Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

Sección V02/P274–V02/P276

وأيضا : فإن الصادق مطلوبه رضى ربه وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب فيها يسير معها أين توجهت ركائبها ويستقل معها أين استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع ثم في أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو في قيام بسبب فيه عمارة الدين والدنيا ثم في عيادة مريض أو تشييع جنازة أو نصر مظلوم إن أمكن إلى غير ذلك من أنواع القرب والمنافع فهو في تفرق دائم لله وجمعية على الله لا يملكه رسم ولا عادة ولا وضع ولا يتقيد بقيد ولا إشارة ولا بمكان معين يصلى فيه لا يصلى في غيره وزي معين لا يلبس سواه وعبادة معينة لا يلتفت إلى غيرها مع فضل غيرها عليها أو هي أعلى من غيرها في الدرجة وبعد ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض فإن البلاء والآفات والرياء والتصنع وعبادة النفس وإيثار مرادها والاشارة إليها : كلها في هذه الأوضاع والرسوم والقيود التي حبست أربابها عن السير إلى قلوبهم فضلا عن السير من قلوبهم إلى الله تعالى فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه وزيه وقيده وإشارته ولو إلى أفضل منه استهجن ذلك ورآه نقصا وسقوطا من أعين الناس وانحطاطا لرتبته عندهم وهو قد انحط وسقط من عين الله وقد يحس أحدهم ذلك من نفسه وحاله ولا تدعه رسومه وأوضاعه وزيه وقيوده : أن يسعى في ترميم ذلك وإصلاحه وهذا شأن الكذاب المرائي الذي يبدي للناس خلاف ما يعلمه الله من باطنه العامل على عمارة نفسه ومرتبته وهذا هو النفاق بعينه ولو كان عاملا على مراد الله منه وعلى الصدق مع الله : لأثقلته تلك القيود وحبسته تلك الرسوم ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله لا إليه ولما بالى أي ثوب لبس ولا أي عمل عمل إذا كان على مراد الله من العبد فكلام أبي القاسم الجنيد حق كلام راسخ في الصدق عالم بتفاصيله وآفاته ومواضع اشتباهه بالكذب وأيضا فحمل الصدق كحمل الجبال الرواسي لا يطيقه إلا أصحاب العزائم فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل والرياء والكذب خفيف كالريشة لا يجد له صاحبه ثقلا ألبتة فهو حامل له في أي موضع اتفق بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة فهو لا يتقلب تحت حمله ولا يجد ثقله وقال بعضهم : لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره وقال بعضهم : الصادق الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحيي من سره لو كشف قال الله تعالى : فتمنوا الموت إن كنتم صادقين [ البقرة : 94 ] قلت : هذه الآية فيها للناس كلام معروف قالوا : إنها معجزة للنبي أعجز بها اليهود ودعاهم إلى تمني الموت وأخبر : أنهم لا يتمنونه أبدا وهذا علم من أعلام نبوته إذ لا يمكن الاطلاع على بواطنهم إلا بأخبار الغيب ولم ينطق الله ألسنتهم بتمنيه أبدا وقالت طائفة : لما ادعت اليهود : أن لهم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس وأنهم أبناؤه وأحباؤه وأهل كرامته كذبهم الله في دعواهم وقال : إن كنتم صادقين فتمنوا الموت لتصلوا إلى الجنة دار النعيم فإن الحبيب يتمنى لقاء حبيبه ثم أخبر سبحانه : أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم من الأوزار والذنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه فقال : ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم [ البقرة : 95 ] وقالت طائفة منهم محمد بن إسحاق وغيره هذه من جنس آية المباهلة وأنهم لما عاندوا ودفعوا الهدى عيانا وكتموا الحق : دعاهم إلى أمر يحكم بينهم وبينه وهو أن يدعوا بالموت على الكاذب المفتري و التمني سؤال ودعاء فتمنوا الموت وادعوا به على المبطل الكاذب المفتري

Sección V02/P276–V02/P278

وعلى هذا فليس المراد : تمنوه لأنفسكم خاصة كما قاله أصحاب القولين الأولين بل معناه : ادعوا بالموت وتمنوه للمبطل وهذا أبلغ في إقامة الحجة وبرهان الصدق وأسلم من أن يعارضوا رسول الله بقولهم : فتمنوه أنتم أيضا إن كنتم محقين أنكم أهل الجنة لتقدموا على ثواب الله وكرامته كانوا أحرص شيء على معارضته فلو فهموا منه ما ذكره أولئك لعارضوه بمثله وأيضا فإنا نشاهد كثيرا منهم يتمنى الموت لضره وبلائه وشدة حاله ويدعو به وهذا بخلاف تمنيه والدعاء به على الفرقة الكاذبة فإن هذا لا يكون أبدا ولا وقع من أحد منهم في حياة النبي ألبتة وذلك لعلمهم بصحة نبوته وصدقه وكفرهم به حسدا وبغيا فلا يتمنوه أبدا لعلمهم أنهم هم الكاذبون وهذا القول : هو الذي نختاره والله أعلم بما أراد من كتابه وقال إبراهيم الخواص : الصادق لا تراه إلا في فرض يؤديه أو فضل يعمل فيه وقال الجنيد : حقيقة الصدق : أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب وقيل : ثلاث لا تخطىء الصادق : الحلاوة والملاحة والهيبة وفي أثر إلهي : من صدقني في سريرته صدقته في علانيته عند خلقي وقال سهل بن عبدالله : أول خيانة الصديقين : حديثهم مع أنفسهم وقال يوسف بن أسباط : لأن أبيت ليلة أعامل الله بالصدق أحب إلي من أضرب بسيفي في سبيل الله وقال الحارث المحاسبي : الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من علامات الصديقين وفي هذا نظر لأن كراهته لاطلاع الناس على مساوىء عمله من جنس كراهته للضرب والمرض وسائر الآلام وهذا أمر جبلي طبيعي ولا يخرج صاحبه عن الصدق لا سيما إذا كان قدوة متبعا فإن كراهته لذلك من علامات صدقة لأن فيها مفسدتين : مفسدة ترك الاقتداء به واتباعه على الخير وتنفيذه ومفسدة اقتداء الجهال به فيها فكراهيته لاطلاعهم على مساوىء عمله : لا تنافي صدقه بل قد تكون من علامات صدقه نعم المنافي للصدق : أن لا يكون له مراد سوى عمارة حاله عندهم وسكناه في قلوبهم تعظيما له فلو كان مراده تنفيذا لأمر الله ونشرا لدينه وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ودعوة إلى الله : فهذا الصادق حقا والله يعلم سرائر القلوب ومقاصدها وأظن أن هذا هو مراد المحاسبي بقوله : ولا يكره اطلاع الناس على السيء من عمله فإنهم يريدون ذلك فضولا ودخولا فيما لا يعني فرضي الله عن أبي بكر الصديق حيث قال : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عناقا أو عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم عليه فهذا وأمثاله يعدونه ويرونه من سيء الأعمال عند العوام والجهال وقال بعضهم : من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت قيل : وما الفرض الدائم قال : الصدق وقيل : من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها الحق والباطل وقيل : عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك وقيل : ما أملق تاجر صدوق فصل قال صاحب المنازل : الصدق : اسم لحقيقة الشيء بعينه حصولا ووجودا الصدق : هو حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه كما يقال : عزيمة صادقة إذا كانت قوية تامة وكذلك : محبة صادقة وإرادة صادقة وكذا قولهم : حلاوة صادقة إذا كانت قوية تامة ثابتة الحقيقة لم ينقص منها شيء ومن هذا أيضا : صدق الخبر لأنه وجود المخبر بتمام حقيقته في ذهن السامع فالتمام والوجود نوعان : خارجي وذهني فإذا أخبرت المخاطب بخبر صادق حصلت له حقيقة المخبر عنه بكماله وتمامه في ذهنه

Sección V02/P278–V02/P280

ومن هذا : وصفهم الرمح بأنه صادق الكعوب إذا كانت كعوبه صلبة قوية ممتلئة قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : صدق القصد وبه يصح الدخول في هذا الشأن ويتلافى به كل تفريط ويتدارك به كل فائت ويعمر كل خراب وعلامة هذا الصادق : أن لا يتحمل داعية تدعو إلى نقض عهد ولا يصبر على صحبة ضد ولا يقعد عن الجد بحال يعني بصدق القصد : كمال العزم وقوة الإرادة بأن يكون في القلب داعية صادقة إلى السلوك وميل شديد يقهر السر على صحة التوجه فهو طلب لا يمازجه رياء ولا فتور ولا يكون فيه قسمة بحال ولا يصح الدخول في شأن السفر إلى الله والاستعداد للقائه إلا به ويتلافى به كل تفريط فإنه حامل على كل سبب ينال به الوصول وقطع كل سبب يحول بينه وبينه فلا يترك فرصة تفوته وما فاته من الفرص السابقة تداركها بحسب الإمكان فيصلح من قلبه ما مزقته يد الغفلة والشهوة ويعمر منه ما خربته يد البطالة ويوقد فيه ما أطفأته أهوية النفس ويلم منه ما شعثته يد التفريط والإضاعة ويسترد منه ما نهبته أكف اللصوص والسراق ويزرع منه ما وجده بورا من أراضيه ويقلع ما وجده شوكا وشبرقا في نواحيه ويستفرغ منه ما ملأته مواد الأخلاط الردئية الفاسدة المترامية به إلى الهلاك والعطب ويداوي منه الجراحات التي أصابته من عبرات الرياءويغسل منه الأوساخ والحوبات التي تراكمت عليه على تقادم الأوقات حتى لو اطلع عليه لأحزنه سواده ووسخه الذي صار دباغا له فيطهره بالماء البارد من ينابيع الصدق الخالصة من جميع الكدورات قبل أن يكون طهوره بالجحيم والحميم فإنه لا يجاور الرحمن قلب دنس بأوساخ الشهوات والرياء أبدا ولابد من طهور فاللبيب يؤثر أسهل الطهورين وأنفعهما والله المستعان وقوله : وعلامة هذا الصادق : أن لا يتحمل داعية تدعو إلى نقض عهد يعني أن الصادق حقيقة : هو الذي قد انجذبت قوى روحه كلها إلى إرادة الله وطلبه والسير إليه والاستعداد للقائه ومن تكون هذه حاله : لا يحتمل سببا يدعوه إلى نقض عهده مع الله بوجه وقوله : ولا يصبر على صحبة ضده الضد عند القوم : هم أهل الغفلة وقطاع طريق القلب إلى الله وأضر شيء على الصادق : صحبتهم بل لا تصبر نفسه على ذلك أبدا إلا جمع ضرورة وتكون صحبتهم له في تلك الحال بقالبه وشبحه دون قلبه وروحه فإن هذا لما استحكمت الغفلة عليه كما استحكم الصدق في الصادق : أحست روحه بالأجنبية التي بينه وبينهم بالمضادة فاشتدت النفرة وقوي الهرب وبحسب هذه الأجنبية وإحساس الصادق بها : تكون نفرته وهربه عن الأضداد فإن هذا الضد إن نطق أحس قلب الصادق : أنه نطق بلسان الغفلة والرياء والكبر وطلب الجاهولو كان ذاكرا أو قارئا أو مصليا أو حاجا أو غير ذلك فنفر قلبه منه وإن صمت أحس قلبه : أنه صمت على غير حضور وجمعية على الله وإقبال بالقلب عليه وعكوف السر عليه فينفر منه أيضا فإن قلب الصادق قوي الإحساس فيجد الغيرية والأجنبية من الضد ويشم القلب القلب كما يشم الرائحة الخبيثة فيزوي وجهه لذلك ويعتريه عبوس فلا يأنس به إلا تكلفا ولا يصاحبه إلا ضرورة فيأخذ من صحبته قدر الحاجة كصحبة من يشتري منه أو يحتاج إليه في مصالحه كالزوجة والخادم ونحوه قوله : ولا يقعد عن الجد بحال يعني أنه لما كان صادقا في طلبه مستجمع القوة : لم يقعد به عزمه عن الجد في جميع أحواله فلا تراه إلا جادا وأمره كله جد فصل قال : الدرجة الثانية : أن لا يتمنى الحياة إلا للحق ولا يشهد

Sección V02/P280–V02/P283

من نفسه إلا أثر النقصان ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص أي لا يحب أن يعيش إلا ليشبع من رضى محبوبه ويقوم بعبوديته ويستكثر من الأسباب التي تقر به إليه وتدنيه منه لا لعلة من علل الدنيا ولا لشهوة من شهواتها كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لولا ثلاث لما أحببت البقاء : لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله ومكابدة الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي أطايب التمر يريد رضي الله عنه : الجهاد والصلاة والعلم النافع وهذه درجات الفضائل وأهلها هم أهل الزلفى والدرجات العليا وقال معاذ رضي الله عنه عند موته : اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولا لنكح الأزواج ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الليل ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر وقوله : ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان يعني لا يرى نفسه إلا مقصرا والموجب له لهذه الرؤية : استعظام مطلوبه واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها وقلة زاده في عينه فمن عرف الله وعرف نفسه : لم ير نفسه إلا بعين النقصان وأما قوله : ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص فلأنه لكمال صدقه وقوة إرادته وطلبه للتقدم : يحمل نفسه على العزائم ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرخص وهذا لابد فيه من التفصيل فإن الصادق يعمل على رضى الحق تعالى ومحابه فإذا كانت الرخص أحب إليه تعالى من العزائم : كان التفاته إلى ترفيهها وهو عين صدقه فإذا أفطر في السفر وقصر وجمع بين الصلاتين عند الحاجة إليه وخفف الصلاة عند الشغل ونحو ذلك من الرخص التي يحب الله تعالى أن يؤخذ بها : فهذا الالتفات إلى ترفيهها لا ينافي الصدق بل ههنا نكتة وهي أنه فرق بين أن يكون التفاته إليها ترفها وراحة وأن يكون متابعة وموافقة ومع هذا فالالتفات إليها ترفها وراحة لا ينافي الصدق فإن هذا هو المقصود منها وفيه شهود نعمة الله على العبد وتعبده باسمه البر اللطيف المحسن الرفيق فإنه رفيق يحب الرفق وفي الصحيح : ما خير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما لما فيه من روح التعبد باسم الرفيق اللطيف وإجمام القلب به لعبودية أخرى فإن القلب لا يزال يتنقل في منازل العبودية فإذا أخذ بترفيه رخصة محبوبه : استعد بها لعبودية أخرى وقد تقطعه عزيمتها عن عبودية هي أحب إلى الله منها كالصائم في السفر الذي ينقطع عن خدمة أصحابه والمفطر الذي يضرب الأخبية ويسقي الركاب ويضم المتاع ولهذا قال فيهم النبي : ذهب المفطرون اليوم بالأجر أما الرخص التأويلية المستندة إلى اختلاف المذاهب والآراء التي تصيب وتخطىء : فالأخذ بها عندهم عين البطالة مناف للصدق فصل قال : الدرجة الثالثة : الصدق في معرفة الصدق فإن الصدق لا يستقيم في علم أهل الخصوص إلا على حرف واحد وهو أن يتفق رضى الحق بعمل العبد أو حاله أو وقته وإيقان العبد وقصده : بكون العبد راضيا مرضيا فأعماله إذن مرضية وأحواله صادقة وقصوده مستقيمة وإن كان العبد كسى ثوبا معارا فأحسن أعماله : ذنب وأصدق أحواله : زور وأصفى قصوده : قعود يعني أن الصدق المتحقق إنما يحصل لمن صدق في معرفة الصدق فكأنه قال : لا يحصل حال الصدق إلا بعد معرفة علم الصدق ثم عرف حقيقة الصدق فقال : لا يستقيم الصدق في علم أهل الخصوص إلا على حرف واحد وهو أن يتفق رضى الحق بعمل العبد أو حاله أو وقته وإيقانه وقصده وهذا موجب الصدق وفائدته وثمرته فالشيخ ذكر الغاية الدالة على الحقيقة التي يعرف انتفاء الحقيقة بانتفائها وثبوتها بثبوتها فإن العبد إذا صدق الله : رضي الله بعمله وحاله ويقينه وقصده لا أن رضى الله نفس الصدق وإنما يعلم الصدق بموافقة رضاه سبحانه ولكن من أين يعلم العبد رضاه

Sección V02/P283–V02/P284

فمن ههنا كان الصادق مضطرا أشد ضرورة إلى متابعة الأمر والتسليم للرسول في ظاهره وباطنه والاقتداء به والتعبد بطاعته في كل حركة وسكون مع إخلاص القصد لله عز وجل فإن الله تعالى لا يرضيه من عبده إلا ذلك وما عدا هذا فقوت النفس ومجرد حظها واتباع أهوائها وإن كان فيه من المجاهدات والرياضات والخلوات ما كان فإن الله سبحانه وتعالى أبى أن يقبل من عبده عملا أو يرضى به حتى يكون على متابعة رسوله خالصا لوجهه سبحانه ومن ههنا يفارق الصادق أكثر السالكين بل يستوحش في طريقه وذلك لقلة سالكها فإن أكثرهم سائرون على طرق أذواقهم وتجريد أنفاسهم لنفوسهم ومتابعة رسوم شيوخهم والصادق في واد وهؤلاء في واد وقوله : فيكون العبد راضيا مرضيا لأنه قد رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا فرضي الله به عبدا وأعماله إذا مرضية لله وأحواله صادقة مع الله وقصوده مستقيمة على متابعة أوامر الله عز وجل وقوله وإن كان العبد كسي ثوبا معارا فأحسن أعماله : ذنب وأصدق أحواله : زور وأصفى قصوده : قعود هذا يراد به أمران أحدهما : أن يكسى حلية الصادقين ويلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم فثوب الصدق عارية له لا ملك له فهو كالمتشبع بما لم يعط فإنه كلابس ثوبي زور فهذا أحسن أعماله : ذنب يعاقب عليه كما يعاقب المقتول في الجهاد والقارىء القرآن المتنسك والمتصدق ويكونون أول من تسعر بهم النار يوم القيامة لما لبسوا ثياب الصادقين على قلوب المرائين هذا معنى صحيح ما أظن الشيخ قصده وإنما أظنه قصد معنى آخر وهو أنه متى تيقن العبد : أن وجوده ثوب معار ليس منه ولا له وإنما إيجاده وصفاته وإرادته وقدرته وأعماله : عارية من الفعال وحده والعبد ليس له من ذاته إلا العدم فوجوده وحياته : ثوب أعيره فمتى نظر بعين الحقيقة إلى كسوته : رأى أحسن أعماله ذنويافي هذا المقام وأصدق أحواله زورا وأصفى قصوده قعودا فلا يرى لنفسه منه عملا ولا حالا ولا قصدا فإنه ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم فكل ما من النفس : فهو ذنب وزور وقعود وما كان مرضيا فهو بالله ومن الله ولله لا بالنفس ولا منها ولا لها فإن العبد إذا رأى أنه قد فعل الطاعة : كانت رؤيته لذلك ذنبا فإنه قد نسب الفعل إليه والله في الحقيقة هو المنفرد بالفعل فعلى هذا لا يتخلص العبد من الذنب قط فإنه إذا خلص فعله من الرياء ومن كل شيء يفسده : اقترن به آخر لا يمكنه الخلاص منه وهو اعتقاده : أنه هو الفاعل والصواب : أن هذا ليس بذنب ولا هو مقدور للعبد ولا مأمور به والكمال في حقه : أن يشهد الأمر كما هو عليه وأنه فاعل حقيقة كما أضاف الله إليه الفعل في كتابه كله والله هو الذي جعله فاعلا فإذا شهد نفسه فاعلا حقيقة وشهد فاعليته بالله ومن الله لا من نفسه : فلا ذنب في هذا الشهود ولا زور بحمد الله وهو نظر بمجموع عينيه إلى السبب والمسبب والشرع والقدر والخلق والأمر وأنه متى شهد نفسه عاصيا مخالفا مذنبا : كان عاصيا بهذا الشهود لأن الفاعل فيه غيره وهذا مناف للعبودية أشد منافاة وهو من سير القوم إلى شهود الحقيقة الكونية واعتقادهم : أنه غاية السالكين

Sección V02/P284–V02/P287

فإن قيل : الشيخ ههنا ما نطق بلسان الأبرار وإنما نطق بلسان المقربين ولا ريب أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ولسنا نريد أن شهود فعله ذنب في الشرع بل يكون حسنة كما ذكرتم لكن هو حسنة للبر ذنب للمقرب فإن نصيب البر من السيئة : ما جاء به العلم ونصيب المقرب : ما جاءت به المعرفة التي هي أخص من العلم قيل : هذا أيضا باطل قطعا فإن المعرفة الصحيحة : مطابقة للحق في نفسه شرعا وقدرا ومخالف ذلك فمعرفة فاسدة والحق في نفس الأمر : نسبة الأفعال إلى الفاعلين قياما ومباشرة وصدورا منهم وذلك محل الأمر والنهي والثواب والعقاب والقدح في ذلك مستلزم لإبطال الشرع والجزاء فإن الشرع إنما أمر بأفعالنا ونهى عنها والجزاء إنما ترتب عليها فشهود أفعالنا كذلك من تمام الإيمان بالشرع والجزاء ونسبتها إلى الرب تعالى قضاء وقدرا وخلقا للأسباب التي منها إرادتنا وقدرتنا فلم يجبرنا عليها ولم يكرهنا بل خلقها بما أعطانا من القدرة والإرادة اللتين هما من أسباب الفعل فهذا المشهد يحقق عبودية إياك نستعين والمشهد الأول : يحقق عبودية إياك نعبد وهما يحققان مشهدي : فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاوما تشاءون إلا أن يشاء الله [ الإنسان : 2930 ] وقوله : لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين [ التكوير : 2829 ] وما جاء به العلم لا يناقض ما جاءت به المعرفة بل المعرفة روح العلم ولبه وكماله وحقيقتها : العلم الذي أثمر لصاحبه مقصوده ولسان الأبرار لا يخالف لسان المقربين إنما يخالف لسان الفجار نعم لسان المقربين أعلى منه وأرفع على مقتضى أعمالهم وأحوالهم فنسبته إليه : كنسبة مقام التوكل إلى الرضى والرضى إلى الحمد والشكر فإن قيل : كلامكم هذا بلسان العلم ولو تكلمتم بلسان الحال لعلمتم صحة ما ذكرناه فإن صاحب الحال صاحب شهود وصاحب العلم صاحب غيبة والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ونحن نشير إليكم إشارة حالية علمية تنزلا من الحال إلى العلم فنقول : الحال تأثر عن نور من أنوار الأحدية والفردانية يستر العبد عن نفسه ويبدي ظهور مشهوده ولا ريب أن في هذا الحال قد يعتقد أن الشاهد هو المشهود حتى قال أبو يزيد في مثل هذا الحال : سبحاني سبحاني وما في الجبة إلا الله ولا شك أن هذا الإعتقاد زور وإن كان سببه نور من أنوار الأحدية وصاحبه معذور ما دام مستورا عن نفسه بوارده فإذا رد إلى رسمه وعقله وحسه : حال ذلك الحال وزال وعلم صاحبه أنه كان زورا حيث ظن أن الشاهد هو المشهود فإن أنكرتم ذلك فلا كلام معكم وإن اعترفتم به حصل المقصود فهذا معنى كون أصدق أحوال الصادق : زورا وإذا عرف هذا في الحال : عرف مثله في كون أحسن أعماله : ذنبا فإنه لصدقه في الطلب وبذله الجهد في العمل واستفراغه الوسع فيه يغيب بذلك عن شهود الحقيقة الكونية وأن المحرك له سواه وأنه آلة ومجرى للمشيئة وأن نفسه أعجز وأضعف من أن يكون لها أو بها أو منها : فعل أو إرادة أو حركة فإذا رجع إلى الحقيقة فشهد منة الله عليه وأنه هو المحرك له وأن مشيئته هي التي أوجبت سعيه : رأى أحسن أعماله : ذنبا بهذا الاعتبار وأما رؤيته أصفى قصوده : قعودا فلأن القاصد إلى الحقيقة متى شهد مقصوده : قعد عن قصده فإن المقصود المراد : أقرب إلى اللسان من نطقه وإلى القلب من قصده فالقصد إليه : هو عين القعود عن القصد لأن القصد إنما يكون لبعيد عن القاصد أما من هو أقرب إلى القاصد من ذاته : فمتى شاهد القاصد الحقيقة : علم أن قصده عين القعود عن قصده والعبارة تزيد هذا المعنى جفوة والحوالة فيه على الحال والذوق

Sección V02/P287–V02/P289

فالجواب أن يقال : من أحالك على الحال فما أنصفك فإنه أحالك على أمر مشترك بين الحق والباطل فإن كل من اعتقد شيئا وطلبه طلبا صادقا واستفرغ وسعه في الوصول إليه : كان له لا محالة فيه حال ليست لغيره بحسب صدقه في طلبه وجمع همته وقصده عليه وهذا يكون للأبرار والفجار بل لأولياء الله وأعدائه فيكون الرجل له شهود بمشهوده وحال في طلبه لا يوجب كونه حقاولا باطلا فإن كل من اعتقد عقيدة وارتاض وصقل قلبه بأنواع الرياضة وجزم بما اعتقده : تجلت له صورة معتقده في عالم نفسه فيظن ذلك كشفا صحيحا وإن كان صادقا في طلبه وحبه لما اعتقده : كان له فيه حال وتأثير بحسبه فالحوالة على الحال حوالة مفلس من العلم على غير مليء به ومن ههنا دخل الداخل على أكثر السالكين وانعكس سيرهم حيث أحالوا العلم على الحال وحكموه عليه وسير أولياء الله وعباده الأبرار والمقربين : بخلاف هذا وهو إحالة الحال على العلم وتحكيمه عليه وتقديمه ووزنه به وقبول حكمه فإن وافقه العلم وإلا كان حالا فاسدامنحرفاعن أحوال الصادقين بحسب بعده عن العلم فالعلم حاكم والحال محكوم عليه والعلم راع والحال من رعيته فمن لم يكن هذا أصل بناء سلوكه فسلوكه فاسد وغايته : الانسلاخ من العلم والدين كما جرى ذلك لمن جرى له وبالله المستعان ونحن لا ننكر ما ذكرتم من غيبة الشاهد بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته وبمحبوبه عن حبه لكن ننكر كون هذا أكمل حالا من صاحب البقاء والتمييز وشهود الحقائق على ما هي عليه فلا يحتاج أن يشهد حاله زورا لأنه لم يحصل له ما حصل لصاحب السكر والاصطلام من الزور فهو أكمل منه حقيقة وشرعا وأما الغائب عن الحقيقة الكونية بشهود فعله : فإنه متى صحبه استصحاب عقد التوحيد وأن مصدر كل شيء مشيئة الله وحده وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يتحرك متحرك في ظاهره أو باطنه إلا به سبحانه : فلا تضره الغيبة عن هذا المشهد باستغراقه في القصد والطلب والفعل إذ حكمه جار عليه في هذه الحال وليس ضيق قلبه عن استحضار ذلك وقت استجماع إرادته وفعله وطلبه : ذنبا لا للخاصة ولا للعامة ولا بالنسبة إلى مقامه أيضا فإن الذنب تعمد مخالفة الأمر وهذا ليس كذلك ولا هو مطالب بالغيبة عن شهود الحقيقة والفناء فيها عن شهود الفعل وقيامه به مع اعتقاد أنه بمشيئة الله وحوله وقوته وأما ما ذكرتم من أن مشاهدة القرب تجعل القصد قعودا : فكلام له خبىء وقد أفصح عنه بعض المغرورين المخدوعين بقوله : ما بال عينك لا يقر قرارها وإلام ظلك لا ينى متنقلا فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن إلا إليك إذا بلغت المنزلا وكأن صاحبه يشير إلى أنه وجود قلبه ولسانه ووجوده أقرب إليه من إرادته ولطفه هذا خبىء هذا الكلام وتعالى الله عن إلحاد هذا وأمثاله وإفكهم علوا كبيرا بل هو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وأما ما ذكرتم من القرب : فإن أردتم عموم قربه إلى كل لسان من نطقه وإلى كل قلب من قصده : فهذا لو صح لكان قرب قدرة وعلم وإحاطة لا قربا بالذات والوجود فإنه سبحانه لا يمازج خلقه ولا يخالطهم ولا يتحد بهم مع أن هذا المعنى لم يرد عن الله ورسوله ولا عن أحد من السلف الأخيار تسميته قربا ولم يجىء القرب في القرآن والسنة قط إلا خاصا كما تقدم وإن أردتم القرب الخاص إلى اللسان والقلب : فهذا قرب المحبة وقرب الرضى والأنس كقرب العبد من ربه وهو ساجد وهو نوع آخر من القرب لا مثال له ولا نظير فإن الروح والقلب يقربان من الله وهو على عرشه والروح والقلب في البدن وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك وهذا القرب لا ينافي القصد والطلب بل هو مشروط بالقصد فيستحيل وجوده بدونه وكلما كان الطلب والقصد أتم : كان هذا القرب أقوى

Sección V02/P289–V02/P291

فإن قيل : فكيف تصنعون بقوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ ق : 16 ] قيل : هذه الآية فيها قولان للناس أحدهما : أنه قربه بعلمه ولهذا قرنه بعلمه بوسوسة نفس الإنسان و حبل الوريد حبل العنق وهو عرق بين الحلقوم والودجين الذي متى قطع مات صاحبه وأجزاء القلب وهذا الحبل يحجب بعضها بعضا وعلم الله بأسرار العبد وما في ضميره لا يحجبه شيء والقول الثاني : أنه قربه من العبد بملائكته الذين يصلون إلى قلبه فيكون أقرب إليه من ذلك العرق اختاره شيخنا وسمعته يقول : هذا مثل قوله : نحن نقص عليك أحسن القصص [ يوسف : 3 ] وقوله : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه [ القيامة : 18 ] فإن جبريل عليه السلام هو الذي قصه عليه بأمر الله فنسب تعليمه إليه إذ هو بأمره وكذلك جبريل هو الذي قرأه عليه كما في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية : فإذا قرأه رسولنا فأنصت لقراءته حتى يقضيها قلت : أول الآية يأبى ذلك فإنه قال : ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه [ ق : 16 ] قال : وكذلك خلقه للإنسان إنما هو بالأسباب وتخليق الملائكة قلت : وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه في تخليق النطفة : فيقول الملك الذي يخلقه : يارب ذكر أم أنثى أسوى أم غير سوى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك فهو سبحانه الخالق وحده ولا ينافي ذلك استعمال الملائكة بإذنه ومشيئته وقدرته في التخليق فإن أفعالهم وتخليقهم خلق له سبحانه فما ثم خالق على الحقيقة غيره والمقصود : أن هذا موضع ضلت فيه أفهام وزلت فيه أقدام واشتبهت فيه معية العلم والقدرة والإحاطة بالقرب واشتبهت فيه آثار قرب المحبة والرضى والموافقة وغلبة ذكره ومراقبته بقرب ذاته واشتبه فيه ما في الذهن بما في الخارج واشتبه اضمحلال شهود الرسم وانمحاؤه من القلب بعدمه وفنائه واشتبهت فيه آثار الصفات بحقيقتها وأنوار المعرفة بأنوار الذات وأصحابه لتحكيمهم الحال والذوق لا يلتفتون إلى لسان العلم ولا يصغون إليه وفي هذا كفاية والله المستعان فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإيثار قال الله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [ الحشر : 9 ] فالإيثار ضد الشح فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه والشحيح : حريص على ما ليس بيده فإذا حصل بيده شيء شح عليه وبخل بإخراجه فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل كما قال النبي : إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا فالبخيل : من أجاب داعي الشح والمؤثر : من أجاب داعي الجود كذلك السخاء عما في أيدي الناس هو السخاء وهو أفضل من سخاء البذل قال عبدالله بن المبارك : سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل وهذا المنزل : هو منزل الجود والسخاء والإحسان وسمي بمنزل الإيثار لأنه أعلى مراتبه فإن المراتب ثلاثة إحداها : أن لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه فهو منزلة السخاء الثانية : أن يعطي الأكثر ويبقي له شيئا أو يبقى مثل ما أعطى فهو الجود الثالثة : أن يؤثر غيره بالشئ مع حاجته إليه وهي مرتبة الإيثار وعكسها الأثرة وهو استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه وهي المرتبة التي قال فيها رسول الله للأنصار رضي الله عنهم : إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض والأنصار : هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ الحشر : 9 ] فوصفهم بأعلى مراتب السخاء وكان ذلك فيهم معروفا وكان قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما من الأجواد المعروفين حتى إنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم فقالوا : إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين فقال : أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة ثم أمر مناديا ينادي : من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده

Sección V02/P291–V02/P293

وقالوا له يوما : هل رأيت أسخى منك قال : نعم نزلنا بالبادية على امرأة فحضر زوجها فقالت : إنه نزل بك ضيفان فجاء بناقة فنحرها وقال : شأنكم فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها فقلنا : ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير فقال : إني لا أطعم ضيفاني البائت فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر وهو يفعل ذلك فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة : اعتذري لنا إليه ومضينا فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا : قفوا أيها الركب اللئام أعطيتموني ثمن قراي ثم إنه لحقنا وقال : لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي فأخذناه وانصرف فتأمل سر التقدير حيث قدر الحكيم الخبير سبحانه استئثار الناس على الأنصار بالدنيا وهم أهل الإيثار ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم ودرجته ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك مع كونك من أهل الإيثار فاعلم أنه لخير يراد بك والله سبحانه وتعالى أعلم فصل و الجود عشر مراتب أحدها : الجود بالنفس وهو أعلى مراتبه كما قال الشاعر : يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود الثانية : الجود بالرياسة وهو ثاني مراتب الجود فيحمل الجواد جوده على امتهان رياسته والجود بها والإيثار في قضاء حاجات الملتمس الثالثة : الجود براحته ورفاهيته وإجمام نفسه فيجود بها تعباوكدا في مصلحة غيره ومن هذا جود الإنسان بنومه ولذته لمسامره كما قيل : متيم بالندى لو قال سائله هب لي جميع كرى عينيك لم ينم الرابعة : الجود بالعلم وبذله وهو من أعلى مراتب الجود والجود به أفضل من الجود بالمال لأن العلم أشرف من المال والناس في الجود به على مراتب متفاوتة وقد اقتضت حكمة الله وتقديره النافذ : أن لاينفع به بخيلا أبدا ومن الجود به : أن تبذله لمن يسألك عنه بل تطرحه عليه طرحا ومن الجود بالعلم : أن السائل إذا سألك عن مسألة : استقصيت له جوابها جوابا شافيا لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا نعم أو لا مقتصرا عليها ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في ذلك أمرا عجيبا : كان إذا سئل عن مسألة حكمية ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر ومأخذ الخلاف وترجيح القول الراجح وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم : أعظم من فرحه بمسألته وهذه فتاويه رحمه الله بين الناس فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك فمن جود الإنسان بالعلم : أنه لا يقتصر على مسألة السائل بل يذكر له نظائرها ومتعلقها ومأخذها بحيث يشفيه ويكفيه وقد سأل الصحابة رضي الله عنهم النبي عن المتوضىء بماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه الحل ميتته فأجابهم عن سؤالهم وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أحوج مما سألوه عنه وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبههم على علته وحكمته كما سألوه عن بيع الرطب بالتمر فقال : أينقص الرطب إذا جف قالوا : نعم قال : فلا إذن ولم يكن يخفى عليه نقصان الرطب بجفافه ولكن نبههم على علة الحكم وهذا كثير جدا في أجوبته مثل قوله : إن بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق وفي لفظ : أرأيت إن منع الله الثمرة : بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق فصرح بالعلة التي يحرم لأجلها إلزامه بالثمن وهي منع الله الثمرة التي ليس للمشتري فيها صنع

Sección V02/P293–V02/P296

وكان خصومه يعني شيخ الإسلام ابن تيمية يعيبونه بذلك ويقولون : سأله السائل عن طريق مصر مثلا فيذكر له معها طريق مكة والمدينة وخراسان والعراق والهند وأي حاجة بالسائل إلى ذلك ولعمر الله ليس ذلك بعيب وإنما العيب : الجهل والكبر وهذا موضع المثل المشهور : لقبوه بحامض وهو خل مثل من لم يصل إلى العنقود الخامسة : الجود بالنفع بالجاه كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد كما أن التعليم وبذل العلم زكاته السادسة : الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه كما قال : يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين : صدقة ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه : صدقة والكلمة الطيبة : صدقة وبكل خطوة يمشيها الرجل إلى الصلاة : صدقة ويميط الأذى عن الطريق : صدقة + متفق عليه + السابعة : الجود بالعرض كجود أبي ضمضم من الصحابة رضى الله عنهم كان إذا أصبح قال : اللهم إنه لا مال لي أتصدق به على الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي فمن شتمني أو قذفني : فهو في حل فقال النبي : من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه الثامنة : الجود بالصبر والاحتمال والإغضاء وهذه مرتبة شريفة من مراتبه وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر وأملك لنفسه وأشرف لها ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار فمن صعب عليه الجود بماله فعليه بهذا الجود فإنه يجتني ثمرة عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة وهذا جود الفتوة قال تعالى : والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له [ المائدة : 45 ] وفي هذا الجود قال تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين [ الشورى : 40 ] فذكر المقامات الثلاثة في هذه الآية : مقام العدل وأذن فيه ومقام الفضل وندب إليه ومقام الظلم وحرمه التاسعة : الجود بالخلق والبشر والبسطة وهو فوق الجود بالصبر والاحتمال والعفو وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم وهو أثقل ما يوضع في الميزان قال النبي : لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه وفي هذا الجود من المنافع والمسار وأنواع المصالح ما فيه والعبد لا يمكنه أن يسع الناس بحاله ويمكنه أن يسعهم بخلقه واحتماله العاشرة : الجود بتركه ما في أيدي الناس عليهم فلا يلتفت إليه ولا يستشرف له بقلبه ولا يتعرض له بحاله ولا لسانه وهذا الذي قال عبدالله ابن المبارك : إنه أفضل من سخاء النفس بالبذل فلسان حال القدر يقول للفقير الجواد : وإن لم أعطك ما تجود به على الناس فجد عليهم بزهدك في أموالهم وما في أيديهم تفضل عليهم وتزاحمهم في الجود وتنفرد عنهم بالراحة ولكل مرتبة من مراتب الجود مزيدوتأثير خاص في القلب والحال والله سبحانه قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف للممسك والله المستعان فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الإيثار : تخصيص واختيار والأثرة : تحسن طوعا وتصح كرها فرق الشيخ بين الإيثار و الأثرة وجعل الإيثار اختيارا و الأثرة منقسمة إلى اختيارية واضطرارية وبالفرق بينهما يعلم معنى كلامه فإن الإيثار هو البذل وتخصيصك لمن تؤثره على نفسك وهذا لا يكون إلااختيارا وأما الأثرة فهي استئثار صاحب الشيء به عليك وحوزه لنفسه دونك فهذه لا يحمد عليها المستأثر عليه إلا إذا كانت طوعا مثل أن يقدر على منازعته ومجاذبته فلا يفعل ويدعه وأثرته طوعا فهذا حسن وإن لم يقدر على ذلك كانت أثرة كره ويعني بالصحة : الوجود أي توجد كرها ولكن إنما تحسن إذا كانت طوعا من المستأثر عليه فحقيقة الإيثار بذل صاحبه وإعطاؤه و الأثرة استبداله هو بالمؤثر به فيتركه وما استبدل به : إما طوعا وإما كرها فكأنك آثرته باستئثاره حيث خليت بينه وبينه ولم تنازعه

Sección V02/P296–V02/P298

قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه : بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله فالسمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره : لهم معه ومع الأئمة بعده والأثرة : عدم منازعة الأمر مع الأئمة بعده خاصة فإنه لم يستأثر عليهم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يحرم عليك دينا ولا يقطع عليك طريقا ولا يفسد عليك وقتا يعني : أن تقدمهم على نفسك في مصالحهم مثل أن تطعمهم وتجوع وتكسوهم وتعرى وتسقيهم وتظمأ بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين ومثل أن تؤثرهم بمالك وتقعد كلا مضطرا مستشرفا للناس أو سائلا وكذلك إيثارهم بكل ما يحرمه على المؤثر دينه فإنه سفه وعجز يذم المؤثر به عند الله وعند الناس وأما قوله : ولا يقطع عليك طريقا أي لا يقطع عليك طريق الطلب والمسير إلى الله تعالى مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك وتوجهك وجمعيتك على الله فتكون قد آثرته على الله وآثرت بنصيبك من الله ما لا يستحق الإيثار فيكون مثلك كمثل مسافر سائر على الطريق لقيه رجل فاستوقفه وأخد يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى الله تعالى فإيثارهم عليه عين الغبن وما أكثر المؤثرين على الله تعالى غيره وما أقل المؤثرين الله على غيره وكذلك الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضا مثل أن يؤثر بوقته ويفرق قلبه في طلب خلفه أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على الله فيفرق قلبه عليه بعد جمعيته ويشتت خاطره فهذا أيضا إيثار غير محمود وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم التي لا تتعين عليك على الفكر النافع واشتغال القلب بالله ونظائر ذلك لا تخفى بل ذلك حال الخلق والغالب عليهم وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله : فلا تؤثر به أحدا فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله وأنت لا تعلم وتأمل أحوال أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرهم إيثارهم له ولا ينفعهم وأي جهالة وسفه فوق هذا ومن هذا تكلم الفقهاء في الإيثار بالقرب وقالوا : إنه مكروه أو حرام كمن يؤثر بالصف الأول غيره ويتأخر هو أو يؤثره بقربه من الإمام يوم الجمعة أو يؤثر غيره بالأذان والإقامة أو يؤثره بعلم يحرمه نفسه ويرفعه عليه فيفوز به دونه وتكلموا في إيثار عائشة رضي الله عنها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بدفنه عند رسول الله في حجرتها وأجابوا عنه بأن الميت ينقطع عمله بموته وبقربه فلا يتصور في حقه الإيثار بالقرب بعد الموت إذ لا تقرب في حق الميت وإنما هذا إيثار بمسكن شريف فاضل لمن هو أولى به منها فالإيثار به قربة إلى الله عز وجل للمؤثر والله أعلم فصل قال : ولا يستطاع إلا بثلاثة أشياء : بتعظيم الحقوق ومقت الشح والرغبة في مكارم الأخلاق ذكر ما يعين على الإيثار فيبعث عليه وهو ثلاثة أشياء تعظيم الحقوق فإن من عظمت الحقوق عنده قام بواجبها ورعاها حق رعايتها واستعظم إضاعتها وعلم أنه إن لم يبلغ درجة الإيثار لم يؤدها كما ينبغي فيجعل إيثاره احتياطا لأدائها الثاني : مقت الشح فإنه إذا مقته وأبغضه التزم الإيثار فإنه يرى أنه لا خلاص له من هذا المقت البغيض إلا بالإيثار الثالث : الرغبة في مكارم الأخلاق وبحسب رغبته فيها : يكون إيثاره لأن الإيثار أفضل درجات مكارم الأخلاق فصل قال : الدرجة الثانية : إيثار رضى الله على رضى غيره وإن عظمت فيه المحن وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطول والبدن

Sección V02/P298–V02/P301

إيثار رضى الله عز وجل على غيره : هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه وأعلاها لأولى العزم منهم وأعلاها لنبينا وعليهم فإنه قاوم العالم كله وتجرد للدعوة إلى الله واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله تعالى وآثر رضى الله على رضى الخلق من كل وجه ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم بل كان همه وعزمه وسعيه كله مقصورا على إيثار مرضاة الله وتبليغ رسالاته وإعلاء كلماته وجهاد أعدائه حتى ظهر دين الله على كل دين وقامت حجته على العالمين وتمت نعمته على المؤمنين فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال صلوات الله وسلامه عليه وأما قوله : وإن عظمت فيه المحن وثقلت فيه المؤن فإن المحنة تعظم فيه أولا ليتأخر من ليس من أهله فإذا احتملها وتقدم انقلبت تلك المحن منحا وصارت تلك المؤن عونا وهذا معروف بالتجربة الخاصة والعامة فإنه ما آثر عبد مرضاة الله عز وجل على مرضاة الخلق وتحمل ثقل ذلك ومؤنته وصبر على محنته : إلا أنشأ الله من تلك المحنة والمؤنة نعمة ومسرة ومعونة بقدر ما تحمل من مرضاته فانقلبت مخاوفه أمانا ومظان عطبه نجاة وتعبه راحة ومؤنته معونة وبليته نعمة ومحنته منحة وسخطه رضى فيا خيبة المتخلفين ويا ذلة المتهيبين هذا وقد جرت سنة الله التي لا تبديل لها أن من آثر مرضاة الخلق على مرضاته : أن يسخط عليه من آثر رضاه ويخذله من جهته ويجعل محنته على يديه فيعود حامده ذاما ومن آثر مرضاته ساخطا فلا على مقصوده منهم حصل ولا إلى ثواب مرضاة ربه وصل وهذا أعجز الخلق وأحمقهم هذا مع أن رضى الخلق : لا مقدور ولا مأمور ولا مأثور فهو مستحيل بل لا بد من سخطهم عليك فلأن يسخطوا عليك وتفوز برضى الله عنك أحب إليك وأنفع لك من أن يسخوا عليك والله عنك غير راض فإذا كان سخطهم لابد منه على التقديرين فآثر سخطهم الذي ينال به رضي الله فإن هم رضوا عنك بعد هذا وإلا فأهون شيء رضى من لا ينفعك رضاه ولا يضرك سخطه في دينك ولا في إيمانك ولا في آخرتك فإن ضرك في أمر يسير في الدنيا فمضرة سخط الله أعظم وأعظم وخاصة العقل : احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما فوازن بعقلك ثم انظر أي الأمرين وأيهما خير فآثره وأيهما شر فابعد عنه فهذا برهان قطعي ضروري في إيثار رضي الله على رضى الخلق هذا مع أنه إذا آثر رضى الله كفاه الله مؤنة غضب الخلق وإذا آثر رضاهم لم يكفوه مؤنة غضب الله عليه قال بعض السلف : لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة إنك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها وقال الشافعي رضي الله عنه : رضى الناس غاية لا تدرك فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه ومعلوم : أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضى ربها ومولاها على غيره ولقد أحسن أبو فراس في هذا المعنى إلا أنه أساء كل الإساءة في قوله إذ يقوله لمخلوق لا يملك له ولا لنفسه نفعا ولا ضرا : فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب ثم ذكر الشيخ رحمه الله ما يستطاع به هذا الإيثار العظيم الشأن فقال : ويستطاع هذا بثلاثة أشياء : بطيب العود وحسن الإسلام وقوة الصبر من المعلوم : أن المؤثر لرضى الله متصد لمعاداة الخلق وأذاهم وسعيهم في إتلافه ولابد هذه سنة الله في خلقه وإلا فما ذنب الأنبياء والرسل والذين يأمرون بالقسط من الناس والقائمين بدين الله الذابين عن كتابه وسنة رسوله عندهم

Sección V02/P301–V02/P303

فمن آثر رضى الله فلابد أن يعاديه رذالة العالم وسقطهم وغرثاهم وجهالهم وأهل البدع والفجور منهم وأهل الرياسات الباطلة وكل من يخالف هديه هديه فما يقدم على معاداة هؤلاء إلا طالب الرجوع إلى الله عامل على سماع خطاب : يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية [ الفجر : 2728 ] ومن إسلامه صلب كامل لا تزعزعه الرجال ولا تقلقله الجبال ومن عقد عزيمة صبره محكم لا تحله المحن والشدائد والمخاوف قلت : وملاك ذلك أمران : الزهد في الحياة والثناء فما ضعف من ضعف وتأخر من تأخر إلا بحبه للحياة والبقاء وثناء الناس عليه ونفرته من ذمهم له فإذا زهد في هذين الشيئين تأخرت عنه العوارض كلها وانغمس حينئذ في العساكر وملاك هذين الشيئين بشيئين : صحة اليقين وقوة المحبة وملاك هذين بشيئين أيضا : بصدق اللجإ والطلب والتصدي للأسباب الموصلة إليهما فإلى ههنا تنتهي معرفة الخلق وقدرتهم والتوفيق بعد بيد من أزمة الأمور كلها بيده وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما [ الإنسان : 3031 ] فصل قال : الدرجة الثالثة : إيثار إيثار الله فإن الخوض في الإيثار دعوى في الملك ثم ترك شهود رؤيتك إيثار الله ثم غيبتك عن الترك يعني بإيثار إيثار الله : أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك وأنه هو الذي تفرد بالإيثار لا أنت فكأنك سلمت الإيثار إليه فإذا آثرت غيرك بشيء فإن الذي آثره هو الحق لا أنت فهو المؤثر حقيقة إذ هو المعطي حقيقة ثم بين الشيخ السبب الذي يصح به نسبة الإيثار إلى الله وترك نسبته إلى نفسك فقال : فإن الخوض في الإيثار : دعوى في الملك فإذا ادعى العبد : أنه مؤثر فقد ادعى ملك ما آثر به غيره والملك في الحقيقة : إنما هو لله الذي له كل شيء فإذا خرج العبد عن دعوى الملك فقد آثر إيثار الله وهو إعطاؤه على إيثار نفسه وشهد أن الله وحده هو المؤثر بملكه وأما من لا ملك له : فأي إيثار له وقوله : ثم ترك شهود رؤيتك إيثار الله يعني أنك إذا آثرت إيثار الله بتسليمك معنى الإيثار إليه : بقيت عليك من نفسك بقية أخرى لابد من الخروج عنها وهي أن تعرض عن شهودك رؤيتك أنك آثرت الحق بإيثارك وأنك نسبت الإيثار إليه لا إليك فإن في شهودك ذلك ورؤيتك له : دعوى أخرى هي أعظم من دعوى الملك وهي أنك ادعيت أن لك شيئا آثرت به الله وقدمته على نفسك فيه بعد أن كان لك وهذه الدعوى أصعب من الأولى فإنها تتضمن ما تضمنته الأولى من الملك وتزيد عليها برؤية الإيثار به فالأول : مدع للملك مؤثر به وهذا مدع للملك ومدع للإيثار به فإذن يجب عليه ترك شهود رؤيته لهذا الإيثار فلا يعتقد أنه آثر الله بهذا الإيثار بل الله هو الذي استأثر به دونك فإن الأثرة واجبة له بإيجابه إياها بنفسه لا بإيجاب العبد إياها له قوله : ثم غيبتك عن الترك يريد : أنك إذا نزلت هذا الشهود وهذه الرؤية : بقيت عليك بقية أخرى وهي رؤيتك لهذا الترك المتضمنة لدعوى ملكك للترك وهي دعوى كاذبة إذ ليس للعبد شيء من الأمر ولا بيده فعل ولا ترك وإنما الأمر كله لله وقد تبين في الكشف والشهود والعلم والمعرفة : أن العبد ليس له شيء أصلا والعبد لا يملك حقيقة إنما المالك بالحقيقة سيده فالأثرة والإيثار والاستئثار كلها لله ومنه وإليه سواء اختار العبد ذلك وعلمه أو جهله أم لم يختره فالأثرة واقعة كره العبد أم رضي فإنها استئثار المالك الحق بملكه تعالى وقد فهمت من هذا قوله : فإن الأثرة تحسن طوعا وتصح كرها والله سبحانه وتعالى أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخلق

Sección V02/P303–V02/P305

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وإنك لعلى خلق عظيم [ القلم : 4 ] قال ابن عباس ومجاهد : لعلى دين عظيم لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه وهو دين الإسلام وقال الحسن رضي الله عنه : هو آداب القرآن وقال قتادة : هو ما كان يأمر به من أمر الله وينهى عنه من نهى الله والمعنى : إنك لعلى الخلق الذي آثرك الله به في القرآن وفي الصحيحين : أن هشام بن حكيم : سأل عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله فقالت : كان خلقه القرآن فقال : لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله تعالى : خذ العفو واءمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف : 199 ] قال جعفر بن محمد : أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية وقد ذكر : أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله لجبريل : ما هذا قال : لا أدري حتى أسأل فسأل ثم رجع إليه فقال : إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ولا ريب أن للمطاع مع الناس ثلاثة أحوال : أحدها : أمرهم ونهيهم بما فيه مصلحتهم الثاني : أخذه منهم ما يبذلونه مما عليهم من الطاعة الثالث : أن الناس معه قسمان : موافق له موال ومعاد له معارض وعليه في كل واحد من هذه واجب فواجبه في أمرهم ونهيهم : أن يأمر بالمعروف وهو المعروف الذي به صلاحهم وصلاح شأنهم وينهاهم عن ضده وواجبه فيما يبذلونه له من الطاعة : أن يأخذ منهم ما سهل عليهم وطوعت له به أنفسهم سماحة واختيارا ولا يحملهم على العنت والمشقة فيفسدهم وواجبه عند جهل الجاهلين عليه : الإعراض عنهم وعدم مقابلتهم بالمثل والانتقام منهم لنفسه فقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف : 199 ] قال عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما : أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وقال مجاهد : يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس مثل قبول الأعذار والعفو والمساهلة وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقاقق بواطنهم وقال ابن عباس رضي الله عنهما : خذ ما عفا لك من أموالهم وهو الفاضل عن العيال وذلك معنى قوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل : العفو [ البقرة : 219 ] ثم قال تعالى : وأمر بالعرف وهو كل معروف وأعرفه : التوحيد ثم حقوق العبودية وحقوق العبيد ثم قال تعالى وأعرض عن الجاهلين يعني إذا سفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه كقوله تعالى : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [ الفرقان : 63 ] وعلى هذا فليست بمنسوخة بل يعرض عنه مع إقامة حق الله عليه ولا ينتقم لنفسه وهكذا كان خلقه قال أنس رضي الله عنه : كان رسول الله أحسن الناس خلقا وقال : ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ولقد خدمت رسول الله عشر سنين فما قال لي قط : أف ولا قال لشيء فعلته : لم فعلته ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلت كذا + متفق عليهما + وأخبر رسول الله : أن البر : هو حسن الخلق وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال : سألت رسول الله عن البر والإثم فقال : البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس

Sección V02/P305–V02/P307

فقابل البر بالإثم وأخبر : أن البر حسن الخلق والإثم : حواز الصدور وهذا يدل على أن حسن الخلق : هو الدين كله وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام ولهذا قابله بالإثم وفي حديث آخر : البر : ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر وقد فسر حسن الخلق بأنه البر فدل على أن حسن الخلق : طمأنينة النفس والقلب والإثم حواز الصدور وما حاك فيها واسترابت به وهذا غير حسن الخلق وسوئه في عرف كثير من الناس كما سيأتي في الصحيحين عن رسول الله : خياركم : أحاسنكم أخلاقا وفي الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي : ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء قال الترمذي : + حديث حسن صحيح + وفيه أيضا وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال : تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال : الفم والفرج وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي وصححه إن من أكمل المؤمنين إيمانا : أحسنهم خلقا وخياركم : خياركم لنسائهم وفي الصحيح عن عائشة عنه : إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم رواه أبو داود وعن ابن عمر رضي الله عنهما عنه : أنا زعيم ببيت في ربض الجنة : لمن ترك المراء وإن كان محقا وببيت في وسط الجنة : لمن ترك الكذب وإن كان مازحا ويبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه رواه الطبراني + وإسناده صحيح + فجعل البيت العلوي جزاء لأعلى المقامات الثلاثة وهي حسن الخلق والأوسط لأوسطها وهو ترك الكذب والأدنى لأدناها وهو ترك المماراة وإن كان معه حق ولا ريب أن حسن الخلق مشتمل على هذا كله وفي الترمذي عن جابر رضي الله عنه عنه : إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة : أحاسنكم أخلاقا وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة : الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون قالوا : يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون قال : المتكبرون الثرثار : هو كثير الكلام بغير فائده دينية والمتشدق : المتكلم بملء فيه تفاصحا وتعاظما وتطاولا وإظهارا لفضله على غيره وأصله : من الفهق وهو الامتلاء فصل الدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق : زاد عليك في الدين وكذلك التصوف قال الكتاني : التصوف هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق : فقد زاد عليك في التصوف وقد قيل : إن حسن الخلق بذل الندى وكف الأذى واحتمال الأذى وقيل : حسن الخلق : بذل الجميل وكف القبيح وقيل : التخلي من الرذائل والتحلي بالفضائل وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها : الصبر والعفة والشجاعة والعدل فالصبر : يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة والعفة : تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل وتحمله على الحياء وهو رأس كل خير وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة والشجاعة : تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنائها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال : ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد : الذي يملك نفسه عند الغضب وهوحقيقة الشجاعة وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه

Sección V02/P307–V02/P310

والعدل : يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان : الجهل والظلم والشهوة والغضب فالجهل : يريه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن والكمال نقصا والنقص كمالا والظلم : يحمله على وضع الشيء في غير موضعه فيغضب في موضع الرضى ويرضى في موضع الغضب ويجهل في موضع الأناة ويبخل في موضع البذل ويبذل في موضع البخل ويحجم في موضع الإقدام ويقدم في موضع الإحجام ويلين في موضع الشدة ويشتد في موضع اللين ويتواضع في موضع العزة ويتكبر في موضع التواضع والشهوة : تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل والدناءات كلها والغضب : يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه ويتركب من بين كل خلقين من هذه الأخلاق : أخلاق مذمومة وملاك هذه الأربعة أصلان : إفراط النفس في الضعف وإفراطها في القوة فيتولد من إفراطها في الضعف : المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص والشح وسفساف الأمور والأخلاق ويتولد من إفراطها في القوة : الظلم والغضب والحدة والفحش والطيش ويتولد من تزوج أحد الخلقين بالآخر : أولاد غية كثيرون فإن النفس قد تجمع قوة وضعفا فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر وأذلهم إذا قهر ظالم عنوف جبار فإذا قهر صار أذل من امرأة : جبان عن القوي جريء على الضعيف فالأخلاق الذميمة : يولد بعضها بعضا كما أن الأخلاق الحميدة : يولد بعضها بعضا وكل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين وهو وسط بينهما وطرفاه خلقان ذميمان كالجود : الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير والتواضع : الذي يكتنفه خلقا الذل والمهانة والكبر والعلو فإن النفس متى انحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولابد فإذا انحرفت عن خلق التواضع انحرفت : إما إلى كبر وعلو وإما إلى ذل ومهانة وحقارة وإذا انحرفت عن خلق الحياء انحرفت : إما إلى قحة وجرأة وإما إلى عجز وخور ومهانة بحيث يطمع في نفسه عدوه ويفوته كثير من مصالحه ويزعم أن الحامل له على ذلك الحياء وإنما هو المهانة والعجز وموت النفس وكذلك إذا انحرفت عن خلق الصبر المحمود انحرفت : إما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط وإما إلى غلظة كبد وقسوة قلب وتحجر طبع كما قال بعضهم : تبكي علينا ولا نبكي على أحد فنحن أغلظ أكبادا من الإبل وإذا انحرفت عن خلق الحلم انحرفت : إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة وإما إلى الذل والمهانة والحقارة ففرق بين من حلمه حلم ذل ومهانة وحقارة وعجز وبين من حلمه حلم اقتدار وعزة وشرف كما قيل : كل حلم أتى بغير اقتدار حجة لاجىء إليها اللئام وإذا انحرفت عن خلق الأناة والرفق انحرفت : إما إلى عجلة وطيش وعنف وإما إلى تفريط وإضاعة والرفق والأناة بينهما وإذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله للمؤمنين انحرفت : إما إلى كبر وإما إلى ذل والعزة المحمودة بينهما وإذا انحرفت عن خلق الشجاعة انحرفت : إما إلى تهور وإقدام غير محمود وإما إلى جبن وتأخر مذموم وإذا انحرفت عن خلق المنافسة في المراتب العالية والغبطة انحرفت : إما إلى حسد وإما إلى مهانة وعجز وذل ورضى بالدون وإذا انحرفت عن القناعة انحرفت : إما إلى حرص وكلب وإما إلى خسة ومهانة وإضاعة وإذا انحرفت عن خلق الرحمة انحرفت : إما إلى قسوة وإما إلى ضعف قلب وجبن نفس كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد وتأديب ولد ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك وقد ذبح أرحم الخلق بيده في موضع واحد ثلاثا وستين بدنة وقطع الأيدي من الرجال والنساء وضرب الأعناق وأقام الحدود ورجم بالحجارة حتى مات المرجوم وكان أرحم خلق الله على الإطلاق وأرأفهم

Sección V02/P310–V02/P312

وكذلك طلاقة الوجه والبشر المحمود فإنه وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير الخد وطي البشر عن البشر وبين الاسترسال مع كل أحد بحيث يذهب الهيبة ويزيل الوقار ويطمع في الجانب كما أن الانحراف الأول يوقع الوحشة والبغضة والنفرة في قلوب الخلق وصاحب الخلق الوسط : مهيب محبوب عزيز جانبه حبيب لقاؤه وفي صفة نبينا : من رآه بديهة هابه ومن خالطه عشرة أحبه والله أعلم فصل نافع جدا عظيم النفع للسالك يوصله عن قريب ويسيره بأخلاقه التي لا يمكنه إزالتها فإن أصعب ما على الطبيعة الإنسانية : تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقة إنما عملوا عليها ولم يظفر أكثرهم بتبديلها لكن النفس اشتغلت بتلك الرياضات عن ظهور سلطانها فإذا جاء سلطان تلك الأخلاق وبرز : كسر جيوش الرياضة وشتتها واستولى على مملكة الطبع وهذا فصل يصل به السالك مع تلك الأخلاق ولا يحتاج إلى علاجها وإزالتها ويكون سيره أقوى وأجل وأسرع من سير العامل على إزالتها ونقدم قبل هذا مثلا نضربه مطابقا لما نريده وهو : نهر جار في صببه ومنحدره ومنته إلى تغريق أرض وعمران ودور وأصحابها يعلمون أنه لا ينتهي حتى يخرب دورهم ويتلف أراضيهم وأموالهم فانقسموا ثلاث فرق فرقة صرفت قواها وقوى أعمالها إلى سكره وحبسه وإيقافه فلا تصنع هذه الفرقة كبير أمر فإنه يوشك أن يجتمع ثم يحمل على السكر فيكون إفساده وتخريبه أعظم وفرقة رأت هذه الحالة وعلمت أنه لا يغنى عنها شيئا فقالت : لا خلاص من محذوره إلا بقطعه من أصل الينبوع فرامت قطعه من أصله فتعذر عليها ذلك غاية التعذر وأبت الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشد الإباء فهم دائما في قطع الينبوع وكلما سدوه من موضع نبع من موضع فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار فجاءت فرقة ثالثة خالفت رأي الفرقتين وعلموا أنهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم فأخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى العمران فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه ولا يتضررون به فصرفوه إلى أرض قابلة للنبات وسقوها به فأنبتت أنواع العشب والكلإ والثمار المختلفة الأصناف فكانت هذه الفرقة هم أصوب الفرق في شأن هذا النهر فإذا تبين هذا المثل فالله سبحانه قد اقتضت حكمته : أن ركب الإنسان بل وسائر الحيوان على طبيعة محمولة على قوتين : غضبية وشهوانية وهي الإرادية وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها وهما مركوزتان في جبلة كل حيوان فبقوة الشهوة والإرادة : يجذب المنافع إلى نفسه وبقوة الغضب : يدفع المضار عنها فإذا استعمل الشهوة في طلب ما يحتاج إليه : تولد منها الحرص وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه : تولد منه القوة والغيرة فإذا عجز عن ذلك الضار : أورثه قوة الحقد وإن أعجزه وصول ما يحتاج إليه ورأى غيره مستبدا به أورثه الحسد فإن ظفر به : أورثته شدة شهوته وإرادته : خلق البخل والشح وإن اشتد حرصه وشهوته على الشيء ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية فاستعملها فيه : أورثه ذلك العدوان والبغي والظلم ومنه يتولد : الكبر والفخر والخيلاء فإنها أخلاق متولدة من بين قوتي الشهوة والغضب وتزوج أحدهما بصاحبه فإذا تبين هذا : فالنهر مثال هاتين القوتين وهو منصب في جدول الطبيعة ومجراها إلى دور القلب وعمرانه وحواصله يخربها ويتلفها ولابد فالنفوس الجاهلة الظالمة تركته ومجراه فخرب ديار الإيمان وقلع آثاره وهدم عمرانه وأنبت موضعها كل شجرة خبيثة من حنظل وضريع وشوك وزقوم وهو الذي يأكله أهل النار يوم القيامة يوم المعاد وأما النفوس الزكية الفاضلة : فإنها رأت ما يؤل إليه أمر هذا النهر فافترقوا ثلاث فرق فأصحاب الرياضات والمجاهدات والخلوات والتمرينات : راموا قطعه من ينبوعه فأبت عليهم ذلك حكمة الله تعالى وما طبع عليه الجبلة البشرية ولم تنقد له الطبيعة فاشتد القتال ودام الحرب وحمى الوطيس وصارت الحرب دولا وسجالا وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهدة النفس على إزالة تلك الصفات

Sección V02/P312–V02/P314

وفرقة أعرضوا عنها وشغلوا نفوسهم بالأعمال ولم يجيبوا دواعي تلك الصفات مع تخليتهم إياها على مجراها لكن لم يمكنوا نهرها من إفساد عمرانهم بل اشتغلوا بتحصين العمران وإحكام بنائه وأساسه ورأوا أن ذلك النهر لابد أن يصل إليه فإذا وصل وصل إلى بناء محكم فلم يهدمه بل أخذ عنه يمينا وشمالا فهؤلاء صرفوا قوة عزيمتهم وإرادتهم في العمارة وإحكام البناء وأولئك صرفوها في قطع المادة الفاسدة من أصلها خوفا من هدم البناء وسألت يوما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة وقطع الآفات والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها فقال لي جملة كلامه : النفس مثل الباطوس وهو جب القذر كلما نبشته ظهر وخرج ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل ولا تشتغل بنبشه فإنك لن تصل إلى قراره وكلما نبشت شيئا ظهر غيره فقلت سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ فقال لي : مثال آفات النفس مثال الحيات والعقارب التي في طريق المسافر فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها : انقطع ولم يمكنه السفر قط ولكن لتكن همتك المسير والإعراض عنها وعدم الالتفات إليها فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله ثم امض على سيرك فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدا وأثنى على قائله إذا تبين هذا فهذه الفرقة الثالثة : رأت أن هذه الصفات ما خلقت سدى ولا عبثا وأنها بمنزلة ماء يسقى به الورد والشوك والثمار والحطب وأنها صوان وأصداف لجواهر منطوية عليها وأن ما خاف منه أولئك هو نفس سبب الفلاح والظفر فرأوا أن الكبر نهر يسقي به العلو والفخر والبطر والظلم والعدوان ويسقي به علو الهمة والأنفة والحمية والمراغمة لأعداء الله وقهرهم والعلو عليهم وهذه درة في صدفته فصرفوا مجراه إلى هذا الغراس واستخرجوا هذه الدرة من صدفته وأبقوه على حاله في نفوسهم لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع وقد رأى النبي أبا دجانة يتبختر بين الصفين فقال : إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع فانظر كيف خلى مجرى هذه الصفة وهذا الخلق يجري في أحسن مواضعه وفي الحديث الآخر وأظنه في المسند : إن من الخيلاء ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله فالخيلاء التي يحبها الله : اختيال الرجل في الحرب وعند الصدقة فانظر كيف صارت الصفة المذمومة عبودية وكيف استحال القاطع موصلا فصاحب الرياضات والعامل بطريق الرياضات والمجاهدات والخلوات : هيهات هيهات إنما يوقعه ذلك في الآفات والشبهات والضلالات فإن تزكية النفوس مسلم إلى الرسل وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاهم إياها وجعلها على أيديهم دعوة وتعليما وبيانا وإرشادا لا خلقا ولا إلهاما فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم قال الله تعالى : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [ الجمعة : 2 ] وقال تعالى : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون [ البقرة : 151 ] وتزكية النفوس : أصعب من علاج الأبدان وأشد فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجىء بها الرسل فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب فالرسل أطباء القلوب فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم وعلى أيديهم وبمحض الانقياد والتسليم لهم والله المستعان فإن قلت : هل يمكن أن يقع الخلق كسبيا أو هو أمر خارج عن الكسب قلت : يمكن أن يقع كسبيا بالتخلق والتكلف حتى يصير له سجية وملكة وقد قال النبي لأشج عبد القيس رضي الله عنه : إن فيك لخلقين يحبهما الله : الحلم والأناة فقال : أخلقين تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما فقال : بل جبلك الله عليهما فقال : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله

Sección V02/P314–V02/P317

فدل على أن من الخلق : ما هو طبيعة وجبلة وما هو مكتسب وكان النبي يقول في دعاء الاستفتاح : اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت فذكر الكسب والقدر والله أعلم فصل قال صاحب المنازل : الخلق : ما يرجع إليه المتكلف من نعمته أي خلق كل متكلف : فهو ما اشتملت عليه نعوته فتكلفه يرده إلى خلقه كما قيل : إن التخلق يأتي دونه الخلق وقال الآخر : يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل فمتكلف ما ليس من نعته ولا شيمته : يرجع إلى شيمته ونعته وسجيته فذاك الذي يرجع إليه : هو الخلق قال : واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم : أن التصوف هو الخلق وجميع الكلام فيه يدور على قطب واحد وهو بذل المعروف وكف الأذى قلت : من الناس من يجعلها ثلاثة : كف الأذى واحتمال الأذى وإيجاد الراحة ومنهم : من يجعلها اثنين كما قال الشيخ بذل المعروف وكف الأذى ومنهم من يردها إلى واحد وهو بذل المعروف والكل صحيح قال : وإنما يدرك إمكان ذلك في ثلاثة أشياء في العلم والجود والصبر ف العلم يرشده إلى مواقع بذل المعروف والفرق بينه وبين المنكر وترتيبه في وضعه مواضعه فلا يضع الغضب موضع الحلم ولا بالعكس ولا الإمساك موضع البذل ولا بالعكس بل يعرف مواقع الخير والشر ومراتبها وموضع كل خلق : أين يضعه وأين يحسن استعماله و الجود يبعثه على المسامحة بحقوق نفسه والاستقصاء منها بحقوق غيره فالجود هو قائد جيوش الخير و الصبر يحفظ عليه استدامة ذلك ويحمله على الاحتمال وكظلم الغيظ وكف الأذى وعدم المقابلة وعلى كل خير كما تقدم وهو أكبر العون على نيل كل مطلوب من خير الدنيا والآخرة قال الله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [ البقرة : 45 ] فهذه الثلاثة أشياء : بها يدرك التصوف والتصوف : زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى ومعية من تحبه فإن المرء مع من أحب كما قال سمنون : ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة فإن المرء مع من أحب والله أعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : أن تعرف مقام الخلق وأنهم بأقدارهم مربوطون وفي طاقتهم محبوسون وعلى الحكم موقوفون فتستفيد بهذه المعرفة ثلاثة أشياء : أمن الخلق منك حتى الكلب ومحبة الخلق إياك ونجاة الخلق بك فبهذه الدرجة : يكون تحسين الخلق مع الخلق في معاملتهم وكيفية مصاحبتهم وبالثانية : تحسين الخلق مع الله في معاملته وبالثالثة : درجة الفناء على قاعدته وأصله يقول : إذا عرفت مقام الخلق ومقاديرهم وجريان الأحكام القدرية عليهم وأنهم مقيدون بالقدر لا خروج لهم عنه ألبتة ومحبوسون في قدرتهم وطاقتهم لا يمكنهم تجاوزها إلى غيرها وأنهم موقوفون على الحكم الكوني القدري لايتعدونه استفدت بهذه المعرفة ثلاثة أشياء : أمن الخلق منك وذلك : أنه إذا نظر إليهم بعين الحقيقة : لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه وامتثل فيهم أمر الله تعالى لنبيه بأخذ العفو منهم فأمنوا من تكليفه إياهم وإلزامه لهم ما ليس في قواهم وقدرهم وأيضا فإنهم يأمنون لائمته فإنه في هذه الحال عاذر لهم فيما يجري عليهم من الأحكام فيما لم يأمر الشرع بإقامته فيهم لأنهم إذا كانوا محبوسين في طاقتهم فينبغي مطالبتهم بما يطالب به المحبوس وعذرهم بما يعذر به المحبوس وإذا بدا منهم في حقك تقصير أو إساءة أو تفريط فلا تقابلهم به ولا تخاصمهم بل اغفر لهم ذلك واعذرهم نظرا إلى جريان الأحكام عليهم وأنهم آلة وههنا ينفعك الفناء بشهود الحقيقة عن شهود جنايتهم عليك كما قال بعض العارفين لرجل تعدى عليه وظلمه : إن كنت ظالما فالذي سلطك علي ليس بظالم

Sección V02/P317–V02/P320

وههنا للعبد أحد عشر مشهدا فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه أحدها : المشهد الذي ذكره الشيخ رحمه الله وهو مشهد القدر وأن ما جرى عليه : بمشيئة الله وقضائه وقدره فيراه كالتأذي بالحر والبرد والمرض والألم وهبوب الرياح وانقطاع الأمطار فإن الكل أوجبته مشيئة الله فما شاء الله كان ووجب وجوده وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده وإذا شهد هذا : استراح وعلم أنه كائن لا محالة فما للجزع منه وجه وهو كالجزع من الحر والبرد والمرض والموت فصل المشهد الثاني : مشهد الصبر فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة وعلم أنه إن لم يصبر اختيارا على هذا وهو محمود صبر اضطرارا على أكبر منه وهو مذموم فصل المشهد الثالث : مشهد العفو والصفح والحلم فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته : لم يعدل عنه إلا لعشي في بصيرته فإنه ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا كما صح عن النبي وعلم بالتجربة والوجود وما انتقم أحد لنفسه إلا ذل هذا وفي الصفح والعفو والحلم : من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام : ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام فصل المشهد الرابع : مشهد الرضى وهو فوق مشهد العفو والصفح وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة سيما إن كان ما أصيبت به سببه القيام لله فإذا كان ما أصيب به في الله وفي مرضاته ومحبته : رضيت بما نالها في الله وهذا شأن كل محب صادق يرضى بما يناله في رضى محبوبه من المكاره ومتى تسخط به وتشكى منه كان ذلك دليلا على كذبه في محبته والواقع شاهد بذلك والمحب الصادق كما قيل : من أجلك جعلت خدي أرضا للشامت والحسود حتى ترضى ومن لم يرض بما يصيبه في سبيل محبوبه فلينزل عن درجة المحبة وليتأخر فليس من ذا الشأن فصل المشهد الخامس : مشهد الإحسان وهو أرفع مما قبله وهو أن يقابل إساءة المسيء إليه بالإحسان فيحسن إليه كلما أساء هو إليه ويهون هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه وأنه قد أهدى إليه حسناته ومحاها من صحيفته وأثبتها في صحيفة من أساء إليه فينبغي لك أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك وههنا ينفع استحضار مسألة اقتضاء الهبة الثواب وهذا المسكين قد وهبك حسناته فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها لتثبت الهبة وتأمن رجوع الواهب فيها وفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم وأهل العزائم ويهونه عليك أيضا : علمك بأن الجزاء من جنس العمل فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه وأحسنت إليه مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلك فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك يقابلها بما قابلت به إساءة عبده إليك فهذا لابد منه وشاهده في السنة من وجوه كثيرة لمن تأملها فصل المشهد السادس : مشهد السلامة وبرد القلب وهذا مشهد شريف جدا لمن عرفه وذاق حلاوته وهو أن لا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره وشفاء نفسه بل يفرغ قلبه من ذلك ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له وألذ وأطيب وأعون على مصالحه فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده وخير له منه فيكون بذلك مغبونا والرشيد لا يرضى بذلك ويرى أنه من تصرفات السفيه فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس وإعمال الفكر في إدراك الانتقام فصل المشهد السابع : مشهد الأمن فإنه إذا ترك المقابلة والانتقام :