Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi)

Sección V01/P067–V01/P070

قدس العبد في أن ينزه إرادته وعلمه أما علمه فينزهه عن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكل ما يشاركه فيه البهائم من الإدراكات بل يكون تردد نظره وتطواف علمه حول الأمور الأزلية الإلهية المنزهة عن أن تقرب فتدرك بالحس أو تبعد فتغيب عن الحس بل يصير متجردا في نفسه عن المحسوسات والمتخيلات كلها ويقتني من العلوم ما لو سلب آلة حسه وتخيله بقي ريانا بالعلوم الشريفة الكلية الإلهية المتعلقة بالمعلومات الأزلية الأبدية دون الشخصيات المتغيرة المستحيلة وأما إرادته فينزهها عن أن تدور حول الحظوظ البشرية التي ترجع إلى لذة الشهوة والغضب ومتعة المطعم والمشرب والمنكح والملبس والملمس والمنظر وما لا يصل إليه من اللذات إلا بواسطة الحس والقلب بل لا يريد إلا الله عز وجل ولا يبقى له حظ إلا فيه ولا يكون له شوق إلا إلى لقائه ولا فرح إلا بالقرب منه ولو عرضت عليه الجنة وما فيها من النعيم لم تلتفت همته إليها ولم يقنع من الدار إلا برب الدار وعلى الجملة الإدراكات الحسية والخيالية تشارك البهائم فيها فينبغي أن يترقى عنها إلى ما هو من خواص الإنسانية والحظوظ البشرية الشهوانية يزاحم البهائم أيضا فيها فينبغي أن يتنزه عنها فجلالة المريد على قدر جلالة مراده ومن همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج منه ومن لم يكن له همة سوى الله عز وجل فدرجته على قدر همته ومن رقى علمه عن درجة المتخيلات والمحسوسات وقدس إرادته عن مقتضى الشهوات فقد نزل بحبوحة حظيرة القدس السلام هو الذي تسلم ذاته عن العيب وصفاته عن النقص وأفعاله عن الشر حتى إذا كان كذلك لم يكن في الوجود سلامة إلا وكانت معزية إليه صادرة منه وقد فهمت أن أفعاله تعالى سالمة عن الشر أعني الشر المطلق المراد لذاته لا لخير حاصل في ضمنه أعظم منه وليس في الوجود شر بهذه الصفة كما سبق الإيماء إليه إلا لله سبحانه تنبيه كل عبد سلم عن الغش والحقد والحسد وإرادة الشر قلبه وسلمت عن الآثام والمحظورات جوارحه وسلم عن الانتكاس والانعكاس صفاته فهو الذي يأتي الله تعالى بقلب سليم وهو السلام من العباد القريب في وصفه من السلام المطلق الحق الذي لا مثنوية في صفته وأعني بالانتكاس في صفاته أن يكون عقله أسير شهوته وغضبه إذ الحق عكسه وهو أن تكون الشهوة والغضب أسير العقل وطوعه فإذا انعكس فقد انتكس ولا سلامة حيث يصير الأمير مأمورا والملك عبدا ولن يوصف بالسلام والإسلام إلا من سلم المسلمون من لسانه ويده فكيف يوصف به من لم يسلم هو من نفسه المؤمن هو الذي يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه وسده طرق المخاوف ولا يتصور أمن وأمان إلا في محل الخوف ولا خوف إلا عند إمكان العدم والنقص والهلاك والمؤمن المطلق هو الذي لا يتصور أمن وأمان إلا ويكون مستفادا من جهته وهو الله سبحانه وتعالى وليس يخفى أن الأعمى يخاف أن يناله هلاك من حيث لا يرى فعينه البصيرة تفيده أمنا منه والأقطع يخاف آفة لا تندفع إلا باليد فاليد السليمة أمان منها وهكذا جميع الحواس والأطراف والمؤمن خالقها ومصورها ومقويها ولو قدرنا إنسانا وحده مطلوبا من جهة أعدائه وهو ملقى في مضيعة لا تتحرك عليه أعضاؤه لضعفه وإن تحركت فلا سلاح معه وإن كان معه سلاح لم يقاوم أعداءه وحده وإن كان له جنود لم يأمن أن تنكسر جنوده ولا يجد حصنا يأوي إليه فجاء من عالج ضعفه فقواه وأمده بجنوده وأسلحته وبنى حوله حصنا حصينا فقد أفاده أمنا وأمانا فالبحري أن يسمى مؤمنا في حقه

Sección V01/P070–V01/P072

والعبد ضعيف في أصل فطرته وهو عرضة الأمراض والجوع والعطش من باطنه وعرضة الآفات المحرقة والمغرقة والجارحة والكاسرة من ظاهره ولم يؤمنه من هذه المخاوف إلا الذي أعد الأدوية نافعة ورافعة لأمراضه والأطعمة مزيلة لجوعه والأشربة مميطة لعطشه والأعضاء دافعة عن بدنه والحواس جواسيس منذرة بما يقرب من مهلكاته ثم خوفه الأعظم من هلاك الآخرة ولا يحصنه عنه إلا كلمة التوحيد والله سبحانه وتعالى هاديه إليها ومرغبه فيها حيث قال لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن عذابي فلا أمن في العالم إلا وهو مستفاد بأسباب هو متفرد بخلقها والهداية إلى استعمالها فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فهو المؤمن المطلق حقا تنبيه حظ العبد من هذا الاسم والوصف أن يأمن الخلق كلهم جانبه بل يرجو كل خائف الاعتضاد به في دفع الهلاك عن نفسه في دينه ودنياه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليأمن جاره بوائقه وأحق العباد باسم المؤمن من كان سببا لأمن الخلق من عذاب الله بالهداية إلى طريق الله عز وجل والإرشاد إلى سبيل النجاة وهذه حرفة الأنبياء والعلماء ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم خيال وتنبيه لعلك تقول الخوف على الحقيقة من الله تعالى فلا مخوف إلا إياه فهو الذي خوف عباده وهو الذي خلق أسباب الخوف فكيف ينسب إليه الأمن فجوابك إن الخوف منه والأمن منه وهو خالق سبب الأمن والخوف جميعا وكونه مخوفا لا يمنع كونه مؤمنا كما أن كونه مذلا لم يمنع كونه معزا بل هو المعز والمذل وكونه خافضا لم يمنع كونه رافعا بل هو الخافض الرافع فكذلك هو المؤمن المخوف لكن المؤمن ورد التوقيف به خاصة دون المخوف المهيمن معناه في حق الله عز وجل أنه القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه وكل مشرف على كنه الأمر مستول عليه حافظ له فهو مهيمن عليه والإشراف يرجع إلى العلم والاستيلاء إلى كمال القدرة والحفظ إلى الفعل فالجامع بين هذه المعاني اسمه المهين ولن يجتمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا لله عز وجل ولذلك قيل إنه من أسماء الله تعالى في الكتب القديمة تنبيه كل عبد راقب قلبه حتى أشرف على أغواره وأسراره واستولى مع ذلك على تقويم أحواله وأوصافه وقام بحفظها على الدوام على مقتضى تقويمه فهو مهيمن بالإضافة إلى قلبه فإن اتسع إشرافه واستيلاؤه حتى قام بحفظ بعض عباد الله عز وجل على نهج السداد بعد اطلاعه على بواطنهم وأسرارهم بطريق التفرس والاستدلال بظواهرهم كان نصيبه من هذا المعنى أوفر وحظه أكثر العزيز هو الخطير الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه فما لم يجتمع عليه هذه المعاني الثلاثة لم يطلق عليه اسم العزيز فكم من شيء يقل وجوده ولكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزا وكم من شئ يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره ولكن إذا لم يصعب الوصول إليه لم يسم عزيزا كالشمس مثلا فإنه لا نظير لها والأرض كذلك والنفع عظيم في كل واحد منهما والحاجة شديدة إليهما ولكن لا يوصفان بالعزة لأنه لا يصعب الوصول إلى مشاهدتهما فلا بد من اجتماع المعاني الثلاثة

Sección V01/P072–V01/P075

ثم في كل واحد من المعاني الثلاثة كمال ونقصان والكمال في قلة الوجود أن يرجع إلى واحد إذ لا أقل من الواحد ويكون بحيث يستحيل وجود مثله وليس هذا إلا الله تعالى فإن الشمس وإن كانت واحدة في الوجود فليست واحدة في الإمكان فيمكن وجود مثلها في الكمال والنفاسة وشدة الحاجة أن يحتاج إليه كل شيء في كل شيء حتى في وجوده وبقائه وصفاته وليس ذلك على الكمال إلا لله عز وجل والكمال في صعوبة المنال أن يستحيل الوصول إليه على معنى الإحاطة بكنهه وليس ذلك على الكمال إلا لله عز وجل فإنا قد بينا أنه لا يعرف الله إلا الله فهو العزيز المطلق الحق لا يوازيه فيه غيره تنبيه العزيز من العباد من يحتاج إليه عباد الله في أهم أمورهم وهي الحياة الأخروية والسعادة الأبدية وذلك مما يقل لا محالة وجوده ويصعب إدراكه وهذه رتبة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ويشاركهم في العز من ينفرد بالقرب من درجتهم في عصره كالخلفاء وورثتهم من العلماء وعزة كل واحد منهم بقدر علو رتبته عن سهولة النيل والمشاركة وبقدر عنائه في إرشاد الخلق الجبار هو الذي ينفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل واحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد الذي لا يخرج أحد من قبضته وتقصر الأيدي دون حمى حضرته فالجبار المطلق هو الله سبحانه وتعالى فإنه يجبر كل أحد ولا يجبره أحد ولا مثنوية في حقه في الطرفين تنبيه الجبار من العباد من ارتفع عن الأتباع ونال درجة الاستتباع وتفرد بعلو رتبته بحيث يجبر الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمته وسيرته فيفيد الخلق ولا يستفيد ويؤثر ولا يتأثر ويستتبع ولا يتبع ولا يشاهده أحد إلا ويفنى عن ملاحظة نفسه ويصير متشوقا إليه غير ملتفت إلى ذاته ولا يطمع أحد في استدراجه واستتباعه وإنما حظي بهذا الوصف سيد البشر صلى الله عليه وسلم حيث قال لو كان موسى بن عمران حيا ما وسعه إلا اتباعي وأنا سيد ولد آدم ولا فخر المتكبر هو الذي يرى الكل حقيرا بالإضافة إلى ذاته ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد فإن كانت هذه الرؤية صادقة كان التكبر حقا وكان صاحبها متكبرا حقا ولا يتصور ذلك على الإطلاق إلا لله عز وجل وإن كان ذلك التكبر والاستعظام باطلا ولم يكن ما يراه من التفرد بالعظمة كما يراه كان التكبر باطلا ومذموما وكل من رأى العظمة والكبرياء لنفسه على الخصوص دون غيره كانت رؤيته كاذبة ونظره باطلا إلا الله سبحانه وتعالى تنبيه المتكبر من العباد هو الزاهد العارف ومعنى زهد العارف أن يتنزه عما شغل سره عن الحق ويتكبر على كل شيء سوى الحق سبحانه وتعالى فيكون مستحقرا للدنيا والآخرة جميعا مترفعا عن أن يشغله كلاهما عن الحق تعالى وزهد غير العارف معاملة ومعاوضة فإنه يشتري بمتاع الدنيا متاع الآخرة فيترك الشيء عاجلا طمعا في أضعافه آجلا وإنما هو سلم ومبايعة ومن استعبدته شهوة المطعم والمنكح فهو حقير وإن كان ذلك دائما وإنما المتكبر من يستحقر كل شهوة وحظ يتصور أن يساهمه البهائم فيها والله أعلم الخالق البارئ المصور قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة وأن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع ولا ينبغي أن يكون كذلك بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى تقدير أولا وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيا وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثا والله سبحانه وتعالى خالق من حيث أنه مقدر وبارئ من حيث أنه مخترع موجد ومصور من حيث أنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب

Sección V01/P075–V01/P077

وهذا كالبناء مثلا فإنه يحتاج إلى مقدر يقدر ما لا بد له منه من الخشب واللبن ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها وهذا يتولاه المهندس فيرسمه ويصوره ثم يحتاج إلى بناء يتولى الأعمال التي عندها يحدث أصول الأبنية ثم يحتاج إلى مزين ينقش ظاهره ويزين صورته فيتولاه غير البناء هذه هي العادة في التقدير والبناء والتصوير وليس كذلك في أفعال الله عز وجل بل هو المقدر والموجد والمزين فهو الخالق البارئ المصور ومثاله الإنسان وهو أحد مخلوقاته وهو محتاج في وجوده أولا إلى أن يقدر ما منه وجوده فإنه جسم مخصوص فلا بد من الجسم أولا حتى يخصص بالصفات كما يحتاج البناء إلى آلات حتى يبني ثم لا يصلح لبنية الإنسان إلا الماء والتراب جميعا إذ التراب وحده يابس محض لا ينثني ولا ينعطف في الحركات والماء وحده رطب محض لا يتماسك ولا ينتصب بل ينبسط فلا بد أن يمتزج الرطب باليابس حتى يعتدل ويعبر عنه بالطين ثم لا بد من حرارة طابخة حتى يستحكم مزج الماء بالتراب ولا ينفصل فلا يتخلق الإنسان من الطين المحض بل من صلصال كالفخار والفخار هو الطين المعجون بالماء الذي قد عملت فيه النار حتى أحكمت مزاجه ثم يحتاج إلى تقدير الماء والطين بمقدار مخصوص فإنه إن صغر مثلا لم تحصل منه الأفعال الإنسانية بل كان على قدر الذر والنمل فتسفيه الرياح ويهلكه أدنى شيء ولا يحتاج إلى مثل الجبل من الطين فإن ذلك يزيد على قدر الحاجة بل الكافي من غير زيادة ونقصان قدر معلوم يعلمه الله عز وجل وكل ذلك يرجع إلى التقدير فهو باعتبار تقدير هذه الأمور خالق وباعتبار الإيجاد على وفق التقدير مصور وباعتبار مجرد الإيجاد والإخراج من العدم إلى الوجود بارئ والإيجاد المجرد شئ والإيجاد على وفق التقدير شيء آخر وهذا يحتاج إليه من يبعد رد الخلق إلى مجرد التقدير مع أن له في اللغة وجها إذ العرب تسمي الحذاء خالقا لتقديره بعض طاقات النعل على بعض ولذلك قال الشاعر ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري فأما اسم المصور فهو له من حيث رتب صور الأشياء أحسن ترتيب وصورها أحسن تصوير وهذا من أوصاف الفعل فلا يعلم حقيقته إلا من يعلم صورة العالم على الجملة ثم على التفصيل فإن العالم كله في حكم شخص واحد مركب من أعضاء متعاونة على الغرض المطلوب منه وإنما أعضاؤه وأجزاؤه السموات والكواكب والأرضون وما بينهما من الماء والهواء وغيرهما وقد رتبت أجزاؤه ترتيبا محكما لو غير ذلك الترتيب لبطل النظام فخصص بجهة الفوق ما ينبغي أن يعلو وبجهة السفل ما ينبغي أن يسفل وكما أن البناء يضع الحجارة أسفل الحيطان والخشب فوقها لا بالاتفاق بل بالحكمة والقصد لإرادة الإحكام ولو قلب ذلك فوضع الحجارة فوق الحيطان والخشب أسفلها لانهدم البناء ولم تثبت صورته أصلا فكذلك ينبغي أن يفهم السبب في علو الكواكب وتسفل الأرض والماء وسائر أنواع الترتيب في الأجزاء العظام من أجزاء العالم ولو ذهبنا نصف أجزاء العالم ونحصيها ثم نذكر الحكمة في تركيبها لطال الكلام وكل من كان أوفر علما بهذا التفصيل كان أكثر إحاطة بمعنى اسم المصور وهذا الترتيب والتصوير موجود في كل جزء من أجزاء العالم وإن صغر حتى في النملة والذرة بل في كل عضو من أعضاء النملة بل الكلام يطول في شرح صورة العين التي هي أصغر عضو في الحيوان ومن لم يعرف طبقات العين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها ووجه الحكمة فيها فلن يعرف صورتها ولم يعرف مصورها إلا بالاسم المجمل وهكذا القول في كل صورة لكل حيوان ونبات بل لكل جزء من كل حيوان ونبات تنبيه

Sección V01/P077–V01/P079

حظ العبد من هذا الاسم أن يحصل في نفسه صورة الوجود كله على هيئته وترتيبه حتى يحيط بهيئة العالم وترتيبه كله كأنه ينظر إليها ثم ينزل من الكل إلى التفاصيل فيشرف على صورة الإنسان من حيث بدنه وأعضائه الجسمانية فيعلم أنواعها وعددها وتركيبها والحكمة في خلقها وترتيبها ثم يشرف على صفاتها المعنوية ومعانيها الشريفة التي بها إدراكاته وإرادته وكذلك يعرف صورة الحيوانات وصورة النبات ظاهرا وباطنا بقدر ما في وسعه حتى يحصل نقش الجميع وصورته في قلبه وكل ذلك يرجع إلى معرفة صورة الجسمانيات وهي معرفة مختصرة بالإضافة إلى معرفة ترتيب الروحانيات وفيه يدخل معرفة الملائكة ومعرفة مراتبهم وما وكل إلى كل واحد منهم من التصرف في السموات والكواكب ثم التصرف في القلوب البشرية بالهداية والإرشاد ثم التصرف في الحيوانات بالإلهامات الهادية لها إلى مظنة الحاجات فهذا حظ العبد من هذا الاسم وهو اكتساب الصورة العلمية المطابقة للصورة الوجودية فإن العلم صورة في النفس مطابقة للمعلوم وعلم الله عز وجل بالصور سبب لوجود الصور في الأعيان والصورة الموجودة في الأعيان سبب لحصول الصور العلمية في قلب الإنسان وبذلك يستفيد العبد العلم بمعنى اسم المصور من أسماء الله سبحانه وتعالى ويصير أيضا باكتساب الصورة في نفسه كأنه مصور وإن كان ذلك على سبيل المجاز فإن تلك الصور العلمية إنما تحدث فيه على التحقيق بخلق الله تعالى واختراعه لا بفعل العبد ولكن العبد يسعى في التعرض لفيضان رحمة الله تعالى عليه ف إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 13 سورة الرعد الآية 11 ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إن لربكم في أيام دهركم نفخات من رحمته ألا فتعرضوا لها وأما الخالق البارئ فلا مدخل للعبد أيضا في هذين الاسمين إلا بنوع من المجاز بعيد ووجهه أن الخلق والإيجاد يرجع إلى استعمال القدرة بموجب العلم وقد خلق الله تعالى للعبد علما وقدرة وله سبيل إلى تحصيل مقدوراته على وفق تقديره وعلمه والأمور الموجودة تنقسم إلى ما لا يرتبط حصولها بقدرة العباد أصلا كالسماء والكواكب والأرض والحيوان والنبات وغير ذلك وإلى ما لا حصول لها إلا بقدرة العباد وهي التي ترجع إلى أعمال العباد كالصناعات والسياسات والعبادات والمجاهدات فإذا بلغ العبد في مجاهدة نفسه بطريق الرياضة في سياستها وسياسة الخلق مبلغا ينفرد فيها باستنباط أمور لم يسبق إليها ويقدر مع ذلك على فعلها والترغيب فيها كان كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل إذ يقال لواضع الشطرنج إنه الذي وضعه واخترعه حيث وضع ما لم يسبق إليه إلا أن وضع ما لا خير فيه لا يكون من صفات المدح وكذلك في الرياضات والمجاهدات والسياسات والصناعات التي هي منبع الخيرات صور وترتيبات يتعلمها الناس بعضهم من بعض ويرتقي لا محالة إلى أول مستنبط وواضع فيكون ذلك الواضع كالمخترع لتلك الصورة والخالق المقدر لها حتى يجوز إطلاق الاسم عليه مجازا ومن أسماء الله تعالى ما يكون نقلها إلى العبد مجازا وهو الأكثر ومنها ما يكون في حق العبد حقيقة وفي حق الله تعالى مجازا كالصبور والشكور ولا ينبغي أن تلاحظ المشاركة في الاسم وتذهل عن هذا التفاوت العظيم الذي ذكرناه الغفار هو الذي أظهر الجميل وستر القبيح والذنوب من جملة القبائح التي سترها بإسبال الستر عليها في الدنيا والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة والغفر هو الستر وأول ستره على العبد أن جعل مقابح بدنه التي تستقبحها الأعين مستورة في باطنه مغطاة بجمال ظاهره فكم بين باطن العبد وظاهره في النظافة والقذارة وفي القبح والجمال فانظر ما الذي أظهره وما الذي ستره وستره الثاني أن جعل مستقر خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سر قلبه حتى لا يطلع أحد على سره ولو انكشف للخلق ما يخطر بباله في مجاري وسواسه وما ينطوي عليه ضميره من الغش والخيانة وسوء الظن بالناس لمقتوه بل سعوا في تلف روحه وأهلكوه فانظر كيف ستر عن غيره أسراره وعوراته

Sección V01/P079–V01/P082

وستره الثالث مغفرته ذنوبه التي كان يستحق الافتضاح بها على ملأ الخلق وقد وعد أن يبدل سيئاته حسنات ليستر مقابح ذنوبه بثواب حسناته مهما مات على الإيمان تنبيه حظ العبد من هذا الاسم أن يستر من غيره ما يجب أن يستر منه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من ستر على مؤمن عورته ستر الله عز وجل عورته يوم القيامة والمغتاب والمتجسس والمكافئ على الإساءة بمعزل عن هذا الوصف وإنما المتصف به من لا يفشى من خلق الله تعالى إلا أحسن ما فيه ولا ينفك مخلوق عن كمال ونقص وعن قبح وحسن فمن تغافل عن المقابح وذكر المحاسن فهو ذو نصيب من هذا الوصف كما روي عن عيسى صلوات الله عليه أنه مر مع الحواريين بكلب ميت قد غلب نتنه فقالوا ما أنتن هذه الجيفة فقال عيسى عليه السلام ما أحسن بياض أسنانه تنبيها على أن الذي ينبغي أن يذكر من كل شيء ما هو أحسن القهار هو الذي يقصم ظهور الجبابرة من أعدائه فيقهرهم بالإماتة والإذلال بل الذي لا موجود إلا وهو مسخر تحت قهره ومقدرته عاجز في قبضته تنبيه القهار من العباد من قهر أعداءه وأعدى عدو الإنسان نفسه التي بين جنبيه فهي أعدى له من الشيطان الذي قد حذر عداوته ومهما قهر شهوات نفسه فقد قهر الشيطان إذ الشيطان يستهويه إلى الهلاك بواسطة شهواته وإحدى حبائك الشيطان النساء ومن فقد شهوة النساء لم يتصور أن ينعقل بهذه الأحبولة فكذلك من قهر هذه الشهوة تحت سطوة الدين وإشارة العقل ومهما قهر شهوات النفس فقد قهر الناس كافة فلم يقدر عليه أحد إذ غاية أعدائه السعي في إهلاك بدنه وذلك إحياء لروحه فإن من مات عن شهواته في حياته عاش في مماته ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين 3 سورة آل عمران الآية 169 و 170 الوهاب الهبة هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض فإذا كثرت العطايا بهذه الصفة سمي صاحبها وهابا وجوادا ولن يتصور الجود والهبة حقيقة إلا من الله تعالى فإنه الذي يعطي كل محتاج ما يحتاج إليه لا لعوض ولا لغرض عاجل ولا آجل ومن وهب وله في هبته غرض يناله عاجلا وآجلا من ثناء أو مدح أو مودة أو تخلص من مذمة أو اكتساب شرف وذكر فهو معامل معتاض وليس بوهاب ولا جواد فليس العوض كله عينا يتناول بل كل ما ليس بحاصل ويقصد الواهب حصوله بالهبة فهو عوض ومن وهب وجاد ليشرف أو ليثنى عليه أو لئلا يذم فهو معامل وإنما الجواد الحق هو الذي يفيض منه الفوائد على المستفيد لا لغرض يعود إليه بل الذي يفعل شيئا لو لم يفعل لكان يقبح به فهو بما يفعله متخلص وذلك غرض وعوض تنبيه لا يتصور من العبد الجود والهبة فإنه ما لم يكن الفعل أولى به من الترك لم يقدم عليه فيكون إقدامه لغرض نفسه ولكن الذي يبذل جميع ما يملكه حتى الروح لوجه الله عز وجل فقط لا للوصول إلى نعيم الجنة أو الحذر من عذاب النار أو لحظ عاجل أو آجل مما يعد من حظوظ البشرية فهو جدير بأن يسمى وهابا وجوادا ودونه الذي يجود لينال نعيم الجنة ودونه من يجود لينال حسن الأحدوثة وكل من لم يطلب عوضا يتناول سمي جوادا عند من يظن أن لا عوض إلا الأعيان فإن قلت فالذي يجود بكل ما يملكه خالصا لوجه الله تعالى من غير توقع حظ عاجل أو آجل كيف لا يكون جوادا ولا حظ له أصلا فيه فنقول حظه هو الله تعالى ورضاؤه ولقاؤه والوصول إليه وذلك هو السعادة التي يكتسبها الإنسان بأفعاله الاختيارية وهو الحظ الذي تستحقر سائر الحظوظ في مقابلته

Sección V01/P082–V01/P084

فإن قلت فما معنى قولهم إن العارف بالله تعالى هو الذي يعبد الله عز وجل خالصا لله لا لحظ وراءه فإن كان لا يخلو فعل العبد عن حظ فما الفرق بين من يعبد الله تعالى لله خالصا وبين من يعبده لحظ من الحظوظ فاعلم أن الحظ عبارة عند الجماهير عن الأغراض أو الأعواض المشهورة عندهم ومن تنزه عنها ولم يبق له مقصد إلا الله تعالى فيقال إنه قد برئ من الحظوظ أي عما يعده الناس حظا وهو كقولهم إن العبد يراعي سيده لا لسيده ولكن لحظ يناله من سيده من نعمة أو إكرام والسيد يراعي عبده لا لعبده ولكن لحظ يناله منه بخدمته وأما الوالد فإنه يراعي ولده لذاته لا لحظ يناله منه بل لو لم يكن منه حظ أصلا لكان معنيا بمراعاته ومن طلب شيئا لغيره لا لذاته فكأنه لم يطلبه فإنه ليس غاية طلبه بل غاية طلب غيره كمن يطلب الذهب فإنه لا يطلبه لذاته بل ليتوصل به إلى المطعم والملبس والمطعم والملبس لا يرادان لذاتهما بل للتوصل بهما إلى جلب اللذة ودفع الألم واللذة تراد لذاتها لا لغاية أخرى وراءها وكذا دفع الألم فيكون الذهب واسطة إلى الطعام والطعام واسطة إلى اللذة واللذة هي الغاية وليست واسطة إلى غيرها وكذلك الولد ليس واسطة في حق الوالد بل مطلوبه سلامة الولد لذات الولد لأن عين الولد حظه فكذلك من يعبد الله عز وجل للجنة فقد جعل الله سبحانه وتعالى واسطة طلبه ولم يجعله غاية مطلبه وعلامة الواسطة أنه لو حصلت الفائدة دونها لم تطلب كما لو حصلت المقاصد دون الذهب لم يكن الذهب محبوبا ولا مطلوبا فالمحبوب بالحقيقة الغاية المطلوبة دون الذهب ولو حصلت الجنة لمن يعبد الله لأجلها دون عبادة الله عز وجل لما عبد الله فمحبوبه ومطلوبه الجنة إذا لا غير وأما من لم يكن له محبوب سوى الله عز وجل ولا مطلوب سواه بل حظه الابتهاج بلقاء الله تعالى والقرب منه والمرافقة مع الملأ الأعلى المقربين من حضرته فيقال إنه يعبد الله تعالى لله لا على معنى أنه غير طالب للحظ بل على معنى أن الله عز وجل هو حظه وليس يبغي وراءه حظا ومن لم يؤمن بلذة البهجة بلقاء الله عز وجل ومعرفته والمشاهدة له والقرب منه لم يشتق إليه ومن لم يشتق إليه لم يتصور أن يكون ذلك من حظه فلم يتصور أن يكون ذلك مقصده أصلا فلذلك لا يكون في عبادة الله تعالى إلا كالأجير السوء لا يعمل إلا بأجرة طمع فيها وأكثر الخلق لم يذوقوا هذه اللذة ولم يعرفوها ولا يفهمون لذة النظر إلى وجه الله عز وجل وإنما إيمانهم بذلك من حيث النطق باللسان فأما بواطنهم فإنها مائلة إلى التلذذ بلقاء الحور العين ومصدقة به فقط فافهم من هذا أن البراءة من الحظوظ محال إن كنت تجوز أن يكون الله تعالى أي لقاءه والقرب منه مما يسمى حظا وإن كان الحظ عبارة عما يعرفه الجماهير وتميل إليه قلوبهم فليس هذا حظا وإن كان عبارة عما حصوله أوفى من عدمه في حق العبد فهو حظ الرزاق هو الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم وخلق لهم أسباب التمتع بها والرزق رزقان ظاهر وهي الأقوات والأطعمة وذلك للظواهر وهي الأبدان وباطن وهي المعارف والمكاشفات وذلك للقلوب والأسرار وهذا أشرف الرزقين فإن ثمرته حياة الأبد وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد والله عز وجل هو المتولي لخلق الرزقين والمتفضل بالإيصال إلى كلا الفريقين ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر تنبيه غاية حظ العبد من هذا الوصف أمران

Sección V01/P084–V01/P087

أحدهما أن يعرف حقيقة هذا الوصف وأنه لا يستحقه إلا الله عز وجل فلا ينتظر الرزق إلا منه ولا يتوكل فيه إلا عليه كما روي عن حاتم الأصم رحمه الله أنه قال له رجل من أين تأكل فقال من خزانته فقال الرجل أيلقي عليك الرزق من السماء فقال لو لم تكن الأرض له لكان يلقيه من السماء فقال الرجل إنكم تقولون الكلام فقال لأنه لم ينزل من السماء إلا الكلام فقال الرجل إني لا أقوى على مجادلتك فقال لأن الباطل لا يقوى مع الحق الثاني أن يرزقه علما هاديا ولسانا مرشدا معلما ويدا منفقة متصدقة ويكون سببا لوصول الأرزاق الشريفة إلى القلوب بأقواله وأعماله ووصول الأرزاق إلى الأبدان بأفعاله وأعماله وإذا أحب الله عبدا أكثر حوائج الخلق إليه ومهما كان واسطة بين الله وبين العباد في وصول الأرزاق إليهم فقد نال حظا من هذه الصفة قال رسول لله صلى الله عليه وسلم الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به طيبة به نفسه أحد المتصدقين وأيدي العباد خزائن الله تعالى فمن جعلت يده خزانة أرزاق الأبدان ولسانه خزانة أرزاق القلوب فقد أكرم بشوب من هذه الصفة الفتاح هو الذي ينفتح بعنايته كل منغلق وبهدايته ينكشف كل مشكل فتارة يفتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أيدي أعدائه ويقول إنا فتحنا لك فتحا مبينا 48 سورة الفتح الآية 1 وتارة يرفع الحجاب عن قلوب أوليائه ويفتح لهم الأبواب إلى ملكوت سمائه وجمال كبريائه ويقول ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها 35 سورة فاطر الآية 2 ومن بيده مفاتح الغيب ومفاتيح الرزق فبالحري أن يكون فتاحا تنبيه ينبغي أن يتعطش العبد إلى أن يصير بحيث ينفتح بلسانه مغاليق المشكلات الإلهية وأن يتيسر بمعرفته ما يتعسر على الخلق من الأمور الدينية والدنيوية ليكون له حظ من اسم الفتاح العليم معناه ظاهر وكماله أن يحيط بكل شيء علما ظاهره وباطنه دقيقه وجليله أوله وآخره عاقبته وفاتحته وهذا من حيث كثرة المعلومات وهي لا نهاية لها ثم يكون العلم في ذاته من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه ثم لا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة منه تنبيه للعبد حظ من وصف العليم لا يكاد يخفى ولكن يفارق علمه علم الله تعالى في الخواص الثلاث إحداها المعلومات في كثرتها فإن معلومات العبد وإن اتسعت فهي محصورة في قلبه فأنى يناسب ما لا نهاية له والثانية أن كشفه وإن اتضح فلا يبلغ الغاية التي لا يمكن وراءها بل تكون مشاهدته للأشياء كأنه يراها من وراء ستر رقيق ولا تنكرن درجات الكشف فإن البصيرة الباطنة كالبصر الظاهر وفرق بين ما يتضح في وقت الإسفار وبين ما يتضح ضحوة النهار والثالثة أن علم الله سبحانه وتعالى بالأشياء غير مستفاد من الأشياء بل الأشياء مستفادة منه وعلم العبد بالأشياء تابع للأشياء وحاصل بها وإن اعتاص عليك فهم هذا الفرق فانسب علم متعلم الشطرنج إلى علم واضعه فإن علم الواضع هو سبب وجود الشطرنج ووجود الشطرنج هو سبب علم المتعلم وعلم الواضع سابق على الشطرنج وعلم المتعلم مسبوق ومتأخر فكذلك علم الله عز وجل بالأشياء سابق عليها وسبب لها وعلمنا بخلاف ذلك وشرف العبد بسبب العلم من حيث أنه من صفات الله عز وجل ولكن العلم الأشرف ما معلومه أشرف وأشرف المعلومات هو الله تعالى فلذلك كانت معرفة الله تعالى أفضل المعارف بل معرفة سائر الأشياء أيضا إنما تشرف لأنها معرفة لأفعال الله عز وجل أو معرفة للطريق الذي يقرب العبد من الله عز وجل أو الأمر الذي يسهل به الوصول إلى معرفة الله تعالى والقرب منه وكل معرفة خارجة عن ذلك فليس فيها كثير شرف القابض والباسط

Sección V01/P087–V01/P089

هو الذي يقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة ويقبض الصدقات من الأغنياء ويبسط الأرزاق للضعفاء يبسط الرزق على الأغنياء حتى لا يبقي فاقة ويقبضه عن الفقراء حتى لا يبقي طاقة ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من قلة مبالاته وتعاليه وجلاله ويبسطها بما يتقرب إليها من بره ولطفه وجماله تنبيه القابض الباسط من العباد من ألهم بدائع الحكم وأوتي جوامع الكلم فتارة يبسط قلوب العباد بما يذكرهم من آلاء الله عز وجل ونعمائه وتارة يقبضها بما ينذرهم به من جلال الله وكبريائه وفنون عذابه وبلائه وانتقامه من أعدائه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قبض قلوب الصحابة عن الحرص على العبادة حيث ذكر لهم أن الله عز وجل يقول لآدم عليه الصلاة والسلام يوم القيامة ابعث بعث النار فيقول كم فيقول من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعون فانكسرت قلوبهم حتى فتروا عن العبادة فلما أصبح ورآهم على ما هم عليه من القبض والفتور روح قلوبهم وبسطهم فذكر أنهم في سائر الأمم قبلهم كشامة سوداء في مسك ثور أبيض الخافض الرافع هو الذي يخفض الكفار بالإشقاء ويرفع المؤمنين بالإسعاد يرفع أولياءه بالتقريب ويخفض أعداءه بالإبعاد ومن رفع مشاهدته عن المحسوسات والمتخيلات وإرادته عن ذميم الشهوات فقد رفعه إلى أفق الملائكة المقربين ومن قصر مشاهدته على المحسوسات وهمته على ما يشارك فيه البهائم من الشهوات فقد خفضه إلى أسفل السافلين ولا يفعل ذلك إلا الله تعالى فهو الخافض الرافع تنبيه حظ العبد من ذلك أن يرفع الحق ويخفض الباطل وذلك بأن ينصر المحق ويزجر المبطل فيعادي أعداء الله ليخفضهم ويوالي أولياء الله ليرفعهم ولذلك قال الله تعالى لبعض أوليائه أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به راحة نفسك وأما ذكرك إياي فقد تشرفت بي فهل واليت في وليا وهل عاديت في عدوا المعز المذل هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه ممن يشاء والملك الحقيقي إنما هو في الخلاص من ذل الحاجة وقهر الشهوة ووصمة الجهل فمن رفع الحجاب عن قلبه حتى شاهد جمال حضرته ورزقه القناعة حتى استغنى بها عن خلقه وأمده بالقوة والتأييد حتى استولى بها على صفات نفسه فقد أعزه وآتاه الملك عاجلا وسيعزه في الآخرة بالتقريب ويناديه يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي 89 سورة الفجر الآيات 3027 ومن مد عينه إلى الخلق حتى احتاج إليهم وسلط عليه الحرص حتى لم يقنع بالكفاية واستدرجه بمكره حتى اغتر بنفسه وبقي في ظلمة الجهل فقد أذله وسلبه الملك وذلك صنع الله عز وجل كما يشاء حيث يشاء فهو المعز المذل يعز من يشاء ويذل من يشاء وهذا الذليل هو الذي يخاطب ويقال له ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية 57 سورة الحديد الآية 14 و 15 وهذا غاية الذل وكل عبد استعمل في تيسير أسباب العز على يده ولسانه فهو ذو حظ من هذا الوصف السميع هو الذي لا يعزب عن إدراكه مسموع وإن خفي فيسمع السر والنجوى بل ما هو أدق من ذلك وأخفى ويدرك دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء يسمع حمد الحامدين فيجازيهم ودعاء الداعين فيستجيب لهم ويسمع بغير أصمخة وآذان كما يفعل بغير جارحة ويتكلم بغير لسان وسمعه منزه عن أن يتطرق إليه الحدثان ومهما نزهت السميع عن تغير يعتريه عند حدوث المسموعات وقدسته عن أن يسمع بأذن أو بآلة وأداة علمت أن السمع في حقه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات ومن لم يدقق نظره فيه وقع بالضرورة في محض التشبيه فخذ منه حذرك ودقق فيه نظرك تنبيه

Sección V01/P089–V01/P092

للعبد من حيث الحس حظ في السمع لكنه قاصر فإنه لا يدرك جميع المسموعات بل ما قرب من الأصوات ثم إن إدراكه بجارحة وأداة معرضة للآفات فإن خفي الصوت قصر عن الإدراك وإن بعد لم يدرك وإن عظم الصوت ربما بطل السمع واضمحل وإنما حظه الديني منه أمران أحدهما أن يعلم أن الله عز وجل سميع فيحفظ لسانه والثاني أن يعلم أنه لم يخلق له السمع إلا ليسمع كلام الله عز وجل وكتابه الذي أنزله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستفيد به الهداية إلى طريق الله عز وجل فلا يستعمل سمعه إلا فيه البصير هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وإبصاره أيضا منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان ومقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته كما ينطبع في حدقة الإنسان فإن ذلك من التغير والتأثر المقتضي للحدثان وإذا نزه عن ذلك كان البصر في حقه عبارة عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات وذلك أوضح وأجلى مما يفهم من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات تنبيه حظ العبد من حيث الحس من وصف البصر ظاهر ولكنه ضعيف قاصر إذ لا يمتد إلى ما بعد ولا يتغلغل إلى باطن ما قرب بل يتناول الظواهر ويقصر عن البواطن والسرائر وإنما حظه الديني منه أمران أحدهما أن يعلم أنه خلق له البصر لينظر إلى الآيات وإلى عجائب الملكوت والسموات فلا يكون نظرة إلا عبرة قيل لعيسى عليه السلام هل أحد من الخلق مثلك فقال من كان نظره عبرة وصمته فكرة وكلامه ذكرا فهو مثلي والثاني أن يعلم أنه بمرأى من الله عز وجل ومسمع فلا يستهين بنظره إليه واطلاعه عليه ومن أخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله فقد استهان بنظر الله عز وجل والمراقبة إحدى ثمرات الإيمان بهذه الصفة فمن قارف معصية وهو يعلم أن الله عز وجل يراه فما أجسره وما أخسره ومن ظن أن الله تعالى لا يراه فما أظلمه وأكفره الحكم وهو الحاكم المحكم والقاضي المسلم الذي لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ومن حكمه في حق العباد أن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى وأن الأبرار لفي نعيم وأن الفجار لفي جحيم ومعنى حكمه للبر والفاجر بالسعادة والشقاوة أنه جعل البر والفجور سببا يسوق صاحبهما إلى السعادة والشقاوة كما جعل الأدوية والسموم أسباب تسوق متناوليها إلى الشقاء والهلاك وإذا كان معنى الحكمة ترتيب الأسباب وتوجيهها إلى المسببات كان المتصف بها على الإطلاق حكما مطلقا لأنه مسبب كل الأسباب جملتها وتفصيلها ومن الحكم ينشعب القضاء والقدر فتدبيره أصل وضع الأسباب ليتوجه إلى المسببات حكمه ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسموات السبع والكواكب والأفلاك وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه كما قال تعالى فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها 41 سورة فصلت الآية 12 وتوجيه هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة بعد لحظة قدره فالحكم هو التدبير الأول الكلي والأمر الأزلي الذي هو كلمح البصر والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص ولذلك لا يخرج عن قضائه وقدره شيء

Sección V01/P092–V01/P094

ولا تفهم ذلك إلا بمثال ولعلك شاهدت صندوق الساعات التي بها يتعرف أوقات الصلوات وإن لم تشاهده فجملة ذلك أنه لا بد فيه من آلة على شكل أسطوانة تحوي مقدارا من الماء معلوما وآلة أخرى مجوفة موضوعة فيها فوق الماء وخيط مشدود أحد طرفيه في هذه الآلة المجوفة وطرفه الآخر في أسفل ظرف صغير موضوع فوق الأسطوانة المجوفة وفيه كره وتحته طاس بحيث لو سقطت الكرة وقعت في الطاس وسمع طنينها ثم يثقب أسفل الآلة الأسطوانية ثقب بقدر معلوم ينزل الماء منه قليلا قليلا فإذا انخفض الماء انخفضت الآلة المجوفة الموضوعة على وجه الماء فامتد الخيط المشدود بها فحرك الظرف الذي فيه الكره تحريكا يقربه من الانتكاس إلى أن ينتكس فتتدحرج منه الكرة وتقع في الطاس وتطن وعند انقضاء كل ساعة تقع واحدة وإنما يتقدر الفصل بين الوقعتين بتقدير خروج الماء وانخفاضه وذلك بتقدير سعة الثقب الذي يخرج منه الماء ويعرف ذلك بطريق الحساب فيكون نزل الماء بمقدار مقدر معلوم بسبب تقدير سعة الثقب بقدر معلوم ويكون انخفاض أعلى الماء بذلك المقدار وبه يتقدر انخفاض الآلة المجوفة وانجرار الخيط المشدود بها وتولد الحركة في الظرف الذي فيه الكرة وكل ذلك يتقدر بتقدر سببه لا يزيد ولا ينقص ويمكن أن يجعل وقوع الكرة في الطاس سببا لحركة أخرى وتكون الحركة الأخرى سببا لحركة ثالثة وهكذا إلى درجات كثيرة حتى تتولد منه حركات عجيبة مقدرة بمقادير محدودة وسببها الأول نزول الماء بقدر معلوم فإذا تصورت هذه الصورة فاعلم أن واضعها يحتاج إلى ثلاثة أمور أولها التدبير وهو الحكم بأنه ما الذي ينبغي أن يكون من الآلات والأسباب والحركات حتى يؤدي إلى حصول ما ينبغي أن يحصل وذلك هو الحكم والثاني إيجاد هذه الآلات التي هي الأصول وهي الآلة الأسطوانية لتحوي الماء والآلة المجوفة لتوضع على وجه الماء والخيط المشدود به والظرف الذي فيه الكرة والطاس الذي يقع فيه الكرة وذلك هو القضاء والثالث نصب سبب يوجب حركة مقدرة محسوبة محدودة وهو ثقب أسفل الآلة ثقبا مقدر السعة ليحدث بنزول الماء منها حركة في الماء تؤدي إلى حركة وجه الماء بنزوله ثم إلى حركة الآلة المجوفة الموضوعة على وجه الماء ثم إلى حركة الخيط ثم إلى حركة الظرف الذي فيه الكرة ثم إلى حركة الكرة ثم إلى الصدمة بالطاس إذا وقعت فيه ثم إلى الطنين الحاصل منها ثم إلى تنبيه الحاضرين وإسماعهم ثم إلى حركاتهم في الاشتغال بالصلوات والأعمال عند معرفتهم انقضاء الساعة وكل ذلك يكون بقدر معلوم ومقدار مقدر بسبب تقدر جميعها بقدر الحركة الأولى وهي حركة الماء فإذا فهمت أن هذه الآلات أصول لا بد منها للحركة وأن الحركة لا بد من تقدرها ليتقدر ما يتولد منها فكذلك فافهم حصول الحوادث المقدرة التي لا يتقدم منها شيء ولا يتأخر إذا جاء أجلها أي حضر سببها وكل ذلك بمقدار معلوم وأن الله بالغ أمره إذ جعل الله لكل شيء قدرا فالسموات والأفلاك والكواكب والأرض والبحر والهواء وهذه الأجسام العظام في العالم كتلك الآلات والسبب المحرك للأفلاك والكواكب والشمس والقمر بحساب معلوم كتلك الثقبة الموجبة لنزول الماء بقدر معلوم وإفضاء حركة الشمس والقمر والكواكب إلى حصول الحوادث في الأرض كإفضاء حركة الماء إلى حصول تلك الحركات المفضية إلى سقوط الكرة المعرفة لانقضاء الساعة ومثال تداعي حركات السماء إلى تغيرات الأرض هو أن الشمس بحركتها إذا بلغت إلى المشرق واستضاء العالم وتيسر على الناس الإبصار فيتيسر عليهم الانتشار في الأشغال وإذا بلغت المغرب تعذر عليهم ذلك فرجعوا إلى المساكن وإذا قربت من وسط السماء وسمت رؤوس أهل الأقاليم حمي الهواء واشتد القيظ وحصل نضج الفواكه وإذا بعدت حصل الشتاء واشتد البرد وإذا توسطت حصل الاعتدال وظهر الربيع وأنبتت الأرض وظهرت الخضرة وقس بهذه الأمور المشهورات التي تعرفها الغرائب التي لا تعرفها

Sección V01/P094–V01/P096

واختلاف هذه الفصول كلها مقدر بقدر معلوم لأنها منوطة بحركات الشمس والقمر و الشمس والقمر بحسبان 55 سورة الرحمن / الآية 5 أي حركتهما بحساب معلوم فهذا هو التقدير ووضع الأسباب الكلية هو القضاء والتدبير الأول الذي هو كلمح البصر هو الحكم والله تعالى حكم عدل باعتبار هذه الأمور وكما أن حركة الآلة والخيط والكرة ليست خارجة عن مشيئة واضع الآلة بل ذلك هو الذي أراده بوضع الآلة فكذلك كل ما يحدث في العالم من الحوادث شرها وخيرها نفعها وضرها غير خارج عن مشيئة الله عز وجل بل ذلك مراد الله تعالى ولأجله دبر أسبابه وهو المعني بقوله ولذلك خلقهم 11 سورة هود / الآية 119 وتفهيم الأمور الإلهية بالأمثلة العرفية عسير ولكن المقصود من الأمثلة التنبيه فدع المثال وتنبه للغرض واحذر من التمثيل والتشبيه تنبيه قد فهمت من المثال المذكور ما إلى العبد من الحكم والتدبير والقضاء والتقدير وذلك أمر يسير وإنما الخطير منه ما إليه في تدبير الرياضيات والمجاهدات وتقدير السياسات التي تفضي إلى مصالح الدين والدنيا وبذلك استخلف الله عباده في الأرض واستعمرهم فيها لينظر كيف يعملون وإنما الحظ الديني من مشاهدة هذا الوصف لله تعالى أن يعلم أن الأمر مفروغ منه وليس بالأنف وقد جف القلم بما هو كائن وأن الأسباب قد توجهت إلى مسبباتها وانسياقها إليها في أحيانها وأجالها حتم واجب فكل ما يدخل في الوجود فإنما يدخل بالوجوب فهو واجب أن يوجد وإن لم يكن واجبا لذاته ولكن واجب بالقضاء الأزلي الذي لا مرد له فيعلم أن المقدور كائن وأن الهم فضل فيكون العبد في رزقه مجملا في الطلب مطمئن النفس ساكن الجأش غير مضطرب القلب فإن قلت فيلزم منه إشكالان أحدهما أن الهم كيف يكون فضلا وهو أيضا مقدور لأنه قدر له سبب إذا جرى سببه كان حصول الهم واجبا والثاني أن الأمر إذا كان مفروغا منه ففيم العمل وقد فرغ هو عن سبب السعادة والشقاوة فالجواب عن الأول أن قولهم المقدور كائن والهم فضل ليس معناه أنه فضل على المقدور خارج عنه بل أنه فضل أي لغو لا فائدة فيه فإنه لا يدفع المقدور ولأن سبب الهم بما يتوقع كونه هو الجهل المحض لأن ذلك إن قدر كونه فالحذر والهم لا يدفعه وهو استعجال نوع من الألم خوفا من وقوع الألم وإن لم يقدر كونه فلا معنى للهم به فبهذين الوجهين كان الهم فضلا وأما العمل فجوابه قوله صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له ومعناه أن من قدرت له السعادة قدرت بسبب فيتيسر له أسبابها وهو الطاعة ومن قدرت له الشقاوة والعياذ بالله قدرت بسبب وهو بطالته عن مباشرة أسبابها وقد يكون سبب بطالته أن يستقر في خاطره إني إن كنت سعيدا فلا أحتاج إلى العمل وإن كنت شقيا فلا ينفعني العمل وهذا جهل فإنه لا يدري أنه إن كان سعيدا فإنما يكون سعيدا لأنه يجري عليه أسباب السعادة من العلم والعمل وإن لم يتيسر له ذلك ولم يجر عليه فهو أمارة شقاوته ومثاله الذي يتمنى أن يكون فقيها بالغا درجة الإمامة فيقال له اجتهد وتعلم وواظب فيقول إن قضى الله عز وجل لي في الأزل بالإمامة فلا أحتاج إلى الجهد وإن قضى لي بالجهل فلا ينفعني الجهد فيقال له إن سلط عليك هذا الخاطر فهذا يدل على أنه قضى لك بالجهل فإن من قضى له في الأزل بالإمامة فإنما يقضيها بأسبابها فيجري عليه الأسباب ويستعمله بها ويدفع عنه الخواطر التي تدعوه إلى الكسل والبطالة بل الذي لا يجتهد لا ينال درجة الإمامة قطعا والذي يجتهد ويتيسر له أسبابها يصدق رجاؤه في بلوغها إن استقام على جهده إلى آخر أمره ولم يستقبله عائق يقطع عليه الطريق فكذلك ينبغي أن يفهم أن السعادة لا ينالها إلا من أتى الله بقلب سليم وسلامة القلب صفة تكتسب بالسعي كفقه النفس وصفة الإمامة من غير فرق

Sección V01/P096–V01/P098

نعم العباد في مشاهدة الحكم على درجات فمن ناظر إلى الخاتمة أنه بماذا يختم له ومن ناظر إلى السابقة أنه بما قضى له في الأزل وهو أعلى لأن الخاتمة تبع السابقة ومن تارك للماضي والمستقبل هو ابن وقته فهو ناظر إليه راض بمواقع قدر الله عز وجل وما يظهر منه وهو أعلى مما قبله ومن تارك للحال والماضي والمستقبل مستغرق القلب بالحكم ملازم في الشهود وهذه هي الدرجة العليا العدل معناه العادل وهو الذي يصدر منه فعل العدل المضاد للجور والظلم ولن يعرف العادل من لم يعرف عدله ولا يعرف عدله من لم يعرف فعله فمن أراد أن يفهم هذا الوصف فينبغي أن يحيط علما بأفعال الله تعالى من ملكوت السموات إلى منتهى الثرى حتى إذا لم ير في خلق الرحمن من تفاوت ثم رجع البصر فما رأى من فطور ثم رجع مرة أخرى فانقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير وقد بهره جمال الحضرة الربوبية وحيره اعتدالها وانتظامها فعند ذلك يعبق بفهمه شيء من معاني عدله تعالى وتقدس وقد خلق أقسام الموجودات جسمانيها وروحانيها كاملها وناقصها وأعطى كل شيء خلقه وهو بذلك جواد ورتبها في مواضعها اللائقة بها وهو بذلك عدل فمن الأجسام العظام في العالم الأرض والماء والهواء والسموات والكواكب وقد خلقها ورتبها فوضع الأرض في أسفل السافلين وجعل الماء فوقها والهواء فوق الماء والسموات فوق الهواء ولو عكس هذا الترتيب لبطل النظام ولعل شرح وجه استحقاق هذا الترتيب في العدل والنظام مما يصعب على أكثر الأفهام فلننزل إلى درجة العوام ونقول لينظر الإنسان إلى بدنه فإنه مركب من أعضاء مختلفة كما أن العالم مركب من أجسام مختلفة فأول اختلافه أنه ركبه من العظم واللحم والجلد وجعل العظم عمادا مستبطنا واللحم صوانا له مكتنفا إياه والجلد صوانا للحم فلو عكس هذا الترتيب وأظهر ما أبطن لبطل النظام وإن خفي عليك هذا فقد خلق للإنسان أعضاء مختلفة مثل اليد والرجل والعين والأنف والأذن فهو بخلق هذه الأعضاء جواد وبوضعها مواضعها الخاصة عدل لأنه وضع العين في أولى المواضع بها من البدن إذ لو خلقها على القفا أو على الرجل أو على اليد أو على قمة الرأس لم يخف ما يتطرق إليه من النقصان والتعرض للآفات وكذلك علق اليدين من المنكبين ولو علقهما من الرأس أو من الحقو أو من الركبتين لم يخف ما يتولد منه من الخلل وكذلك وضع جميع الحواس في الرأس فإنها جواسيس لتكون مشرفة على جميع البدن فلو وضعها في الرجل اختل نظامها قطعا وشرح ذلك في كل عضو يطول وبالجملة فينبغي أن تعلم أنه لم يخلق شيء في موضع إلا لأنه متعين له ولو تيامن عنه أو تياسر أو تسفل أو تعلى لكان ناقصا أو باطلا أو قبيحا أو خارجا عن المتناسب كريها في المنظر وكما أن الأنف خلق على وسط الوجه ولو خلق على الجبهة أو على الخد لتطرق نقصان إلى فوائده وإذا قوي فهمك على إدراك حكمته فاعلم أن الشمس أيضا لم يخلقها في السماء الرابعة وهي واسطة السموات السبع هزلا بل ما خلقها إلا بالحق وما وضعها إلا موضعها المستحق لها لحصول مقاصده منها إلا أنك ربما تعجز عن درك الحكمة فيه لأنك قليل التفكر في ملكوت السموات والأرض وعجائبها ولو نظرت فيها لرأيت من عجائبها ما تستحقر فيه عجائب بدنك وكيف لا وخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس وليتك وفيت بمعرفة عجائب نفسك وتفرغت للتأمل فيها وفيما يكتنفها من الأجسام فتكون ممن قال الله عز وجل فيهم سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم 41 سورة فصلت الآية 53 ومن أين لك أن تكون ممن قال فيهم وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض 6 سورة الأنعام الآية 75 وأنى تفتح أبواب السماء لمن استغرقه هم الدنيا واستعبده الحرص والهوى

Sección V01/P098–V01/P100

فهذا هو الرمز إلى تفهيم مبدأ الطريق إلى معرفة هذا الاسم الواحد وشرحه يفتقر إلى مجلدات وكذا شرح معنى كل اسم من الأسامي فإن الأسامي المشتقة من الأفعال لا تفهم إلا بعد فهم الأفعال وكل ما في الوجود من أفعال الله تعالى ومن لم يحط علما بتفاصيلها ولا بجملتها فلا يكون معه منها إلا محض التفسير واللغة ولا مطمع في العلم بتفصيلها فإنه لا نهاية له وأما الجملة فللعبد طريق إلى معرفتها وبقدر اتساع معرفته فيها يكون حظه من معرفة الأسماء وذلك يستغرق العلوم كلها وإنما غاية مثل هذا الكتاب الإيماء إلى مفاتحها ومعاقد جملها فقط تنبيه حظ العبد من العدل لا يخفى فأول ما عليه من العدل في صفات نفسه وهو أن يجعل الشهوة والغضب أسيرين تحت إشارة العقل والدين ومهما جعل العقل خادما للشهوة والغضب فقد ظلم هذا جملة عدله في نفسه وتفصيله مراعاة حدود الشرع كلها وعدله في كل عضو أن يستعمله على الوجه الذي أذن الشرع فيه وأما عدله في أهله وذويه ثم في رعيته إن كان من أهل الولاية فلا يخفى وربما يظن أن الظلم هو الإيذاء والعدل هو إيصال النفع إلى الناس وليس كذلك بل لو فتح الملك خزانته المشتملة على الأسلحة والكتب وفنون الأموال ولكن فرق الأموال على الأغنياء ووهب الأسلحة للعلماء وسلم إليهم القلاع ووهب الكتب للأجناد وأهل القتال وسلم إليهم المساجد والمدارس فقد نفع ولكنه قد ظلم وعدل عن العدل إذ وضع كل شيء في غير موضعه اللائق به ولو آذى المرضى بسقي الأدوية والفصد والحجامة وبالإجبار على ذلك وآذى الجناة بالعقوبة قتلا وقطعا وضربا كان عدلا لأنه وضعها في مواضعها وحظ العبد دينا من مشاهدة هذا الوصف الإيمان بأن الله عز وجل عدل أن لا يعترض عليه في تدبيره وحكمه وسائر أفعاله وافق مراده أو لم يوافق لأن كل ذلك عدل وهو كما ينبغي وعلى ما ينبغي ولو لم يفعل ما فعله لحصل منه أمر آخر هو أعظم ضررا مما حصل كما أن المريض لو لم يحتجم لتضرر ضررا يزيد على ألم الحجامة وبهذا يكون الله تعالى عدلا والإيمان به يقطع الإنكار والاعتراض ظاهرا وباطنا وتمامه أن لا يسب الدهر ولا ينسب الأشياء إلى الفلك ولا يعترض عليه كما جرت به العادة بل يعلم أن كل ذلك أسباب مسخرة وأنها رتبت ووجهت إلى المسببات أحسن ترتيب وتوجيه بأقصى وجوه العدل واللطف اللطيف إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العنف فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك تم معنى اللطف ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا لله سبحانه وتعالى فأما إحاطته بالدقائق والخفايا فلا يمكن تفصيل ذلك بل الخفي مكشوف في علمه كالجلي من غير فرق وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها فلا يدخل أيضا تحت الحصر إذ لا يعرف اللطف في الفعل إلا من عرف تفاصيل أفعاله وعرف دقائق الرفق فيها وبقدر اتساع المعرفة فيها تتسع المعرفة لمعنى اسم اللطيف وشرح ذلك يستدعي تطويلا ثم لا يتصور أن يفي بعشر عشيره مجلدات كثيرة وإنما يمكن التنبيه على بعض جمله

Sección V01/P100–V01/P103

فمن لطفه خلقه الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث وحفظه فيها وتغذيته بواسطة السرة إلى أن ينفصل فيستقل بالتناول بالفم ثم إلهامه إياه عند الانفصال التقام الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل من غير تعليم ومشاهدة بل يتفقأ البيضة عن الفرخ وقد ألهمه التقاط الحب في الحال ثم تأخير خلق السن عن أول الخلقة إلى وقت الحاجة للاستغناء في الاغتذاء باللبن عن السن ثم إنباته السن بعد ذلك عند الحاجة إلى طحن الطعام ثم تقسيم الأسنان إلى عريضة للطحن وإلى أنياب للكسر وإلى ثنايا حادة الأطراف للقطع ثم استعمال اللسان الذي الغرض الأظهر منه النطق في رد الطعام إلى المطحن كالمجرفة ولو ذكر لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها وقد تعاون على إصلاحها خلق لا يحصى عددهم من مصلح الأرض وزارعها وساقيها وحاصدها ومنقيها وطاحنها وعاجنها وخابزها إلى غير ذلك لكان لا يستوفي شرحه وعلى الجملة فهو من حيث دبر الأمور حكم ومن حيث أوجدها جواد ومن حيث رتبها مصور ومن حيث وضع كل شيء موضعه عدل ومن حيث لم يترك فيها دقائق وجوه الرفق لطيف ولن يعرف حقيقة هذه الأسماء من لم يعرف حقيقة هذه الأفعال ومن لطفه بعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة ومن لطفه أنه يسر لهم الوصول إلى سعادة الأبد بسعي خفيف في مدة قصيرة وهي العمر فإنه لا نسبة لها بالإضافة إلى الأبد ومن لطفه إخراج اللبن الصافي من بين الفرث والدم وإخراج الجواهر النفيسة من الأحجار الصلبة وإخراج العسل من النحل والإبريسم من الدود والدر من الصدف وأعجب من ذلك خلقه من النطفة القذرة مستودعا لمعرفته وحاملا لأمانته ومشاهدا لملكوت سمواته وهذا أيضا لا يمكن إحصاؤه تنبيه حظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد الله عز وجل والتلطف بهم في الدعوة إلى الله تعالى والهداية إلى سعادة الآخرة من غير إزراء وعنف ومن غير تعصب وخصام وأحسن وجوه اللطف فيه الجذب إلى قبول الحق بالشمائل والسيرة المرضية والأعمال الصالحة فإنها أوقع وألطف من الألفاظ المزينة الخبير هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا يجري في الملك والملكوت شيء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن إلا ويكون عنده خبرها وهو بمعنى العليم ولكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة ويسمى صاحبها خبيرا تنبيه حظ العبد من ذلك أن يكون خبيرا بما يجري في عالمه وعالمه قلبه وبدنه والخفايا التي يتصف القلب بها من الغش والخيانة والتطواف حول العاجلة وإضمار الشر وإظهار الخير والتجمل بإظهار الإخلاص مع الإفلاس عنه لا يعرفها إلا ذو خبرة بالغة قد خبر نفسه ومارسها وعرف مكرها وتلبيسها وخدعها فحاذرها وتشمر لمعاداتها وأخذ الحذر منها فذلك من العباد جدير بأن يسمى خبيرا الحليم هو الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش كما قال تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة 16 سورة النحل الآية 61 تنبيه حظ العبد من وصف الحليم ظاهر فالحلم من محاسن خصال العباد وذلك مستغن عن الشرح والإطناب العظيم اعلم أن اسم العظيم في أول الوضع إنما أطلق على الأجسام يقال هذا جسم عظيم وهذا الجسم أعظم من ذلك الجسم إذا كان امتداد مساحته في الطول والعرض والعمق أكثر منه ثم هو ينقسم إلى عظيم يملأ العين ويأخذ منها مأخذا وإلى ما لا يتصور أن يحيط البصر بجميع أطرافه كالأرض والسماء فإن الفيل عظيم ولكن البصر قد يحيط بأطرافه فهو عظيم بالإضافة إلى ما دونه وأما الأرض فلا يتصور أن يحيط البصر بأطرافها وكذا السماء فذلك هو العظيم المطلق في مدركات البصر

Sección V01/P103–V01/P105

فافهم أن في مدركات البصائر أيضا تفاوتا فمنها ما تحيط العقول بكنه حقيقته ومنها ما تقصر العقول عنه وما تقصر العقول عنه ينقسم إلى ما يتصور أن يحيط به بعض العقول وإن قصر عنه أكثرها وإلى ما لا يتصور أن يحيط العقل أصلا بكنه حقيقته وذلك هو العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وذلك هو الله تعالى وقد سبق بيان ذلك في الفن الأول تنبيه العظيم من العباد الأنبياء والعلماء الذين إذا عرف العاقل شيئا من صفاتهم امتلأ بالهيبة صدره وصار مستوفى بالهيبة قلبه حتى لا يبقى فيه متسع فالنبي عظيم في حق أمته والشيخ في حق مريده والأستاذ في حق تلميذه إذ يقصر عقله عن الإحاطة بكنه صفاته فإن ساواه أو جاوزه لم يكن عظيما بالإضافة إليه وكل عظيم يفرض غير الله عز وجل فهو ناقص وليس بعظيم مطلق لأنه إنما يظهر بالإضافة إلى شيء دون شيء سوى عظمة الله تعالى فإنه العظيم المطلق لا بطريق الإضافة الغفور بمعنى الغفار ولكنه بشيء ينبئ عن نوع مبالغة لا ينبئ عنها الغفار فإن الغفار مبالغة في المغفرة بالإضافة إلى مغفرة متكررة مرة بعد أخرى فالفعال ينبئ عن كثرة الفعل والفعول ينبئ عن جودته وكماله وشموله فهو غفور بمعنى أنه تام المغفرة والغفران كاملها حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة والكلام عليه قد سبق الشكور هو الذي يجازي بيسير الطاعات كثير الدرجات ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعيما في الآخرة غير محدود ومن جازى الحسنة بأضعافها يقال إنه شكر تلك الحسنة ومن أثنى على المحسن أيضا يقال إنه شكر فإن نظرت إلى معنى الزيادة في المجازاة لم يكن الشكور المطلق إلا الله عز وجل لأن زياداته في المجازاة غير محصورة ولا محدودة فإن نعيم الجنة لا آخر له والله سبحانه وتعالى يقول كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية 69 سورة الحاقة الآية 24 وإن نظرت إلى معنى الثناء فثناء كل مثن على فعل غيره والرب عز وجل إذا أثنى على أعمال عباده فقد أثنى على فعل نفسه لأن أعمالهم من خلقه فإن كان الذي أعطى فأثنى شكورا فالذي أعطى وأثنى على المعطي أحق بأن يكون شكورا وثناء الله تعالى على عباده كقوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات 33 سورة الأحزاب الآية 35 وكقوله نعم العبد إنه أواب 38 سورة ص الآية 30 وما يجري مجراه فكل ذلك عطية منه تنبيه العبد يتصور أن يكون شاكرا في حق عبد آخر مرة بالثناء عليه بإحسانه إليه وأخرى بمجازاته بأكثر مما صنعه إليه وذلك من الخصال الحميدة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله وأما شكره لله عز وجل فلا يكون إلا بنوع من المجاز والتوسع فإنه إن أثنى فثناؤه قاصر لأنه لا يحصي ثناء عليه وإن أطاع فطاعته نعمة أخرى من الله عليه بل عين شكره نعمة أخرى وراء النعمة المشكورة وإنما أحسن وجوه الشكر لنعم الله عز وجل أن لا يستعملها في معاصيه بل في طاعته وذلك أيضا بتوفيق الله وتيسيره في كون العبد شاكرا لربه وتصور ذلك كلام دقيق ذكرناه في كتاب الشكر من كتاب إحياء علوم الدين فليطلب منه فإن هذا الكتاب لا يحتمله العلي

Sección V01/P105–V01/P108

هو الذي لا رتبة فوق رتبته وجميع المراتب منحطة عنه وذلك لأن العلي مشتق من العلو والعلو مأخوذ من العلو المقابل للسفل وذلك إما في درجات محسوسة كالدرج والمراقي وجميع الأجسام الموضوعة بعضها فوق بعض وإما في الرتب المعقولة للموجودات المرتبة نوعا من الترتيب العقلي فكل ما له الفوقية في المكان فله العلو المكاني وكل ما له الفوقية في الرتبة فله العلو في الرتبة والتدريجات العقلية مفهومة كالتدريجات الحسية ومثال الدرجات العقلية هو التفاوت الذي بين السبب والمسبب والعلة والمعلول والفاعل والقابل والكامل والناقص فإذا قدرت شيئا فهو سبب لشيء ثان وذلك الثاني سبب لثالث والثالث لرابع إلى عشر درجات مثلا فالعاشر واقع في الرتبة الأخيرة فهو الأسفل الأدنى والأول واقع في الدرجة الأولى من السببية فهو الأعلى ويكون الأول فوق الثاني فوقية بالمعنى لا بالمكان والعلو عبارة عن الفوقية فإذا فهمت معنى التدريج العقلي فاعلم أن الموجودات لا يمكن قسمتها إلى درجات متفاوتة في العقل إلا ويكون الحق سبحانه وتعالى في الدرجة العليا من درجات أقسامها حتى لا يتصور أن يكون فوقه درجة وذلك هو العلي المطلق وكل ما سواه فيكون عليا بالإضافة إلى ما دونه ويكون دنيا أو سافلا بالإضافة إلى ما فوقه ومثال قسمة العقل أن الموجودات تنقسم إلى ما هو سبب وإلى ما هو مسبب والسبب فوق المسبب فوقية بالرتبة فالفوقية المطلقة ليست إلا لمسبب الأسباب وكذلك ينقسم الموجود إلى ميت وحي والحي ينقسم إلى ما ليس له إلا الإدراك الحسي وهو البهيمة وإلى ما له مع الإدراك الحسي الإدراك العقلي والذي له الإدراك العقلي ينقسم إلى ما يعارضه في معلوماته الشهوة والغضب وهو الإنسان وإلى ما يسلم إدراكه عن معارضة المكدرات والذي يسلم ينقسم إلى ما يمكن أن يبتلى به ولكن رزق السلامة كالملائكة وإلى ما يستحيل ذلك في حقه وهو الله سبحانه وتعالى وليس يخفى عليك في هذا التقسيم والتدريج أن الملك فوق الإنسان والإنسان فوق البهيمة وأن الله عز وجل فوق الكل فهو العلي المطلق فإنه الحي المحيي العالم المطلق الخالق لعلوم العلماء المنزه المقدس عن جميع أنواع النقص فقد وقع الميت في الدرجة السفلى من درجات الكمال ولم يقع في الطرف الآخر إلا الله تعالى فهكذا ينبغي أن تفهم فوقيته وعلوه فإن هذه الأسامي وضعت أولا بالإضافة إلى إدراك البصر وهو درجة العوام ثم لما تنبه الخواص لإدراك البصائر ووجدوا بينها وبين الأبصار موازنات استعاروا منها الألفاظ المطلقة وفهمها الخواص وأدركوها وأنكرها العوام الذين لم يجاوز إدراكهم عن الحواس التي هي رتبة البهائم فلم يفهموا عظمة إلا بالمساحة ولا علوا إلا بالمكان ولا فوقية إلا به فإذا فهمت هذا فقد فهمت معنى كونه فوق العرش لأن العرش أعظم الأجسام وهو فوق جميع الأجسام والموجود المنزه عن التحديد والتقدر بحدود الأجسام ومقاديرها فوق الأجسام كلها في الرتبة ولكن خص العرش بالذكر لأنه فوق جميع الأجسام فلما كان فوقها كان فوق جميعها وهو كقول القائل الخليفة فوق السلطان تنبيها به على أنه إذا كان فوقه كان فوق جميع الناس الذين هم دون السلطان والعجب من الحشوي الذي لا يفهم من فوق إلا المكان ومع ذلك إذا سئل عن شخصين من الأكابر وقيل له كيف يجلسان في الصدر والمحافل فيقول هذا يجلس فوق ذاك وهو يعلم أنه ليس يجلس إلا بجنبه وإنما يكون جالسا فوقه لو جلس على رأسه أو مكان مبني فوق رأسه ولو قيل له كذبت ما جلس فوقه ولا تحته ولكنه جلس بجنبه اشمأزت نفسه من هذا الإنكار وقال إنما أعني به فوقية الرتبة والقرب من الصدر فإن الأقرب إلى الصدر الذي هو المنتهى فوق بالإضافة إلى الأبعد ثم لا يفهم من هذا أن كل ترتيب له طرفان يجوز أن يطلق على أحد طرفيه اسم الفوق والعلو وعلى الطرف الآخر ما يقابله تنبيه

Sección V01/P108–V01/P110

العبد لا يتصور أن يكون عليا مطلقا إذ لا ينال درجة إلا ويكون في الوجود ما هو فوقها وهو درجات الأنبياء والملائكة نعم يتصور أن ينال درجة لا يكون في جنس الإنس من يفوقه وهي درجة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه قاصر بالإضافة إلى العلو المطلق من وجهين أحدهما أنه علو بالإضافة إلى بعض الموجودات والآخر أنه علو بالإضافة إلى الوجود لا بطريق الوجوب بل يقارنه إمكان وجود إنسان فوقه فالعلي المطلق هو الذي له الفوقية لا بالإضافة وبحسب الوجوب لا بحسب الوجود الذي يقارنه إمكان نقيضه الكبير هو ذو الكبرياء والكبرياء عبارة عن كمال الذات وأعني بكمال الذات كمال الوجود وكمال الوجود يرجع إلى شيئين أحدهما دوامه أزلا وأبدا فكل وجود مقطوع بعدم سابق أو لاحق فهو ناقص ولذلك يقال للإنسان إذا طالت مدة وجوده إنه كبير أي كبير السن طويل مدة البقاء ولا يقال عظيم السن فالكبير يستعمل فيما لا يستعمل فيه العظيم فإن كان ما طال مدة وجوده مع كونه محدود مدة البقاء كبيرا فالدائم الأزلي الأبدي الذي يستحيل عليه العدم أولى أن يكون كبيرا والثاني أن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه وجود كل موجود فإن كان الذي تم وجوده في نفسه كاملا وكبيرا فالذي حصل منه الوجود لجميع الموجودات أولى أن يكون كاملا وكبيرا تنبيه الكبير من العباد هو الكامل الذي لا تقتصر عليه صفات كماله بل تسري إلى غيره فلا يجالسه أحد إلا ويفيض عليه شيئا من كماله وكمال العبد في عقله وورعه وعلمه فالكبير من عباده هو العالم التقي المرشد للخلق الصالح لأن يكون قدوة يقتبس من أنواره وعلومه ولذلك قال عيسى عليه السلام من علم وعمل فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء الحفيظ هو الحافظ جدا ولن يفهم ذلك إلا بعد فهم معنى الحفظ وهو على وجهين أحدهما إدامة وجود الموجودات وإبقاؤها ويضاده الإعدام والله تعالى هو الحافظ للسموات والأرض والملائكة والموجودات التي يطول أمد بقائها والتي لا يطول أمد بقائها مثل الحيوانات والنبات وغيرهما والوجه الثاني وهو أظهر المعنيين أن الحفظ صيانة المتعاديات والمتضادات بعضها عن بعض وأعني بهذا التعادي ما بين الماء والنار فإنهما يتعاديان بطباعهما فإما أن يطفئ الماء النار وإما أن تحيل النار الماء إن غلبت الماء بخارا ثم هواء والتضاد والتعادي ظاهر بين الحرارة والبرودة إذ تقهر إحداهما الأخرى وكذلك بين الرطوبة واليبوسة وسائر الأجسام الأرضية مركبة من هذه الأصول المتعادية إذ لا بد للحيوان من حرارة غريزية لو بطلت لبطلت حياته ولا بد له من رطوبة تكون غذاء لبدنه كالدم وما يجري مجراه ولا بد من يبوسة بها تتماسك أعضاؤه خصوصا ما صلب منها كالعظام ولا بد من برودة تكسر سورة الحرارة حتى تعتدل ولا تحرق ولا تحلل الرطوبات الباطنة بسرعة وهذه متعاديات متنازعات وقد جمع الله عز وجل بين هذه المتضادات المتنازعة في إهاب الإنسان وبدن الحيوانات والنبات وسائر المركبات ولولا حفظه تعالى إياها لتنافرت وتباعدت وبطل امتزاجها واضمحل تركيبها وبطل المعنى الذي صارت مستعدة لقبوله بالتركيب والمزاج وحفظ الله تعالى إياها بتعديل قواها مرة وبإمداد المغلوب منها ثانيا أما التعديل فهو أن يكون مبلغ قوة البارد مثل مبلغ قوة الحار فإذا اجتمعا لم يغلب أحدهما الآخر بل يتدافعان إذ ليس أحدهما بأن يغلب أولى من أن يغلب فيتقاومان ويبقى قوام المركب بتقاومهما وتعادلهما وهو الذي يعبر عنه باعتدال المزاج والثاني إمداد المغلوب منهما بما يعيد قوته حتى يقاوم الغالب ومثاله أن الحرارة تفني الرطوبة وتجففها لا محالة فإذا غلبت ضعفت البرودة والرطوبة وغلبت الحرارة واليبوسة ويكون إمداد الضعيف بالجسم البارد الرطب وهو الماء ومعنى العطش هو الحاجة إلى البارد الرطب فخلق الله تعالى البارد الرطب مددا للبرودة والرطوبة إذا غلبتا وخلق الأطعمة والأدوية وسائر الجواهر المتضادة حتى إذا غلب شيء عورض بضده فانقهر وهذا هو الإمداد وإنما تم ذلك بخلق الأطعمة والأدوية وخلق الآلات المصلحة لها وخلق المعرفة الهادية إلى استعمالها وكل ذلك لحفظ الله عز وجل أبدان الحيوانات والمركبات من المتضادات

Sección V01/P110–V01/P113

وهذه هي الأسباب التي تحفظ الإنسان من الهلاك الداخل وهو متعرض للهلاك من أسباب خارجة كسباع ضارية وأعداء متنازعة فحفظه من ذلك بما خلق له من الجواسيس المنذرة بقرب العدو وهي طلائعه كالعين والأذن وغيرهما ثم خلق له اليد الباطشة والأسلحة الدافعة كالدرع والترس والقاضية كالسيف والسكين ثم ربما يعجز مع ذلك عن الدفع فأمده بآلة الهرب وهي الرجل للحيوان الماشي والجناح للطائر وكذلك شمل حفظه جلت قدرته كل ذرة في ملكوت السموات والأرض حتى الحشيش الذي ينبت في الأرض يحفظ لبابه بالقشر الصلب وطراوته بالرطوبة وما لا يحفظ بمجرد القشر يحفظه بالشوك النابت منه ليندفع به بعض الحيوانات المتلفة له فالشوك سلاح النبات كالقرون والمخالب والأنياب للحيوانات بل كل قطرة من ماء فمعها ملك حافظ يحفظها عن الهواء المضاد لها فإن الماء إذا جعل في إناء وترك مدة استحال هواء وسلب الهواء المضاد له صفة المائية عنه ولو غمست الإصبع في ماء ورفعتها ونكستها تدلت منها قطرة ماء تبقى منكسة لا تنفصل مع أن من شأنها الهوي إلى أسفل ولكنها لو انفصلت وهي صغيرة استولى الهواء عليها وأحالها ولا تزال تمكث متدلية حتى يجتمع إليها بقية البلل فتكبر القطرة فتستجري على خرق الهواء بسرعة ولا يستولي الهواء على إحالتها وليس ذلك حفظا منها لنفسها عن معرفة بضعفها وقوة ضدها وحاجة استمدادها من بقية البلل وإنما ذلك حفظ من ملك موكل بها بواسطة معنى متمكن من ذاتها وقد ورد في الخبر أنه لا تنزل قطرة من المطر إلا ومعها ملك يحفظها إلى أن تصل إلى مستقرها من الأرض وذلك حق والمشاهدة الباطنة لأرباب البصائر قد دلت عليه وأرشدت إليه فآمنوا بالخبر لا عن تقليد بل عن بصيرة والكلام أيضا في شرح حفظ الله تعالى السموات والأرض وما بينهما طويل كما في سائر الأفعال وبه يعرف هذا الاسم لا بمعرفة الاشتقاق في اللغة وتوهم معنى الحفظ على الإجمال تنبيه الحفيظ من العباد من يحفظ جوارحه وقلبه ويحفظ دينه عن سطوة الغضب وخلابة الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان فإنه على شفا جرف هار وقد اكتنفته هذه المهلكات المفضية إلى البوار المقيت معناه خالق الأقوات وموصلها إلى الأبدان وهي الأطعمة وإلى القلوب وهي المعرفة فيكون بمعنى الرزاق إلا أنه أخص منه إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت والقوت ما يكتفى به في قوام البدن وإما أن يكون معناه المستولي على الشيء القادر عليه والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم وعليه يدل قوله عز وجل وكان الله على كل شيء مقيتا 4 سورة النساء الآية 85 أي مطلعا قادرا فيكون معناه راجعا إلى القدرة والعلم أما العلم فقد سبق وأما القدرة فستأتي ويكون بهذا المعنى وصفه بالمقيت أتم من وصفه بالقادر وحده وبالعالم وحده لأنه دال على اجتماع المعنيين وبذلك يخرج هذا الاسم عن الترادف الحسيب هو الكافي وهو الذي من كان له كان حسبه والله سبحانه وتعالى حسيب كل أحد وكافيه وهذا وصف لا تتصور حقيقته لغيره فإن الكفاية إنما يحتاج إليها المكفي لوجوده ولدوام وجوده ولكمال وجوده وليس في الوجود شيء هو وحده كاف لشيء إلا الله عز وجل فإنه وحده كاف لكل شيء لا لبعض الأشياء أي هو وحده كاف ليحصل به وجود الأشياء ويدوم به وجودها ويكمل به وجودها

Sección V01/P113–V01/P115

ولا تظنن أنك إذا احتجت إلى طعام وشراب وأرض وسماء وشمس وغير ذلك فقد احتجت إلى غيره ولم يكن هو حسبك فإنه هو الذي كفاك بخلق الطعام والشراب والأرض والسماء فهو حسبك ولا تظنن أن الطفل الذي يحتاج إلى أم ترضعه وتتعهده فليس الله حسيبه وكافيه بل الله عز وجل حسيبه وكافيه إذ خلق أمه وخلق اللبن في ثديها وخلق له الهداية إلى التقامه وخلق الشفقة والمودة في قلب الأم حتى مكنته من الالتقام ودعته إليه وحملته عليه فالكفاية إنما حصلت بهذه الأسباب والله تعالى وحده هو المتفرد بخلقها لأجله ولو قيل لك إن الأم وحدها كافية للطفل وهي حسبه لصدقت به ولم تقل إنها لا تكفيه لأنه يحتاج إلى اللبن فمن أين تكفيه الأم إذا لم يكن لبن ولكنك تقول نعم يحتاج إلى اللبن ولكن اللبن أيضا من الأم فليس محتاجا إلى غير الأم فاعلم أن اللبن ليس من الأم بل هو والأم من الله سبحانه وتعالى ومن فضله وجوده فهو وحده حسب كل أحد وليس في الوجود شيء وحده هو حسب شيء سواه بل الأشياء يتعلق بعضها ببعض وكلها تتعلق بقدرة الله سبحانه وتعالى تنبيه ليس للعبد مدخل في هذا الوصف إلا بنوع من المجاز بعيد وبالإضافة إلى بادئ الرأي وسابق الظن العامي أما كونه مجازا فهو أنه إن كان كافيا لطفله في القيام بتعهده أو لتلميذه في تعليمه حتى لم يفتقر إلى الاستعانة بغيره كان واسطة في الكفاية ولم يكن كافيا لأن الله سبحانه وتعالى هو الكافي إذ لا قوام له بنفسه ولا كفاية له بنفسه فكيف يكون هو كفاية غيره وأما كونه بالإضافة إلى سابق الظن هو أنه وإن قدر أنه مستقل بالكفاية وليس بواسطة فهو وحده لا يكفي إذ يحتاج إلى محل قابل لفعله وكفايته وهذا أقل الأمور فالقلب الذي هو محل العلم لا بد منه أولا ليكون هو كافيا في التعليم والمعدة التي هي مستقر الطعام لا بد منها لتكون كافية بإيصال الطعام إلى بدنه وهذا مع ما يحتاج إليه من أمور كثيرة لا يحصيها ولا يدخل شيء منها في اختياره فأقل درجات الفعل حاجته إلى فاعل وقابل فالفاعل لا يكفي دون القابل أصلا وإنما صح هذا في حق الله عز وجل لأنه خالق الفعل وخالق المحل القابل وخالق شرائط قبوله وما يكتنفه ولكن بادئ الرأي ربما يسبق إلى الفاعل ولا يخطر بالبال غيره فيظن أن الفاعل حسبه وحده وليس كذلك نعم الحظ الذي منه للعبد أن يكون الله وحده حسبه بالإضافة إلى همته وإرادته وهو أنه لا يريد إلا الله عز وجل فلا يريد الجنة ولا يشغل قلبه بالنار ليحذر منها بل يكون مستغرق الهم بالله تعالى وحده وإذا كاشفه بجلاله قال ذلك حسبي فلست أريد غيره ولا أبالي فاتني غيره أم لم يفت الجليل هو الموصوف بنعوت الجلال ونعوت الجلال هي العز والملك والتقدس والعلم والغنى والقدرة وغيرها من الصفات التي ذكرناها فالجامع لجميعها هو الجليل المطلق والموصوف ببعضها جلالته بقدر ما نال من هذه النعوت فالجليل المطلق هو الله عز وجل فقط فكأن الكبير يرجع إلى كمال الذات والجليل إلى كمال الصفات والعظيم يرجع إلى كمال الذات والصفات جميعا منسوبا إلى إدراك البصيرة إذا كان بحيث يستغرق البصيرة ولا تستغرقه البصيرة