Qur'an&Sunnah

Ahmed Zerrûk — Uddetü'l-Mürîdi's-Sâdık (tasavvuf âdâbı)

Sección V01/P083–V01/P085

فمن أسباب الحرمان، ومبادئ ضعف الإيمان، وفقدان الإيقان، وكيف يهجر عمل بدأ الله فيه بنفسه، وثنى بملائكته وخاطب به جميع العالم من المؤمنين والمسلمين، فقال جل وعلا: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} (¬2) قال العلماء (ض): فهذه الخاصية لا توجد في عمل سواها، ولذلك ورد أن كل الأعمال فيها مقبول ومردود إلا الصلاة عليه (¬3) (ص). وجاء في الصحيح: "أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه وملائكته عشرا" (¬4) الحديث، قال ابن عطاء الله (ض): ومن صلى الله عليه صلاة واحدة كفاه هم الدنيا والآخرة، فكيف بمن صلى عليه عشرا، وقد أشار (ص) # لذلك في حديث أبي (ض) حيث قال: "أجعل صلاتي كلها عليك، قال: إذا تكفى همك ويغفر ذنبك" (¬1) الحديث، وقد أمر سبحانه بتعزيره (ص)، وتوقيره مقرونا بتسبيحه تعالى، فدل على عظم ذلك وأنه في الخاصية مساو له أو قريب منه (¬2) وقال (ص): "الصلاة علي نور في القلب، ونور في القبر، ونور على الصراط" (¬3)، هذه الأنوار هي مطالب العقلاء فضلا عن المريدين، فإلى أين يعدلون عنها، والله، لا يعدل عنها إلا مخذول، لا عبرة به ولا همة له، وقد قال شيخنا أبو العباس الخضرمي (ض) في وصيته التي كتب لي بها يوم وداعه الأول: وعليك بدوام الذكر وكثرة الصلاة على رسول الله (ص)، وهي سلم ومعراج وسلوك إلى الله تعالى إذا لم يلق الطالب شيخا مرشدا، فقد سمعت في سنة ست وأربعين وثماني مائة بالحرم الشريف بعض الصالحين روى في ذلك عن بعض أهل الصدق مع الله تعالى، وكلاهما معروفان رأيتهما، والله أعلم، ثم أنشد: فيا عطشي والما زلال أخوضه ... ويا وحشتي والمونسون كثير وذكر بعض من عرف بطرق الشاذلية (ض)، أنه مبني على الصلاة على رسول الله (ص)، وهو طريق جليل، واضح الأنوار والبراهين والفائدة الحالية # والعلمية، ونبه عليه ابن عطاء الله في كتابه (مفتاح الفلاح)، وكان بعض مشايخ المغرب ممن أدركناه يتصرف بها تصرفا عجيبا (¬1)، وكذلك أدركنا بيننا (¬2) من الفقهاء لم يكن لهم تصرف غيرها، وكان لهم من سني الحالة وعظيم المنزلة ومواقع الهداية ونفع العباد ما لا مزيد عليه، فاعرف ذلك، وسر ذلك أنها تنزلت في حقنا منزلة السجود لآدم، لأنها عبودية تعلقت صورتها بواسطة، فمن آثرها كان محققا في العبودية ممكنا في القرب، ومن أباها كان شبيها بإبليس في إبائه، ومن منع منها كذلك، وإن كان لا يبلغ رتبة الشيطان لاختلاف قصده، فله فيه نسبة، فافهم، وإذا لم تكن الصلاة لحبيب الله (ص) هداية وفتحا ونورا، فأي شيء يكون؟ أو الثناء على المشايخ ولعن الطاعن عليهم والمنتقد لهم؟ أعاذنا الله من البلاء بمنه وكرمه. ... 22 - فصل فإن قالوا: نحن لا نهجر العلم رأسا ولا نترك التلاوة جملة ولا ندع الصلاة على رسول الله (ص) بتا ، ومدعي ذلك علينا ظالم لنا، كيف وعندنا حزب الملام وفيه من التسليم على أنبياء الله وأوليائه وموالاتهم ومعادات من عاداهم، ما ينفي وجود هذه الدعوى عنا، وكذلك ما نفعله دبر كل صلاة وعند ختم المجالس، من الصلاة والتسليم عليه (ص)، ولنا في كل يوم حزب من القرآن معلوم كأول سورة البقرة يوم السبت، فما بعده مما هو معلوم عندهم، وعند أكابرنا من شواهد علوم القوم ما لا يخفى على مخالطهم.

Sección V01/P085–V01/P088

قلنا: إنما نرد عليكم التحجير في العموم، وتأكيد الأمر حيث لا يصلح، والاستظهار بالأمور الشنيعة في المقاصد التي تنحونها مما يوجب احتقار غير ما تدعون إليه، لا سيما ما يظهر عليكم في ذلك من ادعاء الأفضلية في الحال والخصوصية في الأعمال، وتعميم الحكم في المقال، # وإدخاله على العامة والجهاد، وقد قال رسول الله (ص): "لا تجعلوني كقدح الراكب، فإن الراكب يملأ قدحه، فإن احتاج إلى وضوء توضأ أو إلى شراب شرب، وإلا أراقه، ولكن اجعلوني في أول صلاتكم ووسطها وآخرها" (¬1) الحديث، وهذا الذي نهى عنه هو حالكم، إذ تأبون أن يكون لكم منها ورد وتمنعون من ذلك من أتاكم، وتشددون عليه فيه غاية الشديد، بل ربما كان محبا لكم فتطرحونه لتمسكه بذلك، وهذا شيء في غاية القبح، وأقل ما في بابه الكراهة المثقلة، وهو أمر لا خفاء به عند كل ذي فطرة إيمانية. فأما تلاوة القرآن على الوجه الذي تعتمدونه فلا أصل له في سلف ولا سنة، وإنما هو أمر مركب على الخاصية، موقوف على الاختيارات النفسية، وقد سمع رسول الله (ص) بلالا يقرأ من مواضع متفرقة فقال: "ما هذا يا بلال؟ "، قال: يا رسول الله أنتقي طيبه، قال: "اقرأه متصلا فإن كلام ربنا كله طيب" (¬2) وقال (ص): "مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعلقة، إن تعاهدها وجدها، وإن تركها تفصمت واحدة واحدة حتى لا تبقى منها واحدة" (¬3) قد أخبرت عن بعضهم أنهم يقرأون القرآن بالنهار ويتجنبونه بالليل، وهو عكس السنة والكتاب، إذ أثنى الله تعالى على قرآن الفجر، وجاء في الخبر الحض على القيام به بالليل والعمل فيه بالنهار، ومن لم يقم به بالليل ويعمل به في النهار فقد ضيعه، وقيل في قوله تعالى: {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} (¬4) إنها في الرجل يحفظ القرآن ثم ينساه، وفي الخبر: "عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم # عند الله ممن (¬1) حفظ آية من كتاب الله ثم نسيها، أو قال: ضيعها" (¬2) الحديث، وهذا أمر قد وقع لجماعة، ممن خالط هؤلاء الناس لسبب نهيهم له عن التلاوة، ويرون ذلك كمالا وإنما هو نقص وضلال، وأغرب ما سمعته في ذلك عن أستاذهم، أن شيخه دخل عليه وهو يتلو، فقال: خل عنك يا فلان ما وصل الرجال إلا بالذكر، وهذه كلمة سوء تؤذن باحتقار كتاب الله، وأن الذكر أفضل منه، والأحاديث تدل على خلاف ذلك (¬3) أعاذنا الله من البلاء، ثم ما ذكره الإمام الغزالي وغيره في ذلك، من أن من كان حضوره بالذكر أتم فهو في حقه أفضل، معتبر بالأحوال والأشخاص بعد تسليم أن القرآن أفضل وأنفع، وأنه لا ينتقل عنه إلا للضعف عن حمل أنواره، أو لما ورد نصا في محله، وأنتم قد أتيتم بالأمر عموما، فلا يصح لكم ذلك، والله أعلم. وأما العلم فما عند الأكابر لا ينفع الأصاغر إلا بتعليمه، ولا تعليم إلا من حيث صورة ما أنتم عليه، بل كافة أصحابكم جهال بأحكام العبادات # وأنتم تنهونهم عن التعلم وطلب العلم، فيرحم الله من قال من المشايخ: ذهب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من التعليم، انتهى. وذكره في رسالة القشيري وهو شاهد الحال في حق من ذكرنا، فإن قالوا: "ما اتخذ الله وليا جاهلا، وإن اتخذه علمه" (¬1)، و"من عمل بما علم ورثه الله علم ما لا يعلم" (¬2) قلنا: أنتم لا تعلمونه ما يعمل به، وقولهم: إذا اتخذه علمه، يعني (الواجب طلبه) (¬3) والموهوب بمنته، وأصل الكل العلم، لقوله (ص): "إنما العلم بالتعلم" (¬4) فثم ما لا يوصل إليه إلا بالتعلم وهو الأصول، وثم ما لا يوصل إليه إلا بالمنة وهى الحقائق وما يتبعها، وبالله سبحانه التوفيق. ... 23 - فصل في اقتصارهم على كلمة الشهادة دون تمامها إلا تبعا، والأوقات المعينة لها عندهم وذكر ما في ذلك.

Sección V01/P088–V01/P091

أما هجرانهم لكل ذكر سوى الشهادة وتحجير الأمر في ذلك فهو مخالف لنفس الحق من حيث هجران ما هجروا، لا من حيث إيثار ما # أثاروا، لأن السنة قد وردت بأذكار في الغداة والعشي، فرفضوها باختيارهم الاقتصار على ما ذكر، وأثنى الله سبحانه على المتضرعين والمستغفرين بالأسحار فلم يعرجوا على ذلك، بل جعلوا الكل هذه الكلمة المباركة، وهي لا تصح في الأصل إلا بإضافة شهادة الرسول (ص) لها، فلا تجزئ في الفرع إلا مع العمل بسنته (ص) والصلاة عليه، لاشتراك الفرع والأصل في أصل العلة التي هي وجوب الإيمان به (ص)، مع تعزيره وتوقيره المقرونين بتسبيح الحق وتحميده، في قوله تعالى: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} فافهم، فالمقتصر على جهة واحدة ينظر بعين واحدة، هذا ما يتعلق بها من حيث الحكم. فأما من حيث الحكمة والخاصية المدركة بالذوق والملابسة، فالكلمة المباركة متصاعدة الأنوار، فهي لإحراق الخبيث من العبد، الكفر فما بعده، ولهذا كانت نافعة للعام والخاص من أهل البدايات والنهايات، لكن مع إضافة ما يميل بها إلى الاعتدال من شهادة الرسول (ص) واتباع ما جاء به، فأخذها مفردة كأخذ المتطبب الحبة السوداء للمداواة من كل داء، مجردة عن تدبيرها، فإن ذلك لا يصح عند كل ذي نظر سديد، مع القطع بما ورد في أنها شفاء من كل داء إلا السام (¬1)، لكن بعد تلطيف أو ترطيب أو تقوية أو تحليل أو تركيب، وطب القلوب محاذ لطب الأبدان في قياسه وعمله، وإن كان مخالفا له في قصده ومأخذه، وقد علم أن السكنجبير شراب الأطباء النافع لكل ذي علة في كل وقت وسن وحال، لكن الطبيب الحاذق يسقيه كل أحد على حسب ما يليق به، ويزيد فيه وينقص منه، بحسب ما يراه تقتضيه أصول العلم عنده. وهذه طريقة سادتنا من العجم في التسليك بهذه الكلمة، يأمرون بها كل أحد من المتوجهين ويراعون حاله، فيزيدون وينقصون له بحسب ما يرونه صالحا له، ويدخلون عليه من الأعمال ما يرونه لائقا به، فجاء هؤلاء المساكين وأخذوا بذلك في العموم، وجعلوه كسائر الرسوم، دون مراعاة أصل ولا فرع، فكان قبيحا منهم، أعني تعميم ما هو خاص في وجهه أو # حكمه، لا سيما والمقصود بذلك، أعني إفراد الذكر والوجه إنما هو المريد المشرف على الحقيقة، الذي قد تهيأ للفتح حتى تنصبغ حقيقته بما أشرف عليه، فهو المأمور عند القوم باعتزال كل شيء بعد الواجبات والسنن المؤكدة، سوى الذكر اللائق به في حاله، فهو حكم خاص لمخصوصين، لا لعوام المتوجهين، لأنهم إن كانوا في البداية احتاجوا لأشغال حقيقتهم بما ينفي ما دخلها من المختلفات الهوائية، وإن كانوا في النهاية، كان ذلك زيادة في أنوارهم وفتحهم على نسبته، وتعميم الحكم جهل، وإرساله لغير نهاية كذلك، لكن حقهم في التربية عدم الإشعار بالمقاصد المتوجه إليها، والأفراد دون الفوائد والغايات، ليكمل الاستعداد للأخذ، وتنجمع الهمة في التوجه والغايات، فلا يعترض عليهم ذلك. وقد قال ابن عطاء الله (ض): واعلموا أن الله تعالى أودع أنوار الملكوت في أنواع الطاعات، فأي من فاته من الطاعات صنف، أو أعوزه من الموافقات جنس، فقد من النور بقدر ذلك، فلا تهملوا شيئا من الطاعات، ولا تستغنوا عن الأوراد بالواردات، ولا ترضوا لأنفسكم بما رضي به المدعون، بجري الحقائق على ألسنتهم وخلو أنوارها من قلوبهم، فذلك حال الجاهلين الذين لم يفقهوا عن الله، ولا واجههم المدد من الله، انتهى. وفيه تنبيه على أن التقيد غير معتبر، وذكره في لطائف المنن وهو من أعجب شيء في الباب، والله الموفق للصواب. ... 24 - فصل في ذكر الأوقات المعدة عندهم للذكر. وهي ثلاثة: بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة المغرب، وعند السحر، وفي كل حركة مستأنفة أو معتادة غير ضيقة.

Sección V01/P091–V01/P094

قلت: فأما بعد صلاة الصبح فهو وقت لذلك شرعا، وحقه أن يتوزع بين تلاوة وذكر ودعاء وفكر، حسبما دلت عليه نصوص الشريعة، ونص عليه الأئمة كأبي طالب المكي والغزالي وغيرهما، فإقصاره على ما تقصرونه عليه تعد على الشارع، إلا أن يكون في حق مريد خاص، مداواة لعلة قلبه عند إشرافه حتى تتمكن الحقيقة من نفسه فلا بأس به لضرورة التداوي، فإن الضرورات لها أحكام تخصها لا يصح أن تتعدى إلى غيرها في كل فن وباب، والله أعلم. ثم ما تريدونه في ذلك من حزب السلام وقراءة الواحد وسماع الجميع مخالف أيضا، إلا أن تدعوا أنه من باب التذكير، لأن السماع المجرد أدعى للتأثير، ولكن ليس بعلم حتى يكون لكم في سماعه وإسماعه مستند، وإنما هو ذكر والذكر مطلوب من كل أحد، وهذا إن سلم مما فيه من التعريض بالمنكرين، والله أعلم. نعم وكون الذكر بالجمع والجهر على وزن معلوم عندكم لا يليق، لما فيه من الخلاف والدخول في الشبهة لغير ضرورة شرعية، فإن قلتم: من باب التعاون والوعظ، قلنا: قد يسوغ، ولكن الاسترسال في العجلة آخر المجلس والبلوغ في الأمر إلى حد تحتل معه حروف الكلمة في الذكر أو يختل نظمها لا يفيد شيئا من ذلك، بل يبعد عنه، بل قال بعض العلماء: إن التسكين في هاء (إله) تؤذن بانقطاع الاستثناء وهو كفر بالصورة، وإن لم يكن بالحقيقة والعياذ بالله، فأما ما بعد المغرب فالمطلوب إحياؤه بالصلاة (¬1) ولكن الذكر فيه غير ضار لعدم تبديل ما جاء في الشريعة أو شيء منها فيه، لأن هذا الوقت لم يخصصه الشارع # بأذكار ولا غيرها، إذ ذكر العشي إنما الوارد فيه بعد العصر مطلقا، أو المغرب (¬1) بأذكار خاصة معلوم ورودها عند أئمة الإسلام، ففي الخبر يقول الله تعالى: "ابن آدم اذكرني ساعة بعد الصبح وساعة بعد العصر أكفك ما بينهما" (¬2) إلى غير ذلك. وقد أهملوا ذكر ما بعد العصر أظنه لوجود الشغل لأنهم أبدلوه بما بعد المغرب، فيكون مخالفة للوارد والله أعلم، فأما آخر الليل فسنته التضرع والابتهال ووجود الدعاء والاستغفار، فهو وقت المناجاة كما أشارت إليه آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة، في قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن الضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} (¬3) وقوله تعالى: {والمستغفرين بالأسحار} (¬4) {وبالأسحار هم يستغفرون} (¬5) إلى غير ذلك، وقال (ص): "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا، هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له هل من تائب فأتوب عليه" (¬6) الحديث. وقال إبراهيم الخواص (¬1) (ض): دواء القلب ثلاثة (¬2)،: خلاء البطن، وتلاوة القرآن بالتدبر، والتضرع عند السحر وقيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع، قال: "أدبار المكتوبة، وجوف الليل الآخر" (¬3) لكن قد يقال: عملنا بقوله (ص): "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (¬4) وهي شبهة قائمة ولكن نصوص الشريعة ومقاصد الشارع معتبرة في العموم، ويرجع بغيرها إلى خواص الأشخاص والأوقات. فأما التعرض بها للأغراض والحوائج والتجاهي بها والتمييز بذكرها، فمن حيث صورته لا يليق، ومن حيث حقيقته معتبر بالنية ولكل شيء وجه، ولكن السنة خير كلها والسلف خير منا وأحرص على الخير، وقد كانوا (عمال) (¬5) أنفسهم (¬6) ولم يكن عندهم شيء من ذلك مع احتياج الوقت لله، من جهة مناصات الكفار، والتبكيت عليهم، وإشاعة أمر الدين، ولكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، وهم # القادة، وأئمة الهدى، ويرحم الله مالكا كان يقول في مجالسه كثيرا: وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع أعاذنا الله من كل فتنة وشر، بمنه وكرمه. ... 25 - فصل فيما أفادهم هذا الأمر من الفوائد المعتبرة، وهي خمس في الجملة :

Sección V01/P094–V01/P097

أولها: اتساع الدنيا من طريق الأسباب والعوائد، وذلك محل كل تكلف وفتنة، إلا القليل من الناس، ولذلك كان السلف إذا أقبلت الدنيا قالوا: ذنب عجلت عقوبته، وإذا أقبل الفقر قالوا: مرحبا بشعار الصالحين، فهو (¬1) لا يعده فتحا إلا من عظمت الدنيا في عينه، ولا يراه منة من حيث هو، إلا من لا يعرف قدر الدنيا في فتنتها وإضرارها، فافهم. الثانية: كثرة الأتباع والخدام، وهو فرع ما قبله، ونتيجة (تمسك) (¬2) بما هو محبوب كل مؤمن (أعني الكلمة المباركة، مع وجود) (¬3) محبوب الطباع الذي هو الاتساع في الدنيا، وذلك كله خير لو سلم مما اقترن به، أو بدت نتائجه على وجود المتلبس به، ولكن الكثرة قل أن يكون معها إنتاج، وإلى ذلك أشار الشاعر حيث قال: بغات الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات (¬1) نزور وقد قال بعض المشايخ رحمهم الله: وليس مرادا أن يكثر في هذه الطريقة الزحام، إنما المراد أن يكون واحد من الأنام، لأنها سلطنة، والملك لا يكون إلا واحد انتهى، وأدلته واسعة فلا نطول بها. الثالثة: النصرة على الأعداء، بحيث يحصل الأمر منهم (¬2) بعدم التشفي ونيل الغرض وضده، وهذا من خاصية الكلمة المباركة، فقد ورد أن الله تعالى يقول: "لا إله إلا الله حصني، فمن دخله أمن من عذابي" (¬3)، وهي موضوعة لذلك في الأصل والفرع، لحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (¬4) الحديث، وما تضمنه من حقن الدماء والأموال والأعراض إلى غير ذلك، فهم في بركة أمنها كسائر المسلمين بزيادة فائدة لوجود الملازمة، وإن فاتهم نور الافتداء والمتابعة، فافهم. الرابعة: التصرف في أبشار الناس وأموالهم مع وجود الرضى منهم (¬1) دون توقف، أعني أصحابهم ومن يعتقدهم، وهذا أمر مباح أفاده التعظيم والاعتقاد، والأنس والمودة، ولكنه محل الغلط في التصرف على وجه لا يسوغ شرعا، وإن ساغ فلا يؤمن اختلال شرطه مع التكرار، وربما يحصل له بذلك ضرر، فلا يصح كونه فائدة، ولا زيادة إلا بالصورة، والله أعلم. الخامسة: وجود التعزز ونفوذ الكلمة، بطريق العادة، بل على سبيل الصولة وكمال رفع الهمة، إذ لا تجد أحدا منهم يتعرض للسلطان ولا غيره لينال من دنياه، ولكن مشغولا بسبب، أو مكتف بما عنده من أسباب الدنيا، وهذه كلها مصيبات وابتلاءات لا كرامات، فقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (¬2) (ض): إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان وشهود العيان، وكرامة الاقتداء والمتابعة وترك الدعوى والمخادعة، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مفتر كذاب، وذو خطأ في العلم والعمل بالصواب، كمن أكرم بشهود الملك على نعت ارضى، فجعل يشتاق إلى سياسة الدواب، وخلع المرضى، قال: وكل كرامة لا يصحبها الرضى عن الله، فصاحبها مستدرج مغرور، أو ناقص أو هالك مثبور، انتهى. والكلام في هذا يطول ويخرج عن الغرض، وكل فائدة كان مظهرها عالم الملك فلا عبرة بها، إذ الكائن في الكون لم تفتح له ميادين الغيوب، مسجون بمحيطاته، ومحصور في هيكل ذاته كما قال في (الحكم) وللعاقل إشارة، وبالله التوفيق. ... 26 - فصل فيما أفادهم مخالفة الجماعة من الأمور المضرة : أولها: العلاسة، ولا تكاد تجد منهم رجلا منورا بنور الطبع كسائر العوام، ولا بنور القلب كجملة الخواص، بل غالب وجوههم عليها نور مكسوف يدركه كل من له أدنى فطنة، فيميزهم به من غيرهم وإن كان لا يعرفهم، وذلك من اختلاط الحق بالباطل في فعلهم، فإن كل حقيقة لها نور على نسبتها، فافهم. الثاني: عدم التأثر والتأثير بأذكارهم وعباداتهم، حتى لا يخشع لها قلب ولا يهتاج لها لب، ولا يوجد لها ذوق غير لذة الاعتياد والامتياز، ولذلك لا ترى منهم صاحب وجد ولا حال، ولا من يفهم ذلك من حيث التحقق والذوق، يعرف ذلك من تأمله فيهم. الثالث: وجود القساوة والجفاء والغلظة والتعصب، حتى أداهم ذلك لإباحة عرض من خالفهم ورؤية إضرارهم حسب إمكانهم، وذلك أحد الوجوه الناشئة عن شؤم البدعة، وحب الرئاسة والصولة على الخلق.

Sección V01/P097–V01/P100

الرابع: وجوه الحرص على الاستتباع حتى انجر بهم إلى أن صاروا يبعثون أصحابهم في البلاد، فيدعون الناس لاتباعهم ويراودونهم بإعطاء الدراهم وقهرهم بما أمكن، حتى صرعوا رجلا وجعلوا أيديهم في يده، وقالوا: أخذت علينا، حدثني بذلك العامل والمعمول به ذلك، وهذه مصيبة في الدين، وفضيحة في الآخرة، وضحكة في الدنيا عند كل ذي عقل سليم، أعاذنا الله مما ابتلاهم به. الخامس: استحسان أحوالهم، والرضى عن نفوسهم، ورؤية الفضل لها على من سواهم، والاكتفاء بأحوالهم وعلومهم ومشايخهم، وهذه من أصول الجهل، وقواعد الضلال، فقد قال المشايخ (ض): لا يكون العاقل عاقلا حتى يفتقر بعقله إلى كل عقل، ولا يكون عالما حتى يفتقر بعلمه لكل علم، ولا يكون مريدا حنى لا تبقى له إرادة، وقال في الحكم: أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضى عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضى منك # عنها، ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه، خير لك من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه، فأي علم لعالم يرض عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه، وقال المشايخ (ض)؛ فقد حلاوة العمل من فقد إخلاصه أو فقد السنة فيه، وكل حلاوة لا تثمر أدبا فهي آيلة لوجود الاغترار ولا حقيقة لها في نفسها، فاعرف ما أشرنا إليه وتأمله تجد ما قلناه عيانا، وبالله التوفيق. 27 - فصل في رد تعصبهم لطريقتهم واعتقادهم أن كل طريق سواه باطل أو ناقص، وهذا لا يخلو اعتبارهم له من وجوه. أحدها: أن يكون عندهم نص في ذلك من الشارع، استندوا إليه، لا تصح لهم مخالفته ولا رده، وهذا باطل لفقدان ذلك، بل لفقدان صورة طريقهم في الأصل، وإن كان لبعضها مستندات تؤذن بالإباحة فلا تؤذن بالأفضلية بحال، والله أعلم. الثاني: أن يكون ذلك قد أخذوه عن ظاهر واستنباط كسائر الأحكام، وهذا شيء لم ندركه فعليهم بيانه ببرهانه، وإلا فالدعاوى المجردة لا تقبل، وقولهم: هذا طريق التسليم مع ادعاء أفضليته لا يصح، لظهورهم بأمور تحتاج لنصوص الشارع ونحوها، فافهم. الثالث: أن يكون معتمدهم في ذلك، اعتبار ما احتوى عليه من مقاصد وأفعال وعلوم وأحوال، وأنها ليست إلا أفضل ما علم، وقد علم عند التفصيل ما ترخصوا فيه أو شددوا، وليس بأفضل إجماعا أو قريبا من الإجماع. الرابع: أن يكون معتمدهم في ذلك ما يجدونه من فتحهم ونورهم على زعمهم، وهذا لا يعم إدراكه (¬1) فلا يكون حجة، والأذواق لا تنحصر، وادعاء الأفضلية ها باطل، لا سيما وقد تكون معلولة، فلا يصح أن تكون دليلا. الخامس: تقليد مشايخهم من غير دليل واضح، ولا برهان لائح، ولا علامة فيهم، إلا ما يرونه من اتبع الدنيا، وكثرة الاتباع، وصورة ما هم عليه مما هو مخالفا لفوائد الخلق، وهذا من باب معرفة الحق بالرجال، ومن عرف الحق بالرجال أصبح في غاية الضلال، اعرف الحق تعرف أهله، وأهل الحق هم الذين أنصفوا الخلق في مراتبهم، وجعلوا الأفضلية حيث جعلها الله تعالى من كمال التقى، إذ قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (¬1) وقال جل وعلا: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى} (¬2) وقال (ص): "التقوى هاهنا"، وأشار إلى صدره (¬3)، وقال (ص) في أبي بكر: "لم يفتكم بكثرة صلاة ولا صيام، إنما فاتكم بشيء وقر في صدره" (¬4) فحقائق ما يقع به التفضيل مغيبة عنا إلا من حيث الدلالة، وهي غير قطعية، فلا وجه للقطع، وإنما هو الظن، وجملة الطرق غير منحصرة حتى يتميز الأفضل والفاضل، ومن ادعى ذلك فهو شغول بباطل، هذا مع أنا لا نمنع الأرجحية في النفس، لأنها التي توجب الإيثار، وعليها مبنى الاقتداء والاتباع، إذ لا سبيل في ذلك سواه، فافهم، ونستعظم ما يذكر عنهم من بعض من طعن عليهم، وسبه واستباحة عرضه وماله، وربما انتهى بعضهم لاستباحة دمه، وهو يكاد أن يكون كفرا، نسأل الله العافية بمنه وكرمه. ... 28 - فصل في هجرانهم ما ورد عن الشارع من الأذكار واستبدالها بغيرها في محلها. فمن ذلك التسبيح بالغداة والعشي قد ورد التحضيض عليه بص القرآن والسنة المطهرة.

Sección V01/P100–V01/P104

وصحت أذكار مثل قول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة (¬1) وقول: سبحان الله وبحمده مائة" (¬2) المتفق عليهما الاثنين بصيغة من قال كذا ونحو ذلك، ومن ذلك تبديل الأذكار التي بعد الصلاة من التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين، والختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك إلخ (¬3)، وغيره من الأذكار الواردة شرعا والأدعية المنصوصة عن الشارع حقا، فبدلوا كل ذلك بأذكار عندهم استنبطوها، لم يرد منها شيء في نصوص الشريعة إلا آية الكرسي (¬4) ونحوها في ما أظن، فكان ذلك منهم ابتداعا صريحا بالاستبدال المذكور لا بغيره، # لأن الترك في ذلك من باب إهمال الأولى لا عتب على أحد فيه، لكن لما استبدلوه صار بدعة، من حيث إثبات ما أثبتوه في محل أثبت الشارع فيه خلافه. فإن قالوا: لم نستبدله إلا بما هو أعظم خاصية منه، وأكبر أثرا في نظر الشارع، وهو كلمة الشهادة، التي قال فيها (ص): "أفضل ما قلته أنا والنبيؤون من قبلي لا إله إلا الله" (¬1)، وما ورد فيها من غير ذلك. قلنا: قد نص العلماء على أن الذكر المقيد (¬2)، أفضل من المطلق لقصد الشارع (ص) بالتخصيص الخاص، فافهم. وسئل النووي وغيره عما بعد صلاة الصبح هل الذكر أفضل فيه أو التلاوة؟ فقال: قراءة القرآن أفضل في عموم الأوقات، والسنة لم ترد في هذا الوقت إلا بالذكر فهو أفضل في وقته، وسئل مالك عن صلاة النفل وحضور مجلس العلم، فقال مرة: مجلس المسلم أفضل، وقال مرة: الصلاة أفضل (¬3) وفي بعض رواياته: ما له يصلي، لقد كانت صلاة القوم بالهاجرة والليل، فقال الشيوخ: مقتضى كلامه أن كل شيء في محله أفضل وهو الذي نص # عليه سحنون (¬1) رضي الله عنه، وذكره في البيان (¬2)، فانظره، وقد جعل الحق سبحانه ما بعد صلاة الصبح للتحصيل، وما بعد صلاة العصر للتفصيل، ووقت السحر للمناجات، كما ورد في الأخبار (¬3)، ويذكر بعد إن شاء الله تعالى، فلا ينبغي أن يتعدى بشيء محله، فإن لكل شيء وجه، وبالله التوفيق. ... 29 - فصل في تقييدهم في الدعاء بنوع خاص غير ثابت من الشارع وإن كان واضح المعنى صحيح المبنى ، فقد نهى رسول الله (ص) عن الاعتداء في الدعا (¬4)، ومنه هجران ما جاء عنه، والتقيد بخلافه. وقد كره مالك رحمه الله الاقتصار على دعاء خاص في الصلاة وغيرها، وسئل عن قول القائل: يا الله يا رحمان، فقال: يا رحمن اللهم، قيل له: فلعلك تريد دعاء الأنبياء ربنا ربنا (¬5) قال: نعم، وسمع عبد الله بن مغفل الصحابي (ض) ولده يقول: اللهم إني أسألك الجنة وحورها وقصورها # وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فنهاه وقال: إنه من الاعتداء في الدعاء، ولكن اسأل الله الجنة واستعذ به من النار، فإذا أعطاك الجنة أعطاك ما فيها، وإذا أعاذك من النار أعاذك مما فيها انتهى، بمعناه خرجه أبو داود وغيره. وأفضل الدعاء ما كان عن حضور واضطرار، ولا حضور مع تكلف، ولا اضطرار مع تقيد، ونهى أيضا (ص) عن السجع في الدعاء (¬1) للتكلف، ولم يرد عن أحد من السلف التقيد في الدعاء، نعم الإيثار لدعاء واحد والإكثار منه بحسب الحاجة لا يقدح، ودعاء المرء بما يفتح له أو يفتح لغيره، جائز شرعا، إن صح مبناه واتضح معناه، وبالله التوفيق. ... 30 - فصل في تقييدهم القراءة في الصلاة بحيث لا يقرأ في الركعة الأولى من كل صلاة بعد الفاتحة إلا بسورة مخصوصة، (كالشمس وضحاها) في الصبح، و (إذا زلزلت) في صلاة الظهر، و (لإيلاف قريش) في العصر، و (إنا أنزلناه) في صلاة العشاء، إلى غير ذلك مع اقتصارهم على سورة الإخلاص في الثانية أبدا، وهذه بدعة صريحة لأن السنة جاءت بالإطلاق، ولم يرد عن أحد من السلف التقييد بذلك ولا غيره، وإن ورد عنه الإكثار فإحداث التقييد المذكور، والتعلق به قبيح من وجوه ثلاثة.

Sección V01/P104–V01/P107

أحدها: الافتيات على الشارع صلوات الله عليه في تقييد ما أطلقه، وعمل به مطلقا مدة حياته هو وجملة الخلفاء الراشدين، وأئمة المسلمين بعده، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها. الثاني: ما فيه من فوت مقصود التلاوة في الصلاة الذي هو التفهم على حسب الوارد (¬1) ومعرفة حقيقة ما انطوى عليه القلب من المعارف، فإن الفاتحة جامعة وفتوحها متنوع أبدأ لجمعها، وأنواع السور مذكرة وتابعة لذلك عند أرباب القلوب، والتقيد يمنع من ذلك. الثالث: مما في ذلك من الإخلال بسنة التطويل في محله والاقتصار في موضعه، إذ السنة في الظهر والصبح طوال المفصل، وأنتم هجرتموه، وفي العشاء أواسطه، وأنتم تركتموه، وفي الثانية من الركعات على نسبة الأولى وإن كانت أقصر، وهذا شيء بدلتموه بما تقرؤونه من سورة الإخلاص، تم تعلقكم بحديث الرجل الذي كان يقرأ بها في كل صلاة (¬2) لا يدعها، لا يصح، لأن الحامل له على ذلك إنما هو حبها، فهو صاحب حال فيها، يسلم له ولا يقتدى به، ولو كان للاقتداء به محل لكان السلف أولى به، ولم يرد عن أحد منهم التزامه، نم حاله بخلاف حالكم من خمسة أوجه: أحدها: أنه لم يخص بها ركعة من الركعات، بل يقرأها في صلاته فقط، وأنتم تقيدونها بالثانية أبدا. الثاني: أنه كان يضيفها إلى غيرها فيأتي بسنة الصلاة من تطويل أو تقصير ثم يزيدها كما ورد في رواية من الحديث (¬1)، وأنتم لا تضيفون لها شيئا بل تقرؤونها مجردة. الثالث: أنه لم يتعرض بها لإشاعة ولا أمر بها أحدا، بل أخذ بها في نفسه، وقد يسمح للشخص في نفسه بما لا يسمح له به في العموم، وشواهد ذلك من الشريعة كثيرة، وهذا خلاف ما أنتم عليه. الرابع: أنه استند في فعله لغلبة الحال، فقال لرسول الله (ص) لما سأله في ذلك: إنها صفة الرحمان وإني أحبها، فقال: "حبك إياها أدخلك الجنة"، فأحاله على الحال، لا على الفعل في الثواب، فافهم. الخامس: أن القوم لما عزلوه عاد إلى الإنصاف، وما عزلوه إلا لأن ذلك عندهم لا يسوغ، حتى إذا تبين عذره وأقره الشارع على ذلك سلموا له، وإلا فهم منكرون لفعله من حيث هو، لكونه لم يوافق ما عليه جمهور الإسلام في ذلك، ولولا عذر الشارع (ص) له ما سلموا له حاله، والله أعلم. ... 31 - فصل في ذكر شبههم فيما آثروه وهجروه مما تقدم ذكره. أما تقيدهم في قراءة الصلاة، فسمعت من بعضهم ما يدل على أنهم قصدوا به مناسبة أعداد الصلاة، وحركات الفلك، فأتوا لكل وقت بما # يناسبه، وجعلوا الركعة الأولى فرقا، والثانية جمعا (¬1)، وهو شيء يشبه الفلسفة، فدخوله في الشرعيات لا عبرة به، واعتبار ذلك من حيث الخاصية (¬2) أيضا خارج عن الحق، هذه سورة البروج قد نص المشايخ على أن مداومتها في صلاة العصر تنفع من الدماميل، وهي مجربة، ولكن العبادة لا ينبغي أن تدخل بالعادة، فأبدلناها بعد الصلاة فانتفعنا بها، واحترام الشريعة لا يأتي إلا بخير، فإن قيل: فالرسول (ص) قد كان يصلي صبح يوم الجمعة بالسجدة وهل أتى (¬3) وصلاة الجمعة بالجمعة والغاشية (¬4) والعيد بسبح والشمس وضحاها (¬5) والخسوف بالأول الأربع الطوال (¬6) والفجر بالكافرون والإخلاص (¬7)، والوتر بالإخلاص والمعوذتين (¬8) ومغرب ليلة الجمعة بالكافرون والإخلاص (¬9) إلى غير ذلك وهذه كلها تقيدات.

Sección V01/P107–V01/P109

قلنا: الشارع لا يعترض عليه في نظره، ولا يتعدى ما أتى به فحيث أطلق تعين الإطلاق، وحيث قيد تعين التقييد، {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (¬1) وقال (ص): "ما تركته لكم فهو عفو} (¬2) وهذا ليس من المتروك، بل حمله مالك على الإيثار والإكثار، لا على التقييد، أعني ما وقع في صبح الجمعة ومغربها (¬3)، ولولا ذلك لم يكرهه، ولا يصح التحديد إلا منه، فارتكابه افتيات عليه، هذا مع ما أضيف لما ذكر من أمور أخر تقتضي وجود النكير، وقد نص العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن يتعبد بمثل صلاة العيد، ولا الخسوف ونحوه، وذكره ابن الحاج في آخر مدخله، هذا مع أنه أثبته الشارع، لكن في محل خاص، فوجب أن لا يتعدى لغيره، والله أعلم. وأما شبههم في التقييد بالدعاء ونحوه من الأذكار، فعمدتهم في ذلك ترك المألوفات وطلب التأثير بوجود المستغربات، وذلك توهم باطل من وجوه ثلاثة: أحدها: أن العادة جارية بإلف المستغرب عند تكراره، حتى يصير في معد المألوفات، فلا يبقى له أثر غير استشعار الاختصاص، وهو مضر بصاحبه، إذ يثير له رؤية نفسه، فافهم. الثاني: أن التأثير الحقيقي هو الذي ينتج حالا أو عملا على وفق الحق والبصيرة وقد عرف أن الاصطلاح في العبادة لا يثير شيئا من ذلك، وهو مشاهد عند من له أدنى فهم. الثالث: أن وازع الحقيقة لا يتوقف على نمط واحد، فالتقييد بالكيفيات حرمان من وجوه المعارف وإن أثار لذة نفسانية، فلا يؤثر حقيقة إيمانية، ولا نكتة عرفانية، وبالله سبحانه التوفيق. ... 32 - فصل فيما يذكر عنهم من ترك قضاء الفوائت، وتفويت الصلاة إذا كان أحدهم في شغل الفقراء حتى يقضيه، وإن فات الوقت، وهما مصيبتان عظيمتان. أما الفوائت، فأول الواجبات بعد التوبة عند القوم قضاؤها إجماعا منهم، وإن كان بعض الفقهاء قد قال بسقوطها بناء على تكفير تارك الصلاة، وهو يقول مع ذلك بانفساخ نكاحه، وتجديد سائر عقوده الإسلامية، وهو مذهب بعيد، لا يصح الأخذ به في هذه البلاد، لعدم تحقيقه من علمائه، وإن كان حقا في نفسه فليس معولا عليه، ولا معمولا به عند القوم، فالعمل به تلاعب بالدين، ورجوع إلى الرخص بغير ضرورة ملجأة، وليس ذلك من شأن القوم، ثم النوافل لا تسد مسد الفرض، وقد أنكر مالك على من يرى ذلك، وقال: ليس ذلك من السنة في شيء، وإن كان قد روى عنه قول بالسقوط، فقد أنكره عياض (¬1) وغيره من شيوخ المذهب، وشأن الفقير الصادق إنما هو الأخذ بالأوثق، وحمل النفس على الأشق، إلا في محل ضرورة أو أمر لا بد فيه من الترخص، لندب من الشارع ونحوه ألحقه (¬2) نفلا، بل قال المشايخ: متى بقيت على المريد بقية من الحقوق الواجبة على توبته كان ذلك نقصا في حاله عند فتحه، وهو مشاهد معلوم.

Sección V01/P109–V01/P111

وأما تفويت الصلاة لخدمة الإخوان فحرام إجماعا، ولا بارك الله في شغل أشغل عن الصلاة، لأنها عماد الدين، وأصل كل خير وتمكين، ولقد اختلف العلماء في تعارض الوقوف بعرفة وصلاة العشاء أيهما يقدم، لقوة الواجبين وفواتهما، فما ظنك بغير ذلك مما هو من حيز المندوب المخير، إن صح كونه مندوبا، فاعرف ذلك، وهذا أبو حفص الحداد (¬1) أحد الرجال الأكابر (ض)، كان إذا سمع النداء، وقد رفع المطرقة، ألقاها من خلفه خشية أن يعمل شيئا قبل إجابة داعي الحق، وكتب عمر (ض) إلى بعض عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع (¬2) وقال بعض السلف في قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} (¬3) يعني أخروها عن وقتها، إذ لو تركوها لكان كفرا، وقال الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله: إن أردت الأولياء فاطلبهم في الخلوات وذكر مواضع، ثم قال: وإن أردت أن تكون منهم فلا يدخل عليك الوقت إلا وأنت في المسجد، فأما إن فاتتك تكبيرة الإحرام أو ركعة فأنت من العامة المطعون في إيمانهم، يعني بالنقص، ولا حديث عليك، وبالجملة فهذه مسألة بينة الغي ظاهرة الباطل، فلا يعمل بها إلا جاهل، ولا يقر عليها إلا مضل، ولا يأمر بها إلا من لا خير فيه، والسلام. ... 33 - فصل في استئذانهم في الواجبات والضروريات الدينية والدنيوية والإلزام بذلك. وهو شيء بنوه على أن المريد يتعين عليه أن لا يتنفس نفسا إن أمكنه إلا بإذن أستاذه، ليكون أجمع لقلبه وأقرب لتأدبه، وأثبت في خروجه عن نفسه، وأنفى لعلله، وذلك لا يجري في الواجبات ولا في الضروريات، لأن الشيخ معزول عن النظر فيها بوجوبها، والمريد ممنوع عن الاختيار فيها بلزومها له على كل حال، فاستئذانه جهل، واشتراطه ضلال، لوجوه ثلاثة: أحدها: أنه مخالف للسنة في التضييق، وما كان الصحابة يستشيرونه (ص) إلا في الأمور المهمة المتجددة الوقوع، لا اللازمة بكل حال، مع أن بعضهم كان لا يفارقه بحال، ومع ذلك لم يثبت عنهم شيء من ذلك، بل ثبت عنهم خلافه، كحديث جابر (ض) في التزويج (¬1) وعبد الرحمن بن عوف إذ رأى عليه أثر صفرة، إلى غير ذلك، وهم كانوا أعظم الناس احتراما له (ص)، وأقواهم أدبا في حقه (ص)، وهو أحق من يتأدب معه، فإن قالوا: الآداب أمور عاديات، والعاديات جارية بحسب عرف كل قوم، وهذه آداب الأعجام، فلا تنكر عليهم، لأنه (ص) لم ينه قوما عن زيهم (¬2) قلنا: إن صح كونها عادية دخلها الابتداع من حيث إضافتها للدين، باشتراكها في أصل الديانة، مع ما يجرى من الخلاف في العاديات، هل يدخلها الابتداع أم لا، وقد مر أنه لا ينبغي أن يختلف فيما رسم من ذلك برسم الديانة، والله أعلم. فأما استنادهم إلى قوله تعالى: {وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} (¬1) الآية، فلا يصح لوقوعه على خاص في أمر خاص، ففي الآية تصريح أنه في الذهاب، وهو مباح، وذلك لعلة الذين يتسللون لواذا من المنافقين، حتى لا يتوصل أحدهم لمراده من المخالفة في الأمور الجمهورية، والتوصل للتخبيب، وإدخال الضرر في الحال، ولأنه مقام تجاذب الآراء، وتنازع النفوس الخبيثة، فقد يقوم أحدهم بحظه لما يسمع، أو يكون ممن يدخل الخبال في المسلمين، أو يستظهر بمخالفة الكلمة، وأيضا فالاحترام عند الحضور يقضي بالإعلام (¬2) ولئلا تعرض حاجة أو تكون في النفس، ولا محل لها، فيقتضي وجود القيام والحصر والتشويش على القاعد، كحال التناجي، وما يجري منه، إلى غير ذلك، فهو خاص في خاص لخاص، لا يصح أن يكون دليلا في مطلق الاستئذان، والله أعلم.

Sección V01/P111–V01/P114

الثاني: أن الاستئذان في الواجب إما أن يكون مع العزم على الموافقة، سواء أمر به أو نهي عنه، فيكون معصية في الأصل تضارع الكفر إذا استباحوا ترك واجب لأمر مخلوق، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإن كان من كان، فإن قالوا: إنا نريد بذلك رضى الله، قلنا: لا يتقرب إلى الله بما لا يرضاه، وإن كان فيه وجه، {وإن تشكروا يرضه لكم} (¬3) فافهم، واعتصم بالله، وتمسك بالاتباع، ثم يكفي ردا عليهم في ذلك حديث الأمير الذي أجج النار وأمر الناس بدخولها، وجعل بعضهم يمسك بعضا، وبلغ ذلك رسول الله (ص) فقال: "والذي نفسي بيده لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (¬4). وإما أن يكون مع العزم على مخالفته أن لو ألف، فيكون الاستئذان مقرونا بالكذب، إذ ظاهره الموافقة بكل حال، وباطنه المخالفة في حال ما، فهم دائرون في هذه القضية بين الكذب والعصيان، وهما محرمان إجماعا. الثالث: أن هذا الأمر يتضمن تضييع واجب أو مندوب محقق، كإخراج الصلاة عن وقتها المختار، أو تضييقه، أو تفويت أوله، أو فضل الجماعة، وكلها شر، (وكذلك في الضروريات من الأكل والشرب والجماع، إذا قد يكون مضطرا فلا يؤذن له فيهلك، أو يضر غيره بتأخيره عن معتاده، ثم في الاستئذان في الجماع ثلاث فضائح: أولها: وجود التفحش لغير ضرورة شرعية. الثاني: إفشاء سر المرأة، وتحريك الأمر على الغير ممن لا شيء له من ذلك، فهو ضرر كله، دنيا ودينا، وقد نهى رسول الله (ص) عن التفحش (¬1) وأخبر (ص) أن: "إفشاء سر المرأة من أعظم الذنوب"، كما رواه أهل الصحيح (¬2) فانظره. الثالث: أنه بين أحد أمرين عند النهي عن ذك، إما أن ينتهي على حصر في نفسه، وضرر بزوجته، فيكون عاصيا، أو تغلبه شهوته فيكون خائنا، والكل من شؤم البدعة، نسأل الله العافية. فإن قالوا: هذا شيء لا نفعله ولا يصح ادعاؤه علينا، قلنا: إنما ننكر الشيء حيث يوجد، ونحن لم نعين أحدا في الأمر، وأيضا فقد سألت بعض من هو متعلق بهذه الطائفة فأخبرني بذلك أنه واقع، وأنهم يستأذنون في ذلك بلفظ (الفقراء يمشون في ضروراتهم)، ولكن قد يختلف حال مشيختهم في ذلك كغيره، فيكون منهم من يرى ذلك وهو كما ذكرناه، ومنهم من لا يراه، وهو أقرب للحق، وأبعد من الباطل، والله أعلم. ... 34 - فصل في استئذانهم على من أتوه بالتسبيح. بحيث أن أحدهم يقف بالباب، ثم يقول: سبحان الله مرات، فإن أذن له وإلا رجع، وهذه بدعة صريحة، إذ قد أماتت سنة ثابتة عن رسول الله (ص)، هي قوله في الاستئذان: "سلام عليكم أأدخل؟ ثلاثا" (¬1) فإن أذن له وإلا رجع، ويتمهل في ذلك بينها، فأبدلوا ذلك بالتسبيح، مع اعتقادهم أن ذلك أفضل، لكونه ذكرا، ولا أفضل من العمل بالسنة، ثم لا تأتي البدعة إلا بشر، ومنه الإخلال بحرمة التسبيح عند وجود المقابلة بالنقيض، وسبب ذلك من استعماله في غير محله، فقد وقع لبعض الناس منهم أنه استأذن على صاحب لهم بذلك، فقالت امرأته في جوابها: مشى يطول الحمارة، فانظر هذا الجواب ما أشنعه في مقابلة أرفع الأمور وهو # التسبيح، مع مخالفة السنة الثابتة، أعاذنا الله من البلاء بمنه وكرمه، وقد سمعت بعضهم يقول: إن الاستئذان بالتسبيح ذكر الزمخشري (¬1) فيه حديثا، وهذه نتيجة الجهل من وجوه: أحدها: معارضة أمر ثابت مستفيض، بحديث باطل إن صح نقله، لكونه غير معروف في كتب الإسلام الحديثية والفقهية. الثاني: استنادهم لمعتزلي في الأصول، زيدي في الفروع، غير إمام في الحديث، في مسألة فيها حكم ثابت مسلم متداول، فهو إعانة على أنفسهم. الثالث: اغترارهم باعتبار الأئمة بكتابه، وذلك من عدم علمهم بالوجه الذي اعتبروه منه، وهو قيامه على علوم البلاغة والتصرف بها على أحسن الوجوه، وقد أقر هو بعدم قيامه على غير ذلك في مقاماته. وعابه عليهم آخرون ورأوه فضيحة في الدين من ثلاثة أوجه:

Sección V01/P114–V01/P117

أحدها: أنه اطراح لسني بمعتزلي بأخذ كتابه، وترك كتاب السني، كابن عطية (¬2) والواقدي (¬3)، ونحوهما، وتلك مصيبة عظيمة، والعياذ بالله. الثاني: أنه ثناء على معتزلي وإكرام له، وقد قال (ص): "لا تقولوا للمنافق سيدا فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم الله تعالى" (¬4) كذا ذكره ابن أبي جمرة في هذا المحل. الثالث: أنه يصير شواشا (¬1) لمعتزلي، وربما وقع في بعض مهاويه ينظر كتابه، أو وقع غيره بسببه، انظر ابن أبي جمرة في حديث البيعة أول الكتاب. فإن قالوا: الاستئذان أمر عادي، فلا يدخله الابتداع على المعول عند الأئمة المحققين، كالمآكل والمشارب والملابس ونحوها، والتسبيح عبادة جعلناها في محل العادة، فكانت أولى، لا سيما وقد ورد توقيع ذلك في التعجب والإنكار، ونحوهما، كقوله تعالى: {سبحانك هذا بهتان عظيم} (¬2) وقوله (ص): "ماذا أنزل الليلة من الفتن" (¬3) وقوله (ص): "سبحان الله أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" (¬4) وحديث: "من نابه شيء في صلاته فليبسح" (¬5) فجعل التسبيح علما للتنبيه على السهو، قلنا: لو لم يفهم من فعلكم هذا أنه من صلب الدين، ولم يثبت في محله سنة ماضية، ولم يكن بالاشتراط والمشارطة، وعلى مفارقة ما ورد في الأحاديث لكان له وجه، والمواضع التي وقع فيها إنما هو التنبيه على معناه المضمن بها عند من تأمله، وشرح ذلك يطول، وبالله التوفيق. ... 35 - فصل في ذكر شبهتهم في ذلك وفيما قبله. وهو أن المريد المشرف على غير الحقيقة يتعين عليه إفراد الوجه بكل حال، فلا ينطق إلا بذكر مناسب لحاله، ولا ينظر إلا بفكر مناسب لأمره، ولا يتحرك إلا بحركة مناسبة لتوجهه، حتى تنصبغ حقيقته بمعاني ما فتح له، فيعود للأحكام العامة، وإنما يعمل بذلك دواء لعلة تفرقته عند آخر أمرها، وهي مرتبة لا تجوز للمبتدئ لعدم تهييئه لها، فكيف بالناسك المقتدي، لأن شأنه اشتغال عوالم جنسه، وحفظ النظام بوجهه بالتزام التقوى، ثم بالاستقامة، حتى إذا استكملنا فيه، طولب بمراقبة أنفاسه، وعند ذلك يسوغ له الاستئذان في كل شيء، لغليان قلبه، وجريان الخواطر عليه مع الأنفاس، وحركات أحواله مع التقلبالت، ليسلم من الغلط، ويبرأ من الرعونة والدعاوى، ويهتدي فيما دق كما اهتدى فيما جل، وما لم يفعل ذلك كان الغلط والضلال والضرر أقرب إليه من كل شيء، حتى إذا صار فيه ذلك كالمطبوع، نقل لتحقيق الحقيقة بإفراد الوجه وإخلاء الباطن عن الغير، وهنا يضيقون عليه أنفاسه، ويضبطون عليه حواسه، ويمنعونه المخالطة والمماسة، حتى إذا صح توجهه، ألقوا إليه ما يصلح له من الذكر المفرد، اللائق به على حسب ما يرونه من شاهد حاله، ثم إذا تمكن ذلك منه عادوا به للمبادئ في الصورة، وإنما هو لتكميل الحقيقة، فالنهاية الرجوع للبداية، وليست البداية التعلق بالنهاية، فمن طلب بداية في نهاية فاتته العناية، ومن طلب نهاية في بداية حصل على الغواية، وما هو إلا كمن يريد منفعة الإكسير (¬1)، في المعدن قبل تطهيره، فيتلفه بغير منفعة، وهذه حالة هؤلاء المساكين الذين بادؤوا المبتدئ بالتجريد، فخرجوا به إلى محل النفي والتبعيد، واغتروا في ذلك بحركات المشايخ مع المريدين الذين علمت، همتهم، إما بسلوك سابق، أو بجذب غالب، 36 - فصل في الإحداد بالصوم وغيره عقوبة أو كفارة لما يقعون فيه. فلم يبق فيهم بقية، رزقنا الله البصيرة النافذة، ومن علينا بكل جدوى عائدة، بمنه وكرمه. 36 - فصل في الإحداد (¬1) بالصوم وغيره عقوبة أو كفارة لما يقعون فيه. وهو أمر اجتهادي لا ينكر من حيث نفعه في التربية، لكن المنكر منه قولهم: من فعل كذا فعليه كذا، مثل قولهم: من استيقظ ليلا ثم غلبته عيناه عن حزبه فعليه صيام يومه، ويدعون أن ذلك تأديب للنفس، وعقوبة لها، وإجبار لما فات من عمل ليلتها، وكل ذلك لا يصح، لوجوه ثلاثة:

Sección V01/P117–V01/P120

أحدها: أن التأدب لا يجري على نمط واحد في النفوس المختلفة، فمن الناس من لا يبالي بالصوم ويؤثر فيه غيره، فيكون صومه زيادة عليه في غير حاصل، كما حكي عن بعضهم أنه جعل على نفسه كلما اغتاب صام يوما، فلم ترجع، فجعل كلما اغتاب تصدق بدرهم، فانزجرت (¬2) وربما عينا عكسه. الثاني: أن العقوبة إنما تكون بالمؤلمات وغالب المتوجهين في .. يتهم، الصوم لهم ملائم، وربما زادهم جرأة وتقوية، فلا يصح أن يكون عقوبة لكل نفس، وهو أمر واضح. الثالث: أن الكفارة والإجبار لا يكون إلا بما كان سنة أو خبرا غير معارض بشيء من الشريعة، وهذا معارض في الأصل والفرع، أما المعارضة # في الأصل فقولهم: من فعل كذا فعليه كذا، ولو لنوع من الناس - يضارع التشريع - إذ لا يقول ذلك، في أمر الدين سواه (ص)، ومن فعله سواه فقد ضاهاه في إثبات الأحكام، ومن ضاهاه في ذلك فهو شر المبتدعة، وسواء في النفي والإثبات، وأما المعارضة في الفرع، فهذا محل قد يثبت فيه من الشارع حكم عام، فلا يصح تخصيصه إلا بأمر منه، ولا أمر، فالمخصص كذلك دونه مبتدع، والحكم الثابت من الشارع صلوات الله وسلامه عليه في ذلك هو قوله (ص): "من فاته ورده من الليل فصلاه بينه وبين الزوال، كان كمن صلاه من الليل، وكان نومه عليه صدقة" (¬1) كذا رواه مسلم في صحيحه، ولم يفرق (ص) فيه بين حالة وحالة، فمن أين جاء التخصيص؟ أو من التعدي على أمر الله ورسوله؟ وقد قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} (¬2) وقال صلوات الله وسلامه عليه: "من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها لا كفارة لها إلا ذلك" (¬3) أقم الصلاة لذكري، هذا في الفرض، حصر الكفارة في وجوه الاستدراك من غير زائد، فما ظنك بالنافلة، أعاذنا الله من الابتداع في الدين، وسلك بنا مسلك المتقين بمنه، ثم إنا لا ننكر أن يكون للتربية وجه في ذلك، لكن لا بطريق العموم، بل على حسب ما يعطيه الحال من فراسة الشيخ فيه، وما يراه صالحا له ولائقا به في تربيته، فإن تحقق أن نومه من شبعه، وأن صومه يؤلمه أمره به، وإن تحقق غير ذلك عامله بحسبه، لا أنه يجعل ذلك قاعدة كلية، وأمرا ثابتا في الدين، فافهم، وبالله التوفيق. ... 37 - فصل في تفويتهم العشاء إلى ما بعد صلاة العشاء في غير رمضان ، وإن كان أحدهم صائما، وهو أمر مخالف للسنة من حيث الصوم، إذ ليت سنة لتعجيل خاصة برمضان، وقد أحدثوا بذلك معادات فضيلة الصوم، وربما غرهم فيه قول الإمام أبي حامد: إحياء ما بين العشاءين أفضل من صيام يفوته إفطاره، وهو على سبيل المبالغة والفرض، وإلا فالصوم محقق الفضيلة لصحة أحاديث الترغيب فيه، لا سيما في الأيام الفاضلة، كالإثنين والخميس وثلاثة في الشهر، وإحياء ما بين العشاءين حديثه فيه ما فيه (¬1) ثم إحياؤه لمطلوب بالصلاة ونحوها، لا على ما وصفوه هم، وقد يكون إيثار الفضل ما يقع فيه من أنواع العبادات، والله أعلم. ثم في تأخيرهم لما ذكر وجوه قبيحة: أحدها: ما فيه من شغل البال عند جوعه وجوع من يلتزم به، هذا الشارع صلوات الله وسلامه عليه يقول: "إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء" (¬2) وقال (ص): "لا صلاة بحضرة طعام" (¬3)، ووقع في الدارقطني (¬4): "إذا حضر المغرب وأحدكم صائم فليبدأ بالطعام" (¬5)، فهذه بدعة بإثبات حكم خلاف حكم الشارع فيها، وهو تخصيص الأمر العام بمجرد النظر، والله أعلم. الثاني: إن تأخير العشاء إلى قريب من النوم مضر بالمعدة، لعدم نزول الطعام عن فمها، ولا كمال مع فساد الطبيعة، فلا يجوز لأحد أن يدخل الضرر على نفسه وإن كان راضيا به مع إمكانه صرفه. قال بعض العلماء: وحفظ الصحة مطلوب للتقوي على العبادة، كالرضى بالواقع، استسلاما إلى الله تعالى.

Sección V01/P120–V01/P124

الثالث: في تأخيره إضرار بالغير، من زوجة أو ولد أو ضيف أو مضيف، ممن عسى أن تجب موافقته أو تندب، لأنه إن عرف عادته قد يعمل عليها وهو منحصر في نفسه، وهو الغالب إن أخر، أو يتقدم وفيه ما فيه، ولو وقع ذلك مرة في مرة، وإن لم يعرف عادته ربما ظن ذلك منه على وجه آخر، فكان جفاء في الجانبين، والجفاء منهي عنه بكل حال. الرابع: فيه تفويت لحق الزوجة والولد والسؤال، وتعليم الأهل رديء العوائد، مع ظنهم أنها خير من غيرها في الدين، لأن الحضور مع الأهل في العشاء مطلوب، وهذا يفوت لهم إن عجلوا، ومضر بهم إن أخروا، والقيام بحق السؤال معه قل أن يتفق، لأنهم لا يتطوفون غالبا إلا بين العشاءين، وهو إن كان يعطي فللتذكر أثر، واعتقاد الغير ممن يعتقده في ذلك أنه قربة بدعة (¬1) هو سببها، فنسأل الله السلامة. الخامس: فيه تشويش ومعارضة في الحال، لأن سنة الطعام التحدث عليه (¬2) وسنة ما بعد العشاء ترك الحديث فيه (¬3) فهو إن فعل أحدهما أخل بالآخر ولا بد له منه، هذا مع ما يلحقه من طريق العوائد من تكليف الأهل، بحفظ الطعام حتى يدركه سخنا إن سبقوه، أو يأكله باردا، وربما تضرر به أو ضر به غيره ممن يريد موافقته، فهو أمر لا خير فيه بحال، وبالله التوفيق. ... 38 - فصل في دعائهم للمصافحة وكيفيتها وما يتبع ذلك. أما دعاؤهم الخلق، فقد يرون أنه من باب هداية الخلق، وذلك مطلوب لحديث: "لأن يهدي الله بك رجلا" (¬1)، فقول: إن الهداية حاصلة بأصل الإيمان، فيقولون: إنما نريد كمال ذلك بالتقوى، فنقول: إنما هو بالوعظ والتذكير {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} (¬2)، فيقولون: لنفوس لا تقبل الحق إلا بصورة مستغربة، والمصافحة سنة (¬3) ولنا فيها سند ومستند مسلم، فنقول: هي مطلوبة للتوثق والمعاضدة على الدين، إذ لا أصل لها إلا بيعة الصحابة ثانيا بعد تحقيق الإيمان أولا، ونحن نجد منكم # فيها خلاف ذلك، لا من قبل الكيفية، ولا من قبل القصد، ولا من قبل الحقيقة. أما الكيفية فإن السنة فيها تمكين اليد من اليد على وجه يفهم المعاضدة والنصرة وهو توفية التمكين حقه، وشد كل يد صاحبه، وأنتم تجعلونها بأطراف الأصابع، وقلب إحدى اليدين على الأخرى، وتلقون ذلك بالتقبيل، وهو مكروه على المشهور (¬1) وليس من سنة المصافحة عند أحد # من العلماء، وأعظم من ذلك إلحاق التقبيل بوضع الجبهة على اليد، وهو شيء يشبه السجود، بل هو عينه، فيتعين تحريمه بظاهر شبهة السجود فيه، إذ قد نص العلماء على تحريم ما هو دونه، وهو إحناء الرأس لشبهه بذلك، وأضفتم إلى ذلك كونه محرما (¬1)، حال المصافحة، جالسا على الهيئة المطلوبة في الصلاة، وأعظم من ذلك اشتراطهم الحزام للصلاة، وهو أمر منهي عنه عند العلماء، منصوص عليه بالكراهة (¬2). وأما القصد فشاهد الحال منكم طلب الاستتباع والتكاثر بالأتباع، لأنكم تغلبون في ذلك كل من يأتيكم، وتدعون له من لم يأتكم، وتهملونه بعد الأخذ عنكم من النظر في أحواله، بل سمعت ممن أقبل قوله ما هو أنحس من هذا، وهو أن بعض مشيخة هذه الطائفة أتاه بعض اللصوص ليتبرك به، فقال له: خذ العهد، فقال: لا أطيقه، لأني لا أقدر على ترك ما أنا فيه من قطع الطريق ونحوه، فقال له: خذ العهد تعن على ما أنت فيه، وهذه مصيبة كبيرة، وضحكة عظيمة، فيها تجرئة للعصاة، وزيادة في إذاية المسلمين، وفتح باب الاستخفاف بالفقراء، واستهزاء بالدين، نسأل الله العافية بمنه.

Sección V01/P124–V01/P127

وأما الحقيقة: فالمصافحة مرادة للتبرك في حق المحب، وشرطها البيان والإيناس في حق المنتسب، وشرطها التعيين والإفادة في حق المريد، وشرطها الاهتمام، ولكل قوم فيها وجه، وله بعدها معاملة تخصه، وله فتح يليق به، وهم قد عمموا الأمر، وربما جعلوا دعواهم في ذلك ضمان الدرك عند الموت (¬1) بالثبات، وعند السؤال كذلك، وعند الصراط، إحالة منهم على غائب، حتى لا يفتضحوا، فانعكس الأمر بظهور الفضيحة، وذلك بشواهد الأخبار النبوية والعقود الإيمانية، فقد عرف أن هذه المواقف لا ينفع فيها أحد أحدا إلا الله سبحانه، دون واسطة ولا علة إلا مزيد الإيمان، لقوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (¬2) وما قطع قلوب الأكابر إلا هذه المواقف، لعدم العلم بها، وتوقفها على مراد الحق سبحانه الذي لا تدخله علة ولا سبب، حسبما هو معلوم من الدين ضرورة، وإذا كان حسن الخاتمة أمرا لا يثق به الشيخ في نفسه، فكيف يدعيه في حق غيره، وأيضا فدعاء الرسل عليهم السلام عند # الصراط: "رب سلم سلم" (¬1) فكيف يكون لغيرهم كلام أو نسبة، ويرحم الله سيدي أبا العباس الحضرمي (ض)، حيث يقول في كتابه (صدور المراتب): وما ندري وما أحد من الناس يدري ما يفعل الله به وبغيره، أعاذنا الله من المحن والفتن بمنه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ... 39 - فصل فيما أحدثوه من أخذ العهد وخالفوا به الحقيقة والقصد. وذلك لا يختص بهذه الطائفة، بل لغيرهم فيه قدم وشرط، وجملة ذلك عشرة أوجه: أحدها: رحلتهم في طلب أخذ العهد على الناس، والنزول عليهم في بلادهم لذلك، وفيه من الابتذال ما لا يخفى، ومن مخالفته فعل القوم ما لا ينبغي، فإن قالوا: حرصا على هداية الخلق، قلنا: لم نر للهداية بارقة إلا في حق من دعاه قلبه لذلك، وهو الذي يطلب، لا أنه الذي يطلب، وفي شهرة الشخص كفاية لطالب الخير، ولو انفرد هذا الأمر لكان له وجه ضعيف، لكن بإضافته لغيره صار قبيحا. الثاني: حمل الناس على ذلك بالقهر مرة وبالحيلة أخرى، مع اكتفائهم منهم بمجرد ذلك وإن كانوا جهلة، وإشداد الأمر عليهم إن تأبوا عنهم وكانوا رؤوسا، أو ممن ترجى لهم الرياسة، وهو أمر لا خفاء في قبحه أيضا، وقد أخبرت بوقوع ذلك من جهة أثق بها، عن جهة هي أمثل من رأيت في ذلك، والله أعلم. الثالث: قبول كل أحد فيه على ما هو عليه، وتقريره على ما هو به من حسن أو قبح، دون انتقال إلى خلافه، سوى صورة طريقهم الذي غالب أمره بدعة، وما كان منه سنة، قد تركوا به ما هو آكد منه، وهو إلزام التقوى بترك الغيبة والريبة والكذب والخيانة إلى غير ذلك من أمور الدين التي لا يعرجون عليها. الرابع: اعتقادهم أن التوبة لا تصح إلا بمتوب (¬1)، ولا تكمل إلا بشيخ، وإنه لا يصح أن يكون إلا من خرقتهم (¬2) وإن كان من غيرهم، فإما أن يسلموه على استنقاص وإما أن يطعنوا فيه، وهو شيء خارج عن الحق، فيرحم الله الشيخ أبا العباس بن الحسن نزيل تلمسان، حين جاءه بعض أصحابنا ليتوب على يديه فقال: إذا جاءتك التوبة فلا تتوقف علي، بل لا تأتيني إلا بعد تحصيلها إما طلبا للدعاء بالثبات، وإما لتعلم لوازمها، فكف. الخامس: اعتقادهم أن الشيخ كاف عن العمل، والعمل لا يصح بعد العهد إلا بالشيخ، وهو أمر فاسد للبطالة في الأول، ولمخالفته الحق في الأمر الثاني، فقد جاء رجل لسيدي عبد السلام بن مشيش (¬3) (ض)، فقال له: أريد أن أستأذنك في مجاهدة نفسي، فأجابه بقوله تعالى: {لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون} (¬4) فالتوبة لا تحتاج إلى متوب والمجاهدة لا تحتاج لإذن، لكن لمذكر حتى يقع الندم، ثم لمعلم حتى يعرف الحق، ثم لمعين حتى يحصل الثبات، وهو كمال لا شرط، والله أعلم.

Sección V01/P127–V01/P129

السادس: اشتراط بعضهم على مريده أن يعتقد فيه العصمة، وأن كل ما يصدر منه حق في نفس الأمر، وإن خالف الحق بصورته، ثم يضيق (¬1) عليه المباحات، ويسمح له في الواجبات، ولا ينبهه على المحرمات، ولا يعرج له على رد المظالم، ولا قضاء الفوائت ولا استدراك الوقت، ولا الحذر من أسباب المقت، بل يهمله إن كان ضعيفا، ويستخدمه إن كان قويا، ويستعين به إن كان فقيها، ويغلطه في نفسه إن كان له فهم، بأن يريه أن كلما يصدر منه من الفهوم ونحوها قبح، فإن قدمه على جماعة فقد شغله بما لا يمكن فلاحه بعده من الرئاسة، التي قطعت ظهور الكبار، فضلا عن هذا المسكين، أعاذنا الله من البلاء بمنه. السابع: أن يصيره بعد أخذ العهد مملوكا لا يباع، وأسيرا لا يفدى، إذ يقيمه خديما للطاحونة، وحليفا للمسحاة، ويبقى معه لا روح له ولا مال، ولا ولد ولا أهل، ولا حول ولا حيلة، فيأخذه بأمور لا تطاق من غير شفقة ولا رحمة، ويريه أن ذلك في حقه منفعة، وتطهير لسره، قائلا: السر في التراب، والحكمة في الخدمة، ويذكر من الأمور الظاهرة على مشايخه من الآثار النفسانية ما يخفف عليه ذلك، ومنهم من يكتسب من مريده بالأخذ من ماله، وحجة من يكتسب على مريده، بأن يوجهه للسؤال، ويريه أن ذلك صلاح له في الحال والمآل، وأن مراده به إخماد نفسه، وإظهار صدقه، وزوال كبره، وما هو إلا سقوط المروءة، وثبوت دعوى الاختصاص، والفضيحة، وإجابة داء الطمع، والعياذ بالله، ومنهم من يكتسب من مريده، بحيث يكون له جاه أو شهرة، فينال بنسبته إليه مزية ومنزلة، فيأخذ من أموالهم، وينال من أغراضهم ما يريد، بسبب اشتهاره بمشيخة فلان، حتى اضطرهم هذا المعنى إلى إدخال أقوام لهم جاه غير مستقيم والتبجح بهم، والاستظهار بنسبتهم لهم، إلى غير ذلك، أعاذنا الله مما ابتلاهم به بمنه وكرمه، وهذا الأمر وإن لم يشعروا به قصدا، فهو كامن # في النفوس، وما يظهر من تأويله بوجه الحق، فمن غدرها (¬1)، الناشئ عن العلم، المتولد من تمكن الهوى، والله أعلم. الثامن: التزام الأسلوب الغريب الذي تنقاد إليه النفوس لغربته، من غير مبالاة بالدين، ولا تعريج عر سنن أئمة المهدين، حتى لو ذكر بشيء من ذلك لقالوا: هذا علم الكتاب، والذي عندنا علم القلوب، ولقد انجر الأمر ببعض من خذله الله عند سماع بعض تلك الحكايات إلى أن قال: ما ظاهر الشريعة إلا حرمان، وهذا الكلام عين الضلال والحرمان، أعاذنا الله من البلاء بمنه. التاسع: فطم التائب عن كل علم وعمل سوى ما عندهم، وليس عندهم إلا ما علم من البدع والكيفيات، فهي خيانة إن قصدت في الفرع، وإن لم تقصد في الأصل بوجود الجهل، حتى انجر الأمر ببعضهم إلى استباحة المحرمات، والتصريح بالمنكرات، ورؤية ذلك عين الكمال، فلقد رأيت من لا يشترط على مريده سوى مخالفة مذهب مالك في مسائل خاصة إلى الرخصة (¬2) ورأيت من صرح بأن فلانا يرى الله جهرة، وهو والعياذ بالله خروج عن الإجماع أو قريب منه في إثبات الحكم (¬3) فكيف مع تعيين الشخص، وما هو بمستقيم الحالة، أعاذنا الله مما ابتلاهم به بمنه وكرمه. العاشر: سوء الملكة، وقوة التعصب بذكر الموالاة والمعاداة، وأن صدق الهمة في الشيخ بمعاداة من عاداه وموالاة من والاه، فاضطرهم ذلك إلى المفاخرة والعناد والمنارعة، وقلة المبالاة بحرمة المشايخ، بل المسلمين جملة، فلا تسمع إلا غوثا (¬4) وتشويشا ودعاوى كاذبة، ونفوسا خائبة، بل لا تسمع إلا "شيخنا وشيخكم"، "ونحن وأنتم"، "وطريقتنا وطريقتكم"، # لا سيما أولاد المرابطين، فإنهم يرون الحق لأنفسهم دون غيرهم ولآبائهم، دون من سواهم، وما هم إلا كما قيل: يفتخرون بأجداد لهم سلفوا ... نعم الجدود ولكن بئس ما خلفوا هذا غالب حالهم، والنادر لا حكم له، وهو أقل من القليل، نفعنا الله بهم (¬1)، وأعاد علينا من بركاتهم، إنه منعم كريم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ... 40 - فصل في أخذ العهد أصلا وفصلا، وكيفيته وفاء ونقصا، وما يجري في ذلك.

Sección V01/P129–V01/P132

أما أصله فحديث عبادة بن الصامت (ض) أن رسول الله (ص) كان في عصابة من أصحابه، فقال: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني (ولا تعصوا) في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، (ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارة له) (¬2) ومن أصاب شيئا من ذلك ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفى عنه"، فبايعناه على ذلك (¬3)، أخرجه البخاري وغيره، وقد جعل أئمة الطريق هذا الحديث أصلا في أخذ العهد إذ كان بعد تقرير الإيمان، ومقصده التوثق بمقتضيات الإيمان حتى لا يخل بها، وفيه من السماح ما لا خفاء به، وهو خلاف ما يلزمه هؤلاء الجماعة من المشاق، ويبنون عليه من ضيق النطاق. فإن قالوا: الطريق مبني على الحزم، والرخصة إنما هي للعوام، # والنبي (ص)، قال: "أجرك على قدر نصبك" (¬1)، قلنا: عزم الطريق باعتبار الحكم، وترك الرخص، يعني المختلف فيها كما يأتي بيانه، وقال (ص): "إن الدين يسر ولن يشاب الدين أحد إلا غلبه" (¬2) وقال (ص): "إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" (¬3) وقال (ص): "بعثت بالحنيفية السمحة البيضاء النقية" (¬4)، وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): الشيخ عن دلك على راحتك لا على تبعك، وقال أيضا عن أستاذه (¬5) (ض) في قوله (ص): "يسروا ولا تسروا وبشروا ولا تنفروا" (¬6) يعني: دلوهم على الله ولا تدلو هم على غيره، لأن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن ذلك على العمل فقد أتعبك، ومن ذلك على الله فقد نصحك. وقولهم: الأجر على قدر المشقة، كلام باطل (¬1)، بل الأجر على قدر الاتباع، ولولا ذلك لكان كثير من الأعمال أفضل من الذكر، ومن المعرفة والإيمان، ولفضل الحج الصلاة، وهو أمر لا يصح بحال، إلى غير ذلك، فافهم، والحديث خاص لخاص في خاص، فلا يكون حجة في العموم. وأما الكيفية فللناس فيها طرق بحسب أحوالهم، ومواقع أمورهم، وطريقة هذه الجماعة في ذلك أن يصافح الشيخ، ثم يأخذه فقير أو مقدم عندهم ليخلو به ويعلمه صورة الطريق، وهذا من حيث صورته أمر لا ضرر فيه، إلا من حيث كيفية المصافحة وما يترتب عليها، وقد مر ما في ذلك ويأتي بعضه إن شاء الله، والطريق المأخوذ عن الشيخ أبي الجمال يوسف العجمي (¬2) رحمه الله ورضي عنه، هي أن يصحح الشيخ مقامه في التوبة ليتحقق ما يأمر به، ويكون ممن يأمر بالخير بعد فعله، وليقوم بحق الله عليه في واجب وقته، لأنه لا يخلو مقام عن توبة تليق به، إذ حسنات الأبرار سيئات المقربين، ثم يصلي ركعتي التوبة إن أمكنه ذلك، ثم يجلس بأدب، جامعا همته في الصدق مع الله واللجوء إليه في هداية نفسه، ومن تعلق به، خارجا عما عنده لما عند الله، بأن يشعر نفسه بأنه تعالى هو المتوب، وأنه آلة في تأكيد العهد على عبده هذا، فإنه لا يقدر له ولا لنفسه على شيء، بل الله هو التواب الرحيم، ويذكر له عند ذلك حقيقة التوبة وآدابها وشروطها وفرائضها ومكملاتها إن لم يكن عالما بها، وإلا اكتفى بعلمه بها، ويحذره المعاصي والعودة إليها، ويذكره الله في شأنها، ويخوفه من نقض العهد بما يتقي من العقوبة عاجلا، والعذاب آجلا، مثل: لعنة الله، وقسوة القلب، المتضمنين في قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا # قلوبهم قاسية} (¬1) الآية، ويعرفه أن النقض يجر إلى سوء الخاتمة والعياذ بالله، قالوا: ثم يضع يده اليمنى فوق باطن يد التائب اليمنى، ويعرفه بأنه شريكه في التوبة، لاستوائهما في أمر الله لهما، بقوله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (¬2) الآية، وهذا كله حسن له مستند من الشرع في صورة البيعة. قالوا: ثم يغمض عينيه ويسكت ساعة ليجتمع همة، ثم يتعوذ، ويبسمل، ويقول: أستغفر الله العظيم ثلاثا، نسقا، ثم يقول بعد الثالثة:

Sección V01/P132–V01/P135

وأتوب إليه وأسأله التوبة والتوفيق لما يحب ويرضى، ثم يصلي على النبي (ص)، ويقول: الحمد لله رب العالمين، ويتبعه المريد في ذلك كله، ثم إن شاء ذكر مشايخه وأستاذه أو استغنى عن ذلك، قالوا: وكذا يفعل في تلقين الذكر، ولبس الخرقة (¬3) ثم يأمره بلزوم التقوى والطاعات، واجتناب المخالفات، والبحث عما فيه رضى الله تصريحا وتلويحا، وهذا كله أمر اصطلاحي، ولكن له مستندات تجري على أصل القوم في العمل بما يقتضي جمع قلوبهم مما لم يجمع على تحريمه. فقد يقال: إنها من المصالح الدينية، لما فيها من التثبيت والتأثير الظاهر، والفائدة الجلية في ربط أقوام من أهل الجرائم عما هم عليه من القبائح والرذائل، لكن ما يزيده بعضهم من ذكره آية البيعة، وتكرير آخرها، قد ينكر من جهة تنزيل نفسه منزلة الشارع (ص) الذي هو نائب الحق سبحانه حقيقة، إلا أن تكرير آخرها قد يكون للتأكيد في عدم النكث والله أعلم، وبالجملة فهذه الكيفية لا تلزم، وكل أحد ينفق من حاله، فيلقي للمريد على قدره، وكل حركة صدرت من غير هوى أفادت الحقيقة والتحقق، بخلاف غيرها، وكل ما تضمنه العهد من مباح ونحوه فالوفاء به واجب، والمحرم حرام والمكروه مكروه، وبالله التوفيق. ... 41 - فصل في التنبيه على الأمور المتشابهة من أحوال الجماعة المذكورة. ومدارها على ثلاثة أقسام: أحدها: أمور خالفوا فيها المشهور، وعدلوا عن مذهب الجمهور، كالاستظهار بالنافلة جماعة، وهو مذهب الشافعي، أعني جوازه لاستباحته (¬1) لأن النوافل في البيوت أفضل اتفاقا، ولئلا تصير كالفرض في الصورة، بل قد ورد صلاة النافلة في البيت كالصلاة المكتوبة في الجماعة، وصلاة النافلة في المسجد كالفريضة في البيت (¬2). وترك القصر في السفر، فقد قال (ص): "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تترك عزائمه" (¬1) وقال (ص): "خيار أمتي الذين إذا أساؤوا استغفروا، وإذا سافروا قصروا وأفطروا" (¬2) أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد ورجاله ثقات، ولأن الزيادة بالإتمام عند القائل بالقصر نقص، كالنقص عند القائل بالإتمام، وقد كان في الصحابة المتم والمقصر، ولم يعب واحد منهم على واحد (¬3)، فالتحديد بعد ثبوت فضل أحد الطرفين تعد، والله أعلم. وكالقنوت بعد الركوع مخالف للمشهور، لا للجمهور، فلا علة له إلا قصد المخالفة، لما الناس عليه من الأمر، إما قصد الامتياز أو رؤية أن مخالفتهم كمال، وهو قبيح بالتعريض والتعرض للأذى، والله أعلم. وكالذكر بعد الصلاة بالجهر والجمع من التصلية والتكبير خلاف المشهور، ولكن يساعده قول ابن عباس: ما كنت أعرف انصراف الناس من الصلاة إلا بالتكبير (¬4)، رواه البخاري وهو من باب الفضائل الخارجة # عن ماهية الصلاة، فالعمل به غير قادح، لا سيما في الثغور على قول ابن حبيب (¬1)، والله أعلم. وكقولهم في التقديم للصلاة بحديث: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" (¬2) فيقدمون الجاهل (¬3) على العالم إذا كان مقدما عندهم، وانجر بهم الحال إلى تقديم من لا يحكم الصلاة على من يحكمها، وهو أمر صعب جدا، يضارع المحرم أو هو عينه، من جهة مخالفة الجمهور، بل الإجماع في الأولوية، وإن كان إجماع القوم على جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر، فالأئمة شفعاء، والأحق مقدم أبدا كما هو معلوم من الفقه، وإن استووا في البراءة من الفسق، والله أعلم.

Sección V01/P135–V01/P139

القسم الثاني: إدخال أمور على العادات يظن أنها من الشريعة وليست منها، كقيامهم للمحترمين منهم، وقد أجازه بعض العلماء، بشرط أن يكون المقام له من أهل الدين، بلا انحناء ولا تكتيف (¬4) وقد نهى (ص) العرب عن التزي بزي العجم، وما نهى العجم عن زي أنفسهم في قوله: "لا تفعلوا بي # كما تفعل الأعاجم بملوكها " (¬1) وفي الصحيح لم يكن أحب إليهم من رسول الله (ص)، ولكنهم كانوا إذا رأوه لم يقوموا له (¬2) لما يعلمون من كراهيته لذلك وشدته عليه، وأعظم من ذلك قوله (ص): "من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار" (¬3) وهذا تبشير بسوء الخاتمة والعياذ # بالله، فكيف يتعرض له من كان في طريق الله، بمجرد احتمال قد يصح وقد لا، ويظهر من هذا أن الفاعل أعذر من القائل. وقد سئل عز الدين بن عبد السلام رحمه الله عن هذا القيام، فأجاب بحديث: "لا تقاطعوا ولا تدابروا" (¬1)، وقال: تركه يؤدي إلى التدابر # والتقاطع، فلو قيل بوجوبه لم يكن بعيدا، فجعله من محل الضرورة لدفع المفسدة، وقد أشبع فيه ابن الحاج في مدخله، ثم هو بكل حال قبيح، وأقبح منه جعله من الدين، أعاذنا الله من البدعة والفتة بمنه وكرمه. وكقراءة الفاتحة وسورة قريش بعد الطعام، وهو أمر لا نص فيه، فالتزام أهل الدين له يقتضي أن يكون منه، فيكون بدعة، وإلا فهو ذكر مذكر بالشكر والنعمة لا نص في نفيه، فقد يكون من حيز ما هو عفو، فيتعين بيانه بالترك مرة، والتنصيص أخرى، وكإدخال العروس بيته بالذكر، وهو تبديل لما ورد فيه من العادات المشعرة بها كالدف والغربال، والوليمة والدخان والغناء المباح لذلك، المعروف من الشريعة فيه، ولو كان محلا للذكر ما أغفله الشارع ولا أهمله السلف، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى يه أولها، وكذلك الذكر مع الجنازة، والله أعلم. وكذلك ذكرهم عند باب الشيخ إلى خروجه، أو وقوفهم به إلى قضاء حاجته من بيته، وقراءة بعضهم الفاتحة قبل الصلاة، وعدم الغسل بعد الطعام وقبله، وإن كان فيما قبله اختلاف، وقد صح "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم" (¬1) فأما إهمال المريض حتى يصح افتقاره فمن قلة الرحمة، وهو لا يعمل به إلا طائفة منهم، فلا حديث عليه، وبالله التوفيق. القسم الثالث: في أمور اصطلحوا عليها، وجرت بينهم مجرى العرف والعادة، منها ما هو في الأكل، ومنها ما هو في اللباس، ومنها ما هو في المحاوراة، ومنها ما هو في التصرفات، فتحتاج لعقد فصل مستقل، وبالله سبحانه التوفيق. 42 - فصل في أمور تقيدوا بها في العادات وغيرها. فمن ذلك تقيدهم في اللباس والصوف (¬1) وبالأبيض منه والأخضر، والعمامة، كورية إن كان ثم ما يكون فوقها، وكشفها إذا أراد مصافحة ونحوها، فأما الثلاثة الأول فلها مستند، وأما العمامة الكورية فهي من فعل قوم لوط، وزي العجم، إذ عمائم العرب ذوات دوائب، أو محنكة، ولم يزل رسول الله (ص) ينهى عن التزيي بزي الأعاجم، وقد تقدم ما فيه من كلام بعض العلماء وتأويله، مع أن الأولى التنزه عند الاشتباه (¬2) والله أعلم، وما وراء ذلك لا نعرف لهم فيه أصلا، ولا في نفيه مستندا فلا نتعرض له. ومن ذلك تقيدهم في المخاطبات بأمور لم تعهد لغيرهم، كقولهم: (الاختيار في الكلام)، (الاختيار في القيام)، (الاختيار في كذا ...)، لكل أمر يريدون الاستئذان فيه، وهو كل أمر يتصرفون فيه مما قل وجل، حتى الواجبات والضروريات، وقد تقرر ما فيها، فأما غيرهما فقد يكون له وجه، لكن السنة خلافه، لا سيما اشتراطه، إلا في حق المريد المشرف الذي يخشى عليه من حركاته، فيكون دواء لعلته، والله أعلم. فأما تلك الألفاظ المذكورة المتعارفة بينهم فهي اصطلاحية، وقولهم: (الفقراء بالصورة)، يحتمل وجوها ثلاثة: أحدها: أنهم في ذلك يخبرون عن أنفسهم أن ليس لهم في الطريقة إلا الصورة، فهو من باب التواضع ورؤية الفلس في الحال من الحقائق، فهو من باب الأدب.

Sección V01/P139–V01/P142

الثاني: إن حقيقة الفقر للشيخ والصورة للمريد، حتى ينتهوا إلى المشيحة، وكذا سمعت تأويله عندهم. الثالث: إن تسمية الفقراء لا حقيقة له فيهم، لاتسامهم بالغناء بالله في نفس الأمر، فهو اعتراف بالمنة، ووقوف مع كرامة الحق في خطاب التكليف، ونعمة الإسلام ونحوه، وهذه كلها أمور تجر إلى الدعوى والاستظهار بالنسبة، فلا يسلم من رؤية النفس معها إلا من عصم الله سبحانه وتعالى، ثم فيه من إغراء المنكرين عليهم بالتهجين والتقبيح واستثقال النفوس لذلك منهم بما لا خفاء فيه، فاعرف ذلك، ومن ذلك تقيدهم في الأمور بمقدم يرجع إليه في غياب الشيخ أو حضوره ممن ترضى حاله أو لا، وقد يكون جاهلا، فيقدمونه حتى على العالم منهم، وهو من إرهاق العسر، مع أن السنة عدم ذلك إلا في السفر. فإن قالوا: نحن مسافرون بالمعنى، قلنا: يتعين أن تقتصروا في حركاتكم على ما يقتضيه سفركم في اتباعه، وهو معرفة الطريق، ووجه السير، والنزول ونحوه، لا في (¬1)، العموم، لكن قد يكون للتعميم وجه، حيث لا نص من الشارع بنفي ولا إثبات، فاتقوا الله في ذلك. ومن ذلك إباحة المعانقة وتقبيل اليد والمصافحة، أما المصافحة فحسنة وفيها اختلاف (¬2) وقد تقدم الكلام على صورتها، وأما تقبيل اليد فالمشهور كراهته (¬3) والفتيا بجوازه حيث لا وازع دنيوي، ولا خشية شهوة ولا توهمها، والمعانقة كرهها مالك وأجازها غيره (¬4) لكن هذه الثلاثة قد تكون ذريعة لأمور منكرة، عاينا منها ما شاء الله عند قوم، وقد قال بعض التابعين: يكون في هذه الأمة لوطيون ثلاثة، قوم بالفعل وقوم بالمصافحة وقوم بالنظر (¬5)، فيرحم اللهم مالكا في سد هذه الذرائع بالكراهة، ولغيره العذر بإثبات الحكم، وإثم الفاجر على نفسه، والله أعلم. ومن ذلك اشتراطهم الزيارة (¬1) على المريد، وأنه مع إخوانه مساو لهم في الحال وغيره، وهو شيء يجر إلى أكل الحرام النص، فإن النفوس مهجبولة على حب الخير، واستحسان ما يذكر بالحسن فتأتي لذلك، وتدخل فيه، مع حب الدنيا، فلا يمكنها إلا الإسعاف مصحوبا بالتكلف، وقد قال (ص): "أنا وأتقياء أمتي برآء من التكلف" (¬2) وقد انجر بعض الناس إلى المنافسة فوقعوا في خلاف المقصود، وصار يؤذي بعضهم بعضا بالمعايير، ويقولون: ذوي فلان (¬3) مثل ثيران الحرث، لا يأتون بشيء، ويريدون العلف والتلف، إلى غير ذلك، وهذا أمر محرم إجماعا، وأعظم من ذلك استنادهم إلى قوله تعالى: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ...} (¬4) الآية، وهي آية منسوخة الحكم وإن بقي الندب، لكن في حق المقام الأشرف (ص)، فلا يقاس به غيره، وقياسه به من إساءة الأدب، وشم روائح الزندقة، وإن ادعي الوراثة ففي العلم والعمل والحال، لا في تكلف التعظيم والوقار، وأخذ المال، بل يتعين عليه أن يدع الناس وهمهم فيه، ويسقط عنهم الحق (¬5) والكلفة، فإن هو فعل، وإلا هلك وأهلك، وبالله التوفيق. ... 43 - فصل جامع لأمور شتى من وقائعهم ووقائع غيرهم على حسب التيسير. فمن ذلك إنكار الناس عليهم ترك حلق ما تحت اللحية، وهو إنكار مندوب شرعا بمستحق عادة، لا يصح بحال، بل لا يجوز، لمخالفته الأصل والوجه الواضح، اللهم إلا أن يقال بنكره لما يؤدي إليه من وجوه ثلاثة: أحدها: أنه صار شعارا للمبتدعة ببلاد المغرب، إذ لا يمتاز به إلا وهبي أو جزناري (¬1) أو نحو هذا، فيكون إغراء للناس على عرض فاعله، وسببا لسوء الظن به، أو إضلالا للعوام باعتقاد الفضل لكل من يظهر به، وهذه كلها مضرة بالدين والدنيا. الثاني: ما يلحق أهله وولده بسبب ذلك (¬2) من الإهانة والمعرة، والتأذي في الاستمتاع من ترك الزينة التي اعتيد وجودها في جنسه، وهو أمر ممنوع في الأصل والفرع، فلا يقدم عليه (¬3) إلا من ضرورة شرعية، ولا ضرورة شرعية، إذ لا خلاف في أنه (¬4) مندوب إليه لا واجب، ووقاية العرض والدين وحفظ حرمة الأهل واجب.