيل الأقسام ولن يرجع قلب من هذا وصفه إلى شيء من الانتفاع بما في هذه التي عنها خرج ولها ترك ومنها هرب ألا ترى إلى حارثة حين يقول عزفت نفسي عن الدنيا ثم يقول وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني باهل الجنة يتزاورون وكأني وكأني وهذه بعض أحوال القوم

Sección V10/P272–V10/P274

أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول كان يعارضني في بعض أوقاتي أن أجعل نفسي كيوسف وأكون أنا كيعقوب فأحزن على نفسي لما فقدت منها كما حزن يعقوب على فقده ليوسف فمكثت أعمل مدة فيما أجده على حسب ذلك أخبرنا جعفر في كتابه وحدثنا عنه محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول كنت يوما عند السرى بن المغلس بن الحسين وهو متزر بمئزر وكنا خاليين فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيم دنف مضنى واجهد ما يكون فقال انظر إلى جسدي هذا فلو شئت أن أقول إن ما بي هذا من المحبة كان كما أقول كان وجهه يصفر ثم اشرأب حمرة حتى تورد ثم اعتل فدخلت عليه وعوده فقلت له كيف تجدك فقال كيف أشكو ما بي إلى طبيبي والذي أصابني من جبيبي فأخذت المروحة أروحه فقال كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل ثم أنشأ يقول القلب محترق والدمع مستبق والكرب مجتمع والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له مما جناه ا لهوى والشوق والقلق يا رب إن كان شيء فيه لي فرج فامنن علي به ما دام لي رمق حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول أعلى درجة الكبر وشرها أن ترى نفسك ودونها وأدناها في الشر أن تخطر ببالك أخبرني محمد بن أحمد بن هارون قال سمعت علي بن الحسين الغلاب يقول قيل للجنيد هل عاينت أو شاهدت قال لو عاينت تزندقت ولو شاهدت تحيرت ولكن حيرة في تيه وتيه في حيرة قال وسمعت الجنيد بن محمد يقول حرم الله المحبة على صاحب العلاقة قال وسئل الجنيد عن الدنيا ما هي قال ما دنا من القلب وشغل عن الله أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول دخلت يوما على سرى السقطي فرأيت عليه هما فقلت أيها الشيخ أرى عليك هما فقال الساعة دق على داق الباب فقلت أدخل فدخل على شاب في حدود الأرادة فسألني عن معنى التوبة فأخبرته وسألني عن شرط التوبة فأنبأته فقال هذا معنى التوبة وهذا شرطها فما حقيقتها فقلت حقيقة التوبة عندكم أن لا تنسى ما من أجله كانت التوبة فقال ليس هو كذلك عندنا فقلت له فما حقيقة التوبة عندكم فقال حقيقة التوبة ألا تذكر ما من أجله كانت التوبة وأنا أفكر في كلامه قال الجنيد فقلت ما أحسن ما قال قال فقال لي يا جنيد وما معنى هذا الكلام فقال يا أستاذ إذا كنت معك في حال الجفاء ونقلتني من حال الجفاء إلى حال الصفاء فذكري للجفاء في حال الصفاء غفلة قال ودخلت عليه يوما آخر فرأيت عليه هما فقلت أيها الشيخ أراك مشغول القلب فقال أمس كنت في الجامع فوقف على شاب وقال لي أيها الشيخ يعلم العبد ان الله تعالى قد قبله فقلت لا يعلم فقال بلى يعلم وقال لي ثانيا بلى يعلم فقلت له فمن أين يعلم قال إذا رأيت الله عز وجل قد عصمني من كل معصية ووفقني لكل طاعة علمت أن الله تبارك وتعالى قد قبلني أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد قال سمعت الجنيد ابن محمد يقول رأيت بعد أن أديت وردي ووضعت جنبي لأنام كأن هاتفا يهتف بي إن شخصا ينتظرك في المسجد فخرجت فإذا شخص واقف في سواء المسجد فقال لي يا أبا القاسم متى تصير النفس داءها دواءها قلت إذا خالفت هواها صار داؤها دواءها قال قلت هذا لنفسي فقالت لا أقبل منك حتى تسأل عنه الجنيد فقلت من أنت قال أنا فلان الجني وقد جئت إليك من المغرب قال وسمعت الجنيد بن محمد يقول لا نكون عبدالله بالكلية حتى لا تبقى عليك من غير الله بقية قال وسمعت الجنيد يقول لا تكن عبدالله حقا وأنت لشيء سواه مسترقا

Sección V10/P274–V10/P276

حدثنا أبو نصر محمد بن أحمد بن هارون قال سمعت عبدالواحد بن محمد الاصطخري أبا الأزهر يقول سمعت إبراهيم بن عثمان يقول سمعت الجنيد ابن محمد يقول دخلت البادية بعقد التوكل في وسط السنة فمضت علي أيام فانتهيت إلى مجمع ماء وخضرة فتوضأت وملأت ركوتي وقمت أركع فإذا بشاب قد أقبل بزي التجار كأنه قد غدا من بيته إلى سوقه أو يرجع من سوقه إلى بيته فسلم علي فقلت الشاب من أين فقال من بغداد فقلت متى خرجت من بغداد قال أمس فتعجبت منه وكنت قد مضت علي أيام حتى بلغت إلى ذلك الموضع فجلس يكلمني وأكلمه فأخرج شيئا من كمه يأكله فقلت له أطعمني مما تأكل فوضع في يدي حنظلة فأكلته فوجدت طعمه كالرطب ومضى وتركني فلما دخلت مكة بدأت بالطواف فجذب ثوبي من ورائي فالتفت فإذا أنا بشاب كالشن البالي عليه قطعة عباء وعلى عاتقه بعضه فقلت له زدني في المعرفة فقال أنا الشاب الذي أطعمتك الحنظل فقلت له ما شأنك فقال يا أبا القسام ذرؤنا حتى إذا أوقعونا قالوا استمسك أخبرنا جعفر بن محمد فيما كتب إلي وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سئل الجنيد أيما أتم استغراق العلم في الوجود أو استغراق الوجود في العلم قال استغراق العلم في الوجود ليس العالمون بالله كالواجدين له قال وسأله الحريري عن قول عيسى عليه السلام تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك قال هو والله ألم تعلم ما أنا لك عليه ومالك عندي ولا أعلم مالي عندك إلا ما أخبرتني به وأطلعتني عليه فهذا معناه حدثنا محمد بن أحمد بن هارون قال سمعت أبا زرعة الطبري يقول سمعت الحسين بن يسين يقول سمعت الجنيد يقول الأقوات ثلاثة فقوت بالطعام وهو مولد للأعراض وقوت بالذكر فهذا يشممهم الصفات وقوت برؤية المذكور وهو الذي يفنى ويبيد قال ثم أنشد يقول إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها فلم تلبث النفس التي أنت قوتها أخبرنا محمد بن أحمد المفيد في كتابه وحدثنا عنه عثمان بن محمد قبل أن لقيته ثنا عبدالصمد بن محمد الجبلي قال كتب الجنيد إلى أبي إسحاق المارستاني يا أخي كيف أنت في ترك مواصلة من عرضك للتقصير ودعاك إلى النقص والفتور وكيف ينبغي أن تكون مباينتك له وهجرانك وكيف إعراض سرك ونبو قلبك وعزوف ضميرك عنه حقيق عليك على ما وهبه الله لك وخصك به من العلم الجليل والمنزل الشريف أن تكون عن المقبلين على الدنيا معرضا وأن تكون لهم بسرك وجهرك قاليا وأن تكون لهم في بلائهم إلى الله شافعا فذلك بعض حقك لك وحري بك أن تكون للمذنبين ذائدا وأن تكون لهم بفهم الخطاب إلى الله رائدا وفي استنقاذهم وافدا فتلك حقائق العلماء وأماكن الحكماء وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله وأعمهم نفعا لجملة خلقه جعلنا الله وإياك من أخص من أخلصه بالإخلاص إليه وأقربهم في محل الزلفى لديه أيحسن بالعاقل اللبيب والفهم الأديب الطالب المطلوب المحب المحبوب المكلأ المعلم المزلف المقرب المجالس المؤانس أن يعير الدنيا طرفه أو يواقفها بلحظه وقد سمع سيده ومولاه وهو يقول لأجل أصفيائه وسيد رسله وأنبيائه ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه الآية أفشاهد أنت لفهم الخطاب وإمكان رد الجواب فترك حظه من الله مما فاته ومصافاته وكافأته ومكانه منه وموالاته أن يواد من لا يواده أو يألف من لا يوافقه غض يا أخي بصر سرك وبصيرة قلبك عن الإيماء إلى النظر إليهم دون المواصلة لهم وصن بالمضمون من ضميرك عن أن تكون لك بالقوم مؤالفة فوالله لا والى الله من يحاده ولا أقبل على من يبغضه ولا عظم من يعظم ما صغره وقلله إلا أن ينزع عن ذلك فكن من ذلك على يقين وكن لأماكن من أعرض عن الحق مستهينا وبعد يا أخي فتفضل باحتمالي إن غلظ عليك مقالي وتجشم الصبر على أن يوافق قلبك ما في كتابي فإن المناصحة والمفاصحة خير من الإغضاء مع المتاركة وأني أختم كتابي وأستدعي جوابي بقولي الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا

Sección V10/P276–V10/P278

سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانئ يقول سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد قلت متى يكون الرجل موصوفا بالعقل قال إذا كان للأمور مميزا ولها متصفحا وعما يوجبه عليه العقل باحثا يبحث يلتمس بذلك طلب الذي هو به أولى ليعمل به ويؤثره على ما سواه فإذا كان كذلك فمن صفته ركوب الفضل في كل أحواله بعد إحكام العمل بما قد فرض عليه وليس من صفة العقلاء إغفال النظر لما هو أحق وأولى ولا من صفتهم الرضا بالنقص والتقصير فمن كانت هذه صفته بعد إحكامه لما يجب عليه من عمله ترك التشاغل بما يزول وترك العمل بما يفنى وينقضي وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل ويسير حائل يصده التشاغل به والعمل له عن أمورالآخرة التي يدوم نعيمها ونفعها ويتصل بقاؤها وذلك أن الذي يدوم نفعه ويبقى على العامل له حظه وما سوى ذلك زئل متروك مفارق موروث يخاف مع تركه سوء العاقبة فيه ومحاسبة الله عليه كذلك صفة العاقل لتصفحه الأمور بعقله والأخذ منها بأوفره قال الله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك أولوا الألباب كذلك وصفهم الله وذوو الألباب هم ذوو العقول وإنما وقع الثناء عليهم بما وصفهم الله به للأخذ بأحسن الأمور عند استماعها وأحسن الأمور هو أفضلها وأبقاها على أهلها نفعا في العاجل والآجل وإلى ذلك ندب الله عز وجل من عقل في كتابه حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت محمد بن عبدالله الرازي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول ما أخذنا التصوف عن القال والقيل لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع الله وأصله العزوف عن الدنيا كما قال حارثة عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري حدثنا محمد بن الحسين قال سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد إن هذا قول قوم تكلموا بأسقاط الأعمال وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها وإنه لأوكد في معرفتي وأقوى في حالي أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول حاجة العارفين إلى كلاءته ورعايته قال الله عز وجل قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ونجح قضاء كل حاجة من الدنيا تركها وفتح كل باب شريف بذل المجهود قال ورأيت الجنيد في المنام فقلت أليس كلام الأنبياء إشارات عن مشاهدات فتبسم وقال كلام الأنبياء بناء عن حضور وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات قال وكتب الجنيد إلى بعض إخوانه من أشار إلى الله وسكن إلى غيره ابتلاه الله وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه فإن انتبه وانقطع عمن سكن إليه ورجع إلى من أشار إليه كشف الله ما به من المحن والبلوى فإن دام نزع الله على سكونه من قلوب الخلق الرحمة عليه وألبس لباس الطمع لتزداد مطالبته منهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم فتصير حياته عجزا وموته كدا ومعاده أسفا ونحن نعوذ بالله من السكون إلى غيره وقال الجنيد لو أقبل صادق على الله ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله وقال رجل للجنيد علام يتأسف المحب قال على زمان بسط أورث قبضا أو زمان أنس أورث وحشة وأنشأ يقول قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم فكدرته يد الأيام حين صفا

Sección V10/P278–V10/P280

كتب إلي جعفر بن محمد وأخبرني عنه يوسف بن محمد القواس قال سمعت الجنيد بن محمد يقول إن الله عز وجل يخلص إلى القلوب من بره حسبما خلصت القلوب به إليه من ذكره فانظر ماذا خالط قلبك كتب إلى جعفر بن محمد وأخبرني عنه محمد بن عبدالله قال سمعت الجنيد يقول يا ذاكر الذاكرين بما به ذكروه ويا بادئ العارفين بما به عرفوه ويا موفق العاملين لصالح ما عملوه من ذا الذي يشفع عندك إلا بإذنك ومن ذا الذي يذكرك إلا بفضلك حدثنا علي بن هارون بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول وكتب إلى بعض أخوانه الحمد لله الذي استخلص لنفسه صفوة من خلقه وخصهم بالعلم والمعرفة به فاستعملهم بأحب الأعمال إليه وأقربها من الزلفى لديه وبلغهم من ذلك الغاية القصوى والذروة المتناهية العليا وبعد فإني أوصيك بترك الالتفات إلى كل حال ماضية فإن الالتفات إلى ما مضى شغل عما يأتي من الحالة الكائنة وأوصيك بترك الملاحظة للحال الكائنة وبترك المنازلة لها بجولان الهمة لملتقي المستقبل من الوقت الوارد بذكر مورده ونسق ذكر موجوده فإنك إذا كنت هكذا كنت تذكر من هو أولى ولا تضرك رؤية الأشياء وأوصيك بتجريد الهم وتفريد الذكر ومخالصة الرب بذلك كله واعمل على تخليص همك من همك لهمك واطلب الخالص من ذكر الله جل ثناؤه بقلبك وكن حيث يراك لما يراد لك ولا تكن حيث يراد لك لما تريد لنفسك واعمل على محو شاهدك من شاهدك حتى يكون الشاهد عليك شاهدا لك بما يخلص من شاهدك واعلم أنه إن كنت كلك له كان لك بكل الكل فيما تحبه منه فكن مؤثرا له بكل من انبسط له منك ومنه بدا لك ومنه به يبسط عليك ما لا يحيط به علمك ولا تبلغ إليه أمانيك وآمالك وإذا بليت بمعاشرة طائفة من الناس فعاشرهم على مقادير أماكنهم وكن مشرفا عليهم بجميل ما آتاك الله وفضلك به وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم سمعت محمد بن علي بن حبيش يقول سمعت الجنيد بن محمد وسئل عن الرضا فقال سألتم عن العيش الهنيء وقرة العين من كان عن الله راضيا قال بعض أهل العلم أهنأ العيش عيش الراضين عن الله فالرضا استقبال ما نزل من البلاء بالطاقة والبشر وانتظار مالم ينزل منه بالتفكر والاعتبار وذلك أن ربه عنده أحسن صنعا به وأرحم به وأعلم بما يصلحه فإذا نزل القضاء لم يكرهه وكان ذلك إرادته مستحسنا ذلك الفعل من ربه فإذا عد ما نزل به إحسانا من الله عز وجل فقد رضي فالرضى هو الأرادة مع الاستحسان أن يكون مريدا لما صنع محبا راضيا عن الله بقلبه سمعت أبا الحسن علي بن هارون بن محمد يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول وكتب إلى بعض إخوانه كتابا يقول فيه إن الله جل ثناؤه لا يخلي الأرض من أوليائه ولا يعريها من أحبائه ليحفظ بهم من جعلهم سببا لحفظه ويحفظ بهم من جعلهم سببا لكونه وأنا أسأل المنان بفضله وطوله أن يجعلنا وإياك من الأمناء على سره الحافظين لما استحفظوه من جليل أمره تجميلا منه لنا بأعظم الرتب وإشرافا بنا على كل ظاهر ومحتجب وقد رأيت الله تعالى وتقدست أسماؤه زين بسيط أرضه وفسيح سعة ملكه بأوليائه وأولي العلم به وجعلهم أبهج لامع سطع نوره وعن لقلوب العارفين ظهوره وهم أحسن زينة من السماء البهجة بضياء نجومها ونور شمسها وقمرها أولئك أعلام لمناهج سبيل هدايته ومسالك طرق القاصدين إلى طاعته ومنار نور على مدارج الساعين إلى موافقته وهم أبين في منافع الخليقة أثرا وأوضح في دفاع المضار عن البرية خيرا من النجوم التي بها في ظلمات البر والبحر يهتدي وبآثارها عند ملتبس المسالك يقتدى لأن دلالات النجوم تكون بها نجاة الأموال والأبدان ودلالات العلماء بها تكون سلامة الأديان وشتان ما بين من يفوز بسلامة دينه وبين من يفوز بسلامة دنياه وبدنه

Sección V10/P280–V10/P282

سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البغدادي يقول سئل الجنيد بن محمد عن المحبة أمن صفات الذات أم من صفات الأفعال فقال إن محبة الله لها تأثير في محبوبه بين فالمحبة نفسها من صفات الذات ولم يزل الله تعالى محبا لأوليائه وأصفيائه فأما تأثيرها فيمن أثرت فيه فإن ذلك من صفات الأفعال فاعلم أرشدك الله للصواب أخبرنا محمد بن أحمد في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول اعلم أنه إذا عظمت فيك المعرفة بالله وامتلأ من ذلك قلبك وانشرح بالانقطاع إليه صدرك وصفا لذكره فؤادك واتصل بالله فهمك ذهبت آثارك وامتحيت رسومك واستضاءت بالله علومك فعند ذلك يبدو لك علم الحق سمعت عبدالمنعم بن عمر يقول سمعت أبا سعيد بن الأعرابي يقول سمعت أبا بكر العطار يقول حضرت الجنيد أبا القاسم عند الموت في جماعة من أصحابنا قال وكان قاعدا يصلي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجله فثقلت عليه حركتها فمد رجليه فرآه بعض أصدقائه ممن حضر ذلك الوقت يقال له البسامي وكانت رجلا أبي القاسم تورمتا فقال ما هذا يا أبا القاسم قال هذه نعم الله الله أكبر فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري يا أبا القاسم لو اضطجعت فقال يا أبا محمد هذا وقت منة الله أكبر فلم يزل ذلك حاله حتى مات رحمه الله قال الشيخ كان الجنيد رحمه الله ممن أحكم علم الشريعة فكان عنده اقتباس آثار الزريعة وقبوله المدرجة البديعة وكان القيام بحقائق الآثار يدفعه عن الرواية والآثار ومن مسانيد حديثه ما حدثناه أبو عبدالله محمد بن عبدالله النيسابوري الحافظ بها قال حدثني بكير بن أحمد الصوفي بمكة ثنا الجنيد أبو القاسم الصوفي ثنا الحسن بن عرفة ثنا محمد بن كثير الكوفي عن عمرو بن قيس الملائي عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وقرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين قال للمتفرسين حدثنا محمد بن عبدالله بن سعيد ثنا عبدان بن أحمد ثنا عبدالحميد بن بيان ثنا محمد بن كثير ثنا عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سمعت علي بن هارون بن محمد يقول سمعت الجنيد بن محمد يدعو بهذا الدعاء فجاءه رجل فشكا إليه الضيق فعلمه وقال قل اللهم إني أسألك منك ما هو لك وأستعيذك من كل أمر يسخطك اللهم إني أسألك من صفاء الصفاء صفاء أنال به منك شرف العطاء اللهم ولا تشغلني شغل من شغله عنك ما أراد منك إلا أن يكون لك اللهم اجعلني ممن يذكرك ذكر من لا يريد بذاكره منك إلا ما هو لك اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما أطلبه منك اللهم املأ قلبي بك فرحا ولساني لك ذكرا وجوارحي فيما يرضيك شغلا اللهم امح عن قلبي كل ذكر إلا ذكرك وكل حب إلا حبك وكل ود إلا ودك وكل إجلال إلا إجلالك وكل تعظيم إلا تعظيمك وكل رجاء إلا لك وكل خوف إلا منك وكل رغبة إلا إليك وكل رهبة إلا لك وكل سؤال إلا منك اللهم اجعلني ممن لك يعطي ولك يمنع وبك يستعين وإليك يلجأ وبك يتعزز ولك يصبر وبحكمك يرضى اللهم اجعلني ممن يقصد إليك قصد من لا رجوع له إلا إليك اللهم اجعل رضائي بحكمك فيما ابتليتني في كل وقت متصلا غير منفصل واجعل صبري لك على طاعتك صبر من ليس له عن الصبر صبر إلا القيام بالصبر واجعل تصبري عما يسخطك فيما نهيتني عنه تصبر من استغنى عن الصبر بقوة العصمة منك له اللهم واجعلني ممن يستعين بك استعانة من استغنى بقوتك عن جميع خلقك اللهم واجعلني ممن يلجأ إليك لجأ من لا ملجأ له إلا إليك واجعلني ممن يتعزى بعزائك ويصبر لقضائك أبدا ما أبقيتني اللهم وكل سؤال سألته فمن أمر منك لي بالسؤال فاجعل سؤالي لك سؤال محابك ولا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ بل يسأل القيام بواجب حقك

Sección V10/P282–V10/P283

أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت عبدالرحمن بن أحمد يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول وهو يدعو بهذا الدعاء الحمد لله إلهي حمدا كإحصاء علمك حمدا يرقى إليك على الألسنة الطاهرة مبرأ من زيغ وتهمة معرى من العاهات والشبهات قائما في عين محبتك بحنين صدق إخلاصه ليكون نور وجهك العظيم غايته وقدس عظمتك نهايته لا يستقر إلا عند مرضاتك خالصا بوفاء إرادتك نصب إرادتك حتى يكون لمحامدك سائقا قائدا إلهي ليس في أفق سمواتك ولا في قرار أرضك في فسحات أقاليمها من يحب أن يحمد غيرك إذ أنت منشئء المنشآت لا تعرف شيئا إلا منك وكيف لا تعرفك الأشياء ولم يقر الخلق إلا لك وبدؤه منك وأمره إليك وعلانتيه وسره محصى في إرادتك فأنت المعطي والمانع وقضاؤك الضار والنافع وحلمك يمهل خلقك وقضاؤك يمحو ما تشاء من قدرك تحدث ما شئت أن تحدثه وتستأثر بما شئت أن تستأثره وتخلق ما أنت مستغن عن صنعه وتصنع ما يبهر العقول من حسن حكمته لا تسأل عما تفعل لك الحجة فيما تفعل وعندك أزمة مقادير البشر وتصاريف الدهور وغوامض سر النشور ومنك فهم معرفة الأشخاص الناطقة بتفريدك لا يغيب عنك ما في أكنة سرائر الملحدين ولا يتوارى عن علمك اكتساب خواطر المبطلين ولا يهيم في قضائك إلا الجاهلون ولا يغفل عن ذكرك وشكرك إلا الغافلون ولا تحتجب عنك وساوس الصدور ولا وهم الهواجس ولا إرادة الهمم ولا عيون الهمم التي تخرج بصائر القلوب إلهي فكيف أنظر إن نظرت إلا إلى رحمتك وإن غضضت فعلى نعمك فمن فضلك جعلت حكمك يحتمل على عطفك ومن فضلك جعلت نعمك تعم جميع خلقك فهب لي من لدنك ما لا يملك غيرك مما تعلمه يا وهاب يا فعال لما يريد واجعلني من خاصة أوليائك يا خير مدعو وأكرم راحم إنك أنت على كل شيء قدير سمعت أبا الحسن علي بن هارون يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول اعلم أن المناصحة منك للخلق والإقبال على ما هو أولى بك فيك وفيهم أفضل الأعمال لك في حياتك وأقربها إلى أوليائك في وقتك واعلم أن أفضل الخلق عند الله منزلة وأعظمهم درجة في كل وقت وزمن وفي كل محل ووطن أحسنهم إحكاما لما عليه في نفسه وأسبقهم بالمسارعة إلى الله فيما يحبه وأنفعهم بعد ذلك لعباده فخذ بالحظ الموفر لنفسك وكن عاطفا بالمنافع على غيرك واعلم أنك لن تجد سبيلا تسلكه إلى غيرك وعليك بقية مفترضة من حالك واعلم أن المؤهلين للرعاية إلى سبيل الهداية والمرادين لمنافع الخليقة والمرتبين للنذارة والبشارة أيدوا بالتمكين وأسعدوا براسخ علم اليقين وكشف لهم عن غوامض معالم الدين وفتح لهم في فهم الكتاب المستبين فبلغوا ما أنعم به عليهم من فضله وجاد به من عظيم أمره إحكام ما به أمروا والمسارعة إلى ما إليه ندبوا والدعاية إلى الله بما به مكنوا وهذه سيرة الأنبياء صلوات الله عليهم فيمن بعثوا إليهم من الأمم وسيرتهم في تأدية ما علموه من الحكم وسيرة المتبعين لآثارهم من الأولياء والصديقين وسائر الدعاة إلى الله من صالحي المؤمنين كتب إلى جعفر بن محمد وقال أنشدني الجنيد بن محمد سرت بناس في الغيوب قلوبهم وجالوا بقرب الماجد المتفضل ونالوا من الجبار عطفا ورأفة وفضلا وإحسانا وبرا يعجل أولئك نحو العرش هامت قلوبهم وفي ملكوت العز تأوي وتنزل أنشدني عثمان بن محمد العثماني قال أنشدني الحسين بن أحمد بن منصور الصوفي للجنيد بن محمد تريد مني اختبار سري وقد علمت المراد مني فليس لي من سواك حظ فكيفما شئت فامتحني كل بلاء علي مني ياليتني قد أخذت عني

Sección V10/P283–V10/P286

كتب إلي جعفر بن محمد بن نصير الخلدي وسمعت أبا طاهر المحتسب يقول قرأت على أبي محمد جعفر بن محمد بن نصير وهو يسمع قال كان الجنيد ابن محمد يدعو بهذا الدعاء على ممر الأيام الحمد لله حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا موفورا لا انقطاع له ولا زوال ولا نفاد له ولا فناء كما ينبغي لكريم وجهك وعز جلالك وكما أنت أهل الحمد في عظيم ربوبيتك وكبريائك ولك من كل تسبيح وتقديس وتمجيد وتهليل وتحميد وتعظيم ومن كل قول حسن زاك جميل ترضاه مثل ذلك اللهم صل على عبدك المصطفى المنتخب المختار المبارك سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أشياعه وأتباعه وأنصاره وإخوانه من النبيين وصل اللهم على أهل طاعتك أجمعين من أهل السموات والأرضين وصل على جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ورضوان ومالك اللهم وصل على الكروبيين والروحانيين والمقربين والسياحين والحفظة والسفرة والحملة وصل على ملائكتك وأهل السموات وأهل الأرضين وحيث أحاط بهم علمك في جميع أقطارك كلها صلاة ترضاها وتحبها وكما هم لذلك كله أهل وأسألك اللهم بجودك ومجدك وبذلك وفضلك وطولك وبرك وإحسانك ومعروفك وكرمك وبما استقل به العرش من عظم ربوبيتك أسألك يا جواد يا كريم مغفرة كل ما أحاط به علمك من ذنوبنا والتجاوز عن كل ما كان منا واد اللهم مظالمنا وقم بأودنا في تبعاتنا جودا منك ومجدا وبذلا منك وطولا وبدل قبيح ما كان منا حسنا يا من يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب أنت كذلك لا كذلك غيرك اعصمنا فيما بقي من الأعمار إلى منتهى الآجال عصمة دائمة كاملة تامة وكره إلينا كل الذي تكره وحبب إلينا كل الذي ترضاه وتحبه واستعملنا به على النحو الذي تحب وأدم ذلك لنا إلى أن تتوفانا عليه أكد على ذلك عزائمنا واشدد عليها نياتنا وأصلح لها سرائرنا وابعث لها جوارحنا وكن ولي توفيقنا وزيادتنا وكفايتنا هب لنا اللهم هيبتك وإجلالك وتعظيمك ومراقبتك والحياء منك وحسن الجد والمسارعة والمبادرة إلى كل قول زكي حميد ترضاه وهب لنا اللهم ما وهبت لصفوتك وأوليائك وأهل طاعتك من دائم الذكر لك وخالص العمل لوجهك على أكمله وأدومه وأصفاه وأحبه إليك وأعنا على العمل بذلك إلى منتهى الآجال اللهم وبارك لنا في الموت إذا نزل بنا أجعله يوم حباء وكرامة وزلفى وسرور واغتباط ولا تجعله يوم ندم ولا يوم أسى وأوردنا من قبورنا على سرور وفرح وقرة عين واجعلها رياضا من رياض جنتك وبقاعا من بقاع كرامتك ورأفتك ورحمتك لقنا فيها الحجج وآمنا فيها من الروعات واجعلنا آمنين مطمئنين إلى يوم تبعثنا يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه لا ريب في ذلك اليوم عندنا آمنا من روعاته وخلصنا من شدائده واكشف عنا عظيم كربه واسقنا من ظمئه واحشرنا في زمرة محمد صلى الله عليه وسلم المصطفى الذي انتخبته واخترته وجعلته الشافع لأوليائك المقدم على جميع أصفيائك الذي جعلت زمرته آمنة من الروعات أسألك يا من إليه لجؤنا إليه إيابنا وعليه حسابنا أن تحاسبنا حسابا يسيرا لا تقريع فيه ولا تأنيب ولا مناقشة ولا مواقفة عاملنا بجودك ومجدك كرما واجعلنا من السرعان المغبوطين واعطنا كتبنا بالأيمان وأجزنا الصراط مع السرعان وثقل موازيننا يوم الوزن ولا تسمعنا لنار جهنم حسيسا ولا زفيرا وأجرنا منها ومن كل ما يقرب إليها من قول وعمل واجعلنا بجودك ومجدك وكرمك في دار كرامتك وحبورك مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا واجمع بيننا وبين آبائنا وأمهاتنا وقراباتنا وذرياتنا في دارة قدسك ودار حبورك على أفضل حال وأسرها وضم إلينا إخواننا الذين هم على ألفتنا والذين كانوا على ذلك من كل ذكر وأنثى بلغهم ما أملوه وفوق ما أملوه واعطهم فوق ما طلبوه واجمع بينا وبينهم في دار قدسك ودار حبورك على أفضل حال وأسرها وعم المؤمنين والمؤمنات جميعا برأفتك ورحمتك الذين فارقوا الدنيا على توحيدك كن لنا ولهم وليا كالئا كافيا وارحم جفوف أقلامهم ووقوف أعمالهم وما حل بهم من البلاء والأحياء منهم تب على مسيئهم واقبل توبتهم وتجاوز عن المسرف منهم وانصر مظلومهم واشف مريضهم وتب علينا وعليهم توبة نصوحا ترضاها فإنك الجواد بذلك المجيد به القادر عليه وكن اللهم للمجاهدين منهم وليا وكالئا وكافيا وناصرا وانصرهم على عدوهم نصرا عزيزا واجعل دائرة السوء على أعدائك وأعدائنا أسفك الله دماءهم وأبح حريمهم واجعلهم فيئا لإخواننا من المؤمنين وأصلح الراعي والرعية وكل من وليته شيئا من أمور المسلمين صلاحا باقيا دائما اللهم أصلحهم في أنفسهم وأصلحهم لمن وليتهم عليهم وهب لهم العطف والرأفة والرحمة بهم وأدم ذلك لنا فيهم ولهم في أنفسهم اللهم اجمع لنا الكلمة واحقن الدماء وأزل عنا الفتنة وأعذنا من البلاء كله تقول ذلك لنا بفضلك من حيث أنت به أعلم وعليه أقدر ولا ترنا في أهل الإسلام سيفين مختلفين ولا ترنا بينهم خلافا اجمعهم على طاعتك وعلى ما يقر إليك فإنك ولي ذلك وأهله اللهم إنا نسألك إن تعزنا ولا تذلنا وترفعنا ولا تضعنا وتكون لنا ولا تكن علينا وتجمع لنا سبيل الأمور كلها أمور ا لدنيا التي هي بلاغ لنا إلى طاعتك ومعونة لنا على موافقتك وأمور الآخرة التي فيها أعظم رغبتنا وعليها معولنا وإليها منقلبنا فإن ذلك لا يتم لنا إلا بك ولا يصلح لنا إلا بتوفيقك اللهم وهب لنا هيبتك وإجلالك وتعظيمك وما وهبت لخاصتك من صفوتك من حقيقة العلم والمعرفة بك من علينا بما مننت به عليهم من آياتك وكراماتك واجعل ذلك دائما لنا يا من له ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير اللهم وهب لنا العافية الكاملة في الأبشار وجميع الأحوال وفي جميع الإخوان والذريات والقرابات وعم بذلك جميع المؤمنين والمؤمنات أجر علينا من أحكامك أرضاها لك وأحبها إليك وأعونها على كل مقرب من قول وعمل يا سامع الأصوات ويا عالم الخفيات ويا جبار السموات صل على عبدك المصطفى محمد وعلى آل محمد أولا وآخرا ظاهرا وباطنا واسمع واستجب وافعل بنا ما أنت أهله يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين

Sección V10/P286–V10/P288

محمد بن يعقوب ومنهم العارف بالأصول العازف عن الفضول له القلب الخاشع والأذن السامع أحكم علم الآثار وأتقنها وألف في المعاملات والأحوال وأوضحها أبو جعفر محمد بن يعقوب بن الفرجي صحب الحارث بن أسد المحاسبي وطبقته له مصنفات في معاني الصوفية كتاب الورع وكتاب صفات المريدين كان من الأئمة في علوم النساك يرفع من الفقراء وينصرهم ويضع من المدعين ويزري عليهم كتب إلي جعفر بن محمد بن نصير فيما أذن لي قال سمعت المرتعش يقول قال أبو جعفر بن الفرجي مكثت عشرين سنة لا أسأل عن مسألة إلا ومنازلتي فيها قبل قولي وقال إذاصح الود سقطت شروط الأدب وحكى عبدالمنعم بن عمر عن أبي سعيد بن الأعرابي أنه قيل لأبي جعفر بن الفرجي إنك تنكر الزعقة والصيحة فقال إنما أنكرها على الكذابين وقال ما زعقت من عمري إلا ثلاث زعقات فإني انتهيت ببغداد يوما إلى الجسر وأخرج رجل من الشطاحين من السجن يضرب ثم رد إلى السجن والناس يتعجبون من صبره على الجلد فجئت إليه فقلت مسألة فقال أوسعوا له ما مسألتك قلت أسهل ما يكون الضرب عليكم أي وقت قال إذا كان من ضربنا له يرانا قال فصحت ولم أملك السكوت قال أبو سعيد بن الأعرابي أخبرني عمي يحيى بن أحمد قال أخبرني ابن المرزبان الصيقل قال أردت الخروج إلى مكة فرافق الجمال بيني وبين إنسان لا أعرفه فقلت له بعد أن رافقني نحتاج من الزاد كذا وكذا ومن الزيت كذا وكذا فقال قد اشتريت جميع ذلك فلا تشتر شيئا وظننت أنه يحاسبني عليه كما يفعل الرفقاء وكان في الطريق يسرف ويوسع النفقة فأقول في نفسي كل هذا يحاسبني به فكنت أحتشمه أن أقول له اقصر واحتمله فلما صرت بمكة عزم علي المقام بمكة فقلت له الحساب فقال سبحان الله تذكر مثل هذا وأقبل ينكر علي ذلك فقلت لا بد منه فأبى ذلك وقال من يفعل ذلك فسألت عنه فإذا هو الفرجي وروي عن أبي جعفر محمد بن الفرجي قال خرجت من الشام على طريق المفازة فوقعت في التيه فمكثت فيه أياما حتى أشرفت على الموت قال فبينا أنا كذلك إذا أنا براهبين يسيران كأنهما خرجا من مكان قريب يريدان ديرا لهما قريبا فقمت إليهما فقلت أين تريدان قالا لا ندري قلت أتدريان أين أنتما قالا نعم نحن في ملكه ومملكته وبين يديه فأقبلت على نفسي أوبخها وأقول لها راهبان يتحققان بالتوكل دونك فقلت لهما أتأذنان في الصحبة قالا ذلك إليك فاتبعتهما فلما جن الليل قاما إلى صلاتهما وقمت إلى صلاتي فصليت المغرب بتيمم فنظرا إلي وقد تيممت فضحكا مني فلما فرغا من صلاتهما بحث أحدهما الأرض بيده فإذا بماء قد ظهر وطعام موضوع فبقيت أتعجب من ذلك فقالا مالك أدن فكل واشرب فأكلنا وشربنا وتهيأت للصلاة ثم نضب الماء فذهب فلم يزالا في الصلاة وأنا أصلي على حدة حتى أصبحنا وصلينا الصبح ثم أخذنا في المسير فمكثنا على ذلك إلى الليل فلما جننا اليوم تقدم الآخر فصلى بصاحبه ثم دعا بدعوات وبحث الأرض بيده فنبع الماء وحضر الطعام فلما كانت الليلة الثالثة قالا يا مسلم هذه نوبتك الليلة فاستخر الله قال فتعبت فيها واستحييت ودخل بعضي في بعض قال فقلت اللهم إني أعلم أن ذنوبي لم تدع لي عندك جاها ولكن أسألك ألا تفضحني عندهما ولا تشمتهما بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبأمة نبيك فإذا بعين خرارة وطعام كثير فأكلنا من ذلك الطعام وشربنا ولم نزل كذلك حتى بلغتني النوبة الثانية ففعلت كذلك فإذا بطعام اثنين وشراب فكففت يدي وأريهما أني آكل ولم آكل فسكتا عني فلما كانت النوبة الثالثة أصابني كذلك فقالا لي يا مسلم ما هذا قالت لا أدري فلما كان في جوف الليل غلبتني عيناي فإذا بقائل يقول يا محمد أردنا بك الإيثار الذي اختصصنا به محمدا صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء والرسل فهي علامته وكرامتك وكرامة أمته من بعده إلى يوم القيامة قال فبلغت نوبتي وكان الأمر على هذه الصورة فقالا لي يا مسلم ما هذا مالنا نرى طعامك ناقصا قلت أولا تعلمان ما هذا قالا لا قلت هذا خلق خص الله به نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم وخص به أمته إن الله عز وجل يريد به الإيثار فقد آثرتكما قال فقالا نحن نشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لقد صدقت قولك هذا خبر نجده في كتبنا خص الله به محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته فأسلما فقلت لهما في الجمعة والجماعة قالا ذلك الواجب قلت نعم قالا فاسأل الله أن يخرجنا من هذا التيه إلى أقرب الأماكن من الشام قال فبينا نحن نسير إذ أشرفنا على بيوتات بيت المقدس ومما أسند

Sección V10/P288–V10/P290

حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن يعقوب بن الفرجي الرملي ثنا إبراهيم ابن المنذر المجذمي ثنا عبدالله بن وهب ثنا قرة بن عبدالرحمن عن يزيد بن أبي حبيب عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي قال استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل تمرا فلما جاءه يتقاضاه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عندنا اليوم فإن شئت أخرت عنا حتى يأتينا فنقضيك فقال الرجل واعذراه فتذمر عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه يا عمر فإن لصاحب الحق مقالا انطلقوا إلى خولة بنت حكيم الأنصارية فالتمسوا لنا عندها تمرا فانطلقوا فقالت والله ما عندي إلا تمر ذخيرة فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خذوه فاقضوه فلما قضوه قبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له قد استوفيت قال نعم قد أوفيت وأطبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خيار عباد الله الموفون المطيبون قال سليمان تفرد به قرة عن يزيد حدثنا أبو عبدالله محمد بن أحمد بن إبراهيم ومحمد بن أحمد بن شبوية قالا ثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حكيم ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ثنا محمد بن عبدالملك بن قريب الأحمر قال حدثني أبي ثنا أبو معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سرعة المشي تذهب بهاء المؤمنين أخبرنا أبو مسعود محمد بن إبراهيم بن عيسى المقدسي في كتابه ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ثنا خالد بن يزيد ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع حدثنا عبدالمنعم بن عمر ثنا أبو سعيد الأعرابي ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ثنا علي بن المديني ثنا المعتمر بن سليمان عن سفيان الثوري عن أبي سلمة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بشر أمتي بالسناء والرافعة والتمكين وأن من عمل عمل الآخرة يريد به الدنيا فليس له في الآخرة من نصيب حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن عمرو بن جابر ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ثنا أحمد بن عيسى أبو طاهر ثنا ابن أبي فديك ثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر عمرو بن عثمان المكي ومنهم العارف البصير والعالم الخبير له اللسان الشافي والبيان الكافي معدود في الأولياء محمود في الأطباء أحكم الأصول وأخلص في الوصول أبو عبدالله عمر بن عثمان المكي ساح في البلاد وباح بالوداد وصحب الأصفياء من العباد

Sección V10/P290–V10/P291

سمعت أبا محمد بن عبدالله بن محمد بن جعفر يقول سمعت أبا عبدالله عمرو بن عثمان المكي وأملى علي في جواب مسألة سئل عنها يخاطب السائل أقم على نفسك الموازنة بعقلك في تفقد حالك ومقامك هذا إن كل ما عارضك من الأشغال من كل شيء أعني من حق أو باطل أزالك عن مقامك هذا بانصراف اليسير من عقلك فذلك كله عذر فاهرب وافزع إلى الله عند اعتراض الخواطر وسورة العوارض وحيرة الهوى إلى مولاك وسيدك ومن بين يديه ضرك ونفعك الذي خلصت في نفسك وحدانيته وقدرته وتفريد سلطانه وتفريد فعل ربوبيته إذ لا قابض ولا باسط ولا نافع ولا ضار ولا معين ولا ناصر ولا عاصم ولا عاضد إلا الله وحده لا شريك له في سمائه وأرضه وهذا أول مقام قامه أهل الإيمان من تصحيح القدرة في إخلاص تفريد أفعال الربوبية وهو أول ماقام قامه المؤمنون وأول مقام قامه المخلصون وأول مقام قامه المتوكلون في تصحيح العلم المعقود بشرط التوكل في الأعمال قبل الأعمال واعلم رحمك الله أن كل ما توهمه قلبك أو رسخ في مجاري فكرتك أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو إشراف أو ضياء أو جمال أو شبح ماثل أو شخص متمثل فالله بخلاف ذلك كله بل هو تعالى أعظم وأجل وأكمل ألم تسمع إلى قوله تعالى ليس كمثله شيء وقوله عز وجل ولم يكن له كفوا أحد أي لا شبه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل وقف عند خبره عن نفسه مسلما مستسلما مذعنا مصدقا بلا مباحثة التنفير ولا مفاتشة التفكير جل الله وعلا الذي ليس له نظير ولا يبلغ كنه معرفته خالص التفكير ولا تحويه صفة التقدير السموات مطويات بيمنيه والأرض جميعا قبضته يوم القيامة الظاهر على كل شيء سلطانا وقدرة والباطن لكل شيء علما وخبرة خلق الأشياء على غير مثال ولا عبرة ولا تردد ولا فكرة تعالى وتقدس أن يكون في الأرض ولا في السماء وجل عن ذلك علوا كبيرا أقام لقلوب الموقنين مدا يمسكه التسليم عن التيه في بحور الغيوب المضروبة دون ذي الجلال والكبرياء فشكر لهم تسليمهم واعترافهم بالجهل بما لا علم لهم به وسمي ذلك منهم رسوخا وربانية أو إيمانا لقوله تعالى والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما خبر عن ملائكته إذ قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا عجزت الملائكة المقربون أن تحد أحسن الخالقين أو تكيف صفة رب العالمين فهم خشوع خضوع خنوع في حجرات سرادقات العرش محبوسون أن يتأملوا ساطع النور الأوهج فهم يضجون حول عرشه بالتقديس ضجيجا ويعجون بالتسبيح عجيجا باهتون راهبون خائفون مشفقون وجلون لما بدا لهم من عظيم القدرة ولما أيقنوا به وسلموا له من شموخ الرفعة فكيف تطمع يا أخي نفسك أو تطلق فكرك في شيء من الاحتواء على صفة من هذا وصفه وقانا الله تعالى وإياك اعتراض الشكوك وعصمنا وإياك في كنف تأييده من التخطي بالأفهام إلى اكتناه من لا تهجم عليه الظنون ولا تلحقه في العاجلة العيون جل وتعالى عن خطرات الهفوات وعن ظنون الشبهات علوا كبيرا فبهذا فاعرف ربك ومولاك ومن لا تأخذه سنة ولا نوم فيكون سلاحك وعظم عدتك ومجاهدتك وجنتك من عدوك عند من يلقى إليك في خالقك فهذا الذي وصفت لك فإليه فالتجئ وبه فاستمسك ثم عد إليه بملق اللوذان واستكانة الخضوع أن يعصمك الله ويثبتك فهو المثبت لقلوب أوليائه بصحة اليقين من الزوال كما أمسك أرضه بالجبال من الزلزال والسلام

Sección V10/P291–V10/P294

سمعت أبا محمد عبدالله بن محمد يقول سمعت عمرو بن عثمان يقول إن الله جعل الاختبار موصولا بالاختيار والإجابة مؤداة إلى الأبرار بتوفيق هدايته وابتداء رأفته وجعل رحمته مفتاحا لكل خير في أرضه وسمائه فكان مما اختار لنفسه عبادا اتخذهم لنفسه ورضيهم لعبادته واصطنعهم لخدمته واجتباهم لمحبته ونصبهم لدعوته وأبرزهم لإجابته واستعملهم بمرضاته فألطف لهم في الدعوة باختصاص المنة فأظهر دعوته في قلوبهم بإظهار صنعه وصنعائه وما غذاهم به من لطفه وألطافه وبره ونعمائه فوطأ لهم الطريق وكشف عن قلوبهم فسارعت قلوبهم بإجابة التحقيق وذلك لما عرفوا واستبانوا مما به لله دانوا مما تعرف به إليهم من البر والتحف والكرامات والطرف والفوائد السنية والمواهب الهنية فسارعت لإجابته بخالص موافقته والإعراض عن مخالفته والعطف على كل ما عطف به عليها والإقبال على كل ما دعاها إليه بلا تثبط في مسير ولا التفات في جد ولا تشمير فوصلوا الغدو بالتبكير وقطعوا فيها العلائق وانفردوا به دون الخلائق فساروا سير متقدمين وجدوا جد معتزمين وحثوا حث مبادرين وداوموا مداومة ملازمين وانتصبوا انتصاب خائفين للفوت والحرمان وخوف السلب لما تقدم إليهم من الإحسان فعبدوه بأبدان خفاف وعاملوه بفطن لطاف وقصدوه بإرادات صادقة وهمم خالصة ورغبات طامحة وقلوب صافية فابتدؤا من معاملة الله فيما به ابتدأهم حين دعاهم إذ يقول تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم فطلبوا طيب الحياة بإخلاص الإجابة وعملوا في الظفر بالحياة إذ دعاهم الله إليها ونبههم بلطفه عليها فجعلوا إقامتهم وإرادتهم وأملهم ومناهم الظفر بالحياة فعملوا في تحقيق موجباتها في الأحوال الواردة بهم عليها سمعت أبا محمد عبدالله بن محمد بن جعفر يقول سمعت عمرو بن عثمان المكي يقول في وصف سياسة النفوس قال يبتدئ بعد الإجابة بتوفيق النفوس لما كان منها من مخالفة الملك ومعصيته الجبار فألزمها التوبة والتنصل والاعتذار وتكرير الاستغفار الاجتهاد في حل الإصرار باللجأ والاستئجار والاعتصام بمليكهم الجبار فوافقوها موافقة على موازنة وعاتبوها معاتبة على محاضرة ووبخوها بما فرط منها من الجهل والتضييع والشرور والتمادي والتمرد في ركوب المعاصي فوبخوها بين يديه وعاتبوها معاتبة من قد عرض عليه وقرروها تقرير مناقشة الحساب وجرعوها ما توعده الله من أليم العذاب وشديد العقاب ثم أقاموها مقام الخزي فأبدلوها بحال الرفاهات والقشف والتقشف والضر والتخفف فأبدلوها بالشبع جوعا وبالنوم سهرا وبالراحة تعبا وبالقعود نصبا وبطيب المطاعم الخبيث الخشن وبلين الملابس الخشن الجافي وبأمن الوطن خوف البيات ثم أزعجوها عن توطن ما به ألزموها فمنعوها استواء الأوقات في بذل الاجتهاد وأخذوها بدائم الازدياد على سبيل الموازنة وأقاموها مقام التصفح والتفتيش والمحاسبة والتوقيف على كل لحظة وخطرة وهمة ولفظة وفكرة وأمنية وشهوة وإرادة ومحبة فهكذا أبدا دأبهم وفي هذه أبدا حالهم على هذه السياسة بشرط هذه المجاهدة وانتصاب هذه المكابدة وإحاطة هذه المراوضة ومع هذا فالهرب إلى الله فيها والاعتضاد بالله عليها والتأوي إلى الله منها والاستعاذة بالله من شرها والاستعانة بالله على كيدها والصراخ إلى الله عند شرودها واستغث بالملك الأعلى الذي هو صريخ الأخيار ومنجأ الأبرار وملتجأ المتقين وناصر الصاحلين لأن الله تعالى إذا شكر لوليه عظيم ما جاهد وجسيم ما كابد ومشقة ما احتمل وجهد ما انتصب تولاه بالنصرة والتأييد والعز والتأييد ومن نصره لم يخذل ومن أعزه لم يقهر ومن تولاه لم يذل فروحها روح اليقين وأضاء لها علامات التصديق من الله بالقبول وأنارت لها علامات التحقيق وتوالت عليها مداومة المزيد وعادت عليها تكرار التحف والبر والكرامات وعطفت عليها عواطف الفضل بالرحمة والبذل لأن الله تعالى المبتدئ عبده بما ابتدأبه العبد من بذل في قربة أو من اجتهاد في وسيلة أو من منافسة في فضيلة أو من مسارعة إلى خدمة أو من إخلاص في نية أو من تكامل في رغبة أو من تحقيق في محبة فالله المبتدئ لها بذلك بما به أقامها وبما به إليها دعاها فهذه كلها صفة الحياة ومشاربها وانبجاس أحوالها وتشعب مذاقاتها بكل ما وصفناه من غم وسرور وراحة وجهد ورفاهة وتعب وموافقة ونصب وبكاء وحزن وخوف وكمد فذلك كله من صفة الحياة التي دعا الله إليها ونبه قلوبهم عليها بقوله سبحانه وتعالى استجيبو لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم

Sección V10/P294–V10/P296

سمعت أبا محمد عبدالله بن محمد يقول سمعت عمرو بن عثمان يقول المخلصون من الورعين هم الذين تفقدوا قلوبهم بالأعمال والنيات في كل أحوالهم وأعمالهم وحركاتهم وسكونهم مواظبين للاستقامة المفترضة على طاعة الله وله محافظين ومن دخول الفساد عليهم مشفقين فأورثهم الله مراقبته فهنالك تنتصب قلوبهم بمداومة المحافظة لنظر الله إليهم ونظره إلى سرائرهم وعلمه بحركاتهم وسكونهم فهنالك تقف القلوب بعلم الله فلا تنبعث بخطرة ولا همة ولا إرادة ولا محبة ولا شهوة إلا حفظوا علم الله بهم في ذلك فلم تبرز حركات الضمير إلى تحريك الجوارح إلا بالتحصيل والتمييز لقوله تعالى إن الله كان عليكم رقيبا ولقوله سبحانه وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضو فيه فإذا انتصبت المراقبة بدوام انتصاب القلوب بها فهنالك يكون تمام الإخلاص والحيطة في العمل وهنالك يورثهم الله الحياء فدوام المراقبة يفشي الحياء ويمده ويزيد فيه والحياء يعمر القلوب بدوام الطهارة ويخرج من القلوب حلاوة الماء ثم حلاوة الشهوات ودوام الحياء يوجب على القلوب إعظام حرمات الله بإعظام مقام الله حياء من جلال الله لأن إجلال حرمات الله في القلوب غاسل للقلوب بماء الحياة الوارد عليها من فوائد الله فتخلق الدنيا في قلوبهم وتصغر الأشياء فيها وتقوى حركات اليقين بصفاء النظر إلى الموعود فيوصلها بالمعروف ويرجع عليها اليقين بالتوبيخ في إعظام الدنيا والسعي لها ولجمعها سمعت أبا محمد يقول سمعت عمرو بن عثمان يقول اعلم أن حد الشكر في القلوب خارج من الاشتغال بالفرح على النعم والاشتغال ببهجتها بما يغلب على النفوس من شرهها عليها وعظيم حظها فيها فالشكر خارج من ذلك فإذا ما حل بالقلوب زهرات النعم ورونق صفوها وخفض العيش فيما هاج في القلوب ذكر المنعم بها والمتولي للامتنان بها فاتصل فرحهم بشكره وأوصلتهم النعمة إلى الإبتهاج بالمنعم والذكر له والثناء عليه فهذا حد الشكر فيما ذاقته القلوب فلما صرفت الأفراح عن حظوظ النفوس إلى مواضع الشكر ابتهاجا بالمنعم دون حظ النفوس بالنعمة خلصت تلك الأفراح رضاء عن الله وبشاشة القلوب بمر الفضاء واختلاف الأحكام بمخالفة المحاب والسرور بمر القضاء ويكون السرور مقرونا بالمحبة لله التي هي معقودة في عقود الإيمان وموجودة في أصل العرفان لأنه لا يصح إلا بثلاث حالات إخلاص لتوحيده ورضى به أنه رب ومحبة له على كل شيء إذ هو إلهه ومالك ضره ونفعه ورفعه ووضعه وحياته وموته فولهت القلوب إليه بضر الفاقة فهذا معنى المحبة المفترضة في عقود الإيمان كفرض الإيمان قال الشيخ رضي الله تعالى عنه كان عمرو بن عثمان رحمه الله تعالى حظوظه في فنون العلم غزيرة وتصانيفه بالمسانيد والروايات شهيرة حدثنا عبدالله بن محمد ثنا عمرو بن عثمان ثنا يونس بن عبدالأعلى ثنا ابن عيينة عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وكل على خير واحرص عل ما ينفعك ولا تعجر فإن فاتك شيء فقل كذا قدر وكذا كان وإياك ولو فإنها مفتاح عمل الشيطان غريب من حديث ابن عيينة عن ابن عجلان رويم بن أحمد ومنهم الفطن المكين له البيان والتبيين والرأي المتين رويم بن أحمد أبو الحسن الأمين كان بالقرآن عالما وبالمعاني عارفا وعلى الحقائق عاكفا قلد بفصل الخطاب ولم تؤثر فيه العلل والأسباب كان سمي جده رويم بن يزيد المقرئ الراوي عن ليث بن سعد وإسماعيل بن يحيى التميمي أخبرني جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه الحسين بن يحيى الفقيه إلا سفيد فاني قال سمعت رويما يقول الاخلاص ارتفاع رؤيتك عن فعلك والفتوة أن تعذر إخوانك في زللهم ولا تعاملهم بما يحوجك إلى الاعتذار منهم

Sección V10/P296

أخبرني عبدالواحد بن بكر قال سمعت أحمد بن فارس يقول حضرت رويما وسأله أبو جعفر الحداد أيهما أفضل الصحو أو السكر فانزعج رويم كالمغضب فقال لا والله أو تهدأهدو الصخر في قعور البحار فإن هدأت استودعك وإن انزعجت طالبك أما سمعته يقول فمستقر ومستودع وسأله بعض الناس أن يوصيه بوصية فقال ليس إلابذل الروح وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية فإن أمرها هذا مبني على الأصول سمعت أبا الحسين محمد بن علي بن حبيش يقول كان رويم يقول السكون إلى الأحوال اغترار وكان يقول رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين

Sección V10/P296–V10/P300

أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه أبو عمرو العثماني قال سمعت رويم بن أحمد المقرئ يقول لما رأيت الطالبين قد تحيروا والمريدين قد فتروا والمتعبدين والعلماء بما غلب عليهم من سلطان الهوى قد سكروا لما رأوا المنتسبين إلى علم المعرفة على طبقات مختلفة ومقامات متفاوتة من استصغار الأحوال وأهلها والتراخي عن الأعمال والإعراض عنها تسوروا على ذرى قصرت عنها مقاماتهم عجزا عن بلوغها واغترارا بما سمعوه من علوها احتجت أن أعلم السبب الذي أوقعهم في هذه الشبهة وأوقهم في هذه المنزلة قبل أوانها والاستحقار للنزول فيها قبل حينها فرأيته سببين كل سبب منهما على أصلين أحدهما استعجال المنزلة قبل وقتها عجزا عما عمل فيه الصادقون وبذله المحققون والآخر الجهل بطريق السالكين إليها وإغفال التقوى عما لها وعليها رضي منهم باسم لا حقيقة تحته تأويهم ولا مكانا منه يغنيهم فلما رأيت ذلك من أمرهم دعاني داع إلى التبيين لأمورهم والنداء لمن سمع منهم والكشف عن سببهم والتحذير عن مثل غرتهم ومن أين أتوا وعلى ماذا عولوا وبما تعلقوا فيما إليه ذهبوا فنقبت عن سرائرهم بالمساءلة لكبرائهم والمباحثة لأئمتهم في تكوين المكونات على اختلافهم في الأصول والمقامات أصلين عظيمين تمسك كل فرقة منهم بأصل ففرقة قالت لما رأيت كل حادثة تحت الكون من الأفعال وغيرها من الأجسام والأعراض لا تخلو من أحد أمرين إما محدث ظهر إلى الكون بغير علة ولا سبب جعله مقدما لأجرائه فيكون ذلك المحدث عنه أو يكون حدثها ظهر عن علة وسبب تقدمها فرأيت مدار قول هذه الفرقة فيما به تعلقت وإليه رجعت أن المخترعات أفعالها وأقوالها لله الواحد القهار فلم أدفع الأصل فيما إليه أشارت ودخلت الشبهة عليهم إذ لم يفرقوا بين ما أحدثه المحدث من الخير والشر والهدى لمن اهتدى والغي لمن غوى فدخلت عليهم هذه العلة الجامعة من المختلفات من أفعاله المحدثات بين ذواتها وهيئاتها والعذب للفرات والملح الأجاج والحسن والقبيح والعدل والجور والخبيث والطيب وما فرف بين ذلك إذ يقول وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج وقال هل يستوي الأعمى والبصير وقال أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقال مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا وقال لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فرأيت الله وإن كان هو منشئ الأشياء بسبب وبغير سبب قد فضل خلقه بين منشآته وبين ذلك في آياته فذهب على هذه الفرقة ما فضل الله به بعض الأشياء على بعض وكل ذلك بأمره قد نفذ فيه حكمه وبرئ من عاره وإثمه وغاب عنها إحداث الله للخلق على طبائع مختلفة ودواع متباينة إذ طبع النفوس أرضية بشرية مطالبة بحاجتها وشهواتها وطبع الروح نزهة تطالب بصفائها وتقتضي شرف علوها وجعل العقل سراجا بينهما كل ينازعه ويجذبه إليه ليستعين به فيما يطلبه من حظه فمن غلب عليه منها أداه ذلك إلى ملك القلب فمتى ملك القلب أحدهما فإن كان ذلك تأثير العقل انقادت له الجوارح ثم رأيت النفس وإن كان طبعها العاجلة في فعل ذلك بها تأثيرا لها وما طبع عليه من قبول الانفعال وكذلك للروح تأثير انفعالها فيما فعل فيه ورأيت سلطان النفس الهوى ووزيرها الجهل وفعلها الجور ورأيت ذلك كله وإن كان في قبضة التدبير وسلطان القهر خارجا من الجبر ممكنا من النظر والتصفح والإقدام والإحجام سببا للبلاء ومجرى للاختبار الموجب للولاية المظهر للعداوة ثم رأيت المقامات في ذلك مختلفة والأحوال متباينة والمعارف متفاوتة فمن بين مقصر قد أحاطت به رؤية التقصير واعترف بتخلفه وأزرى على نفسه وبين سابق قد بذل في العبادة لله جهده فلم يبلغ من ذلك إربه متعلق بعبادته ناظر إلى مجاهدته وتحصيل محاسبته لنفسه وآخر مع جهده مأخوذ عن أحواله وقد وصل به آماله وصدقه في أعماله وأخلص في قصده واستفرغ جهده فبلغ من ذلك حظه فأعرضت عن ذكر هؤلاء أجمعين وفرقة أخرى من العارفين أشرفت على عجائبهم في مقاماتهم وعظيم طرقهم في سيرهم وسيرهم وقطع مفازهم في تيه مضلة العقول وتنسم عقاب الحيرة وقطع لجة الهلكة وصراط الإستقامة فرأيتهم بعين لا يستتر عنها متوار في حجابه قد خدع المغرور منهم بمكانه فمن بين صريع تحت إشارته في بحر عميق بين علم الجمع والتفريق فرأيته أسوأحالا ممن خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق وفرقة أخرى قد أنس بالفناء في مكانه واستبطن البقاء مع أهل زمانه فلا هو بعلم الفناء يقوم ولا على روح البقاء يدوم فعمه في طغيانه ولم تختلف عليه أحكامه ولم يعرف الحق من الباطل ولا فرق بين المخلوق والخالق ولا الفاعل والمفعول ولا الفعل من الإنفعال ولا تميز له الظاهر من الباطن ولا العاجز من القادر فكان كمن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله وفرقة منهم رأت أنه مكن في مقامه ولاحت له الأحكام فلم يكن عنده لها مكان إلا ما علق منها على الخلق وإنما كانت الأحكام عنجهم معلقة على الخلق لرؤية آثارهم وحضور إراداتهم واختلاف أحوالهم والمشاهدة منهم في أنفسهم من بين عقل متين وهوى مائل فلذلك علق عليهم لأمره عندهم وقصدوا بالنهي وبعثت إليهم الرسل فتمكن منهم الجهل واستوثق منهم العجب فلم يمكن فيها علاج العلماء ولم يصل إليها لطيف حكمة الحكماء لتعلقهم بفقد من الوجد ولو حلت من وجود الحق هذا المحل لأجرت الأحكام مجاريها وسلمت من سكرة المعرفة ودواهيها وأما الفرقة التي علت بها الإشارة إلى علم التوحيد الذين صحبوا الأحوال في أوقاتها بالوفاء والأعمال بالإخلاص والصفاء فلم يرتقوا إلى مقام قبل إحكام المقام قبله ولم يتعلقوا بعلم لم يحلوا منه مقام أهله وينزلوه نزول المتحققين له حتى يعلو إلى غاية الأحوال الزاكية وتفقهوا بعلمها إلى أن أداهم ذلك إلى علم المعرفة فأذعنوا لله إذعان المحققين وهم في ذلك كله خالون منها بعلاقة الحق التي عنها نشأت العلوم الزاكية غلبت عليهم الحقيقة في كل ما أثبته عليهم من الأفعال فلم يحلوا منها من مقام رفيع ونفس مختلسة وطبع منتزع إلا بعلاقة الحقيقة الأزلية والعين الألوهية والعلوم الربانية بما منحت في ذلك من القوة وأعطيت فيه من الصفوة وتجديد الوحدانية وفناء البشرية فكانت العلوم فيه والاختيارات بتلك العلاقة المبدية لتلك الحقيقة التي أبدعت الحق فأحقت الحق وأبطلت الباطل وبذلك أخبر الله أولياءه إذ يقول ليحق الحق ويبطل الباطل وقال تعالى بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق فلم يتجرد الحق على حقيقة لولي من أوليائه ولا صفى من أصفيائه إلا ظهر به على كل باطل فقهره ودفعه وان كان الحق أبدعه واخترعه فلم يكن الحق في مكان فيبقى فيه أثر لباطل أو سلطان لأن من أفنى الحق حركاته البشرية ونفسه الطبيعية وأهواءه النفسانية وأوهامه الآرائية استولى عليه من الحقيقة التي عنها وبها كان التصرف والاختيار والإقدام والإحجام والسكون والحركات فله علامة موجبة بصحة مقامه وعلو شأنه لا يختلف عليه منه الأفعال ولا تضطرب عليه الأقوال ولا تتفاوت منه الأفعال كاختلافها على من بقيت عليه آثاره في أفعاله وغلب هواه بهاءه فأسر عقله جهله فهو مغرور بما تعلق من اعتقاد علوم لم يسعه بالنزول في حقائقها ولا تلحظ مثقال ذرة مما روى منها أهلها من علم التوحيد ومذاق التجريد وهو غير موحد وطمع في التجريد وهو غير مجرد قد اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم طمعا فيما لم يسعد به بحقيقة هيهات إن أهل هذه الإشارة ناس لم تبق لهم همة تومى إلى ذكر فعل مذموم دون أن يجري ذلك عليهم بعلم من العلوم إذ كانت حركاتهم عن الحق بالحق في جميع الأحكام لا تعترضها خواطر البشرية ولا يليق فيها فعل الأفعال الطبيعية لا يقولون إلا بالحق ولا ينطقون عن الهوى بذلك خبرنا عن المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى فأما الفرقة التي اغترت بما لم تؤت ولم تفارق العلل المستولية عليهم من حركات طباعهم الداعية إلى حاجتها وشهواتها فأولئك مثلهم كما قال الله تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون وقوله فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء فهم رهائن أعمالهم لزم كل عبد منهم طائره في عنقه إذ يقول وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه الآية وقال كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين جعلنا الله وإياكم من أصحاب اليمين وهم أهل القوة