İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn
والفرق بين العلم والمعرفة عند أهل هذا الشأن أن المعرفة عندهم هي العلم الذي يقوم العالم بموجبه ومقتضاه فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده بل لا يصفون بالمعرفة إلا من كان عالما بالله وبالطريق الموصل إلى الله وبآفاتها وقواطعها وله حال مع الله تشهد له بالمعرفة فالعارف عندهم من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وافعاله ثم صدق الله في معاملته ثم أخلص له في قصوده ونياته ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته ثم صبر على أحكام الله في نعمه وبلياته ثم دعا إليه على بصيرة بدينه وآياته ثم جرد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله ولم يشبها بآراء الرجال وأذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم ولم يزن بها ما جاء به الرسول عليه من الله أفضل صلواته فهذا الذي يستحق اسم العارف على الحقيقة إذا سمى به غيره على الدعوى والاستعارة وقد تكلموا على المعرفة بآثارها وشواهدها فقال بعضهم من إمارات المعرفة بالله حصول الهيبة منه فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته وقال ايضا المعرفة توجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته وقال لي بعض أصحابنا ما علامة المعرفة التي يشيرون إليها فقلت له أنس القلب بالله قال لي علامتها أن يحس بقرب قلبه من الله فيجده قريبا منه وقال الشبلي ليس لعارف علاقة ولا لمحب شكوى ولا لعبد دعوى ولا لخائف قرار ولا لأحد من الله فرار وهذا كلام جيد فإن المعرفة الصحيحة تقطع من القلب العلائق كلها وتعلقه بمعروفه فلا يبقى فيه علاقة بغيره ولا تمر به العلائق إلا وهي مجتازة لا تمر مرور استيطان وقال أحمد بن عاصم من كان بالله أعرف كان له أخوف ويدل على هذا قوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وقول النبي أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية \ ح \ وقال آخر من عرف الله تعالى ضاقت عليه الدنيا بسعتها وقال غيره من عرف الله تعالى اتسع عليه كل ضيق ولا تنافي بين هذين الأمرين فإنه يضيق عليه كل مكان لا يساعد فيه على شأنه ومطلوبه ويتسع عليه ما ضاق على غيره لأنه ليس فيه ولا هو مساكن له بقلبه فقلبه غير محبوس فيه والأول في بداية المعرفة والثاني في نهايتها التي يصل إليها العبد وقال آخر من عرف الله تعالى صفا له العيش فطابت له الحياة وهابه كل شيء وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله وقال غيره من عرف الله قرت عينه بالله وقرت عينه بالموت وقرت به كل عين ومن لم يعرف الله تقطع قلبه على الدنيا حسرات ومن عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه ومن ادعى معرفة الله وهو راغب في غيره كذبت رغبته معرفته ومن عرف الله أحبه على قدر معرفته به وخافه ورجاه وتوكل عليه وأناب إليه ولهج بذكره واشتاق إلى لقائه واستحيا منه وأجله وعظمه على قدر معرفته به وعلامة العارف أن يكون قلبه مرآة إذا نظر فيها الغيب الذي دعي إلى الإيمان به فعلى قدر جلاء تلك المرآة يتراءى له فيها الله سبحانه والدار الآخرة والجنة والنار والملائكة والرسل صلوات الله وسلامه عليهم كما قيل إذا سكن الغدير على صفاء وجنب أن يحركه النسيم بدت فيه السماء بلا امتراء كذاك الشمس تبدو والنجوم كذاك قلوب أرباب التجلي يرى في صفوها الله العظيم وهذه رؤية المثل الأعلى كما تقدم ومن علامات المعرفة أن يبدو لك الشاهد وتفنى الشواهد وتنحل العلائق وتنقطع العوائق وتجلس بين يدي الرب تعالى وتقوم وتضطجع على التأهب للقائه كما يجلس الذي شد أحماله وأزمع السفر على التأهب له ويقوم على ذلك ويضطجع عليه كما ينزل المسافر في المنزل فهو قائم وجالس ومضطجع على التأهب
وقيل للجنيد إن أقواما يدعون المعرفة يقولون إنهم يصلون بترك الحركات من باب البر والتقوى فقال الجنيد هذا قول أقوام تكلموا بإسقاط الأعمال وهو عندي عظيم والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا إن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإلى الله رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بيني وبينها ومن علامات العارف أنه لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب ولا يرى له على أحد فضلا ولا يرى له على أحد حقا ومن علاماته أنه لا يأسف على فائت ولا يفرح بآت لأنه ينظر إلى الأشياء بعين الفناء والزوال لأنها في الحقيقة كالظلال والخيال وقال الجنيد لا يكون العارف عارفا حتى يكون كالأرض يطؤها البر والفاجر وكالسحاب يظل كل شيء وكالمطر يسقي ما يحب وما لا يحب وقال يحيى بن معاذ يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين بكاء على نفسه وثناء على ربه وهذا من أحسن الكلام فإنه يدل على معرفته بنفسه وعيوبه وآفاته وعلى معرفته بربه وكماله وجلاله فهو شديد الازراء على نفسه لهج بالثناء على ربه وقال أبو يزيد إنما نالوا المعرفة بتضييع ما لهم والوقوف مع ماله يريد تضييع حظوظهم والوقوف مع حقوق الله سبحانه وتعالى فتغنيهم حقوقه عن حظوظهم وقال آخر لا يكون العارف عارفا حتى لو أعطى ملك سليمان لم يشغله عن الله طرفة عين وهذا يحتاج إلى شرح فإن ما هو دون ذلك يشغل القلب لكن يكون اشتغاله بغير الله فذلك اشتغال به سبحانه لأنه إذا اشتغل بغيره لأجله لم يشتغل عنه قال ابن عطاء المعرفة على ثلاثة أركان الهيبة والحياء والأنس وقيل لذي النون بم عرفت الله ربك قال عرفت ربي بربي ولولا ربي لما عرفت ربي وقيل لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فأنى عبد الله بأصل المعرفة التي لا يصح لأحد معرفة ولا إقرار بالله سبحانه إلا به وهو المباينة والعلو على العرش ومن علامات العارف أن يعتزل الخلق بينه وبين الله حتى كأنهم أموات لا يملكون له ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياتا ولا نشورا ويعتزل نفسه بينه وبين الخلق حتى يكون بينهم بلا نفس وهذا معنى قول من قال العارف يقطع الطريق بخطوتين خطوة عن نفسه وخطوة عن الخلق وقيل العارف ابن وقته وهذا من أحسن الكلام وأخصره فهو مشغول بوظيفة وقته عما مضى وصار في العدم وعما لم يدخل بعد في الوجود فهمه عمارة وقته الذي هو مادة حياته الباقية ومن علاماته أنه مستأنس بربه مستوحش ممن يقطعه عنه ولهذا قيل العارف من أنس بالله فأوحشه من الخلق وافتقر إلى الله فأغناه عنهم وذل لله فأعزه فيهم وتواضع لله فرفعه بينهم واستغنى بالله فأحوجهم إليه وقيل العارف فوق ما يقول والعالم دون ما يقول يعني أن العالم علمه أوسع من حاله وصفته والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره وقال أبو سليمان الداراني إن الله تعالى يفتح للعارف على فراشه مالم يفتح له وهو قائم يصلي وقال غيره العارف تنطق المعرفة على قلبه وحاله وهو ساكت وقال ذو النون لكل شيء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله وقال بعضهم رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين وهذا كلام ظاهره منكر جدا يحتاج إلى شرح فالعارف لا يرائي المخلوق طلبا للمنزلة في قلبه وإنما يكون رؤياه نصيحة وإرشادا وتعليما ليقتدى به فهو يدعو إلى الله بعمله كما يدعو إليه بقوله فهو ينتفع بعلمه وينفع به غيره وإخلاص المريد مقصور على نفسه فالعارف جمع بين الإخلاص والدعوة إلى الله فإخلاصه في قلبه وهو يظهر عمله وحاله ليقتدى به والعارف ينفع بسكوته والعالم إنما ينفع بكلامه ولو سكتوا أثنت عليك الحقائق
وقال ذو النون الزهاد ملوك الآخرة وهم فقراء العارفين وسئل الجنيد عن العارف فقال لون الماء لون إنائه وهذه كلمة رمز بها إلى حقيقة العبودية وهو أن يتلون بتلون أقسام العبودية فبينا تراه مصليا إذ رأيته ذاكرا أو قارئا أو معلما أو متعلما أو مجاهدا أو حاجا أو مساعدا للضيف أو مغيثا للملهوف فيضرب في كل غنيمة من الغنائم بسهم فهو مع المتسببين متسبب ومع المتعلمين متعلم ومع الغزاة غاز ومع المصلين مصل ومع المتصدقين متصدق فهو يتنقل في منازل العبودية من عبودية إلى عبودية وهو مقيم على معبود واحد لا ينتقل إلى غيره وقال يحيى بن معاذ العارف كائن بائن وهذا يفسر على وجوه منها أنه كائن مع الخلق بظاهره بائن عنهم بسره وقلبه ومنها أنه كائن بربه بائن عن نفسه ومنها أنه كائن مع أبناء الآخرة بائن عن أبناء الدنيا ومنها أنه كائن مع الله بموافقته بائن عن الناس في مخالفته ومنها أنه داخل في الأشياء خارج منها فإن من الناس من هو داخل فيها لا يقدر على الخروج منها ومنهم من هو خارج عنها لا يقدر على الدخول فيها والعارف داخل فيها خارج منها ولعل هذا أحسن الوجوه وقال ذو النون علامة العارف ثلاثة لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ولا يعتقد باطنا من العلم ينقضه عليه ظاهر من الحكم ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله وهذا من أحسن الكلام الذي قيل في المعرفة وهو محتاج إلى شرح فإن كثيرا من الناس يرى أن التورع عن الأشياء من قلة المعرفة فإن المعرفة متسعة الأكناف واسعة الأرجاء فالعارف واسع موسع والسعة تطفئ نور الورع فالعارف لا تنقص معرفته ورعه ولا يخالف ورعه معرفته كما قال بعضهم العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فعنده أن مشاهدة القدر والحقيقة الكونية هو غاية المعرفة وإذا شاهد الحقيقة عذر الخليقة لأنهم مأسورون في قبضة القدر فمن يعذر أصحاب الكبائر والجرائم بل أرباب الكفر فهو أبعد خلق الله عن الورع بل ظلام معرفته قد أطفأ نور إيمانه قوله باطن العلم الذي ينقضه ظاهر الحكم فإنه يشير به إلى ما عليه المنحرفون ممن ينسب إلى السلوك فإنهم يقع لهم أذواق ومواجيد وواردت تخالف الحكم الشرعي وتكون تلك معلومه لهم لا يمكنهم جحدها فيعتقدونها ويتركون بها ظاهر الحكم وهذا كثير جدا وهو الذي انتقد أئمة الطريق على هؤلاء وصاحوا بهم من كل ناحية وبدعوهم وضللوهم به قوله ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله كثرة النعم تطغي العبد وتجمله على أن يصرفها في وجوهها وغير وجوهها وهي تدعو إلى أن يتناول العبد وتحمله بها ما حل وما لا يحل وأكثر المنعم عليهم لا يقتصرون في صرف النعمة على القدر الحلال بل يتعداه إلى غيره وتسول له نفسه أن معرفته بالله ترد عليه ما انتهبته منهم أيدي الشهوات والمخالفات ويقول العارف لا تضره الذنوب كما تضر الجاهل وربما يسول له أن ذنوبه خير من طاعات الجهال وهذا من أعظم المكر والأمر بضد ذلك فيحتمل من الجاهل مالا يحتمل من العارف وإذا عوقب الجاهل ضعفا عوقب العارف ضعفين وقد دل على هذا شرع الله وقدره ولهذا كانت عقوبة الحر في الحدود مثلي عقوبة العبد وقال تعالى في نساء النبي يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين فإذا أكملت النعمة على العبد فقابلها بالإساءة والعصيان كانت عقوبته أعظم فدرجته أعلى وعقوبته أشد وقال أيضا ليس بعارف من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة فكيف عند أبناء الدنيا يريد أنه ليس من المعرفة وصف المعرفة لغير أهلها سواء كانوا عبادا أو من أبناء الدنيا وقال أبو سعيد المعرفة تأتي من عين الوجود وبذل المجهود وهذا كلام حسن يشير إلى أن المعرفة ثمرة بذل المجهود في الأعمال وتحقق الوجد في الأحوال فهي ثمرة عمل الجوارح وحال القلب لا ينال بمجرد العلم والبحث فمن ليس له عمل ولا حال فلا معرفة له
وسئل ذو النون عن العارف فقال كان ههنا فذهب فسئل الجنيد عما أراد بكلامه هذا فقال لا يحصره حال عن حال ولا يحجبه منزل عن التنقل في المنازل فهو مع كل أهل منزل بمثل الذي هم فيه يجد مثل الذي يجدون وينطق بمعالمها لينتفعوا وقال محمد بن الفضل المعرفة حياة القلب مع الله وسئل أبو سعيد هل يصل العارف إلى حال يجفو عليه البكاء فقال نعم إنما البكاء في أوقات سيرهم إلى الله فإذا نزلوا بحقائق القرب وذاقوا طعم الوصول من بره زال عنهم ذلك وقال بعض السلف نوم العارف يقظة وأنفاسه تسبيح ونوم العارف أفضل من صلاة الغافل وإنما كان نوم العارف يقظة لأن قلبه حي فعيناه تنامان وروحه ساجدة تحت العرش بين يدي ربها وفاطرها جسده في الفرش وقلبه حول العرش وإنما كان نومه أفضل من صلاة الغافل لأن بدن الغافل واقف في الصلاة وقلبه يسبح في حشوش الدنيا والأماني ولذلك كانت يقظته نوم لأن قلبه موات وقيل مجالسة العارف تدعوك من ست إلى ست من الشك إلى اليقين ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الغفلة إلى الذكر ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة ومن الكبر إلى التواضع ومن سوء الطوية إلى النصيحة فصل قال صاحب المنازل المعرفة على ثلاث درجات والخلق فيها على ثلاث فرق الدرجة الأولى معرفة الصفات والنعوت وقد وردت أساميها بالرسالة وظهرت شواهدها في الصنعة بتبصر النور القائم في السر وطيب حياة العقل لزرع الفكر وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار وهي معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها وهي على ثلاثة أركان إثبات الصفات باسمها من غير تشبيه ونفي التشبيه عنها من غير تعطيل والإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها قلت الفرق بين الصفة والنعت من وجوه ثلاثة أحدها أن النعت يكون بالأفعال التي تتجدد كقوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار الآية وقوله الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ونظائر ذلك والصفة هي الأمور الثابتة اللازمة للذات كقوله تعالى هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر إلى قوله العزيز الحكيم ونظائر ذلك الفرق الثاني أن الصفات الذاتية لا يطلق عليها اسم النعوت كالوجه واليدين والقدم والأصابع وتسمى صفات وقد أطلق عليها السلف هذا الاسم وكذلك متكلموا أهل الإثبات سموها صفات وأنكر بعضهم هذه التسمية كأبي الوفاء بن عقيل وغيره وقال لا ينبغي أن يقال نصوص الصفات بل آيات الإضافات لأن الحي لا يوصف بيده ولا وجهه فإن ذلك هو الموصوف فكيف تسمى صفة وأيضا فالصفة معنى يعم الموصوف فلا يكون الوجه واليد صفة والتحقيق أن هذا نزاع لفظي في التسمية فالمقصود إطلاق هذه الإضافات عليه سبحانه ونسبتها إليه والإخبار عنه بها منزهة عن التمثيل والتعطيل سواء سميت صفات أو لم تسم الفرق الثالث أن النعوت ما يظهر من الصفات ويشتهر ويعرفه الخاص والعام والصفات أعم فالفرق بين النعت والصفة فرق ما بين الخاص والعام ومنه قولهم في تحلية الشيء نعته كذا وكذا لما يظهر من صفاته وقيل هما لغتان لا فرق بينهما ولهذا يقول نجاة البصرة باب الصفة ويقول نحاة الكوفة باب النعت والمراد واحد والأمر قريب ونحن في غير هذا فلنرجع إلى المقصود
وهو أنه لا يستقر للعبد قدم في المعرفة بل ولا في الإيمان حتى يؤمن بصفات الرب جل جلاله ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه فالإيمان بالصفات وتعرفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان فمن جحد الصفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان وثمرة شجرة الإحسان فضلا عن أن يكون من أهل العرفان وقد جعل الله سبحانه منكر صفاته مسيء الظن به وتوعده بما لم يتوعد به غيره من أهل الشرك والكفر والكبائر فقال تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فأخبر سبحانه أن إنكارهم هذه الصفة من صفاته من سوء ظنهم به وأنه هو الذي أهلكهم وقد قال في الظانين به ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ولم يجيء مثل هذا الوعيد في غير من ظن السوء به سبحانه وجحد صفاته وإنكار حقائق أسمائه من أعظم ظن السوء به ولما كان أحب الأشياء إليه حمده ومدحه والثناء عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله كان إنكارها وجحدها أعظم الإلحاد والكفر به وهو شر من الشرك فالمعطل شر من المشرك فإنه لا يستوي جحد صفات الملك وحقيقة ملكه والطعن في أوصافه هو والتشريك بينه وبين غيره في الملك فالمعطلون أعداء الرسل بالذات بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه وظن السوء به لما أشرك به كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد لقومه أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين أي فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة أم يحتاج إلى الولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا والمقصود أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه فلا تجد معطلا إلا وشركه على حسب تعطيله فمستقل ومستكثر فصل والرسل من أولهم إلى خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أرسلوا بالدعوة إلى الله وبيان الطريق الموصل إليه وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول فعرفوا الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفا مفصلا حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه يكلم ملائكته ويدبر أمر مملكته ويسمع أصوات خلقه ويرى أفعالهم وحركاتهم ويشاهد بواطنهم كما يشاهد ظواهرهم يأمر وينهى ويرضى ويغضب ويحب ويسخط ويضحك من قنوطهم وقرب غيره ويجيب دعوة مضطرهم ويغيث ملهوفهم ويعين محتاجهم ويجبر كسيرهم ويغني فقيرهم ويميت ويحيي ويمنع ويعطي يؤتى الحكمة من يشاء مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير كل يوم هو في شأن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويفك عانيا وينصر مظلوما ويقصم ظالما ويرحم مسكينا ويغيث ملهوفا ويسوق الأقدار إلى مواقيتها ويجريها على نظامها ويقدم ما يشاء تقديمه ويؤخر ما يشاء تأخيره فأزمة الأمور كلها بيده ومدار تدبير الممالك كلها عليه وهذا مقصود الدعوة وزبدة الرسالة القاعدة الثانية تعريفهم بالطريق الموصل إليه وهو صراطه المستقيم الذي نصبه لرسله وأتباعهم وهو امتثال أمره واجتناب نهيه والإيمان بوعده ووعيده القاعدة الثالثة تعريف الحال بعد الوصول وهو ما تضمنه اليوم الآخر من الجنة والنار وما قبل ذلك من الحساب والحوض والميزان والصراط
فقعدت المعطلة والجهمية على رأس القاعدة الأولى فحالوا بين القلوب وبين معرفة ربها وسموا إثبات صفاته وعلوه فوق خلقه واستواءه على عرشه تشبيها وتجسيما وحشوا فنفروا عنه صبيان العقول وسموا نزوله إلى سماء الدنيا وتكلمه بمشيئته ورضاه بعد غضبه وغضبه بعد رضاه وسمعه الحاضر لأصوات العباد ورؤيته المقارنة لأفعالهم ونحو ذلك حوادث وسموا وجهه الأعلى ويديه المبسوطتين وأصابعه التي يضع عليها الخلائق يوم القيامة جوارح وأعضاء مكرا منهم كبارا بالناس كمن يريد التنفير عن العسل فيمكر في العبارة ويقول مائع أصفر يشبه العذرة المائعة أو ينفر عن شيء مستحسن فيسميه بأقبح الأسماء فعل الماكر المخادع فليس مع مخالف الرسل سوى المكر في القول والعمل فلما تم للمعطلة مكرهم وسلك في القلوب المظلمة الجاهلة بحقائق الإيمان وما جاء به الرسول ترتب عليه الإعراض عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله فانصرفت قوى حبها وشوقها وأنسها إلى سواه وجاء أهل الآراء الفاسدة والسياسات الباطلة والأذواق المنحرفة والعوائد المستمرة فقعدوا على رأس هذا الصراط وحالوا بين القلوب وبين الوصول إلى نبيها وما كان عليه هو وأصحابه وعابوا من خالفهم في قعودهم عن ذلك ورغب عما اختاروه لأنفسهم ورموه بما هم أولى به منه كما قيل رمتني بدائها وانسلت وجاء أصحاب الشهوات المفتونون بها الذين يعدون حصولها كيف كان هو الظفر في هذه الحياة والبغية فقعدوا على رأس طريق المعاد والاستعداد للجنة ولقاء الله وقالوا اليوم خمر وغدا أمر اليوم لك ولا تدري غدا لك أو عليك وقالوا لا نبيع ذرة منقودة بدرة موعودة خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل وقالوا للناس خلوا لنا الدنيا ونحن قد خلينا لكم الآخرة فإن طلبتم منا ما بأيدينا أحلناكم على الآخرة أناس ينقدون عيش النعيم ونحن نحال على الآخرة فإن لم تكن مثلما يزعمو ن فتلك إذا كرة خاسرة فالإيمان بالصفات ومعرفتها وإثبات حقائقها وتعلق القلب بها وشهوده لها هو مبدأ الطريق ووسطه وغايته وهو روح السالكين وحاديهم إلى الوصول ومحرك عزماتهم إذا فتروا ومثير هممهم إذا قصروا فإن سيرهم إنما هو على الشواهد فمن كان لا شاهد له فلا سير له ولا طلب ولا سلوك له وأعظم الشواهد صفات محبوبهم ونهاية مطلوبهم وذلك هو العلم الذي رفع لهم في السير فشمروا إليه كما قالت عائشة رضي الله عنها من رأى رسول الله فقد رآه غاديا رائحا لم يضع لبنة على لبنة ولكن رفع له علم فشمر إليه ولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل حتى يرفع الله عز وجل له بفضله ومنه علما يشاهده بقلبه فيشمر إليه ويعمل عليه فإن عطلت شواهد الصفات ووضعت أعلامها عن القلوب وطمست آثارها وضربت بسياط البعد وأسبل دونها حجاب الطرد وتخلفت مع المتخلفين وأوحى إليها القدر أن اقعدي مع القاعدين فإن أوصاف المدعو إليه ونعوت كماله وحقائق أسمائه هي الجاذبة للقلوب إلى محبته وطلب الوصول إليه لأن القلوب إنما تحب من تعرفه وتخافه وترجوه وتشتاق إليه وتلتذ بقربه وتطمئن إلى ذكره بحسب معرفتها بصفاته فإذا ضرب دونها حجاب معرفة الصفات والإقرار بها امتنع منها بعد ذلك ما هو مشروط بالمعرفة وملزوم لها إذ وجود الملزوم بدون لازمه والمشروط بدون شرطه ممتنع فحقيقة المحبة والإنابة والتوكل ومقام الإحسان ممتنع على المعطل امتناع حصول المغل من معطل البذر بل أعظم امتناعا كيف تصمد القلوب إلى من ليس داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محايثا بل حظ العرش منه كحظ الآبار والوهاد والأماكن التي يرغب عن ذكرها وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها ولا يرى مكانها ولا يحب ولا يحب ولا يقوم به فعل ألبتة ولا يتكلم ولا يكلم ولا يقرب من شيء ولا يقرب منه شيء ولا يقوم به رأفة ولا رحمة ولا حنان ولا له حكمة ولا غاية يفعل ويأمر لأجلها
فكيف يتصور على ذلك ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه ورؤية وجهه الكريم في جنات النعيم وهو مستو على عرشه فوق جميع خلقه أم كيف تأله القلوب من لا يحب ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا يفرح ولا يضحك فسبحان من حال بين المعطلة وبين محبته ومعرفته والسرور والفرح به والشوق إلى لقائه وانتظار لذة النظر إلي وجهه الكريم والتمتع بخطابه في محل كرامته ودار ثوابه فلو رآها أهلا لذلك لمن عليها به وأكرمها به إذ ذاك أعظم كرامة يكرم بها عبده والله أعلم حيث يجعل كرامته ويضع نعمته وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون وليس جحودهم صفاته سبحانه وحقائق أسمائه في الحقيقة تنزيها وإنما هو حجاب ضرب عليهم فظنوه تنزيها كما ضرب حجاب الشرك والبدع المضلة والشهوات المردية على قلوب أصحابها وزين لهم سوء أعمالهم فرأوها حسنة عدنا إلى شرح كلامه قوله وقد وردت أساميها بالرسالة إلى آخره ذكر أن إثبات الصفات دل عليها الوحي الذي جاء من عند الله على لسان رسوله والحس الذي شاهد به البصير آثار الصنعة فاستدل بها على صفات صانعها والعقل الذي طابت حياته بزرع الفكر والقلب الذي حيي بحسن النظر بين التعظيم والاعتبار فأما الرسالة فإنها جاءت بإثبات الصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء وحصل العلم اليقيني ورفع الشك والريب فثلجت له الصدور واطمأنت به القلوب واستقر به الإيمان في نصابه ففصلت الرسالة الصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ وأبعده من الإجمال والاحتمال وأمنعه من قبول التأويل وكذلك كان تأويل آيات الصفات وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد وأخباره بل أبعد منه لوجوه كثيرة ذكرتها في كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة بل تأويل آيات الصفات بما يخرجها عن حقائقها كتأويل آيات الأمر والنهي سواء فالباب كله باب واحد ومصدره واحد ومقصوده واحد وهو إثبات حقائقه والإيمان بها وكذلك سطا على تأويل آيات المعاد قوم وقالوا فعلنا فيها كفعل المتكلمين في آيات الصفات بل نحن أعذر فإن اشتمال الكتب الإلهية على الصفات والعلو وقيام الأفعال أعظم من نصوص المعاد للأبدان بكثير فإذا ساغ لكم تأويلها فكيف يحرم علينا نحن تأويل آيات المعاد وكذلك سطا قوم آخرون على تأويل آيات الأمر والنهي وقالوا فعلنا فيها كفعل أولئك في آيات الصفات مع كثرتها وتنوعها وآيات الأحكام لا تبلغ زيادة على خمسمائة آية قالوا وما يظن أنه معارض من العقليات لنصوص الصفات فعندنا معارض عقلي لنصوص المعاد من جنسه أو أقوى منه وقال متأولو آيات الأحكام على خلاف حقائقها وظواهرها الذي سوغ لنا هذا التأويل القواعد التي اصطلحتموها لنا وجعلتموها أصلا نرجع إليه فلما طردناها كان طردها أن الله ما تكلم بشيء قط ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا له صفة تقوم به ولا يفعل شيئا وطرد هذا الأصل لزوم تأويل آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب وقد ذكرنا في كتاب الصواعق أن تأويل آيات الصفات وأخبارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصل فساد الدنيا والدين وزوال الممالك وتسليط أعداء الإسلام عليه إنما كان بسب التأويل ويعرف هذا من له اطلاع وخبرة بما جرى في العالم ولهذا يحرم عقلاء الفلاسفة التأويل مع اعتقادهم لصحته لأنه سبب لفساد العالم وتعطيل الشرائع ومن تأمل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن والسنة علم قطعا بطلان تأويلها بما يخرجها عن حقائقها فإنها وردت على وجه لا يحتمل معه التأويل بوجه
فانظر إلى قوله تعالى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك هل يحتمل هذا التقسيم والتنويع تأويل إتيان الرب جل جلاله بإتيان ملائكته أو آياته وهل يبقى مع هذا السياق شبهة أصلا أنه إتيانه بنفسه وكذلك قوله إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده إلى أن قال وكلم الله موسى تكليما ففرق بين الإيحاء العام والتكليم الخاص وجعلهما نوعين ثم أكد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهم ما يقوله المحرفون وكذلك قوله وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فنوع تكليمه إلى تكليم بواسطة وتكليم بغير واسطة وكذلك قوله لموسى عليه السلام إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ففرق بين الرسالة والكلام والرسالة إنما هي بكلامه وكذلك قول النبي إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر في الصحو ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب \ ح \ ومعلوم أن هذا البيان والكشف والاحتراز ينافي إرادة التأويل قطعا ولا يرتاب في هذا من له عقل ودين قوله وظهرت شواهدها في الصنعة هذا هو الطريق الثاني من طرق إثبات الصفات وهو دلالة الصنعة عليها فإن المخلوق يدل على وجود خالقه على حياته وعلى قدرته وعلى علمه ومشيئته فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزاما ضروريا وما فيه من الإتقان والإحكام ووقوعه على أكمل الوجوه يدل على حكمة فاعله وعنايته وما فيه من الإحسان والنفع ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه وإحسانه وجوده وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه فمعطي الكمال أحق بالكمال وخالق الأسماع والأبصار والنطق أحق بأن يكون سميعا بصيرا متكلما وخالق الحياة والعلوم والقدر والإرادات أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه فما في المخلوقات من أنوع التخصيصات هو من أدل شيء على إرادة الرب سبحانه ومشيئته وحكمته التي اقتضت التخصيص وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات وعلى سمعه لسؤال عبيده وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته ورحمته بهم والإحسان إلى المطيعين والتقرب إليهم والإكرام وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه وعقوبته للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدل على صفة الغضب والسخط والإبعاد والطرد والإقصاء يدل على المقت والبغض فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل ولهذا دعا سبحانه في كتابه عباده إلى الاستدلال بذلك على صفاته فهو يثبت العلم بربوبيته ووحدانيته وصفات كماله بآثار صفته المشهودة والقرآن مملوء بذلك فيظهر شاهد اسم الخالق من نفس المخلوق وشاهد اسم الرازق من وجود الرزق والمرزوق وشاهد اسم الرحيم من شهود الرحمة المبثوثة في العالم واسم المعطي من وجود العطاء الذي هو مدرار لا ينقطع لحظة واحدة واسم الحليم من حلمه عن الجناة والعصاة وعدم معاجلتهم واسم الغفور والتواب من مغفرة الذنوب وقبول التوبة ويظهر شاهد اسمه الحكيم من العلم بما في خلقه وأمره من الحكم والمصالح ووجوه المنافع وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره يعرفه من عرفه ويجهله من جهله فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته وكل سليم العقل والفطرة يعرف قدر الصانع وحذقه وتبريزه على غيره وتفرده بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة صنعته فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي وهذه المخلوقات من بعض صنعه وإذا اعتبرت المخلوقات والمأمورات وجدتها بأسرها كلها دالة على النعوت والصفات وحقائق الأسماء الحسنى وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى بمكابرة ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة كما قال تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب جل جلاله ونعوته وأسمائه فهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها وتنادي عليها وتدل عليها وتخبر بها بلسان النطق والحال كما قيل تأمل سطور الكائنات فإنها من الملك الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل
تشير بإثبات الصفات لربها فصامتها يهدي ومن هو قائل فلست ترى شيئا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت كماله وحقائق أسمائه وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها فهي تدل عقلا وحسا وفطرة ونظرا واعتبارا قوله بتبصير النور القائم في السر يعني أن النور الإلهي الذي جعله الله لعبده ويلقيه إليه ويودعه في سره هو الذي يبصره بشواهد صفاته فكلما قوي هذا النور في قلب العبد كان بصره بالصفات أتم وأكمل وكلما قل نصيبه من هذا النور وطفئ مصباحه في قلبه طفئ نور التصديق بالصفات وإثباتها في قلبه فإنه إنما يشاهدها بذلك النور فإذا فقده لم يشاهدها وجاءت الشبه الباطلة مع تلك الظلمة فلم يكن له نصيب منها سوى الإنكار قوله وطيب حياة العقل لزرع الفكر أي يدرك الصفات بذلك النور القائم في سره وطيب حياة عقله التي طيبها زرع الفكر الصحيح المتعلق بما دعا الله سبحانه عباده إلى الفكر فيه بقوله ويتفكرون في خلق السموات والأرض وقوله أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقوله كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فيتفكرون في الآيات التي بينها لهم فيستدلون بها على توحيده وصفات كماله وصدق رسله والعلم بلقائه ويتفكرون في الدنيا وانقضائها واضمحلالها وآفاتها والآخرة ودوامها وبقائها وشرفها وقوله ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون فالفكر الصحيح المؤيد بحياة القلب ونور البصيرة يدل على إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال وأما فكر مصحوب بموت القلب وعمي البصيرة فإنما يعطي صاحبه نفيها وتعطيلها قوله وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار يعني أنه ينضاف إلى نور البصيرة وطيب حياة العقل حياة القلب بحسن النظر الدائر بين تعظيم الخالق جل جلاله وحسن الاعتبار بمصنوعاته الدالة عليه فلا بد من الأمرين فإنه إن غفل بالتعظيم عن حسن الاعتبار لم يحصل له الاستدلال على الصفات وإن حصل له الاعتبار من غير تعظيم الخالق سبحانه لم يستفد به إثبات الصفات فإذا اجتمع له تعظيم الخالق وحسن النظر في صنعه أثمرا له إثبات صفات كماله ولا بد والاعتبار هو أن يعبر نظره من الأثر إلى المؤثر ومن الصنعة إلى الصانع ومن الدليل إلى المدلول فينتقل إليه بسرعة لطف إدراك فينتقل ذهنه من الملزوم إلى لازمه قال الله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار والاعتبار افتعال من العبور وهو عبور القلب من الملزوم إلى لازمه ومن النظير إلى نظيره وهذا الاعتبار يضعف ويقوى حتى يستدل صاحبه بصفات الله تعالى وكماله على ما يفعله لحسن اعتباره وصحة نظره وهو اعتبار الخواص واستدلالهم فإنهم يستدلون بأسماء الله وصفاته وأفعاله وأنه يفعل كذا ولا يفعل كذا فيفعل ما هو موجب حكمته وعلمه وغناه وحمده ولا يفعل ما يناقض ذلك وقد ذكر سبحانه هذين الطريقين في كتابه فقال تعالى في الطريق الأولى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ثم قال في الطريق الثانية أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد فمخلوقاته دالة على ذاته وأسمائه وصفاته وأسماؤه وصفاته دالة على ما يفعله ويأمر به وما لا يفعله ولا يأمر به مثال ذلك أن اسمه الحميد سبحانه يدل على أنه لا يأمر بالفحشاء والمنكر واسمه الحكيم يدل على أنه لا يخلق شيئا عبثا واسمه الغني يدل على أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا واسمه الملك يدل على ما يستلزم حقيقة ملكه من قدرته وتدبيره وعطائه ومنعه وثوابه وعقابه وبث رسله في أقطار مملكته وإعلام عبيده بمراسيمه وعهوده إليهم واستوائه على سرير مملكته الذي هو عرشه المجيد فمتى قام بالعبد تعظيم الحق جل وحسن النظر في الشواهد والتبصر والاعتبار بها صارت الصفات والنعوت مشهودة لقلبه قبلة له قوله وهي معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها
لا يريد بالعامة الجهال الذين هم عوام الناس وإنما يريد أن هذه هي المعرفة التي وقف عندها العموم ولم يتعدوها وأما معرفة أهل الذوق والمحبة الخاصة فأخص من هذا كما سيأتي قوله وهي على ثلاثة أركان إثبات الصفة من غير تشبيه إلى آخرها هذه ثلاثة أشياء أحدها إثبات تلك الصفة فلا يعاملها بالنفي والإنكار الثاني أنه لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة فلا يعطل الصفة ولا يغير اسمها ويعيرها اسما آخر كما تسمي الجهمية والمعطلة سمعه وبصره وقدرته وحياته وكلامه أعراضا ويسمون وجهه ويديه وقدمه سبحانه جوارح وأبعاضا ويسمون حكمته وغاية فعله المطلوبة عللا وأغراضا ويسمون أفعاله القائمة به حوادث ويسمون علوه على خلقه واستواءه على عرشه تحيرا ويتواصون بهذا المكر الكبار إلى نفي ما دل عليه الوحي والعقل والفطرة وآثار الصنعة من صفاته فيسطون بهذه الأسماء التي سموها هم وآباؤهم على نفي صفاته وحقائق أسمائه الثالث عدم تشبيهها بما للمخلوق فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فالعارفون به المصدقون لرسله المقرون بكماله يثبتون له الأسماء والصفات وينفون عنه مشابهة المخلوقات فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه وبين التنزيه وعدم التعطيل فمذهبهم حسنة بين سيئتين وهدى بين ضلالتين فصراطهم صراط المنعم عليهم وصراط غيرهم صراط المغضوب عليهم والضالين قال الإمام أحمد رحمه الله لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين وقال التشبيه أن تقول يد كيدي تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قوله والإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها يعني أن العقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله وهذا معنى قول السلف بلا كيف أي بلا كيف يعقله البشر فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته كيفية تعرف نعوته وصفاته ولا يقدح ذلك في الإيمان بها ومعرفة معانيها فالكيفية وراء ذلك كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر ولا نعرف حقيقة كيفيته مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله والجمال كله والعلم كله والقدرة كلها والعظمة كلها والكبرياء كلها من لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته السموات والأرض وما فيهما وما بينهما وما وراء ذلك الذي يقبض سمواته بيده فتغيب كما تغيب الخردلة في كف أحدنا الذي نسبة علوم الخلائق كلها إلى علمه أقل من نسبة نقرة عصفور من بحار العلم الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض من حين خلقت إلى قيام الساعة أقلام لفني المداد وفنيت الأقلام ولم تنفد كلماته الذي لو أن الخلق من أول الدنيا إلى آخرها إنسهم وجنهم وناطقهم وأعجمهم جعلوا صفا واحدا ما أحاطوا به سبحانه الذي يضع السموات على إصبع من أصابعه والأرض على أصبع والجبال على إصبع والاشجار على إصبع ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك فقاتل الله الجهمية والمعطلة أين التشبيه ههنا وأين التمثيل لقد اضمحل ههنا كل موجود سواه فضلا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال ويشابهه فيه فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته وولاها ما تولت من وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها والمعاني التي لا حقائق لها ولما فهمت هذه الطائفة من الصفات الإلهية ما تفهمه من صفات المخلوقين فرت إلى إنكار حقائقها وابتغاء تحريفها وسمته تأويلا فشبهت أولا وعطلت ثانيا وأساءت الظن بربها وبكتابه وبنبيه وبأتباعه أما إساءة الظن بالرب فإنها عطلت صفات كماله ونسبته إلى أنه أنزل كتابا مشتملا على ما ظاهره كفر وباطل وأن ظاهره وحقائقه غير مرادة وأما إساءة ظنها بالرسول فلأنه تكلم بذلك وقرره وأكده ولم يبين للأمة أن الحق في خلافه وتأويله
وأما إساءة ظنها بأتباعه فبنسبتهم لهم إلى التشبيه والتمثيل والجهل والحشو وهم عند أتباعه أجهل من أن يكفروهم إلا من عاند الرسول وقصد نفي ما جاء به والقوم عندهم في خفارة جهلهم قد حجبت قلوبهم عن معرفة الله وإثبات حقائق أسمائه وأوصاف كماله فصل قال الدرجة الثانية معرفة الذات مع إسقاط التفريق بين الصفات والذات وهي تثبت بعلم الجمع وتصفو في ميدان الفناء وتستكمل بعلم البقاء وتشارف عين الجمع نشرح كلامه ومراده أولا ثم نبين ماله وعليه فيه فكانت هذه الدرجة عنده أرفع مما قبلها لأن التي قبلها نظر في الصفات وهذه متعلقة بالذات الجامعة للصفات وإن كانت الذات لا تخلو عن الصفات فهي قائمة بها ولا تقول نقول إن صفاتها عينها ولا غيرها لما في لفظ الغير من الإجمال والاشتباه فإن الغيرين قد يراد بهما ما جاء افتراقهما ذاتا أو زمانا أو مكانا وعلى هذا فليست الصفات مغايرة للذات وقد يراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر فيفترقان في الوجود الذهني لا في الوجود الخارجي فالصفات غير الذات بهذا الاعتبار لأنه قد يقع الشعور بالذات حال ما يغفل عن صفاتها فتتجرد عن صفاتها في شعور العبد لا في نفس الأمر وقوله مع إسقاط التفريق بين الصفات والذات التفريق بين الصفات والذات في الوجود مستحيل وهو ممكن في الشهود بأن يشهد الصفة ويذهل عن شهود الموصوف أو يشهد الموصوف ويذهل عن شهود الصفة فتجريد الذات أو الصفات إنما يمكن في الذهن فالمعرفة في هذه الدرجة تعلقت بالذات والصفات جميعا فلم يفرق العلم والشهود بينهما ولا ريب أن ذلك أكمل من شهود مجرد الصفة أو مجرد الذات ولا يريد الشيخ أنك تسقط التفريق بين الذات والصفات في الخارج والعلم بحيث تكون الصفات هي نفس الذات فهذا لا يقوله الشيخ وإن كان كثير من أرباب الكلام يقولون إن الصفات هي الذات فليس مرادهم أن الذات نفسها صفة فهذا لا يقوله عاقل وإنما مرادهم أن صفاتها ليست شيئا غيرها فإن أراد هؤلاء أن مفهوم الصفة هو مفهوم الذات فهذا مكابرة وإن أرادوا أنه ليس ههنا أشياء غير الذات انضمت إليها وقامت بها فهذا حق والتحقيق أن صفات الرب جل جلاله داخلة في مسمى اسمه فليس اسمه الله والرب والإله أسماء لذات مجردة لا صفة لها ألبتة فإن هذه الذات المجردة وجودها مستحيل وإنما يفرضها الذهن فرض الممتنعات ثم يحكم عليها واسم الله سبحانه والرب والإله اسم لذات لها جميع صفات الكمال ونعوت الجلال كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر والبقاء والقدم وسائر الكمال الذي يستحقه الله لذاته فصفاته داخلة في مسمى اسمه فتجريد الصفات عن الذات والذات عن الصفات فرض وخيال ذهني لا حقيقة له وهو أمر اعتباري لا فائدة فيه ولا يترتب عليه معرفة ولا إيمان ولا هو علم في نفسه وبهذا أجاب السلف الجهمية لما استدلوا على خلق القرآن بقوله تعالى الله خالق كل شيء قالوا والقرآن شيء
فأجابهم السلف بأن القرآن كلامه وكلامه من صفاته وصفاته داخلة في مسمى اسمه كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه ويديه فليس الله اسما لذات لا نعت لها ولا صفة ولا فعل ولا وجه ولا يدين ذلك إله معدوم مفروض في الأذهان لا وجود له في الأعيان كإله الجهمية الذي فرضوه غير خارج عن العالم ولا داخل فيه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا محايث له ولا مباين وكإله الفلاسفة الذي فرضوه وجودا مطلقا لا يتخصص بصفة ولا نعت ولا له مشيئة ولا قدرة ولا إرادة ولا كلام وكإله الاتحادية الذي فرضوه وجودا ساريا في الموجودات ظاهرا فيها هو عين وجودها وكإله النصارى الذي فرضوه قد اتخذ صاحبة وولدا وتدرع بناسوت ولده واتخذ منه حجابا فكل هذه الآلهة مما عملته أيدي أفكارها وإله العالمين الحق هو الذي دعت إليه الرسل وعرفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بكل كمال منزه عن كل نقص لا مثال له ولا شريك ولا ظهير ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم غني بذاته على عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بذاته قوله وهي تثبت بعلم الجمع وتصفو في ميدان الفناء يعني أن هذه المعرفة الخاصة تثبت بعلم الجمع ولم يقل بحال الجمع ولا بعينه ولا مقامه فإن علمه أولا هو سبب ثبوتها فإن هذه المعرفة لا تنال إلا بالعلم فهو شرط فيها وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في الجمع عن قريب فإذا علم العبد انفراد الرب سبحانه بالأزل والبقاء والفعل وعجز من سواه عن القدرة على إيجاد ذرة أو جزء من ذرة وأنه لا وجود له من نفسه فوجوده ليس له ولا به ولا منه وتوالى هذا العلم عن القلب يسقط ذكر غيره سبحانه عن البال والذكر كما سقط غناه وربوبيته وملكه وقدرته فصار الرب سبحانه وحده هو المعبود والمشهود والمذكور كما كان وحده هو الخالق المالك الغني الموجود بنفسه أزلا وأبدا وأما ما سواه فوجوده وتوابع وجوده عارية ليست له وكلما فني العبد عن ذكر غيره وشهوده صفت هذه المعرفة في قلبه فلهذا قال وتصفو في ميدان الفناء استعار الشيخ للفناء ميدانا وأضافه إليه لاتساع مجاله لأن صاحبه قد انقطع التفاته إلى ضيق الأغيار وانجذبت روحه وقلبه إلى الواحد القهاوألبس فهي تجول في ميدان أوسع من السموات والأرض بعد أن كانت مسجونة في سجون المخلوقات فإذا استمر له عكوف قلبه على الحق سبحانه ونظر قلبه إليه كأنه يراه ورؤية تفرده بالخلق والأمر والنفع والضر والعطاء والمنع كملت وتمت في هذه الدرجة معرفته واستكملت بهذا البقاء الذي أوصله إليه الفناء وشارفت عين الجمع بعد علمه فغاب العارف عن معرفته بمعروفه وعن ذكره بمذكوره وعن محبته وإرادته بمراده ومحبوبه فلذلك قال ويستكمل بعلم البقاء ويشارف عين الجمع ولهذه المعرفة ثلاثة أركان أشار إليها الشيخ بقوله إرسال الصفات على الشواهد وإرسال الوسائط على المدارج وإرسال العبارات على المعالم شواهد الصفات هي التي تشهد بها وتدل عليها من الكتاب والسنة شاهده العقل والفطرة وآثار الصنعة فإذا تمكن العبد في التوحيد علم أن الحق سبحانه هو الذي علمه صفات نفسه بنفسه لم يعرفها العبد من ذاته ولا بغير تعريف الحق له بما أجراه له سبحانه على قلبه من معرفة تلك الشواهد والانتقال منها إلى المشهود المدلول عليه فهو سبحانه الذي شهد لنفسه في الحقيقة إذ تلك الشواهد مصدرها منه فشهد لنفسه بنفسه بما قاله وفعله وجعله شاهدا لمعرفته فهو الأول والآخر والعبد آلة محضة ومنفعل ومحل لجريان الشواهد وآثارها وأحكامها عليه ليس له من الأمر شيء فهذا معنى إرسال الصفات على الشواهد فإذا أرسلها عليها تبين له أن الحكم للصفات دون الشواهد بل الشواهد هي آثار الصفات فهذا وجه
ووجه ثان أيضا وهو أن الشواهد بوارق وتجليات تبدو للشاهد فإذا أرسل الصفات على تلك الشواهد تواري حكم تلك البوارق والتجليات في الصفات وكان الحكم للصفات فحينئذ يترقى العبد إلى شهود الذات شهودا علميا عرفانيا كما تقدم قوله وإرسال الوسائط على المدارج الوسائط هي الأسباب المتوسطة بين الرب والعبد التي بها تظهر المعرفة وتوابعها والمدارج هي المنازل والمقامات التي يترقى العبد فيها إلى المقصود وقد تكون المدارج الطرق التي يسلكها إليه ويدرج فيها فإرسال الوسائط التي من الرب على المدارج التي هي منازل السير وطرقه توجب كون الحكم لها دون المدارج فيغيب عن شهود المدارج بالوسائط وقد غاب عن شهود الوسائط بالصفات فيترقى حينئذ إلى شهود الذات وحقيقة الأمر أن يعلم أن الرب سبحانه ما أطلعه على معرفته إلا بشواهد منه سبحانه وبوسائط ليست من العبد فهو قادر على قبض تلك الشواهد والوسائط وعلى إجرائها على غيره فإن الأمر كله له وتلك الوسائط لا توجب بنفسها شيئا قال الله تعالى لرسوله ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك وقال للأمة على لسانه قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به وقال تعالى قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ويعلم العبد أن ما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله من شواهد معرفته والإيمان به هي معالم يهتدي بها عباده إليه ويعرفون بها كماله وجلاله وعظمته فإذا تيقنوا صدقه ولم يشكوا فيه وتفطنوا لآثار أسمائه وصفاته في أنفسهم وفي سواهم انضم شاهد العقل والفطرة إلى شاهد الوحي والشرع فانتقلوا حينئذ من الخبر إلى العيان فالعبارات معالم على الحقائق المطلوبة والمعالم هي الإمارات التي يعلم بها المطلوب فإذا أوصل العارف كل معنى مما تقدم ذكره على مقصوده وصرف همته إلى مجريه وناصبه ومصدره اجتمع همه عليه وتمكن في معرفة الذات التي لها صفات الكمال ونعوت الجلال ومقصوده أن يبين في هذه الأركان الثلاثة حال صاحب معرفة الذات وكيف تترتب الأشياء في نظره ويترقى فيها إلى المقصود مثال ذلك أن الشواهد أرسلته إلى الصفات بإرسالها عليها فانتقل من مشاهدتها إلى مشاهدة الصفات والوسائط التي كان يراها آية على المدارج انتقل فانتقل منها إلى المدارج ولم يلقها وإنما تعلق بما هي آية له والعبارات التي كانت عنده ألفاظا خارجة عن المعبر عنه صارت أمارات توصله إلى الحقيقة المعبر عنها فبهذه الأركان الثلاثة يصير بها من أهل معرفة الذات عنده قوله وهذه معرفة الخاصة التي تؤنس من أفق الحقيقة أي تدرك وتحس من ناحية الحقيقة والإيناس والإدراك والإحساس قال الله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وقال موسى إني آنست نارا والمقصود أن العارف إذا علق همه بأفق الحقيقة وأعرض عن المسباب الوسائط لا إعراض جحود وإنكار بل إعراض اشتغال ونظر إلى عين المقصود أوصله ذلك إلى معرفة الذات الجامعة لصفات الكمال والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال الدرجة الثالثة معرفة مستغرقة في محض التعريف لا يوصل إليها الاستدلال ولا يدل عليها شاهد ولا تستحقها وسيلة وهي على ثلاثة أركان مشاهدة القرب والصعود عن العلم ومطالعة الجمع وهي معرفة خاصة الخاصة إنما كانت هذه المعرفة عنده أرفع مما قبلها لأن ما قبلها متعلقة بالوسائط والشواهد متصلة إلى المطلوب وهذه متعلقة بعين المقصود فقط طاوية للوسائط والشواهد فالوسائط صاعدة عنها إليه وهي غالبة على حال العارف وشهوده وقد استغرقت إدراكه لما هو فيه بحيث غاب عن معرفته بمعروفه وعن ذكره بمذكوره وعن وجوده بموجوده فقوله مستغرقة في محض التعريف المعرفة صفة العبد وفعله والتعريف فعل الرب وتوفيقه فاستغرقت صفة العبد في فعل الرب وتعريفه نفسه لعبده
وقوله لا يوصل إليها بالاستدلال يريد أن هذه المعرفة في الدرجة الثالثة لا يوصل إليها بسبب فإن الأسباب قد انطوت والوسائل قد انقطعت دونها فلا يدل عليها شاهد غيرها بل هي شاهد نفسها فشاهدها وجودها ودليلها نفسها ولا تعجل بإنكار هذا فالأمور الوجدانية كذلك ودليلها نفسها وشاهدها حقيقتها فتصير هذه المعرفة للعارف كالأمور الوجدانية كاللذة والفرح والحب والخوف وغيرها من الأمور التي لا يطلب من قامت به شاهدا عليها من سوى أنفسها ولعمر الله أن هذه درجة من المعرفة منيفة ورتبة شريفة تنقطع دونها أعناق مطايا السائرين فلذلك لا يوصل إليها بالاستدلال ولا يدل عليها شاهد ولا تستحقها وسيلة والأعمال والأحوال والمقامات كلها وسائل وهي لا تستحق هذه الدرجة من المعرفة وإنما هي فضل من الفضل كله بيده وهو ذو الفضل العظيم وكون الوسائل المذكورة لا تستحقها لا تمنع من القيام بها على أتم الوجوه وبذل الجهد فيها ومع ذلك فلا تستحقها الوسائل قوله وهي على ثلاثة أركان مشاهدة القرب والصعود عن العلم ومطالعة الجمع إنما كانت هذه الثلاثة أركانا لها لأن صاحب هذه المعرفة قد وصل من القرب إلى مقام يليق به بحسب معرفته فكلما كانت معرفته أتم كان قربه أتم فإن شهود الوسائط والوسائل حجاب عن عين القرب وإلغاؤها وجحودها حجاب عن أصل الإيمان وأما صعوده عن العلم فليس المراد به صعوده عن أحكامه فإن ذلك سقوط ونزول إلى الحضيض الأدنى لا صعود إلى المطلب الأعلى وإنما المراد أنه يصعد بأحكام العلم عن الوقوف معه وتوسيطه بينه وبين المطلوب فإن الوسائط قد طوي بساطها في هذا الشهود والعرفان أعني بساط الوقوف معها والنظر إليها فيدرك مشهوده ومعروفه به سبحانه لا بالعلم والخبر بل بالمشاهدة والعيان وإن كان لم يصل إلى ذلك إلا بالعلم والخبر لكنه قد صعد من العلم والخبر إلى المعلوم المخبر عنه وأما مطالعة الجمع فهي الغاية عند هذه الطائفة ونحن لا ننكر ذلك لكن أي جمع هو هل هو جمع الوجود كما يقوله الاتحادي أم جمع الشهود كما يقوله صاحب الفناء في توحيد الربوبية أم هو جمع الإرادة كلها في مراد الرب تعالى الديني الأمري فالشأن في هذا الجمع الذي مطالعته من أعلى أنواع المعرفة نعم ههنا جمع آخر مطالعته هي كل المعرفة وهو جمع الأفعال في الصفات وجمع الصفات في الذات وجمع الأسماء في الذات والصفات والأفعال فمطالعة هذا الجمع هي غاية المعرفة وأعلى أنواعها وهي لعمر الله معرفة خاصة الخاصة والله المستعان وبه التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله فصل قال صاحب المنازل باب الفناء قال الله تعالى كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام الفناء المذكور في الآية ليس هو الفناء الذي تشير إليه الطائفة فإن الفناء في الآية الهلاك والعدم أخبر سبحانه أن كل من على الأرض يعدم ويموت ويبقى وجهه سبحانه وهذا مثل قوله إنك ميت وإنهم ميتون ومثل قوله كل نفس ذائقة الموت قال الكلبي ومقاتل لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض فلما قال تعالى كل شيء هالك إلا وجهه أيقنت الملائكة بالهلاك قال الشعبي إذا قرأت كل من عليها فان فلا تسكت حتى تقرأ ويبقى وجه ربك ذو الجلال وهذا من فقهه في القرآن وكمال علمه إذ المقصود الإخبار بفناء من عليها مع بقاء وجهه سبحانه فإن الآية سيقت لتمدحه بالبقاء وحده ومجرد فناء الخليقة ليس فيه مدحه إنما المدح في بقائه بعد فناء خلقه فهي نظير قوله كل شيء هالك إلا وجهه
وأما الفناء الذي تترجم عنه الطائفة فأمر غير هذا ولكن وجد الإشارة بالآية أن الفناء المشار إليه هو ذهاب القلب وخروجه من هذا العالم وتعلقه بالعلي الكبير الذي له البقاء فلا يدركه الفناء ومن فني في محبته وطاعته وإرادة وجهه أوصله هذا الفناء إلى منزل البقاء فالآية تشير إلى أن العبد حقيق أن لا يتعلق بمن هو فان ويذر من له البقاء وهو ذو الجلال والإكرام فكأنها تقول إذا تعلقت بمن هو فان انقطع ذلك التعلق عند فنائه أحوج ما تكون إليه وإذا تعلقت بمن هو باق لا يفنى لم ينقطع تعلقك ودام بدوامه والفناء الذي يترجم عليه هو غاية التعلق ونهايته فإنه انقطاع عما سوى الرب تعالى من كل وجه ولذلك قال الفناء في هذا الباب اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا قلت الفناء ضد البقاء والباقي إما باق بنفسه من غير حاجة إلى من يبقيه بل بقاؤه من لوازم نفسه وهو الله تعالى وحده وما سواه فبقاؤه ببقاء الرب وليس له من نفسه بقاء كما أنه ليس له من نفسه وجود فإيجاده وإبقاؤه من ربه وخالقه وإلا فهو ليس له من نفسه إلا العدم قبل إيجاده والفناء بعد إيجاده وليس المعنى أن نفسه وذاته اقتضت عدمه وفناءه وإنما الفناء أنك إذا نظرت إلى ذاته بقطع النظر عن إيجاد موجده له كان معدوما وإذا نظرت إليه بعد وجوده مع قطع النظر عن إبقاء موجده له استحال بقاؤه فإنه إنما يبقى بابقائه كما أنه إنما يوجد بإيجاده فهذا معنى قولنا إنه بنفسه معدوم وفان فافهمه وقد اختلف الناس هل إفناء الموجود وإعدامه بخلق عرض فيه يسمى الفناء والإعدام أم بإمساك خلق البقاء له إذ هو في كل وقت محتاج إلى أن يخلق له بقاء يبقيه وهي مسألة الإعدام المشهورة والتحقيق فيها أن ذاته لا تقتضي الوجود وهو معدوم بنفسه فإذا قدر الرب تعالى لوجوده أجلا ووقتا انتهى وجوده عند حضور أجله فرجع إلى أصله وهو العدم نعم قد يقدر له وقتا ثم يمحو سبحانه ذلك الوقت ويريد إعدامه قبل وقته كما أنه سبحانه يمحو ما يشاء ويريد استمرار وجوده بعد الوقت المقدر إلى أمد آخر فإنه يمحو ما يشاء ويثبت قال الله تعالى حاكيا عن نبيه نوح عليه السلام قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى فإذا أراد الله سبحانه إبقاء الشيء أبقاه إلى حين يشاء وإذا أراد إفناءه أعدمه بمشيئته كما يوجده بمشيئته فإن قيل متعلق المشيئة لا بد أن يكون أمرا وجوديا فكيف يكون العدم متعلق المشيئة قيل متعلق المشيئة أمران إيجاد وإعدام وكلاهما ممكن فقول القائل لا بد أن يكون متعلق المشيئة أمرا وجوديا دعوى باطلة نعم العدم المحض لا تتعلق به المشيئة وأما الإعدام فهو أخص من العدم ولولا أنا في أمر أخص من هذا لبسطنا الكلام في هذه المسألة وذكرنا أوهام الناس وأغلاطهم فيها وقوله الفناء اسم لاضمحلال ما دون الحق علما يعني يضمحل عن القلب والشهود علما وإن لم تكن ذاته فانية في الحال مضمحلة فتغيب صور الموجودات في شهود العبد بحيث تكون كأنها دخلت في العدم كما كانت قبل أن توجد ويبقى الحق تعالى ذو الجلال والإكرام وحده في قلب الشاهد كما كان وحده قبل إيجاد العوالم قوله علما ثم جحدا ثم حقا هذه الثلاثة هي مراتب الاضمحلال إذا ورد على العبد على الترتيب فإذا جاء وهلة واحدة لم يشهد شيئا من ذلك وإن كان قد يعرف ذلك إذا عاد إلى علمه وشهوده فإن الرب سبحانه إذا رقى عبده بالتدريج نور باطنه وعقله بالعلم فرأى أنه لا خالق سواه ولا رب غيره ولا يملك الضر والنفع والعطاء والمنع غيره وأنه لا يستحق أن يعبد بنهاية الخضوع والحب سواه وكل معبود سوى وجهه الكريم فباطل فهذا توحيد العلم
ثم إذا رقاه الحق سبحانه درجة أخرى فوق هذه أشهد عود المفعولات إلى أفعاله سبحانه وعود أفعاله إلى أسمائه وصفاته وقيام صفاته بذاته فيضمحل شهود غيره من قلبه وجحد أن يكون لسواه من نفسه شيء ألبتة ولم يجحد السوي كما يجحده الملاحدة فإن هذا الجحود عين الإلحاد ثم إذا رقاه درجة أخرى أشهده قيام العوالم كلها جواهرها وأعراضها ذواتها وصفاتها به وحده أي بإقامته لها وإمساكه لها فإنه سبحانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ويمسك البحار أن تغيض أو تفيض على العالم ويمسك السماء أن تقع على الأرض ويمسك الطير في الهواء صافات ويقبضن ويمسك القلوب الموقنة أن تزيغ عن الإيمان ويمسك حياة الحيوان أن تفارقه إلى الأجل المحدود ويمسك على الموجودات وجودها ولولا ذلك لاضمحلت وتلاشت والكل قائم بأفعاله وصفاته التي هي من لوازم ذاته فليس الوجود الحقيقي إلا له أعني الوجود الذي هو مستغن فيه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بالذات لا قيام له بنفسه طرفة عين ولما كان للفناء مبدأ وتوسط وغاية أشار إلى مراتبه الثلاثة فالمرتبة الأولى فناء أهل العلم المتحققين به والثانية فناء أهل السلوك والإرادة والثالثة فناء أهل المعرفة المستغرقين في شهود الحق سبحانه فأول الأمر أن تفنى قوة علمه وشعوره بالمخلوقين في جنب علمه ومعرفته بالله وحقوقه ثم يقوي ذلك حتى يعدهم كالأموات وكالعدم ثم يقوي ذلك حتى يغيب عنهم بحيث يكلم ولا يسمع ويمر به ولا يرى وذلك أبلع من حال السكر ولكن لا تدوم له هذه الحال ولا يمكن أن يعيش عليها فصل قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى فناء المعرفة في المعروف وهو الفناء علما وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا وفناء الطلب في الوجود وهو الفناء حقا هذا تفصيل ما أجمله أولا ونبين ما أرادوا بالعلم والجحد والحق ففناء المعرفة في المعروف هو غيبة العارف بمعروفه عن شعوره بمعرفته ومعانيها فيفنى به سبحانه عن وصفه هنا وما قام به فإن المعرفة فعله ووصفه فإذا استغرق في شهود المعروف فني عن صفة نفسه وفعلها ولما كانت المعرفة فوق العلم وأخص منه كان فناء المعرفة في المعروف مستلزما لفناء العلم في المعرفة فيفنى أولا في المعرفة ثم تفنى المعرفة في المعروف وأما فناء العيان في المعاين فالعيان فوق المعرفة فإن المعرفة مرتبة فوق العلم ودون العيان فإذا انتقل من المعرفة إلى العيان فني عيانه في معاينه كما فنيت معرفته في معروفه وأما فناء الطلب في الوجود فهو أن لا يبقى لصاحب هذا الفناء طلب لأنه ظفر بالمطلوب المشاهد وصار واجدا بعد أن كان طالبا فكان إدراكه أولا علما ثم قوي فصار معرفة ثم قوي فصار عيانا ثم تمكن فصار معرفة ثم تمكن فصار وجودا ولعلك أن تستنكر أو تستبعد هذه الألفاظ ومعانيها فاسمع ضرب مثل يهون عليك ذلك ويقربه منك مثل ملك عظيم السلطان شديد السطوة تام الهيبة قوي البأس استدعى رجلا من رعيته قد اشتد جرمه وعصيانه له فحضر بين يديه وغلب على ظنه إتلافه فأحواله في حال حضوره مختلفة بالنسبة إلى ما يشاهده فتارة يتذكر جرمه وسطوة السلطان وقدرته عليه فيفكر فيما سيلقاه وتارة تقهره الحال التي هو فيها فلا يذكر ما كان منه ولا ما أحضر من أجله لغلبة الخوف على قلبه ويأسه من الخلاص ولكن عقله وذهنه معه وتارة يغيب قلبه وذهنه بالكلية فلا يشعر أين هو ولا من إلى جانبه ولا بما يراد به وربما جرى على لسانه في هذه الحال مالا يريده فهذا فناء الخوف
ومثال ثان في فناء الحب محب استغرقت محبته شخصا في غاية الجمال والبهاء وأكبر أمنيته الوصول إليه ومحادثته ورؤيته فبينا هو على حاله قد ملأ الحب قلبه وقد استغرق فكره في محبوبه وإذا به قد دخل عليه محبوبه بغتة على أحسن هيئة فقابله قريبا منه وليس دونه سواه أفليس هذا حقيقا أن يفنى عن رؤية غيره بمشاهدته وأن يفنى عن شهوده بمشهوده بل وعن حبه بمحبوبه فيملك عليه المحبوب سمعه وبصره وإرادته وإحساسه ويغيب به عن ذاته وصفاته وانظر إلى النسوة كيف قطعن أيديهن لما طلع عليهن يوسف وشاهدن ذلك الجمال ولم يتقدم لهن من عشقه ومحبته ما تقدم لامرأة العزيز فأفناهن شهود جماله عن حالهن حتى قطعن أيديهن وأما امرأة العزيز فإنها وإن كانت صاحبة المحبة فإنها كانت قد ألفت رؤيته ومشاهدته فلما خرج لم يتغير عليها حالها كما تغير على العواذل فكان مقامها البقاء ومقامهن الفناء وحصل لهن الفناء من وجهين أحدهما ذهولهن عن الشعور بقطع ما في أيديهن حتى تخطاه القطع إلى الأيدي الثاني فناؤهن عن الإحساس بألم القطع وهكذا الفناء بالمخوف والفرح بالمحبوب يفنى صاحبه عن شعوره وعن إحساسه بالكيفيات النفسانية هذا في مشاهدة مخلوق محدث له أشباه أمثال وله من يقاربه ويدانيه في الجمال وإنما فاق بني جنسه في الحسن والجمال ببعض الصفات وامتاز ببعض المعاني المخلوقة المصنوعة فما الظن بمن له الجمال كله والكمال كله والإحسان والإجمال ونسبة كل جمال في الوجود إلى جماله وجلاله أقل من نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس ولما علم سبحانه أن قوى البشر لا تحتمل في هذه الدار رؤيته احتجب عن عباده إلى يوم القيامة فينشئهم نشأة يتمكنون بها من مشاهدة جمال ورؤية وجهه وأنت ترى بعض آياته ومخلوقاته ومبدعاته كيف يفنى فيها مشاهدها عن غيرها ولكن هذا كله في المشاهدات العيانية والواردات الوجدانية وأما المعارف الإلهية فإن حالة البقاء فيها أكمل من حالة الفناء وهي حالة نبينا صلوات الله وسلامه عليه وحال الكمل من أتباعه ولهذا رأى ما رأى ليلة الإسراء وهو ثابت القلب رابط الجأش حاضر الإدراك تام التمييز ولو رأى غيره بعض ذلك لما تمالك فإن قلت ربما أفهم معنى فناء المعرفة في المعروف وفناء العيان في المعاين فما معنى فناء الطلب في الوجود حتى يكون هو الفناء حقا قلت متى فهمت الأمرين اللذين قبله فهمت معناه فإن الواجد لما ظفر بموجوده فني طلبه له واضمحل وهذا مشهود في الشاهد فإنك ترى طالب أمر مهم فإذا ظفرت يداه به وأدركه كيف يبرد طلبه ويفنى في وجوده لكن هذا محال في حق العارف فإن طلبه لا يفارقه بل إذا وجد اشتد طلبه فلا يزال طالبا فكلما كان أوجد كان أطلب نعم الذي يفنى طلب حظه في طلب محبوبه وطلب مراضيه وليس بعد هذا غاية ولكن الذي يشير إليه القوم أن العبد يصل في منزلة المحبة والمعرفة والاستغراق في المشاهدة إلى حالة تستولي فيها عليه أنواع القرب وآثار الصفات بحيث يذهل لبه عن شعوره بطلبه وإرادته ومحبته وأيضاح ذلك أن العبد إذا أقبل على ربه وتفقد أحواله وتمكن من شهود قيام ربه عليه فإنه يكون في أول أمره مكابدا وصابرا ومرابطا فإذا صبر وصابر ورابط صبر في نفسه وصابر عدوه ورابط على ثغر قلبه أن يدخل فيه خاطر لا يحبه وليه الحق ظهر حينئذ في قلبه نور من إقباله على ربه فإذا قوي ذلك النور غيبه عن وجوده الذهني وسري به في مطاوي الغيب فحينئذ يصفو له إقباله على ربه فإذا صفا له ذلك غاب عن وجوده العيني والذهني فغاب بنور إقباله على ربه بوصول خالص الذكر وصافيه إلى قلبه حيث خلا من كل شاغل من الوجود العيني والذهني وصار واحدا لواحد فيستولي نور المراقبة على أجزاء باطنه فيمتلئ قلبه من نور التوجه بحيث يغمر قلبه ويستره عما سواه ثم يسري ذلك النور من باطنه فيعم أجزاء ظاهره فيتشابه الظاهر والباطن فيه وحينئذ يفنى العبد عما سواه ويبقى بالمشهد الروحي الذاتي الموجب للمحبة الخاصة الملهبة للروح
فمنهم من يضعف لقلة الوارد فلا يمكنه أن يتسع لغير ما باشر سره وقلبه من آثار الحب الخاص ومنهم من يقوى ويتسع نظره فيجد آثار الجلال والجمال المقدس في قلبه وروحه ويجد العبودية والمحبة والدعاء والافتقار والتوكل والخوف والرجاء وسائر الأعمال القلبية قائمة بقلبه لا تشغله عن مشهد الروح ولا تستغرق مشهد الروح عنه ويجد ملاحظته للأوامر والنواهي حاضرا في جذر قلبه حيث نزلت الأمانة فلا يشغله مشهد الروح المستغرق ولا مشهد القلب عن ملاحظة مراضي الرب تعالى ومحابه وحقه على عبده ويجد ترك التدبير والاختيار وصحة التفويض موجودا في محل نفسه فيعامل الله سبحانه بذلك بحيث لا تشغله مشاهدة الأولى عنه ويقوم بملاحظة عقله لأسرار حكمة الله في خلقه وأمره ولا يحجبه ذلك كله عن ملاحظة عبوديته فيبقى مغمور الروح بملاحظة الفردانية وجلالها وكمالها وجمالها قد استغرقته محبته والشوق إليه معمور القلب بعبادات القلوب معمور القلب بملاحظة الحكمة ومعاني الخطاب طاهر القلب عن سفساف الأخلاق مع الله تعالى ومع الخلق قد صار عبدا محضا لربه بروحه وقلبه وعقله ونفسه وبدنه وجوارحه قد قام كل بما عليه من العبودية بحيث لا تحجبه عبودية بعضه عن عبودية البعض الآخر قد فنى عن نفسه وبقي بريه كما قال أبو بكر الكتاني جرت مسألة بمكة أيام الموسم في المحبة فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا له هات ما عندك يا عراقي فأطرق ساعة ودمعت عيناه ثم قال عبد ذاهب عن نفسه ومتصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرق قلبه أنوار هيبته وصفا شربه من كأس وده وانكشف له الجبار من أستار غيبه فإن تكلم فبالله وإن نطق فعن الله وإن عمل فبأمر الله وإن سكن فمع الله فهو لله وبالله ومع الله فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا مزيد جبرك الله يا تاج العارفين فصل قال الشيخ الدرجة الثانية فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود العلم لإسقاطه وفناء شهود العيان لإسقاطه إنما كانت هذه الدرجة من الفناء أعلى عنده مما قبلها لأنها أبلغ في الفناء من جهة فناء أربابها عن فنائهم فقد سقط عن قلوبهم ذكر أحوالهم ومقاماتهم لما هم فيه من الشغل بربهم وقوله لإسقاطه أي لإسقاط الشهود لا إسقاط المشهود فالطلب والعلم والعيان قائم وقد سقط الشهود لاستغراق صاحبه في المطلوب المعاين فصل قال الدرجة الثالثة الفناء عن شهود الفناء وهو الفناء حقا شائما برق العين راكبا بحر الجمع سالكا سبيل البقاء الفرق بين الفناء في هذه الدرجة والتي قبلها أنه في التي قبلها قد فني عن شهود طلبه وعلمه وعيانه مع شعوره بفنائه عن ذلك وفي هذه الدرجة قد فني عن ذلك كله وفني عن شهود فنائه كما يقال آخر من يموت ملك الموت وإنما كان هذا الفناء عنده هو الفناء حقا لأنه قد فني فيه كل ما سوى الحق سبحانه لأن صاحبه يشهد الفناء قد فني فلم يبق سوى الواحد القهار وقوله شائما برق العين الشائم الناظر من بعد وبرق العين نور الحقيقة وقد تقدم التنبيه على استحالة تعلق هذا بالنور الخارجي وإنما هو أنوار القرب والمراقبة والحضور مع الله وقوله راكبا بحر الجمع الجمع الذي يشيرون إليه عبارة عن شخوص البصيرة إلى مجرد مصدر المتفرقات كلها كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى وركوب لجة هذا الجمع هو فناؤه فيه قوله سالكا سبيل البقاء يعني أن من فنى فقد تأهل للبقاء بالحق وهذا البقاء هو بعد الفناء فإنه إذا تحقق بالفناء رفع له علم الحقيقة فشمر إليه سالكا في طريق البقاء وهي القيام بالأوراد وحفظ الواردات فحينئذ يرجى له الوصول فصل لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة والتابعين مدح لفظ الفناء ولا ذمه ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشار إليه البتة ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدمون ولا جعلوه غاية ولا مقاما وقد كان القوم أحق بكل كمال وأسبق إلى كل غاية محمودة ونحن لا ننكر هذا اللفظ مطلقا ولا نقبله مطلقا
ولا بد فيه من التفصيل وبيان صحيحه من معلوله ووسيلته من غايته فنقول وبالله التوفيق وهو الفتاح العليم حقيقة الفناء المشار إليه هو استهلاك الشيء في الوجود العلمي الذهني وههنا تقسمه أهل الاستقامة وأهل الزيغ والإلحاد فزعم أهل الاتحاد القائلون بوحدة الوجود أن الفناء هو غاية الفناء عن وجود السوى فلا يثبت للسوى وجود ألبتة لا في الشهود ولا في العيان بل يتحقق بشهود وحدة الوجود فيعلم حينئذ أن وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحق فما ثم وجودان بل الموجود واحد وحقيقة الفناء عندهم أن يفنى عما لا حقيقة له بل هو وهم وخيال فيفنى عما هو فان في نفسه لا وجود له فيشهد فناء وجود كل ما سواه في وجوده وهذا تعبير محض وإلا ففي الحقيقة ليس عند القوم سوى ولا غير وإنما السوي والغير في الوهم والخيال فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون وأما أهل التوحيد والاستقامة فيشيرون بالفناء إلى أمرين أحدهما أرفع من الآخر الأمر الأول الفناء في شهود الربوبية والقيومية فيشهد تفرد الرب تعالى بالقيومية والتدبير والخلق والرزق والعطاء والمنع والضر والنفع وأن جميع الموجودات منفعلة لا فاعلة وماله منها فعل فهو منفعل في فعله محل محض لجريان أحكام الربوبية عليه لا يملك شيئا منها لنفسه ولا لغيره فلا يملك ضرا ولا نفعا فإذا تحقق العبد بهذا المشهد خمدت منه الخواطر والإرادات نظرا إلى القيوم الذي بيده تدبير الأمور وشخوصا منه إلى مشيئته وحكمته فهو ناظر منه به إليه فإن بشهوده عن شهود ما سواه ومع هذا فهو ساع في طلب الوصول إليه قائما بالواجبات والنوافل الأمر الثاني الفناء في مشهد الإلهية وحقيقته الفناء عن إرادة ما سوى الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه وخوفه ورجائه فيفنى بحبه عن حب ما سواه وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه وحقيقة هذا الفناء إفراد الرب سبحانه بالمحبة والخوف والرجاء والتعظيم والإجلال ونحن نشير إلى مبادئ ذلك توسطه وغايته فنقول اعلم أن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رياسة أو صورة وتعلق بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العدة والتأهب للقدوم على الله عز وجل فذلك أول فتوحه وتباشير فجره فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه فيفعله ويتقرب به إليه وما يسخطه منه فيجتنبه وهذا عنوان صدق إرادته فإن كل من أيقن بلقاء الله وأنه سائله عن كلمتين يسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين لا بد أن يتنبه لطلب معرفة معبوده والطريق الموصلة إليه فإذا تمكن في ذلك فتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات فلا شيء أشوق إليه من ذلك فإنها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته وتسد عليه الأبواب التي تفرق همه وتشت قلبه فيأنس بها ويستوحش من الخلق ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها ويجد فيها من اللذة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب ونيل الشهوات بحيث إنه إذا دخل في الصلاة ود أن لا يخرج منها ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله فلا يشبع منه وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبي إذا أعطي ما هو شديد المحبة له ثم يفتح له باب شهود عظمة الله المتكلم به وجلاله وكمال نعوته وصفاته وحكمته ومعاني خطابه بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه ويحس بقلبه وقد دخل في عالم آخر غير ما الناس فيه
ثم يفتح له باب الحياء من الله وهو أول شواهد المعرفة وهو نور يقع في القلب يريه ذلك النور أنه واقف بين يدي ربه عز وجل فيستحي منه في خلواته وجلواته ويرزق عند ذلك دوام المراقة للرقيب ودوام التطلع إلى حضرة العلي الأعلى حتى كأنه يراه ويشاهده فوق سمواته مستويا على عرشه ناظرا إلى خلقه سامعا لأصواتهم مشاهدا لبواطنهم فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطى عليه كثيرا من الهموم بالدنيا وما فيها فهو في وجود والناس في وجود آخر هو في وجود بين يدي ربه ووليه ناظرا إليه بقلبه والناس في حجاب عالم الشهادة في الدنيا فهو يراهم وهم لا يرونه ولا يرون منه إلا ما يناسب عالمهم ووجودهم ثم يفتح له باب الشعور بمشهد القيومية فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده فيشهده مالك الضر والنفع والخلق والرزق والإحياء والإماتة فيتخذه وحده وكيلا ويرضى به ربا ومدبرا وكافيا وعند ذلك إذا وقع نظره على شيء من المخلوقات دله على خالقه وبارئه وصفات كماله ونعوت جلاله فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه بل يناديه كل من المخلوقات بلسان حاله اسمع شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه فأنا صنع الله الذي أتقن كل شيء فإذا استمر له ذلك فتح عليه باب القبض والبسط فيقبض عليه حتى يجد ألم القبض لقوة وارده ثم يقبض وعاءه بأنوار الوجود فيفنى عن وجوده وينمحي كما يمحو نور الشمس نور الكواكب ويطوي الكون عن قلبه بحيث لا يبقى فيه إلا الله الواحد القهار وتفيض أنوار المعرفة والمعاملة والصدق والإخلاص والمحبة من قلبه كما يفيض نور الشمس عن جرمها فيغرق حينئذ في الأنوار كما يغرق راكب البحر في البحر وذلك إنما يكون في الرياضة والمجاهدة وزوال أحكام الطبيعة وطول الوقوف في الباب وهذا هو من علم اليقين لا من عين اليقين ولا من حق اليقين إذ لا سبيل إليهما في الدار فإن عين اليقين مشاهدة وحق اليقين مباشرة نعم قد يكون حق اليقين في هذه الدنيا بالنسبة إلى الوجود الذهني وما يقوم بالقلوب فقط ليس إلا كما تقدم تقريره مرارا ونحن لا تأخذنا في ذلك لومة لائم وهم لا تأخذهم في كون ذلك في العيان لومة لائم وهم عندنا صادقون ملبوس عليهم ونحن عندهم محجوبون عن ذلك غير واصلين إليه فإن استمر على حاله واقفا بباب مولاه لا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا ولا يجيب غير من يدعوه إليه ويعلم أن الأمر وراء ذلك وأنه لم يصل بعد ومتى توهم أنه قد وصل انقطع عنه المزيد رجى أن يفتح له فتح آخر هو فوق ما كان فيه مستغرقا قلبه في أنوار مشاهدة الجلال بعد ظهور أنوار الوجود الحق ومحو وجوده هو ولا يتوهم أن وجود صفاته وذاته تبطل بل الذي يبطل هو وجوده النفساني الطبعي ويبقى له وجود قلبي روحاني ملكي فيبقى قلبه سابحا في بحر من أنوار آثار الجلال فتنبع الأنوار من باطنه كما ينبع الماء من العين حتى يجد الملكوت الأعلى كأنه في باطنه وقلبه ويجد قلبه عاليا على ذلك كله صاعدا إلى من ليس فوقه شيء ثم يرقيه الله سبحانه فيشهده أنوار الإكرام بعد ما شهد أنوار الجلال فيستغرق في نور من أنوار أشعة الجمال وفي هذا المشهد يذوق المحبة الخاصة الملهبة للأرواح والقلوب فيبقى القلب مأسورا في يد حبيبه ووليه ممتحنا بحبه وإن شئت أن تفهم ذلك تقريبا فانظر إليك وإلى غيرك وقد امتحنت بصورة بديعة الجمال ظاهرا وباطنا فملكت عليك قلبك وفكرك وليلك ونهارك فيحصل لك نار من المحبة فتضرم في أحشائك يعز معها الاصطبار وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء