Qur'an&Sunnah

İbn Cevzî — Sıfatü's-Safve

Sección V02/P218–V02/P219

محمد بن عبد الله قال: صليت مع رياح القيسي الظهر، فصليت إلى جانبه فجعلت دموعه تقع على البواري مثل الوكف: طق طق. قال وكان رياح ربما أخذ حفنة من تراب ثم يضعها على البوري ويسجد عليها. وربما وجد رياح في بعض السكك، وقد غشي عليه فيحمل إلى أهله مغشيا عليه. محمد بن مسعر قال: كان لرياح القيسي غل من حديد قد اتخذه وكان إذا جنه الليل وضعه في عنقه وجعل يتضرع ويبكي حتى يصبح. عثمان قال: أخبرتني مخة وكانت إحدى العوابد قالت: رأيت رياح بن عمرو القيسي ليلة خلف المقام فذهبت فقمت خلفه حتى أزحفت ثم اضطجعت وهو قائم، وأنا أنظر إليه، فقلت بصوت حزين: سبقني العابدون وبقيت وحدي، والهف نفساه، فإذا رياح قد شهق وانكب على وجهه مغشيا عليه. فامتلأ فمه رملا، فما زال كذلك حتى أصبحنا ثم أفاق. الحارث بن سعيد قال: أخذ بيدي رياح فقال: هلم يا أبا محمد حتى نبكي على مر الساعات ونحن على هذه الحال. قال وخرجت معه إلى المقابر، فلما نظر إلى القبور صرخ ثم خر مغشيا عليه، قال: فجلست والله عند رأسه أبكي فأفاق فقال: ما يبكيك؟ قلت: لما أرى بك. قال: لنفسك فابك. ثم قال: وانفساه، وانفساه، ثم غشي عليه. قال: فرحمته والله مما نزل به فلم أزل عند رأسه حتى أفاق فوثب وهو يقول: {تلك إذا كرة خاسرة} {تلك إذا كرة خاسرة} النازعات. ومضى على وجهه وأنا أتبعه لا يكلمني حتى انتهى إلى منزله فدخل وأصفق بابه ورجعت إلى أهلي ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات. أسند رياح عن حسان بن أبي سنان وغيره. 559- عتبة الغلام وهو عتبة بن أبان بن صمعة وإنما سمي بالغلام لجده واجتهاده لصغر سنه. وكان يفتل الشريط. سوار أبو عبيدة قال: بكى عتبة الغلام في مجلس عبد الواحد بن زيد تسع سنين لا يفتر بكاء من حين يبتدئ عبد الواحد في الموعظة إلى أن يقوم لا يكاد يسكت عتبة. فقيل لعبد الواحد إنا لا نفهم كلامك من بكاء عتبة. قال: فأصنع ماذا؟ يبكي عتبة على نفسه وأنهاه أنا، لبئس واعظ قوم أنا. سليم الحنيف قال: رمقت عتبة ذات ليلة بساحل البحر فما زاد ليلته تلك حتى أصبح على هذه الكلمات وهو قائم يقول: إن تعذبني فإني لك محب وإن ترحمني فإني لك محب، فلم يزل يرددها ويبكي حتى طلع الفجر. أبو توبة قال: كان عتبة الغلام يأكل خبزا وملحا ويقول: العرس في الدار الأخرى. عبد الله بن الفرج العابد قال: كان عتبة يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم يأكله ويقول: كسرة وملح حتى نهنأ في الدار الأخرى الشواء والطعام الطيب. سلمة الفراء قال: كان عتبة الغلام من نساك أهل البصرة وكان من أصحاب الفلق. وكان قد قوت لنفسه ستين فلقة يتعشى كل ليلة بفلقة ويتسحر بأخرى، وكان يصوم الدهر ويأتي السواحل والجبابين. عن مخلد بن الحسين قال: كان عتبة يجالسنا فقال لنا يوما: إنه لا يعجبني رجل لا يكون في يده حرفة. فقلنا: ما نراك تحترف. فقال: بلى رأس مالي طسوج أشتري به خوصا أعمله وأبيعه بثلاثة طساسيج فطسوج رأس مالي وقيراط خبزي. أبو عمر الضرير قال: سمعت رياحا القيسي يقول: قال لي عتبة: يا رياح إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت فبئس الناظر لها أنا. يا رياح إن لي موقفا تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول. مسلمة بن عرفجة العنبري قال: سمعت عنبسة الخواص يقول: كان عتبة الغلام يزورني فربما بات عندي. قال ذات ليلة فبكى من السحر بكاءا شديدا فلما أصبح قلت له: قد فزعت قلبي الليلة ببكائك. فمم ذاك يا أخي؟ قال: يا عنبسة إني والله ذكرت يوم العرض على الله. ثم مال ليسقط فاحتضنته فجعلت أنظر إلى عينيه تتقلبان قد اشتدت حمرتهما. قال: ثم أزبد وجعل يخور فناديته: عتبة عتبة! فأجابني بصوت خفي: قطع ذكر يوم العرض على الله أوصال المحبين.

Sección V02/P219–V02/P222

قال: ثم جعل يحشرج بالبكاء ويردد حشرجة الموت ويقول: تراك مولاي تعذب محبيك وأنت الحي الكريم؟ قال: فلم يزل يرددها حتى والله أبكاني. داود بن المحبر قال: سمعت عبد الواحد بن زيد يقول: ربما سهرت مفكرا في طول حزن عتبة، وقد كلمته ليرفق بنفسه فبكى وقال: إنما أبكي تقصيري. الخليل بن عمرو البكري قال: سمعت مهدي بن ميمون يقول: خرجت في بعض الليالي إلى الجبان فإذا عتبة الغلام، فقال لي جئت؟ قد دعوت الله أن يجيء بك. قلت: أطعمنا رطبا. قال: فدعا فإذا دوخلة رطب بين أيدينا فأكلنا منه. زيدان قال: قال عتبة الغلام: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة. عبد الله بن مبشر قال: دعا عتبة الغلام ربه أن يهب له ثلاث خصال في دار الدنيا: دعا الله أن يمن عليه بصوت حزين، ودمع غزير، وغذاء من غير تكلف. قال: فكان إذا قرأ بكى وأبكى، وكانت دموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله فيصيب قوته لا يدري من أين يأتيه. الحسن بن دعامة قال: رأيت عتبة الغلام إذا استحسن الطير دعاه فيجيء حتى يسقط على فخذه فيمسه ثم يسيبه فيطير. عن عبد الواحد بن زيد قال: انطلقت أنا وعتبة الغلام في حاجة حتى إذا كنا برحبة القصابين جعلت أنظر إلى عتبة يعرق عرقا شديدا حتى رشح وذلك في يوم شات شديد البرد فقلت: عتبة ترشح عرقا في مثل هذا اليوم الشديد البرد؟ فسكت ولم يخبرني فقلت: بالذي بيني وبينك، ولم أزل به، فقال: ذكرت ذنبا أذنبته في هذا الموضع. إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت يوسف بن عطية فقلت له: ما كان لباس عتبة؟ قال: كان يلبس كساءين يأتزر بواحد ويرتدي بآخر، إذا رأيته قلت بعض الأكرة. قال إبراهيم: كان عتبة عربيا شريفا من عوذ. قال إبراهيم: وحدثني مضر قال: قال رجل لعبد الواحد بن زيد، تعلم أحدا يمشي في الطريق مشتغلا بنفسه؟ قال: ما أعرف إلا رجلا واحدا الساعة يدخل عليكم. فدخل عتبة. قال: وطريقه على السوق فقال له: يا عتبة من تلقاك في الطريق؟ قال: ما رأيت أحدا. قال عبد الواحد: وكان عتبة يسجد السجدة الطويلة على الحصا يوم الجمعة فما أراه يعقل بحره. أحمد بن زهير المروزي قال: ركب عتبة في زورق مع قوم فأراد الملاح أن يعدل ببعضهم السفينة فلم يجد أحدا منهم أحقر في عينيه من عتبة: فضرب جنبه فقال: استو فقال عتبة: الحمد لله الذي لم ير فيهم أحقر في عينه مني. أبو عبد الله الشحام قال: كان عتبة يبيت عندي. فقلت له: ما كانت عبادته؟ قال: كان يستقبل القبلة فلا يزال في فكر وبكاء حتى يصبح، وربما جاءني مساء فيقول: أخرج إلي شربة من ماء وتمرات أفطر عليها فيكون لك مثل أجري. عبد الخالق العبدي قال: كان لعتبة بيت يتعبد فيه فلما خرج إلى الشام أقفله وقال: لا تفتحوه إلى أن يبلغكم موتي، فلما بلغهم قتله فتحوه فأصابوا فيه قبرا محفورا وغلا حديدا. اشتغل عتبة بالعبادة عن الرواية وقتل شهيدا في بعض الغزوات. قدامة بن أيوب، وكان من أصحاب عتبة، قال: رأيت عتبة الغلام في المنام فقلت: ما صنع الله بك؟ قال: يا قدامة دخلت الجنة بتلك الدعوات المكتوبة في بيتك، فلما أصبحت أتيت إلى بيتي فإذا خط عتبة في الحائط مكتوب: يا هادي المضلين وراحم المذنبين ومقيل عثرات العاثرين، ارحم عبدك ذا الخطر العظيم والمسلمين كلهم أجمعين، واجعلنا مع الأحياء المرزوقين، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين رب العالمين. 560- بشر بن منصور السليمي العباس بن الوليد قال: أتينا بشر بن منصور بعد العصر فخرج إلينا وكأنه متغير. فقلت له: يا أبا محمد لعلنا شغلناك عن شيء؟ فرد ردا ضعيفا ثم قال: ما أكتمكم، أو كلمة نحوها، كنت أقرأ في المصحف فشغلتموني. ثم قال: ما أكاد ألقى أحدا فأربح عليه شيئا.

Sección V02/P222–V02/P223

غسان بن المفضل قال: كان بشر بن منصور من الذين إذا رؤوا ذكر الله وإذا رأيت وجهه ذكرت الآخرة، رجل منبسط ليس بمتماوت ذكي فقيه، وكان بشر رجلا من العرب وعلم بنيه عمل الخوص. أسيد بن جعفر ابن أخي بشر بن منصور قال: ما رأيت عمي بشر بن منصور ما فاتته التكبيرة الأولى قط ولا رأيته قام في مسجدنا سائل قط فلم يعط شيئا إلا أعطاه. زهير السجستاني قال: سمعت بشر بن منصور يقول: ما جلست إلى أحد ولا جلس إلي فقمت من عنده أو قام من عندي إلا علمت أني لو لم أقعد إليه أو يقعد إلي كان خيرا لي. عبد الخالق أبو همام الزهراني قال: قال بشر بن منصور لرجل: أقلل من معرفة الناس فإنك لا تدري ما يكون، فإن كان شيء، يعني فضيحة في القيامة، كان من يعرفك قليلا. قال علي بن المديني: بلغني عن عبد الرحمن بن مهدي قال: قال بشر بن منصور: إني لأذكر الشيء من أمر الدنيا ألهي به نفسي عن ذكر الآخرة أخاف على عقلي. عن ابن عيينة قال: قال رجل لبشر بن منصور: عظني، قال: عسكر الموتى ينتظرونك. عبيس بن مرحوم قال: حدثتني عبدة بنت أبي شوال قالت: رأيت رابعة في المنام فقلت: ما فعل ضيغم: قالت: يزور الله عز وجل متى شاء. فقلت: ما فعل بشر بن منصور؟ قالت: بخ بخ أعطي والله فوق ما كان يأمل. أسند بشر عن الثوري وغيره. 561- عبد العزيز بن سلمان ويكنى أبا محمد. أبو طارق التبان قال: كان عبد العزيز بن سلمان إذا ذكر القيامة والموت صرخ كما تصرخ الثكلى ويصرخ الخائفون من جوانب المسجد. قال: وربما رفع الميت والميتان من جوانب مجلسه. مسمع بن عاصم قال: بت أنا وعبد العزيز بن سلمان وكلاب بن جري وسلمان الأعرج على ساحل من بعض السواحل فبكى حتى خشيت أن يموت، ثم بكى عبد العزيز لبكائه. ثم بكى سلمان لبكائهما. وبكيت والله لبكائهم لا أدري ما أبكاهم. فلما كان بعد سألت عبد العزيز فقلت: أبا محمد ما الذين أبكاك ليلتك؟ قال: إني نظرت والله إلى أمواج البحر تموج فذكرت أطباق النيران وزفراتها فذاك الذي أبكاني. ثم سألت كلابا وسلمان فقالا لي نحوا من ذلك. قال مسمع: ما كان في القوم شر مني، ما كان بكائي إلا لبكائهم رحمة لما يصنعون بأنفسهم. عن محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: كان أبي إذا قام من الليل ليتهجد سمعت في الدار جلبة شديدة واستسقاء للماء الكثير. قال فنرى أن الجن كانوا يستيقظون للتهجد فيصلون معه. محمد بن عبد العزيز سلمان العابد البصري قال: سمعت دهثما، وكان من العابدين، يقول: اليوم الذي كنت لا آتي فيه عبد العزيز كنت مغبونا فأبطأت عليه ذات يوم ثم أتيته فقال: ما الذي أبطأ بك؟ قلت: خير. قال: على حال. قلت: شغلنا العيال، كنت ألتمس لهم شيئا. قال: فوجدته لهم؟ قلت: لا. قال: هلم فلندع، قال: فدعا وأمنت ودعوت وأمن. ثم نهضنا لنقوم فإذا والله الدنانير والدراهم تتناثر في حجورنا. فقال: دونكها ومضى ولم يلتفت إلي. قال: فأخذتها فإذا مائة دينار ومائة درهم. قال محمد: فقلت له: ما صنعت بها؟ قال: احتبست قوت عيالي جمعة حتى لا يشغلني عن عبادته وشكره وخدمته فكر في شيء من عرض الدنيا، ثم أمضيتها والله في سبيل الله. قال محمد: يحق والله أن يرزقوا بغير حساب. أحمد بن أبي الحواري قال: أنبأنا عبد العزيز بن عمير قال: قيل لعبد العزيز الراسبي، وكانت رابعة تسميه سيد العابدين، ما بقي مما تلذ به؟ قال: سردان أخلو به فيه. محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: حدثتني أمي قالت: قال أبوك: ما للعابدين وما للنوم؟ لا نوم والله في دار الدنيا إلا نوم غالب. قال: فكان والله لا يكاد ينام إلا مغلوبا.

Sección V02/P223–V02/P226

محمد بن الحسين قال: حدثني محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: حدثني واقد الصفار قال: دعا عبد العزيز بن سلمان يوما لمقعد كان في مجلسه وأمن إخوانه، قال: فوالله ما انصرف المقعد إلى أهله إلا ماشيا على رجليه. 562- مطهر السعدي عبد العزيز بن سلمان العابد، وكان يرى الآيات والأعاجيب. قال: حدثني مطهر السعدي، وكان قد بكى شوقا إلى الله تعالى ستين عاما، قال: أريت كأني على ضفة نهر يجري بالمسك الأذفر، حافتاه شجر لؤلؤ وقضبان الذهب، فإذا أنا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد: سبحان المسبح بكل لسان، سبحانه، سبحان الموجود بكل مكان، سبحانه، سبحان الدائم في كل الأزمان، سبحانه. قال: فقلت: من أنتن؟ فقلن: خلق من خلق الرحمن سبحانه فقلت: ما تصنعن ههنا فقلن: ذرانا إله الناس رب محمد لقوم على الأطراف بالليل قوم يناجون رب العالمين إلههم فتسري هموم الدنيا والناس نوم قال: فقلت: بخ بخ لهؤلاء، من هؤلاء؟ لقد أقر الله أعينكم بكن، فقلن: أو ما تعرفهم؟ قلت: لا والله ما أعرفهم. قلن: بلى هؤلاء المتهجدون أصحاب القرآن والسهر. 563- كلاب بن جري حكيم بن جعفر قال: كان مسمع يحدثني بحالات كلاب بن جري فأسمع شيئا ما كنت أرى أن يكون في هذه الأمة مثله، من شدة الخوف وطرب الشوق، فقلت له: يا أبا سيار فكيف كان ليله؟ قال: شهدته ليلة في بعض السواحل وهو يصرخ من أول الليل إلى آخره. فلما كان بعد ذلك قلت له: رحمك الله لقد أويت لك من طول ما كنت فيه ليلتك. قال: فبكى ثم قال: يا أبا سيار فبمن أستغيث إذا؟ قال: فأبكاني والله. 564- عبد الله بن ثعلبة الحنفي محمد بن علي الهاشمي قال: قال عبد الله بن ثعلبة الله يحفظك بأحراسه فإذا أصبحت غدوت على معاصيه خلافا له؟ فإذا أمسيت أعاد حراسه عليك لا يمنعه ما كان منك. يوسف بن أبي عبد الله قال: سمعت عبد الله بن ثعلبة يقول: تضحك؟ ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار. عن حامد بن عمرو البكراوي قال: سمعت عبد الله بن ثعلبة يقول لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد واحزنا على الحزن. فقال سفيان: هل حزنت قط لعلم الله فيك، فقال عبد الله: آه آه تركتني لا أفرح أبدا. أبو الحسن البصري قال: أنا أبو عروة، وكان جارا لعبد الله بن ثعلبة الحنفي حتى انمحق خداه من الدموع، وكان يقول: لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد وما إن تزال دار حي قد أخرجت وبيت لميت بالفناء جديد فهم جيرة الأموات أما مزارهم فدان وأما الملتقى فبعيد ولا نعرف لعبد الله مسندا. 565- ناشرة بن سعيد الحنفي مسمع بن عاصم قال: انطلقت أنا وعبد العزيز بن سلمان إلى ناشرة بن سعيد الحنفي؛ وكان قد بكى حتى أظلمت عيناه، فاستأذنا عليه فأذن لنا فدخلنا فسلم عليه عبد العزيز، فقال له ناشرة: أبو محمد؟ قال: نعم. قال: ما جاء بك؟ قال: نبكي معك على ما تقدم من سالف الذنوب. قال: فشهق شهقة خر مغشيا عليه، وجلس عبد العزيز يبكي عند رأسه. قال: وتنادى أهله فجعلوا يبكون حوله وهو صريع بينهم. فلما رأيت البكاء قد كثر انسللت فخرجت. ومن الطبقة السابعة من أهل البصرة: 566- عبد الرحمن بن مهدي يكنى أبا سعيد العنبري. ويقال: هو مولى للأزد. ولد في سنة خمس وثلاثين ومائة. علي بن المديني قال: كان عبد الرحمن بن مهدي يختم في كل ليلتين، وكان ورده في كل ليلة نصف القرآن. هارون بن سفيان قال: سمعت عبيد الله بن عمر القواريري يقول: أملي علي عبد الرحمن بن مهدي عشرين ألف حديث حفظا.

Sección V02/P226–V02/P229

عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان يقال إذا لقي الرجل من فوقه في العلم: كان يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله دارسه وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه. ولا يكون إماما في العلم في العلم من يحدث بكل ما سمع ولا يكون إماما في العلم من يحدث عن كل أحد، ولا يكون إماما في العلم من يحدث بالشاذ من العلم والحفظ والإتقان. قال: وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لولا أني أكره أن يعصى الله تمنيت أن لا يبقى في هذا المصر أحد إلا وقع في واغتابني، فأي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها ولم يعلم بها. وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول، وأراد أن يبيع أرضا له فقال الدلال: أعطيت بالجريب خمسين ومائتي دينار ولكن نظر إلى أرض خراب ونخل بادية العروق، فلولا كانت مسمدة رجوت أن أبيع الجريب بفضل خمسين دينارا وهذا كثير أربعة آلاف دينار؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب} المائدة: 100 لا ولا كذا. أظنه قال: ولا مائة ألف. قال عبد الرحمن بم عمر: وحدثني يحيى بن عبد الرحمن بن مهري أن أباه كان يحيى الليل كله. قال عبد الرحمن بن عمر: وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: والله لا تجد فقد شيء تركته ابتغاء وجه الله، كنت أنا وأخي شريكين فأصبنا مالا كثيرا فدخل قلبي من ذلك شيء فتركته لله وخرجت منه فما خرجت من الدنيا حتى رد الله علي ذلك المال عامة إلي وإلى ولدي، زوج أخي ثلاث بنات من بني وزوجت ابنتي من ابنه، ومات أخي فورثه أبي، ومات أبي فورثنه أنا، فرجع ذلك كله إلي وإلى ولدي في الدنيا. أسند عبد الرحمن عن الأئمة كمالك بن أنس والثوري وشعبة والحمادين، وقد أدرك جماعة من التابعين منهم: جرير بن حازم، والمثنى بن سعيد، وصالح بن درهم. وتوفي بالبصرة في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة. 567- عفان بن مسلم أبو عثمان الصفار جمع بين العلم والتقى. صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي قال: ثنا أبي قال: عفان بن مسلم بصري ثقة ثبت، صاحب سنة، جعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل ولا يقول: عدل ولا غير عدل. فأبى وقال: لا أبطل حقا من الحقوق. حنبل بن إسحاق قال: سمعت عفان يقول: دعاني إسحاق بن إبراهيم فقرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون وإذا فيه: امتحن عفان وادعه إلى أن يقول: القرآن كذا وكذا. فإن قال ذلك فأقرأه على أمره وإن لم يجبك فاقطع عنه الذي يجري عليه وكان يجري عليه خمسمائة درهم كل شهر. قال عفان: فقال لي: ما تقول؟ فقرأت {قل هو الله أحد} الإخلاص: 1 حتى ختمتها وقلت: مخلوق هذا؟ فقال: إن أمير المؤمنين يقول إن لم تجبه يقطع عنك ما يجرى عليك فقلت يقول الله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} الذاريات فسكت عني، فانصرفت. أسند عفان عن جماعة من الأئمة كشعبة والحمادين. وتوفي ببغداد في سنة عشرين ومائتين، وقيل تسع عشرة، وله خمس وثمانون سنة. 568- زهير بن نعيم الباني يكنى أبا عبد الرحمن. أحمد بن عصام قال: قال زهير بن نعيم: عن هذا الأمر لا يتم إلا بشيئين: الصبر واليقين، فإن كان يقين ولم يكن معه صبر لم يتم، وإن كان صبر ولم يكن معه يقين لم يتم، وقد ضرب لهما أبو الدرداء مثلا فقال: مثل اليقين والصبر مثل فدادين يحفران الأرض فإذا جلس واحد جلس الآخر.

Sección V02/P229–V02/P230

قال أحمد بن عصام: وسمعت خالي عبد العزيز بن يوسف يقول: أردت الخروج من البصرة فبدأت بيحيى بن سعيد فودعته ثم ودعت عبد الرحمن بن مهدي، ثم ودعت زهيرا فقلت: هل من حاجة؟ فقال: نعم إلا أنها مهمة. قال: ففرحت. فقال: إتق الله، فوالله لأن يتقيه عبد أحب غلي من أن تتحول هذه السواري كلها ذهبا. عبد الرحمن بن عمر قال: انتهى إلينا يوما رجل من هؤلاء الخبثاء القدرية فقال له: يا أبا عبد الرحمن بلغني انك رجل زنديق. فقال له زهير: أما زنديق فلا، ولكني رجل سوء. عبد الله بن عبد الغفار الكرماني قال: سمعت زهير بن نعيم الباني يقول: لوددت أن جسدي قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق أطاع الله. عبد الله بن عبد الغفار الكرماني قال: دخلت على زهير بن نعيم الباني وقد سقط من سطح، وقد تهشم وجهه، وهو مكفوف فقلت: يا أبا عبد الرحمن كيف خبرك قال: هو ذا تراني كيف أنا وهي الدنيا فليجهد جهدها. محمد بن يونس بن موسى قال: سمعت زهير بن نعيم الباني. وقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن توصي بشيء؟ قال: نعم إحذر أن يأخذك الله وأنت على غفلة. 569- أبو عبد الله الحربي الزاهد إبراهيم بن شبيب بن شيبة قال: كنا نتجالس في الجمعة فأتى رجل عليه ثوب واحد ملتحف به فجلس إلينا فألقى مسألة فما زلنا نتكلم في الفقه حتى انصرفنا. ثم جاءنا في الجمعة المقبلة فأحببناه وسألناه عن منزله فقال: أنزل الحربية فسألناه عن كنيته فقال: أبو عبد الله. فرغبنا في مجالسته ورأينا مجلسنا مجلس فقه. فمكثنا بذلك زمانا ثم انقطع عنا فقال بعضنا لبعض: ما حالنا؟ قد كان مجلسنا عامرا بأبي عبد الله وقد صار موحشا فوعد بعضنا بعضا إذا أصبحنا أن نأتي الحربية فنسأل عنه. فأتينا الحربية وكنا عددا فجعلنا نستحي أن نسأل عن أبي عبد الله فنظرنا إلى صبيان قد انصرفوا من الكتاب فقلنا: أبو عبد الله. فقالوا: لعلكم تعنون الصياد؟ قلنا نعم. قالوا هذا وقته الآن يجيء. فقعدنا ننتظره فإذا هو قد أقبل مؤتزرا بخرقة وعلى كتفه خرقة ومعه أطيار مذبحة وأطيار أحياء. فلما رآنا تبسم إلينا وقال: ما جاء بكم؟ فقلنا: فقدناك وقد كنت غمرت مجلسنا فما غيبك عنا؟ قال: إذا أصدقكم. كان لنا جار كنت أستعير منه كل يوم ذاك الثوب الذي كنت آتيكم فيه وكان غريبا فخرج إلى وطنه فلم يكن لي ثوب آتيكم فيه هل لكم أن تدخلوا المنزل فتأكلوا مما رزق الله عز وجل؟ فقال بعضنا لبعض: ادخلوا منزله فجاء إلى الباب فسلم ثم صبر قليلا ثم دخل فأذن لنا فدخلنا فإذا هو قد أتى بقطع من البواري فبسطها لنا فقعدنا فدخل إلى المرأة فسلم إليها الأطيار المذبحة وأخذ الأطيار الأحياء ثم قال: أنا آتيكم إن شاء الله عن قريب فأتى السوق فباعها واشترى خبزا فجاء وقد صنعت المرأة ذلك الطير وهيأته فقدم إلينا خبزا ولحم طير فأكلنا فجعل يقوم فيأتينا بالملح والماء فكلما قام قال بعضنا لبعض: رأيتم مثل هذا؟ ألا تغيرون أمره وأنتم سادة أهل البصرة؟ فقال أحدهم: علي خمسمائة. وقال الآخر: علي ثلثمائة. وقال هذا وقال هذا، وضمن بعضهم أن يأخذ له غيره. فبلغ الذي جمعوا في الحساب خمسة آلاف درهم فقالوا: قوموا بنا نذهب فنأتيه بهذا ونسأله أن يغير بعض ما هو فيه. فقمنا فانصرفنا على حالنا ركبانا فمررنا بالمربد فإذا محمد بن سليمان أمير البصرة قاعد في منظرة له فقال: يا غلام ائتني بإبراهيم بن شبيب بن شيبة من بين القوم. فجئت فدخلت عليه فسألني عن قصتنا ومن أين أقبلنا فصدقته الحديث. فقال: أنا أسبقكم إلى بره، يا غلام ائتني ببدرة دراهم فجاء بها فقال: ائتني بغلام فراش فجاء فقال: احمل هذه البدرة مع هذا الرجل حتى تدفعها إلى من أمرنا.

Sección V02/P230–V02/P232

ففرحت ثم قمت مسرعا فلما أتيت الباب سلمت فاجابني أبو عبد الله ثم خرج إلي. فلما رأى الفراش والبدرة على عنقه كأني سفيت في وجهه الرماد وأقبل علي بغير الوجه الأول فقال: ما لي ولك يا هذا؟ أتريد أن تفتنني؟ فقلت: يا عبد الله اقعد حتى أخبرك أنه من القصة كذا وكذا، وهو الذي تعلم أحد الجبارين، يعني محمد بن سليمان، ولو كان أمري أن أضعها حيث أرى لرجعت إليه فأخبرته إني قد وضعتها. فالله الله في نفسك. فازداد علي غيظا وقام فدخل منزله وأصفق الباب في وجهي، فجعلت أقدم وأؤخر ما أدري ما أقول للأمير. ثم لم أجد بدا من الصدق فجئت فأخبرته الخبر فقال: حروري والله، يا غلام علي بالسيف. فجاء بالسيف فقال له: خذ بيد هذا الغلام حتى يذهب بك إلى هذا الرجل فإذا أخرجه إليك فاضرب عنقه وائتني برأسه، قال إبراهيم: فقلت أصلح الله الأمير، الله الله، فوالله لقد رأينا رجلا ما هو من الخوارج ولكني أذهب فآتيك به وما أريد بذلك إلا افتداء منه. قال فضمننيه فمضيت حتى أتيت الباب فسلمت فإذا المرأة تحن وتبكي، ثم فتحت الباب وتوارت فأذنت لي فدخلت فقالت: ما شأنكم وشأن أبي عبد الله؟ فقلت: ما حاله؟ قالت: دخل فمال إلى الركى فنزع منها ماء فتوضأ ثم سمعته يقول: اللهم اقبضني إليك ولا تفتني. ثم تمدد وهو يقول ذلك. فلحقته وقد قضى فهو ذاك ميت. فقلت: يا هذه إن لنا قصة عظيمة فلا تحدثوا فيه شيئا. فجئت محمد بن سليمان وأخبرته الخبر فقال: أنا أركب فأصلي على هذا. قال: وشاع خبره بالبصرة فشهده الأمير وعامة أهل البصرة. رحمة الله عليه. وممن تأخر عن هذه الطبقات: 570- أبوا الحسن البصري أصله من مكة وسكن البصرة وإنما يعرف بالمكي. أنبأنا محمد بن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال: كان أبو الحسن المكي يسف الخوص وكان لا يملك إلا دارا فلما ضعف عن سف الخوص باعها على شرط أن يكريه المشتري إياها وأودع الثمن عند المشتري، وكان يأخذ منه في كل شهر خمسة دراهم لنفقته ويعطي المشتري أجرة الدار. فمات قبل أن ينفذ الثمن، وكانت له جبة صوف بيضاء أقامت معه عشرين سنة شتاء وصيفا ما لبس غيرها، وكانت في نهاية الحسن والنقاء والنظافة والصحة. وكان موته حوالي سنة خمسين وثلثمائة وكانت جنازته عظيمة. ذكر المصطفين من عباد البصرة المجاهيل الأسماء 571- عابد عن الحسن قال: احترقت أخصاص بالبصرة وبقي في وسطها خص لم يحترق وأمير البصرة يومئذ أبو موسى الأشعري. فخبر بذلك فبعث إلى صاحب الخص فأتي به فإذا شيخ فقال: يا شيخ ما بال خصك لم يحترق؟ قال: إني أقسمت على ربي أن لا يحرقه فقال أبو موسى: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون في أمتي رجال طلس رؤوسهم، دنس ثيابهم، لو أقسموا على الله لأبرهم" 1. 572- عابد آخر قال إبراهيم بن عبد الله بن المديني: قيل للحسن: ههنا رجل لم نره قط جالسا إلى أحد إنما هو أبدا خلف سارية وحده. فقال الحسن: إذا رأيتموه فأخبروني به. قال فمر به ذات يوم ومعهم الحسن فأشاروا له إليه فقالوا: ذلك الرجل الذي أخبرناك. فقال: امضوا حتى آتيه. فلما جاءه قال: يا عبد الله أراك قد حببت إليك العزلة فما يمنعك من مخالطة الناس؟ قال: ما أشغلني عن الناس. قال: فيأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن فتجلس إليه. قال ما أشغلني عن الحسن وعن الناس. قال: له الحسن: فما الذي شغلك -يرحمك الله - عن الناس وعن الحسن؟ قال: إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة، فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار للذنب والشكر لله على النعمة. فقال له الحسن: أنت يا عبد الله أفقه عندي من الحسن، الزم ما أنت عليه. 573- عابد آخر

Sección V02/P232–V02/P234

عطية بن سليمان قال: صليت الجمعة ثم انصرف فجلست إلى يونس بن عبيد حتى صلينا العصر فقال: هل لكم في جنازة فلان؟ فمشينا إلى ناحية بني سعد فصلينا على الجنازة ثم قال: هل لكم في فلان العابد نعوده فأتينا رجلا قد وقعت في فيه الخبيثة حتى أبدت عن أضراسه فكان إذا أراد أن يتكلم دعا بعقب من ماء وبقطنة فيبل لسانه حتى يبتل ثم يتكلم بكلمات يحسن فيهن. فلما دخلنا عليه دعا بالقدح ليفعل ما كان يفعل، فبينا هو يبل لسانه سقطت حدقتاه في القدح فأخذهما فمر بهما بيده ثم قال: إني لأجد فيهما دسما وما كنت أظنه بقي فيهما. ثم استقبل القبلة فقال: الحمد لله الذي أعطانيهما وأمتعني بهما شبابي وصحتي حتى إذا أفنيت أيامي وحضر أجلي أخذهما مني ليبدلني بهما إن شاء الله خيرا منهما. فقال له يونس: قد كنا تهيأنا لنعزيك فنحن الآن نهنئك فقال خيرا ودعا. ثم خرجنا من عنده. 574- عابد آخر محمد بن عبد الرحمن عن الرجل الذي حدثه أنهم كانوا بالبصرة في شدة قحط الناس فيها وغلا سعرهم واحتبس عنهم المطر فخرجوا يستسقون، وخرجت اليهود والنصارى، فاعتزلت اليهود معهم التوراة، واعتزلت النصارى معهم الإنجيل، واعتزل المسلمون، كلهم يدعون وانصرفوا يومهم ذلك. قال: فبينا أنا بعد ذلك أمشي في طريق المريد نظرت فإذا بين يدي فتى عليه أطمار، تقيلة النفس فهو يمشي وأنا خلفه حتى خرج إلى الجبان فدخل بعض تلك المساجد التي بالقرب من المقابر ودخلت خلفه تحول بيني وبينه أركان المسجد فصلى ركعتين ثم رفع يديه يدعو، وقال في دعائه: يا رب استغاث بك عبادك فلم تسقهم، يا رب الآن شمتت بنا اليهود والنصارى، أقسمت عليه يا رب إلا سقيتنا الساعة ولم تردني. قال: فما برح يدعو حتى جاءت السحابة ومطرنا فخرج وخرجت في أثره لأعرف موضعه فجاء إلى دار فيها أخصاص وأكواخ فيها سكان فدخل بيتا منها فعرفت موضعه. فانصرفت عنه وهيأت دراهم في صرة ثم جئت فاستأذنت عليه فدخلت فإذا ليس في البيت إلا قطعة حصير ومطهرة فيها ماء وإذا هو قاعد يعمل الخوص فسلمت فرحب بي وبش فتحدثت ساعة ثم أخرجت الصرة وقلت: رحمك الله انتفع بهذه فتبسم وقال: جزاك الله خيرا أنا في غنى عنها. فألححت عليه فجعل يدعو ويأبى أن يأخذها. فلما أكثرت عليه تنكر لي وقال: حسبك الآن ليس بي إليها حاجة. قال: فأقبلت عليه وقلت: رحمك الله إن لي عليك حقا قال: وما هو رحمك الله؟ قلت: كنت أسمع دعاءك حين خرجت إلى الجبان. قال: فاصفر وجهه حتى أنكرته وساءه ما قلت له. ثم خرجت من عنده. فلما كان بعد ذلك بأيام أتيته فلما دخلت الدار جعل سكان الدار يصيحون بقيم الدار: هو ذا هو قد جاء. فجاء إلي فتعلق بي وقال: يا عدو نفسه ما صنعت بذاك الفتى الذي جئته اليوم الأول؟ أي شيء أسمعته؟ قلت: لا تعجل حتى أخبرك بالحديث، فقال: إنك لما خرجت من عنده قام في الحال فأخذ حصيره ومطهرته وودعنا وخرج ولم يعد إلينا إلى الساعة لا ندري أين توجه؟ 575- عابد آخر عن مالك بن دينار قال: احتبس علينا المطر بالبصرة فخرجنا يوما بعد يوم نستسقي فلم نر أثرا لإجابة. فخرجت أنا وعطاء السليمي وثابت البناني ومحمد بن واسع وحبيب الفارسي وصالح المرب وآخرين حتى صرنا إلى المصلى بالبصرة فاستسقينا فلم نر أثرا لإجابة. وانصرف الناس وبقيت أنا وثابت في المصلى فلما أظلم الليل إذا بأسود دقيق الساقين عظيم البطن عليه مئزران من صوف، فجاء إلى ماء فتمسح ثم صلى ركعتين خفيفتين ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: سيدي إلى كم ترد عبادك فيما لا ينقصك أنفد ما عندك؟ أقسمت عليك بحبك لي إلا ما سقيتنا غيثك الساعة الساعة.

Sección V02/P234–V02/P236

فما أتم الكلام حتى تغيمت السماء وأخذتنا كأفواه القرب فما خرجنا حتى خضنا الماء. فتعجبنا من الأسود فتعرضت له فقلت: أما تستحيي ما قلت؟ قال: وما قلت؟ قلت قولك: بحبك لي، وما يدريك أنه يحبك؟ قال: تنح عن همتي يا من اشتغل عنه بنفسه أين كنت أنا حين خصني بتوحيده ومعرفته؟ أتراه بدأني بذلك إلا لمحبته لي؟ ثم بادر يسعى. فقلت: ارفق بنا. قال: أنا مملوك علي فرض من طاعة مالكي الصغير. فدخل دار نحاس فلما أصبحنا أتيت النحاس فقلت له: عندك غلام تبيعنيه للخدمة؟ قال: نعم عندي مائة غلام فجعل يخرج إلى واحدا بعد واحد وأنا أقول غير هذا. إلى أن قال: ما بقي عندي أحد فلما خرجنا إذا الأسود قائم في حجرة خربة فقلت: يعني هذا. قال: هذا غلام مشؤوم لا همة له إلا بالبكاء فقلت: ولذلك أريده فدعاه وقال لي: خذه بما شئت بعد أن تبرئني من عيوبه. فاشتريته بعشرين دينارا. فلما خرجنا قال: يا مولاي لماذا اشتريتني؟ قلت: لنخدمك نحن. قال: ولم ذاك؟ قلت: أليس أنت صاحبنا البارحة في المصلى؟ قال: وقد اطلعت على ذلك فجعل يمشي حتى دخل مسجدا فصلى ركعتين ثم قال: إلهي وسيدي سر كان بيني وبينك أظهرته للمخلوقين، أقسمت عليك إلا قبضت روحي الساعة. فإذا هو ميت فبقبره نستسقي ونطلب الحوائج إلى يومنا هذا. 576- عابد آخر حصين بن قاسم الوزان قال: كنا عند عبد الواحد وهو يعظ فناداه رجل من ناحية المسجد كف يا أبا عبيدة فقد كشفت قناع قلبي فلم يلتفت عبد الواحد ومر في الموعظة. فلم يزل الرجل يقول: كف يا أبا عبيدة فقد كشفت قناع قلبي وعبد الواحد يعظ ولا يقطع وموعظته حتى والله حشرج الرجل حشرجة الموت، ثم خرجت نفسه. قال: فأنا والله شهدت جنازته يومئذ فما رأيت بالبصرة يوما أكثر باكيا من يومئذ. 577- عابد آخر عن يزيد الرقاشي قال: دخلت على عابد بالبصرة وإذا أهل بيته حوله فإذا هو مجهود قد أجهده الاجتهاد. قال: فبكى أبوه فنظر إليه ثم قال: أيها الشيخ، ما الذي يبكيك؟ قال: يا بني أبكي فقدك وما أرى من جهدك. قال: فبكت أمه. فقال: أيتها الوالدة الشفيقة الرفيقة ما الذي يبكيك؟ قال: يا بني أبكي فراقك وما أتعجل من الوحشة بعدك. قال: فبكى أهله وصبيانه. فنظر إليهم ثم قال: يا معشر اليتامى بعد قليل، ما الذي يبكيكم؟ قالوا: يا أبانا نبكي فراقك وما نتعجل من اليتم بعدك. قال: فقال: أقعدوني أقعدوني ألا أرى كلكم يبكي لدنياي أما فيكم من يبكي لآخرتي؟ أما فيكم من يبكي لما يلقاه في التراب وجهي؟ أما فيكم من يبكي لمساءلة منكر ونكير وإياي؟ أما فيكم من يبكي لوقوفي بين يدي الله ربي؟ قال: ثم صرخ صرخة فمات. 578- عابد آخر عبد الواحد بن زيد قال: خرجت إلى ناحية الحربية فإذا إنسان أسود مجذوم قد تقطعت كل جارحة له بالجذام وعمي وأقعد وإذا صبيان يرمونه بالحجارة حتى دموا وجهه. فرأيته يحرك شفتيه فدنوت منه لأسمع ما يقول فإذا هو يقول: يا سيدي إنك لتعلم أنك لو قرضت لحمي بالمقاريض ونشرت عظامي بالمناشير ما ازددت لك إلا حبا فاصنع بي ما شئت. 579- عابد آخر فضيل أبو حاتم قال: لما كان حريق عرماز، كان رجل في خص له يسف خوصا، والنار قد أحدقت به فلم يضره. فقيل له في ذلك فقال: إني عزمت على رب النار أن لا يحرقني بالنار. قيل له فاعزم عليه أن يطفئها. قال: ففعل. فلم تلبث النار أن طفئت. 580- عباد سبعة عن صالح المري قال: قدم علينا ابن السماك مرة فقال لي: أرني بعض عجائب عبادكم فذهبت به إلى رجل في بعض الأحياء في خص له فاستأذنا عليه فدخلنا، فإذا رجل يعمل خوصا له فقرأت {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون} غافر فشهق الرجل فإذا هو قد يبس مغشيا عليه.

Sección V02/P236–V02/P239

فخرجنا من عنده وتركناه على حاله وذهبنا إلى آخر فاستأذنا عليه فقال: ادخلوا إن لم تشغلونا عن ربنا. فدخلنا فإذا رجل جالس في مصلى له فقرأت: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} إبراهيم فشهق شهقة بدر الدم من منخريه ثم جعل يتشحط في دمه حتى يبس، فخرجنا من عنده وتركناه على حاله، حتى أدرته على ستة أنفس، كل نخرج من عنده وهو على هذه الحالة. ثم أتيت به السابع فاستأذنت فإذا امرأة له من وراء الخص تقول: ادخلوا. فدخلنا فإذا شيخ فان جالس في مصلاة فسلمنا فلم يعقل سلامنا. فقلت بصوت عال: إن للخلق غدا مقاما. فقال الشيخ بين يدي من ويحك؟ ثم بقي مبهوتا فاتحا فاه شاخصا بصره يصيح بصوت له ضعيف حتى انقطع. فقالت امرأته: اخرجوا عنه فإنكم ليس تنتفعون به الساعة. فلما كان بعد ذلك سألت عن القوم فإذا ثلاثة قد أفاقوا وثلاثة قد لحقوا بالله عز وجل، وأما الشيخ فإنه مكث ثلاثة أيام على حالته مبهوتا متحيرا لا يؤدي فرضا فلما كان بعد ثالثة عقل. 581- عابدان ابن سماك قال: دخلت البصرة فقلت لرجل كنت أعرفه دلني على عبادكم. فأدخلني على رجل عليه لباس الشعر، طويل الصمت لا يرفع رأسه إلى أحد. قال فجعلت أستنطقه الكلام فلا يكلمني. فخرجت من عنده فقال لي صاحبي: ههنا ابن عجوز هل لك فيه؟ قال: فدخلنا عليه فقالت العجوز: لا تذكروا لابني شيئا من ذكر جنة ولا نار فتقتلوه علي فإنه ليس لي غيره، قال: فدخلنا على شاب عليه من اللباس نحو مما على صاحبه منكس الرأس طويل الصمت فرفع رأسه فنظر إلينا ثم قال: أما إن للناس موقفا لا بد أن يقفوه قال: فقلت بين يدي من رحمك الله؟ قال: فشهق شهقة فمات، قال ابن السماك فجاءت العجوز فقالت: قتلتم ولدي. قال: فكنت فيمن صلى عليه. 582- عابد آخر أبو عبد الله خرزي قال قلت لمحمد بن السماك: أخبرني عن أعجب شيء رأيته من الخائفين. قال: اشتقت إلى عباد البصرة فأتيت الربيع بن صبيح فنزلت عليه ثم قلت له: هل تعرف ههنا أحدا من الخائفين؟ قال: نعم ههنا زاهد يقال إنه من الخائفين قلت له فبكر بنا إذا صلينا. قال فبكرنا إلى بعض زوايا البصرة فدق بابا فخرجت عجوز فسلم عليها ثم قال: ما فعل ابنك؟ قالت إن ابني قد نسي الدنيا. قال: أتأذنين لنا أن ندخل عليه؟ قالت: بشرط أن لا تذكروا له القيامة. قال: فأذنت لنا فدخلنا فإذا شاب عليه مدرعة شعر، في عنقه طوق وسلسلة مشدودة بسارية البيت، فإذا قبر محفور وإذا هو جالس على شفير قبره ينظر في لحده فقال الربيع: يا هذا أخوك محمد بن السماك المذكر أتاك زائرا. فالتفت إليه فقال: ما أنت قائل؟ فتلجلج لساني وهنت فجهدت الجهد أن أنطلق فما قدرت. فخرجنا يومئذ ثم عدت في اليوم الثاني فإذا هو على حالته التي رأيناها أمس فالتفت إلي فقال: ما أنت قائل؟ فتلجلج لساني. ثم قلت إن للعباد مقاما. قال: ويحج عند من؟ قلت: عند مالك الملوك. فشهق شهقة فإذا هو ميت في قبره. و من عقلاء المجانين بالبصرة 583- رجل لم يعرف اسمه أبو أحمد بن روح قال حدثني بعض أصحابنا قال: رأيت مجنونا بالبصرة قد نظر إلى جنازة فأنشأ يقول: وصف الطبيب فهم بما وصف الطبيب يعالجونه يرجون صحة جسمه هيهات مما يرتجونه قال: ثم غلبه البكاء ومضى. ذكر المصطفيات من عابدات البصرة 584- معاذة بنت عبد الله العدوية وتكنى أم الصهباء. محمد بن فضيل قال: حدثنا أبي قال: كانت معاذة العدوية إذا جاء النهار قالت: هذا يومي الذي أموت فيه، فما تنام حتى تمسي وإذا جاء الليل قالت: هذه ليلتي التي أموت فيها فلا تنام حتى تصبح وإذا جاء البرد لبست الثياب الرقاق حتى يمنعها البرد من النوم.

Sección V02/P239–V02/P241

الحكم بن سنان الباهلي قال: حدثتني امرأة كانت تخدم معاذة العدوية قالت: كانت تحيي الليل صلاة فإذا غلبها النوم قامت فجالت في الدار وهي تقول: يا نفس، النوم أمامك لو قدمت لطالت رقدتك في القبر على حسرة أو سرور. قالت: فهي كذلك حتى تصبح. قال عبد الرحمن بن عمرو الباهلي: وحدثتنا دلال ابنة أبي المدل قالت: حدثتني آسية بنت عمرو العدوية قالت: كانت معاذة العدوية تصلي في كل يوم وليلة ستمائة ركعة وتقرأ جزءها من الليل تقوم به. وكانت تقول عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلم القبور. الحسن بن علي بن مسلم الباهلي قال: سمعت أبا السور العدوي يقول: بنو عدي أشد أهل هذه البلدة اجتهادا، هذا أبو الصهباء لا ينام ليله ولا يفطر نهاره، وهذه امرأته معاذة ابنة عبد الله لم ترفع رأسها إلى السماء أربعين عاما. عن زهير السلولي، عن رجل من بني عدي، عن امرأة منهم أرضعتها معاذة ابنة عبد الله قالت: قالت لي معاذة: يا بنية كوني من لقاء الله عز وجل على حذر ورجاء، وإني رأيت الراجي له محقوقا بحسن الزلفى لديه يوم يلقاه، ورأيت الخائف له مؤملا للأمان يوم يقوم الناس لرب العالمين ثم بكت حتى غلبها البكاء. حماد بن سلمة قال: أنبأ ثابت البناني أن صلة بن أشيم كان في مغزى له ومعه ابن له، فقال: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك. فحمل فقاتل حتى قتل ثم تقدم فقتل فاجتمعت النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت: مرحبا، إن كنتن جئتن لتهنئتي، فمرحبا بكن وإن كنتن جئتن بغير ذلك فارجعن. سلمة بن حسان العدوي قال: أنبأ الحسن أن معاذة لم توسد فراشا بعد أبي الصهباء حتى ماتت. عمران بن خالد قال: حدثتني أم الأسود بنت زيد العدوية وكانت معاذة قد أرضعتها قالت: قالت لي معاذة لما قتل أبو الصهباء وقتل ولدها والله يا بنية ما محبتي للبقاء في الدنيا للذيذ عيش ولا لروح نسيم، ولكن والله أحب البقاء لأتقرب إلى ربي عز وجل بالوسائل لعله يجمع بيني وبين أبي الصهباء وولده في الجنة. روح بن سلمة الوراق قال: سمعت عفيرة العابدة تقول: بلغني أن معاذة العدوية لما احتضرها الموت بكت ثم ضحكت. فقيل لها: مم بكيت ثم ضحكت فمم البكاء ومم الضحك؟ قالت: أما البكاء الذي رأيتم فإني ذكرت مفارقة الصيام والصلاة والذكر فكان البكاء لذلك، وأما الذي رأيتم من تبسمي وضحكي فإني نظرت إلى أبي الصهباء قد أقبل في صحن الدار وعليه حلتان خضراوان وهو في نفر والله ما رأيت لهم في الدنيا شبها فضحكت إليه ولا أراني أدرك بعد ذلك فرضا. قال فماتت قبل أن يدخل وقت الصلاة. أدركت معاذة عائشة وروت عنها. وروى عن معاذة الحسن البصري وأبو قلابة، ويزيد الرشك. 585 - حفصة بنت سيرين عن عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا وتنقبت به فنقول لها: رحمك الله قال الله: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} النور: 60 وهو الجلباب. قال فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: {وأن يستعففن خير لهن} النور: 60 فتقول: هو إثبات الجلباب. هشام بن حسان قال: كانت حفصة تقول لنا: يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب. قال: قرأت القرآن وهي ابنة اثنتي عشرة سنة وماتت وهي ابنة تسعين. عن هشام أن حفصة كانت تدخل في مسجدها فتصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم لا تزال فيه حتى يرتفع النهار وتركع ثم تخرج فيكون عند ذلك وضوءها ونومها، حتى إذا حضرت الصلاة عادت إلى مسجدها إلى مثلها. عن مهدي بن ميمون قال: مكثت حفصة في مصلاها ثلاثين سنة لا تخرج إلا لحاجة أو لقائلة. عن هشام أن ابن سيرين كان إذا أشكل عليه شيء من القراءة قال: اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ.

Sección V02/P241–V02/P243

هشام بن حسان. قال كان الهذيل بن حفصة يجمع الحطب في الصيف فيقشره ويأخذ القصب. فيفلقه قالت حفصة: وكنت أجد قرة فكان إذا جاء الشتاء جاء بالكانون فيضعه خلفي وأنا في مصلاي ثم يقعد فيوقد بذلك الحطب المقشر وذاك القصب المفلق وقودا لا يؤذي دخانه ويدفئني. نمكث بذلك ما شاء الله. قالت: وعند من يكفيه لو أراد ذلك. قالت: وربما أردت أنصرف إليه فأقول: يا بني ارجع إلى أهلك ثم أذكر ما يريد فأدعه. قالت حفصة: فلما مات رزق الله عليه من الصبر ما شاء أن يرزق غير أني كنت أجد غصة لا تذهب، قالت: فبينا أنا ذات ليلة أقرأ سورة النحل إذ أتيت على هذه الآية {ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون، ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} النحل قالت: فأعدتها فأذهب الله ما كنت أجد. قال هشام: وكانت له لقحة. قالت حفصة: كان يبعث إلى بحلبة بالغداة فأقول: يا بني إنك لتعلم أني لا أشربه، أنا صائمة. فيقول: يا أم الهذيل إن أطيب اللبن ما بات في ضروع الإبل، اسقيه من شئت. عن هشام بن حسان قال: اشترت حفصة جارية أظنها سندية فقيل لها: كيف رأيت مولاتك؟ فذكر إبراهيم كلاما بالفارسية تفسيره أنها امرأة صالحة إلا أنها أذنبت ذنبا عظيما فهي الليل كله تبكي وتصلي. عبد الكريم بن معاوية قال: ذكر لي عن حفصة أنها كانت تقرأ نصف القرآن في كل ليلة وكانت تصوم الدهر وتفطر العيدين وأيام التشريق. عن هشام بن حسان قال: قد رأيت الحسن وابن سيرين وما رأيت أحدا أرى أنه أعقل من حفصة. عن هشام عن حفصة قال: كان لها كفن معد فإذا حجت وأحرمت لبسته وكانت إذا كانت العشر الأواخر من رمضان قامت من الليل فلبسته. عن هشام قال: حدثتني أم سليم بنت سيرين قالت: ربما نور لحفصة بنت سيرين بيتها. عن هشام قال: كانت حفصة بنت سيرين تسرج سراجها من الليل ثم تقوم في مصلاها فربما طفئ السراج فيضيء لها البيت حتى تصبح. 586 - كريمة بنت سيرين أخت حفصة. عن مهدي بن ميمون قال: مكثت كريمة بنت سيرين أخت حفصة بنت سيرين خمس عشرة سنة ما تخرج من مصلاها إلا لقضاء حاجة. 587 - منيبة البصرية وابنتها أبو عياش القطان قال: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة، وكانت لها ابنة أشد عبادة منها. فكان الحسن ربما رآها وتعجب من عبادتها على حداثتها. فبينا الحسن ذات يوم جالس إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت فوثب الحسن فدخل عليها فلما نظرت الجارية إليه بكت. فقال لها يا حبيبتي ما يبكيك؟ قالت له: يا أبا سعيد التراب يحثى على شبابي ولم أشبع من طاعة ربي يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لا بنتي قبرا واسعا وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة لطال بكائي، كيف أنا أجهز إلى ظلمة القبور ووحشتها وبيت الظلمة والدود؟. 588 - رابعة العدوية عبد الله بن عيسى قال: دخلت على رابعة العدوية بيتها فرأيت على وجهها النور وكانت كثيرة البكاء فقرأ رجل عندها آية من القرآن فيها ذكر النار فصاحت ثم سقطت. ودخلت عليها وهي جالسة على قطعة بوري خلق فتكلم رجل عندها بشيء فجعلت أسمع وقع دموعها على البوري مثل الوكف، ثم اضطربت وصاحت فقمنا وخرجنا. مسمع بن عاصم ورياح القيسي قالا: شهدنا رابعة وقد أتاها رجل بأربعين دينارا فقال لها: تستعينين بها على بعض حوائجك. فبكت ثم رفعت رأسها إلى السماء فقال: هو يعلم أني أستحيي منه أن أسأله الدنيا وهو يملكها، فكيف أريد أن آخذها ممن لا يملكها؟.

Sección V02/P243–V02/P245

محمد بن عمرو قال: دخلت على رابعة وكانت عجوزا كبيرة بنت ثمانين سنة كأنه الشن تكاد تسقط ورأيت في بيتها كراخة بواري ومشجب قصب فارسي طوله من الأرض قدر ذراعين، وستر البيت جلد وربما كان بوريا، وحب وكو ولبد هو فراشها وهو مصلاها. وكان لها مشجب من قصب عليه أكفانها وكانت إذا ذكرت الموت انتفضت وأصابتها رعدة وإذا مرت بقوم عرفوا فيها العبادة. وقال لها رجل: ادعي، فالتصقت بالحائط وقالت: من أنا يرحمك الله؟ أطع ربك وادعه فإنه يجيب المضطرين. سجف بن منظور قال: دخلت على رابعة وهي ساجدة فلما أحست بمكاني رفعت رأسها فإذا موضع سجودها كهيئة الماء المستنقع من دموعها. فسلمت فأقبلت علي فقالت: يا بني ألك حاجة؟ فقلت: جئت لأسلم عليك، قال: فبكت وقالت: سترك اللهم سترك ودعت بدعوات ثم قامت إلى الصلاة وانصرفت. العباس بن الوليد قال: قالت رابعة: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي، أستغفر الله. أزهر بن مروان قال: دخل على رابعة رياح القيسي، وصالح بن عبد الجليل وكلاب، فتذاكروا الدنيا فأقبلوا يذمونها فقالت رابعة: إني لأرى الدنيا بترابيعها في قلوبكم. قالوا: ومن أين توهمت علينا؟ قالت: إنكم نظرتم إلى أقرب الأشياء من قلوبكم فتكلمتم فيه. أبو جعفر المديني، عن شيخ من قريش قال: قيل لرابعة: هل عملت عملا ترين أنه يقبل منك؟ قالت: إن كان فمخافتي أن يرد علي. جعفر بن سليمان قال: أخذ بيدي سفيان الثوري وقال: مر بنا إلى المؤدبة التي لا أجد من أستريح إليه إذا فارقتها. فلما دخلنا عليها رفع سفيان يده وقال: اللهم إني أسألك السلامة فبكت رابعة. فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: أنت عرضتني للبكاء. فقال: وكيف؟ قالت: أما علمت أن السلامة من الدنيا ترك ما فيها فكيف وأنت متلطخ بها؟. وقال الثوري بين يدي رابعة: واحزناه، فقالت: لا تكذب. قل: واقلة حزناه، لو كنت محزونا ما هناك العيش. جعفر بن سليمان قال: سمعت رابعة تقول لسفيان: إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل وأنت تعلم، فاعمل. عبيس بن مرحوم العطار قال: حدثتني عبدة بنت أبي شوال، وكانت من خيار إماء الله، وكانت تخدم رابعة. قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور. قالت: فكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت. فلما حضرتها الوفاة دعتني قالت: يا عبدة لا تؤذني بموتي أحدا وكفنيني في جبتي هذه، جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون. قالت: فكفناها في تلك الجبة وخمار صوف كانت تلبسه. قالت عبدة: رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلة إستبرق خضراء وخمار من سندس أخضر لم أر شيئا قط أحسن منه. فقلت: يا رابعة: ما فعلت الجبة التي كفناك فيها والخمار الصوف؟ قالت: إنه والله نزع عني وأبدلت به هذا الذي ترينه علي. وطويت أكفاني وختم عليها ورفعت في عليين لكيل لي بها ثوابها يوم القيامة. قالت: فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا؟ قالت: وما هذا من كرامة الله عز وجل لأوليائه. قالت فقلت: فما فعلت عبدة بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات هيهات، سبقتنا والله إلى الدرجات العلى. قالت قلت: وبم وقد كنت عند الناس؟ أي أكثر منها. قالت: إنها لم تكن تبالي على أي حالة أصبحت من الدنيا وأمست. قالت: فقلت: فما فعل أبو مالك؟ تعني ضبغما. قالت: يزور الله متى شاء. قالت قلت: فما فعل بشر بن منصور؟ قالت: بخ بخ أعطي والله فوق ما كان يأمل. قالت قلت: فمريني بأمر أتقرب به إلى الله عز وجل. قالت عليك بكثرة ذكره، أوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك. قلت: اقتصرت ههنا على هذا القدر من أخبار رابعة لأني قد أفردت لها كتابا جمعت فيه كلامها وأخبارها. 589 - عجردة العمية

Sección V02/P245–V02/P247

رجاء بن مسلم العبدي قال: كنا نكون عند عجردة العمية في الدار. قال: فكانت تحيي الليل صلاة. وربما قال: تقوم من أول الليل إلى السحر فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دجى الليالي بتبكير الدلج إلى ظلم الأسحار يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن تجعلني في أول زمرة السابقين إليك، وأن ترفعني إليك في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أكرم الكرماء، وأرحم الرحماء، وأعظم العظماء، يا كريم. ثم تخر ساجدة فلا تزال تبكي وتدعو في سجودها حتى يطلع الفجر فكان ذلك دأبها ثلاثين سنة، عبد الرحمن بن عمرو الباهلي قال: حدثتني دلال بنت أبي المدل قالت: حدثتني أمي آمنة بنت يعلى بن سهيل قالت: كانت عجردة العمية تغشانا فتظل عندنا اليوم واليومين. قالت: فكانت إذا جاء الليل لبست ثيابها وتقنعت ثم قامت إلى المحراب فلا تزال تصلي إلى السحر ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر. قالت: فقلت لها، أو قال لها بعض أهل الدار: لو نمت من الليل شيئا. فبكت وقالت: ذكر الموت لا يدعني أنام. جعفر بن سليمان قال: حدثني بعض نسائي، أمي أو غيرها من أهلي قالت: رأيت عجردة العمية في يوم عيد عليها جبة صوف، وقناع صوف، وكساء صوف. قالت: فنظرت فإذا هي جلد وعظم. قالت: وسمعتهم يذكرون عنها أنها لم تفطر ستين عاما. 590 - حبيبة العدوية عن عبد الله المكي أبي محمد قال: كانت حبيبة العدوية إذا صلت العتمة قامت على سطح فشدت عليها درعها وخمارها. فقالت: إلهي غارت النجوم، ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك. فإذا كان السحر قالت: اللهم وهذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري هل قبلت مني ليلتي فأهنى أم رددتها علي فأعزى، فوعزتك لهذا دأبي ودأبك أبدا ما أبقيتني، وعزتك لو انتهرتني ما برحت من بابك ولا وقع في قلبي غير جودك وكرمك. 591 - أم الأسود بنت زيد العدوية أبو عبد الرحمن السلمي قال: كانت معاذة العدوية أرضعت أم الأسود. وقالت أم الأسود: قالت لي معاذة العدوية: لا تفسدي رضاعي بأكل الحرام، فإني جهدت جهدي حين أرضعتك حتى أكلت الحلال فاجتهدي أن لا تأكلي إلا حلالا لعلك أن توفقي لخدمة سيدك والرضا بقضائه. فكانت أم الأسود تقول: ما أكلت شبهة إلا فاتتني فريضة أو ورد من أورادي. 592 - مريم البصرية كانت تخدم رابعة العدوية، وكانت إذا سمعت علوم المحبة طاشت فحضرت بعض المذكرين فتكلم في المحبة. فماتت في المجلس. عبد العزيز بن عمير قال: قامت مريم البصرية المتعبدة من أول الليل فقالت: {الله لطيف بعباده} الشورى: 19. ثم لم تجزه حتى أصبحت. وقالت مريم: ما اهتممت بالرزق ولا تعبت في طلبه منذ سمعت الله عز وجل يقول: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} الذاريات. 593 - عفيرة العابدة روح بن سلمة الوراق قال لعفيرة العابدة: بلغني أنك لا تنامين بالليل؛ فبكت، ثم قالت: ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه، وكيف ينام أو كيف يقدر على النوم، من لا ينام عنه حافظاه ليلا ولا نهارا؟ قال: فأبكتني والله، وقلت في نفسي: أراني في شيء وأراك في شيء. يحيى بن بسطام قال: دخلت مع نفر من أصحابنا على عفيرة، وكانت قد تعبدت وبكت حتى عميت. فقال بعض أصحابنا لرجل إلى جنبه: ما أشد العمى على من كان بصيرا. فسمعت عفيرة فقالت له: يا عبد الله عمى القلب، والله، عن الله أشد من عمى العين عن الدنيا، والله وددت أن الله وهب لي كنه محبته وأنه لم تبق مني جارحة إلا أخذها. عبد الوهاب بن صالح قال: سمعت محمد بن عبيد يقول: دخلنا على امرأة بالبصرة يقال لها عفيرة، فقيل لها: ياعفيرة ادعي الله لنا. فقالت: لو خرس الخاطئون ما تكلمت عجوزكم، ولكن المحسن أمر المسيء بالدعاء، جعل الله قراكم من بيتي الجنة، وجعل الموت مني ومنكم على بال.

Sección V02/P247–V02/P249

مالك بن ضيغم قال: سمعت عفيرة تقول عصيتك بكل جارحة مني على حدتها، والله لئن أعنت لأطيعنك ما استطعت بكل جارحة عصيتك بها. قال محمد بن الحسين: وحدثني سعيد العمي قال: قلت لعفيرة: أما تسأمين من طول البكاء قال: فبكت ثم قالت: يا بني كيف يسأم ذو داء من شيء يرجو أن له فيه من دائه شفاء قال: ثم بكت. فقمت فخرجت وتركتها. بلغني عن يحيى بن راشد أنه قال: كنا عند عفيرة العابدة فقدم ابن أخ لها كانت طالت غيبته فبشرت به، فبكت فقيل لها: ما هذا البكاء؟ اليوم يوم فرح وسرور، فازدادت بكاء ثم قالت: والله ما أجد للسرور في قلبي مسكنا مع ذكر الآخرة، ولقد أذكرني قدومه يوم القدوم على الله، فمن بين مسرور ومثبور. ثم غشي عليها. 594 - عبيدة بنت أبي كلاب شعيب بن محرز قال: حدثتني سلامة العابدة قالت: بكت عبيدة بنت أبي كلاب أربعين سنة حتى ذهب بصرها. عن يحيى بن بسطام الأصغر قال: حدثني سلمة الأفقم، وكان ينزل الطفاوة، قال: قلت لعبيدة بنت أبي كلاب ما تشتهين؟ قالت: الموت. قلت: ولم؟ قالت: لأني والله في كل يوم أصبح أخشى أن أجني على نفسي جناية يكون فيها عطبي أيام الآخرة. عبد العزيز بن سلمان قال: اختلفت عبيدة وأبي إلى مالك بن دينار عشرين سنة. قال أبي: فما سمعتها تسأل مالكا عن شيء قط إلا مرة، قالت: يا أبا يحيى متى يبلغ المتقي الدرجة العليا التي ليس فوقها درجة؟ قال مالك: بخ بخ يا عبيدة إذا بلغ المتقي تلك الدرجة العليا التي ليس فوقها درجة لم يكن شيء أحب إليه من القدوم على الله. قال: فصرخت عبيدة صرخة سقطت مغشيا عليها. داود بن المحبر قال: سمعت البراء الغنوي يقول يوم ماتت عبيدة بنت أبي كلاب: ما خلفت بالبصرة أفضل منها. عبد الله بن رشيد السعدي، وكان قد صحب عبد الواحد بن زيد، قال: رأيت الشيوخ والشباب والرجال والنساء من المتعبدين فما رأيت امرأة ولا رجلا أفضل ولا أحسن عقلا من عبيدة بنت أبي كلاب. عبيس بن مرحوم قال: حدثتني عبدة بنت أبي شوال قالت: رأيت رابعة في المنام فقلت: ما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات سبقتنا والله إلى الدرجات العلى، قلت: وبم وقد كنت عند الناس؟ أي أكثر منها. قالت: إنها لم تكن تبالي على ما أصبحت من الدنيا أو أمست. 595 - عمرة امرأة حبيب العجمي الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثني بعض أصحابنا قال: قالت امرأة حبيب أبي محمد، وانتبهت ليلة وهو نائم؛ فأنبهته في السحر وقالت له: قم يا رجل فقد ذهب الليل وجاء النهار وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا. مسلم بن إبراهيم قال: سمعت سهيلا أخا حزم قال: كانت لحبيب أبي محمد امرأة يقال لها عمرة، فاشتكت عينها فقيل لها: كيف تجدينك؟ قالت: وجع قلبي أشد من وجع عيني. 596 - بردة الصريمية كانت إذا قيل لها: كيف أصبحت؟ تقول: أصبحنا أضيافا منتجعين بأرض غربة ننتظر إجابة الداعي. أشرس أبو شيبان، وكان عابدا من البكائين، عن ثابت البناني أن امرأة من الصدر الأول كان يقال لها بردة، وكانت تكثر البكاء حتى فسد بصرها. فقيل لها: اتقي الله، أما تخافين على بصرك أن يذهب؟ قالت: دعوني فإن أكن من أهل النار فأبعدني الله وأبعد بصري، وإن أكن من أهل الجنة فسيبدلني الله عينين خيرا من عيني. عن موسى بن سعيد، أو غيره، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد إن ههنا امرأة يقال لها بردة قد فسدت عيناها من البكاء، فدخل عليها فقال لها: يا بردة إن لبدنك عليك حقا، وإن لبصرك عليك حقا. قالت: يا أبا سعيد إن أكن من أهل الجنة فسيبدلني الله بصرا خيرا من بصري، وإن أكن من أهل النار فأبعد الله بصري.

Sección V02/P249–V02/P251

عن عطاء بن المبارك قال: كانت بالبصرة امرأة جليلة متعبدة يقال لها بردة، وكانت تقوم الليل، فإذا سكنت الحركات وهدأت العيون نادت بصوت لها حزين: هدأت العيون وغارت النجوم وخلا كل حبيب بحبيبه، وقد خلوت بك يا محبوبي أفتراك تعذبني وحبك في قلبي؟ لا تفعل يا حبيباه. قال القرشي: وقال محمد بن الحسين حدثني شاذ بن فياض قال: حدثني رجل أدرك الحسين قال: كانت امرأة في زمن الحسن إذا سمعت القرآن صرخت، فربما تكلمت بما لا تريد. فقيل لها في ذلك، فقالت ربما سمعت القرآن فأرى ملك بني مروان قد حوي لي. وكانت تبكي حتى يرحمها من رآها. وذكر محمد بن الحسين أن الحميدي حدثه قال: ذكر سفيان يوما بردة فقال: رحمها الله ما كان ههنا من أولئك النساء المجاورات أشد اجتهادا منها بكت حتى ذهب بصرها. قال سفيان: كانت إذا سمعت صوت الصواعق صرخت ولم تزل تصيح حتى يغشى عليها. 597 - أم طلق محمد بن سنان الباهلي قال: سمعت شعبة بن دخان يذكر أن أم طلق كانت تصلي في كل يوم وليلة أربعمائة ركعة، وتقرأ من القرآن ما شاء الله. شيبة بن الأرقم قال: سمعت عاصما الجحدري يقول: كانت أم طلق تقول: ما ملكت نفسي ما تشتهي منذ جعل الله لي عليها سلطانا. عن سفيان بن عيينة قال: قالت أم طلق لطلق: ما أحسن صوتك بالقرآن فليته لا يكون عليك وبالا يوم القيامة. فبكى حتى غشي عليه. عن سلمة الأيهم قال: سمعت عاصما الجحدري يقول: كانت أم طلق تقول: النفس ملك إن أتبعتها ومملوك إن أتعبتها. 598 - أمة الجليل بنت عمرو العدوية أبو بكر بن عبيد قال: قرأت في كتاب محمد بن الحسين بخطه: حدثني حليم بن جعفر قال: حدثني مسمع بن عاصم قال: اختلف العابدون عندنا في الولاية، فقال بعضهم إذا استحقها عبد لهم يهم بشيء إلا ناله، في دين كان أو دنيا. وقال الآخر: الولي لا يعصي، غير أنه لا يدرك الشيء الذي يريده من الدنيا بهمته ولا يدركه إلا بطلبه، كأنهم يقولون يدعو فيجاب. وقال آخرون: المستحق للولاية لا يعرض لانتقاص حقه من الآخرة. فتكلموا في ذلك بكلام كثير فأجمعوا على أن يأتوا امرأة من بني عدي يقال لها أمة الجليل بنت عمرو العدوية، وكانت منقطعة جدا من طول الاجتهاد. فأتوها. قال مسمع: وأنا يومئذ مع أصحابنا فاستأذنوا عليها فأذنت، فعرضوا عليها اختلافهم وما قالوا. فقالت: ساعات الولي ساعات شغل عن الدنيا ليس للولي في الدنيا حاجة. ثم أقبلت على كلاب فقالت: بنفسي أنت يا كلاب من حدثك أو أخبرك أن وليه له هم غيره فلا تصدقه. قال مسمع: فما كنت أسمع إلا الصارخ من نواحي البيت. 599 - أم حيان السلمية عن أبي خلدة قال: ما رأيت رجلا قط ولا امرأة أقوى ولا أصبر على طول القيام من أم حيان السلمية، إن كانت لتقوم في مسجد الحي كأنها نخلة تصفقها الرياح يمينا وشمالا. مكي البصري قال: حدثتني سوادة السلمية قالت: كانت أم حيان تقرأ القرآن في كل يوم وليلة، وكانت لا تتكلم إلا بعد العصر فإنها تأمر بالحاجة والشيء تريده. 600 - أم إبراهيم العابدة عبد المؤمن بن عبد الله القيسي قال: ضربت أم إبراهيم العابدة دابة فكسرت رجلها، فأتاها قوم يعزونها. فقالت: لولا مصائب الدنيا وردنا الآخرة مفاليس. أبو موسى الشواء قال: كنت مع أم إبراهيم العابدة. فلما صرنا عند الجمار رأت الناس قد أقبلوا على الشراء والبيع، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت: حبيبي أقبلوا على الدنيا وتركوك. قال: ثم صاحت واجتمع الناس فغطيتها بثوبي. ثم قلت للناس: أصابها شيء وأوهمتهم أن بها علة. قال: ثم أقمت عليها حتى أفاقت فرفعت رأسها فقلت لها: يا أم إبراهيم أي شيء هذه الشهرة؟ فقالت: يا بطال إذا كان هو يقسم الثناء فلمن يتصنع؟ 601 - بحرية العابدة رباح بن أبي الجراح قال: رأيت بحرية العابدة تبكي وتقول تركتك وأنا رطبة، وأتيتك وأنا حشفة فاقبل الحشفة على ما كان منها.

Sección V02/P251–V02/P253

وكان بها مسحة من جمال، وكان الجرع قد أضر بها ومكثت أربعين يوما لم تأكل فيها شيئا إلا شيئا من حمص وكانت مجتهدة وكان لها مجلس تذكر فيه، وكانت إذا تكلمت اضطربت واقشعرت. أحمد بن أبي الحواري قال: حدثتني عجوز من أهل البصرة قالت: سمعت بحرية تقول: إذا ترك القلب الشهوات ألف العلم واتبعه واحتمل كل ما يرد عليه. 602 - أم الحريش رياح بن الجراح قال: رأيت أم الحريش، وكانت من عباد الناس، وابتليت بزوج من الجند، فكانت لا تأكل من طعامه، تعد لنفسها شيئا تأكله، وكان ربما لم يقبل منها حتى تأكل معه، فكانت تقعد تريه أنها تأكل فتضع أصابعها خارج القصعة. 603 - حسنة العابدة عن محمد بن قدامة قال: بلغنا أن امرأة كان يقال لها حسنة تركت نعيم الدنيا فأقبلت على العبادة فكانت تصوم النهار وتحيي الليل وليس في بيتها شيء، كلما عطشت خرجت إلى النهر فشربت بكفيها. وكانت جميلة فقالت لها امرأة: تزوجي فقالت: هات رجلا زاهدا لا يكلفني من أمر الدنيا شيئا وما أظنك تقدرين عليه، فوالله ما في نفسي أن أعبد الدنيا ولا أتنعم مع رجال الدنيا، فإن وجدت رجلا يبكي ويبكيني، ويصوم ويأمرني، ويتصدق ويحضني عليها، فبها ونعمت، وإلا فعلى الرجال السلام. 604 - زجلة العابدة مولاة معاوية أحمد بن سهل الأزدي قال: دخل على زجلة العابدة نفر من القراء فكلموها في الرفق بنفسها فقالت: ما لي وللرفق بها؟ فإنما هي أيام مبادرة، فمن فاته اليوم شيء لم يدركه غدا. والله يا إخوتاه لأصلين له ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له أيام حياتي، ولأبكين له ما حملت الماء عيناي. ثم قالت: أيكم يأمر عبده بأمر فيحب أن يقصر فيه؟. عباد بن عباد، أبو عتبة الخواص، قال: دخلنا على زجلة العابدة، وكانت قد صامت حتى اسودت، وبكت حتى عمشت، وصلت حتى أقعدت، وكانت صلاتها قاعدة. فسلمنا عليها ثم ذكرناها شيئا من العفو، أردنا أن نهون عليها الأمر هناك. فشهقت ثم قالت: علمي بنفسي قرح فؤادي، وكلم قلبي. والله لوددت أن الله لم يخلقني ولم أك شيئا مذكورا. ثم أقبلت على صلاتها وتركناها فخرجنا من عندها. كليب بن عيسى بن أبي حجير قال: كانت زجلة لا ترفع بصرها إلى السماء، وكانت تخرج إلى الساحل فتغسل ثياب المرابطين. قال كليب: وسمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: ما بالشام ولا بالعراق أفضل من زجلة. 605، 606 - غضنة وعالية أبو الوليد العبدي قال: ربما رأيت غضنة وعالية تقوم إحداهما من الليل فتقرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف في ركعة. 607 - مطيعة العابدة محمد بن الحسين قال: حدثني صاحب لي من البصريين قال: بكت مطيعة أربعين عاما، فعوتبت على كثرة البكاء فقالت: لا أزال أبكي حتى أعلم على أي الحالين أنا عند الله؟. محمد بن الحسين قال: دخلنا على مطيعة العابدة في الجبان بالبصرة فجعلنا نذاكرها شيئا من الخير فلا نستبين كثيرا من كلامها، من كثرة بكائها. فلما رأينا ذلك خرجنا من عندها وتركناها. قال محمد: وسألت مطيعة قلت: منذ كم أنت ههنا في الجبان؟ فبكت ثم قالت: يا بني منذ أربع وخمسين سنة. 608 - كردوية بنت عمرو البصرية أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين قال: كانت كردوية تخدم شعوانة. فقيل لها: ما الذي أصابك من بركات خدمة شعوانة؟ قالت: ما أحببت الدنيا منذ خدمتها، ولا اهتممت لرزقي، ولا عظم في عيني أحد من أرباب الدنيا لطمع لي فيه، وما استصغرت أحدا من المسلمين قط. 609 - راهبة عثمان بن سودة الطفاوي، وكانت أمه من العابدات، يقال لها راهبة، قال: لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء فقالت: يا ذخري وذخيرتي، ويا من عليه اعتمادي في حياتي وبعد موتي، لا تخذلني عند الموت، ولا توحشني في قبري.

Sección V02/P253–V02/P255

قال: فماتت. فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور. قال: فرأيتها ذات ليلة في منامي فقلت: يا أماه كيف أنت؟ قالت: أي بني إن للموت لكربة شديدة وأنا بحمد الله لفي برزخ محمود نفترش فيه الريحان ونتوسد فيه السندس والإستبرق إلى يوم النشور فقلت: ألك حاجة؟ قالت: نعم. قالت: لا تدع ما أنت عليه من زيارتنا والدعاء لنا فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من عند أهلك، يقال لي: يا راهبة هذا ابنك قد أقبل من أهله زائرا لك فأسر بذلك ويسر ذلك من حولي من الأموات. 610 - سلمى خلف بن الوليد الجوهري قال: قالت سلمى، امرأة بصرية: إلهي علمي بشدة عقوبتك ونكالك قطع عني لذاذة الدنيا ونعيمها، ومعرفتي بسعة رحمتك وسعت علي خلقي فيما بيني وبين عبادك. 611 - مسكينة الطفاوية إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عمار الراهب، وكان والله من العاملين لله في دار الدنيا، قال: رأيت مسكينة الطفاوية في منامي وكانت من المواظبات على حلق الذكر، فقلت: مرحبا يا مسكينة مرحبا. فقالت: هيهات يا عمار ذهبت المسكنة وجاء الغنى الأكبر. قلت: هيه.. قالت: ما تسأل عمن أبيح الجنة بحذافيرها يظل منها حيث يشاء. قال: قلت: وبم ذاك يرحمك الله؟ قالت: بمجالس الذكر والصبر على الحق. قال عمار: وكانت تحضر معنا مجلس عيسى بن زاذان بالأبلة، تنجدر من البصرة حتى تأتيه قاصدة. قال عمار: قلت يا مسكينة ما فعل عيسى؟ فضجت ثم قالت: كسي حلة البهاء، وطافت بأباريق حوله الخدام، ثم حلي وقيل: يا قارئ ارق فلعمري لقد برأك الصيام، وكان عيسى قد صام حتى انحى وانقطع صوته. 612 - غنضكة عن يوسف بن بهلول قال: كانت امرأة بالبصرة يقال لها غنضكة العابدة تصلي عامة الليل، ثم تقول: أعوذ بالله من ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فإذا قضت صلاتها قالت: هذا الجهد مني وعليك التكلان. ذكر المصطفيات من عابدات البصرة المعروفات بغيرهن 613- امرأة أبي عمران الجوني عويد بن أبي عمران الجوني قال كانت أمي تقوم من الليل تصلي حتى تعصب ساقيها بالخرق فيقول لها أبو عمران الجوني: دون هذا يا هذه، فتقول: هذا عند طول القيام في الموقف قليل فيسكت عنها. 614- امرأة رياح القيسي أبو يوسف البزاز قال: تزوج رياح القيسي امرأة فبنى بها. فلما أصبح قامت إلى عجينها. فقال: لو نظرت إلى امرأة تكفيك هذا. فقالت: إنما تزوجت رياحا القيسي ولم أرني تزوجت جبارا عنيدا. فلما كان الليل نام ليختبرها. فقامت ربع الليل ثم نادته: قم يا رياح. فقال: أقوم. فقامت الربع الآخر ثم نادته فقالت: قم يا رياح. فقال: أقوم. فلم يقم. فقامت الآخر ثم نادته فقالت: قم يا رياح فقال أقوم. فقالت: مضى الليل وعسكر المحسنون وأنت نائم، ليت شعري من غرني بك يا رياح. قال: وقامت الربع الباقي. عبد الله بن الحارث قال: زوج شميط بن العجلان رياحا القيسي امرأة. فبينا هو قاعد معها إذ نظرت إلى السماء فشهقت شهقة فخرت مغشيا عليها. وقال رياح: اغتممت مرة في شيء من أمر الدنيا. فقالت أراك تغتم لأمر الدنيا غرني منكم شميط. ثم أخذت هدبة من مقنعتها فقالت: الدنيا أهون علي من هذه. عن سيار قال: حدثني رياح قال: ذكرت لي امرأة فتزوجتها، فكانت إذا صلت العشاء الآخرة تطيبت وتدخنت ولبست ثيابها ثم تأتيني فتقول: ألك حاجة؟ فإن قلت: نعم، كانت معي، وإن قلت: لا، قامت فنزعت ثيابها ثم صفت بين قدميها حتى تصبح. قال رياح: ففحتني والله. 615- ابنة أم حسان الأسدية عن سفيان الثوري قال: دخلت على بنت حسان الأسدية وفي جبهتها مثل ركبة العنز من

Sección V02/P255–V02/P257

أثر السجود. فقلت لها: يا بنة أم حسان ألا تأتين عبد الله بن شهاب بن عبد الله؟ فلو رفعت إليه رقعة فلعله أن يعطيك من زكاة ماله ما تغيرين به بعض الحاجة التي أراها بك. فدعت بمعجر فاعتجرت به وقال: يا سفيان قد كان لك في قلبي رجحان كثير فقد أذهب الله برجحانك من قلبي، يا سفيان تأمرني أن أسأل الدنيا من لا يملكها؟. قال سفيان: وكان إذا جن عليها الليل دخلت محرابا لها وأغلقت عليها ثم نادت: إلهي خلا كل حبيب بحبيبه، وأنا خالية بك يا محبوب، فما كان من سخن يسخن من عصاك إلا جهنم، ولا عذاب إلا النار. قال سفيان، فدخلت عليها بعد ثلاث فإذا الجوع قد أثر في وجهها. فقلت لها: يا بنت أم حسان إنك لن تؤتي أكثر مما أوتي موسى والخضر عليهما السلام، إذ أتيا أهل قرية استطعما أهلها. فقالت: يا سفيان قل الحمد لله. فقلت: الحمد لله. فقالت: اعترفت له بالشكر؟ قلت: نعم. قالت: وجب عليك من معرفة الشكر شكر وبمعرفة الشكرين شكر لا ينقضي أبدا. قال سفيان: فقصر، والله علمي وفه لسانه فوليت أريد الخروج. فقالت: يا سفيان كفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه، وكفى بالمرء علما أن يخشى الله. اعلم أنه لن تنقى القلوب من الردى حتى تكون الهموم كلها في الله هما واحدا. قال سفيان فقصرت إلي والله نفسي. 616- مملوكة لإبراهيم النخعي أبو الأحوص، عن مغيرة أو غيره، قال: كانت مولاة لإبراهيم تعمد إلى اليوم الشديد الحر فتصومه. فقيل لها: إنك تعمدين إلى أشد الأيام حرا فتصومينه؟ فقالت: إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد. 617- جارية عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة عبد الله بن الحسن القاضي العنبري قال: كانت عندي جارية أعجمية وضيئة، وكنت بها معجبا. فكانت ذات ليلة نائمة إلى جنبي فانتبهت فلم أجدها. فالتمستها فإذا هي ساجدة تقول: بحبك لي اغفر لي. فقلت: يا جارية لا تقولي بحبك لي، قول: بحبي لك اغفر لي. فقالت: يا بطال، حبه لي أخرجني من الشرك إلى الإسلام، فأيقظ عيني وأنام عينك. فقلت: اذهبي فأنت حرة لوجه الله. قالت: يا مولاي أسأت إلي، كان لي أجران فصار لي أجر واحد. 618- جارية خالد الوراق بلغنا عن خالد الوراق أنه قال: كانت لي جارية شديدة الاجتهاد فدخلت عليها يوما فأخبرتها برفق الله وقبوله يسير العمل. فبكت ثم قالت يا خالد إني لأؤمل من الله تعالى آمالا لو حملتها الجبال لأشفقت من حملها كما ضعفت عن حمل الأمانة وإني لأعلم أن في كرم الله مستغاثا لكل مذنب، ولكن كيف لي بحسرة السباق؟ قال: قلت: وما حسرة السباق؟ قالت: غداة الحشر إذا بعثر ما في القبور وركب الأبرار نجائب الأعمال فاستبقوا إلى الصراط. وعزة سيدي لا يسبق مقصر مجتهدا أبدا، ولو حبا المجد حبوا. أم كيف لي بموت الحزن والكمد إذا رأيت القوم يتراكضون وقد رفعت أعلام المحسنين وجاز الصراط المشتاقون ووصل إلى الله المحبون وخلفت مع المسيئين المذنبين؟ ثم بكت وقالت: يا خالد انظر لا يقطعك قاطع عن سرعة المبادرة بالأعمال فإنه ليس بين الدارين دار يدرك فيها الخدام ما فاتهم من الخدمة، فويل لمن قصر عن خدمة سيده ومعه الآمال، فهلا كانت الأعمال توقظه إذا نام البطالون؟ 619- الماوردية ذكر أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن في تاريخه قال: كانت عجوز صالحة زاهدة بالبصرة تعرف بالماوردية قاربت ثمانين سنة، بقيت خمسين سنة لم تفطر ولم تنم بالليل، ولم تأكل خبزا ولا رطبا ولا تمرا وإنما تطحن لها باقلا وتخبز لها خبزا تقتات به، وتأكل التين اليابس دون الرطب، وتنال من الزيت والعنب واللحم الشيء اليسير، وكانت تكتب وتقرأ وتعظ النسوان وكانت كثيرة الخير والبركة. وتوفيت يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة ست وستين وأربعمائة وتبع جنازتها أكثر الناس. ودفنت خارج البلد عند قبور الصالحين. ذكر المصطفيات من عابدات البصرة المجهولات 620- عابدة

Sección V02/P257–V02/P260

عن يعلى بن حكيم قال: قال سعيد بن جبير: ما رأيت أرعى لحرمة هذا البيت ولا أحرص عليه من أهل البصرة، ولقد رأيت جارية منهم ذات ليلة تعلقت بأستار الكعبة فجعلت تدعو وتبكي وتتضرع حتى ماتت. 621- عابدة أخرى عون بن أبي عمارة البصري قال: قال أبو محرز الطفاوي: شكوت إلى جارية لنا ضيق المكسب علي وأنا شاب فقالت لي: يا بني استعن بعز القناعة عن ذل المطالب، فكثيرا، والله ما رأيت القليل عاد سليما. قال أبو محرز: ما زلت بعد أعرف بركة كلامها في قنوعي. 622- عابدة أخرى عن عبد الواحد قال: أتينا امرأة متعبدة في ناحية البصرة لنسلم عليها فقيل لنا لا تصلون إليها. قلنا: ولم ذاك؟ قالوا: قد غلقت عليها الباب منذ ثلاث تبكي. قلنا: ولم ذاك؟ قالوا: قتلت نملة. 623- عابدة أخرى عن سعيد بن عطارد قال: ذكرت لي امرأة بالبصرة متعبدة فأتيتها فوجدتها تصلي فانصرفت. فقالت: ما اسمك؟ فقلت: سعيد. قالت: يا سعيد، كل شيء شغلك عن الله فهو عليك مشوم. ثم أقبلت على صلاتها وتركتني. 624- عابدة أخرى علي بن الحسن قال: كانت امرأة بالبصرة تقول لقلبها. فقدتك من قلب، ما أنساك! أصبحت لعظمة الله ناسيا إلهي كيف لي بالقرب منك غدا وقاسي القلب منك بعيد؟. 625- عابدة أخرى عن صالح بن عبد الكريم قال: رأيت امرأة سوداء بالبصرة، والناس مجتمعون عليها، ثم قامت فدخلت دارا فدخلوا معها وأحدقوا بها، فدنوت منها فقلت: يا هذه أما تخافين العجب؟ فرفعت رأسها فنظرت إلي ثم قالت: كيف يعجب بعمله من لا يدري لعله قد رد عليه؟. 626- عابدة أخرى الحسين بن جعفر قال: سمعت أبي قال: صليت العيد في الجبان ثم انفردت فإذا أنا بعجوز رافعة يديها وهي تقول: انصرف الناس ولم أشعر قلبي اليأس، يا صاحب الصدقة ها أناذه منصرفة، فليت شعري ما زودتني؟ رب ارحم ضعفي وكبر سني، خرجت أرجوك فلا تخيب حسن ظني بك. وهي تبكي فما انتفعت بنفسي يومي. 627- عابدة أخرى حماد بن سلمة قال: خرجت في ليلة ظلماء ذات برد وريح ومطر ومعي شوي، قلت: أقسمه في جيراني. قال: فإذا أنا بامرأة قد خرجت وهي تقول: يا رفيق ارفق بنا. قال: قلت: ما لك رحمك الله؟ قالت: يا حماد إنه دخل هذا المطر على يتامى تحت فرشهم فقلت: يا رفيق ارفق بنا، فدخلت فوجدته أيبس مما كان. فقلت: هاك رحمك الله هذا الشيء فأنفقيه على نفسك وعلى أيتامك. فقالت: إليك عني يا حماد فإني إنما أسأل أجود الأجودين. عفان بن مسلم قال: قال لي حماد بن سلمة: ألح المطر علينا سنة من السنين، وفي جواري امرأة من المتعبدات، لها بنات أيتام، فوكف السقف عليهم فسمعتها تقول: يا رفيق ارفق بي. فسكن المطر؛ فأخذت صرة فيها عشرة دنانير وقرعت بابها. فقالت: اجعله حماد بن سلمة. فقلت: أنا حماد، سمعتك وقد تأذيت بالمطر فقلت يا رفيق ارفق بنا، فما بلغ من رفقه بك؟ فقالت: سكن المطر وأدفأ الصبيان وجفف البيت. قال فأخرجت الدنانير وقلت: انتفعي بهذه. فإذا صبية عليها مدرعة من صوف تستبين خروقها، قد خرجت علي وقالت: ألا تسكت يا حماد تعترض بيننا وبين ربنا ومولانا؟ ثم قالت: يا أماه قد علمنا أنا لما شكونا مولانا أنه سيبعث إلينا بالدنيا ليطردنا من بابه ألصقت خدها بالتراب ثم قالت: أما أنا وعزتك لا زايلت بابك وإن طردتني. ثم قالت: يا حماد رد عافاك الله دنانيرك إلى الموضع الذي أخرجتها منه فإنا رفعنا حوائجنا إلى من يقبل الودائع ولا يبخس المعاملين. عن عبيد الله بن محمد القرشي قال: كانت امرأة من عباد أهل البصرة، وكان لها أولاد فأصابها مطر في بعض الليل فوكف عليها البيت، فجعلت تنقل أولادها من موضع إلى موضع، فلا يزداد الوكف إلا شدة. فلما أذلقها ذلك قالت: يا رفيق ارفق بي. قال: فما أصابها من ذلك المطر قطرة واحدة. ومن المصطفيات من عاقلات المجانين بالبصرة 628- جارية