Qur'an&Sunnah

İbn Cevzî — Sıfatü's-Safve

Sección V02/P057–V02/P060

عن المسعودي عن عون بن عبد الله أنه كان يقول في بكائه وذكر خطيئته: ويح نفسي، بأي شيء لم أعص ربي؟ ويحي إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها عندي، ويحي كيف أنسى الموت ولا ينساني؟ ويحي إن حجبت يوم القيامة عن ربي، ويحي كيف أغفل ولا يغفل عني؟ أم كيف تهنئني معيشتي واليوم الثقيل ورائي؟ أم كيف لا تطول حسرتي ولا أدري ما يفعل بي؟ أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري، أم كيف أجمع بها وفي غيرها قراري؟ أم كيف تعظم فيها رغبتي والقليل فيها يكفيني؟ أم كيف أوثرها وقد أضرت بمن آثرها قبلي؟ أم كيف لا أبادر بعملي قبل أن يغلق باب توبتي؟ أم كيف يشتد إعجابي بما يزايلني وينقطع عني؟ أم كيف لا يكثر بكائي ولا أدري ما يراد بي؟ أم كيف تقر عيني مع ذكر ما سلف مني؟ أم كيف تطيب نفسي مع ذكر ما هو أمامي؟ ويحي هل ضرب غفلتي أحدا سواي؟ أم هل يعمل لي غيري عن ضيعت حظي؟ ويحي كأنه قد تصرم أجلي ثم أعاد ربي خلقي كما بدأني، ثم وقفني وسألني، ثم أشهدت الأمر الذي أذهلني وشغلت بنفسي من غيري، وسارت الجبال وليس لها مثل خطيئتي، وجمع الشمس والقمر وليس عليهما مثل حسابي، وانكدرت النجوم وليست تطلب بما عندي، وحشرت الوحوش ولم تعمل مثل عملي، وشاب الوليد وهو أقل ذنبا مني، ويحي ما أشد حالي وأعظم خطري، فاغفر لي واجعل طاعتك همتي ولا تعرض عني يوم تعرض، ولا تفضحني بسرائري ولا تخذلني بكثرة فضائحي، بأي عين أنظر إليك وقد علمت سرائري؟ وكيف أعتذر إليك إذا ختمت على لساني ونطقت جوارحي بكل الذي كان مني، إلهي أنا الذي ذكرت ذنوبي لم تقرعيني، أنا تائب إليك فاقبل ذلك مني، ولا تجعلني لنار جهنم وقودا بعد توحيدي وإيماني برحتمك. المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: ما أحد ينزل الموت حق منزلته إلا عد غدا ليس من أجله، كم من مستقبل يوما لا يستكمله، وراج غدا لا يبلغه، لو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره. عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله قال: إن تمام التقوى أن تبتغي إلى ما قد علمت منها علم ما لم تعلم، وإن النقص فيما قد علمت ترك ابتغاء الزيادة فيه، وإنما يحمل الرجل على ترك ابتغاء الزيادة قلة الانتفاع بما قد علم. عن زيد العمي، عن عون بن عبد الله قال: كان أهل الخير يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات الثلاث ويلقى بها بعضهم بعضا: من عمل لآخرته كفاه الله عز وجل دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الناس، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته. أبي المحجل الأسدي قال: قال عون بن عبد الله: قلب التائب بمنزلة الزجاجة يؤثر فيها جميع ما أصابها، فالموعظة إلى قلوبهم سريعة، وهم إلى الرقة أقرب، فداووا القلوب بالتوبة، فلرب تائب دعته توبته إلى الجنة حتى أوفدته عليها، وجالسوا التوابين، فإن رحمة الله إلى التوابين أقرب. عن أبي معشر قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس أبي حازم يبكي ويمسح وجهه بدموعه. فقيل له: لم تمسح وجهك بدموعك؟ قال: بلغني أنه لا تصيب دموع الإنسان مكانا من جسده إلا حرم الله عز وجل ذلك المكان على النار. قال المؤلف: أدرك عون بن عبد الله جماعة من الصحابة. وسمع من ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة. وجمهور روايته عن أبيه. 420- أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ولد في ولاية عثمان، عن مغيرة قال: كنت إذا رأيت أبا إسحاق ذكرت به الصدر الأول. أبو بكر بن عياش قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ذهبت الصلاة مني وضعفت ورق عظمي، إني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا البقرة وآل عمران. العلاء بن سام العبدي قال: ضعف أبو إسحاق عن القيام فكان لا يقدر أن يقوم إلى الصلاة حتى يقام، فإذا أقاموه فاستتم قائما قرأ ألف آية وهو قائم.

Sección V02/P060–V02/P062

سفيان قال: كان أبو إسحاق يقوم ليل الصيف كله، وأما الشتاء فأوله وآخره، وبين ذلك هجعة. عن سفيان قال: قال أبو إسحاق: أما أنا فإذا استيقظت لم أقلها. قال المؤلف: أدرك أبو إسحاق خلقا كثيرا من الصحابة، واسند عن ثلاثة وعشرين منهم، وسمع من علي بن أبي طالب وسعيد بن زيد وابن عمر، وأسامة، وابن الزبير، وانفرد بالرواية عن ثلاثة من الصحابة لم يرو عنهم غيره؛ أحدهم عبدة ابن حزن ويقال: عبيدة ويقال: بشر ويقال: نصر. والثاني: كدير الضبي، والثالث: مطر بن عكامس، فهؤلاء الثلاثة عدهم جماعة من أهل العلم في الصحابة، وأبي قوم أن يكون لهم صحبة. وتوفي أبو إسحاق في سنة ثمان وعشرين ومائة وقيل تسع وعشرين وهو ابن ثمان أو تسع وتسعين سنة. 421- عمرو بن مرة الجملي من مراد. قراد قال: سمعت شعبة يقول: ما رأيت بالكوفة شيخا خيرا من زبيد الأيامي، وما رأيت عمرو بن مرة في صلاته إلا ظننت أنه لا ينصرف حتى يستجاب له. سفيان قال: قلت لمعمر: من أفضل من رأيت؟ قال: ما يخيل إلي أني رأيت أحدا أفضله على عمرو بن مرة، ما رأيته قط يدعو إلا قلت: يستجاب له. عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة قال: من طلب الآخرة أضر بالدنيا، ومن طلب الدنيا أضر بالآخرة، فأضروا بالفاني للباقي. سعيد بن سنان قال: قال عمرو بن مرة ما أحب أني بصير، إني أذكر أني نظرت نظرة وأنا شاب. عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة قال: نظرت إلى امرأة فأعجبتني فكف بصري فأرجو أن يكون ذلك كفارة. سلام بن سليم قال: كنت أقرأ على عمرو بن مرة، فكنت أسمعه كثيرا يقول: اللهم اجعلني ممن يعقل عنك. مسعر قال: سمعت عبد الملك بن ميسرة يقول ونحن في جنازة عمرو بن مرة: إني لأحسبه خير أهل الأرض. قال المصنف: أسند عمرو عن عبد الله بن أبي أوفى وعن خلق من كبار التابعين. وتوفي سنة ست عشرة ومائة، وقيل سنة ثمان عشرة. 422- حبيب بن أبي ثابت الأسدي مولى لبني كاهل - واسم أبي ثابت: قيس بن دينار. أبو بكر بن عياش قال: رأيت حبيب بن أبي ثابت ساجدا، فلو رأيته قلت ميت، يعني من طول السجود، عن كامل أبي العلاء قال: أنفق حبيب بن أبي ثابت على القراء مائة ألف. سفيان قال: قال حبيب بن أبي ثابت ما استقرضت من أحد شيئا أحب إلي من نفسي، أقول لها أمهلي حتى تجيء من حيث أحب. قال المؤلف: أسند حبيب عن عمر وابن عباس وجابر وحكيم بن حزام وأنس بن مالك وابن أبي أوفى في آخرين وتوفي سنة تسع عشرة ومائة. 423- مجمع بن يسار أبو حمزة التيمي. أبو الربيع الواسطي قال: سمعت حفص بن غياث يقول: دخل سفيان الثوري على مجمع التيمي فإذا في إزار سفيان خرق. قال: فأخذ أربعة دراهم فناول سفيان فقال: اشتر به إزارا. فقال سفيان: لا أحتاج إليها. قال مجمع: صدقت، أنت لا تحتاج ولكني أحتاج. قال: فأخذها فاشترى بها إزارا فكان سفيان يقول: كساني مجمع جزاه الله خيرا. وقال سفيان: ليس شيء من عمل أرجو أن يشوبه شيء كحبي مجمعا التيمي. سفيان قال: خلف لنا أبو حيان التيمي وما مر من عمله شيء أوثق في نفسه من حبه مجمعا التيمي. أبو بكر بن عياش قال: رأيت مجمعا التيمي في سوق الغنم فقالوا له: كيف شاتك هذه؟ قال: ما أرضاها. قال أبو بكر: ومن كان أورع من مجمع؟ سفيان قال: قال مسعر: جاء مجمع بشاة إلى السوق يبيعها فقال: يخيل إلي أن في لبنا ملوحة. عن الأعمش، عن مجمع، أنه نزل عليه ضيف فما سأله من أين جئت؟ وما جاء بك؟ حتى خرج من عنده.

Sección V02/P062–V02/P064

قال المؤلف: لا نعلم مجمعا أسند شيئا إلا أنه قد روى عن ماهان الزاهد، وروى عنه أبو حيان التيمي وسفيان الثوري، وقال أبو حاتم الرازي: دعا مجمع ربه عز وجل أن يميته قبل الفتنة. فمات من ليلته، وخرج زيد بن علي من الغد. 424- الربيع بن أبي راشد ويكنى أبا عبد الله. عمر بن ذر قال: كنت إذا رأيت الربيع بن أبي راشد كأنه مخمار من غير شراب. عن خلف بن حوشب قال: كنت مع الربيع بن أبي راشد في الجبانة قرأ رجل: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} الآية، فقال الربيع: حال ذكر الموت بيني وبين كثير من مما أريد من التجارة، فلو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لخشيت أن يفسد علي قلبي، ولولا أن أخالف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت. عن خلف بن حوشب قال: قال الربيع بن أبي راشد: اقرأ علي {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} فقرأتها عليه فبكى ثم قال: والله لولا أن تكون بدعة لسحت أو قال: لهمت - في الجبال. عمر بن ذر قال: قال الربيع بن أبي راشد، ورأى رجلا مريضا يتصدق بصدقة فقسمها بين جيرانه، فقال: الهدايا إمام الزيارة. فلم يلبث الرجل إلا أياما حتى مات. فبكى عند ذلك الربيع وقال: أحسن والله بالموت وعلم أنه لا ينفعه من ماله إلا ما قدم بين يديه. عن مالك بن مغول قال: قال الربيع بن أبي راشد: لولا ما يأمل المؤمنون من كرامة الله عز وجل لهم بعد الموت لانشقت في الدنيا مرائرهم، ولتقطعت أجوافهم. عن سفيان قال: لم يكن بالكوفة رجل أكثر ذكرا للموت من الربيع بن أبي راشد إن كان الربيع من الموت لعلى حذر. قال المؤلف: أسند الربيع عن منذر الثوري، وسمع من سعيد بن جبير، وفي حديثه قلة. 425- عبدة بن أبي لبابة مولى قريش. يكنى أبا القاسم، عن الأوزاعي عن عبدة قال: إن أقرب الناس من الرثاء آمنهم له. وعن عبيدة قال: إذا ختم الرجل القرآن نهارا صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وإذا ختم القرآن ليلا صلت عليه الملائكة حتى يصبح. عقبة بن علقمة قال: سمعت الأوزاعي يقول: كان عبدة إذا كان في المسجد لم يذكر شيئا من أمر الدنيا. قال المؤلف: أدرك عبدة عبد الله بن عمر وسمع منه. 426- محمد بن جحادة الأودي مولى لبني أود. عن سفيان قال: كان محمد بن جحادة من العابدين، وكان يقال إنه لا ينام من الليل إلا أيسره، قال: فرأت امرأة من جيرانه كأن حللا فرقت على أهل مسجدهم لما انتهى الذي يفرقها إلى محمد بن جحادة دعا بسفط مختوم أخرج منه حلة صفراء. قالت: فلم يقم لها بصري فكساه إياها وقال له: هذه لك بطول السهر. قالت تلك المرأة: فوالله لقد كنت أراه بعد ذلك فأخالها عليه. روى محمد بن جحادة عن أبي صالح وروى عنه الثوري. ومن الطبقة الرابعة 427- منصور بن المعتمر السلمي يكنى أبا عتاب. عن زائدة بن قدامة قال: صام منصور بن المعتمر أربعين سنة قام ليلها وصام نهارها، وكان الليل يبكي فتقول له أمه: يا بني أقتلت قتيلا؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي قال: فإذا أصبح كحل عينيه ودهن رأسه وبرق شفتيه وخرج إلى الناس. فأخذه يوسف بن عمر عامل الكوفة يريده على القضاء فامتنع. قال: فجاءه خصمان فقعدا بين يديه فلم يسألهما ولم يكلمهما. وقيل ليوسف بن عمر: إنك لو نثرت لحمه لم يل لك قضاء فخلى عنه. قال المؤلف: هكذا في هذه الرواية صام أربعين سنة - وفي رواية أخرى عن زائدة: صام سنة - وفي رواية: صام ستين سنة. أبو عوانة قال: لما أجلس منصور بن المعتمر في القضاء كان يأتيه الرجل فيقص عليه، فيقول: قد فهمت ما قلت ولا أدري ما الجواب فيه فكان يفعل ذلك فذكروا ذلك لابن هبيرة، وكان هو الذي ولاه. فقال: هذا أمر لا يصلح إلا أن يعين عليه صاحبه بشهوة فتركه.

Sección V02/P064–V02/P067

أبو بكر بن عياش قال: ربما كنت مع منصور في منزله جالسا فتصيح به أمه، وكانت فظة غليظة. فتقول: يا منصور يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبى عليه؟ وهو واضح لحيته على صدره ما يرفع طرفه إليها. حسن بن صالح قال: كان منصور في الديوان قال له إنسان: ناولني الطين أختم به. قال: أرني كتابك حتى أنظر أي شيء فيه؟. العلاء بن سالم العبدي قال: كان منصور، يعني ابن المعتمر، يصلي في سطحه. فلما مات قال غلام لأمه: يا أماه الجذع الذي كان في سطح آل فلان ليس أراه. قالت: يا بني ليس ذاك بجذع، ذاك منصور قد مات. أبو بشر قال: كانت جارة لمنصور بن المعتمر، وكان لها ابنتان لا تصعدان السطح إلا بعد ما ينام الناس، فقالت إحداهما ذات ليلة: يا أمتاه، ما فعلت القائمة التي كنت أراها في سطح فلان؟ فقالت: يا بنية لم تكن تلك قائمة إنما كان منصور يحيي الليل كله في ركعة لا يسجد فيها ولا يركع. قال أبو الأحوص: إن منصور بن المعتمر كان إذا جاء الليل اتزر وارتدى إن كان صيفا، وإن كان شتاء التحف فوق ثيابه ثم قام إلى محرابه كأنه خشبة منصوبة حتى يصبح. زائدة بن قدامة قال: كان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت: رجل قد أصيب بمصيبة منكس الطرف، منخفض الصوت، رطب العينين، إن حركته جاءت عيناه بأربع. ولقد قالت له أمه يوما: ما هذا الذي تصنع بنفسك؟ تبكي الليل عامته لا تكاد تسكت. لعلك يا بني أصبت نفسا لعلك قتلت قتيلا. قال: فيقول: يا أماه أنا أعلم ما صنعت بنفسي. عن سفيان قال: كانوا يقولون في ذلك الزمان: إن أطول أهل الكوفة تهجدا طلحة وزبيد وعبد الجبار بن وائل، قال الحميدي: فقلت: فمنصور؟ قال: نعم إنما كان الليل عنده مطية من المطايا متى شئت أصبته قد ارتحله. سفيان بن عيينة، وذكر منصور بن المعتمر، فقال: قد كان عمش من البكاء. عن الثوري قال: لو رأيت منصورا يصلي لقلت يموت الساعة. خلف بن تميم قال: سمعت أبي تميم بن مالك يقول: كان منصور بن المعتمر إذا صلى الغداة أظهر النشاط لأصحابه فيحدثهم ويكثر إليهم، ولعله إنما بات قائما على أطرافه، كل ذلك ليخفي عليهم العمل. عن أبي عمار قال: سمعت عطاء بن جبلة يقول: سألوا أم منصور بن المعتمر عن عمله، فقالت: كان ثلث الليل يقرأ، وثلثه يبكي وثلثه يدعو. جرير قال: صام منصور وقام فكان يأكل فيرى الطعام في مجراه. ابن عيينة قال: رأيت منصور بن المعتمر في المنام فقلت: ما فعل الله بك قال: كدت ألقى بعمل نبي. قال سفيان: إن منصورا أقام ستين سنة. يقوم ليلها ويصوم نهارها. قال المؤلف: أدرك منصور بن المعتمر أنس بن مالك، وروى عنه، ورأى ابن أبي أوفى، وروى عن جماعة من التابعين، كالأعمش، وسليمان التيمي، وأيوب السختياني. وتوفي في سنة اثنتين وثلاثين ومائة. 428- ضرار بن مرة الشيباني يكنى أبا سنان شهاب الدين بن عباد قال: قال أصحابنا: كان البكاؤون بالكوفة أربعة: ضرار بن مرة، وعبد الملك بن أبجر، و محمد بن سوقة، ومطرف بن طريف. وكان ضرارا قد حفر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة، فكان يأتيه فيختم فيه القرآن. محمد بن فضيل قال: كان ضرار حفر في بيته قبرا كان يتعبد فيه. المحاربي قال: كان ضرار بن مرة ومحمد بن سوقة إذا كان يوم الجمعة طلب كل واحد منهما صاحبه، فإذا اجتمعا جلسا يبكيان، عبد الله بن الأجلح قال: كان ضرار بن مرة يقول لنا: لا تجيئوني جماعة ولكن ليجيء الرجل وحده فإنكم إذا اجتمعتم تحدثتم، وإذا كان الرجل وحده لم يخل من أن يدرس جزأه أو يذكر ربه. أبو سنان قال: قال إبليس: إذا استمكنت من ابن آدم ثلاثا أصبت منه حاجتي: إذا نسي ذنوبه، واستكثر عمله، وأعجب برأيه. قال المصنف: أسند ضرار عن سعيد بن جبير وغيره. 429- محمد بن سوقة مولى بجيلة، يكنى أبا بكر وكان سوقة بزازا.

Sección V02/P067–V02/P069

قال سفيان: ما بقي أحد يدفع به عن أهل الكوفة إلا ابن سوقة، كانت عنده عشرون ومائة ألف فقدمها. قال العباس: وسمعت شهاب بن عباد قال: دخل رجل بيت محمد بن سوقة فرأى على الباب ستر مسح، فجعل ينظر إليه، ففطن ابن سوقة فقال: لعلك ترى أني ندمت، لا ما ندمت. سفيان بن عيينة قال: نزل محمد بن المنكدر على محمد بن سوقة بالكوفة فحمله على حمار، فسألوه فقالوا: يا عبد الله أي العمل أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن. قالوا: فما بقي مما يستلذ؟ قال: الإفضال على الإخوان. عن مهدي بن سابق قال: طلب ابن أخي محمد بن سوقة منه شيئا فبكى فقال له: والله يا عم لو علمت أن مسألتي تبلغ منك هذا ما سألتك قال: ما بكيت لسؤالك إنما بكيت لأني لم أبتدئك قبل سؤالك. عن فضيل بن عياض، عن محمد بن سوقة قال: أمران لو لم نعذب إلا بهما لكنا مستحقين بهما لعذاب الله: أحدنا يزاد الشيء من الدنيا فيفرح فرحا ما علم الله أنه فرحه بشيء زاده قط في دينه، وينقص الشيء من الدنيا فيحزن عليه حزنا ما علم أنه حزنه على شيء نقصه قط في دينه. قال المؤلف: أدرك محمد بن سوقة عن أنس بن مالك، وأبا الطفيل، وعامة روايته عن كبار التابعين. 430- سليمان بن مهران الأعمش الأسدي يكنى أبا محمد مولى لبني كاهل. عن عيسى بن يونس قال: ما رأينا في زماننا مثل الأعمش، ما رأيت الأغنياء والسلاطين في مجلس أحد أحقر منهم في مجلس الأعمش وهو محتاج إلى درهم. وكيع قال: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم يفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه قريبا من سبعين فما رأيته يقضي ركعة. إبراهيم بن عرعرة قال: سمعت يحيى القطان إذا ذكر الأعمش قال: كان من النساك، وكان محافظا على الصلاة في الجماعة وعلى الصف الأول. قال يحيى: وهو علامة الإسلام. الوليد بن صالح الطائي قال: قال الأعمش: إني لأحب أن أعافى في إخواني لأنهم إن بلوا بليت معهم إما بالمواساة وفيها مؤونة، وإما بالخذلان وفيه عار. سفيان قال: لو رأيت الأعمش لقلت: مسكين. أبو بكر بن عياش قال: دخلت على الأعمش في مرضه الذي توفي فيه فقلت: أدعو لك طبيبا؟ فقال: ما أصنع به؟ فوالله لو كانت نفسي في يدي لطرحتها في الحش، إذا أنا مت فلا تؤذنن بي أحدا واذهب بي فاطرحني في لحدي. قال المؤلف: أدرك الأعمش جماعة من الصحابة وعاصرهم، ورأى أنس بن مالك، وسمعه يقرأ، ولم يحمل عنه شيئا مرفوعا، وأرسل عن ابن أبي أوفى. الفضل بن دكين ووكيع قالا: ولد الأعمش يوم قتل الحسين، وذلك يوم عاشوراء سنة ستين، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقد قال يحيى بن عيسى الرملي: ولد سنة ثمان وخمسين. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة سبع وأربعين ومائة. 431- أبو حيان بن سعيد التيمي سمع من الشعبي وكان ثقة صالحا. عبد الله بن إدريس قال: ما رأيت الليل على أحد من الناس أخف منه على أبي حيان التيمي، صحبناه مرة إلى مكة، فكان إذا أظلم الليل فكأنه مثل هذه الزنابير إذا هيجت من عشها. 432- معروف بن واصل التيمي أحمد بن عبد الله بن يونس قال: كان معروف إمام مسجد بني عمرو بن سعد، وكان يختم القرآن في كل ثلاث سفرا وحضرا. أم قومه ستين سنة لم يسه في صلاة قط لأنها كانت تهمه. 433- موسى بن أبي عائشة يكنى أبا بكر، مولى آل جعدة بن هبيرة الكوفي، جرير بن عبد الحميد قال: رأيت موسى بن أبي عائشة، وإذا رأيته ذكرت الله لرؤيته وكان بين عينيه أثر السجود. أبو بكر القرشي قال: أخبرني إسحاق بن إسماعيل قال: أخبرنا سفيان قال: أخبروني عن عمرو بن قيس قال: ما رفعت رأسي بليل قط إلا رأيت موسى بن أبي عائشة قائما يصلي. قال القرشي وقال غير إسحاق: وكان يدعى المتهجد، من شدة تغير لونه.

Sección V02/P069–V02/P071

قال المؤلف: رأى عمرو بن حريث، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد، وعبيد الله بن عبد الله، في آخرين، وروى عنه الثوري، وكان يثني عليه. 434- خلف بن حوشب عن عبد السلام بن حرب قال: ما رأيت أصبر على السهر من خلف بن حوشب، سافرت معه إلى مكة فما رأيته نائما بليل حتى رجعنا إلى الكوفة. 435- كرز بن وبرة كوفي الأصل، إلا أنه سكن جرجان، محمد بن فضيل بن غزوان عن أبيه قال: دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا عند مصلاه حفيرة وقد ملأها تبنا وبسط عليها كساء من طول القيام، وكان يقرأ القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات. قال: أنبأ محمد بن فضيل، عن أبيه، أو عن نفسه قال: كان كرز، إذا خرج، يأمر بالمعروف فيضربونه حتى يغشى عليه. عن شبرمة قال: صحبنا كرزا الحارثي فكنا إذا نزلنا إلى الأرض فإنما هو قائل ببصره هكذا، ينظر، فإذا رأى بقعة تعجبه ذهب فصلى فيها حتى يرتحل. قال ابن شبرمة: سأل كرز بن وبرة ربه عز وجل أن يعطيه اسمه الأعظم على أن لا يسأل به شيئا من الدنيا. فأعطاه ذلك فسأل الله عز وجل أن يقوى حتى يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات. خلف بن تميم قال: سمعت أبي يذكر قال: قدم علينا كرز بن وبرة الحارثي من جرجان، فانجفل إليه قراء أهل الكوفة فكنت فيمن أتاه وما سمعت منه إلا كلمتين. قال: صلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم فإن صلاتكم تعرض عليه. وقال: اللهم اختم لنا بخير، وما رأيت في هذه الأمة أعبد من كرز، كان لا يفتر، وكان يصلي في المحمل فإذا أنزل من المحمل افتتح الصلاة. عن صبيح مولى كرز بن وبرة قال: أخبرني أبو سليمان المكتب قال: صحبت كرزا إلى مكة فكان إذا نزل أدرج ثيابه فألقاها في الرحل ثم تنحى للصلاة، فإذا سمع رغاء الإبل أقبل. قال: فاحتبس يوما عن الوقت وانبث أصحابه في طلبه، فكنت فيمن طلبه، قال فأصبته في وهدة يصلي في ساعة حارة، وإذا سحابة تظله، فلما رآني أقبل نحوي فقال: يا أبا سليمان لي إليك حاجة قلت: وما حاجتك؟ قال: أحب أن تكتم ما رأيت. قال: قلت: ذلك لك. قال: أوثق لي، فحلفت أن لا أخبر به أحدا حتى يموت. محمد بن فضيل قال: سمعت أبي يقول: لم يرفع كرز بن وبرة رأسه إلى السماء منذ أربعين سنة. عمرو بن حميد قال: أخبرني رجل من أهل جرجان قال: لما مات كرز رأى رجل فيما يرى النائم كأن أهل القبور جلوس على قبورهم، وعليهم ثياب جدد، فقيل لهم: ما هذا؟ فقالوا، إن أهل القبور كسوا ثيابا جددا لقدوم كرز عليهم. أبو داود الحفري قال: دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا هو يبكي فقيل له ما يبكيك؟ قال: إن بابي لمغلق، وإن ستري لمسبل، ومنعت جزئي أن أقرأه البارحة، وما هو إلا من ذنب أذنبته. قال المؤلف: اسند كرز عن طاوس، وعطاء، والربيع بن خيثم، والقرظي في آخرين. 436- أبو يونس القوي واسمه الحسن بن يزيد العجلي، إسماعيل بن زبان قال: إنما سمي أبو يونس العجلي القوي لقوته على العبادة، صلى حتى أقعد، وبكى حتى عمي، وصام حتى صار كالحشفة. وقال البخاري: قال أبو عاصم: قدم علينا أبو يونس فطاف في يوم واحد سبعين طوافا. وسمع أبو يونس من أبي سلمة، وسعد بن جبير، ومجاهد. 437- عبد الملك بن سعيد بن أبجر المتطيب. الوليد بن شجاع قال: حدثني أبي قال: كان ابن أبجر، من شدة التوقي، يقول من لا يعرفه، إنه عيي وما به إلا شدة التوقي. الوليد بن شجاع قال: حدثني أبي قال: كان ابن أبجر من شدة التوقي إنما يتكلم بالمعاريض. عن السليط بن بسطام التميمي. قال: قال لي أبي: ألزم عبد الملك بن أبجر فتعلم من توقيهفي الكلام، فما أعلم بالكوفة أشد حفظا للسانه منه.

Sección V02/P071–V02/P073

عن جعفر الأحمر قال: كان أصحابنا البكاؤون أربعة: عبد الملك بن أبجر، ومحمد بن سوقة، ومطرف بن طريف، وضرار بن مرة. سفيان قال: قال سلمة بن كهيل: ما بالكوفة أحد أحب أن أكون في مسلاخه أحب إلي من ابن أبجر. سفيان الثوري قال: خمسة من أهل الكوفة يزدادون في كل يوم خيرا منهم ابن أبجر. عن عبد الملك بن أبجر قال: ما من الناس إلا مبتلى بعافية لينظر كيف شكره أو مبتلى ببلية لينظر كيف صبره. قال المؤلف: أسند ابن أبجر عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وعن زر بن حبيش والشعبي، في جماعة نظرائهم. 438- عمرو بن قيس الملائي إسحاق بن خف قال: أقام عمرو بن قيس الملائي عشرين سنة صائما ما يعلم به أهله يأخذ غداءه ويغدو إلى الحانوت فيتصدق بغذائه ويصوم، وأهله لا يدرون. قال: وكان إذا حضرته الرقة يحول وجهه إلى الحائط ويقول لجلسائه: هذا الزكام، وإذا نظر إلى أهل السوق قال: ما أغفل هؤلاء عما أعد لهم. مفضل بن غسان قال: قال عمرو: حديث أرقق به قلبي وأتبلغ به إلى ربي عز وجل أحب غلي من خمسين قضية من قضايا شريح. أبو خالد الأحمر قال: سمعت عمرو بن قيس الملائي يقول: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله. عبد الرحمن بن الحكم بن بشير بن سليمان قال: أنبأ أبي قال: رأيت سفيان يجيء إلى عمرو بن قيس يجلس بين يديه ينظر إليه لا يكاد يصرف بصره عنه. أظنه يحتسب في ذلك. صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي قال: حدثني أبي عن أبيه عبد الله قال: جاءت امرأة إلى عمرو بن قيس بثوب فقالت: يا أبا عبد الله اشتر هذا الثوب واعلم أن غزله ضعيف. قال: فكان إذا جاءه إنسان يعرضه عليه، قال: إن صاحبته أخبرتني أنه كان في غزله ضعف حتى جاء رجل فاشتراه وقال: هذا برأناك منه. عمر بن حفص بن غياث قال: لما احتضر عمرو بن قيس الملائي بكى، فقال أصحابه: على ما تبكي من الدنيا؟ فوالله لقد كنت تبغض العيش أيام حياتك، فقال: والله ما أبكي على الدنيا إنما أبكي خوفا أن أحرم خوف الآخرة. المحاربي قال: قال لي سفيان: عمرو بن قيس هو الذي أدبني، علمني قراءة القرآن وعلمني الفرائض، وكنت أطلبه في سوقه فإن لم أجده في سوقه وجدته في بيته إما يصلي وإما يقرأ في المصحف، كأنه يبادر أمورا تفوته، فإن لم أجده في بيته وجدته في بعض مساجد الكوفة في زاوية من زوايا المسجد كأنه سارق قاعدا يبكي. فإن لم أجده وجدته في المقبرة قاعدا ينوح على نفسه. فلما مات عمرو بن قيس أغلق أهل الكوفة أبوابهم وخرجوا بجنازته. فلما خرجوا إلى الجبان وبرزوا بسريره، وكان أوصى أن يصلي عليه أبو حيان التيمي، تقدم أبو حيان وكبر عليه أربعا، وسمعوا صائحا يصيح: قد جاء المحسن. وإذا البرية مملوءة من طير أبيض لم ير على خلقتها وحسنها. فجعل الناس يعجبون من حسنها وكثرتها. فقال أبو حيان: من أي شيء تعجبون؟ هذه الملائكة جاءت فشهدت عمرا. عن عبد الله بن سعيد الجعفي قال: حضرنا جنازة عمرو بن قيس فحضره قوم كثير عليهم ثياب بيض، فلما صلي عليه ذهبوا فلم نرهم. محمد بن يزيد الرفاعي قال: سمعت من لا أحصى كثرة يقول: مات عمرو بن قيس بناحية فارس، فاجتمع على جنازته ما لا يحصى، فلما دفن نظروا فلم يجدوا أحدا. أبو خالد، وهو الأحمر، قال: لما مات عمرو بن قيس الملائي رأوا الصحراء مملوءة رجالا عليهم ثياب بيض فلما صلي عليه ودفن لم نر في الصحراء أحدا. فبلغ ذلك أبا جعفر فقال لابن شبرمة وابن أبي ليلى: ما منعكما أن تذكرا هذا الرجل؟ فقالا: كان يسألنا أن لا نذكره لك. قال المؤلف: سمع عمرو من عكرمة، وعطاء، والمنهال بن عمرو، وأبي إسحاق السبيعي، وابن المنكدر، في خلق كثير من التابعين، وتوفي بسجستان، ويقال بالكوفة، ويقال بالشام، ويقال ببغداد. والله أعلم. 439- عطوان بن عمرو التميمي

Sección V02/P073–V02/P075

عن سليمان بن حيان، أبو خالد الأحمر، قال: كان عطوان بن عمرو التميمي رجلا منقطعا، وكان يلزم الجبان بظهر الكوفة فأتاه قوم يسلمون عليه فوجدوه مغشيا عليه بين القبور، فلم يزالوا عنده حتى أفاق فاستحيا منهم فجعل يقول لهم كهيئة المعتذر: ربما غلب علي النوم، وربما أصابني الإعياء فألقى نفسي هكذا. محمد بن السماك قال: ما رأيت أحدا أشد حذرا للموت من عطوان بن عمرو. داود الطائي قال: سألت عطوان بن عمرو التميمي قلت: ما قصر الأمل؟ قال: ما بين تردد النفس. قال رستم: فحدثت به الفضيل بن عياض فبكى وقال: يقول: يتنفس فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه، لقد كان عطوان من الموت على حذر. 440- قيس بن مسلم الجدلي سفيان قال: كان قيس بن مسلم يصلي حتى السحر، ثم يجلس فيمسح البكاء ساعة بعد ساعة، وهو يقول: لأمر ما خلقنا، لئن لم نختم الآخرة بخير لنهلكن. قال: وزار قيس بن مسلم محمد بن جحادة ذات ليلة فأتاه وهو في المسجد بعد صلاة العشاء، قال: ومحمد قائم يصلي، فقام قيس بن مسلم في الناحية الأخرى يصلي. فلم يزالا على ذلك حتى طلع الفجر. وكان قيس بن مسلم إمام مسجده. قال فرجع إلى الحي فأمهم ولم يلتقيا. ولم يعلم محمد مكانه. قال: فقال له بعض أهل المسجد: زارك أخوك قيس بن مسلم البارحة فلم تنفتل إليه. قال: ما علمت بمكانه. قال: فغدا عليه فلما رآه قيس بن مسلم مقبلا قام إليه فاعتنقه ثم خلوا جميعا فجعلا يبكيان، روى قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير. ومات سنة عشرين ومائة. ومن الطبقة الخامسة 441- مسعر بن كدام بن ظهير يكنى أبا سلمة سفيان بن عيينة قال: ما لقيت أحدا أفضله على مسعر قال سفيان الثوري: لم يكن في زماننا مثله، يعني مسعرا. أبو خالد الأحمر قال: لم يكن في أترابه أطول صمتا منه، يعني مسعرا، ومحمد بن مسعر قال: كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن، فإذا فرغ من ورده لف رداءه ثم هجع هجعة خفيفة، ثم يثب كالرجل الذي قد ضل منه شيء فهو يطلبه، فإنما هو السواك والطهور، ثم يستقبل المحراب كذلك إلى الفجر، وكان يجهد على إخفاء ذلك جدا، عن أبي أسامة قال: سمعت مسعرا يقول: أشتهي أن أسمع صوت باكية حزينة. محمد بن كناسة قال: سمعت مسعرا يقول: من أهمته نفسه تبين ذلك عليه. سفيان قال: قال رجل لمسعر: أتحب أن يخبرك الرجل بعيوبك؟ قال: إن كان ناصحا فنعم، وإن كان يريد أن يؤنبني فلا. عبد الله بن المغيرة قال: سمعت مسعر بن كدام ينشد: ألا قد فسد الدهر فأضحى حلوه مرا وقد جربت من أهوى فقد أنكرتهم طرا فألزم نفسك اليأس من الناس تعش حرا عبد الرحمن بن صالح يقول: قال مسعر بن كدام: تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار الفيض بن الفضل العجلي قال: حدثني جار لمسعر قال: بكى مسعر فبكت أمه فقال لها مسعر: ما أبكاك يا أماه؟ فقالت: يا بني رأيتك تبكي فبكيت فقال: يا أماه لمثل ما نهجم عليه غدا فلنطل البكاء. قالت: وما ذاك؟ فانتحب فقال: القيامة وما فيها. قال: ثم غلبه البكاء فقام. قال: وكان مسعر يقول: لولا أمي لما فارقت المسجد إلا لما لا بد منه، وكان إن دخل بكى، وإن خرج بكى، وإن صلى بكى، وإن جلس بكى. حسين بن يحيى بن آدم، عن أبيه قال: لما حضرت مسعرا الوفاة دخل عليه سفيان الثوري فوجده جزعا فقال له: تجزع؟ فوالله لوددت أني مت الساعة! فقال مسعر: أقعدوني. فأعاد سفيان الكلام عليه، فقال: إنك إذا لواثق بعملك يا سفيان، لكني والله على شاهقة جبل لا أدري أين أهبط. فبكى سفيان وقال: أنت أخوف لله مني.

Sección V02/P075–V02/P077

أحمد بن داود الحراني قال: مصعب بن المقدام يقول: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، وسفيان الثوري آخذ بيده، وهما يطوفان، فقال الثوري: يا رسول الله مات مسعر بن كدام؟ قال: نعم، واستبشر به أهل السماء. قال المؤلف: أسند مسعر عن أعلام التابعين، وتوفي بالكوفة سنة اثنتين، وقيل سنة خمس وخمسين ومائة. 442- داود بن نصير الطائي يكنى أبا سليمان، سمع الحديث وتفقه، ثم اشتغل بالتعبد. أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني بعض أصحابنا قال: كان داود الطائي يجالس أبا حنيفة فقال له أبو حنيفة: يا أبا سليمان أما الأداة فقد أحكمناها. قال داود: فأي شيء بقي؟ قال: بقي العمل به. قال: فنازعتني نفسي إلى العزلة والوحدة، فقلت لها: حتى تجلسي معهم فلا تجيبي في مسئلة. قال: فكان يجالسهم سنة قبل أن يعتزل. قال: فكانت المسئلة تجيء وأنا أشد شهوة للجواب فيها من العطشان إلى الماء فلا أجيب فيها. قال: فاعتزلتهم بعد. أبو أسامة قال: جئت أنا وابن عيينة داود الطائي فقال: قد جئتماني مرة فلا تعودا إلي. ابن عائشة قال: مر داود بمقبرة فسمع امرأة وهي تقول: يا حبي ليت شعري بأي خديك بدأ البلى؟ باليمنى أم باليسرى؟ قال: فصعق. قال: وكان الثوري إذا ذكره قال: أبصر الطائي أمره. محمد بن حاتم البغدادي قال: سمعت الجماني يقول: كان بدو توبة الطائي أنه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر وهي تقول: مقيم إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كل يوم وليلة وتسلى كما تبلى وأنت حبيب أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني محمد يحيى عن داود الطائي قال: ما أخرج الله عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر. عن بكر بن محمد قال: قال لي داود الطائي: فر من الناس كما تفر من الأسد. محمد بن عثمان الصيرفي قال: جاء أبو الربيع الأعرج إلى داود الطائي من واسط ليسمع منه شيئا ويراه. فأقام على بابه ثلاثة أيام لا يصل اليد. قال: وكان إذا سمع الإقامة خرج فإذا سلم الإمام وثب فدخل منزله. قال: فصليت في مسجد آخر ثم جئت فجلست على بابه فلما جاء ليدخل الدار قلت: ضيف رحمك الله. قال: إن كنت ضيفا فادخل، فدخلت فأقمت عنده ثلاثة أيام لا يكلمني. فلما كان بعد ثلاث قلت: رحمك الله أتيتك من واسط وإني أحببت أن تزودني شيئا. قال: صم الدنيا واجعل فطرك الموت. قلت: زدني رحمك الله. قال: فر من الناس فرارك من الأسد، غير طاعن عليهم، ولا تارك لجماعتهم. قال: فذهبت أستزيده فوثب إلى المحراب وقال: الله أكبر. عن أبي الربيع الأعرج قال: أتيت داود الطائي، وكان لا يخرج من منزله حتى يقول: قد قامت الصلاة فيخرج فيصلي فإذا سلم الإمام أخذ نعله ودخل منزله. فلما طال ذلك علي أدركته يوما فقلت: يا أبا سليمان على رسلك فوقف لي فقلت له أبا سليمان أوصني قال: اتق الله، وإن كان لك والدان فبرهما. ثم قال: ويحك صم الدنيا واجعل الفطر موتك، واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم. عبد الله بن إدريس قال: قلت لداود الطائي: أوصني. قال: أقلل من معرفة الناس. قلت: زدني. قال: ارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا مع فساد الدين. قلت: زدني. قال: اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطرت على الموت. إسحاق بن منصور السلولي قال: دخلت أنا وصاحب لي على داود الطائي وهو على التراب، فقلت لصاحبي: هذا رجل زاهد. فقال داود: إنما الزاهد من قدر فترك، الوليد بن عقبة قال: كان يخبز لداود الطائي ستون رغيفا يعلقها بشريط، يفطر كل ليلة على رغيفين بملح وماء. فأخذ ليلة فطره فجعل ينظر إليه. قال: ومولاة له سوداء تنظر إليه، فقامت فجاءته بشيء من تمر على طبق فأفطر ثم أحيا ليلته وأصبح صائما. فلما جاء وقت الإفطار أخذ رغيفيه وملحا وماء.

Sección V02/P077–V02/P078

قال الوليد بن عقبة: فحدثني جار له قال: جعلت أسمعه يعاتب نفسه ويقول: اشتهيت البارحة تمرا فأطعمتك، واشتهيت الليلة تمرا؟ لا ذاق داود تمرا ما دام في الدنيا. عن حماد بن أبي حنيفة قال: قالت مولاة لداود الطائي: يا داود لو طبخت لك دسما. قال: فافعلي. فطبخت له شحما ثم جاءته به. فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟ قالت: على حالهم. قال: اذهبي به إليهم فقالت له: فديتك إنما تأكل هذا الخبز بالماء؟ قال: إني إذا أكلته كان في الحش وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند الله مذخورا. صدقة الزاهد قال: خرجنا مع داود الطائي في جنازة بالكوفة، فقعد داود ناحية وهي تدفن فجاء الناس فقعدوا قريبا منه فتكلم فقال: من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله، وكل ما هو آت قريب، واعلم يا أخي أن كل ما يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم، واعلم أن أهل القبور إنما يفرحون بما يقدمون ويندمون على ما يخلفون. وأهل الدنيا يقتتلون ويتنافسون فيما عليه أهل القبور يندمون. أبو حفص قال: سمعت ابن أبي عدي يقول: صام داود الطائي أربعين سنة ما علم به أهله، وكان خزازا، وكان يحمل غذاءه معه ويتصدق به في الطريق ويرجع إلى أهله يفطر عشاء لا يعلمون أنه صائم. قال الشيخ: وقد رويت لنا هذه الحكاية من طريق أبي حفص الفلاس أيضا. عن أبي عدي أن هذا جرى لداود بن أبي هند، وسنذكرها في أخبار البصريين، وهي بذاك أليق من داود الطائي. وكان متشاغلا بالعلم ثم انقطع إلى التعبد، ولم ينقل عنه أنه تشاغل بالمعاش، لعل بعض الرواة قال الطائي. والله أعلم. محمد بن بشر العبدي قال: قال داود يوما لمولاة له في الدار: أشتهي لبنا فخذي رغيفا، فائتي به البقال فاشتري به لبنا ولا تعلمي البقال لمن هو؟ فذهبت، فجاءت به فأكل وفطن البقال بعد أنها تريد اللبن لداود، فطيبه له. فقال لها: علم البقال لمن تريدين اللبن؟ فقالت: نعم. قال: ارفعيه. فما عاد فيه. قال: وجاءه فضيل يوما فلم يفتح له، فجلس فضيل خارج الباب وهو داخل فبكى داود من داخل وفضيل من خارج، ولم يفتح له. قلت لمحمد بن بشر: كيف لم يفتح له الباب؟ قال: قد كان يفتح لهم. وكثروا عليه فغموه فحجبهم كلهم، فمن جاءه كلمه من وراء الباب، وقالت له أمه: لو اشتهيت شيئا اتخذته لك. فقال: أجيدي يا أماه فإني أريد أن أدعو إخوانا لي. قال: فاتخذت وأجادت. قال: فقعد على الباب لا يمر سائل إلا أدخله. قال: فقدم إليهم فقالت له أمه: لو أكلت. قال: فمن أكله غيري. قال: وإنما جد واجتهد حين ماتت أمه قسم كل شيء تركت حتى لزق بالأرض، وكانت موسرة. إسحاق بن منصور قال: حدثني جنيد يعني الحجام قال: أتيت داود الطائي فإذا قرحة قد خرجت على لسانه فبططتها وأخرجت قليل دواء فوضعته في خرقة. فقلت: إذا كان الليل فضعه عليها. فقال: ارفع ذلك اللبد، فرفعته فإذا دينار فقال: خذه. قلت: يا أبا سليمان ليس هذا ثمن هذا، ثمن هذا دانق فوضعت الدواء في كوة وخرجت ثم غدوت بعد يومين فإذا الدواء على حاله. قلت: يا أبا سليمان سبحان الله، لم لم تعالج بهذا الدواء؟ فقال لي: إن أنت لم تأخذ الدينار لم أمسه. إسماعيل بن زيان قال: حجم حجام داود الطائي أعطاه دينارا لا يملك غيره. حدثنا أبو سعيد السكري قال: احتجم داود الطائي فدفع دينارا إلى الحجام فقيل له: هذا إسراف. فقال: لا عبادة لمن لا مروءة له. عبادة بن كليب قال: قال رجل لداود الطائي: لو أمرت بما في سقف البيت من نسج العنكبوت فينظف، فقال: أما علمت أنه كان يكره فضول النظر. الحسن بن عيسى قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: وهل الأمر إلا ما كان عليه داود الطائي.

Sección V02/P078–V02/P080

عبيد الله بن محمود بن سلمة بن معبد قال: لقي داود الطائي رجلا فسأله عن حديث، فقال: دعني إني أبادر خروج نفسي، وكان الثوري إذا ذكره قال: أبصر الطائي أمره. أبو خالد الأحمر قال: مررت أنا وسفيان الثوري بمنزل داود الطائي فقال لي سفيان: ادخل بنا نسلم عليه. فدخلنا إليه فما احتفل بسفيان ولا انبسط إليه. فلما خرجنا قلت له: يا أبا عبد الله غاظني ما صنع بك. قال: وأي شيء صنع بي؟ قلت: لم يحفل بك ولم ينبسط إليك. قال: إن أبا سليمان لا يتهم في مودة، أما رأيت عينيه؟ هذا في شيء غير ما نحن فيه. أبو عمران قال: حدثني أسود بن سالم أن داود الطائي كان يقول: سبقني العابدون وقطع بي، والهفاه. محمد بن أشكاب قال: حدثني رجل من أهل داود الطائي قال: قلت له يوما: ما أبا سليمان قد عرفت الرحم التي بيننا فأوصني قال: فدمعت عيناه. ثم قال يا أخي إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك، إني لأقول لك هذا وما أعلم أحدا أشد تضييعا مني لذلك. ثم قام وتركني. أبو المهنا الطائي قال: خرج داود الطائي إلى السوق فرأى الرطب فاشتهته نفسه فجاء إلى البائع فقال له: أعطني بدرهم إلى غد. فقال له: اذهب إلى عملك. فرآه بعض من يعرفه فأخرج له صرة فيها مائة درهم وقال: اذهب فإن أخذ منك بدرهم فالمائة لك. فلحقه البائع وقال له: ارجع خذ حاجتك. فقال: لا حاجة لي فيه إنما جربت هذه النفس فلم أرها تساوي في هذه الدنيا درهما وهي تريد الجنة غدا. حفص بن عمر الجعفي قال: كان داود الطائي قد ورث عن أمه أربعمائة درهم، فمكت يتقوتها ثلاثين عاما، فلما نفذت جعل ينقض سقوف الدويرة فيبيعها حتى باع الخشب والبواري واللبن، حتى بقي في نصف سقف. وجاء صديق له فقال: يا أبا سليمان لو أعطيتني هذه فأبضعتها لك لعلنا نستفضل لك فيها شيئا ينتفع به. فما زال به حتى دفعها إليه، ثم فكر فيها فلقيه بعد العشاء الآخرة فقال: ارددها علي. فقال: ولم ذاك يا أخي؟ قال: أخاف أن يدخل فيها شيء غير طيب فأخذها. عثمان بن زفر قال: أخبرني ابن عم لداود الطائي قال: ورث داود الطائي من أبيه عشرين دينارا فأكلها في عشرين سنة، كل سنة دينارا منه يصل ومنه يتصدق، وورث بيتا فكان يكون فيه لا يعمره، كلما خربت ناحية تركها وتحول إلى ناحية أخرى فخرب كله إلا زاوية منه كان يكون فيها. محمد بن إسحاق قال: سمعت محمد بن زكريا يقول: سمعت بعض أصحابنا قال: ورث داود الطائي من مولاة له عشرين دينارا كفته عشرين سنة. عن عبد الله بن صالح قال: قال داود الطائي: يا بن آدم فرحت ببلوغ أملك وإنما بلغته بانقضاء مدة أجلك ثم سوفت بعملك كأن منفعته لغيرك. عن قبيصة قال: حدثني صاحب لنا أن امرأة من أهل داود الطائي صنعت ثريدة بسمن ثم بعثت بها إلى داود حين إفطاره مع جارية لها، قالت الجارية: فأتيته بالقصعة فوضعتها بين يديه فسعى ليأكل منها، فجاء سائل فقام إليه فدفعها إليه وجلس معه على الباب حتى أكلها. ثم دخل فغسل القصعة ثم عمد إلى تمر كان بين يديه، قالت الجارية ظننت أنه كان أعده لعشائه، ودفعه إلي وقال: أقرئيها السلام، قالت الجارية: دفع إلى السائل ما جئناه به ودفع إلينا ما أراد أن يفطر عليه. قالت: وأظنه ما بات إلا طاويا. قال قبيصة: فكنت أراه قد نحل جدا. ابن زبان قال: قالت داية داود الطائي: يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز؟ قال: يا داية بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية.

Sección V02/P080–V02/P082

عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي قال: دخلت على داود الطائي في مرضه الذي مات فيه ليس في بيته إلا دن مقير يكون فيه خبز يابس ومطهرة ولبنة كبيرة على التراب يجعلها وسادة وهي مخدته ليس في بيته بوري ولا قليل ولا كثير. محمد بن بشير قال: قال حماد لداود الطائي: يا أبا سليمان لقد رضيت من الدنيا باليسير. قال: أفلا أدلك على من رضي بأقل من ذلك؟ من رضي بالدنيا كلها عوضا عن الآخرة، أبو محمد العابد قال: دخل أبو يوسف على داود الطائي فقال له: ما رأيت أحدا رضي من الدنيا بمثل ما رضيت به فقال: يا يعقوب من رضي الدنيا كلها عوضا عن الآخرة فذاك الذي رضي بأقل مما رضيت. الحارث بن إدريس قال: قلت لداود الطائي: أوصني؟ فقال: عسكر الموتى ينتظرونك. إسحاق بن منصور السلولي قال: حدثتني أم سعيد بن علقمة النخعي وكانت طائية، قالت: كان بيننا وبين داود الطائي حائط قصير فكنت أسمع حسه عامة الليل لا يهدأ، قالت: وربما سمعته في جوف الليل يقول: اللهم همك عطل علي الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك، أوثق مني وحال بيني وبين اللذات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب، قالت: وربما ترنم بالآية فأرى أن جميع نعيم الدنيا جمع في ترنمه. ابن السماك قال: أوصاني أخي داود الطائي بوصية: انظر لا يراك الله حيث نهاك وأن لا يفقدك من حيث أمرك، واستحيه في قربه منك وقدرته عليك. محمد بن إشكاب قال: قال داود الطائي: اليأس سبيل أعمالنا هذه، لكن القلوب تجر إلى الرجاء، عن الحماني قال: قلت لداود الطائي: ما ترى في الرمي فإني أحب أن أتعلمه؟ فقال: إن الرمي لحسن، ولكن إنما هي أيامك فانظر بما تقطعها. أبو بكر محمد بن أبي داود قال: سمعت شيدويه يقول لداود الطائي: أرأيت رجلا دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر؟ قال: أخاف عليه السوط قال: إنه يقوى قال: أخاف عليه السيف. قال: إنه يقوى، قال: أخاف عليه الداء الدفين العجب. عن أبي نعيم قال: رأيت داود الطائي تدور في وجهه نملة عرضا وطولا لا يفطن بها. يعني من الهم. أبو سعيد قال: حدثني سهل بن بكار قال: قالت أخت لداود الطائي: لو تنحيت من الشمس إلى الظل. فقال: هذه خطى لا أدري كيف تكتب. عباس الترقفي قال: سمعت معاوية بن عمرو يقول: كنا عند داود الطائي يوما، فدخلت الشمس من الكوة فقال له بعض من حضر: لو أذنت لي سددت هذه الكوة. فقال: كانوا يكرهون فضول النظر. وكنا عنده يوما آخر فإذا بفروه قد تخرق وخرج خمله. فقال له بعض من حضر: لو أذنت لي خيطته فقال: كانوا يكرهون فضول الكلام. أبو سعيد السكري قال: احتجم داود الطائي فدفع إلى الحجام دينارا فقيل له: هذا إسراف فقال: لا عبادة لمن لا مروءة له. أبو داود الطيالسي قال: حضرت داود عند الموت فما رأيت أشد نزعا منه، أتيناه من العشي ونحن نسمع نزعه قبل أن ندخل، ثم غدونا إليه وهو في النزع فلم نبرح حتى مات. حفص بن عمر الجعفي قال: اشتكى داود الطائي أياما وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار فكررها مرارا في ليلته فأصبح مريضا. فوجده قد مات ورأسه على لبنة. قال ابن السماك، حين مات داود الطائي: يا أيها الناس إن أهل الدنيا تعجلوا غموم القلب وهموم النفس وتعب الأبدان مع شدة الحساب، فالرغبة متعبة لأهلها في الدنيا والآخرة، والزهادة راحة لأهلها في الدنيا والآخرة، وإن داود الطائي نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأغشى بصر قلبه بصر العيون فكأنه لم يبصر ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تبصرون ما إليه ينظر. فإنكم منه تعجبون وهو منكم يتعجب، فلما نظر إليكم راغبين مغرورين قد ذهبت على الدنيا عقولكم

Sección V02/P082–V02/P084

وماتت من حبها قلوبكم وعشقتها أنفسكم وامتدت إليها أبصاركم استوحش الزاهد منكم لأنه كان حيا وسط موتى، يا داود ما أعجب شأنك ألزمت نفسك الصمت حتى قومتها على العدل، أهنتها وإنما تريد كرامتها وأذللتها وإنما تريد إعزازها، ووضعتها وإنما تريد تشريفها وأتعبتها وإنما تريد راحتها، وأجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريها، وخشنت الملبس وإنما تريد لينه وجشبت المطعم وإنما تريد طيبه، وأمت نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذبتها قبل أن تعذب، وغيبتها عن الناس كي لا تذكر، وغبت بنفسك عن الدنيا إلى الآخرة، فما أظنك إلا قد ظفرت بما طلبت. كأن سيماك في عملك وسرك ولم يكن سيماك في وجهك فقهت في دينك ثم الناس يفتون، وسمعت الأحاديث ثم تركت الناس يحدثون ويروون، وخرست عن القول وتركت الناس ينطقون، لا تحسد الأخيار ولا تعيب الأشرار ولا تقبل من السلطان عطية ولا من الأخوان هدية. آنس ما تكون آنس ما تكون إذا كنت بالله خاليا، وأوحش ما تكون إذا كنت مع الناس جالسا فأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس، وآنس ما تكون أوحش ما يكون الناس جاوزت حد المسافرين في أسفارهم، وجاوزت حد المسجونين في سجونهم، فأما المسافرون فيحملون من الطعام والحلاوة ما يأكلون، فأما أنت فإنما هي خبزتك أو خبزتان في شهرك، ترمي بها في دن عندك فإذا أفطرت أخذت منه حاجتك فجعلته في مطهرتك ثم صببت عليه من الماء ما يكفيك، ثم اصطنعت به ملحا فهذا إدامك وحلواك، فمن سمع بمثلك صبر صبرك أو عزم عزمك، وما أظنك إلا قد لحقت بالماضين، وما أظنك إلا قد فضلت الآخرين ولا أحسبك إلا قد أتعبت العابدين، وأما المسجون فيكون مع الناس محبوسا فيأنس بهم وأما أنت فسجنت نفسك في بيتك وحدك فلا محدث وجليس معك، ولا أدري أي الأمور أشد عليك، الخلوة في بيتك تمر بك الشهور والسنون أم تركك المطاعم والمشارب، لا ستر على بابك، ولا فراش تحتك، ولا قلة يبرد فيها ماؤك، ولا قصعة يكون فيها غداؤك وعشاؤك؟ مطهرتك قلتك وقصعتك تورك وكل أمرك يا داود عجب. أما كنت تشتهي من الماء بارده ولا من الطعام طيبه ولا من اللباس لينه؟ بلى، ولكنك زهدت فيه لما بين يديك فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما تركت، وما أيسر ما فعلت في جنب ما أملت، أما أنت فقد ظفرت بروح العاجل وسعدت إن شاء الله في الآجل، عزلت الشهرة عنك في حياتك لكي لا يدخلك عجبها ولا يلحقك فتنتها فلما مت شهرك ربك بموتك وألبسك رداء عملك، فلو رأيت اليوم كثرة تعبك عرفت أن ربك قد أكرمك. إسحاق بن منصور قال: لما مات داود الطائي شيع الناس جنازته. فلما دفن قام ابن السماك على قبره فقال: يا داود كنت تسهر ليلك إذ الناس نائمون، قال: وكنت تسلم إذ الناس يخوضون، وكنت تربح إذ الناس يخسرون فقال الناس جميعا: صدقت حتى عدد فضائله كلها، فلما فرغ، قام أبو بكر النهشلي فحمد الله ثم قال: يا رب إن الناس قد قالوا ما عندهم ومبلغ ما علموا، اللهم اغفر له برحمتك ولا تكله إلى عمله. قال المؤلف: أسند داود عن جماعة من التابعين منهم عبد الملك بن عمير، وحبيب بن أبي عمرة، والأعمش، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد. وتوفي في سنة خمس وستين ومائة في خلافة المهدي. ومن الطبقة السادسة 443- سفيان بن سعيد الثوري عبد الله بن محمد بن أيوف المخرمي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: أخذ العلم عن سفيان الثوري وهو ابن ثلاثين سنة. يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب قال: سمعت أبي يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: لو لم أعلم لكان أقل لحزني. عن محمد بن يوسف الفريابي قال: قلت لسفيان الثوري: أرى الناس يقولون سفيان الثوري، وأنت تنام الليل. فقال لي: اسكت، ملاك هذا الأمر التقوى. يحيى بن أيوب المقابري قال: سمعت علي بن ثابت يقول: رأيت الثوري في طريق مكة فقومت كل شيء عليه، حتى نعليه: درهما وأربعة دوانق.

Sección V02/P084–V02/P086

يحيى بن أيوب قال: سمعت علي بن ثابت قال: لو لقيت سفيان في طريق مكة ومعك فلسان تريد أن تتصدق بهما وأنت لا تعرف سفيان ظننت أنك ستضعهما في يده. وما رأيت سفيان في صدر المجلس قط، إنما كان يقعد إلى جانب الحائط ويستند إلى الحائط ويجمع بين ركبتيه، عن علي بن عثام بن علي قال: سمعت أبي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: لقد خفت الله خوفا عجبا لي، كيف لا أموت لكن لي أجل أنا بالغه، ولقد خفت الله خوفا وددت أنه خفف عني منه ما أخاف أن يذهب عقلي. عبد الرحمن بن عبد الله قال: قال سفيان إني لأضع يدي على رأسي من الليل إذا سمعت صيحة فأقول: قد جاءنا العذاب. عن عبثر قال: قام سفيان يصلي قبل الزوال فمر بهذه الآية: {فإذا نقر في الناقور، فذلك يومئذ يوم عسير} فخرج نادا فما لحقوه إلا في الحمراء فردوه. قال السني: وقال عمرو العتابي، عن سفيان: ما من موطن من المواطن أشد علي من سكرة الموت أخاف أن يشدد علي، فاسأل التخفيف فلا أجاب فأفتتن. يوسف بن أسباط قال: قال لي سفيان، وقد صلينا العشاء الآخرة ناولني المطهرة فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده. ونمت فاستيقظت وقد طلع الفجر فنظرت فإذا المطهرة بيمينه ويساره على خده، فقلت: يا أبا عبد الله هذا الفجر قد طلع. قال: لم أزل منذ ناولتني هذه المطهر أتفكر في أمر الآخرة حتى الساعة. قال يوسف بن أسباط: كان سفيان الثوري إذا أخذ في الفكر بال الدم. أبو يزيد محمد بن حسان قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما عاشرت في الناس رجلا أرق من سفيان، وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة فما كان ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ ويقول على إثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي: إن الجزع قد أرقني وذلك من نعمتك السابغة علي، إلهي: لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين ثم يقبل على صلاته. وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إن كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه. وما كنت أقدر أن أنظر إليه استحياء وهيبة منه. إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: كنا في مجلس الثوري وهو يسأل رجلا عما يصنع في ليله فيخبره، حتى دار على القوم فقالوا: يا أبا عبد الله قد سألتنا فأخبرناك، فأخبرنا أنت كيف تصنع في ليلك؟ فقال: لها عندي أول الليل نومة تنام ما شاءت لا أمنعها إذا استيقظت فلا أقيلها والله. صالح بن خليفة الكوفي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إن فجار القراء اتخذوا القرآن إلى الدنيا سلما. قالوا: ندخل على الأمراء نفرج عن المكروب ونتكلم في محبوس. علي بن حمزة ابن أخت سفيان قال: ذهبت ببول سفيان إلى الديراني وكان لا يخرج من باب الدير فأريته فقال: ليس هذا بول حنيفي. قلت: بلى والله من أفضلهم. فقال: أنا أجيء معك. فقلت لسفيان: قد جاء بنفسه. فقال: أدخله. فأدخلته فمس وجس عرقه ثم خرج. فقلت: أي شيء رأيت؟ قال: ما ظننت أن في الحنيفية مثل هذا، هذا رجل قد قطع الحزن كبده. عبد الرحمن بن مهدي قال: بات سفيان عندي فلما اشتد به الأمر جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب. فرفع شيئا من الأرض فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت.

Sección V02/P086–V02/P088

عبد الرحمن بن مهدي قال ليلة مات سفيان: توضأ تلك الليلة للصلاة ستين مرة فلما كان وجه السحر قال لي: يا ابن مهدي ضع خدي بالأرض فإني ميت يا ابن مهدي ما أشد الموت ما أشد كرب الموت. قال: فخرجت لأعلم حماد بن زيد وأصحابه فإذا هم قد استقبلوني فقالوا: آجرك الله. فقلت: من أين علمتم ذلك؟ فقالوا: إنه ما منا أحد إلا أتي البارحة في منامه فقيل له: ألا إن سفيان الثوري قد مات، رحمه الله. عن أبي أبجر قال: لما حضرت سفيان الوفاة قال: يا ابن أبجر قد نزل ما بي ما قد ترى فانظر من يحضرني، فأتيتهم بقوم فيهم حماد بن سلمة، وكان حماد من أقربهم إلى رأسه. قال: فتنفس سفيان فقال له حماد أبشر فقد نجوت مما كنت تخاف. وتقدم على رب كريم قال: فقال: يا أبا سلمة أترى الله أن يغفر لمثلي؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو: قال: فكأنما سري عنه. عن عبد الرحمن بن مهدي قال: رأيت سفيان الثوري في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: لم يكن إلا أن وضعت في اللحد حتى وقفت بين يدي الله عز وجل فحاسبني حسابا يسيرا ثم أمر بي إلى الجنة، فبينا أنا أدور بين أشجارها وأنهارها ولا أسمع حسا ولا حركة، إذ سمعت قائلا يقول: سفيان بن سعيد. قال: تحفظ أنك آثرت الله على هواك يوما، قلت: إي والله. فأخذتني صواني النثار من جميع الجنة. قال المؤلف: أدرك سفيان الثوري جماعة من كبار التابعين، وروى عن الأعمش، ومنصور، ومحمد بن المنكدر، وعبد الله بن دينار، وعمرو بن دينار، في خلق لا يحصون. ومسانيده أكثر من أن تعد، وكان مولده في سنة سبع وتسعين في خلافة سليمان بن عبد الملك. وتوفي في سنة إحدى وستين ومائة. وكان مستخفيا بالبصرة في خلافة المهدي. وكلامه وأخباره كثيرة وإنما اقتصرنا ها هنا على ما ذكرنا منها لأننا قد جمعناها في كتاب يزيد على ثلاثين جزءا، فكرهنا الإعادة في التصانيف. والله الموفق. 444- أسيد بن صلهب عن الحسن بن صالح قال: قال أسيد بن صهلب: إن كنت لأدعو فتصرع لاطير حولي. قال الحسن: لولا أنه قد مات ما حدثت به عنه. 445، 446 - علي والحسن ابنا صالح بن حي قال محمد بن سعد: اسم صالح: حي، وهو صالح بن صالح، والد علي والحسن توأما في بطن واحد، وكان علي تقدمه بساعة. فكان الحسن يعظمه ويقول: قال أبو محمد. عبد الله بن هاشم الطوسي قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: كان علي والحسن - إبنا صالح بن حي - وأمهم قد جزؤوا اليل ثلاثة أجزاء، فكان علي يقوم الثلث ثم ينام، ويقوم الحسن الثلث ثم ينام، وتقوم أمهما الثلث. فماتت أمهما. فجزءا الليل بينهما، فكانا يقومان به حتى الصباح ثم مات علي فقام الحسن به كله. وقد روي لنا عن محمد بن صالح العجلي عن أبيه قال: كان يختم القرآن في بيتهم كل ليلة: أمهم ثلث وعلي ثلث وحسن ثلث، فماتت أمهما فكانا يختمانه. ثم مات علي فكان حسن يختم كل ليلة. يحيى بن آدم قال: قال الحسن بن حي: قال لي أخي علي في الليلة التي توفي فيها: أخي اسقني ماء. وكنت قائما أصلي. فلما قضيت صلاتي أتيته بماء فقلت: يا أخي. فقال: لبيك. فقلت هذا ماء. قال: قد شربت الساعة. قلت: ومن سقاك وليس في الغرفة غيري وغيرك؟ قال: أتاني جبريل الساعة بماء فسقاني وقال لي: أنت وأخوك وأبوك من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وخرجت روحه. عن عبد الرحمن بن مطرف قال: كان الحسن بن حي إذا أراد أن يعظ أخا له كتبه في لوح وناوله.

Sección V02/P088–V02/P090

عبد القدوس بن بكر بن خنيس قال: كان الحسن بن صالح وأخوه علي وكان علي يفضل عليه وكانا وأمهما يتعاونون على العبادة بالليل لا ينامون وبالنهار لا يفطرون. فلما ماتت أمهما تعاونا على القيام والصيام عنهما وعن أمهما. فلما مات علي قام الحسن عن نفسه وعنهما. وكان يقال للحسن: حية الوادي، يعني أنه لا ينام بالليل. وكان يقول: إني لأستحيي من الله تعالى أن أنام تكلفا حتى يكون النوم هو الذي يصرعني وإذا نمت ثم استيقظت ثم عدت نائما فلا أرقد الله عيني. وكان لا يقبل من أحد شيئا فيجيء إليه صبية وهو في المسجد فيقول: أنا جائع فيعلله بشيء حتى تذهب الخادم إلى السوق فتبيع ما غزلت هي ومولاتها من الليل، ثم تشتري قطنا وتشتري شيئا من الشعير فتجيء به فتطحنه ثم تعجنه فتخبز ما يأكل الصبيان والخادم وترفع له ولأهله لإفطارهما. فلم يزل على ذلك حتى مات رحمه الله. أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الدراني يقول: ما رأيت أحدا الخوف أظهر على وجهه والخشوع من الحسن بن حي قام ليلة حتى الصباح بعم يتساءلون بآية فيها ثم غشي عليه ثم عاد إليها فغشي عليه فلم يختمها حتى طلع الفجر. عباد أبو عقبة قال: بعنا جارية للحسن بن صالح فقال: أخبروهم أنها تنخمت عندنا مرة دما. قال الحجاج: وسمعت أبا نعيم يقول: قال الحسن بن صالح: فتشنا الورع فلم نجده في شيء أقل منه في اللسان. سليمان بن إدريس المنقري قال: اشتهى الحسن بن حي سمكا فلما أتي به ضرب بيده إلى سرة السمكة فاضطربت يده وأمر به فرفع ولم يأكل منه شيئا. فقيل له في ذلك فقال: إني ذكرت لما ضربت بيدي إلى بطنها أن أول ما ينتن من الإنسان بطنه فلم أقدر أن أذوقه. عبد الله بن صالح قال: حدثني خلف بن تميم أن حسن بن صالح كان يصلي إلى السحر ثم يجلس فيبكي في مصلاه ويجلي علي فيبكي معه في حجرته. قال: وكانت أمهما تبكي الليل والنهار. قال: فماتت. ثم مات علي. ثم مات حسن قال: فرأيت حسنا في منامي فقلت: ما فعلت الوالدة؟ قال: بدلت بطول ذلك البكاء سرور الأبد. قلت: وعلي؟ قال: وعلي على خير. قلت: فأنت؟ فمضى وهو يقول: وهل نتكل إلا على عفوه؟. عبيد الله بن موسى قال: كان حسن بن صالح إذا صعد إلى المنارة أشرف على المقابر فإذا نظر إلى الشمس تحوم على القبور صرخ حتى يحمل مغشيا عليه فينزل به. قال أبو محمد: ورأيت الحسن ذات يوم شهد جنازة فلما قرب الميت ليدفن نظر إلى اللحد فارفض عرقا. ثم قال: فغشي عليه فحمل على السرير الذي كان عليه الميت فرد إلى منزله. إسحاق بن منصور السلولي قال: نظر حسن إلى المقابر وهو قائم يؤذن فصرخ وقطع أذانه وسقط مغشيا عليه. قال: حدثني رجل من جيرانه أنه قال: كنا نسمع صراخه ونحيبه إذا صعد إلى الأذان كما نسمع صراخ أهل المصيبة. وقال: وكثيرا ما كان يغشى عليه حتى يؤذن غيره. قال المؤلف: أسند علي وحسن عن جماعة من التابعين وحديث الحسن أكثر. حنبل قال: سمعت أبا نعيم يقول: مات علي بن صالح سنة أربع وخمسين. ومات أخوه الحسن بعده بثلاث عشرة سنة. قال حنبل: وقال يحيى بن معين: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ولد الحسن بن صالح سنة مائة وقال مات سنة تسع وستين ومائة. 447- حمزة بن عمارة الزيات يكنى أبا عمارة مولى آل عكرمة بن ربعي التميمي. وكان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان. ويجلب الجبن والجوز إلى الكوفة. وكان صاحب قرآن وسنة وفرائض. أبو المنذر يعلى بن عقيل قال: كان الأعمش إذا رأى حمزة قد أقبل قال: هذا حبر القرآن. جرير بن عبد الحميد قال: مر بنا حمزة الزيات فاستسقى فأتيته بماء فقال: أن ممن يحضرنا في القراءة؟ قلت نعم. قال: لا حاجة لي في مائك.

Sección V02/P090–V02/P092

خلف بن هشام البزاز قال: قال لي سليم بن عيسى: دخلت على حمزة بن حبيب الزيات فوجدته يمرغ خديه في الأرض ويبكي. فقلت: أعيذك بالله. فقال: لماذا استعذت؟ رأيت البارحة في منامي كأن القيامة قد قامت وقد دعي بقراء القرآن، فكنت فيمت حضر فسمعت قائلا يقول بكلام عذب: لا يدخل علي إلا من عمل بالقرآن. فرجعت القهقرى فهتف باسمي: أين حمزة بن حبيب الزيات؟ فقلت: لبيك داعي الله. فبدرني ملك فقال: قل: لبيك اللهم، فقلت: لبيك، كما قال لي. فأدخلني دارا فسمعت فيها ضجيج القرآن فوقفت أرعد فسمعت قائلا يقول: لا بأس عليك ارق واقرأ فأدرت وجهي فإذا أنا بمنبر من در أبيض، دفتاه من ياقوت أصفر، مراقيه من زبرجد أخضر فقال لي: ارق واقرأ فرقيت فقال لي: اقرأ سورة الأنعام، فقرأت وأنا لا أدري على من أقرأ. حتى بلغت الستين آية فلما بلغت {وهو القاهر فوق عباده} قال لي: يا حمزة ألست القاهر فوق عبادي؟ فقلت: بلى. قال: صدقت، اقرأ. فقرأت حتى ختمتها ثم قال لي: اقرأ فقرأت الأعراف حتى بلغت آخرها فأومأت إلى الأرض بالسجود فقال لي: حسبك ما مضى، لا تسجد يا حمزة. من أقرأك هذه القراءة؟ فقلت: سليمان. قال: صدقت من أقرأ سليمان؟ قلت: يحيى. قال: صدق يحيى على من قرأ يحيى؟ فقلت: على أبي عبد الرحمن السلمي. قال: صدق أبو عبد الرحمن السلمي، من أقرأ أبا عبد الرحمن؟ فقلت: ابن عم نبيك علي. فقال: صدق علي، فمن أقرأ عليا؟ قلت: نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. قال: ومن أقرأ نبيي؟ قال: قلت: جبريل عليه السلام. قال: ومن أقرأ جبريل؟ قال: فسكت. فقال لي: يا حمزة قل أنت. قال: فقلت: ما أجسر أن أقول. فقال: فقلت: أنت. قال: صدقت يا حمزة وحق القرآن لأكرمن أهل القرآن لا سيما إذا عملوا بالقرآن، يا حمزة القرآن كلامي وما أحب أحدا كحبي أهل القرآن. ادن يا حمزة فدنوت فضمخني بالغالية وقال: ليس أفعل بك وحدك، قد فعلت ذاك بنظرائك ممن فوقك ومن دونك. ومن أقرأ القرآن كما أقرته لم يرد بذلك غيري وما خبأت لك يا حمزة عندي أكثر فأعلم أصحابك بمكاني من حبي لأهل القرآن وفعلي بهم فهم المصطفون الأخيار، يا حمزة وعزتي وجلالي لا أعذب لسانا تلا القرآن بالنار، ولا قلبا وعاه، ولا أذنا سمعته، ولا عينا نظرته. فقلت: سبحانك سبحانك وأنى ترى؟ فقال: يا حمزة أين نظار المصاحف؟ فقلت: يا رب أفحفاظ هم؟ قال: لا ولكني أحفظه لهم حتى يوم القيامة فإذا لقوني رفعت لهم بكل آية درجة - أفتلومني أن أبكي وأتمرغ في التراب. قال المؤلف: أسند حمزة عن الأعمش وحمران بن أعين، وسمع منه وكيع وتوفي بحلوان سنة ست وخمسين ومائة. أبو مسحل قال: رأيت الكسائي في النوم كأن وجهه البدر فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بالقرآن. فقلت: ما فعل بحمزة الزيات؟ قال: ذاك في عليين، ما نراه إلا كما يرى الكوكب الدري. 448- محمد بن النضر الحارثي يكنى أبا عبد الرحمن. أبو أسامة قال: كان محمد بن النضر من أعبد أهل الكوفة. الحسن بن الربيع قال: سمعت عبثرا أبا أبا أبا يزيد يقول: اختفى عندي محمد بن النضر من يعقوب بن داود في هذه العلية لعلية على باب داره أربعين ليلة. فما رأيته نائما ليلا ولا نهارا. الحسن بن الربيع قال: سمعت ابن المبارك يقول: كنت مع محمد بن النضر في سفينة فقلت: بأي شيء أستخرج منه الكلام؟ فقلت: ما تقول في الصوم في السفينة؟ فقال: إنما هي المبادرة. قال: فجاء بفتوى غيره، فتوى النخعي والشعبي. عن أبي أسامة قال: قلت لمحمد بن النضر: كأنك تكره أن تزار؟ فقال: أجل. قلت: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني. خالد بن يزيد قال: سمعت محمد بن النضر يقول: شغل الموت قلوب المتقين عن الدنيا، والله ما رجعوا منها إلى سرور بعد معرفتهم بكربه وغصصه.

Sección V02/P092–V02/P094

المبارك قال: كان محمد بن النضر إذا ذكر الموت اضطربت مفاصله حتى تبين الرعدة فيها. الحسن بن الربيع قال: حدثني رجل من ولد الزبير بن العوام قال: صحبت محمد بن النضر من عبادان إلى الكوفة فما سمعته يتكلم بكلمة حتى افترقنا. جرير بن زياد الحارثي قال: كنت مسافرا مع محمد بن النضر إلى مكة، وكان إذا قيل له: الرحيل، تقدم على رأس ميلين فلا يزال يصلي حتى إذا سمع حس الإبل تقدم أيضا فلا يزال كذلك حتى يصلي العصر ثم يركب. أبو مريم قال: سمعت محمد بن صبيح يقول: قال محمد بن النضر الحارثي: كان يقال: الجوع يبعث على البر كما تبعث البطنة على الأشر. قال المصنف: كان محمد بن النضر مشغولا بالعبادة عن الرواية وقد أرسل الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصلها. 449- وراد العجلي عمرو بن حفص بن غياث، عن أبيه قال: كنا ذات يوم عند ابن ذر وهو يتكلم فذكر رواجف القيامة وزلزالها. فوثب رجل من بني عجل، يقال له وراد، فجعل يبكي ويصرخ ويضطرب فحمل من بين القوم صريعا: فقال ابن ذر: ما الذي قصر بنا وكلم قلبه حتى أبكاه؟ والله إن هذا يا أخا بني عجل إلا من صفاء قلبك وتراكم الذنوب على قلوبنا. قال عمر: قال أبي: وكنت أرى ورادا هذا العجلي يأتي إلى المسجد مقنع الرأس فيعتزل ناحية فلا يزال مصليا وباكيا وداعيا ما شاء الله من النهار ثم يخرج فيعود فيصلي الظهر، فهو كذلك بين صلاة وبكاء حتى يصلي العشاء ثم يخرج لا يكلم أحدا ولا يجلس إلى أحد، فسألت عنه رجلا من حيه ووصفته له قلت: شاب من صفته، من هيئته. فقال: بخ يا أبا عمر، أتدري عمن تسأل؟ ذاك وراد العجلي، ذاك الذي عاهد الله ألا يضحك حتى ينظر إلى وجه رب العالمين. قال أبي: وكنت إذا رأيته بعد هبته. قال عمر: وحدثني سكين بن مسكين، رجل من بني عجل، قال: كان بيننا وبين ورادقرابة، فسألت أختا كانت له أصغر منه فقلت: كيف كان ليله؟ قالت: يبكي عامة الليل ويصرخ. قلت: فما كان طعمه؟ قالت: قرصا في أول الليل وقرصا في آخره، عند السحر. قلت: فتحفظين من دعائه شيئا؟ قالت: نعم، كان إذا كان السحر أو قريب من طلوع الفجر سجد ثم بكى ثم قال: مولاي عبدك يحب الاتصال بطاعتك فأعنه عليها بتوفيقك يا أيها المنال، مولاي عبدك يحب اجتناب سخطك فأعنه على ذلك بمنك أيها المنان، مولاي عبدك عظيم الرجاء لخيرك فلا تقطع رجاءه يوم يفرح الفائزون. قالت: فلا يزال على هذا ونحوه حتى يصبح. قال: وكان قد كل من الاجتهاد جدا وتغير لونه. قال سكين: فلما مات وراد فحمل إلى حفرته نزلوا إليه ليدفنوه في حفرته فإذا اللحد مفروش بالريحان، فأخذ بعض القوم الذين نزلوا إلى القبر من ذلك الريحان شيئا فمكث سبعين يوما طريا لا يتغير. يغدو الناس ويروحون وينظرون إليه: قال: فكثر الناس من ذلك حتى خاف الأمير أن يفتتن الناس، فأرسل إلى الرجل فأخذ ذلك الريحان وفرق الناس. قال: وفقده الأمير من منزله لا يدري كيف ذهب؟ 450- أسيد الضبي عبد الرحمن بن مالك بن مغول قال: بكى أسيد الضبي حتى عمي، وكان إذا عوتب على البكاء قال: الآن حين لا أهدأ وأنا أموت غدا؟ والله لأبكين ثم لأبكين ثم لأبكين، فإن أدركت بالبكاء خيرا فبمن الله وفضله علي، وإن تكن الأخرى فما بكائي في جنب ما ألقى غدا؟ قال: فكان ربما بكى حتى يتأذى به جيرانه من كثرة بكائه. ومن الطبقة السابعة "من أهل الكوفة": 451- أبو بكر بن عياش مولى واصل من بن حيان الأحدب الأسدي، وقد اختلفوا في اسمه: فقيل شعبة. وقبل محمد. وقيل مطرف. والصحيح أنه لا يعرف إلا بكنيته.

Sección V02/P094–V02/P096

رستم بن أسامة قال: حدثني إبراهيم بن رستم الخياط، عن أبي بكر بن عياش قال: قال لي رجل مرة وأنا شاب. خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدا. قال أبو بكر: فما نسيتها أبدا. يحيى الحماني قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: أتيت زمزم فاستسقيت منها عسلا وأتيتها فاستسقيت منها لبنا وأتيتها فاستسقيت منها ماء. دلويه قال: سمعت عليا، يعني ابن محمد ابن أخت يعلى بن عبيد، يقول: مكث أبو بكر بن عياش عشرين سنة قد نزل الماء في إحدى عينيه ما يعلم به أهله، محمد بن الحجاج بن جعفر بن إياس بن نذير الضبي قال: كان أبو بكر بن عياش يقوم الليل في قباء صوف وسراويل وعكازة يضعها في صدره فيتكئ عليها حين كبر فيحيي ليلته. الحسين بن إدريس قال: قال ابن عمار: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: صمت ثمانين رمضانا. إسحاق بن الحسين قال: كان أبو بكر بن عياش لما كبر يأخذ إفطاره ثم يغمسه في الماء في جر كان له في بيت مظلم، ثم يقول: يا ملائكتي طالب صحبتي لكما، فإن كان لكما عند الله شفاعة فاشفعا لي. عن أبي هشام الرفاعي قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول لي: غرفة قد عجزت عن الصعود إليها وما يمنعني من النزول منها إلا أني أختم القرآن كل يوم وليلة منذ ستون سنة. أحمد بن نصر قال: سمعت إبراهيم بن رستم يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: من لم يطلب العلم لم يرزق عقلا. يزيد بن هارون وذكر عنده أبو بكر بن عياش فقال: كان أبو بكر بن عياش خيرا فاضلا لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنة. أبو عيسى النخعي قال: لم يفرش لأبي بكر بن عياش فراش خمسين سنة. أحمد بن محمد بن مسروق قال: سمعت الحماني يقول: لما حضرت أبا بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال لها: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية التي في البيت قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة. إبراهيم بن أبي بكر بن عياش قال: بكيت عند أبي حين حضرته الوفاة فقال: ما يبكيك؟ أترى الله يضيع لأبيك أربعين سنة، يختم القرآن كل ليلة؟ الهيثم بن خارجة قال: رأيت أبا بكر بن عياش في النوم، قدامه طبق رطب مسكر. فقلت له: يا أبا بكر ألا تدعونا وقد كنت سخيا على الطعام؟ فقال لي: يا هيثم هذا طعام أهل الجنة لا يأكله أهل الدنيا. قال قلت: وبم نلت؟ قال تسألني عن هذا وقد مضت علي ست وثمانون سنة أختم في كل ليلة منها القرآن؟ أسند أبو بكر بن عياش عن الأعمش ومن في طبقته، وتوفي بالكوفة في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقد جاوز التسعين بثلاث سنين، وقيل بست. 452- عبد الله بن إدريس ابن يزيد بن عبد الرحمن أبو محمد الأودي. عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي ذكر ابن إدريس فقال: كان نسيج وحده، وفي رواية أخرى عن أحمد أنه قال: رأيت عبد الله بن إدريس وعليه جبة لبود وقد أتى عليه الدهور والسنون. الحسن بن الربيع قال: كنت عند عبد الله بن إدريس فلما قمت قال لي: سل عن سعر الأشنان. فلما مشيت ردني وقال لي: لا تسأل فإنك تكتب عني الحديث وأنا أكره أن أسأل من يسمع عني الحديث حاجة.

Sección V02/P096–V02/P098

حماد بن المؤمل قال: حدثني شيخ على باب بعض المحدثين قال: سألت وكيعا عن مقدمه هو ابن إدريس وحفص على هارون الرشيد فقال: كان أول من دعا به أنا. فقال لي هارون: يا وكيع إن أهل بلدك طلبوا مني قاضيا وسموك لي فيمن سموا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير وإحدى عيني ذاهبة والأخرى ضعيفة. فقال هارون: اللهم غفرا. خذ عهدك أيها الرجل وامض. فقلت: يا أمير المؤمنين، والله لئن كنت صادقا إنه لينبغي أن يقبل مني، ولئن كنت كاذبا فما ينبغي أن تولي القضاء كذابا. فقال: اخرج. فخرجت. ودخل ابن إدريس فسمعنا وقع ركبتيه على الأرض حين برك، وما سمعناه يسلم إلا سلاما خفيا. فقال له هارون: أتدري لم دعوتك؟ قال: لا. قال: إن أهل بلدك طلبوا مني قاضيا، وإنهم سموك لي فيمن سموا. وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض، فقال له ابن إدريس: وأنا وددت أني لم أكن رأيتك فخرج. ثم دخل حفص فقبل عهده، فأتى خادم معه ثلاثة أكياس في كل كيس خمسة آلاف فقال لي: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لكم: قد لزمتكم في شخوصكم مؤونة فاستعينوا بهذه في سفركم. قال وكيع: فقلت له أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له: قد وقعت مني بحيث يحب أمير المؤمنين وأنا مستغن عنها. وأما ابن إدريس فصاح به: مر من ها هنا. وقبلها حفص، وخرجت الرقعة إلى ابن إدريس من بيننا: عافانا الله وإياك، سألناك أن تدخل في أعمالنا فلم تفعل، ووصلناك من أموالنا لم تقبل، فإذا جاءك ابني المأمون فحدثه إن شاء الله. فقال للرسول: إذا جاءنا مع الجماعة حدثناه إن شاء الله. ثم مضينا فلما صرنا إلى الياسرية التفت ابن إدريس إلى حفص فقال: قد علمت أنك ستبلى، والله لا أكلمك حتى تموت فما كلمه حتى مات. أبو بكر المروزي قال: سمعت علي بن شعيب يقول: لما قدم شعيب بن حرب على يوسف بن أسباط رأى عنده شابا يكلم يوسف ويغلظ له، أو قال: رفع صوته، فقال له شعيب: ترفع صوتك؟ فقال له يوسف: يا أبا صالح إنه ابن إدريس، إنه يدري من أين يأكل؟. أحمد بن إبراهيم قال: حدثني سهل بن محمود، عن عبد الله بن إدريس قال: لو أن رجلا انقطع إلى رجل لعرف ذلك له، فكيف بمن له السموات والأرض. محمد بن المنذر قال: حج الرشيد ومعه الأمين والمأمون، فدخل الكوفة فقال لأبي يوسف: قل للمحدثين يأتونا يحدثونا. فلم يتخلف عنه من شيوخ الكوفة إلا اثنان: عبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس. فركب الأمين والمأمون إلى عبد الله بن إدريس فحدثهما بمائة حديث. فقال المأمون لعبد الله بن إدريس: يا عم أتأذن لي أن أعيدها عليك من حفظي؟ قال: افعل. فأعادها عليه. فعجب عبد الله. فقال المأمون: يا عم: إلى جانب مسجدك دار إن أذنت لنا اشتريناها ووسعنا بها المسجد. فقال: ما لي إلى هذا حاجة، قد أجزأ من كان قبلي وهو يجزئني فنظر إلى قرح في ذراع الشيخ، فقال: إن معنا متطببين وأدوية، أتأذن أن يجيئك من يعالجك؟ قال: لا، قد ظهر بي مثل هذا وبدأ. فأمر له بمال فأبى أن يقبله. حسين بن عمرو العنقزي قال: لما نزل بابن إدريس الموت بكت ابنته فقال: لا تبكي فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة. سمع عبد الله بن إدريس من الأعمش وأبي إسحاق الشيباني وخلق كثير، وجمع بين العلم والزهد، ومولده سنة خمس عشرة ومائة. وتوفي في سنة اثنتين وتسعين ومائة. 453- وكيع بن الجراح بن مليح يكنى أبا سفيان الرواسي عبيد الله بن ثابت الجزري قال: سمعت عباسا الدوري يقول: قال لي أحمد بن حنبل: لو رأيت وكيعا لعلمت أنك ما رأيت مثله.