Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

Sección V03/P468–V03/P470

فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه مالم يجتمع في غيره فإنه هو الدعوة والحجة وهو الدليل والمدلول عليه وهو الشاهد والمشهود له وهو الحكم والدليل وهو الدعوة والبينة قال الله تعالى أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه أي من ربه وهو القرآن وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون فأخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله على رسوله يكفي عن كل آية ففيه الحجة والدلالة على أنه من الله وأن الله سبحانه أرسل به رسوله وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة وينجبه من العذاب ثم قال قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والأرض فإذا كان الله سبحانه عالما بجميع الأشياء كانت شهادته أصدق شهادة وأعدلها فإنها شهادة بعلم تام محيط بالمشهود به فيكون الشاهد به أعدل الشهداء وأصدقهم وهو سبحانه يذكر علمه عند شهادته وقدرته وملكه عند مجازاته وحكمته عند خلقه وأمره ورحمته عند ذكر إرسال رسوله وحلمه عند ذكر ذنوب عباده ومعاصيهم وسمعه عند ذكر دعائهم ومسألته وعزته وعلمه عند قضائه وقدره فتأمل ورود أسمائه الحسنى في كتابه وارتباطها بالخلق والأمر والثواب والعقاب فصل ومن هذا قوله تعالى ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب فاستشهد على رسالته بشهادة الله له ولا بد أن تعلم هذه الشهادة وتقوم بها الحجة على المكذبين له وكذلك قوله قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وكذلك قوله لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا وكذلك قوله يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين وقوله تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين وقوله والله يعلم أنك لرسوله وقوله محمد رسول الله فهذا كله شهادة منه لرسوله قد أظهرها وبينها وبين صحتها غاية البيان بحيث قطع العذر بينه وبين عباده وأقام الحجة عليهم فكونه سبحانه شاهدا لرسوله معلوم بسائر أنواع الأدلة عقليها ونقليها وفطريها وضروريها ونظريها ومن نظر في ذلك وتأمله علم أن الله سبحانه شهد لرسوله أصدق الشهادة وأعدلها وأظهرها وصدقه بسائر أنواع التصديق بقوله الذي أقام البراهين على صدقه فيه وبفعله وإقراره وبما فطر عليه عباده من الإقرار بكماله وتنزيهه عن القبائح وعما لا يليق به وفي كل وقت يحدث من الآيات الدالة على صدق رسوله ما يقيم به الحجة ويزيل به العذر ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم به من العز والنجاة والظفر والتأييد ويحكم على أعدائه ومكذبيه بما توعدهم به من الخزي والنكال والعقوبات المعجلة الدالة على تحقيق العقوبات المؤجلة هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا فيظهره ظهورين ظهورا بالحجة والبيان والدلالة وظهورا بالنصر والظفر والغلبة والتأييد حتى يظهره على مخالفيه ويكون منصورا وقوله لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون فما فيه من الخبر عن علم الله الذي لا يعلمه غيره من أعظم الشهادة بأنه هو الذي أنزله كما قال في الآية الأخرى أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا انما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون وليس المراد مجرد الإخبار بأنه أنزله وهو معلوم له كما يعلم سائر الأشياء فإن كل شيء معلوم له من حق وباطل وإنما المعنى أنزله مشتملا على علمه فنزوله مشتملا على علمه هو آية كونه من عنده وأنه حق وصدق ونظير هذا قوله قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض ذكر ذلك سبحانه تكذيبا وردا على من قال افتراه فصل ومن شهادته أيضا ما أودعه في قلوب عباده من التصديق الجازم

Sección V03/P470–V03/P472

واليقين الثابت والطمأنينة بكلامه ووحيه فإن العادة تحيل حصول ذلك بما هو من أعظم الكذب والافتراء على رب العالمين والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته بل ذلك يوقع أعظم الريب والشك وتدفعه الفطر والعقول السليمة كما تدفع الفطر التي فطر عليها الحيوان الأغذية الخبيثة الضارة التي لا تغذى كالأبوال والأنتان فإن الله سبحانه فطر القلوب على قبول الحق والانقياد له والطمأنينة به والسكون إليه ومحبته وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه والريبة به وعدم السكون إليه ولو بقيت الفطر على حالها لما آثرت على الحق سواه ولما سكنت إلا إليه ولا اطمأنت إلا به ولا أحبت غيره ولهذا ندب الله عز وجل عباده إلى تدبر القرآن فإن كل من تدبره أوجب له تدبره علما ضروريا ويقينا جازما أنه حق وصدق بل أحق كل حق وأصدق كل صدق وأن الذي جاء به أصدق خلق الله وأبرهم وأكملهم علما وعملا ومعرفة كما قال تعالى أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وقال تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن واستنارت فيها مصابيح الإيمان وعلمت علما ضروريا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية من الفرح والألم والحب والخوف أنه من عند الله تكلم به حقا وبلغه رسوله جبريل عنه إلى رسوله محمد فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد وبه احتج هرقل على أبي سفيان حيث قال له فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فقال لا فقال له وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وقوله ويرى الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به وقوله ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق وقوله أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى وقوله ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب يعني أن الآية التي يقترحونها لا توجب هداية بل الله هو الذي يهدي ويضل ثم نبههم على أعظم آية وأجلها وهي طمأنينة قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله فقال الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله أي بكتابه وكلامه ألا بذكر الله تطمئن القلوب فطمأنينة القلوب الصحيحة والفطر السليمة به وسكونها إليه من أعظم الآيات إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل فإن قيل فلم لم يذكر الله سبحانه شهادة رسله مع الملائكة فيقول شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة والرسل وهم أعظم شهادة من أولي العلم قيل في ذلك عدة فوائد إحداها أن أولي العلم أعم من الرسل والأنبياء فيدخلون هم وأتباعهم وثانيها أن في ذكر أولي العلم في هذه الشهادة وتعليقها بهم ما يدل على أنها من موجبات العلم ومقتضايته وأن من كان من أولي العلم فإنه يشهد بهذه الشهادة كما يقال إذا طلع الهلال واتضح فإن كل من كان من أهل النظر يراه وإذا فاحت رائحة ظاهرة فكل من كان من أهل الشم يشم هذه الرائحة قال تعالى وبرزت الجحيم لمن يرى أي كل من له رؤية يراها حينئذ عيانا ففي هذا بيان أن من لم يشهد له الله سبحانه بهذه الشهادة فهو من أعظم الجهال وإن علم من أمور الدنيا مالم يعلمه غيره فهو من أولي الجهل لا من أولي العلم وقد بينا أنه لم يقم بهذه الشهادة ويؤديها على وجهها إلا أتباع الرسل أهل الإثبات فهم أولو العلم وسائر من عداهم أولو الجهل وإن وسعوا القول وأكثروا الجدال

Sección V03/P472–V03/P474

ومنها الشهادة من الله سبحانه لأهل هذه الشهادة أنهم أولو العلم فشهادته لهم أعدل وأصدق من شهادة الجهمية والمعطلة والفرعونية لهم بأنهم جهال وأنهم حشوية وأنهم مشبهة وأنهم مجسمة ونوابت ونواصب فكفاهم أصدق الصادقين لهم بأنهم من أولي العلم إذ شهدوا له بحقيقة ما شهد به لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل واثبتوا له حقيقة هذه الشهادة ومضمونها وخصومهم نفوا عنه حقائقها وأثبتوا له ألفاظها ومجازاتها فصل وفي ضمن هذه الشهادة الإلهية الثناء على أهل العلم الشاهدين بها وتعديلها فإنه سبحانه قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته واستشهد بهم جل وعلا على أجل مشهود به وجعلهم حجة على من أنكر هذه الشهادة كما يحتج بالبينة على من أنكر الحق فالحجة قامت بالرسل على الخلق وهؤلاء نواب الرسل وخلفاؤهم في إقامة حجج الله على العباد فصل وقد فسرت شهادة أولي العلم بالإقرار وفسرت بالتبيين والإظهار والصحيح أنها تتضمن الأمرين فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام وهم شهداء الله على الناس يوم القيامة قال الله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وقال تعالى هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأخبر أنه جعلهم عدولا خيارا ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم لما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة فمن لم يقم بهذه الشهادة علما وعملا ومعرفة وإقرارا ودعوة وتعليما وإرشادا فليس من شهداء الله والله المستعان قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام اختلف المفسرون هل هو كلام مستأنف أو داخل في مضمون هذه الشهادة فهو بعض المشهود به وهذا الاختلاف مبني على القراءتين في كسر إن فتحها فالأكثرون على كسرها على الاستئناف وفتحها الكسائي وحده والوجه هو الكسر لأن الكلام الذي قبله قد تم فالجملة الثانية مقررة مؤكدة لمضمون ما قبلها وهذا أبلغ في التقرير وأذهب في المدح والثناء ولهذا كان كسر إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم أحسن من الفتح وكان الكسر في قول الملبي لبيك إن الحمد والنعمة لك أحسن من الفتح وقد ذكر في توجيه قراءة الكسائي ثلاثة أوجه أحدها أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين فهي واقعة على أن الدين عند الله الإسلام وهو المشهود به ويكون فتح أنه من قوله أنه لا إله إلا هو على إسقاط حرف الجر أي بأنه لا إله إلا هو وهذا توجيه الفراء وهو ضعيف جدا فإن المعنى على خلافه وأن المشهود به هو نفس قوله أنه لا إله إلا هو فالمشهود به أن وما في حيزها والعناية إلى هذا صرفت وبه حصلت ولكن لهذا القول مع ضعفه وجه وهو أن يكون المعنى شهد الله بتوحيده أن الدين عند الله الإسلام والإسلام هو توحيده سبحانه فتضمنت الشهادة توحيده وتحقيق دينه أنه الإسلام لا غيره الوجه الثاني أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين معا كلاهما مشهود به على تقدير حذف الواو وإرادتها والتقدير وأن الدين عنده الإسلام فتكون جملة استغنى فيها عن حرف العطف بما تضمنت من ذكر المعطوف عليه كما وقع الاستغناء عنها في قوله ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم فيحسن ذكر الواو وحذفها كما حذفت هنا وذكرت في قوله ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم الوجه الثالث وهو مذهب البصريين أن يجعل أن الثانية بدلا من الولى والتقدير شهد الله أن الدين عند الله الإسلام وقوله أنه لا إله إلا هو توطئة للثانية وتمهيد ويكون هذا من البدل الذي الثاني فيه نفس الأول فإن الدين الذي هو نفس الإسلام عند الله هو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها ولك أن تجعله على هذا الوجه من باب بدل الاشتمال لأن الإسلام يشتمل على التوحيد فإن قيل فكان ينبغي على هذه القراءة أن يقول إن الدين عند الله الإسلام لأن المعنى شهد الله أن الدين عنده الإسلام فلم عدل إلى لفظ الظاهر

Sección V03/P474–V03/P476

قيل هذا يرجح قراءة الجمهور وأنها أفصح وأحسن ولكن يجوز إقامة الظاهر مقام المضمر وقد ورد في القرآن وكلام العرب كثيرا فإن الله تعالى قال واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب وقال واتقوا الله إن الله غفور رحيم وقال تعالى والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين قال ابن عباس افتخر المشركون بآبائهم فقال كل فريق لا دين إلا دين آبائنا وما كانوا عليه فأكذبهم الله تعالى فقال إن الدين عند الله الإسلام يعني الذي جاء به محمد وهو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ليس لله دين سواه ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين وقد دل قوله إن الدين عند الله الإسلام على أنه دين جميع أنبيائه ورسله وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم وأنه لم يكن لله قط ولا يكون له دين سواه قال أول الرسل نوح فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين وقال إبراهيم وإسماعيل ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون وقال يعقوب لبنيه عند الموت ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك إلى قوله ونحن له مسلمون وقال موسى لقومه إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وقال تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون وقالت ملكة سبأ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين فالإسلام دين أهل السموات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض لا يقبل الله من أحد دينا سواه فأديان أهل الأرض ستة واحد للرحمن وخمسة للشيطان فدين الرحمن هو الإسلام والتي للشيطان اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ودين المشركين فهذا بعض ما تضمنته هذه الآية العظيمة من أسرار التوحيد والمعارف ولا تستطل الكلام فيها فإنه أهم من الكلام على كلام صاحب المنازل فلنرجع إلى شرح كلامه وبيان ما فيه قال وإنما نطق العلماء بما نطقوا به وأشار المحققون إلى ما أشاروا إليه من هذا الطريق لقصد تصحيح التوحيد وما سواه من حال أو مقام فكله مصحوب العلل يريد أن التوحيد هو الغاية المطلوبة من جميع المقامات والأعمال والأحوال فغايتها كلها التوحيد وإنما كلام العلماء والمحققين من أهل السلوك كله لقصد تصحيحه وهذا بين من أول المقامات إلى آخرها فإنها تشير إلى تصحيحه وتجريده وقوله وما سواه من حال أو مقام فكله مصحوب العلل يريد أن تجريد التوحيد لا علة معه إذ لو كان معه علة تصحبه لم يجرد فتجرده ينفي عنه العلل بالكلية بخلاف ما سواه من المقامات والأحوال فإن العلل تصحبها وعندهم أن علل المقامات لا تزول بتجريد التوحيد مثاله أن علة مقام التوكل أن يشهد متوكلا ومتوكلا عليه ومتوكلا فيه ويشهد نفس توكله وهذا كله علة في مقام التوكل فإنه لا يصح له مقامه إلا بأن لا يشهد مع الوكيل الحق الذي يتوكل عليه غيره ولا يرى توكله عليه سببا لحصول المطلوب ولا وسيلة إليه وفيه علة أخرى أدق من هذه عند أرباب الفناء وهي أن المتوكل قد وكل أمره إلى مولاه والتجأ إلى كفايته وتدبيره له والقيام بمصالحه قالوا وهذا في طريق الخاصة عمي عن التوحيد ورجوع إلى الأسباب لأن الموحد قد رفض الأسباب ووقف مع المسبب وحده والمتوكل وإن رفض الأسباب فإنه واقف مع توكله فصار توكله بدلا من تلك الأسباب التي رفضها فهو متعلق بما رفضه

Sección V03/P476–V03/P478

وتجريد التوكل عندهم وحقيقته هو تخليص القلب من علة التوكل وهو أن يعلم أن الله سبحانه فرغ من الأسباب وقدرها وهو سبحانه يسوق المقادير إلى المواقيت فالمتوكل حقيقة عندهم هو من أراح نفسه من كد النظر ومطالعة السبب سكونا إلى ما سبق له من القسم مع استواء الحالين عنده وهو أن يعلم أن الطلب لا ينفع والتوكل لا يجمع ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله مدخولا وقصده معلولا فإذا خلص من رق هذه الأسباب ومطالعة العوارض ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق الرب سبحانه كفاه تعالى كل مهم كما أوحى الله تعالى إلى موسى كن لي كما أريد أكن لك كما تريد وهذا الكلام وأمثاله بعضه صواب وبعضه خطأ وبعضه محتمل فقوله إن التوكل في طريق الخاصة عمى عن التوحيد ورجوع إلى الأسباب خطأ محض بل التوكل حقيقة التوحيد ولا يتم التوحيد إلا به وقد تقدم في باب التوكل بيان ذلك وأنه من مقامات الرسل وهم خاصة الخاصة وإنما المتحذلقون المتنطعون جعلوه من مقامات العامة ولا أخص ممن أرسل الله واصطفى ولا أعلى من مقاماتهم وقوله إنه رجوع إلى الأسباب يقال بل هو قيام بحق الأمر فإن الله سبحانه اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها وجعل التوكل والدعاء من أقرب الأسباب التي تحصل المقصود فالتوكل امتثال لأمر الله وموافقة لحكمته وعبودية القلب له فكيف يكون مصحوب العلل وكيف يكون من مقامات العامة وقوله لأن الموحد قد رفض الأسباب كلها يقال له هذا الرفض لا يخرج عن الكفر تارة والفسق تارة والتقصير تارة فإن الله أمر بالقيام بالأسباب فمن رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضاد الله في أمره وكيف يحل لمسلم أن يرفض الأسباب كلها فإن قلت ليس المراد رفض القيام بها وإنما المراد رفض الوقوف معها قلت وهذا أيضا غير مستقيم فإن الوقوف مع الأسباب قسمان وقوف مأمور به مطلوب وهو أن يقف معها حيث أوقفه الله ورسوله فلا يتعدى حدودها ولا يقصر عنها فيقف معها مراعاة لحدودها وأوقاتها وشرائطها وهذا الوقوف لا تتم العبودية إلا به ووقوف معها بحيث يعتقد أنها هي الفاعلة المؤثرة بنفسها وأنها تنفع وتضر بذاتها فهذا لا يعتقده موحد ولا يحتاج أن يحترز منه من يتكلم في المعرفة والسلوك نعم لا ينقطع بها عن رؤية المسبب ويعتقدها هي الغاية المطلوبة منه بل هي وسيلة توصل إلى الغاية ولا تصل إلى الغاية المطلوبة بدونها فهذا حق لكن لا يجامع رفضها والاعراض عنها بل يقوم بها معتقدا أنها وسيلة موصلة إلى الغاية فهي كالطريق الحسي الذي يقطعه المسافر إلى مقصده فإن قيل له ارفض الطريق ولا تلتفت إليها انقطع عن المسير بالكلية وإن جعلها غايته ولم يقصد بالسير فيها وصوله إلى مقصد معين كان معرضا عن الغاية مشتغلا بالطريق وإن قيل له التفت إلى طريقك ومنازل سيرك وراعها وسر فيها ناظرا إلى المقصود عاملا على الوصول إليه فهذا هو الحق وقوله المتوكل وإن رفض الأسباب واقف مع توكله فيقال إن وقف مع توكله امتثالا لأمر الله وأداء لحق عبوديته معتقدا أن الله هو الذي من عليه بالتوكل وأقامه فيه وجعله سببا موصلا له إلى مطلوبه فنعم الوقوف وقف وما أحسنه من وقوف وإن وقف معه اعتقادا أن بنفس توكله وعمله يصل مع قطع النظر عن فضل ربه وإعانته ومنه عليه بالتوكل فهو وقوف منقطع عن الله وقوله إن التوكل بدل من الأسباب التي رفضها فالمتوكل متنقل من سبب إلى سبب يقال له إن كانت الأسباب التي رفضها غير مأمور بها فالتوكل المجرد خير منها وإن كانت مأمورا بها فرفضه لها إلى التوكل معصية وخروج عن الأمر

Sección V03/P478–V03/P481

نعم للتوكل ثلاث علل إحداها أن يترك ما أمر به من الأسباب استغناء بالتوكل عنها فهذا توكل عجز وتفريط وإضاعة لا توكل عبودية وتوحيد كمن يترك الأعمال التي هي سبب النجاة ويتوكل في حصولها ويترك القيام بأسباب الرزق من العمل والحراثة والتجارة ونحوها ويتوكل في حصوله ويترك طلب العلم ويتوكل في حصوله فهذا توكله عجز وتفريط كما قال بعض السلف لا تكن ممن يجعل توكله عجزا وعجزه توكلا العلة الثانية أن يتوكل في حظوظه وشهواته دون حقوق ربه كمن يتوكل في حصول مال أو زوجة أو رياسة وأما التوكل في نصرة دين الله وإعلاء كلمته وإظهار سنة رسوله وجهاد أعدائه فليس فيه علة بل هو مزيل للعلل العلة الثالثة أن يرى توكله منه ويغيب بذلك عن مطالعة المنة وشهود الفضل وإقامة الله له في مقام التوكل وليس مجرد رؤية التوكل علة كما يظنه كثير من الناس بل رؤية التوكل وأنه من عين الجود ومحض المنة ومجرد التوفيق عبودية وهي أكمل من كونه يغيب عنه ولا يراه فالأكمل أن لا يغيب بفضل ربه عنه ولا به عن شهود فضله كما تقدم بيانه فهذه العلل الثلاث هي التي تعرض في مقام التوكل وغيره من المقامات وهي التي يعمل العارفون بالله وأمره على قطعها وهكذا الكلام في سائر علل المقامات وإنما ذكرنا هذا مثالا لما يذكر من عللها وقد أفرد لها صاحب المنازل مصنفا لطيفا وجعل غالبها معلولا والصواب أن عللها هذه الثلاثة المذكورة أن يترك بها ما هو أعلى منها وأن يعلقها بحظه والانقطاع بها عن المقصود وأن لا يراها من عين المنة ومحض الجود وبالله التوفيق قوله والتوحيد على ثلاثة أوجه الوجه الأول توحيد العامة الذي يصح بالشواهد والوجه الثاني توحيد الخاصة وهو الذي يثبت بالحقائق والوجه الثالث توحيد قائم بالقدم وهو توحيد خاصة الخاصة فيقال لا ريب أن أهل التوحيد يتفاوتون في توحيدهم علما ومعرفة وحالا تفاوتا لا يحصيه إلا الله فأكمل الناس توحيدا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والمرسلون منهم أكمل في ذلك وأولو العزم من الرسل أكمل توحيدا وهم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأكملهم توحيدا الخليلان محمد وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علما ومعرفة وحالا ودعوة للخلق وجهادا فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه ولهذا أمر الله سبحانه نبيه أن يقتدي بهم فيه كما قال سبحانه بعد ذكر إبراهيم ومناظرته أباه وقومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته ثم قال أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها كافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم أقتده فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله أن يقتدى بهم ولما قاموا بحقيقته علما وعملا ودعوة وجهادا جعلهم الله أئمة للخلائق يهدون بأمره ويدعون إليه وجعل الخلائق تبعا لهم يأتمون بأمرهم وينتهون إلى ما وقفوا بهم عنده وخص بالسعادة والفلاح والهدى أتباعهم وبالشقاء والضلال مخالفيهم وقال لإمامهم وشيخهم إبراهيم خليله إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين أي لا ينال عهدي بالإمامة مشرك ولهذا أوصى نبيه محمدا أن يتبع ملة إبراهيم وكان يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين فملة إبراهيم التوحيد ودين محمد ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله وفطرة الإسلام هي ما فطر الله عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام له عبودية وذلا وانقيادا وإنابة فهذا هو توحيد خاصة الخاصة الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء قال تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين

Sección V03/P481–V03/P483

فقسم سبحانه الخلائق قسمين سفيها لا أسفه منه ورشيدا فالسفيه من رغب عن ملته إلى الشرك والرشيد من تبرأ من الشرك قولا وعملا وحالا فكان قوله توحيدا وعمله توحيدا وحاله توحيدا ودعوته إلى التوحيد وبهذا أمر الله سبحانه جميع المرسلين من أولهم إلى آخرهم قال تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعلمون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي أي هذا الكتاب الذي أنزل علي وهذه كتب الأنبياء كلهم هل وجدتم في شيء منها اتخاذ آلهة مع الله أم كلها ناطقة بالتوحيد آمرة به وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت والطاغوت اسم لكل ما عبدوه من دون الله فكل مشرك إلهه طاغوته وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على ما ذكره صاحب المنازل في التوحيد فقال بعد أن حكى كلامه إلى آخره أما التوحيد الأول الذي ذكره فهو التوحيد الذي جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم ونزلت به الكتب كلها وبه أمر الله الأولين والآخرين وذكر الآيات الواردة بذلك ثم قال وقد أخبر الله عن كل رسول من الرسل انه قال لقومه اعبدوا الله مالكم من إله غيره وهذه أول دعوة الرسل وآخرها قال النبي أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وقال من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة والقرآن مملوء من هذا التوحيد والدعوة إليه وتعليق النجاة والسعادة في الآخرة به وحقيقته إخلاص الدين كله لله والفناء في هذا التوحيد مقرون بالبقاء وهو أن تثبت إلهية الحق تعالى في قلبه وتنفي إلهية ما سواه فتجمع بين النفي والإثبات فالنفي هو الفناء والإثبات هو البقاء وحقيقته أن تفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وكذلك بموالاته وسؤاله والاستغناء به والتوكل عليه ورجائه ودعائه والتفويض إليه والتحاكم إليه واللجإ إليه والرغبة فيما عنده قال تعالى قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض وقال تعالى أفغير الله أبتغي حكما وقال تعالى قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء وقال تعالى قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين وقال تعالى قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له الآية وقال تعالى فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين وقال تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا وقال تعالى ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه وقال تعالى قل أرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون وقال وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله وقال تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين الخالص وقال عن أصحاب الكهف قالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا وقال عن صاحب يس ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون وقال تعالى أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وقال تعالى أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون وقال تعالى يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز وقال تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا

Sección V03/P483–V03/P485

وهذا في القرآن كثير بل هو أكثر من أن يذكر وهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره وذروة سنامه وقطب رحاه وأمرنا تعالى أن نتأسى بإمام هذا التوحيد في نفيه وإثباته كما قال تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده وقال تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وقال تعالى واتل عليهم نبأ إبرهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباءكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وإذا تدبرت القرآن من أوله إلى آخره رأيته يدور على هذا التوحيد وتقريره وحقوقه قال شيخنا والخليلان هم أكمل خاصة الخاصة توحيدا ولا يجوز أن يكون في الأمة من هو أكمل توحيدا من نبي من الأنبياء فضلا عن الرسل فضلا عن أولي العزم فضلا عن الخليلين وكمال هذا التوحيد أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلا بل يبقى العبد مواليا لربه في كل شيء يحب من أحب وما أحب ويبغض من أبغض وما أبغض ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي ويأمر بما يأمر به وينهى عما نهي عنه فصل قوله وهذا توحيد العامة الذي يصح بالشواهد قد تبين أن هذا توحيد خاصة الخاصة الذي لا شيء فوقه ولا أخص منه وأن الخليلين أكمل الناس فيه توحيدا فليهن العامة نصيبهم منه قوله يصح بالشواهد أي بالأدلة والآيات والبراهين وهذا مما يدل على كماله وشرفه أن قامت عليه الأدلة ونادت عليه الشواهد وأوضحته الآيات والبراهين وما عداه فدعاوي مجردة لا يقوم عليها دليل ولا تصح بشاهد فكل توحيد لا يصح بشاهد فليس بتوحيد فلا يجوز أن يكون توحيدا أكمل من التوحيد الذي يصح بالشواهد والآيات وتوحيد القرآن من أوله إلى آخره كذلك قوله هذا هو التوحيد الظاهر الجلي الذي نفى الشرك الأعظم فنعم لعمر الله ولظهوره وجلائه أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه وأمر الله به الأولين والآخرين من عباده وأما الرمز والإشارة والتعقيد الذي لا يكاد أن يفهمه أحد من الناس إلا بجهد وكلفة فليس مما جاءت به الرسل ولا دعوا إليه فظهور هذا التوحيد وانجلاؤه ووضوحه وشهادة الفطر والعقول به من أعظم الأدلة أنه أعلى مراتب التوحيد وذروة سنامه ولذلك قوي على نفي الشرك الأعظم فإن الشيء كلما عظم لا يدفعه إلا العظيم فلو كان شيء أعظم من هذا التوحيد لدفع الله به الشرك الأعظم ولعظمته وشرفه نصبت عليه القبلة وأسست عليه الملة ووجبت به الذمة وانفصلت به دار الكفر من دار الإسلام وانقسم به الناس إلى سعيد وشقي ومهتد وغوي ونادت عليه الكتب والرسل

Sección V03/P485–V03/P487

قوله وإن لم يقوموا بحسن الاستدلال يعني هو مستتر في قلوب أهله وإن كان أكثرهم لا يحسن الاستدلال عليه تقريرا وإيضاحا وجوابا عن المعارض ودفعا لشبه المعاند ولا ريب أن أكثر الناس لا يحسنون ذلك وهذا قدر زائد على وجود التوحيد في قلوبهم فما كل من وجد شيئا وعلمه وتيقنه أحسن أن يستدل عليه ويقرره ويدفع الشبه القادحة فيه فهذا لون ووجوده لون ولكن لا بد مع ذلك من نوع استدلال قام عنده وإن لم يكن على شروط الأدلة التي ينظمها أهل الكلام وغيرهم وترتيبها فهذه ليست شرطا في التوحيد لا في معرفته والعلم به ولا في القيام به عملا وحالا فاستدلال كل أحد بحسبه ولا يحصى أنواع الاستدلال ووجوهه ومراتبه إلا الله فلكل قوم هاد ولكل علم صحيح ويقين دليل يوجبه وشاهد يصح به وقد لا يمكن صاحبه التعبير عنه عجزا وعيا وإن عبر عنه فقد لا يمكنه التعبير عنه باصطلاح أهل العلم وألفاظهم وكثيرا ما يكون الدليل الذي عرف به الحق أصح من كثير من أدلة المتكلمين ومقدماتها وأبعد عن الشبه وأقرب تحصيلا للمقصود وإيصالا إلى المدلول عليه بل من استقرأ أحوال الناس رأى أن كثيرا من أهل الإسلام أو أكثرهم أعظم توحيدا وأكثر معرفة وأرسخ إيمانا من أكثر المتكلمين وارباب النظر والجدال ويجد عندهم من أنواع الأدلة والآيات التي يصح بها إيمانهم ما هو أظهر وأوضح وأصح مما عند المتكلمين وهذه الآيات التي ندب الله عباده إلى النظر فيها والاستدلال بها على توحيده وثبوت صفاته وأفعاله وصدق رسله هي آيات مشهودة بالحس معلومة بالعقل مستقرة في الفطر لا يحتاج الناظر فيها إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم ألبتة وكل من له حس سليم وعقل يميز به يعرفها ويقر بها وينتقل من العلم بها إلى العلم بالمدلول وفي القرآن ما يزيد على عشرات ألوف من هذه الآيات البينات ومن لم يحفظ القرآن فإنه إذا سمعها وفهمها وعقلها انتقل ذهنه منها إلى المدلول أسرع انتقال وأقر به وبالجملة فما كل من علم شيئا أمكنه أن يستدل عليه ولا كل من أمكنه الاستدلال عليه يحسن ترتيب الدليل وتقريره والجواب عن المعارض والشواهد التي ذكرها هي الأدلة كالاستدلال بالمصنوع على الصانع والمخلوق على الخالق وهذه طريقة القرآن الذي لا توحيد أكمل من توحيده قوله بعد أن يسلموا من الشبهة والحيرة والريبة الشبهة الشكوك التي توقع في اشتباه الحق بالباطل فيتولد عنها الحيرة والريبة وهذا حق فإن هذا التوحيد لا ينفع إن لم يسلم قلب صاحبه من ذلك وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به فيسلم من الشبه المعارضة لخبره والإرادات المعارضة لأمره بل ينقاد للخبر تصديقا واستيقانا وللطلب إذعانا وامتثالا قوله بصدق شهادة صححها قبول القلب أي سلموا من الشبهة والحيرة والريبة بصدق شهادة تواطأ عليها القلب واللسان فصحت شهادتهم بقبول قلوبهم لها واعتقادهم صحتها والجزم بها بخلاف شهادة المنافق التي لم يقبلها قلبه ولم يواطئ عليها لسانه قوله وهو توحيد العامة الذي يصح بالشواهد قد عرفت أن هذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب واتفقت عليه الشرائع ثم بين مراده بالشواهد أنها الرسالة والصنائع فقال والشواهد الأدلة على التوحيد والرسالة أرشدت إليها وعرفت بها ومقصوده أن الشواهد نوعان آيات متلوة وهي الرسالة وآيات مرئية وهي الصنائع قوله ويجب بالسمع ويوجد بتبصير الحق وينمو على مشاهد الشواهد هذه ثلاث مسائل إحداها ما يجب به والثانية ما يوجد به والثالثة ما ينمو به فأما المسألة الأولى فاختلف فيها الناس فقالت طائفة يجب بالعقل ويعاقب على تركه والسمع مقرر لما وجب بالعقل مؤكد له فجعلوا وجوبه والعقاب على تركه ثابتين بالعقل والسمع مبين ومقرر للوجوب والعقاب وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم من أتباع الأئمة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين

Sección V03/P487–V03/P489

وقالت طائفة لا يثبت بالعقل لا هذا ولا هذا بل لا يجب بالعقل فيها شيء وإنما الوجوب بالشرع ولذلك لا يستحق العقاب على تركه وهذا قول الأشعرية ومن وافقهم على نفي التحسين والتقبيح والقولان لأصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة والحق أن وجوبه ثابت بالعقل والسمع والقرآن على هذا يدل فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد ويبين حسنه وقبح الشرك عقلا وفطرة ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال وهي الأدلة العقلية وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه وقبح الشرك وذمه والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك كقوله ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وقوله ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم وقوله يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعواله إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز إلى أضعاف ذلك من براهين التوحيد العقلية التي أرشد إليها القرآن ونبه عليها ولكن ههنا أمر آخر وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع كما دل عليه قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقوله وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون وقوله ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم فالآية رد على الطائفتين معا من يقول إنه لا يثبت الظلم والقبح إلا بالسمع ومن يقول إنهم معذبون على ظلمهم بدون السمع فالقرآن يبطل قول هؤلاء وقول هؤلاء كما قال تعالى ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فأخبر أن ما قدمت أيديهم قبل إرسال الرسل سبب لإصابتهم بالمصيبة ولكن لم يفعل سبحانه ذلك قبل إرسال الرسول الذي يقيم به حجته عليهم كما قال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة وقوله أن تقول نفس يا حسري على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الخاسرين إلى قوله بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم من حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة في كتاب مفتاح دار السعادة وذكرنا هناك نحوا من ستين وجها تبطل قول من نفى القبح العقلي وزعم أنه ليس في الأفعال ما يقتضي حسنها ولا قبحها وأنه يجوز أن يأمر الله بعين ما نهى عنه وينهى عن عين ما أمر به وأن ذلك جائز عليه وإنما الفرق بين المأمور والمنهي بمجرد الأمر والنهي لا بحسن هذا وقبح هذا وأنه لو نهى عن التوحيد والإيمان والشكر لكان قبيحا ولو أمر بالشرك والكفر والظلم والفواحش لكان حسنا وبينا أن هذا القول مخالف للعقول والفطر والقرآن والسنة

Sección V03/P489–V03/P491

والمقصود الكلام على قول الشيخ ويجب بالسمع وأن الصواب وجوبه بالسمع والعقل وإن اختلفت جهة الإيجاب فالعقل يوجبه بمعنى اقتضائه لفعله وذمه على تركه وتقبيحه لضده والسمع يوجبه بهذا المعنى ويزيد إثبات العقاب على تركه والإخبار عن مقت الرب تعالى لتاركه وبغضه له وهذا قد يعلم بالعقل فإنه إذا تقرر قبح الشيء وفحشه بالعقل وعلم ثبوت كمال الرب جل جلاله بالعقل أيضا اقتضى ثبوت هذين الأمرين علم العقل بمقت الرب تعالى لمرتكبه وأما تفاصيل العقاب وما يوجبه مقت الرب منه فإنما يعلم بالسمع واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلوما بالعقل مستقرا في الفطر فلا وثوق بشيء من قضايا العقل فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك افلا تعقلون أفلا تذكرون وينفي العقل عن أهل الشرك ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل وأخبر عنهم أنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون وأخبر عنهم إن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى انظروا واعتبروا وسيروا في الأرض فانظروا فائدة فإنهم يقولون عقولنا لا تدل على ذلك وإنما هو مجرد إخبارك فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض وما هذه الأمثال المضروبة والأقيسة العقلية والشواهد العيانية أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر معلوم لمن كان له قلب حي وعقل سليم وفطرة صحيحة قال تعالى ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون وقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون وقال تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وقال تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال تعالى كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون وقال تعالى قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون وقال تعالى ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومن بعض الأدلة العقلية ما أبقاه الله تعالى من آثار عقوبات أهل الشرك وآثار ديارهم وما حل بهم وما أبقاه من نصر أهل التوحيد وإعزازهم وجعل العاقبة لهم قال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وقال في ثمود فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون وقال في قوم لوط إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون وقال تعالى إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين وإن كان أصحاب الأيلة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين وقال تعالى في قوم لوط وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعلقون وهو سبحانه يذكر في سورة الشعراء ما أوقع بالمشركين من أنواع العقوبات ويذكر إنجاءه لأهل التوحيد ثم يقول إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم فيذكر شرك هؤلاء الذين استحقوا به الهلاك وتوحيد هؤلاء الذين استحقوا به النجاة ثم يخبر أن في ذلك آية وبرهانا للمؤمنين ثم يذكر مصدر ذلك كله وأنه عن أسمائه وصفاته فصدور هذا الإهلاك عن عزته وذلك الإنجاء عن رحمته ثم يقرر في آخر السورة نبوة رسوله بالأدلة العقلية أحسن تقرير ويجيب عن شبه المكذبين له أحسن جواب وكذلك تقريره للمعاد الدله العقلية والحسية فضرب الأمثال والأقيسة فدلالة القرآن سمعية عقلية فصل المسألة الثانية

Sección V03/P491–V03/P494

قوله ويوجد بتبصير الحق وجوب الشيء شرعا لا يستلزم وجوده حسا فلذلك ذكر ما يوجد به بعد ذكر ما يجب به وهو تبصير الحق تعالي ومراده التبصير التام الذي لا تختلف عنه الهداية وإلا فقد يبصر العبد الحق ولا توجد منه الهداية كما قال تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فهو سبحانه بصرهم فآثروا الضلال على الهدى وقال تعالى وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقال تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وقال تعالى عن قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فهذا التبصير لم يوجب وجود الهداية لأنه سبحانه لم يرد وجودها وإنما أراد وجود مجرد البصيرة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأما التبصير التام فإنه يستلزم وجود الهداية وهو الذي أمرنا أن نسأله إياه في كل صلاة وقال فيه أهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وقال تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فعم بدعوته البيان والدلالة وخص بهدايته التوفيق والإلهام فلو قال الشيخ ويوجد بتوفيق الله بعد تبصيره لكان أحسن ولعله هو مراده والله أعلم فصل المسألة الثالثة قوله وينمو على مشاهدة الشواهد وهذا أيضا يحتاج إلى أمر آخر وهو الإجابة لداعي الحق فلا يكفي مجرد مشاهدة الشواهد في نموه وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون يمر عليها العبد ولا ينمو بها ولا يزيد بل ينقص إيمانه وتوحيده فإذا أجاب الداعي وتبصر في الشواهد بما توحيده وقوى إيمانه وقال تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقال تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وقال تعالى فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وقد تضمن كلام الشيخ ما دلت عليه النصوص واتفق عليه الصحابة والتابعون إن الإيمان والتوحيد ينموان ويتزايدان وهذا من أعظم أصول أهل السنة الذي فارقوا به الجهمية والمرجئة فصل قال وأما التوحيد الثاني الذي يثبت بالحقائق فهو توحيد الخاصة وهو إسقاط الأسباب الظاهرة والصعود عن منازعات العقول وعن التعلق بالشواهد وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا ولا في التوكل سببا ولا في النجاة وسيلة فيكون مشاهدا سبق الحق بحكمه وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه إياها بأحايينها وإخفائه إياها في رسومها وتحقق معرفة العلل ويسلك سبيل إسقاط الحدث هذا توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء ويصفو في علم الجمع ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع قوله يثبت بالحقائق وقال في التوحيد الأول يصح بالشواهد فإن الثبوت أبلغ من الصحة والحقائق أبلغ من الشواهد ويريد بالحقائق المكاشفة والمشاهدة والمعاينة والاتصال والانفصال والحياة والقبض والبسط وما ذكره من قسم الحقائق من كتابه وبالأدلة والشواهد يصح التوحيد العام وبالحقائق يثبت التوحيد الخاص قوله وهو إسقاط الأسباب الظاهرة يحتمل أن يريد بها الأسباب المشاهدة التي تظهر لنا وإسقاطها هو أن لا يرى لها تأثيرا ألبتة ولا تغييرا وإن باشرها بحكم الارتباط العادي فمباشرتها لا تنافي إسقاطها ويحتمل أن يريد بالأسباب الظاهرة الحركات والأعمال وإسقاطها عزلها عن اقتضائها السعادة والنجاة لا إهمالها وتعطيلها فإن ذلك كفر وانسلاخ من الإسلام بالكلية ولكن يقوم بها وقد عزلها عن ولاية النجاح والنجاة كما قال اعملوا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجيه عمله واحترز بالأسباب الظاهرة من الأسباب الباطنة كالإيمان والتصديق ومحبة الله ورسوله فإن النجاة والسعادة معلقة بها بل التوحيد نفسه من الأسباب بل هو أعظم الأسباب الباطنة فلا يجوز إسقاطه وعلى التقديرين فهو غير مخلص فإذا أريد بالإسقاط التعطيل والاهمال فمن أبطل الباطل وإن أريد العزل عن ولاية الاقتضاء وإسناد الحكم إلى مشيئة الرب وحده فلا فرق بين الأسباب الظاهرة والباطنة وإن أريد الأسباب التي لم يؤمر بها العبد فليس إسقاطها من توحيد الله في شيء ولا القيام بها مبطلا له ولا منقصا

Sección V03/P494–V03/P496

وبالجملة فليس إسقاط الأسباب من التوحيد بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية أتباع جهم بن صفوان في الجبر فإنه كان غاليا فيه وعندهم أن الله لم يخلق شيئا بسبب ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر فليس في النار قوة الإحراق ولا في السم قوة الإهلاك ولا في الماء والخبز قوة الري والتغذي به ولا في العين قوة الإبصار ولا في الأذن والأنف قوة السمع والشم بل الله سبحانه يحدث هذه الآثار عند ملاقاة هذه الأجسام لا بها فليس الشبع بالأكل ولا الري بالشرب ولا العلم بالاستدلال ولا الانكسار بالكسر ولا الإزهاق بالذبح ولا الطاعات والتوحيد سببا لدخول الجنة والنجاة من النار ولا الشرك والكفر والمعاصي سببا لدخول النار بل يدخل هؤلاء الجنة بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة أصلا ويدخل هؤلاء النار بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة ولهذا قال صاحب المنازل وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا ولا في التوكل سببا ولا في النجاة وسيلة بل عندهم صدور الكائنات والأوامر والنواهي عن محض المشيئة الواحدة التي رجحت مثلا على مثل بغير مرجح فعنها يصدر كل حادث ويصدر مع الحادث حادث آخر مقترنا به اقترانا عاديا لا أن أحدهما سبب الآخر ولا مرتبط به فأحدهما مجرد علامة وأمارة على وجود الآخر فإذا وجد أحد المقترنين وجد الآخر معه بطريق الاقتران العادي فقط لا بطريق التسبب والاقتضاء وهذا عندهم هو نهاية التوحيد وغاية المعرفة وطرد هذا المذهب مفسد للدنيا والدين بل ولسائر أديان الرسل ولهذا لما طرده قوم أسقطوا الأسباب الدنيوية وعطلوها وجعلوا وجودها كعدمها ولم يمكنهم ذلك فإنهم لا بد أن يأكلوا ويشربوا ويباشروا من الأسباب ما يدفع عنهم الحر والبرد والألم فإن قيل لهم هلا أسقطتم ذلك قالوا لأجل الاقتران العادي فإن قيل لهم هلا قمتم بما أسقطتموه من الأسباب لأجل الاقتران العادي أيضا فهذا المذهب قد فطر الله سبحانه الحيوان ناطقه وأعجمه على خلافه وقوم طردوه فتركوا له الأسباب الأخروية وقالوا سبق العلم والحكم بالسعادة والشقاوة لا يتغير البتة فسواء علينا الفعل والترك فإن سبق العلم والحكم بالشقاوة فنحن أشقياء عملنا أو لم نعمل وإن سبق بالسعادة فنحن سعداء عملنا أو لم نعمل ومنهم من يترك الدعاء جملة بناء على هذا الأصل ويقول المدعو به إن سبق العلم والحكم بحصوله حصل دعونا أولم ندع وإن سبق بعدم حصوله لم يحصل وإن دعونا قال شيخنا وهذا الأصل الفاسد مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة الدين بل ومخالف لصريح العقل والحس والمشاهدة وقد سئل النبي عن إسقاط الأسباب نظرا إلى القدر فرد ذلك وألزم القيام بالأسباب كما في الصحيح عنه أنه قال ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب فقال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له وفي الصحيح عنه أيضا أنه قيل له يا رسول الله أرأيت ما يكدح الناس فيه اليوم ويعملون أمر قضي عليهم ومضى أم فيما يستقبلون مما آتاهم فيه الحجة فقال بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على كتابنا قال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له وفي السنن عنه أنه قيل له أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقي بها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله وكذلك قول عمر لأبي عبيدة رضي الله عنهما وقد قال أبو عبيدة لعمر أتفر من قدر الله يعني من الطاعون قال أفر من قدر الله إلى قدر الله

Sección V03/P496–V03/P499

وقد قال الله تعالى في السحاب فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من الثمرات وقال تعالى فأحيا به الأرض بعد موتها وقال تعالى يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام وقال تعالى بما كنتم تعملون وبما كنتم تكسبون ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة فيأتي بباء السببية تارة وباللام تارة وبأن تارة وبكي تارة ويذكر الوصف المقتضي تارة ويذكر صريح التعليل تارة كقوله ذلك بأنهم فعلوا كذا وقالوا كذا ويذكر الجزاء تارة كقوله وذلك جزاء الظالمين وقوله وذلك جزاء المحسنين وقوله وهل نجازي إلا الكفور ويذكر المقتضى للحكم والمانع منه كقوله وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وعند منكري الأسباب والحكم لم يمنعه إلا محض مشيئته ليس إلا وقال إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم وقال كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم وقال كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وقال ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وقال ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا وقال إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا وقال وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا وقال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره يبطل هذا المذهب ويرده كما تبطله العقول والفطر والحس وقد قال بعض أهل العلم الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد فالالتفات إلى الأسباب ضربان أحدهما شرك والآخر عبودية وتوحيد فالشرك أن يعتمد عليها ويطمئن إليها ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود فهو معرض عن المسبب لها ويجعل نظره والتفاته مقصورا عليها وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها وإنزالها منازلها فهذا الالتفات عبودية وتوحيد إذ لم يشغله عن الالتفات إلى المسبب وأما محوها أن تكون أسبابا فقدح في العقل والحسن والفطرة فإن أعرض عنها بالكلية كان ذلك قدحا في الشرع وإبطالا له وحقيقة التوكل القيام بالأسباب والاعتماد بالقلب على المسبب واعتقاد أنها بيده فإن شاء منعها اقتضاءها وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه فالموحد المتوكل لا يلتفت إلى الأسباب بمعنى أنه لا يطمئن إليها ولا يرجوها ولا يخافها فلا يركن إليها ولا يلتفت إليها بمعنى أنه لا يسقطها ولا يهملها ويلغيها بل يكون قائما بها ملتفتا إليها ناظرا إلى مسببها سبحانه ومجريها فلا يصح التوكل شرعا وعقلا إلا عليه سبحانه وحده فإنه ليس في الوجود سبب تام موجب إلا مشيئته وحده فهو الذي سبب الأسباب وجعل فيها القوى والاقتضاء لآثارها ولم يجعل منها سببا يقتضي وحده أثره بل لا بد معه من سبب آخر يشاركه وجعل لها أسبابا تضادها وتمانعها بخلاف مشيئته سبحانه فإنها لا تحتاج إلى أمر آخر ولا في الأسباب الحادثة ما يبطلها ويضادها وإن كان الله سبحانه قد يبطل حكم مشيئته بمشيئته فيشاء الأمر ثم يشاء ما يضاده ويمنع حصوله والجميع بمشيئته واختياره فلا يصح التوكل إلا عليه ولا الالتجاء إلا إليه ولا الخوف إلا منه ولا الرجاء إلا له ولا الطمع إلا في رحمته كما قال أعرف الخلق به أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك وقال لا منجي ولا ملجأ منك إلا إليك فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب استقام قلبك على السير إلى الله ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله وأنبيائه وأتباعهم وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم وبالله التوفيق

Sección V03/P499–V03/P501

وما سبق به علم الله وحكمه حق وهو لا ينافي إثبات الأسباب ولا يقتضي إسقاطها فإنه سبحانه قد علم وحكم أن كذا وكذا يحدث بسبب كذا وكذا فسبق العلم والحكم بحصوله عن سببه فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب لم يكن نظره وشهوده مطابقا للحق بل كان شهوده غيبة ونظره عمى فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره والعلل التي تتقى في الأسباب نوعان أحدهما الاعتماد عليها والتوكل عليها والثقة بها ورجاؤها وخوفها فهذا شرك يرق ويغلظ وبين ذلك الثاني ترك ما أمر الله به من الأسباب وهذا أيضا قد يكون كفرا وظلما وبين ذلك بل على العبد أن يفعل ما امره الله به من الأمر ويتوكل على الله توكل من يعتقد أن الأمر كله بمشيئة الله سبق به علمه وحكمه وأن السبب لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يقضي ولا يحكم ولا يحصل للعبد مالم تسبق له به المشيئة الإلهية ولا يصرف عنه ما سبق به الحكم والعلم فيأتي بالأسباب إتيان من لا يرى النجاة والفلاح والوصول إلا بها ويتوكل على الله توكل من يرى أنها لا تنجيه ولا تحصل له فلاحا ولا توصله إلى المقصود فيجرد عزمه للقيام بها حرصا اجتهادا ويفرغ قلبه من الاعتماد عليها والركون إليها تجريدا للتوكل واعتمادا على الله وحده وقد جمع النبي بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح حيث يقول احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز فأمره بالحرص على الأسباب والاستعانة بالمسبب ونهاه عن العجز وهو نوعان تقصير في الأسباب وعدم الحرص عليها وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها فالدين كله ظاهره وباطنه شرائعه وحقائقه تحت هذه الكلمات النبوية والله أعلم فصل قوله والصعود عن منازعات العقول هذا حق ولا يتم التوحيد والإيمان إلا به فما أفسد أديان الرسل إلا أرباب منازعات العقول الذين ينازعون بمعقولهم في التصديق بما جاءت به وإثبات ما أثبتوه ونفي ما نفوه فنازعت عقولهم ذلك وتركوا لتلك المنازعات ما جاءت به الرسل ثم عارضوهم بتلك المعقولات وقدموها على ما جاءوا به وقالوا إذا تعارضت عقولنا وما جاءت به الرسل قدمنا ما حكمت به عقولنا على ما جاءوا به وقد هلك بهؤلاء طوائف لا يحصيهم إلا الله وانحلوا بسببهم من أديان جميع الرسل قوله ومن التعلق بالشواهد كلام فيه إجمال فالشواهد هي الأدلة والآيات فترك التعلق بها انسلاخ عن العلم والإيمان بالكلية والتعلق بها وحدها دون من نصبها شواهد وأدلة انقطاع عن الله وشرك في التوحيد والتعلق بها استدلالا ونظرا في آيات الرب ليصل بها إلى الله هو التوحيد والإيمان وأحسن ما يحمل عليه كلامه أنه يصعد عن الوقوف معها فإنها وسائل إلى المقصود فلا ينقطع بالوسيلة عن المقصود وهذا حق لكن قوله وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا يكدر هذا المعنى ويشوشه وليس بصحيح بل الواجب أن يشهد الأمر كما أشهده الله إياه فإن الله سبحانه نصب الأدلة على التوحيد وأقام البراهين وأظهر الآيات وأمرنا أن نشهد الأدلة والآيات وننظر فيها ونستدل بها ولا يجتمع هذا الإثبات وذلك النفي ألبتة والمخلوقات كلها آيات للتوحيد وكذلك الآيات المتلوة أدلة على التوحيد فكيف لا يشهدها دليلا عليه هذا من أبطل الباطل بل التوحيد كل التوحيد أن يشهد كل شيء دليلا عليه مرشدا إليه ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد فكيف لا يشهدهم كذلك وكيف يجتمع الإيمان بهم وعدم شهودهم أدلة للتوحيد

Sección V03/P501–V03/P503

فانظر ماذا أدى إليه إنكار الأسباب والسلوك على درب الفناء في توحيد الأفعال فهذا هو مقتضاه وطرده وإلا تناقض أصحابه وقد قال الله تعالى لرسوله وإنك لتهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وقال تعالى ولكل قوم هاد والهادي هو الدليل الذي يدل بهم في الطريق إلى الله والدار الآخرة ولا يناقض هذا قوله إنك لا تهدي من أحببت وقوله فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فإن الله سبحانه تكلم بهذا وهذا فرسله الهداة هداية الدلالة والبيان وهو الهادي هداية التوفيق والإلهام فالرسل هم الأدلة حقا والله سبحانه هو الموفق الملهم الخالق للهدى في القلوب قوله ولا في التوكل سببا يريد أنك تجرد التوكل عن الأسباب فإن أراد تجريده عن القيام بها فباطل كما تقدم وإن أراد تجريده عن الركون إليها والوقوف معها والوثوق بها فهو حق وإن أراد تجريده عن شهودها فشهودها على ما هي عليه أكمل ولا يقدح في التوحيد بوجه ما وكذلك قوله ولا في النجاة وسيلة إنما يصح على وجه واحد وهو أن يشهد حصول النجاة بمجرد الوسائل من الأعمال والأسباب وأما إلغاء كونها وسائل فباطل يخالف الشرع والعقل وأما عدم شهودها وسائل مع اعتقاد كونها وسائل فليس بكمال وشهودها وسائل كما جعلها الله سبحانه أكمل مشهدا وأصح طريقة وبالله التوفيق وقد بينا فيما تقدم أن الكمال أن تشهد العبودية وقيامك بها وتشهد أنها من عين المنة والفضل وتشهد المعبود فلا تغيب بشهوده ولا تغيب بشهود أمره عن شهوده ولا تغيب بشهوده وشهود أمره عن شهود فضله ومنته وتوفيقه وشهود فقرك وفاقتك وأنك به لا بك وقد خرج النبي يوما على حلقة من أصحابه وهم يتذاكرون فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر ما من الله به علينا وهدانا بك إلى الإسلام فقال آلله ما أجلسكم إلا ذلك قالوا آلله ما أجلسنا إلا ذلك فقال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكن الله يباهي بكم الملائكة \ ح \ ولم يقل لهم لا تشهدوا في التوحيد دليلا ولا في النجاة وسيلة بل كان من أسباب مباهاة الله بهم الملائكة شهودهم سبب التوحيد ووسيلة النجاة وأنها من من الله عليهم كما قال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم تيلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة فكيف يكون كمالهم في أن لا يشهدوا الدليل الذي يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم ويسقطونه من الشهود والسببية قوله فيكون شاهدا سبق الحق بعلمه وحكمه ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه إياها بأحايينها وإخفائه إياها في رسومها ليس الشهود ههنا متعلقا بمجرد أزلية الرب تعالى وتقدمه على كل شيء فقط بل متعلق بسبق العلم والتقدير فيرى الأشياء بعين سوابقها وقد تقررت هناك في علم الرب وتقديره فينظر إليها هناك إذا نظر الناس إليها هنا فيتجاوز نظره نظرهم فيغلب شهود السوابق على ملاحظة اللواحق فيشهد تفرد الرب وحده حيث لا موجود سواه وقد علم الكائنات وقدر مقاديرها ووقت مواقيتها وقررها على مقتضى علمه وحكمته وقد سبق العلم المعلوم والقدر المقدور والإرادة المراد فيرى الأشياء كلها ثابتة في علم الله سبحانه وحكمته قبل وجود العوالم فأي وسيلة يشهد هناك وأي سبب وأي دليل هذا الذي يدندنن الشيخ حوله وقد عرفت أن العلم والحكم سبق بوجود المسببات عن أسبابها وارتباطها بوسائلها وأدلتها كما سبق العلم والحكم بوجود الولد عن أبويه والمطر عن السحاب والنبات عن الماء والإزهاق عن القتل وأسباب الموت فهذه هي المشاهدة الصحيحة لا إسقاط الأسباب والوسائل والأدلة قوله ووضع الأشياء مواضعها وتعليقها بأحايينها وإخفائها في رسومها هذه ثلاثة أشياء المكان والزمان والمادة التي لا بد لكل مخلوق منها فإن المخلوق لا بد له من زمان يوجد فيه ومكان يستقر فيه ومادة يوجد بها فاشار إلى الثلاثة فالمواضع الأمكنة والأحايين الأزمنة والرسوم المواد الحاملة لها والرسوم هي الصورة الخلقية

Sección V03/P503–V03/P506

وكأن شيخ الإسلام أراد بها هنا الأسباب وأن الله سبحانه غطى حقائق الأشياء عن أبصار الخلق بما يشاهدونه من تعلق المسببات بأسبابها فنسبوها إليها فصاحب هذه الدرجة يشهد كيف أظهر الرب سبحانه الأشياء في موادها وصورها وأظهرها بأسبابها وأخفى علمه وحكمه فيما أظهره من ذلك فالظهور للأسباب المشاهدة والحقيقة المخفية للعلم والحكم السابقين قوله وتحقق معرفة العلل يريد أن هذا التوحيد يحقق لصاحبه معرفة علل الأحوال والمقامات والأعمال وهي عبارة عن عوائق السالك من نظره إلى السوى والتفاته إليه فهذه الدرجة من التوحيد عنده تحقق هذه العلل ويحتمل أن يريد بالعلل الأسباب التي ربطت بها الأحكام فصاحب هذه الدرجة يعرف حقيقتها ومرتبتها كما هي عليه لأنه قد صعد منها إلى مسببها وواضعها قوله ويسلك سبيل إسقاط الحدث يريد أنه في هذا الشهود وهذه الملاحظة المذكورة سالك سبيل الذين شهدوا عين الأزل فنفى عنهم شهود الحدث وذلك بالفناء في حضرة الجمع فإنها هي التي يفنى فيها من لم يكن ويبقى فيها من لم يزل فإن أراد بإسقاط الحدث أنه يعتقد نفي حدوث شيء فهذا مكابرة للحس والشهود وإن أراد إسقاط الحدث من قلبه فلا يشهد حادثا ومحدثا وهذا مراده فهذا خلاف ما أمر الله ورسوله به وخلاف الحق فإن العبد مأمور أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويشهد أن الجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيين حق ويشهد حدوث المحدثات بإحداث الرب تعالى لها بمشيئته وقدرته وبما خلقه من الأسباب ولما خلقه من الحكم ولم يأمر العبد بل لم يرد منه أن لا يشهد حادثا ولا حدوث شيء وهذا لا كمال فيه ولا معرفة فضلا عن أن يكون غاية العارف وأن يكون توحيد الخاصة والقرآن من أوله إلى آخره صريح في خلافه فإنه أمر بشهود الحادثات والكائنات والنظر فيها والاعتبار بها والاستدلال بها على وحدانية الله سبحانه وعلى أسمائه وصفاته فأعرف الناس به وبأسمائه وصفاته أعظمهم شهودا لها ونظرا فيها واعتبارا بها فكيف يكون لب التوحيد وقلبه وسره إسقاطها من الشهود فإن قلت إنما يريد إسقاطها من التفات القلب إليها والوقوف معها قلت هذا قد تقدم في أول الدرجة في قوله وهو إسقاط الأسباب الظاهرة وقد عرفت ما فيه وبالجملة فالاسقاط إما لعين الوجود أو لعين الشهود أو لعين القصود فالأول محال والثاني نقص والثالث حق لكنه ليس مراد الشيخ فتأمله وقوله وفنى من لم يكن وبقي من لم يزل إن أراد به فناء الوجود الخارجي فهذا مكابرة وإن أراد به أنه فنى من الشهود فهذا نقص في الإيمان والتوحيد كما تقرر وإن أراد به أن يفنى في القصد والإرادة والمحبة فهذا هو الحق وهو الفناء عن إرادة السوى وقصده ومحبته قوله هذا توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء ويصفو في علم الجمع ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع يعني توحيد المتوسطين الذين ارتفعوا عن العامة ولم يصلوا إلى منزلة خاصة الخاصة قوله يصح بعلم الفناء ولم يقل بحقيقة الفناء لأن درجة العلم في هذا السلوك قبل درجة الحال والمعرفة وهذه درجة متوسط لم يبلغ الغاية وحال الفناء لصاحب الدرجة الثالثة وكذلك قوله ويصفو في علم الجمع فإن علم الجمع قبل حال الجمع كما تقدم في بابه قوله ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع يريد أن هذا المقام يجذب أهله إلى توحيد الفريق الثاني الذين هم فوقهم وهم أصحاب الجمع وقد تقدم ذكر الجمع ولم يحصل به الشفاء ونحن الآن ذاكرون حقيقته وأقسامه والصحيح منه والمعلول والله المستعان الجمع في اللغة الضم والاجتماع الانضمام والتفريق ضده وأما في اصطلاح القوم فهو شخوص البصيرة إلى من صدرت عنه المتفرقات كلها وهو ثلاثة أنواع جمع وجود وهو جمع الزنادقة من أهل الاتحاد وجمع شهود وجمع قصود فإذا تحررت هذه الأقسام تحرر الجمع الصحيح من الفاسد وكذلك ينقسم الفرق إلى صحيح وفاسد أعني إلى مطلوب في السلوك وقاطع عن السلوك فالفرق ثلاثة أنواع فرق طبيعي حيواني وفرق إسلامي وفرق إيماني هذه ستة أقسام للجمع وللفرق

Sección V03/P506–V03/P508

فتذكر أنواع الفرق أولا إذ بها تعرف أنواع الجمع فأما الفرق الطبيعي الحيواني فهو التفريق بمجرد الطبع والميل فيفرق بين ما يفعله ومالا يفعله بطبعه وهواه وهذا فرق الحيوانات وأشباهها من بني آدم فالمعيار ميل طبعه ونفرة طبعه والمشركون والكفار وأهل الظلم والعدوان واقفون مع هذا الفرق وأما الفرق الإسلامي فهو الفرق بين ما شرعه الله وأمر به وأحبه ورضيه وبين ما نهى عنه وكرهه ومقت فاعله وهذا الفرق من لم يكن من أهله لم يشم رائحة الإسلام البتة وقد حكى الله سبحانه عن أهل الفرق الطبيعي أنهم أنكروا هذا الفرق فشهدوا الجمع بين المأمور والمحظور إذ قالوا إنما البيع مثل الربا لا فرق بينهما وقالوا الميتة مثل المذكاة لا فرق بينهما وقالوا الحلال والحرام شيء واحد فهذا جمعهم وذاك فرقهم فهذا فرق يتعلق بالأعمال فصل وأما الفرق الإيماني الذي يتعلق بمسائل القضاء والقدر فهو التمييز الإيماني بين فعل الحق سبحانه وأفعال العباد فيؤمن بأن الله وحده خالق كل شيء وليس في الكون إلا ما هو واقع بمشيئته وقدرته وخلقه ومع ذلك يؤمن بأن العبد فاعل لأفعاله حقيقة وهي صادرة عن قدرته ومشيئته قائمة به وهو فاعل لها على الحقيقة فيشهد تفرد الرب سبحانه بالخلق والتقدير ووقوع أفعال العباد منهم بقدرتهم ومشيئتهم والله الخالق لذلك كله وهنا انقسم أصحاب هذا الفرق ثلاثة أقسام قسم غابوا بأفعالهم وحركاتهم عن فعل الرب تعالى وقضائه مع إيمانهم به وقسم غابوا بفعل الرب وتفرده بالحكم والمشيئة عن أفعالهم وحركاتهم وقسم أعطوا المراتب حقها فآمنوا بفعل الرب وقدرته ومشيئته وتفرده بالحكم والقضاء وشهدوا وقوع الأفعال من فاعليها واستحقاقهم عليها المدح والذم والثواب والعقاب فالفريق الأول يغلب عليهم الفرق الطبيعي ولم يصعدوا إلى مشاهدة الحكم والفريق الثاني يغلب عليهم حال الجمع وهو شهود قدر الرب تعالى ومشيئته وتدبيره لخلقه فتجتمع قلوبهم على شهود أفعاله بعد أن كانت متفرقة في رؤية أفعال الخلق وتغيب بفعله عن أفعالهم وربما غلب عليها شهود ذلك حتى أسقطت عنهم المدح والذم بالكلية فكلاهما منحرف في شهوده والفريق الثالث يشهد الحكم والتدبير العام لكل موجود ويشهد أفعال العباد ووقوعها بإرادتهم ودواعيهم فيكون صاحب جمع وفرق فيجمع الأشياء في الحكم الكوني القدري ويفرق بينها بالحكم الكوني أيضا كما فرق الله بينها بالحكم الديني الشرعي فإن الله سبحانه فرق بينها خلقا وأمرا وقدرا وشرعا وكونا ودينا فالشهود الصحيح المطابق أن يشهدها كذلك فيكون صاحب جمع في فرق وفرق في جمع جمع بينها في الخلق والتكوين وشمول المشيئة لها وفرق بينها بالأمر والنهي والحب والبغض فشهدها وهي منقسمة إلى مأمور ومحظور ومحبوب ومكروه كما فرق خالقها بينها ويشهد الفرق بينها أيضا قدرا فإنه كما فرق بينها أمره فرق بينها قدره فقدر المحبوب محبوبا والمسخوط مسخوطا والخير على ما هو عليه والشر على ما هو عليه فافترقت في قدره كما افترقت في شرعه فجمعتها مشيئته وقدره وفرقت بينها مشيئته وقدرة فشاء سبحانه كلا منها أن يكون على ما هو عليه ذاتا وقدرا وصفة وأن يكون محبوبا أو مسخوطا وأشهدها أهل البصائر من خلقه كما هي عليه فهؤلاء أصح الناس شهودا بخلاف من شهد المخلوق قديما والوجود المخلوق هو عين وجود الخالق والمأمور والمحظور سواء والمقدور كله محبوبا مرضيا له أو أن بعض الحادثات خارج عن مشيئته وخلقه وتكوينه أو أن أفعال عباده خارجة عن إرادتهم ومشيئتهم وقدرتهم وليسوا هم الفاعلين لها فإن هذا الشهود كله عمي وأصحابه قد جمعوا بين ما فرق الله بينه وفرقوا بين ما جمع الله بينه ولم يهتدوا إلى الشهود الصحيح الذي يميز به صاحبه بين وجود الخالق ووجود المخلوق وبين المأمور والمحظور وبين فعل الرب وفعل العبد وبين ما يحبه ويبغضه

Sección V03/P508–V03/P510

وصاحب هذا الشهود لا يغيب بأفعال العباد عن فعل الرب وقضائه وقدره ولا يغيب بقضائه وقدره عن أمره ونهيه ومحبته لبعضها وكراهته لبعضها ولا يغيب بوجود الخالق عن وجود المخلوق ولا برؤية الخلق عن ملاحظة الخالق بل يضع الأمور مواضعها فيشهد القدر العام السابق الذي لا خروج لمخلوق عنه كما لا خروج له عن أن يكون مربوبا فقيرا بذاته ويذم العباد ويمدحهم بما حركهم به القدر من المعاصي والطاعات بخلاف صاحب الجمع بلا فرق فإنه ربما عذر أصحاب الشرك والمعاصي لاستيلاء شهود الجمع على قلبه ويقول العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فشهوده من الخلق موافقتهم لما شاء الله منهم فالشاهد المبصر المتمكن يشهد القيومية والقدر السابق الشامل المحيط ويشهد اكتساب العباد وما جرى به عليهم القدر من الطاعات والمعاصي ويشهد حكمة الرب تعالى وأمره ونهيه وحبه وكراهيته فصل إذا عرفت هذه المقدمات فالجمع الصحيح الذي عليه أهل الاستقامة هو جمع توحيد الربوبية وجمع توحيد الإلهية فيشهد صاحبه قيومية الرب تعالى فوق عرشه يدبر أمر عباده وحده فلا خالق ولا رازق ولا معطي ولا مانع ولا مميت ولا محيي ولا مدبر لأمر المملكة ظاهرا وباطنا غيره فما شاء كان ومالم يشأ لم يكن لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا يجري حادث إلا بمشيئته ولا تسقط ورقة إلا بعلمه ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها علمه وأحاطت بها قدرته ونفذت بها مشيئته واقتضتها حكمته فهذا جمع توحيد الربوبية وأما جمع توحيد الإلهية فهو أن يجمع قلبه وهمه وعزمه على الله وإرادته وحركاته على أداء حقه تعالى والقيام بعبوديته سبحانه فتجتمع شئون إرادته على مراده الديني الشرعي وهذان جمعان هما حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين فإن العبد يشهد من قوله إياك الذات الجامعة لجميع صفات الكمال التي لها كل الأسماء الحسنى ثم يشهد من قوله نعبد جميع أنواع العبادة ظاهرا وباطنا قصدا وقولا وعملا وحالا واستقبالا ثم يشهد من قوله وإياك نستعين جميع أنواع الاستعانة والتوكل والتفويض فيشهد منه جمع الربوبية ويشهد من إياك نعبد جمع الإلهية ويشهد من إياك الذات الجامعة لكل الأسماء الحسنى والصفات العلى ثم يشهد من اهدنا عشر مراتب إذا اجتمعت حصلت له الهداية المرتبة الأولى هداية العلم والبيان فيجعله عالما بالحق مدركا له الثانية أن يقدره عليه وإلا فهو غير قادر بنفسه الثالثة أن يجعله مريدا له الرابعة أن يجعله فاعلا له الخامسة أن يثبته على ذلك ويستمر به عليه السادسة أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادة له السابعة أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة أخص من الأولى فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالا وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلا الثامنة أن يشهده المقصود في الطريق وينبهه عليه فيكون مطالعا له في سيره ملتفتا إليه غير محتجب بالوسيلة عنه التاسعة أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة العاشرة أن يشهده الطريقين المنحرفين عن طريقها وهما طريق أهل العضب الذين عدلوا عن اتباع الحق قصدا وعنادا وطريق أهل الضلال الذين عدلوا عنها جهلا وضلالا ثم يشهد جمع الصراط المستقيم في طريق واحد عليه جميع أنبياء الله ورسله وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين فهذا هو الجمع الذي عليه رسل الله وأتباعهم فمن حصل له هذا الجمع فقد الصراط المستقيم والله أعلم فصل قال الشيخ وأما التوحيد الثالث فهو توحيد اختصه الحق لنفسه واستحقه لقدره وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من أهل صفوته وأخرسهم هدى إلى عن نعته وأعجزهم عن بثه

Sección V03/P510–V03/P513

فيقال إما أن يريد بهذا التوحيد توحيد العبد لربه وهو ما قام بالعبد من التوحيد لا يريد به توحيد الرب لنفسه وهو ما قام به من صفاته وكماله فإذا أراد به توحيد الرب لنفسه بنفسه وهو علمه وكلامه وخبره الذي يخبر به عن نفسه وصفاته كقوله شهد الله أنه لا إله إلا هو وقوله إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وقوله هو الله الذي لا إله إلا هو ونحو ذلك فذلك هو صفة الرب القائمة به كما يقوم به سائر صفاته من حياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وذلك لا يفارق ذات الرب ولا ينتقل إلى غيره بل صفات المخلوق لا تفارقه ولا تنتقل إلى غيره فكيف صفات الخالق جل وعلا ولكنه سبحانه وتعالى يدل على ذلك بآياته القولية والفعلية فيعلم عباده ما قام به من التوحيد لنفسه بما دلهم عليه من قوله وفعله فإذا شهد عبده له بما شهد به لنفسه قيل هذه الشهادة هي شهادة الرب بمعنى أنها مطابقة لها موافقة لها لا بمعنى أنها عينها وأن الشهادتين واحدة بالعين فما قام بقلب العبد إلا صفته وكلامه وخبره وإرادته وهو غير ما قام بذات الرب من صفته وكلامه وخبره وإن طابقه ووافقه وعلى هذا فقوله اختصه الحق لنفسه أي لا يوحده به غيره واستحقه لقدره أي استحقه بقدر كنهه الذي لا يبلغه غيره قوله وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من صفوته أي أظهر منه شيئا يسيرا أسره إلى طائفة قليلة من الخلق وهم أهل صفوته ووله أخرسهم عن نعته يحتمل أن يريد به أنه لا يقبل نعت المخلوقين كما لا يقبل لسان الأخرس الكلام وعلى هذا فيكون نعته غير ممكن ويحتمل أن يريد به أنه حال بينهم وبين نعته لعجز السامع عن فهمه فيكون نعته ممكنا لكن الحق أسكتهم عنه غيرة عليه وصيانة له قوله وأعجزهم عن بثه أي لم يقدرهم على الإخبار عنه فيقال أفضل صفوة الرب تعالى الأنبياء وأفضلهم الرسل وأفضلهم أولو العزم وأفضلهم الخليلان عليهما الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء والمرسلين والذي ألاحه الله إلى أسرارهم من ذلك هو أكمل توحيد عرفه العباد ولا أكمل منه وليس وراءه إلا الشطح والدعاوي والوساوس وهم صلوات الله وسلامه عليهم قد تكلموا بالتوحيد ونعتوه وبينوه وأوضحوه وقرروه بحيث صار في حيز التجلي والظهور والبيان فعلته القلوب وحصلته الأفئدة ونطقت به الألسنة وأوضحته الشواهد وقامت عليه البراهين ونادت عليه الدلائل ولا يمكن أحدا أن ينقل عن نبي من الأنبياء ولا وارث نبي داع إلى ما دعا إليه أنه يعلم توحيدا لا يمكنه النطق به وأن الله سبحانه أخرسه عن نطقه وأعجزه عن بثه بل كل ما علمه القلب أمكن اللسان التعبير عنه وإن اختلفت العبارة ظهورا وخفاءا وبين ذلك وقد لا يفهمه إلا بعض الناس فالناس لم تتفق أفهامهم لما جاءت به الرسل وكيف يقال إن أعرف الخلق وأفصحهم وأنصحهم عاجز أن يبين ما عرفه الله من توحيده وأنه عاجز عن بثه فما هذا التوحيد الذي عجزت الأنبياء والرسل عن بثه ومنعوا من النطق به وعرفه غيرهم هذا كله إن أريد به كلهم التوحيد القائم بذات الحق تعالى لنفسه فأما إن أريد به التوحيد الذي هو صفة العبد وفعله فلم يطابق قوله اختصه الرب لنفسه واستحقه لقدره ولا يطابق القوافي الثلاثة التي أجاب بها الشيخ عنه وأن توحيده نفسه هو التوحيد لا غيره وأيضا فصفة العبد وفعله لا يعجز عن بثها ولا يخرس عن النطق بها وكل ما قام بالعبد فإنه يمكنه التعبير عنه وكشفه وبيانه فإن قيل المراد بذلك أن الرب تعالى هو الموحد لنفسه في قلوب صفوته لا أنهم هم الموحدون له ولهذا قال الشيخ والذي يشار إليه على ألسن المشيرين أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم وعليه أنشد هذه القوافي الثلاثة وهي ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لأحد